Полный текст (8 195 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
القرآن الكريم أن يُبَلِّغوا العلم إلى الناس وألَّا يكتموه، وجاءت السنة تُؤكِّد ذلك تمام التأكيد، من ذلك الحديث المشهور: «من سُئِل عن علم فكتمه، أُلْجِم يوم القيامة بلجام من نار».
فإذاً: عامة المسلمين واجبهم أن يَسْعَوا لهذا العلم، فإذاً هؤلاء لا غنى لهم إلا أن يرجعوا عند الحاجة وعند الملمات إلى العلماء؛ لأن الله أمرهم بذلك: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
ولكن أهل العلم ليسوا في المنزلة عندنا كمنزلة نبينا ﷺ ، المعصوم والمبلغ عن الله والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ لأنه معصوم، أما العلماء فليسوا كذلك، إنما هم مُبَلِّغون عن رسول الله ﷺ ، فقد يصيب أحدهم وقد يخطئ ولا عصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ ، خلافاً لبعض الفرق التي تَدَّعي العصمة لأهل البيت، فهذا من الانحراف عن الكتاب والسنة، فلا عصمة لأحد بعد رسول الله لا لعلي ولا لأبي بكر ولا لغيرهم من الصحابة الأجلاء، فضلاً عن العلماء الذين جاؤوا من بعدهم.
وإلى هذه الحقيقة أشار النبي ﷺ بالحديث الصحيح، قال: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد».
إذاً: العالم يخطئ ويصيب، أما نبينا فلا يخطئ في الشرع مطلقاً، بل هو معصوم كما ذكرنا آنفاً.
من هنا يجب أن نجعل تَعَصُّبنا في ديننا فقط لرجل واحد ألا وهو رسول الله ﷺ ولا نتعصب لعالم من علماء المسلمين، وإنما نستعين بهم ونسترشد بهم، ليدلونا على ما كان عليه رسول الله ﷺ هذا شيء، وشيء ثانٍ: قد أخبر النبي ﷺ بحقيقة نلمسها الآن في هذا الزمان لمس اليد كما يقال؛ ذلك قوله ﷺ : «إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً فطوبى للغرباء»، «إن الإسلام بدأ غريباً -أي: كما بدأ- وسيعود غريباً فطوبى للغرباء».
هذا الحديث هكذا في صحيح مسلم، ثم جاء في بعض الروايات الأخرى
стр. 3607
الثابتة عن النبي ﷺ تفسير هؤلاء الغرباء.
والتفسير جاء على نوعين: أحدهما: لما قيل له: «من هم الغرباء يا رسول الله؟ قال: هم ناس قليلون صالحون بين ناس كثيرين، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم»، وهذه الحقيقة لا يشترك في معرفتها خاصة الناس وهم العلماء، بل بعض العلماء، وإنما كل المتدينين يلمسون هذه الحقيقة؛ وذلك يتضح من السؤال التالي: هل أكثر المسلمين اليوم يطيعون الله في أحكام دينهم، أم يعصونه؟ يعصونه، الأكثرون هم المخالفون.
فإذًا: صدق هذا الحديث: «الغرباء: هم ناس قليلون صالحون، بين ناس كثيرين من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم»، الذين لا يصلون أكثر من الذين يصلون، الذين لا يتقون الله في أنفسهم وفي ذويهم ونسائهم وبناتهم وأولادهم أكثر من الذين يتقون وهكذا.
لكن هناك شيء آخر الغرباء ناس قليلون صالحون بين ناس كثيرين، من يعصيهم أكثر ممن يُطيعهم، المعصية قسمان: قسم الأمر معروف فيه باتفاق المسلمين كالأمثلة السابقة كالصلاة مثلاً، تبرج النساء، فهذا فرض وذاك محرم كل هذه الأحكام متفق عليها بين المسلمين، مع ذلك فأكثر الناس لها تاركون ومخالفون.
لكن هناك أحكام أخرى، يختلف فيها علماء المسلمين أنفسهم، يخرج مثلاً خلافهم في البدع الحسنة والبدع السيئة، مع أن النبي ﷺ قد صَرَّح في أكثر من حديث واحد فقال: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وقال في الحديث الآخر: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد» مع هذه الأحاديث وغيرها تسمعون اليوم بعض من يُنْسَب إلى العلم يقول: هناك بدع حسنة، فهنا خلاف بين طائفتين من خاصة المسلمين وهم العلماء، فطائفة تقول بقول الرسول: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وطائفة تقول: لا، هذا الحديث ليس على عمومه، وإنما هناك بدعة حسنة، وأيضاً هذا يحتاج إلى درس خاص ولا أستطيع الخوض فيه الآن، وإنما التذكير بمعنى هذا
стр. 3608
الحديث؛ حديث الغربة فيه روايتان، نحن الآن في صدد الرواية الأولى: «الغرباء: هم ناس قليلون صالحون بين ناس كثيرين، من يعصيهم أكثر ممن يُطيعهم»، الحديث الثاني سَيُجَلِّي لنا معنى ثانٍ في الحديث الأول لا يتنبه له كثير من الناس، لما قيل له ﵇: «من هم الغرباء؟ قال: هم الذين يُصلحون ما أفسد الناس من سُنَّتي من بعدي».
إذاً: هنا غربتان: غربة الصالحين بين الجمهور الطالحين، وغربة ثانية: غربة الصالحين في الصالحين؛ لأن الصالحين هنا قسمان: صالحين اتجهوا إلى عبادة الله قسم منهم على سنة رسول الله، وقسم منهم خرجوا عن سنة رسول الله، من حيث لا يشعرون أو يشعرون، حسابهم عند الله ﵎.
فالرسول ﷺ أخبر عن واقعنا في هذا الزمان، قال: «الغرباء: هم الذين يُصْلِحون ما أفسد الناس من سنتي من بعدي».
والآن أختم هذه الكلمة بمثال، لعل غيرَنا من إخواننا الحاضرين يشاركوننا في بيان ما يحكيه إن شاء الله أضرب لكم مثالاً واحداً، يبين لكم الخلاف الآن بين من يَدْعُون إلى إحياء السنة وإماتة البدعة، وبين الذين يناصرون البدعة على حساب إماتة السنة، لا نذهب بكم بعيداً، عندكم الآن الأذان، فهل الأذان في كل البلاد الإسلامية إلا البعض القليل منها، هل هو على السنة؟ الجواب: لا؛ لأن الأذان في كثير من البلاد له مقدمة وله مؤخرة، في بلاد أخرى وهذا الأكثر لابد لها من مؤخرة، والأذان كما نعلم جميعاً في السنة يبدأ: بالله أكبر .. الله أكبر، وينتهي: لا إله إلا الله ... هذا هو أذان بلال، وأذان ابن أم مكتوم وأذان أبي محذورة ... هؤلاء من أشهر مؤذني الرسول ﷺ كانوا يُؤَذِّنون في زمانه، لا يُقَدِّمون شيئاً ولا يُعَقِّبون على الأذان شيئاً آخر، هذا هو السنة بالاتفاق.
لكن الذين يناصرون البدعة، يقولون: هذه البدعة حسنة، أي: زيادة على الأذان سواء كان من قبل أو من بعد، وهذا أمر كتب فيه رسائل بين أنصار السنة وأنصار البدعة، ولا أُريد أيضاً أن أقف هنا كثيراً؛ لأني أعتقد أن الحاضرين إن شاء
стр. 3609
الله جميعاً يعلمون هذه الحقيقة، أن السنة في الأذان هو فقط كما قلنا: الله أكبر .. الله أكبر ..
لا إله إلا الله، لكن أريد أن أُذَكِّر الآن ببدعة اختص مع الأسف بلدكم هذا دون بلاد الإسلام كلها، وهو ما يسمونه بالأذان المُوَحَّد، الأذان الموحد ينافي التوحيد؛ لأن التوحيد كما قلنا بَيَّنه الرسول ﷺ ، فقد جعل في كل مسجد أذاناً وفي كل محلة مسجداً، وأنتم تعلمون أن المسجد الجامع في عهد النبي ﷺ في المدينة إنما كان مسجده ﷺ ، وهناك كان يجتمع المسلمون من كل المساجد التي كانت حول المدينة في العوالي ونحوها، أما مسجده ﵇ فقد كان مسجداً جامعاً، أي: تصلى فيه صلاة الجمعة، دون المساجد الأخرى التي كانت حوال العوالي، والتي من تلك المساجد مسجد معاذ بن جبل ﵁، الذي جاء حديثه في صحيح البخاري، أنه كان يصلي صلاة العشاء الآخرة وراء النبي ﷺ يكسب فضيلتين اثنتين؛ فضيلة الصلاة في المسجد النبوي أولاً، التي هي بألف صلاة مما سواه من المساجد؛ مساجد العوالي مثلاً، وفضيلة الصلاة خلف النبي نفسه ﷺ ، فكان يصلي صلاة العشاء الآخرة خلفه، ثم يأتي إلى مسجد قومه فيؤمهم، يصلي بهم إماماً صلاة العشاء، هي له نافلة؛ لأن الفريضة كان قد أَدَّاها خلف النبي ﷺ ، وهي له نافلة، لم يكن هناك أذان مُوَحَّد، وإن كان قد يقال هنا: إن الوسيلة لم تكن متيسّرة كما هو مُتَيَسِّر اليوم بإذاعة الأذان من مكان واحد إلى سائر أقطار الدنيا، كما تفعل الإذاعات العالمية اليوم، لكننا نقول: لا مانع من إذاعة الأذان بأوسع دائرة ممكنة، بمثل هذه الوسائل التي خلقها الله ، ويَسَّرها الله لعباده، ولكن في حدود التزام السنة.
إذا كان من السنة لكل مسجد أذان وإقامة، فلا يجوز توحيد الأذان في البلد الواحد وفي مساجد كثيرة، لاسيما أن بلدنا هذا يختلف عن كثير من البلاد الأخرى، حيث فيه الهضاب وفيه الجبال وفيه الوديان، وربما يكون هناك بعض السهول، فالأوقات الشرعية للصلوات الخمس تختلف من الجبل إلى الهضبة إلى السهل إلى الوادي، فلا يجوز توحيد الأذان والحالة هذه.
ولذلك: تقع هنا مشاكل ومخالفة للشرع والأحكام الشرعية، مخالفة جذرية،
стр. 3610
فناس مثلاً يفطرون قبل غروب الشمس بالأذان المُوَحَّد، وناس يتأخرون عن الإفطار في رمضان إلى ما بعد عشر دقائق ينتظرون الأذان الموحد، وناس يُصلون الفجر قبل الوقت؛ لأن الأذان الموحد يؤذن بالنسبة لجبل ما، بينما الفجر لم يطلع بعد بالنسبة لهضاب أو سهول أو وديان وهكذا، فهذا كله جاء من توحيد الأذانات هذه إذا صح التعبير، هذا بلا شك بدعة، لم يكن ولا يكون حتى هذه الساعة في أي بلد إسلامي إلا في هذا البلد، ما ندري ما الذي بدا للذين ابتدءوا هذه البدعة في هذا البلد، وما الذي زين لهم هذه البدعة، وأملي ورجائي أن المسؤولين الذين يهتمون بأحكام الدين وإعادتها إلى السنة دون خروج عنها ومشاكسة لها، أن يُلغوا هذا الأذان وأن يُكَلِّفوا المؤذنين أن يُؤَذِّن كل مؤذن في مسجده، مراقباً الأوقات الشرعية حسب النظام الإسلامي.
هذا المثال أردت أن أقف عنده، لنفتح المجال لبعض إخواننا لنسمع منهم ما يفيدنا إن شاء الله، كمثال كيف أن الإسلام اليوم أصبح في غربة، والأمثلة ليس بالعشرات ولا بالمئات، بل هي بالألوف المؤلفة تحتاج إلى مجلدات في بيان تفاصيل ومفردات هذه البدع التي عمت وطمت في كل بلاد الإسلام، وحسبنا الآن هذا المثال الموحد في الأذان الموحد الذي ليس له أصل في الشرع، وبهذا القدر كفاية.
والحمد لله رب العالمين.
(الهدى والنور/٦٥٥/ ٥٠: ٠٠: ٠٠)
(الهدى والنور/٦٥٥/ ٥٢: ٤٢: ٠٠)
السنة في بناء المساجد
مداخلة: لو سمحت ذكرت أن هذا المسجد هو أقرب إلى السنة.
الشيخ: نعم.
مداخلة: فما هي السنة في بناء المساجد؟
стр. 3611
الشيخ: أولاً: يا أخي ما يجوز تشييد البنيان ورفعه، ثانياً: ينبغي ما استطعنا ألاَّ نخرج بالمنبر الزائد عن الحد المشروع، عبارة عن خشبات يعلو عليها الخطيب ليبرز أمام الناس، لماذا الرخام وهذا الخشب المزخرف المربع .. إلى آخره، أشياء كثيرة .. كثيرة جداً، يعني: كما جاء في الحديث، الله أكبر: «عريش كعريش موسى»، فقط أنه يظل الناس يحفظهم من الحر والقر، كما جاء في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁، لما وَسّع المسجد النبوي في زمانه، قال للبناء: «أكن الناس من الحر والقر، ولا تُحَمِّر ولا تُصَفِّر»، أنا حسبي الآن إذا أردت أن أتمسك بالسنة العمرية وهي بلا شك السنة النبوية، أن أقول: هذه الستائر هنا خضراء وهناك صفراء، هذا الذي فَرَّ منه عمر الخطاب قال: «أكن الناس من الحر والقر، ولا تُحَمِّر ولا تُصَفِّر»، يجب أن يكون كل شيء في المسجد ساذج، يعني: سادة تقولون .. ماذا تقولون؟ سادة.
مداخلة: سادة.
الشيخ: هو سادة، فما لازم يكون هناك شيء في المسجد أبداً يُلفت النظر، كما سمعتم من بعض الأحاديث التي ذكرناها، منها حديث مثلاً: الخمصية، وحديث قرني كبش إسماعيل ﵇، وحديث الكنائس في الحبشة، من هنا قال عمر: «لا تُحَمِّر ولا تُصَفِّر».
إذاً: المسجد المقصود منه هو إيواء الناس من الحر والقر؛ لا مانع عندي من اتخاذ وسائل التدفئة، لا مانع عندي من اتخاذ وسائل تلطيف الجو، لكن الوسائل في الشريعة تنقسم إلى قسمين: وسيلة تُحَقِّق مقصداً شرعياً، وهي التي تسمى في لغة بعض الفقهاء بالمصالح المرسلة، ووسيلة لا تُحَقق المصلحة الشرعية.
أنا أقول لكم شيئاً قد تستغربونه مني، وهو هذا مكبر الصوت، تارةً يكون جائزاً، وتارة يكون غير جائز.
يعني: مثلاً حينما تُقَام الصلاة، فإذاعة الأذان بمكبر الصلاة، حيث يسمع هذا الأذان أبعد من يكون عن المسجد؛ لأنه هذه وسيلة مشروعة تُحَقّق هدفاً شرعياً،
стр. 3612
كما تعلمون في بعض الأحاديث الصحيحة أن المؤذن ينبغي أن يكون أندى صوتاً، ولا أريد أيضاً أخوض في هذا المجال، فالذي يستعمل هذه الإذاعة لتوسيع دائرة تبديل الأذان، يكون قد حَقَّق مقصداً شرعياً، ولكن هل الأمر كذلك في الإقامة؟ أقول: لا.
لذلك أنا أُفَرِّق بين إذاعة الأذان بمكبر الصوت وبين إذاعة الإقامة، فإذاعة الإقامة محلية مسجدية إذا صح التعبير، أما إذاعة الأذان فمحلية وإلى أبعد أيضاً، ولو لمحلة أخرى، لكنها ملاحظة قد انتبهت لها في بعض البلاد السعودية حينما أتيح لي، كنت أسمع هنا أذاناً وهنا أذاناً وهناك أذاناً وتتداخل أصوات بعضها مع بعض فتحار لمن تجيب، أهذا أم هذا أم هذا؟ هذه أيضاً من الفوضى التي ضربت أطنابها في العصر الحاضر لعدم وجود فكر شرعي ينظم هذه الأمور، أهم شيء خطبة الجمعة، وصلاة الجمعة، إذاعتها هل مشروعة؟ أنا أقول: الصلاة ليس يشرع لا صلاة الجمعة ولا أي صلاة أخرى، لا يشرع إذاعتها على ملأ من الناس، قد يكونون في أوضاع لا تساعدهم للإصغاء لتلاوة قرآن وذكر الله وغير ذلك.
المهم: الوسائل يجب أن توزن بميزان الشرع، فما كان منها مُحَقِّقاً هدفاً وغرضاً شرعياً معلوم أنه هدف شرعي بالنص، فذلك مما يقال للوسيلة حكم الغاية، إن كانت الغاية مشروعة فالوسيلة مشروعة، وإن كانت الغاية غير مشروعة فالوسيلة غير مشروعة.
إذاً عرفت الجواب عن سؤالك، ولعل بهذا القدر كفاية.
(الهدى والنور/٦٥٥/ ١٠: ٥٠: ٠٠)
(الهدى والنور/٦٥٥/ ٤١: ٥٢: ٠٠)
المخالفات الحاصلة في بناء المساجد
الشيخ: أريد أن أُذَكِّر المؤمنين، وخير العلم ما كان مجهولاً عند الناس، أما
стр. 3613
تكرار الكلام في أمور أصبح عامة المسلمين يشاركون طلاب العلم، بل والعلماء في معرفة كثير من الأمور التي يفترض أن يكون العلماء، بل طلاب العلم فقط هم العارفون بتلك الأمور.
أما وهناك مسائل كثيرة وكثيرة جداً، يشترك المسلمون جميعاً في معرفتها، لا فرق في ذلك بين عالم ومتعلم وأمي لا يقرأ.
فالذي أُريد أن أُذَكِّر إخواننا الحاضرين، وفي هذا المسجد خاصة الذي أرجو أن يكون أولاً: قد أُسِّس على تقوى من الله ، أُقيم بنيانه على تقوى من الله ، وثانياً: أن تستمر التقوى تعمل عملها في هذا المسجد الذي أُسس على التقوى، ولا يكون ذلك إلا بأن يُراعى في كل ما يتعلق بالمسجد، أن يراعى في ذلك السنة، وأنا أعني الآن بلفظة السنة ما هو أعم من معناها ومن دلالتها في الفقه العرفي؛ لأن السنة لها إطلاقان: أحدهما شرعي والآخر عرفي.
أما الشرعي: فهو الأعم الأشمل، وهو الذي يشمل الشريعة كلها بكل جوانبها، سواء ما كان منها فرضاً أو واجباً، إن كان هناك فرق بين الفرض والواجب كما يقول بعض المذاهب، لا فرق بين الفرض والسنة وبين المستحب والمندوب والمباح، كل هذه الأحكام تدخل في معنى السنة التي جاء بها الرسول ﵊، فهي إذاً تشمل كل الأحكام المعروفة بالأحكام الخمسة.
أما السنة بالمعنى العرفي: فهو ما ليس بفرض وما ليس بواجب، عند من يفرق بين الفرض والواجب.
فالذي أُريده الآن أن أَذَكِّر، ومرةً أخرى أقول: «إن الذكرى تنفع المؤمنين» أن هذا المسجد أن يكون في كل مظاهره قائماً على السنة، فالذي استرعى انتباهي الآن في جلستي هذه هو إضاءة هذه الأنوار، هذا تقليد خلفي، تقليد لا أصل له في السنة، وإنما زعموا في بعض الروايات أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، رأى نوراً قد جُدِّد في المسجد النبوي في مناسبة القيام قيام رمضان، فدعا لمن كان السبب بتنوير المسجد النبوي، أقول: هذه الرواية من حيث إسنادها لا تصح، ومن
стр. 3614
حيث معناها ومبناها تخالف أحاديث كثيرة جداً، هي التي تنهى عن زخرفة المساجد وعن المباهاة فيها، وأظن إن لم تَخُنِّي ذاكرتي أنني في جلسة سابقة في هذا المسجد، كنت أسمعتكم بعض الأحاديث المتعلقة بالنهي عن زخرفة المساجد، فلا أريد الآن أن أُعِيد إلى أذهانكم ما كنت أسمعتكم إياه من قبل، وإنما أُريد أن أُذَكِّركم بشيء آخر يشمل جميع نواحي الحياة ألا وهو حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه قال: «نهى رسول الله ﷺ عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال».
الشاهد من هذا الحديث هو: أن النبي ﷺ نهى عن إضاعة المال، لا فرق بين المسجد في شهر رمضان ولا في غيره من شهور السنة، فالنور الذي يحتاجه المسجد هو الذي لابد منه، أما النور الزائد على حاجة المسجد فهذا إضاعة للمال وإسراف في المال، وإن الله لا يُحب المسرفين، هذا الذي أردت التذكير به، ونرجو الله أن يُمَكِّن القائمين على المسجد بأن ينهضوا به خلاف عامة المساجد؛ لأن عامة المساجد كثير منها لم يُؤَسِّس على تقوى من الله، حتى ولو كان الكثير منها قد أُسِّس على تقوى من الله، أي: كان بناؤه على المال الحلال، ولكن مع ذلك ما استمروا فيه على السنة، بل هم لا يزالون يخالفون في تلك المساجد السنة، هذا الذي خطر في بالي بهذه المناسبة أن أُذَكِّركم، ونسأل الله أن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً.
(الهدى والنور/٦٥٦/ ٣١: ٣٦: ٠٠)
المخالفات الحاصلة في المساجد
الشيخ: كنت شرعت في كلمة ونحن خارجون من صلاة المغرب مع الأخ أبو لؤي، حيث صلى بنا صلاة العصر وجزاه الله خيراً، وقد قلت في نفسي وأنا أصلي هنيئاً لهذا المسجد الذي إمامه يصلي هذه الصلاة، لكن بمقدار ما فرحت أسفت، لأنني علمت أنه ليس إماماً في المسجد، أكذلك؟
مداخلة: نعم.
فَزَوَّرت في نفسي بناءً على ظني أنه هو إمام المسجد، أن أُذَكِّره بمسألة يغفل
стр. 3615
عنها كثير من إخواننا أهل السنة، وعلى رغم أنني علمت بأنه ليس هو الإمام، لكنني قلت لابد من الذكرى لأن الذكرى تنفع المؤمنين.
أما بالنسبة إليه أولاً، فقد يعود ويصلي في نفس المسجد إماماً كما صلى صلاة العصر، ثم لو لم يتح له أن يصلي في هذا المسجد فقد يصلي في مسجد آخر، فشأنه شأن هذا المسجد من حيث أن أكثر المساجد اليوم لا تخلوا من المحاريب، والمحاريب لم تكن في عهد الرسول ﵊، لا في مسجده المسجد النبوي، ولا في المساجد الأخرى المنبثة في المدينة، فلم يكن المحراب معروفاً في أول الإسلام في مساجد المسلمين، ولكن المسلمين مع الأسف الشديد فيما بعد بدؤوا يتأثرون ببعض العادات التي عُرِف فيها النصارى وانتشر واشتهروا بها، منها مثلاً: زخرفة المساجد، كما قال ابن عباس بعد أن روى قول النبي ﷺ : «ما أُمرت بتشييد المساجد» قال ابن عباس قال رسول الله ﷺ : «ما أمرت بتشييد المساجد» أي: برفع بنيانها وتشييدها وزخرفتها، ولذلك عقب ابن عباس رضي الله تعالى عنه على هذا الحديث المرفوع إلى النبي ﷺ فقال: «لتُزَخْرِفنها كما زخرفت اليهود والنصارى».
فزخرفت المساجد بدأت تذر قرنها في العهد الأول، ولذلك لما بدا لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أن يُوَسِّع المسجد النبوي، قال للمُشْرِف على البنيان بالزيادة العمرية قال: «أكن الناس من الحر والقر، ولا تُحَمِّر ولا تُصَفِّر» يعني: أبعد عن زخرف مثل الأحمر والأصفر، واقتصر من البنيان على ما يدفع الحر والقر عن المصلين.
الشاهد: أن هذه الزخارف هي: مما جرى عليها النصارى وتسربت العدوى عدواها .. بدأت تتسرب إلى المسلمين الأولين بعض عادات النصارى وغيرهم من الكفار الضالين، ولذلك انتبه لمثل هذا التسرب عمر بن الخطاب، الذي سماه بحق رسول الله ﷺ بالفاروق، وأخبر بقوله ﵇ عن هذه الحقيقة: «يا ابن الخطاب، ما سلكتَ فَجًّا إلا سلك الشيطان فَجًّا غير فَجِّك».
стр. 3616
ولهذا قال للذي كلف بضم الزيادة إلى المسجد النبوي ما ذكرته لكم آنفاً: «أكِن الناس من الحر والقر، ولا تُحَمّر ولا تُصَفِّر».
هذا يشعرنا بأن عمر كان وَصَلَه شيء من هذا، ولذلك حذر القائم على بنيان هذه الزيادة، وإضافتها إلى المسجد النبوي بقوله له: «أكن الناس من الحر والقر، ولا تحمر ولا تصفر» ذلك لأن المساجد ينبغي أن تكون، ليس فقط فيما يقام فيها من عبادة الله وتوحيده على خلاف الشرك الذي يقع في البيعات والمساجد والكنائس، وإنما حتى في بنيانها، يجب أن تكون مخالفة لبنيان اليهود والنصارى لبيعهم وكنائسهم؛ من أجل ذلك جاء فيما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «لما رجعت أم سلمة وأم حبيبة من الحبشة، ذكرتا لرسول الله ﷺ ».
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «لما رجعت أم سلمة وأم حبيبة من الحبشة» تعني كانتا من المهاجرات من ظلم المشركين في المدينة لأصحاب النبي ﷺ نساءً ورجالاً قالت: «لما رجعتا من الحبشة ذكرتا لرسول الله ﷺ كنيسة رأتاها في الحبشة، وذكرتا» هنا الشاهد، «وذكرتا من حسن التصوير فيها» فقال ﵊: «أولئك كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجداً وصَوَّروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله تعالى يوم القيامة».
فالنبي ﷺ اقتباساً منه مما في القرآن، حينما يقص رَبُّنا بعض قصص الأولين الغابرين ما يقصها لنا للقصص فقط، وإنما للموعظة والعبرة كما قال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١].
فهو ربنا يقص في القرآن الكريم قصص الأولين للعبرة، وليس للتاريخ فقط، وإنما للعبرة.
كذلك رسول الله ﷺ ، ولاشك أنه هو ينطلق من نفس المشكاة التي ينطلق كلام الله ، في أن كلامه ﵇ هو وحي السماء كما في القرآن أيضاً: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١] ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢] ﴿وَمَا يَنْطِقُ
стр. 3617
عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣].
فلا غرابة أن يقص عليهم وعلينا النبي ﷺ بعض قصص الأولين من اليهود والنصارى، لماذا؟ لكي نأخذ من ذلك عبرةً، فَقَصَّ هذا الحديث: «أولئك كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله ﵎ يوم القيامة».
فهذا كله أقصد به أن المسلمين من أول العهد الأنور، بدأ بعض الداخلين في الإسلام من جديد، يحاولون أن يُدخلوا في الإسلام ما لا يرضاه الإسلام باسم الإسلام، وباسم عظمة شعائر الإسلام منها: زخرفة المساجد، ولا أُطيل، أو لا أُريد أن أُطيل الكلام هنا كثيراً؛ لأنه هدفي فقط المحراب.
هذا المحراب لم يكن في مسجد الرسول ﷺ ، هذا المحراب الذي ترونه شائعاً في مساجد الإسلام كلها، لا تكاد أو لا تكادون تجدون مسجداً دون محراب، هذا المحراب أُخِذ من النصارى.
أما مسجد الرسول ﷺ ، فليس للمحراب فيه ذكر إطلاقاً، وحينما تأتي الأحاديث تتحدث عن قيام الرسول ﵇ للصلاة بالجماعة، لا تقول هذه الأحاديث: قام رسول الله ﷺ في المحراب، وإنما تقول: قام في مقامه؛ ولذلك ألَّف بعض الحُفَّاظ من حفاظ الحديث المشهورين وهو: الملقب «بجلال الدين» والمنسوب إلى أسيوط «السيوطي المصري» ألف رسالة لطيفة جداً أسماها: «تنبيه» ما أذكر الآن «الأريب ببدعة المحاريب» هذه رسالة مطبوعة.
وهذه حقيقة ينبغي على الأقل لأئمة المساجد أن يعرفوا هذه المسألة أن المحراب بدعة محدثة دخيلة في الإسلام.
وكان الموضوع الذي جَرَّنا إلى هذا الكلام هو: أن أحد إخواننا صلى بنا العصر، وهو يعلم فيما يبدو لي أن المحراب ليس له أصل في الشرع، ولذلك هو لم يصل في المحراب، فشكرته على ذلك في نفسي، وتذكرت بهذه المناسبة أثراً رواه
стр. 3618
أحد أئمة الحديث ألا وهو: «أبو بكر ابن أبي شيبة الكوفي» في «كتابه العظيم المعروف: «بالمصنف» وهناك في كتب الحديث والآثار كتابان: معروفان مشهوران بهذا الاسم: المصنف، أحدهما: هذا «مصنف ابن أبي شيبة» والآخر: «مصنف عبد الرزاق بن همام اليماني».
فروى ابن أبي شيبة في مُصَنَّفه عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: أنه كان يكره الصلاة في الطاق، ويعني: المحراب، كان يكره، كان يكره الصلاة في الطاق، يعني: في المحراب، فكان يحيد عنه يميناً أو يساراً، وهذه سُنَّة طيبة من ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، الذي كان من أكبر فقهاء الصحابة ﵃ جميعاً، والذي قام على فِقْهه مذهب «أبي حنيفة النعمان بن ثابت» أكثر فقهه أخذه ليس عن ابن مسعود مباشرة؛ لأنه هو لم يُدْرك ابن مسعود، وإنما عن أصحابه وتلامذته المعروفين مثل: علقمة، ومثل: عبد الرحمن بن يزيد بن الأسود ونحوهم.
ابن مسعود هذا الذي قال فيه رسول الله ﷺ : «من أَحَبَّ أن يقرأ القرآن غَضًّا طرياً كما أُنزل، فليقرأه على قراءة ابن أُم عبد» يعني: ابن مسعود.
فعبد الله بن مسعود اسم أبيه: مسعود أما الأم فالرسول يكني عنها فيقول: أم عبد الله بن مسعود فيقول في الحديث: فليقرأه على قراءة ابن أُم ماذا؟
مداخلة: أم عبد ..
الشيخ: أم عبد، هذا يعني: فيه إجلال كبير لهذا الصحابي الجليل، هذا كان يكره أن يصلي في الطاق، وهذا معناه: بدأت الطيقات إذا صح التعبير أي: المحاريب أن تنتشر في المساجد الصغيرة، أما في عهد عمر فلم يكن شيء من ذلك.
الشاهد: أن الإمام المشار إليه، صلى بنا العصر بعيداً عن الطاق أخذ يميناً، أخذ إلى جهة المنبر، وأنا رأيت مثل هذا أكثر من مرة، ومنذ عهد قريب في عمان صلى أحد إخواننا أيضاً، وانحرف عن المحراب يميناً، فهنا تبدو ظاهرة ما هي مشكورة شرعاً وهي: أن الإمام إذا أخذ يميناً فراراً من المحراب وقع في مشكلة أخرى، صار
стр. 3619
المصلون عن يمينه قلة، والمصلون عن يساره كَثْرَة، والعكس هو الصواب.
ولذلك قلنا في الجلسة السابقة: إن المسلم إذا وقع بين شرين اختار أقلهما، فأقلُّهما شراً بلا شك خارج المحراب، لكن في مجال أن نبتعد عن المخالفة جزئياً، وذلك بأن نأخذ عن يسارنا، فبدل أن نأخذ عن يميننا نأخذ عن يسارنا، هنا يُصبح الصف الذي على جهة اليمين أكثر من بقية الصف الذي هو على جهة اليسار، ولولا أني لمست مِن الذي صلى بنا تجاوباً مع السنة، حيث رأيته يصلي صلاة السنة التي قَلَّما أراها في الأئمة اليوم، ما تشجعت لأدخل في مثل هذا التنبيه؛ لأنني أعلم أن هناك كثيراً من الناس يقولون: هذه أمور تافهة، هذه أمور يعني: قشور، بعضهم قد يسميها قشور، وهم يريدون أن يتكلموا بعظائم الأمور، هكذا زعموا، لكننا نحن الدعاة إلى السنة، وعلى منهج السلف الصالح، نرى أنه لا يجوز تقسيم الإسلام إلى لُبّ وقشر، ولا يجوز تقسيم الإسلام إلى ما هو ثانوي وما هو جوهري لسببين اثنين:
أحدهما: أن هذا الذي ليس في ظن البعض جوهرياً؛ قد يكون في ظن البعض الآخر جوهرياً.
والسبب الثاني: أننا على التسليم بأن هناك الأحكام تختلف، وهذا أمر بدهي جداً، فهناك فرض وهناك سنة، وهناك مستحب ومندوب وإلى آخره، هذه حقيقة لا يمكن إنكارها، لكن الإسلام يجب أن يُؤخَذ كُلًّا لا يتجزأ، كل مسلم يأخذ منه حسب طاقته ونشاطه، ورغبته في التقرب إلى الله ربه ﵎، ولا يجوز للمسلم البصير في دينه أن يسوق الناس مساقاً واحداً؛ لأن الناس يتفاوتون كل التفاوت في منطلقهم، في تمسكهم في دينهم.
رُبَّ إنسان مثلاً: يقنع فيما يتعلق بالصلاة على الفرائص الخمس، ولا يهتم بالسنن والنوافل، لكنه من جانب آخر: يكثر من الحج والعمرة، فنحن لا نتدخل في شأنه؛ لأن كل مسلم يعلم من نفسه ما يُصلحه التنفل من الصلاة أم التنفل من الحج والعمرة، أم الزكاة أم أم إلى آخره، وإنما نحن علينا البيان، وعلى الآخرين أن يأخذ كل منهم ما يتناسب مع وضعه مع نفسه مع مع إلى آخره.
стр. 3620
فأنا الآن أقول: بالنسبة لتقسيم الصلوات إلى فريضة ونافلة، لا ننكر هذا التقسيم لا ننكره؛ لأنه قد جاء الحديث الصحيح الصريح في هذا التقسيم، أو فيما يدل عليه.
روى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أخبرني بما فرض الله عَليَّ؟ قال له: «خمس صلوات في كل يوم وليلة» خمس صلوات في كل يوم وليلة، قال: «هل عليَّ غيرهن؟ قال: إلا أن تطوع» ماذا كان موقف هذا الرجل السائل حينما سمع منه ﵊، أنه ما عليه فرض كل يوم وليلة إلا خمس صلوات، وما سوى ذلك تطوع قال: «والله يا رسول الله، لا أزيد عليهن ولا أنقص».
أنا أتمنى اليوم أن يكون المسلمون، كل المسلمين كهذا الأعرابي أو هذا البدوي، يعني: يُحافظون على ما فرض الله عليهم، ولا يأتون بشيء من المستحبات إذاً: لنصرهم الله ؛ لأنه لا نتصور أن الإسلام قام فقط على الخمس الصلوات؛ لأنه في هناك فرائض وفي هناك محرمات، فلو فرضنا أن المسلمين قاموا بكل ما فرض الله عليهم من فرائض وانتهوا عما حرم الله عليهم من المحرمات، إذاً: حَقّ فيهم قول رَبِّنا: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧].
لكن بالكاد أن ترى أكثر المسلمين يحافظون على الصلوات الخمس، هذا لا تكاد تراه.
الشاهد: فنحن لا ننكر هذا التقسيم المصطلح عليه بين الفقهاء، ولكن لا أُريد الاستهانة بما دون الفريضة، بمثلما ذكرت لكم آنفاً أنه هذه قشور، هذه من توافه الأمور؛ لأن هناك حديث آخر، وهذا مهم جداً خاصة للمُقَصِّر، ليس تقصير ذاك الأعرابي البدوي الذي عاهد الله ألاَّ يزيد على الصلوات الخمس ولا ينقص منها، والذي قال ﵇ في حقه منبهاً له أنه هذا كلام صحيح إذا وفيت به، فقال ﵇ لأصحابه: «أفلح الرجل إن صدق، دخل الجنة إن صدق» وقد لا يصدق، فنحن نقول لكثير من الناس شباباً وكهولاً، بل ومع الأسف شيوخاً قد لا
стр. 3621
يُصَلُّون، وإن صَلُّوا فقد يقصرون ويخلون.
اسمعوا الحديث التالي، قال ﵊: «أول ما يحاسب العبد يوم القيامة الصلاة، فإن تمت فقد أفلح وأنجح، وإن نقصت فقد خاب وخسر» من أجل ذلك شهد الرسول ﵊ لذاك السائل بأنه أفلح دخل الجنة إن صدق.
أما المسلمون اليوم -مع الأسف- أكثرهم غير صادقين حينما يُؤَدُّون الصلوات الخمس، فأكثرهم من المقصرين، وليس فقط أكثرهم من المقصرين في المحافظة على أداء الصلوات في أوقاتها، ليس هذا فقط بل تجد الذين يُحافظون على هذه الصلوات في أوقاتها يكتفون على هذه المحافظة، بينما رَبُّنا فرض عليهم محافظةً أخرى، حيث قال لهم في القرآن الكريم وبَيَّن ذلك ﵊ في الأحاديث الصحيحة الكثيرة، فقال ﵎: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
اركعوا مع الراكعين يعني: صلوها مع جماعة المسلمين، يعني: صلوها في المساجد، لا تُصَلُّوها في بيوتكم تكونون كالنساء، النساء قال ﵊ في حقهن: «ائذنوا للنساء بالخروج إلى المساجد في الليل».
قال في حديث آخر: «وبيوتهن خير لهن».
فإذاً: من الذي يصلي في البيت؟ الجنس الذي تسموه اليوم الجنس اللطيف، والذي سماه الرسول ﵇ بالقوارير، الرجال ما هو جنس لطيف، ولا هم قوارير.
فإذاً: ينبغي ألاَّ يتشبه الرجال بالنساء، ليس فقط في المظهر بل وفي المَخْبَر، وفي العمل فالنساء بيوتُهنّ خير لهن، أما الرجال فمساجدهم خير لهم؛ لذلك قال تعالى: -ليس في الآية المذكورة آنفاً تكرار، كما يظن بعض الغافلين حينما قال-: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
هذا ليس به تكرار، إنما في الطرف الأول من الآية فيه أمر بأداء الصلوات وإحسان أدائها بقوله: «أقيموا» أما في الفقرة الثالثة والأخيرة من الآية حينما قال:
стр. 3622
﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] في إنشاء حكم جديد وهو: كأن الله يقول: وهذا هو مراده يقيناً: أقيموا الصلاة أحسنوا أداءها، ولا تكونون محسنين لأدائها إلا إذا أدّيتموها مع الجماعة في المساجد، وجاءت الأحاديث تترى تؤكد هذا المعنى، بمثل قوله ﵊: «من سمع النداء ولم يُجِب، فلا صلاة له إلا من عذر».
ولا يجوز للمسلم أن يتخذ له عذراً أنه والله مشغول، والله هو موظف، والله والله ... إلى آخره من المعاذير، إذا ما قسناها مع ذلك الرجل الذي كان ضريراً وجاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أنا رجل ضرير كما ترى، وداري شاسعة بعيدة، وليس لي قائد يقودني، انظروا الأعذار كيف تتجمع في هذا الرجل، ومع ذلك لا يجد الرسول له عذراً، قال: أنا ضرير وداري شاسعة بعيدة وفي طريقي الأشجار والأحجار، مش الطريق المعبد المزفت كما يقولون اليوم، في طريق الأشجار والأحجار، ورابعاً: ليس لي قائد يقودني، يأخذ بيدي يقودني، أفتجد لي رخصة في أن أَدَع الصلاة مع الجماعة، قال له ﵇ في أول الأمر: «نعم، ثم قال له: أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب».
أيها الضرير الذي دارك شاسعة، وليس وفي طريقك الأشجار والأحجار، وليس لك من يقودك إلى المسجد، إذا سمعت الأذان فلا عذر لك في عدم الحضور.
فانظروا اليوم المسلمون أكثرهم عُمي أم مُبصرون؟ هم مبصرون، لكنهم عُمِّي، لماذا؟ لأنهم لا يستجيبون لأمر الله ولا لأمر رسول الله ﷺ ، ولذلك فلا تعجبوا إذا ما هوجمنا في عقر دارنا يميناً أو شمالاً وجنوباً وغرباً وشرقاً إلى آخره.
هذه كلمة حول تلك النصيحة التي خلاصتها: أن الصلاة الإمام يقف في منتصف الصف، ولا يقف يميناً ولا يساراً، وإنما يوازن بين اليمنى واليسرى، لكن إذا حوصر بين المحراب والمنبر فحينئذٍ هو بين مشكلتين: إما أن يجعل القسم اليمين من الصف أقل عدداً، والعكس والأكثر أو يقال له: اعكس تصب يعني: قف عن يسارك بعيد عن المنبر بين دفع المفسدة، والوقوف في المحراب وبين جلب المصلحة
стр. 3623
وهو: جعل الصف الأيمن أو قسم الأيمن أكثر من القسم الأيسر، هذا جواب السؤال السابق.
(الهدى والنور/٧٠٧/ ٥٠: ٠٩: ٠٠)
(الهدى والنور/٧٠٧/ ١٥: ١٢: ٠٠)
(الهدى والنور/٧٠٧/ ٢٣: ٣٠: ٠٠)
حكم تعليق لوحات فيها تذكير بالسنن في المساجد
مداخلة: بعض اللوائح التي تُعَلَّق في المساجد، يراها الخارج إلى الخارج، فمنها أدعية ...
الشيخ: عفواً يراها الخارج.
مداخلة: إلى الخارج، يعني: الخارج من المسجد يراها إذا خرج من المسجد ليست في وجه [المصلي].
الشيخ: يعني: ليست في قبلة المسجد.
مداخلة: [ليست] في القبلة نعم.
مداخلة: أدعية لتذكير الخارج من المسجد، ومنها أحاديث تُكْتَب على لوحة تعليم التذكير بالسنة أو تجنب بدعة، وفيها إعلانات لمناداة المسلمين للتبرع، أو يوجهوا أموالهم إلى خير، فما حكم ذلك؟
الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
فالمسألة عندي فيها شيء من التفصيل، تعليق بعض أو بعض الأحاديث أو الآيات من باب التذكير بها، وفي الجهة التي لا تَشْغَل المصلين، فهذا يجوز، ولكن
стр. 3624
بشرط أن لا تُصبح مع الزمن جزءًا من المسجد.
فإذا أدت الغرض فبها وانتهى أمرها؛ لأن الأصل في المساجد أن تبقى هكذا ساذجة ليس فيها شيء مما يشغل المصلي، حتى ولو كان في جهة اليمين أو اليسار، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى: ليس من السنة ولا هو من هدي السلف الصالح، تعليق الآيات وتعليق الأحاديث في صدور المجالس؛ لأن ذلك يخرج به المسلم عن الغاية من إنزال القرآن، وتبيان الرسول ﵇ لكلام الله بهذه الأحاديث، لكن يعطى لكل حالة لبوسها، فإذا كان هناك أمر عارض، ويتطلب تذكيراً بأسلوب عارض أيضاً، ومن ذلك الكتابة على الجدران أو تعليق بعض الكتابات على الجدران، فلا أرى من ذلك مانعاً بشرط عدم الالتزام
مداخلة: هل تجوز يعني بشرط ألّا تكون من المسجد، أو جزءاً من المسجد؟
الشيخ: تكون في الخلف ...
مداخلة: يعني: في بعض المساجد الآيات محفورة حفر، يعني: مبنية ببناء؟
الشيخ: هذا هو الذي نُحَذِّر منه، تعليق الآيات والأحاديث المكتوبة على بعض الألواح، كما جاء في السؤال، قلنا: هذا يجوز لأمر عارض، بشرط ألاّ تُصبح جزءًا من المسجد، فالصورة التي أنت الآن تسأل عنها جوابها فيما سبق؛ لأنها صارت جزءًا من المسجد.
مداخلة: كذلك يا شيخ بارك الله فيكم، ما يسمع الشباب الإخوان في كثير من المساجد يضعون لائحة، توضع فيها الإعلانات هذه جزءًا من المسجد تعتبر.
الشيخ: نعم، هذه من بدع الجماعة مع الأسف؛ لأنهم لا يتفقهون في الدين، ويأخذون أحكام الشريعة من عقولهم، وليس من نصوصها.
(الهدى والنور/٧٥٦/ ٥٤: ٠٠: ٠٠)
حكم فصل مصلى النساء عن باقي المسجد بفاصل
مداخلة: يا شيخ، هل ثبت عن النبي ﷺ أنه وضع النساء من وراء حجاب؟
стр. 3625
الشيخ: ما ثبت.
مداخلة: طيب، هل الأئمة والوعاظ ...
الشيخ: أو لعل جوابي كان فيه تسامح، والصوا ب: أن نقول ما ورد.
مداخلة: ما ورد.
الشيخ: لأننا إن قلنا ما ثبت، معناه ورد ولكنه ما صح.
مداخلة: طيب يا شيخ، النساء تطالبنا بالوعظ، بأن يخصص يوماً لوعظهن؟ فهل نأخذ الستار هذا؟
الشيخ: لكن نقول: إذا طالبك النساء بالوعظ، فأنت بما تطالبهن؟
مداخلة: بالحجاب.
الشيخ: نعم؟
مداخلة: بالحجاب.
الشيخ: وهل يستجبن؟
مداخلة: يستجبن.
الشيخ: ما أظن.
مداخلة: الحجاب ليس النقاب، الحجاب الجلباب.
الشيخ: ولمثلي يقال هذا؟
مداخلة: هذا شرط، هذا شرط.
الشيخ: لكن، كيف تضمن بارك الله فيك؟
مداخلة: التي لا تلبس الحجاب، نرجعها ...
الشيخ: ما تستطيع.
стр. 3626
مداخلة: ليش؟ مع وجود هذا الشرط شيخنا؟
الشيخ: نعم، نحن ندعو إلى هذا، وندعو إلى رفع الحجب من الجدر القائمة بين مصلى النساء في المسجد وبين مصلى الرجال.
مداخلة: حتى لو تَخَوَّض المتخوضون ... ؟
الشيخ: حتى ولو، أما هذا خلاف الصورة التي أنت تسأل عنها؛ لأن هذا معناه تغيير هيئة المسجد السلفي إذا صح التعبير.
أما مجلس خاص، أنت تُشرف على النساء وفيها، وفيها ثم فيها كما نرى اليوم أكثر النساء لا يتجلببن الجلباب الشرعي، ولو في حدود المذهب الواسع المُيسر المتبع للكتاب والسنة، مع ذلك فهن متساهلات جداً.
فخلاصة الكلام: يجب أن نفرق بين مجلس خاص للنساء، ينبغي الاحتياط بالغ الاحتياط، أما في المساجد فما ينبغي أن توضع الستائر أو الجُدُر التي تفصل النساء عن الرجال.
مداخلة: الله يبارك فيك، أنت الآن يعني كلامك ... الحجاب الواجب التزامه عند النساء ما عم بيلتزموه وبده يعظهم، فهل يضع الساتر البرداية؟
الشيخ: نعم، يضع البرداية، إذا كان يغلب على ظنه أنهن لا يستجبن.
(الهدى والنور/٧٥٦/ ٥٠: ٤٦: ٠٠)
نصيحة من الشيخ تضمنت الحديث على مخالفات المساجد
مداخلة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.
ما كان لمثلي أن يتحدث في مجلس شيخه العالم العلامة، محدث العصر وقامع البدعة ومحيي السنة، وارث رسول الله ﷺ أبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين
стр. 3627
الألباني حفظه الله ورعاه، ولكن الله ﵎ قدر أن أكون مستضيفاً لهذا الحفل الكريم، فالله المستعان.
كما تعلمون يا إخوتي أن الله ﵎ قد تعهد بحفظ هذا الدين، والله ﵎ يرسل أو يبعث في هذه الأمة من يحفظ لها دينها، أمثال شيخنا: أبي عبد الرحمن حفظه الله ورعاه، والله إنه مساء سعيد، وإنها ساعة مباركة، قبول شيخنا أبي عبد الرحمن هذه الدعوة وهذا اللقاء مع أبنائه، وهو الآن سيحدثنا بما فتح الله عليه، وعندما يكتفي إن شاء الله سيكون مجال السؤال مفتوح، بشرط أن يكون
السؤال مكتوب على ورقة ولن يجاب عن أي سؤال شفوي، راجياً من الإخوة التَقَيُّد بهذا الأمر، وجزاكم الله كل خير.
باسم والدي: أبو رياض وإخوتي في الحي، نرحب بشيخنا فليتفضل مشكوراً.
الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
بين يدي الكلمة التي سألقيها على مسامعكم، سائلاً المولى أن ينفعني وإياكم بها، لا بد لي من الاعتذار، والاعتذار السلفي، كجواب عن تلك المقدمة التي أطرى فيها أبا عبد الرحمن هذا الذي سيتكلم بين أيديكم ما فتح الله عليه، فأعتذر بتلك الكلمة السلفية التي أرى أنه من واجب الدعاة السلفيين أن يحيوها في جملة ما يُحيون من الآثار السلفية، فضلاً عن السنة المحمدية.
أعني بتلك الكلمة: «اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون».
أما الكلمة التي أرى أنه لا بد من تقديمها بين يدي تلك الأسئلة التي قد ترد علي، هذه الكلمة وإن كانت مكررة أكثر من مَرَّة، لكني أعتقد أن ذلك التكرار مهما تكرر .. التكرار نفسه مهما تكرر فهو قليل جداً جداً بالنسبة لما أصاب العالم
стр. 3628
الإسلامي من الانحراف عن الخطة التي لا بد للمسلمين أن يسلكوها؛ لكي يعود إليهم عزهم ومجدهم الغابر، ودون ذلك لن يصلوا إلى رغبتهم هذه.
كل مسلم مهما كان فهمه للإسلام صواباً أو خطأً، أو خليطاً من صواب وخطأ .. كل مسلم يعلم أن المسلمين اليوم من حيث عددهم يبلغون مبلغاً أو عدداً خيالياً، ومع ذلك فكما ترون مشتركين جميعاً مع الأسف الشديد، فهم اليوم كالغنم التي لا راعي لها، بل هم كما وصفهم نبيهم ﷺ في الحديث الصحيح المعروف، وإنما أَذْكُر منه موضع الشاهد، قال: «أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».
لماذا المسلمون اليوم هم كما أخبرهم نبيهم ﷺ ، هم غثاء كغثاء السيل؟ الأمر في فهمي وعلمي الذي قُدِّر لي يعود إلى أمرين اثنين:
أحدهما يتعلق بالعلم، والآخر يتعلق بالعمل.
فقد انحرف المسلمون عن كلٍّ من الأمرين المذكورين: عن العلم النافع، وعن العمل الصالح، فينبغي أن نعلم علماً يقينياً حقيقة العلم النافع وحقيقة العمل الصالح؛ لأن هذه المعرفة هي التي ستجعل المسلمين خلاف ذلك الوصف المذكور في حديث الرسول ﵇ آنفاً، وهذه المعرفة ستجعلهم يتمثلون بالحديث الآخر الصحيح الذي قال فيه الرسول ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
أنتم تعلمون أن هذا المثل آسفاً مرة أخرى، أبعد ما يكون عن واقع المسلمين اليوم، فإنكم ترون الذل قد ران على بعض بلاد المسلمين والبلاد الأخرى لا تحرك منهم ساكناً، ولا تجد أي وجع في عضو من تلك الأعضاء التي تمثل الجسد المسلم.
فإذاً: معرفة العلم النافع والعمل الصالح، هو العلاج لهذا المرض الوبيل الذي أصاب المسلمين من هذا الذل والفُرْقة، فما هو العلم النافع، وما هو العمل الصالح؟ تكلمت كثيراً عن العلم النافع، وقد يلتقي مع بعض ما نتكلمه كل الجماعات الإسلامية، ولكنهم قد لا يلتقون إما فهماً وإما عملاً، معنا في بعض
стр. 3629
صفات العلم النافع.
من المتفق عليه بين كافة المسلمين أن العلم إنما هو، وبالطبع وهذا من باب تحصيل الحاصل إنما نعني الآن بالعلم: العلم الشرعي.
فمن المعلوم لدى كافة المسلمين أن العلم النافع مصدره كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
حول هذين المصدرين لا بد من الكلام البَيِّن الواضح في كل منهما من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ من حيث كيفية فهم هذين المصدرين الكتاب والسنة.
من المتفق عليه أيضاً أن السنة تفسر القرآن، وأن القرآن لا سبيل إلى فهمه، كما أراد الله ﵎، حين أنزله على قلب نبيه ﷺ .. لا يمكن تحقيق هذا الفهم إلا بالرجوع إلى السنة، هاتان ركيزتان متفق عليهما بين كافة المسلمين الذين لا يزالون معنا في دائرة الإسلام، وإن كانوا يختلفون اقتراباً وابتعاداً عنها.
سيظهر الاقتراب والابتعاد فيما يأتي من البيان: السنة تفسر القرآن، لكن معلوم أيضاً وبخاصة عند أهل العلم أن السنة قد دخلها ما لم يكن فيها يوم خاطب الله ﵎ نبيه ﷺ بقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] هذا البيان الذي هو سنة الرسول ﵊، لم يبقَ كما كان إلى وفاته ﵊، وإنما دخل في هذه السنة، ما لم يكن منها يومئذٍ، وقد يكون وأرجوا الانتباه: وقد يكون ذهب بعض هذه السنة التي كانت في عهد النبي ﷺ ، ذهبت عن بعض علماء المسلمين فضلاً عن عامتهم؛ من أجل هذا وهذا، أعني: من أجل أنه دخل في السنة ما لم يكن منها، ومن أجل أنه قد ذهب بعضها عن بعض العلماء، من أجل هذا وهذا لا يمكن فهم القرآن الكريم فهماً صحيحاً، إلا بالعناية التامة المتوفرة على جمع السنة أولاً، ثم على تمحيص صحيحها من ضعيفها ثانياً.
هذا الواجب، وهو: جمع السنة وتمييز صحيحها من ضعيفها، هذا مع الأسف الشديد لم يأخذ حَقَّه طيلة هذه القرون الكثيرة التي مَرَّت على المسلمين .. لم تأخذ
стр. 3630
السنة حقها سواء من حيث الجمع أولاً، ثم من حيث التمحيص ثانياً.
أُدَنْدِن حول نقطة ذكرتُها آنفاً؛ لأنني أشعر أنني نادراً ما تعرضت لبيانها: العادة أن نتعرض لبيان، أنه دخل في السنة ما ليس منها، أما أن نتعرض لبيان أنه قد ضاعت بعض السنة على بعض العلماء، فيجب نحن أن نتحرى هذه السنة الضائعة على بعض العلماء فنضُمُّها إلى المجموعة التي اخترنا منها ما صح من سنة النبي ﷺ .
وإن مما لا شك فيه أن هذا الواجب المزدوج أي: من حيث الجمع أولاً، ثم من حيث تصفية الصحيح من الضعيف ثانياً ..
لا شك ولا ريب أن مثل هذا العمل لا يمكن أن يقوم به فرد أو أفراد أو عشرات أو مئات، ومتفرقين في العالم الإسلامي.
الأمر أعظم بكثير جداً جداً مما يتصوره البعض أنه أمر ميسور، الجمع ثم التمحيص وتمييز الصحيح من الضعيف.
ولكن لما كان من القواعد الإسلامية المُتَّفق عليها بين الأمة، قوله ﵎: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] لا ينبغي لمن كان عنده قدرة على الجمع أو التمحيص، بل وعلى الجمع بين الأمرين كليهما، لا بد أن يقوم به من هذا الباب: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
ولا شك ولا ريب أن العالم المسلم كلما كان أكثر جمعاً للسنة، وأعرف بتمييز صحيحها من ضعيفها، كلما كان متمكناً من تفسير القرآن تفسيراً صحيحاً، وبالتالي كلما كان أفقه بالإسلام من أولئك الآخرين الذي لم يُؤْتَوا حَظًّا من الجمع للسنة ومن التمييز للصحيح من الضعيف منها.
إذاً: فالعلم النافع هو المستقى من كتاب الله، والمفسر على سنة رسول الله ﷺ ، وبهذا التمحيص الذي نُدَنْدِن حوله، ذلك مما نراه أشبه ما يمكن أن نقول عنه إن هذه الحقيقة العلمية ضائعة اليوم من أفكار كثير من العلماء، فضلاً عن طلاب العلم الذين ابتلوا بالإفتاء أو بالتأليف والتصنيف.
стр. 3631
لذلك ننصح كل من كان معنا على هذا الخط المستقيم الكتاب والسنة، أنه يجب تفسير القرآن بالسنة، والسنة الصحيحة، مع الحرص الشديد على جمع أكبر كمية ممكنة من السنة الصحيحة؛ ليتمكن من تفسير القرآن تفسيراً صحيحاً، في أوسع دائرة يتمكن منها.
هذا هو العلم النافع! العلم النافع معلوم جملةً، أنه ما كان مستقىً من الكتاب والسنة، لكن مع الأسف ليس معلوم: أن السنة يجب تَحَرِّيها عملاً وفكراً، معلوم عند العلماء الذين يدرسون علم مصطلح الحديث مثلاً وعلم الجرح والتعديل، هذا أمر معروف نظرياً، لكنه مع الأسف غير مُطَبِّق عملياً، لذلك يجب علينا نحن معشر طلاب العلم أن يدندن دائماً وأبداً حول هذا الذي نُكَنِّي عنه بالتصفية!
فقد عرفنا الآن التصفية التي نحن نتكلم عنها في كثير من الجلسات أو المحاضرات: تصفية الإسلام مما دخل فيه، مما لم يكن يوم قال الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] هذا بطبيعة الحال كلام مجمل من حيث الأصل .. من حيث معرفة العلم النافع ما هو.
أما التصفية، هذه دائرة عملها واسع جداً جدا؛ لأنه يتطلب فقهاً صحيحاً مستقىً من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ الصحيحة، وهذا لا يتمكن منه إلا أفراد قليلون جداً، ممن أُوتوا حظاً من العلم النافع، ولا أُكرر، فقد عرفتم ما هو العلم النافع.
فمن كان على أمرٍ، وعلى علمٍ بهذا العلم النافع، هو الذي يستطيع أن يقوم بتصفية الإسلام مما دخل فيه؛ لأن هذه التصفية تعني: تصفية العقائد والأفكار مما توارثها الخلف عن بعض من تقدمهم .. تصفية الأفكار والعقائد مما ليس له صلة بالإسلام .. بالكتاب والسنة.
هذه التصفية تعني: تصفية كتب الفقه من الآراء والاجتهادات التي وإن كانت قد صدرت من بعض العلماء والأئمة، وكانوا مأجورين على تلك الآراء، ففيها
стр. 3632
الشيء الكثير مما يخالف الكتاب والسنة، فهم وإن كانوا مأجورين، ولكن لا بد لأهل العلم من تمييز آرائهم التي خالفت الكتاب والسنة ولو باجتهاداتهم، من تلك الآراء المطابقة للكتاب والسنة، حتى يَتَبَنَّى المسلمون إسلاماً مُصفى.
وهنا لا بد لي من وقفة، لعلها تكون قصيرة إن شاء الله:
حينما قال الله ﵎: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ندري يقيناً أن الله حينما شرع لعباده هذا الإسلام على ما قام ببيانه نبينا ﵊، إنما كلفهم في حدود طاقتهم، فإذا وسع هذا الإسلام بآراء اجتهادية أو ببدع إضافية، أُلحقت بسبب انحراف في قاعدة ليست هذه القاعدة إسلامية كقول بعضهم مثلاً: إن البدعة تنقسم إلى خمسة أقسام، باسم هذا التقسيم أدخلوا في الإسلام ما ليس منه، وبذلك الاجتهاد الذي لا بد منه من أهل العلم والاجتهاد، قد وقعت منهم آراء خالفت الكتاب والسنة قليلة أو كثيرة، ليس هذا هو البحث الآن.
فمن مجموع تلك البدع التي أضيفت باسم وجود بدع حسنة وسيئة، وباسم تلك الآراء الاجتهادية المخالفة للسنة، اتَّسعت دائرة الإسلام، فصار هذا الإسلام بصورة واسعة، لا يستطيع أعبد الناس أن ينهض به؛ لأن الذي كلف به في عهد النبي ﵇ هو الذي يستطاع، فما ألحق بهذا الإسلام فيما بعد بطريقة من الطريقتين المشار إليهما آنفاً، فهنا سيقع من المسلم كلما أخذ شيئاً مما هذه الزيادات نقص من ما هو زيد عليه، أي: من الإسلام الصحيح؛ لذلك تظهر أهمية خطيرة جداً جداً، من ضرورة تصفية الإسلام مما ليس فيه.
قلت آنفاً: تصفية العقائد والأفكار، ثم ثنيت بتصفية الفقه من تلك الآراء أو البدع، ثم تصفية الأحاديث وما أداركم؟ وهذا سبق الإشارة إليه من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ولا سيما وأنه قد فتح على المسلمين باب واسع جداً برأي لا أقول بقاعدة .. برأي قاله بعض العلماء، كان نتيجة هذا الرأي: الإبقاء والمحافظة على الأحاديث الضعيفة، ليت كانت المحافظة وهي معروفةٌ ضعفها بل إبقاؤها على
стр. 3633
ما هي عليه دون أن يعرف جماهير المسلمين ضعفها.
تلك القاعدة حملت العالم الإسلامي كله على إبقاء الأحاديث الضعيفة كما هي، باسم: الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال، هذا كنتيجة عملية، وأنا بفضل الله مع بعض إخواننا من أعرف الناس بهذه الحقيقة أي: إن العالم الإسلامي اليوم يعيش في خضم بحر واسع جداً من الأحاديث الضعيفة، يعملون بها وقد أيَّدوهم بتلك القاعدة: الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال.
أنا أضرب لكم مثلاً؛ لأني وقفت عليه قريباً جداً، ومن عالم من كبار علماء الحديث، ولكنه يبدو لي أنه قال ذلك قبل أن يحرر القول في هذه القاعدة المذكورة: يعمل في الحديث الضعيف في فضائل الأعمال.
مرّ بي في بعض الرسائل حديث واسمعوا وتعجبوا .. اسمعوا وتعجبوا من ناحيتين اثنتين:
الناحية الأولى: كيف أن هذا الحديث أُلِّفت فيه رسالتان، ثم العالم الذي أشرت إليه آنفاً سَلَّك هذا الحديث باسم: أن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال، ما هو الحديث الضعيف؟ «لا تسبوا البرغوث لا تسبوا البرغوث، فإنه أيقظ نبياً للصلاة» وفي رواية: «لصلاة الصبح أو الفجر» أُلِّفت رسالتان في هذا الحديث:
إحداهما: مؤلفها معروف أنه مع الأسف جَمَّاع قَمَّاش غير فَتَّاش، قَمَّاش جَمَّاع لا يُفَتِّش لا يُحَقِّق، وإنما همه: روى فلان عن فلان، روى فلان عن فلان، ليس لنا كلام معه.
لكن الكلام الآن مع العالم الآخر الذي يُلَقَّب بحقٍ، أنه كان أمير المؤمنين في الحديث في زمانه، ولا تزال هذه الإمارة حَقٌ له ثابتاً إلى ما شاء الله؛ لأنني في اعتقادي وفي بحثي ما علمت له مثيلاً، ماذا قال بعد بحث علميٍّ صحيح؟ قال - معنى كلامه -: وخلاصة القول: أن هذا الحديث حديث البرغوث [ضعيف]، لكن يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، سبحان الله! هناك أحاديث صحيحة
стр. 3634
ومبثوثة في كتب العلم تغنينا عن مثل هذا الحديث الضعيف، ما دام أنه ثبت بالنقد العلمي الصحيح أنه لا يصح، فلماذا نقول: لكنه يعمل به في فضائل الأعمال، أين الفضيلة هنا؟
أنا أقول لكم: الفضيلة أن المسلم يجب أن يُهَذِّب لفظه وألا يسب خلقًا من خلق الله وبخاصة إذا كان هذا الخلق غير مكلف .. حيوان غير مكلف، وقد جاءت أحاديث كثيرة وصحيحة تنهى المسلم عن اللعن بصورة عامة، وأحاديث أخرى تنهى عن لعن أشياء بأعيانها، فكلكم يعلم قول النبي ﷺ : «لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة» هذه حقيقة معروفة.
إذاً: نهى عن سب الديك ونهى عن لعن الدواب ونحو ذلك، ثم جاء بعبارات عامة؛ لإبعاد المسلم عن أن يقع في شيء من اللعن حيث قال ﵇ في بعض الأحاديث: «من لعن شيئاً ارتدَّت اللعنة عليه، إلا أن يكون الملعون مستحق للعنة».
إذاً: في هذا ما يغنينا عن حديث البرغوث، وبخاصة كما قلت لكم آنفاً أنه ليس مكلفاً هو حيوان، ولا شك أن الله كما قال بحقهم في القرآن الكريم: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] فما خلق شيئاً عبثاً إنما هو لحكمة بالغة.
فإذاً: ما ينبغي أن نحافظ على هذه الأحاديث الضعيفة ونسلّكها باسم: أنه يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال.
إذاً: من جملة ما تشمل قاعدة التصفية: تصفية السنة من الأحاديث الضعيفة، فضلاً عن الأحاديث الموضوعة.
إلى اليوم يا إخواننا لا تجدون كتاباً جامعاً .. كتاباً جامعاً للأحاديث الضعيفة والموضوعة، هذا المثال الذي أُقَدّمه إليكم، يكفيكم أن تقتنعوا بأن السنة لم تُخدم بعد .. لم تخدم بعد!
خذوا أيَّ كتاب من الكتب التي تعالج الأحاديث الضعيفة الموضوعة، فقد يصل أكبر عدد إلى ألفين يعني: من الأحاديث الضعيفة وليس إلا.
стр. 3635
وأنا شخصياً، وهذا من فضل ربي علي أنني إلى اليوم قد توفر عندي نحو سبعة آلاف من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، فتصوّروا لو أن علماء المسلمين تتابعوا بواجب قيام تصفية السنة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة؛ لوجدتم العالم الإسلامي اليوم لا يعمل بأحاديث ضعيفة وموضوعة، لماذا؟ لأن السنة قد قُدِّمت إليهم مُصَفَّاة عن الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
إذاً: التصفية تشمل هذه الأحاديث التي نسبت إلى النبي ﷺ خطأً أو زورا.
وأيضاً التصفية تشمل تصفية كتب الرقائق والسلوك من كثير من الانحرافات باسم: الزهد، وباسم: الأخلاق العالية السامية.
هذه النقطة وحدها فيما علمت لم يقم بها عالم يُصَفِّي هذه الناحية فقط، هذا من العلم النافع أن تُصَفَّى السنة من كل هذه الجوانب التي تشملها السنة الصحيحة، وتغنينا عن كثير منها.
أما العمل الصالح: قلنا العلم النافع والعمل الصالح، فهذه مشكلة كبيرة وكبيرة جداً؛ لأن كثيراً من المسلمين الصالحين عملاً، عملاً أي: في ظاهر أعمالهم يفسدون أعمالهم بما وقر في قلوبهم من أنهم لا يبتغون بأعمالهم ثواب الآخرة، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] معنى هذا: أن العمل لا بد أن يشترط فيه شرطان اثنان:
الشرط الأول: أن يكون على السنة، وهذا انتهينا من البحث ولو بشيء من الإجناب.
والشرط الثاني: أن يكون خالصاً لوجه الله ﵎، وهذا بحث طويل وطويل جداً، وأرى أنني أخذت شيئاً من الوقت طويلاً، فأقتصر الآن على مثال واحد مما ابْتُلِي به العالم الإسلامي، وهذا المثل الواحد يشمل أنه انحرف أصحابه فيه عن العمل الصالح بشرطيه أي: أن يكون على وجه السنة، وأن يكون خالصاً لوجه الله ﵎، ما هو هذا المثال؟
стр. 3636
تجدون الآن في كثير من البلاد، ومنها بلدنا هذا قد انتشرت فيه المساجد والحمد لله كثرةً نباهي بها كثيراً من البلاد الأخرى، وليس كمباهاة البانين لها.
لكن هذه الكثرة من هذه المساجد التي تُبْنَى، هل تَوَفَّر فيها شرطا العمل الصالح: أن يكون على السنة، وأن يكون خالصاً لوجه الله ﵎؟
أقول -آسفاً-: أكثر هذه المساجد لم يتوفر فيها لا الشرط الأول ولا الشرط الآخر:
أما الشرط الأول: فأن يكون بناؤه على السنة، هذه السنة التي جمعها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حينما قال للِبَنَّاء الذي كُلِّف ببناء الزيادة التي أضافها عمر إلى المسجد النبوي، قال له: «أكن الناس من الحَر والقَر، ولا تُحَمِّر ولا تُصَفِّر».
فهو أشار إلى أمر إيجابي وإلى أمر آخر سلبي:
أما الأمر الإيجابي الذي من أجله بُنيت المساجد، فذلك قوله: «أكن الناس من الحر والقر» فبناء المساجد لا يُقْصَد بها إلا تحقيق الراحة النفسية للذين يدخلون هذه المساجد يصلون فيها لله ﵎ تحفظهم، هذه المساجد من الحر والقر.
هذا هو المقصود من بناء المساجد، ليس المقصود زخرفتها، هذه الزخرفة التي أشار إليها عمر الفاروق بكلمته السابقة: ولا تُحَمِّر ولا تُصَفِّر، من أين أخذ عمر هذا؟ هناك أحاديث تعرفونها من مثل قوله ﵊: «ما أُمرت بتشييد المساجد» .. «ما أُمرت بتشييد المساجد» التشييد هنا فُسِّر بمعنيين اثنين:
المعنى الأول: هو المبالغة في رفع بنيانها كالقصور، هذا إضاعة للمال، ولا يُحَقِّق المقصود من مما صرح به عمر: «أكن الناس من الحر والقر»
وهذا الحديث لما رواه عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه عن رسول الله قال: «ما أمرت بتشييد المساجد»
قال: إما اقتباساً واجتهادًا صحيحاً منه، وإما تَلَقّياً منه عن الرسول ﷺ ، بهذا النص أو بقريب من هذا النص، حيث قال بعد أن روى عن رسول الله ﷺ : «ما
стр. 3637
أمرت بتشييد المساجد، قال: لتُزَخْرِفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى»
وهذه نبوءة قد تحققت من زمن بعيد وبعيد جداً، لكنها مع الأسف الشديد في هذا الزمن الذي تَفَنَّن فيه الكفار بزخرفة دنياهم، وقَلَّدهم كثير من المسلمين، فقد تفننوا تفنناً لا حدود له في زخرفة المساجد، كما أنتم تشاهدون، ولست بحاجة إلى ضرب الأمثلة.
ولكن ما بالكم أن المسجد النبوي الذي قال فيه الرسول ﷺ حديث ابن عباس هذا: «ما أمرت بتشييد المساجد» هو الآن يُشَيَّد كيف؟ تقليداً لليهود والنصارى، كما قال ابن عباس: «لتُزَخْرِفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى»
لقد جاء في صحيح البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أن أم سلمة وأم حبيبة رضي الله تعالى عنهما، وهما من أزواج النبي ﷺ كما تعلمون لما رجعتا من الحبشة، ذكرتا كنيسةً رأتاها في الحبشة «وذكرتا» هنا الشاهد: «من حسنٍ وتصاوير فيها» فقال ﵊، تأملوا يا إخواننا كيف أن هذه الأخبار اليوم تطبق من المسلمين، تقليداً منهم للكافرين، كما لو كان الرسول ﵇ أمرهم بذلك، بل لو أمرهم بذلك ما فعلوا ولا استجابوا، «فذكرتا من حسنٍ وتصاوير فيها» فقال ﵊: «أولئك كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنو على قبره مسجداً وصَوَّرا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخَلْقِ عند الله يوم القيامة».
الآن المسلمون .. أمام الزخارف فهذه حَدِّث كما يقال ولا حرج، وهناك بعض المساجد يبنيها المنفقون عليها، وقد أوصوا أن يدفنوا فيها! هذا كما لو كان الرسول أمر بذلك بل إنه كما سمعتم في حديث عائشة المذكور آنفاً وفي أحاديث أخرى، حذر أشد التحذير من بناء المساجد على القبور، ومن ذلك حديث عائشة الآخر: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
وهناك أكثر من عشرة أحاديث، كلها تُدَنْدِن حول لعن المتخذين للمساجد على القبور، وحديث منها على الأقل يتعلق بهذه الأمة، حيث قال عليه الصلاة
стр. 3638
والسلام: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، وعلى الذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد» على هؤلاء تقوم الساعة.
لذلك: فبناء المساجد اليوم مع كثرتها التي تُبَشِّر بخير من جانب، ولكن من حيث كيفيتها لا تبشر بخير إطلاقاً؛ لأنه لم يتوفر فيها الشرطان اللذان لا بد من أن يتحققا في العمل الصالح، الأول: أن يكون على السنة.
فهذه المساجد ليست على السنة، ثم هل قصد بانوها وجه الله في هذا البنيان، هذا نحن نقول: الله أعلم بما في صدورهم.
لكن إذا جاز لنا أن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر، نقول: إن هؤلاء الذين يبنون هذه المساجد وينفقون عليها الألوف، إن لم نقل الملايين يبدو والله أعلم، أقول -متحفظاً- لأني أعني ما أقول: يبدو والله أعلم أنهم كانوا غير مُخْلِصين، لماذا أتحفظ؟
لأني أضع احتمالاً وهذا الاحتمال وارد، وأقول هذا إنصافاً لهؤلاء الذين يبنون وماتوا، ولهؤلاء الذين لا يزالون ولا يزالون أحياء ما ماتوا.
أقول: ممكن أن يكونوا مخلصين، لكن وَرَّطهم بعض علماء السوء الذين لم يفهموا السنة، والذين يأتون بقياسات أشبه بقياس إبليس، حينما قال لربه وقد أمره أن يسجد: ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]
هم يقولون: نحن نُزَخْرِف اليوم بيوتنا، فبيوت الله ﵎ أولى أن تزخرف، يمكن أن يكون في هؤلاء الذين ينفقون هذه الأموال الطائلة في بناء هذه المساجد على خلاف السنة، أن يكونوا قد غُرِّر بهم وضُلِّلوا وتوهموا فعلاً أن هذا من الأعمال التي تقربهم إلى الله زلفى.
وسواء كان هذا أو ذاك، فالحقيقة أن أحلاهما مر سواء كانوا غير مخلصين، أو كانوا مخلصين ولكن كان عملهم ليس على السنة.
إذاً: هذه الأموال الطائلة ذهبت هباءً منثوراً.
стр. 3639
وختاماً أقول مُذَكِّراً لكل مسلم يريد أن يتقرب إلى الله ﵎: عليه قبل أن يأتي بعمل يريد أن يتقرب به إلى الله، أن يعرف أولاً: هل هو على السنة؟ وثانياً: أن يخلص فيه لله ، لا يريد من وراء ذلك جزاءً ولا شكوراً، وإلا صدق عليهم قول ربنا ﵎: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤].
هذا ما تيسر لي إلقاؤه بهذه المناسبة، وخلاصة ذلك والبحث طويل وطويل جداً، ولا بد أن هناك أشرطة يمكن أن تعتبر من المُتَمِّم لمثل هذا الكلام.
ذلك أن موضوع التصفية والتربية كما قال بعض إخواننا: يتطلب تأليف رسالة، بل أنا أقول كتاباً يُوَضِّح هذا الموضوع، وعسى أن يوفق للقيام به بعض من يسر الله له العلم النافع إن شاء الله ﵎، وبهذا القدر كفاية، والحمد لله رب العالمين.
(الهدى والنور / ٧٩٦/ ١٥: ٠٣: ٠٠)
(الهدى والنور / ٧٩٦/ ٣٨: ٣٨: ٠٠)
حكم الخط الذي يُشد في المسجد لتسوية الصفوف، وحكم المحاريب والمآذن
مداخلة: قلتم إن الخطوط التي في الفرش للمساجد أنها فيها نوع من البدعة أو هي بدعة، هل يقاس على ذلك أن المحاريب بدعة، والمآذن بدعة، وغير ذلك؟
الشيخ: أنا لا أشك في ذلك، وخاصة فيما يتعلق بالمحاريب، وقد ألف الإمام السيوطي، أو بالأحرى الحافظ السيوطي ﵀ رسالة سماها: تنبيه الأريب لبدعة المحاريب، وذكر هناك روايات تدل على أن هذا حدث، أي: اتخاذ المحراب، حدث في مسجد النبي ﷺ فيما أذكر يوم أدخلت الحجرة النبوية في المسجد وصار
стр. 3640
القبر في المسجد النبوي يومئذ اتخذ المحراب، ومن المعلوم أن المحاريب مشاهدة في كنائس النصارى، فالظاهر والله أعلم أن هذه البدعة بدعة المحراب إنما تسربت إلى المسلمين من النصارى كما تسربت إليهم أشياء أخرى ومنها مثلًا السبحة، فسبحة النصارى لا تزال إلى الآن ترى معلقة .. لذلك ما نجد ذكرًا للمحراب في أي حديث من أحاديث النبي ﷺ يصح، إنما هناك حديث طويل عند البزار أو الطبراني، لم أعد أذكر الآن من طريق وائل بن حجر يذكر فيه أن النبي ﷺ وقف في المحراب ورفع يديه ويحكي صفة صلاة النبي ﷺ بشيء من التطويل، لكن في إسناد هذا الحديث متروك .. سوى هذا الحديث المتروك لم يأت للمحراب ذكر مطلقًا في أي حديث آخر.
وحديث البخاري من طريق أبي هريرة ﵁ الذي فيه قال: بينما أنا أصلي خلف النبي ﷺ صلاة العصر إذ سلم على رأس ركعتين، فخرج سرعان من المسجد وذهب النبي ﷺ إلى ناحية في المسجد ووضع اليمنى على اليسرى، كأنه ﵊ يستريح، وفي الناس رجل يقال له: ذو اليدين، فقال: «يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: كل ذلك لم يكن، قال: بلى يا رسول الله، فالتفت إلى أصحابه وقال لهم: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم، فرجع رسول الله ﷺ إلى مقامه - ولم يقل: إلى محرابه - فصلى ركعتين ثم سجدتي السهو ثم سلم» فمثل هذا الحديث وأمثاله لا نجد فيه ذكر للمحراب إطلاقًا، زيادة على ذلك أن كتب التاريخ تذكر أن المحراب أدخل إلى مسجد النبي ﷺ في خلافة الوليد بن عبد الملك حيث هو الذي أمر بإضافة الحجرة الشريفة إلى المسجد النبوي.
وهذا ما يتعلق بالمحراب، أما اتخاذ الخط اليوم في بعض المساجد وتلقت بعض الأسئلة استجابة لرغبة بعض أصحاب المساجد أو الذين بنوا المساجد على نفقاتهم فأخذوا يطبعون الخط الأبيض على السجاد، فيفرش السجاد وإذا بالخط يأتي مطبوعًا دون أي كلفة.
لا أرى أو لا أشك إلا أن هذا الخط هو ليس فقط بدعة، فمعلوم أن كل أمر
стр. 3641
حدث بعد النبي ﷺ فهو حادث وبدعةً لغةً، ولكن قد يكون الأمر الحادث، قد يكون ليس من البدع بل يكون من المصالح المرسلة، وهذه المسألة في الحقيقة تكلمت فيها كثيرًا، تارة مختصرًا وتارة مطولًا، فقلت: لأن كون الشيء مصلحة مرسلة لا يكون كذلك إلا إذا كان الدافع على ذلك، لم يكن أولًا في عهد الرسول ﵇، ثم لم يكن الدافع على ذلك هو تقصير المسلمين في القيام ببعض واجباتهم الدينية.
ومن الأمثلة على ذلك عدم شرعية الأذان لصلاة العيدين، وكل إنسان يعلم أنه في إحداث الأذان لصلاة العيدين فيه فائدة للناس لكي يعلموا متى يتوجهوا إلى صلاة العيدين كالأذان للصلوات الخمس، بل لعل العقل المجرد عن الاتباع يقول: أن الأذان لصلاة العيدين أولى من الأذان لصلاة الظهر مثلًا أو العصر؛ لأن وقت صلاة العيد حرج، لكن مع ذلك الرسول ﷺ لم يسن هذه الأذان، فلو قال قائل: توجد مصلحة من تشريع هذا الأذان قال: الرد على ذلك هو أن الرسول ﷺ لم يفعل ذلك.
ولذلك ذكر بعض العلماء المحققين من المتأخرين تقسيمًا جديدًا للسنة، فنحن نعلم أن بعض العلماء يقسمون السنة إلى مؤكدة ومستحبة، سنية عادة وسنية عبادة، فجاءت التقسيم الأخير الجديد من باب آخر، لكنه سليم، فقسموا السنة إلى قسمين: سنة فعلية، وسنة تركية، أي: ما فعله الرسول ﵇ من العبادات فيسن فعلها، وما تركه ﵊ من العبادات فيسن تركها، والمثال هو عدم فعل الرسول ﵇ أو تشريعه للأذان في صلاة العيدين .. في صلاة الاستسقاء .. في الكسوف والخسوف إلى آخره.
فإذا جئنا إلى الخط، ما الذي يحمل الناس اليوم إلى مد الخط في المساجد سواء كان خيطًا كما هو الشأن في الأردن وفي سوريا، أو كان مطبوعًا كما هو الشأن في البسط التي نراها اليوم عندكم في بعض المساجد، هذه قد يقال: فيها مصلحة لتسوية الصف، لكن سبب اتخاذ هذا الخط في اعتقادي تقصير العلماء من جهة،
стр. 3642
واتباعهم لسنة النبي ﷺ التي تدل على أنه ﵊ كان [يحرص] خاصة في أمره للناس بتسوية الصفوف حتى كان أحيانًا يبالغ في ذلك فيقول: «لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم» فأعرض أئمة المساجد عن مثل هذا التذكير الذي صح عن النبي ﷺ بعبارات شتى كلها تلتقي على أنه ينبغي للإمام أن يكون له عناية خاصة بتوجيه المصلين واعتنائهم بتسوية صفوفهم.
فلما أهمل أئمة المساجد إلا ما شاء الله من هذه السنة في الاهتمام بتسوية الصف، نتج من وراء ذلك خلاف، وعدم أمر المصلين بتسوية الصفوف، فوجدوا الحل في ذلك أن يربطوهم بالخيط، هذا بلا شك أنه سيكون استمرار في الإعراض عن السنة القديمة، زائد أن المصلين إذا خرجوا إلى العراء بمناسبة ما كما كنا اليوم هناك في مخيم ما يستطيع أن يصفوا؛ ولا نذهب بكم بعيدًا فنتذكر الصلاة في المصلى مصلى العيد، ليس هناك خيط، ولذلك فسيجد الإمام إن أراد أن يسوي الصفوف مشقة كبيرة جدًا؛ لأنهم اعتادوا أن يصلوا على الخيط، وهذا الخيط لا يتيسر في [ذلك] مكان، فإذًا معنى هذه البدعة ضد السنة، وقد اتفق العلماء حتى من قال منهم بالبدعة الحسنة، قالوا: إن البدعة السيئة هي التي تعارض السنة، وهذه إذًا تعارض السنة، فينبغي أن تكون بدعًة باتفاق العلماء حتى الذين يقسمون البدع إلى خمسة أقسام، فبالأولى الذين لا يقولون إلا بقول الرسول ﵇: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار».
المئذنة .. يمكن أن يقال: إنها مصلحة مرسلة؛ ذلك لأنها تحقق غرضًا شرعيًا بخلاف الخيط، فالخيط يقضي على سنة الأمر بتسوية الصفوف واعتناء المصلين بتسوية الصفوف كما ذكرنا آنفًا، أما المئذنة فلم يكن هناك وسيلة أخرى لتبليغ الصوت إلى أبعد مكان ممكن، فوجدت هذه المئذنة، وخاصة لما بدأت الأبنية تكثر في بعض المدن أو العراء، ثم بعدها ترتفع، فلم يعد صوت المؤذن ... وراء المسجد يبلغ حيث ينبغي أن يبلغ، فوجدت هذه الوسيلة، أما اليوم فأصبحت كما يقال [هملاً] لأنها لا أحد يصعد إليها يؤذن عليها فيبلغ الناس، وإنما أصبحت [زينة] للمسجد، فأنا أرى مادام وجد مكبر الصوت فلا يجوز بناء المئذنة لسببين اثنين:
стр. 3643
السبب الأول: أن المئذنة في الأصل ليس لها أصل، وقلنا بجواز اتخاذها يومئذ؛ لأنها تحقق مصلحة مرسلة، الآن مكبر الصوت يحقق مصلحة مرسلة فما يجوز بناء مئذنة، وبخاصة على الطرق التي اتبع في كثير من المساجد حيث يباهى بها بطريقة بنائها ورفع بنيانها ونحو ذلك، مما لا يخلو من الإسراف والتبذير وإضاعة المال، وبخاصة إذا كانت هذه الأموال هي أموال وقف أو ناس تبرعوا على أساس أنه يراد أن يبنى بهذه الأموال مسجد، وفي ذلك فضلًا معروف في بعض الأحاديث كقوله ﵊: «من بنى مسجدًا ولو كمِفْحَص قَطَاة بنى الله له بيتًا في الجنة» وإذا كثير من هذه الأموال تذهب هكذا سُدى دون فائدة.
قديمًا كنا نقول: لتحقيق مصلحة مرسلة، أما بهذه الارتفاع فليس في ذلك مصلحة إطلاقًا .. أما اليوم فلا مصلحة إطلاقًا في بناء مئذنة، لولا العرف السائد فيدل الغريب أن هذا مسجد فلا مانع من اتخاذ مئذنة مصغرة جدًا وبأقل كلفة؛ لأننا قلنا بأن مكبر الصوت يغني عن تلك المئذنة.
(رحلة النور: ٣٨ أ/٠٠: ٠٨: ٤٦)
السواري في المساجد
قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، وإن من أهم ما يجب التذكير به، إنما هو ما ابتُلي به جماهير الناس لجهله، أو على الأقل بالغفلة عنه، الذي ينبغي الاعتناء بالتذكير به قبل كل شيء إنما هو ما كان مجهولاً عن جماهير الناس، أو كانوا غافلين عنه، أن أكثر المساجد القديمة بُنِيت يوم بنيت، والهندسة المعمارية لم تكن قد ساعدتهم على بناء مسجد دون أعمدة ودون سَوَاري، ولذلك فلا يكاد مسجد يخلو من أن يكون فيه عديد من الأعمدة والسواري، وهذه الأعمدة يوم بُني، بنيت دون التخطيط من مهندس فقيه بالإسلام، أو على الأقل أن يتعاون مع عالم من العلماء؛ لأن الحقيقة: أن العلوم التي أشرنا إليها في الكلمة السابقة -وهي العلوم الكفائية- لا يستطيع أن ينوءَ، أو أن ينهض بها فرد من أفراد
стр. 3644
العلماء، وإنما يقوم كُلُّ فرد منهم بفرض من هذه الفروض الكفائية، ولكن لا تفيدهم هذه الفروض إلا إذا كانوا متعاونين، كما قال رب العالمين: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢].
كان ينبغي حين تُبْنَى المساجد، أن يستعين المهندسون بآراء العلماء في بناء المسجد، دعنا نُسَمِّيه المسجد السُّنِّي أو السَّلفي، هناك شخص سَلفي، وهناك مسجد سلفي -أيضاً- أي: على السنة، على ما جاء في الأحاديث التي نَقَلَتْها الصحابة إلينا.
إن من الأحاديث العجيبة الغريبة التي أُهْمل تطبيقُها حتى اليوم مع أن ذلك من الميسور.
أعني: ينبغي أن يكون هناك في كل مسجد باب يُسَمّى بباب النساء، أي: لا يدخله إلا النساء، كما أن الباب الخاص بالرجال أو الأبواب الخاصة بالرجال، ما ينبغي للنساء أن تدخل المسجد من باب من تلك الأبواب.
ذلك مأخوذ من حديث «رواه أبو داود» في «سننه» من طريق نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، قال نافع: عن ابن عمر، أنه دخل مع النبي ﷺ يوماً إلى المسجد، -المسجد النبوي- فقال ﵊: «لو تركنا هذا الباب للنساء». قال نافع عن مولاه ابن عمر: فما دخل ابن عمر بعد ذلك المسجد من هذا الباب إطلاقاً؛ لأن النبي ﷺ قال: «لو تركنا هذا الباب للنساء».
وتَعلمون اليوم، من ذهب منكم في حج أو عمرة، إلى المسجد النبوي، فهناك باب اسمه «باب النساء» هذا متوارث خلفاً عن سلف.
وإني لأذكر -جيداً- أنه كان أُتِيح لي الذهاب إلى مصر، وزرتُ بعضَ البلاد هناك، لعلها سُوهاج أو غيرها، نسيت اسمها، فأخذني بعض أصحابي هناك إلى مسجد يُبْنَى جديداً، فقالوا لي: هنا سيكون الميضَأَة وهنا المرحاض، وهنا باب لي، قلت لهم: وأين باب النساء؟ قالوا: جزاك الله خيراً، فوضعوا مكاناً يُتَخَذ منه
стр. 3645
باب للنساء.
هذا أمر سهل، مع ذلك فالناس في غفلة، لكن الشيء الصعب الذي كان لا يمكن تحقيقه إلا في هذا الزمان، أن يُبنى مسجد مهم كبيرٌ واسع، دون أعمدة؛ لأن هذه الأعمدة تكون سبباً لتعريض صلاة المصلين، لا أقول للبطلان والفساد، وإنما على الأقل للنقص من الثواب.
ذلك لأنه قد جاء عن النَّبي ﷺ حديثان اثنان، أحدُهما: من حديث أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- قال: كنا نُطْرَد عن الصف بين السَّوَاري طرداً في عهد النبي ﷺ ، والحديث الآخر: «لا تَصُفُّوا بين السَّواري».
الذي أوحى إليَّ بهذه الكلمة: أننا دخلنا الآن المسجد، فوجدنا صفاً بين الأعمدة الضَّخْمَة، وكِدْت أتورط أن أُصَلِّي في صف منقطع؛ لأني أُلاحظ لعل هناك صف لما يكتمل بعد، فوجدت فراغاً فَهَمَمْت أن أَسُدَّه، وإذا هو صف منقطع بسبب السواري، فهذه واحدة ينبغي ملاحظتها: «لا تصفوا بين السواري».
هذا ليس كلامي، وإنما كلام نبيكم ﷺ ، وفعله وأمرُه، كانوا يُطْرَدون عن الصف بين السَّواري طَرداً في عهد النبي ﷺ .
الشيء الثاني: أنني تأخرت لِأَصُفّ في صَفّ غير منقطع، فوجدته والحمد لله، لكن الشيء الذي لَفَت نظري، الذي تَحاشى الاصطفاف بين السواري وقع في مخالفة أخرى، والسبب هو الغفلة أو الجهل بالسنة.
أي: كان هذا الصف بعيداً جداً عن الصف الذي بين يديه، وهو الذي يتخلله الأعمدة والسواري؛ والسبب هذه البدعة التي ابتليت بها المساجد في هذا الزمان، وهي الخطوط التي تُمَدُّ في المسجد بعضها خط بالحبر، بعضها أسلاك، بعضها .. إلى آخره.
كثير من الناس يتوهمون والكلام كما يقال: ذو شجون، كلام يجر بعضُه بعضاً، أن مَدَّ هذه الخطوط هو من الأمور المشروعة؛ ذلك لأن الناس يُسَوُّون الصفوف عليها، وهذا في الواقع فيه بحث أصولي علمي هام جداً، وهو: هناك قاعدتان،
следующие страницы →