حدث بعد النبي ﷺ فهو حادث وبدعةً لغةً، ولكن قد يكون الأمر الحادث، قد يكون ليس من البدع بل يكون من المصالح المرسلة، وهذه المسألة في الحقيقة تكلمت فيها كثيرًا، تارة مختصرًا وتارة مطولًا، فقلت: لأن كون الشيء مصلحة مرسلة لا يكون كذلك إلا إذا كان الدافع على ذلك، لم يكن أولًا في عهد الرسول ﵇، ثم لم يكن الدافع على ذلك هو تقصير المسلمين في القيام ببعض واجباتهم الدينية.
ومن الأمثلة على ذلك عدم شرعية الأذان لصلاة العيدين، وكل إنسان يعلم أنه في إحداث الأذان لصلاة العيدين فيه فائدة للناس لكي يعلموا متى يتوجهوا إلى صلاة العيدين كالأذان للصلوات الخمس، بل لعل العقل المجرد عن الاتباع يقول: أن الأذان لصلاة العيدين أولى من الأذان لصلاة الظهر مثلًا أو العصر؛ لأن وقت صلاة العيد حرج، لكن مع ذلك الرسول ﷺ لم يسن هذه الأذان، فلو قال قائل: توجد مصلحة من تشريع هذا الأذان قال: الرد على ذلك هو أن الرسول ﷺ لم يفعل ذلك.
ولذلك ذكر بعض العلماء المحققين من المتأخرين تقسيمًا جديدًا للسنة، فنحن نعلم أن بعض العلماء يقسمون السنة إلى مؤكدة ومستحبة، سنية عادة وسنية عبادة، فجاءت التقسيم الأخير الجديد من باب آخر، لكنه سليم، فقسموا السنة إلى قسمين: سنة فعلية، وسنة تركية، أي: ما فعله الرسول ﵇ من العبادات فيسن فعلها، وما تركه ﵊ من العبادات فيسن تركها، والمثال هو عدم فعل الرسول ﵇ أو تشريعه للأذان في صلاة العيدين .. في صلاة الاستسقاء .. في الكسوف والخسوف إلى آخره.
فإذا جئنا إلى الخط، ما الذي يحمل الناس اليوم إلى مد الخط في المساجد سواء كان خيطًا كما هو الشأن في الأردن وفي سوريا، أو كان مطبوعًا كما هو الشأن في البسط التي نراها اليوم عندكم في بعض المساجد، هذه قد يقال: فيها مصلحة لتسوية الصف، لكن سبب اتخاذ هذا الخط في اعتقادي تقصير العلماء من جهة،
стр. 3642
واتباعهم لسنة النبي ﷺ التي تدل على أنه ﵊ كان [يحرص] خاصة في أمره للناس بتسوية الصفوف حتى كان أحيانًا يبالغ في ذلك فيقول: «لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم» فأعرض أئمة المساجد عن مثل هذا التذكير الذي صح عن النبي ﷺ بعبارات شتى كلها تلتقي على أنه ينبغي للإمام أن يكون له عناية خاصة بتوجيه المصلين واعتنائهم بتسوية صفوفهم.
فلما أهمل أئمة المساجد إلا ما شاء الله من هذه السنة في الاهتمام بتسوية الصف، نتج من وراء ذلك خلاف، وعدم أمر المصلين بتسوية الصفوف، فوجدوا الحل في ذلك أن يربطوهم بالخيط، هذا بلا شك أنه سيكون استمرار في الإعراض عن السنة القديمة، زائد أن المصلين إذا خرجوا إلى العراء بمناسبة ما كما كنا اليوم هناك في مخيم ما يستطيع أن يصفوا؛ ولا نذهب بكم بعيدًا فنتذكر الصلاة في المصلى مصلى العيد، ليس هناك خيط، ولذلك فسيجد الإمام إن أراد أن يسوي الصفوف مشقة كبيرة جدًا؛ لأنهم اعتادوا أن يصلوا على الخيط، وهذا الخيط لا يتيسر في [ذلك] مكان، فإذًا معنى هذه البدعة ضد السنة، وقد اتفق العلماء حتى من قال منهم بالبدعة الحسنة، قالوا: إن البدعة السيئة هي التي تعارض السنة، وهذه إذًا تعارض السنة، فينبغي أن تكون بدعًة باتفاق العلماء حتى الذين يقسمون البدع إلى خمسة أقسام، فبالأولى الذين لا يقولون إلا بقول الرسول ﵇: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار».
المئذنة .. يمكن أن يقال: إنها مصلحة مرسلة؛ ذلك لأنها تحقق غرضًا شرعيًا بخلاف الخيط، فالخيط يقضي على سنة الأمر بتسوية الصفوف واعتناء المصلين بتسوية الصفوف كما ذكرنا آنفًا، أما المئذنة فلم يكن هناك وسيلة أخرى لتبليغ الصوت إلى أبعد مكان ممكن، فوجدت هذه المئذنة، وخاصة لما بدأت الأبنية تكثر في بعض المدن أو العراء، ثم بعدها ترتفع، فلم يعد صوت المؤذن ... وراء المسجد يبلغ حيث ينبغي أن يبلغ، فوجدت هذه الوسيلة، أما اليوم فأصبحت كما يقال [هملاً] لأنها لا أحد يصعد إليها يؤذن عليها فيبلغ الناس، وإنما أصبحت [زينة] للمسجد، فأنا أرى مادام وجد مكبر الصوت فلا يجوز بناء المئذنة لسببين اثنين:
стр. 3643
السبب الأول: أن المئذنة في الأصل ليس لها أصل، وقلنا بجواز اتخاذها يومئذ؛ لأنها تحقق مصلحة مرسلة، الآن مكبر الصوت يحقق مصلحة مرسلة فما يجوز بناء مئذنة، وبخاصة على الطرق التي اتبع في كثير من المساجد حيث يباهى بها بطريقة بنائها ورفع بنيانها ونحو ذلك، مما لا يخلو من الإسراف والتبذير وإضاعة المال، وبخاصة إذا كانت هذه الأموال هي أموال وقف أو ناس تبرعوا على أساس أنه يراد أن يبنى بهذه الأموال مسجد، وفي ذلك فضلًا معروف في بعض الأحاديث كقوله ﵊: «من بنى مسجدًا ولو كمِفْحَص قَطَاة بنى الله له بيتًا في الجنة» وإذا كثير من هذه الأموال تذهب هكذا سُدى دون فائدة.
قديمًا كنا نقول: لتحقيق مصلحة مرسلة، أما بهذه الارتفاع فليس في ذلك مصلحة إطلاقًا .. أما اليوم فلا مصلحة إطلاقًا في بناء مئذنة، لولا العرف السائد فيدل الغريب أن هذا مسجد فلا مانع من اتخاذ مئذنة مصغرة جدًا وبأقل كلفة؛ لأننا قلنا بأن مكبر الصوت يغني عن تلك المئذنة.
(رحلة النور: ٣٨ أ/٠٠: ٠٨: ٤٦)
السواري في المساجد
قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، وإن من أهم ما يجب التذكير به، إنما هو ما ابتُلي به جماهير الناس لجهله، أو على الأقل بالغفلة عنه، الذي ينبغي الاعتناء بالتذكير به قبل كل شيء إنما هو ما كان مجهولاً عن جماهير الناس، أو كانوا غافلين عنه، أن أكثر المساجد القديمة بُنِيت يوم بنيت، والهندسة المعمارية لم تكن قد ساعدتهم على بناء مسجد دون أعمدة ودون سَوَاري، ولذلك فلا يكاد مسجد يخلو من أن يكون فيه عديد من الأعمدة والسواري، وهذه الأعمدة يوم بُني، بنيت دون التخطيط من مهندس فقيه بالإسلام، أو على الأقل أن يتعاون مع عالم من العلماء؛ لأن الحقيقة: أن العلوم التي أشرنا إليها في الكلمة السابقة -وهي العلوم الكفائية- لا يستطيع أن ينوءَ، أو أن ينهض بها فرد من أفراد
стр. 3644
العلماء، وإنما يقوم كُلُّ فرد منهم بفرض من هذه الفروض الكفائية، ولكن لا تفيدهم هذه الفروض إلا إذا كانوا متعاونين، كما قال رب العالمين: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢].
كان ينبغي حين تُبْنَى المساجد، أن يستعين المهندسون بآراء العلماء في بناء المسجد، دعنا نُسَمِّيه المسجد السُّنِّي أو السَّلفي، هناك شخص سَلفي، وهناك مسجد سلفي -أيضاً- أي: على السنة، على ما جاء في الأحاديث التي نَقَلَتْها الصحابة إلينا.
إن من الأحاديث العجيبة الغريبة التي أُهْمل تطبيقُها حتى اليوم مع أن ذلك من الميسور.
أعني: ينبغي أن يكون هناك في كل مسجد باب يُسَمّى بباب النساء، أي: لا يدخله إلا النساء، كما أن الباب الخاص بالرجال أو الأبواب الخاصة بالرجال، ما ينبغي للنساء أن تدخل المسجد من باب من تلك الأبواب.
ذلك مأخوذ من حديث «رواه أبو داود» في «سننه» من طريق نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، قال نافع: عن ابن عمر، أنه دخل مع النبي ﷺ يوماً إلى المسجد، -المسجد النبوي- فقال ﵊: «لو تركنا هذا الباب للنساء». قال نافع عن مولاه ابن عمر: فما دخل ابن عمر بعد ذلك المسجد من هذا الباب إطلاقاً؛ لأن النبي ﷺ قال: «لو تركنا هذا الباب للنساء».
وتَعلمون اليوم، من ذهب منكم في حج أو عمرة، إلى المسجد النبوي، فهناك باب اسمه «باب النساء» هذا متوارث خلفاً عن سلف.
وإني لأذكر -جيداً- أنه كان أُتِيح لي الذهاب إلى مصر، وزرتُ بعضَ البلاد هناك، لعلها سُوهاج أو غيرها، نسيت اسمها، فأخذني بعض أصحابي هناك إلى مسجد يُبْنَى جديداً، فقالوا لي: هنا سيكون الميضَأَة وهنا المرحاض، وهنا باب لي، قلت لهم: وأين باب النساء؟ قالوا: جزاك الله خيراً، فوضعوا مكاناً يُتَخَذ منه
стр. 3645
باب للنساء.
هذا أمر سهل، مع ذلك فالناس في غفلة، لكن الشيء الصعب الذي كان لا يمكن تحقيقه إلا في هذا الزمان، أن يُبنى مسجد مهم كبيرٌ واسع، دون أعمدة؛ لأن هذه الأعمدة تكون سبباً لتعريض صلاة المصلين، لا أقول للبطلان والفساد، وإنما على الأقل للنقص من الثواب.
ذلك لأنه قد جاء عن النَّبي ﷺ حديثان اثنان، أحدُهما: من حديث أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- قال: كنا نُطْرَد عن الصف بين السَّوَاري طرداً في عهد النبي ﷺ ، والحديث الآخر: «لا تَصُفُّوا بين السَّواري».
الذي أوحى إليَّ بهذه الكلمة: أننا دخلنا الآن المسجد، فوجدنا صفاً بين الأعمدة الضَّخْمَة، وكِدْت أتورط أن أُصَلِّي في صف منقطع؛ لأني أُلاحظ لعل هناك صف لما يكتمل بعد، فوجدت فراغاً فَهَمَمْت أن أَسُدَّه، وإذا هو صف منقطع بسبب السواري، فهذه واحدة ينبغي ملاحظتها: «لا تصفوا بين السواري».
هذا ليس كلامي، وإنما كلام نبيكم ﷺ ، وفعله وأمرُه، كانوا يُطْرَدون عن الصف بين السَّواري طَرداً في عهد النبي ﷺ .
الشيء الثاني: أنني تأخرت لِأَصُفّ في صَفّ غير منقطع، فوجدته والحمد لله، لكن الشيء الذي لَفَت نظري، الذي تَحاشى الاصطفاف بين السواري وقع في مخالفة أخرى، والسبب هو الغفلة أو الجهل بالسنة.
أي: كان هذا الصف بعيداً جداً عن الصف الذي بين يديه، وهو الذي يتخلله الأعمدة والسواري؛ والسبب هذه البدعة التي ابتليت بها المساجد في هذا الزمان، وهي الخطوط التي تُمَدُّ في المسجد بعضها خط بالحبر، بعضها أسلاك، بعضها .. إلى آخره.
كثير من الناس يتوهمون والكلام كما يقال: ذو شجون، كلام يجر بعضُه بعضاً، أن مَدَّ هذه الخطوط هو من الأمور المشروعة؛ ذلك لأن الناس يُسَوُّون الصفوف عليها، وهذا في الواقع فيه بحث أصولي علمي هام جداً، وهو: هناك قاعدتان،
стр. 3646
إحداهما: منصوص عليها في كلام الرسول عليه الصلاة السلام، وهو قوله: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» ولا أريد الخوض في هذا الحديث، وموقف كثير من العلماء اليوم تجاه هذا الحديث، حيث أنهم عَطَّلوا عمومه، وضربوا الحديث في صدره، فقالوا: ليس كل بدعة ضلالة.
هذه المشاقَّة لله وللرسول ﷺ والمعاكسة له، رسول الله ﷺ يقول: «كل بدعة ضلالة» هؤلاء الناس يقولون: لا، ليس كل بدعة ضلالة.
لا أريد الخوض هنا، يكفيكم القاعدة العامة من كلام المعصوم -عليه الصلاة السلام-.
لكن أريد أن أُذَكِّر بقاعدة أخرى، أُخذت من أدلة الكتاب والسنة أخذاً واستنباطاً، وليس عليها نَصٌّ صريح، كما هو الشأن في القاعدة الأولى، وهي القاعدة التي نسميها بِسَد الذرائع، قاعدة «سَدّ الذرائع» ومثلها «ما لا يقوم الواجب إلا به، فهو واجب» هنا نقف الآن: كثير من الناس يظنون أن مد هذه الخيوط في المساجد، هو من باب المصالح المرسلة التي منها: ما ذكرنا «ما لا يقوم الواجب إلا به، فهو واجب» فهل قاعدة المصالح المرسلة -وهي صحيحة ولا شك-على إطلاقها؟
هنا البحث: وأرجو أن أخْتَصِرَه ما استطعت، هذه القاعدة يجب الأخذ بها، وتطبيقها في أوسع معانيها، بشرط واحد: أن لا تخالف السنة.
والسنة كما تعلمون ثلاثة أقسام: قول وفعل وتقرير، -ولا شك ولا ريب- أن إخواننا الحاضرين جميعاً يَعْلَمون أن النبي ﷺ : كان لا يُكَبِّر في الصلاة إماماً بالناس، إلا بعد أن يأمر بتسوية الصفوف وأن يقول لزيد: تقدم، وآخر تأخر .. إلى آخره، حتى كان يُسَوّى الصفوف كما تُسَوّى قِدَاح الرماح، وكان ﵇ يُشَدِّد جداً، ويؤكد الأمر بتسوية الصفوف، حتى كان يقول: «لتُسوونَّ صفوفَكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم».
فإذاً: رسول الله كان يُعْنَى بالأمر بتسوية الصفوف، ويقول: تقدم، وتأخر ..
стр. 3647
تُرى هل كان من الممكن مد خيط من خيطان النخيل -يومئذ- وما أكثره! كان يمكنه ﵇ يفعل ذلك، أم لا؟ الجواب بداهة!
إذاً: هل فعل الرسول ذلك؟
الجواب: لا.
إذاً: هل يجوز لنا نحن أن نفعل ذلك؟
الجواب: لا؛ لأنه: ما كان المقتضي قائماً، لإحداث أمر في عهد الرسول، ولم يفعله، فإحداثنا له مع وجود المقتضي في ذاك الزمان، وعدم إيجاده إياه، هو من البدع الداخلة في عموم قوله ﵇ -السابق الذكر-: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار».
إذاً: لا يجوز الاغترار بهذه المحدثة والبدعة التي شاعت اليوم في مساجد المسلمين، وسبب شروعُها هو أحد شيئين: أحلاهما مُرَّ، غفلة العلماء عن الفقه الصحيح المُسْتَقى من الكتاب والسنة، أو -مع عدم غفلتهم- هم لا يُعْنون بتعليم إخوانهم المسلمين.
لذلك نشأت هذه البدعة وعَمَّت المساجد، ثَمَّ مشكلة أخرى: الذين يَخُطُون هذه الخطوط -أيضاً- ليسوا بعلماء، وهنا الشاهد الآن في البحث، تجد خَطاً، لو وقف عنده المصلي ينطح العمود برأسه، لماذا خَطَطَتم هذا الخط، تأخَّروا به قليلاً؛ حتى يتمكن المصلون أن يسجدوا لربهم كما ينبغي لهم السجود، ليس هناك مجال.
إذاً: هذا الخط لماذا؟ ذهب الخط سدًى وضاع ذلك المكان سدًى.
ماذا نشأ؟ جاء الخط الثاني وراءه، وهذا الذي شاهدته الليلة، فوقف الناس، لما وقفنا نحن كاد الصف يكاد يمتلئ، ممكن إدخال صف ثاني بين العمود وبين هذا الصف، لكن الخطأ من أين نشأ؟ من الذين خَطّوا هذه الخطوط دون تفكير ودون وعي، فلما انضَمْمَت للصف، وجدت بيني وبين السارية مسافة بعيدة، هل هنا مخالفة للشريعة؟ نقول: نعم. قال ﵊: «قاربوا بين الصفوف» هنا صار مباعدةً ما بين الصفوف.
стр. 3648
إذاً: كان ينبغي أن يكون هناك الصف الأول، الذي إذا وقف المصلي لا يستطيع أن يسجد وراء الساريات، يتأخر خط مقدار شبرين، فيقف الصف، وبالتالي الصف الثاني وراءه. هكذا.
إذاً: بدعة جرت، بدع كثيرة وكثيرة جداً، هذه البدعة هي الخطوط المنتشرة اليوم في المسجد، هذه ما ينبغي أن تكون؛ لأن الناس يتواكلون عليها في تسوية الصفوف.
وخذوا المثال الآن: في هذه السُّنة التي شاعت -بفضل الله في هذه السنين المتأخرة، في كثير من البلاد -في الأردن- وقد كانت أُمِيتت من قَبْل، هي: سنة إقامة صلاة العيدين في المصلى، في المصلى أرض عادية، وليس هناك خطوط ممدودة، فتجد الصفوف من أسوأ ما ترى من صفوف، ذلك لأن الناس لا يَصُفُّون إلا على الخيط، هنا لا يوجد خيط.
منظر من أفسد المناظر، ما الذي أدى إلى عدم الاهتمام بتسوية الصفوف، هذه الخطوط التي تُمَدُّ في المسجد وتخالف سنة الرسول ﵇ -القولية والفعلية-: «سَوّوا صفوفكم؛ فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة»، تقدم، تأخر، استراح أئمة المساجد من القيام بهذا الواجب، أراحهم من ذلك هذا الخيط.
ولذلك: فأنا أُذَكِّر بهذا الذي شاهدته، هذا الخط الذي هو قريب من العمود، يجب أن يُؤَخَّر قليلاً، حتى يتمكن مَن وقف وراء العمود من السجود، وحتى ما يكون الصف الذي ما يريد أن يصف بين السواري، بعيداً عن الصف الذي بين يديه، ثم هذا الصف الذي بين السواري، لماذا؟
فليكن الصف أمام السواري، فليكن الصف يكون الخيط هنا، ما يقفون هنا، والمسألة سهلة جداً، ولكنها تحتاج إلى مُذَكّر، وها أنا قد ذَكّرتكم، «وليبلغ الشاهد الغائب».
(الهدى والنور /٦٣٣/ ٤١: ٠٠: ٠٠)
стр. 3649
هل المنارة للمسجد كانت معروفة في العهد النبوي
[قال الإمام]: لم يثبت أن المنارة في المسجد كانت معروفة في عهده ﷺ (١)،
ولكن من المقطوع به أن الأذان كان حينذاك في مكان مرتفع على المسجد يرقى إليه كما تقدم، ومن المحتمل أن الرقي المذكور إنما هو إلى ظهر المسجد فقط (٢)، ومن المحتمل أنه إلى شيء كان فوق ظهره كما في حديث أم زيد، وسواء كان الواقع هذا أو ذاك فالذي نجزم به أن المنارة المعروفة اليوم ليست من السنة في شيء غير أن المعنى المقصود منها - وهو التبليغ - أمر مشروع بلا ريب فإذا كان التبليغ لا يحصل إلا بها فهي حينئذ مشروعة لما تقرر في علم الأصول: أن ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب ولكن ترفع بقدر الحاجة.
غير أن من رأيي أن وجود الآلات المكبرة للصوت اليوم يغني عن اتخاذ المأذنة كأداة للتبليغ لا سيما وهي تكلف المبالغ الطائلة، فبناؤها والحالة هذه مع كونه بدعة - ووجود ما يغني عنه - غير مشروع لما فيه من إسراف وتضييع للمال، ومما يدل دلالة قاطعة على أنها صارت اليوم عديمة الفائدة أن المؤذنين لا يصعدون إليها البتة مستغنين عنها بمكبر الصوت.
[الأجوبة النافعة ص ١٧ - ١٨]
стр. 3650
الصلاة في المساجد المخالفة للسنة وكيفية معالجة هذه المخالفات
مداخلة: يقول الأخ السائل: هل الصلاة في المساجد المخالفة للسنة تُنْقِص أجر صلاة المصلي المتبع للسنة، وما هو رأيكم العملي في علاج أوضاع المساجد المخالفة للسنة اليوم؟
الشيخ: ليس هناك علاج إلا أن يلاحظ المتطوعون أو القائمون على بناء المساجد، سواء كان الإنفاق منهم أو من غيرهم، أن يُراعوا ما سبق بيانُه في الكلمة السابقة من وجوب مراعاة السنة المحمدية في بناء المساجد.
لا مجال لإصلاح المساجد المبنية على خلاف السنة، وإنما المجال هو في توجيه ما يُراد بناؤه من المساجد حديثاً إلى السنة، وهذه الظاهرة ظاهرة التوجيه بلا شك أنها منتشرة في بعض المساجد إلى حَدٍّ ما.
أنا أعرف أنه في كل بلد كنت أنزل فيه، لا أجد مسجداً بني فيه منبر على السنة أو بعبارة أخرى وأدق من الأولى: لا أجد مسجداً بُني منبره لا يقطع الصف الأول والثاني، هذا نحن نعرفه في كل المساجد التي دخلنا فيها في كل البلاد التي نزلنا فيها، لكن اليوم تجدون كثيراً من المساجد قد انتبه القائمون على بنائها أو المنفقون على بنائها، انتبهوا لضرر هذا المنبر الذي يقطع الصف، فلجؤوا إلى طريقة أخرى بعضها على وفق السنة وهو ثلاث درجات لكن هذا نادر، وبعضها وهو الأكثر الاحتيال بطريقة اللف والدوران أنه مثلاً يجعلوا المنبر فوق لكن الدخول يكون من المحراب أو من غرفة خاصة، وهذا طبعاً ليس من الشرع بسبيل، بل هذا من باب التَكَلُّف والتَنَطُّع في الدين، وقد قال ﵇: «هلك المتنطعون .. هلك المتنطعون .. هلك المتنطعون».
إلا أن هذه الطريقة ألطف من الطريقة السابقة .. الطريقة السابقة المنبر يقطع صفاً أو
стр. 3651
صفين .. هذه الطريقة لا تقطع أيَّ صف، فهذا خير، لكن لماذا هذا التَكَلُّف .. لماذا هذا التَصَنُّع، قال ﵇: «أنا وأمتي براء من التكلف»، (وخير الهدى هدى محمد ﷺ ) منبر ثلاث درجات وانتهى الأمر، لا يقطع الصف ولا يُكَلِّف هذه الكلفة، وليس بلازم هذه الدورة واللفة هذه، فهذه ظاهرة تبشر بخير ..
كذلك مثلاً: كنت لا أرى إلى عهد قريب يعني: ما قبل عشرين سنة بالقليل .. لا أري في مسجد من إذا أراد أن يصلي السنة يتقدم إلى سترة أبداً، الناس حيثما وقف يصلي يصلي أما الآن ما شاء الله حدث ولا حرج.
بل تجد بعض الأئمة الذين نظن فيهم أنهم مع الأسف ليسوا على السنة مع ذلك يضعون السترة أمامهم، لأنه يصلي بعيداً عن المحراب، لأن بجانبه المنبر الذي يقطع الصف فهو يتأخر ويضع السترة .. كل هذه ظواهر تبشر بخير لكن كما تعلمون أن الخير سيره بطيء في الناس بخلاف الشر؛ ولذلك فنحن نعتقد أن الدعوة وبيان السنة للناس، فيها إقبال من الناس إذا ما بُلِّغوا؛ لأن أكثر الناس لا يعلمون.
من أجل هذا أنا وضعت آنفاً احتمال لهؤلاء الذين ينفقون تلك الأموال الطائلة في رفع المساجد وزخرفتها، أنهم ضُلِّلوا قيل لهم: هذا من معنى قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦].
يفهمون الرفع هنا رفعاً مادياً، بينما ليس هذا هو المقصود إنما هو بإعمارها كما جاء في بعض الأحاديث.
(الهدى والنور / ٧٩٧/ ٢٢: ٢٤: ٠٠)
الصلاة في المساجد المزخرفة
مداخلة: ذكرتم العلاج .. علاج المساجد، ولكن هل الصلاة في المساجد المزخرفة تنقص الصلاة؟
الشيخ: نعم، أحسنت، والله أنا كنت .. سبحان الله! يدور في ذهني كأني ما
стр. 3652
أتممت الجواب فذكَّرتني وجزاك الله خيراً! لا، ليس هناك نقص بالنسبة للحريص على أن يصلي في مسجد يكون أقل ما يكون بدعةً ومخالفة للسنة، وأنا أعني ما أقول، يعني: يقصد أن يصلي في مسجد أقل بدعة من غيره أو مخالفة للسنة.
أما أولئك الغافلون الذين لا يفرقون بين هذا وهذا، فهؤلاء لا شك أن أجرهم منقوص.
وأنا أُذَكِّر بمثل هذه المناسبة، لماذا أنا أقول: الحريصين على أن يصلوا في مسجد هو أقل بدعة؟
لما رواه أبو داود في سننه بسند جيد أن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه دخل مسجداً، فسمع صائحاً يصيح من المسجد يطل على النافذة: الصلاة الصلاة! فقال لصاحبه: هذا مسجد فيه بدعة فاخرج بنا، ما وجد بدعة إلا من هذا الصائح يقول: الصلاة والصلاة، وهذه بدعة في سوريا منتشرة جداً على نفس الطريقة التي رآها ابن عمر وأنكرها، يفتح النافذة بعدما أذن المؤذن ويذهب يُقيم الصلاة ... يفتح النافذة يقول: يا مصلين! الصلاة .. ستقام الصلاة.
هذا بلا شك استدراك على الشارع الحكيم، لا يجوز.
أردت من هذه القصة، أن ابن عمر وجد له مخرجاً؛ لينتقل من مسجد رأى فيه هذه البدعة إلى مسجد لا يجد فيه مثل هذه البدعة.
لكن مساجدنا لا تخلوا من بدعة؛ لذلك قلت في جوابي السابق: يختار الأقل بدعةً، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، لعلي أتممت الجواب إن شاء الله؟
مداخلة: جزاك الله خيراً، هل هذا فيما يتعلق بالمساجد الإسلامية البناء والزخرفة، لو في الإمام نفسه خطأ؟
الشيخ: نفس الكلام.
مداخلة: نفس الكلام.
الشيخ: تقصد الإمام السُّنِّي الحافظ للقرآن إلى آخره، إن تيسر لك، وإلا جاء هنا قوله ﵇ في حق الأئمة: «يصلون بكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن
стр. 3653
أخطؤوا فلكم وعليهم».
(الهدى والنور / ٧٩٧/ ٢٥: ٣١: ٠٠)
حكم إلتزام نفس المواد التي بنى النبي ﷺ بها مسجده في بناء مسجد في هذا العصر ؟
السائل: يا شيخ، فيه مسألة بخصوص بناء المسجد، يوجد جماعة أرادوا بناء مسجد في القرية، فقالوا يبنوا المسجد بطين وجذوع النخل، وجريد يسقفوه بجريد، وقالوا لا نحيد عن هذا؛ لأن النبي ﷺ بنى مسجده بهذه الطريقة، وجاء من بعده أبو بكر ﵁، وعمر وزادوا في المسجد، ولم يَحِيدوا عن طريقة النبي ﷺ في هذا، وعندما جاء عثمان من بعدهم بَدَّل في البناء، وأضاف الحجارة، وأضاف أشياء أخرى، فيقولوا: إن هذا هو السنة في بناء المسجد، ولا يزيدوا عن هذه الطريقة في البناء، فما أدري جوابك عليهم.
ويستدلوا كذلك من الآثار الصحيحة: ذكرت أن الصحابة عرضوا على النبي ﷺ أن يُعْطوه أموالاً، ويُحَسِّن المسجد، فقال: «لا، إنما هو عريش كعريش موسى» وأبى إلا أن يجعله بهذه الصورة، وكانت عنده إمكانية أن يجعله بأفضل مما كان، ولم يجعله إلا بهذه الصورة؟
الشيخ: هذا الكلام فيه حق وفيه خطأ، لا شك أن المساجد في الإسلام لا يجوز المباهاة في بنيانها، ولا يجوز كذلك تشييدها ورفع بنائها، لكن هذا لا يعني أن الأمر يقف عند الشكلية التي حكيتها عن أولئك الناس الذين تمسكوا بطريقة بناء الرسول ﵊ لمسجده، أي على جذوع النخيل مثلاً، والسقف من أغصان النخيل ونحو ذلك؛ لأن هذا الأمر الواقع الذي وقع من الرسول ﵇ هو أمر عادي، وليس هناك ما يدل من قوله ﵊ أن هذا الفعل الذي وقع هو الذي ويجب التزامه ولا يجوز الحَيْدة عنه.
стр. 3654
لا يوجد في كلام الرسول عليه الصلاة السلام مثل هذا التضييق، يوجد في كلام الرسول «بل عريش كعريش موسى» يوجد في كلام الرسول «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس بالمساجد» ويقول ابن عباس «لتُزَخْرُفنّها كما زخرفت اليهود والنصارى» يوجد في كلام الرسول ﵇ من مثل هذه الأحاديث التي تنهى عن زخرفة المساجد والمباهاة في بنيانها، لكن لا يوجد أي كلمة تُلزم المسلمين إذا أرادوا أن يبنوا المساجد بالطريقة التي بنى فيها مسجده الأول، انظر الآن التزام هذه الطريقة أن الرسول ﵇ عندما بنى مسجده، جاء إلى بعض الغلمان من الأنصار، وقال لهم: «ثامنوني حائطكم» يعني: خذوا مني الثمن، قالوا: يا رسول الله، -هنا الشاهد، وكان هناك قبور المشركين فنبشها ﵇ وأزالها، وكان هناك جذوع من النخيل فقطعها، وجعلها أعمدة اللمسجد ... إلخ.
الجمود على هذه الصورة، يعني لازم تشتري أرض يكون فيها قبور وتنبشها وتُزيلها ولازم يكون فيها نخيل، وما بيجوز تشتري أرض عراء وتجيب أنت نخيل مثلاً أعمده جذوع من نخيل.
هذا ما يقوله إنسان عنده شيء من الفقه الإسلامي أبداً، أنا أعتقد أن هؤلاء بعد ما صاروا طلاب علم، فضلاً من أن يكونوا من أهل العلم الذين يشهد لهم أهل العلم بالفضل والعلم وهذه آفة العصر الحاضر، بل آفة الشباب المسلم في العصر الحاضر، هو أنهم لمجرد أن يشعروا بأنهم عرفوا شيئاً من العلم، لم يكونوا من قبل على علم به، رفعوا رؤوسهم، وظنوا أنهم قد أحاطوا بكل شيء علما، فَتَسَلَّط عليهم الغرور والعُجب، ونخشى أن يشملهم قول الرسول ﵊: «ثلاث مهلكات، شُحٌّ مُطاع وهوىً متّبع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه» هذا أولاً.
ثانياً: هؤلاء يجهلون ولا أقول يتجاهلون؛ لأنهم من أهل الجهل، متى نقول عن الشخص يتجاهل؟ إذا كان من أهل العلم، فهو لهوىً في نفسه يتجاهل، فهؤلاء ليسوا من أهل العلم، حينما عثمان جاء بالخشب بدل النخيل كما جاء في الحديث أيضاً، ما كان موقف الصحابة تجاهه، هل أنكروا ذلك عليه؟ أم كان أمراً أقروه عليه
стр. 3655
وما أحد أنكره عليه فيما علمت أنا.
وما أظن أن أولئك علموا أن أحداً من الصحابة أنكر عليه فعلته هذه، ثم نفترض أنه قد وجد من أنكر، ما وَزْن هذا الإنكار: أهو التحريم أم هو مخالفة الأفضل؟
لا شك أن المسائل الفقهية يجب أن تُوْزن بميزان دقيق جداً، فلا نُحَرِّم ما كان مكروهاً ولا نكره ما كان مباحاً .. إلخ.
وأنا أخشى ما أخشى على هؤلاء أن يعودوا بنا إلى أن يفرضوا على المسلمين عدم التَمَتُّع، أو لعلي أكون غير دقيق في التعبير، أقول لعل هؤلاء يعودون بنا إلى أن نقول: لا يجوز التمتع بما خلق الله للمسلمين من وسائل الركوب التي لا يعرفها الأولون، ويوجبون علينا أن نعود إلى ركوب الإبل والجِمَال والحمير والبغال والخيول، وندع هذه الوسائل التي خلقها الله وأشار إليها بمثل قوله تعالى ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] أخشى ما أخشى أن نصل إلى هنا، نعم.
السائل: هم يقولوا هذا فقط في بناء المسجد، أما في مكتبة مُلْحَقة بالمسجد، فقالوا لا مانع أن تُبْنى بالاسمنت والحديد، وهذه ما لها دخل ولكن البناء يريدوا يأتَسُوا ..
الشيخ: أيش هو اللي ما في مانع؟
السائل: ما في مانع أن تُبْنَى مكتبة، مكتبة ملحقة بالمسجد و .. والحمامات والمرافق هذه يقولون لا مانع أن تُبنى بالحديد والأسمنت وهذا، وإنما المسجد فقط اقتداءً بفعل النبي ﷺ وفعل أبي بكر وعمر؟
الشيخ: يا أخي ما اختلفنا، فعل أبو بكر وعمر يدل على ماذا؟
السائل: لا، هم يقولون: هذا هو الأفضل، ونريد أن نُحيي هذه السنة.
الشيخ: هؤلاء الذين يقولون هو الأفضل يتمسكون بكل شيء هو الأفضل؟
السائل: والله هم متمسكون تمسك، والله أعلم على خير نحسبهم.
الشيخ: الله أعلم ..
стр. 3656
السائل: ثم يا شيخ لحظة هم يا شيخ قالوا اسأل الشيخ ناصر، واسأل الشيخ مقبلاً واسأل المشايخ في هذه المسألة، هم الآن أوقفوا هذا، قالوا اسأل العلماء؛ لأنه في هناك تبرع بالمسجد، فهم كانوا على هذا الرأي، وقالوا: اسألوا المشايخ أهل العلم فماذا يجيبوا في هذا هم هذا طلبهم يا شيخ هم كانوا مُسْتَفْتين.؟
الشيخ: سبق الجواب، أنا ما عندي غير ما سمعت، لكني الآن أُصَرِّح فأقول: قولهم هذا أهو في كل بلد، أم في بلاد النخيل؟
السائل: والله في بلدهم هم يريدون أن يفعلوا هذا الفعل، ما سألتهم هذا السؤال الله أعلم.
الشيخ: يا شيخ، يجب أن تسألهم حتى تعرف ضِيْق عَطَنِهم، ودائرة فكرهم محدودة جداً، هؤلاء لا ينظرون إلى أبعد من أرنبة أنفهم، هؤلاء يحصرون شريعة الله بأرض هم فيها.
فإذا أردنا نحن أن نبني مسجداً، هنا يُرسلوا إلينا جذوع النخيل؟ أيش الكلام هذا إذا كان عندهم متيسر هذا الأمر، وما يحتاجون إلى دفع الحَرّ والقر في الشتاء، إلى مثل هذه السقوف التي نحن نتعاطها اليوم، فليفعلوا ذلك ما شاؤوا.
نحن معهم في عدم إدخال الزخارف إلى المساجد، ونحن نُنْكِر كل هذه الأبنية التي تُبنى اليوم على نمطها المساجد، وننكر طريقة التوسعة في المسجدين في الحرم المكي والحرم المدني، هذه كلها زخارف غير مشروعة.
ويعجبني هنا قول عمر بن الخطاب ﵁ الذي رواه الإمام البخاري في
صحيحه مُعَلقاً، قال للذي أمره بالزيادة في المسجد النبوي: «أكن الناس من الحر والقر» وأنا هذا أتخذه حجة على جماعتك هؤلاء، «أكن الناس من الحر والقر، ولا تُحَمر ولا تُصَفر» شايف جمع بين دفع المفسدة وجلب المصلحة، «أكن الناس من الحر والقر، ولا تُحَمر ولا تُصَفر» في بعض البلاد مثلاً في البلاد العربية التي يغلب عليها الحرارة، هم اعتادوا في مثل هذه المساجد التي يتخللها الهواء والرياح، لكن أنه إذا كان بالباطون ...
стр. 3657
بيصير جحيم فيه بسبب أن هذا الباطون يحبس الحرارة ... إلخ.
فقصدي أن أقول: إن عمر بن الخطاب حينما ضم الزيادة نَبَّه إلى القاعدة في بناء المساجد: «أكن الناس من الحر والقر، ولا تحمر ولا تصفر».
التحمير والتصفير زينة، وهذا منهي عنه في بعض الأحاديث التي ذكرناها، لكن محافظةً على الناس من الحر والقر، هذه وسيلة ليتمكنوا أولاً للمحافظة على صحتهم، وهذا داخل في مثل قوله ﵇: «إن لجسدك عليك حقاً» والحديث معروف في الصحيح، فمن حق الجسد على صاحبه أن يدفع عنه شَرّ الحر والقَرّ.
فإذا ما بنوا مسجداً، كان هذا الحق قائماً أيضاً في هذا المسجد، فما في مانع أن يُبْنَى هذا المسجد بطريق يكونون فيه مطمئنين بعبادتهم وصلاتهم وخشوعهم، ولا يهتمون بأخذ المراوح ... في أثناء الصلاة حينما يكون المسجد قد بني بطريقة ليس فيها الأحمر والأصفر وو إلخ، لكن أمنوا الحر والقر، فالطريقة التي يتبناها هؤلاء كشيء لازم لا يحقق هذا الذي قاله عمر بن الخطاب: «أكن الناس من الحر والقر».
وأنا أقول إن ما فعله الرسول ﵊ حينما فعل ما فعل؛ لأنه هذا الذي تيسر له من أين لهم أنه لو كان تيسر للرسول ﵇ أعمدة من خشب مثلاً جاهزة .. وتيسر لهم من السقوف الخشبية، كما كانوا يفعلون عندنا في سوريا من العهد القريب يمدون خشباً رقيقاً وفوق منه الطين الأحمر الخليط بالتبن فهذا يدفع الحر.
أنا أعتقد أن هذا لو كان مَيْسوراً للرسول ﵊ ما كان يتأخر عنه ويبنيه كما بنى مسجده الأول، ثم الرسول يا جماعة ليس كأمثالنا نحن اليوم، هو الرسول مشغول بتبليغ الدعوة هو فاضي ومتفرغ أن يبني مسجداً على مهل وعلى تخطيط وعلى دراسة، لا هو الآن يريد أن يجمع الناس في هذا المسجد بأقرب طريق ميسرة له، لكن لو تيسر له مثلما قال عمر بن الخطاب وهو الفاروق كما ذكرنا، ما بيقصر الرسول ﵇ في ذلك؛ لأنه جاء في الحقيقة كما نفتخر نحن معشر المسلمين على أصحاب الأديان الأخرى، أن من فضيلة الإسلام أنه جاء بتحقيق
стр. 3658
مصلحة المادة والروح في آن واحد، هذا التمسك في هذا الجمود لا يُحَقِّق إلا الناحية المادية فقط، أما الناحية الروحية التي أشار إليها عمر بن الخطاب: «أكن الناس من الحر والقر، ولا تُحَمِّر ولا تصفر».
بلا شك أن هؤلاء أحد رجلين: إما أنهم لم يقفوا على أثر عمر، وإما أنهم وقفوا عليه وركبوا رؤوسهم، ومن هنا تأتي الفتنة والغرور، أنه يُعجبهم ما يرونه هم، ولا يعجبهم ما قاله السلف.
أو ما فعله السلف، هذا عمر يقول هذه الكلمة، وهذا عثمان يبني ذاك المسجد بطريقته التي يسرها الله له، وأولئك يعودون إلى بناء المسجد على طريقة الرسول، طريقة الرسول ليس فيها ما يوحي بأنه أمر مقصود بذاته، يعني عبادة مقصودة لذاتها، وإنما هذا الذي تيسر له.
(الهدى والنور /٨٦١/ ٤٠: ٤٠: ٠٠)
إذا دُفن ميت في صحن المسجد
السائل: مَرّينا هنا بعض مساجد، وجدنا ظاهرة غريبة جدا ما كنت أتوقعها، أن وجدنا قبور في مساجد أكثر من مسجدين، المشكلة أن القبور قريب من المسجد يمين المسجد.
الشيخ: خارج وإلا داخل؟
السائل: خارج المسجد، قلنا لهم، قالوا: وَصَّى صاحب المسجد، أن داخل سور المسجد، خارج المسجد من ناحية المسجد يسموها.
الشيخ: صحن المسجد.
السائل: صحن المسجد، جزاك الله خيراً قلنا لهم، قالوا: هذا أول شيء خارج المسجد، ثاني شيء وَصَّى صاحب هو تبرع بالأرض وهو تبرع بالبناء ..
الشيخ: وهو إن شاء الله ما مات.
стр. 3659
السائل: لا، ميت هو مدفون فيه، الأمر الآن: هل يجوز الصلاة في هذا المسجد الخارج؟
الشيخ: الخارج.
السائل: المدفون خارج المسجد في صحن المسجد، ثاني شيء إذا بنينا سور عالي وفصلناه عن صحن المسجد هل يجوز هذا، والثاني السؤال: أنه إذا في إمكانية نقله، واقتنع أهل الميت ... نقنعهم هل نصلي عليه من أجل جبر خواطرهم، بعدما من نحمله ونحطه فيه ونصلي عليه، وجزاك الله خيراً وبارك الله فيك؟
الشيخ: هو حديث الممات والا قديمها.
السائل: قديمها.
الشيخ: يعني يجوز أن يكون الآن أصبح رميما، وأصبح عظاما.
السائل: نعم.
الشيخ: الذي يبدو أن إخراجه عن صحن المسجد، لبناء ذلك الجدار الذي ذكرته هو الواجب، لكن إن بقي هكذا، فلا فرق بين الصلاة فيما يسمى بحرم المسجد أي داخل المسقف أو خارج الذي سميناه بماذا؟ صحن المسجد؛ لأنه كُلٌّ من حرم المسجد وصحن المسجد، اسمه مسجد، أليس له باب مع السور الذي ذكرتم فإذًا الحل الجذري هو بناء سور يفرق؛ ليُبعد أو يُخرج القبر عن صحن المسجد هذا هو ...
أما نبش القبر ودفنه في مكان آخر وقد يكون يعني صار عظاما أو رميما، فهذا ما يحسن.
السائل: والله أنا أقول، أتكلم أنا وواحد، وذكر لي أربع خمس مساجد فلان عمل وفلان عمل، فأقول: إذًا يعني تمكنا من إخراج هذا الميت حتى تصير قدوة وتسمع بها ويعرفوا، جزاك الله خيراً.
стр. 3660
الشيخ: أنت قُل ما شئت، لكن أنا لا أرى نبش القبر، ما دام فيه وسيلة للخلاص من مشكلة الصلاة من مسجد فيه قبر بهذه الطريقة التي أنت سألت عنها، وأنا أجبت عليها، وهو بناء السور الذي يفصل بين المسجد وبين القبر.
ولكن هنا ملاحظة واحدة فقط، هذا إذا كان القبر ليس في قبلة المسجد فهل هو جانب المسجد يمينا أو يسارا فالأمر سهل إن شاء الله، بالطريق هذه تزول المشكلة.
السائل: شيخ، لك فتوى سابقة في الموضوع.
الشيخ: نعم.
السائل: لك فتوى سابقة في الموضوع، أن المعتدي هو الذي يُزال، فإذا كان المسجد بُني على قبر يزال المسجد، وإذا كان القبر وضع في المسجد يزال القبر، والآن هذا الكلام ينافي.
الشيخ: طول بالك، نحن لا نريد أن نقول بهذا، لكن هذا مخرج جديد لا ينافي ما قلناه آنفا، نحن ما نقول خَلِّي القبر في المسجد، وإنما أخرجه من المسجد، لكن لإخراجه طريقتان: إما ببناء سور، أو بنقل الميت إن كان عظاما أو كانت الجثة كما هي، فهذا ما ينافي ذاك.
ونحن لا نزال مع الذي تعرفون تماما، لكن هنا يقول أخوك هذا: بأنهم لا يرضون بماذا لا يرضون؟ لا يرضون ببناء السور، إذًا يعني هذا هو الحل، على أني أريد أن أذكر الابن بأن لا يقتدي بأبيه في محاولة إرضائه للناس.
(الهدى والنور/٧٦٧/ ١٠: ٥٤: ٠٠)
(الهدى والنور/٧٦٨/ ٥١: ٠٠: ٠٠)
стр. 3661
الخيط لتسوية الصفوف
стр. 3662
شد الخيط في المسجد لتسوية الصفوف
مداخلة: حكم شد الخيط في المسجد.
الشيخ: من المبتدع في العصر الحاضر؛ وبسبب إهمال المسلمين سنة تسوية الصفوف.
(الهدى والنور / ٢٢٤/ ٤٦: ٠٦: ٠٠)
حكم شد الخيط في المسجد لتسوية الصفوف
الشيخ: مد الخط في المساجد بدعة ضلالة لا يجوز الاعتماد عليها في المساجد، اللهم إلا في بعض المساجد، وفي وقت مُحَدَّد، أعني: المساجد التي بُنِيَت مُنْحَرفة عن القبلة، أو لم تكن في الأصل بُنيت مسجداً، إنما كانت داراً ثم أُوْقِفَت مسجداً واتُفِق على أن قبلة هذه الدار منحرفة يميناً أو يسار.
فهنا؛ لتصحيح تسوية الصف للجماهير من المصلين، لا بأس من مد الخيط هذا أو هذا الخط، تنبيهاً وتعليماً.
ولكن ليس إلى الأبد؛ لأنه ينبغي اتخاذ وسيلة أخرى يُسْتَغْنَى بها عن هذه الوسيلة الأولى، كأن يُصَحَّح مثلاً قبلة المسجد ببنائه باب، ولو شكلي، ولو من خشب خفيف أو ما شابه ذلك، بحيث أن الداخل رأساً يتوجه إلى القبلة.
أما المساجد التي قِبْلَتُها صحيحة واتجاهها إلى القبلة والكعبة صحيح، فوضع هذا الخط من البِدع الضلالة؛ لأنها تُنَافِي السنة.
أعني: تُنَافِي سُنَّة تسوية الصفوف، وتُنَافِي قيام أئمة المساجد بواجب الأمر بتسوية الصفوف، وما يتعلق بالمصلين.
فإنهم إذا اعتادوا الصلاة في المساجد، وتسوية الصفوف فيها على الخيط، فقد
стр. 3663
يصلون في مسجد ليس فيه خيط، وقد يكون في المصليات التي بدأت تنتشر هذه السنة والحمد لله في كثير من البلاد يصلون في العراء، فتجد الصف من أسوأ الصفوف، لا يُحْسنون؛ لأنهم لم يتمرنوا في مساجدهم، ولم يُمَرِّنهم أئمتُهم على تسوية الصف؛ لأنهم لا يصلون إلا على الخيط.
فهم يعتمدون مع أئمتهم على الصلاة على الخيط المبتدع، وهذا بلا شك من وحي الشيطان، وتأكيداً لبعض الآثار التي جاءت عن بعض سلفنا، الذي يقول: «ما أُحْدِثَت بدعة، إلا وأُمِيْتَت سنة». هذه حقيقة نَلْمَسُها لَمْس اليد.
وهذه هو المثال بين أيديكم، مد الخط في المسجد؛ لكي لا يقول أحد للثاني يا أخي تَقَدَّم وتَأَخَّر، حتى يُصبح الصف مستقيماً تماماً، كما كان الرسول يفعل والخلفاء من بعده، حتى كان في زمن عثمان ﵁.
لما اتسع المسجد النبوي بالمصلين، وتكاثرت الصفوف تكاثراً عظيماً جداً، وكُلُّ شخص معنيا بتسوية الصفوف، فهو يأمر الجميع بتسوية الصفوف، ويساعده ذلك الموظف، فلا يقولوا: الله أكبر، إلا بعد أن يَسْمَع من المُسَوِّي للصفوف بأن الصفوف قد استوت.
هذه السُنَن قد أُلْغِيَت منذ زمن بعيد، ثم وُجِدَت الآن الوسائل المُيَسّرة لمد الخط في المساجد، وتفننوا فيها، وصاروا يطبعوا السجاجيد بخط أبيض، ليس هناك مد خط من أول المسجد إلى آخره، هذا كله تعطيل لأمر تسوية الصفوف الذي كان الرسول ﵇ يبالغ في الحض على تسويتها إلى درجة أنه كان يقول: «لتُسَوّون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم» «سَوُّوا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من حسن الصلاة» وفي الرواية الأخرى: «من تمام الصلاة».
ومع صحة هذه الأحاديث -بالمناسبة أقول-: قد أهدرها الأئمة؛ لأن الإمامة والتأذين اليوم ككل الوظائف الدينية، أصبحت كسائر الوظائف الحكومية، وظيفة يؤديها الموظف لا يَقْصُد بها وجه الله، ولا يبتغي بها وجه الله ﵎، فالإمام بِدّه يخلص من هالوظيفة كإنسان حامل الحِمْل على أكتافه، بِدّه يرميه أرضاً، بينما
стр. 3664
الإمام ما شاء الله ربنا هَيّأ له جو يكتسب بواسطته أُلوف الحسنات ليلاً ونهاراً، «من سَنَّ في الإسلام سُنَّة حسنةً، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، دون أن يُنْقِصَ من أجورهم شيئاً».
فهذا الإمام كلما دل أحد المصلين على سنة أو على حكم شرعي، فاهتدى به المصلي، كلما فعله كُتِبَ أجره لذلك الذي أرشده، لكن لم يعد هناك رغبة في مثل هذه الأجور الآجلة بقدر ما عندهم من الرغبة في الأجور العاجلة؛ لذلك فإمام المساجد لا يكاد تقام الصلاة إلا ويقول: الله أكبر، لا يأمر الناس بتسوية الصفوف، بمثل هذين الحديثين الصحيحين ونحوهما، وإن سمعت فلتسمعن حديث لا أصل له، ««استووا، إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج»» حديث لا أصل له.
الميت ما يستحق العزاء هذا، حديث لا أصل له في كتب السنة إطلاقاً، ويعجب الإنسان كيف تَشِيع هذه الأحاديث، هذه عندنا في الشام في سوريا مشهور هذا الحديث، وجئت هنا وسمعته أيضاً، وهكذا، فالأحاديث الصحيحة أماتوها، والأحاديث التي لا أصل لها أحيوها، وكذلك يفعلون بالسُنَن يُمِيتُونها، وكل يوم بدعة جديدة، ومن هذه البدع هذا الخيط.
إذاً: الخط هذا الذي يوضع في المسجد تارةً يكون بدعة ضلالة، وهذا قد عرفتم السبب، وتارةً قد يكون من باب المصلحة المرسلة؛ لتقويم القبلة في مسجد صفته كما ذكرت لكم آنفاً.
لكن الرضا بهذا الخيط في المسجد، هذا الذي منحرف عن القبلة، فهذا أيضاً لا يجوز؛ لأنه يجب تقويم الجدار حتى الإنسان يستوي في صلاته إلى القبلة.
ثم نحن نلاحظ بعض الملاحظات، يكون المسجد نُسَمّيه قطعتين، داخلي وخارجي، الداخلي يُسَمُّوه الحرم، الساحة ساحة المسجد أو قسم ملحق بالمسجد، فتجد الناس الذين يصلون في الداخل على الخيط على القبلة، أما الناس الذين يصلون وراء منحرفين عن القبلة؛ لأنه قبلتهم الجدار الذي أمامهم، وهذا الجدار فاصل بين القسم الخارجي والقسم الداخلي، فهم يستقبلون الجدار، فتجد الذي
стр. 3665
في داخل المسجد يصلي هكذا، وهذا يصلي هكذا؛ لأنه هذا مقتدي بالخيط والخيط وُجِّه إلى القبلة، وهذا مقتدي بالجدار الذي هو الجدار المتأخر عن جدار القبلة.
السبب غفلة الناس وعدم انتباههم، واعتمادهم على وسائل مادية، ليست خارجة من العقل ولا من اللب والقلب.
(الهدى والنور /٢٥١/ ٠٩: ٠٨: ٠٠)
стр. 3666
وقفيات المساجد
стр. 3667
إذا أخفى إمام المسجد الكتب الموقوفة على المسجد هل يجوز سرقتها ؟
مداخلة: بالنسبة فيه إمام مسجد، في مصر، جمع الكتب ووضعها في مكان، فليكن مثلاً في شِوَال، فقال: إنها عليَّ عُهدة، ومنع الناس من الانتفاع بها، رغم أن فيها تفاسير وفيها كتب نافعة، هل يجوز سرقتها؟
الشيخ: والشوال يحمله إلى أين؟
مداخلة: في المسجد، لا يُخْرِجه من الجامع. ولكن أبعده عن أيدي الناس التي تنتفع بهذه الكتب.
الشيخ: يا أخي وضعها أين، الله يهديك؟
مداخلة: لا أعرف أين، وضعها في بيته.
الشيخ: هذا الذي أنا أقوله لك.
مداخلة: نعم، في بيته.
الشيخ: نعم، لماذا وضعها في بيته؟
مداخلة: على أنها عُهْدَة عليه.
الشيخ: يعني أنت تعني أن هذه الكتب لا ينتفع بها رُوَّاد المسجد؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب، ألا يوجد مسجد آخر ينتفعون به؟
مداخلة: يعني يوجد مسجد آخر، ينتفعون به.
الشيخ: نعم، يوجد وإلا يوجد؟
مداخلة: يوجد.
الشيخ: إذاً: السرقة حرام كالأصل.
مداخلة: نعم.
(الهدى والنور/٢٢٤/ ٤٩: ٢٥: ٠٠) مختصرًا
стр. 3668
التصرف في الأموال الموقوف على المسجد
مداخلة: [إذا أُوقِف] لمسجد مال، قيمة من مال، هل يجوز التصرف فيها في غير شؤون المسجد أم لا؟
الشيخ: لا. لا يجوز، إلا إذا صرف في مسجد آخر مثله هو بحاجة إليه.
مداخلة: وإن كان المسجد لا يحتاج لهذه القيمة.
الشيخ: أنا أقول: يُصْرَف في مسجد آخر.
(الهدى والنور/٣٢٤/ ٣٩: ١٤: ٠٠)
حكم التصرف بالفائض من حاجة المسجد
الملقي: بالنسبة للمفروشات التي تكون فائضة عن حاجة المسجد، ويكون الإمام أو القادم يكون في حاجة ماسَّة إليها، بشرط أن يُحَافِظ عليها، ويفرشها في البيت الذي أَعَدُّوه للسكنى له، من ناحية شرعية، [وما] الدليل [لأنه] مجادلات صارت بيننا وبين الأفاضل؟
الشيخ: فيها تفصيل ولا بد، إن كان البيت الذي يريد أن يفرشه بفراش المسجد هو من تمام المسجد، يعني البيت للمسجد، أي أنه وقف، فيجوز وإلا فلا.
الملقي: يعني نحن نعلم كما علمتمونا لا نسأل عن الأدلة ولكن حتى ......
الشيخ: والدليل في نفس الجواب -بارك الله فيك- المسجد موقوف للمسلمين، والدار التي هي من المسجد فهو وهي -أيضاً- موقوفة.
فنحن لماذا نقول: لا يجوز إخراج هذا الفراش أو ذاك من المسجد، لينتفع مسلم آخر خارج المسجد؟
لأن الفقهاء يقولون مع شيء من المبالغة: شرط الواقف كنص الشارع.
стр. 3669
فبيت المسجد مُلحق بالمسجد، فكما لا يجوز إيجاره واستئجاره، كذلك لا يجوز التصرف في متاعه، في فراشه ... الخ، وإخراجه خارج الدار.
كذلك فراش المسجد ملحق بدار المسجد، فراش دار المسجد ملحق بنفس المسجد هي بناية واحدة، فهي وقف واحد، فما يجري من الوقف على المسجد يجري -أيضاً- على دار المسجد، فالقضية ما تحتاج إلى دليل خاص.
الملقي: سؤاله له صلة بالنسبة للماء، يعني الإمام أو القائم بزرع شيء مثل البندورة أو كذا ليأكله.
الشيخ: وين بيزرع؟
الملقي: في منطقة بجوار المسجد، المهم حتى يستخدمها لنفسه.
الشيخ: لا ما تقول في منطقة بجوار المسجد، إما أن تقول في المسجد أو خارج المسجد.
الملقي: هي تعتبر ليش، لأنه لو زرعت.
الشيخ: كيف ليش عم تعلل أنت معطي الجواب أنا عم أسأل: هذا هو الجواب.
الملقي: هي خارج المسجد.
الشيخ: بعدين يمكن ما تحتاج تقول لي ليش.
الملقي: أي نعم.
الشيخ: خارج المسجد، طيب، هذا الخارج عن المسجد أرض مشاعة وإلا مملوكة؟
الملقي: أرض مملوكة.
الشيخ: فإن ما يزرع في أرض مالك فهو له، وليس للزارع إلا أن يؤذن له.
стр. 3670
الملقي: يؤذن له، يعطيني المجال أني أزرع كما أشاء.
الشيخ: كويس هذه التفاصيل كلها ما إجت من سؤالك، لكن ضرورة البحث والاستفصال أجا هذا البيان.
حينئذٍ نقول: لا فرق بين هذه الأرض التي هي بجانب المسجد أو هي بعيدة عن المسجد، ما دام صاحب الأرض أذِن لزيد من الناس أن يتمتع بها، بزرعها، بسكنها، بـ ... ، صار كأنه مستأجر، كأنه مالك، فلا شيء في ذلك، ولا يجوز لأحد أن يشاركه في الانتفاع بما زرع إلا بإذنه.
الملقي: أسأل عن الماء، ماء المسجد.
الشيخ: ما يجوز، ما بيجوز، هل تأذن لغيرك أن ينتفع بماء المسجد لبيته، لأهله، وهم لا يسكنون دار المسجد؟ الجواب: لا، الجواب، لا.
الملقي: -أيضاً- مثلاً في يسموه دَوَّار مزروع فيه أشجار تابع للمسجد القروي يأخذوا من ماء المسجد -أيضاً- ليسقوا هذا الدوار.
الشيخ: نفس الجواب.
الملقي: ما أبلغتهم، لكن ما بيردوا عليَّ.
الشيخ: لستَ عليهم بمسيطر.
стр. 3671
إقامة حفلات في المسجد
стр. 3672
حكم إقامة الحفلات في المساجد
مداخلة: في العيد يكون حفلة، في هذه الحفلة إن شاء الله سيكون مسرحيات إسلامية هادفة، وأناشيد خالية من الدفوف، وكلها كلمات تُذَكِّر بالجهاد وتشجع المسلمين، وهي في سبيل الدعوة، وفي المسجد سيكون هذه الحفلة إن شاء الله في المسجد، والمسجد الذي ستقام فيه الحفلة مُكَوِّن من طابقين طابق علوي وطابق سفلي، فالطابق العلوي للرجال، وستكون هناك الحفلة ... في المسرحيات والأناشيد، والطابق السفلي للنساء، وستنقل الصورة من الأعلى إلى النساء بواسطة كاميرات الفيديو، فهل هذا جائز؟
الشيخ: أولاً: لا يوجد يا أخ الإسلام في دين الإسلام مسرحيات، يوجد خطب ويوجد دروس ومواعظ وقصص، تُخْتَار من كتاب الله، ومن أحاديث رسول الله ﷺ ، يُوَجّه ويُرَبّى عليه المسلمون سواء كانوا رجالاً أو نساءً، أما المسرحيات، أما التمثيليات، فهذه طريقة كما أظن لا يخفاكم عادة غربية كافرة أجنبية عن الإسلام، الإسلام ليس بحاجة إلى مثل هذه الوسائل التي نعرف نحن أن الغربيين في فقرهم المدقع فيما يتعلق بتربية نفوسهم، وتهذيبها وتزكيتها وتطهيرها من الشح والبخل، لفقرهم المدقع هذا هم بحاجة - ونحن نعذرهم - أنهم بحاجة إلى مثل هذه المسرحيات والتمثيليات، فلا يجوز للمسلمين أن يتشبهوا بهم، وأن يقلدوهم.
ولعلك سمعت أو قرأت حديثاً ما رواه الإمام الترمذي في سننه، أن النبي ﷺ كان راجعاً في غزوة حنين، فمروا بشجرة ضخمة من شجر السدر كان المشركون يُعَلِّقون عليها أسلحتهم، فقال قائل منهم: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال ﵊ وهو مغضب: «الله أكبر، هذه السنن، لقد قلتم كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾».
فانظر كيف أن النبي ﷺ أنكر على أولئك الصحابة كلمةً، شتان ما بينها وبين كلمة قوم موسى، الذين طلبوا أن يعبدوا العجل من دون الله ﵎، وإنما طلب بعض أصحابه شجرة يُعَلِّقون عليها أسلحتهم، «اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط» فأنكر الرسول ﵇ ذلك عليهم أشد الإنكار.
ولذلك: فنحن نُحَذِّر المسلمين بعامة، وأنتم الذين تعيشون في عقر بلاد الكفر
стр. 3673
بخاصة، من أن تتغلب عليكم تقاليدهم وعاداتهم، وأن تتشبهوا بهم، فيصرفكم ذلك عن التمسك بكثير أو بقليل مما جاء به الإسلام، هذا من جهة.
من جهة أخرى: هذه المسرحيات وهذه التمثيليات، لا تخلو مهما كان القائمون عليها من كذب، لربط الحوادت بعضها ببعض، إن لم تَخْلُ من اختلاط النساء بالرجال، وإن خلت من ذلك فلا يخلو من أن يتشبه رجل بامرأة، أو رجل بصبي أمرد، أو نحو ذلك من الأمور المستنكرة التي لا تخفى على مسلم.
لذلك أنتهي من هذه الكلمة، لأقول لكم: حذاري حذاري من أن تُدْخِلوا شيئاً من هذه الأمور المحدثة من المسرحيات وغيرها في مسجدكم، إن كان لكم في ذلك إرادة، وسعي ناجح إن شاء الله، وإلا فقوله ﵇: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) غيره؟
مداخلة: حاولنا نحن أن نمنع مثلاً الناس في المسجد أن يقوموا بحفل، وقد حُضِّر له من قبل شهر، بأنها ستكون فتنة في المسجد، فينقلبوا علينا، خاصة نحن الشباب دائماً نحن نعارض أهل المسجد هناك الكبار في السن، فيقولوا نحن فتانون، فماذا نفعل لهم، غداً الحفل إن شاء الله، هل نمنعهم بالقوة أم نكلمهم ... ؟
الشيخ: لا. ما أعتقد أن القوة تفيد، وبخاصة أنني لا أدري أي القُوّتين أقوى، قوة الحق أم قوة الباطل، ولا سيما أنكم تعيشون كما قلت آنفاً في عقر بلاد الكفر والضلال، ولذلك فالذي أراه من بعيد، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب، أنه يجب أن تستعملوا الحِكْمَة، وأن تبتعدوا عن الشدة؛ تجاوباً منكم مع قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].
(الهدى والنور/٣٢٢/ ٠٦: ١٨: ٠٠)
حكم العرس في المسجد
مداخلة: ما حكم العرس في المسجد الأعراس؟
الشيخ: بدعة.
(الهدى والنور / ١٣٢/ ١٣: ٥٧: ٠٠)
стр. 3674
فصل مصلى النساء
стр. 3675
حكم فصل مصلى النساء عن باقي المسجد بفاصل
مداخلة: يا شيخ بارك الله فيك، الحديث الذي في صحيح مسلم يقول النبي ﷺ فيما معناه: «إن شر صفوف النساء أولها، وخيرها آخرها» فالآن في الغرف الآن المغلقة المعدة، لذلك: هل الحكم هو كذلك، كما دل عليه ظاهر الحديث؟ لأن الآن الأماكن هذه المغلقة؛ لأن النساء في معزل عن الرجال، ومعلوم أنه لما تكلموا في شرح الحديث، ذكروا أن العلة في كون يعني شر صفوف النساء أولها؛ لأنهم أقرب إلى الرجال، كما ذكر فيما يذكره النووي، فالمعنى هل ظاهر الحديث هو كذلك في هذه الأماكن المغلقة الآن؟
الشيخ: أنا في اعتقادي لا أستطيع أن أُجيب عن السؤال؛ لأنني أظن أن السائل يعترف بشرعية هذا الإغلاق، وأنا لا أرى ذلك؛ لأن هذه بدعة.
غلق النساء أو حبسهن في المساجد خاصة الوسيعة؛ بسبب فساد المجتمع، حبسهن في غرفة، بحيث تخفى عليهن حركات الإمام، وبحيث أنهن يتعرضن في بعض الأحيان للإخلال بالصلاة إلى درجة البطلان.
هو في اعتقادي: غلق النساء في حجرات خاصة بهن في المساجد، هو تماماً كقطع الصف بالمنبر الطويل، كل ذلك أمر حادث، فيجب أن نرجع إلى ما كان عليه السلف الأول، هذا البحث بُحث أمس .. قيل: إنه نساء اليوم غير نساء أمس، وطبعاً هذا مُشَاهد.
ومغزى هذا القيل: أنه ينبغي أن نحبس النساء في هذه الغرف حتى ما يَطَّلع الرجال على شيء من عوراتهن.
فكان جوابي مطولاً بعض الشيء، والوقت ضيق، فقلت في بحث طويل: إنه ليس هذا من المصالح المرسلة المشروعة، أن تحبس النساء في هذه الغرف؛ لأن سبب الحبس هو إخلال المجتمع الإسلامي وفيه النساء، بالقيام بالواجبات الشرعية.
стр. 3676
فلو أن النساء يدخلن إلى المساجد متجلببات بالجلباب الشرعي، لن يُلْقَ في ذهن الذين يبنون هذه الغرف، أن يحبسوا النساء فيها.
لكن لما يرون بالمشاهدة -مع الأسف- إنه بعض النساء بيدخلوا اللِّي لابس ها الجاكت أو بالطوه، أو ما يقولون اليوم: جلباب، وليس بجلباب، إلى نصف الساقين، وربما لابسة جوارب لحمية شفافة و .. و .. إلى آخره.
فلحجب أنظار الرجال أن يقع في رؤية هذه العورات، إذاً: نحن نَحْجُب النساء في المسجد عن الرجال.
نقول له: لا, علينا نحن أن نعود إلى تطبيق الإسلام، ونعود بالمجتمع الإسلامي كلاً لا يتجزأ إلى ما كان عليه الأمر في العهد الأول.
نحن نحارب المجتمع اليوم، نريد أن يعود المسلمون بعلمائهم وطلابهم وعامّتهم إلى ما كان عليه السلف، لا مذهبيه، لكن قال الله، قال رسول الله، لا مانع من الاختلاف كما كان الأمر الأول، لا إلى المذهبية الضيقة.
نريد أيضاً أن نعود بالمجتمعات الخاصة والعامة إلى ما كان عليه السلف، كالمساجد، لا نريد فيها المنابر الطويلة، لا نريد فيها المنابر التي تُمَثل الحيل الشرعية.
انتبهوا إنه المنابر القديمة تقطع الصفوف، فطلعوا بنا في منابر يدخل من المحراب، ويصعد على الناس من فوق في غرفة، ليش هذه الدورة واللفة هذه بكلها؟ ثلاث درجات وكفى الله المؤمنين القتال، خير الهدي هدي محمد، كم يكلف من الدراهم والدنانير حتى يصعد هذا الخطيب على هذه الشُرْفَة؛ بزعم ما نريد نقطع الصف، حسن هذا الزعم، هذا واجب، لكن يمكن بدون هذه الكلفة، أن نتخذ منبراً فيه ثلاث درجات وانتهت المسألة، كذلك لا نريد هذه الزخارف.
أخيراً: لا نُريد هذه الغرف للنساء، نريد النساء مثل الرجال اللِّي كانوا من قبل.
النساء يدخلن محتجبات، والرجال يتقدمون الصفوف، وحينئذٍ يرد الحديث
стр. 3677
السابق: (خير صفوف النساء آخرها، وشَرُّها أولها).
فلا نريد أن نعكس دلالة الحديث؛ بسبب ما نرى من الانحراف في بنيان هذه الغرف في المساجد.
(الهدى والنور /٣٢٩/ ٣٩: ٢٥: ٠٠)
عدم تخصيص مكان للنساء في المسجد
مداخلة: نبني مسجدً جديداً في إسكان المعلمين، وفيه مكان للنساء، سُدَّة تستطيع النساء مشاهدة الإمام منها، لكثرة ما في البلاد من فسق، ولا يخفى عليكم من أمور أخرى، صار اقتراح عند إخواننا في الحي أن نلغي السدة للنساء، ونُبْقِي مدخلها للرجال، فأيُّهما أفضل، هل نُخَصِّصها للنساء أم نُبْقِيها للرجال؟ وجزاك الله خيراً.
الشيخ: ما وضح لي؟ شو يعني اقترح بإلغاء السدة؟
مداخلة: لا اللي اقترح إلغاء تخصيص السدة للنساء، يعني ما نريد للنساء أن يأتين للصلاة في المسجد أصلاً ابتداءاً.
الشيخ: لا يجوز.
مداخلة: نخصصها للنساء.
الشيخ: لا يجوز يمنع النساء من الدخول إلى المسجد، إما أن تبقوا فكرة السدة مخصصة للنساء بحيث يرون منها الإمام، وإما أن تجعلوا لهن مكاناً في آخر المسجد أيضاً يتمكنون منه من رؤية الإمام.
(الهدى والنور /٣٤٧/ ٢٧: ٠٦: ٠٠)
стр. 3678
حكم فصل مصلى النساء في المسجد بجدار أو ستارة أو نحوه
الشيخ: ينبغي أن يُلاحظ شيءٌ وهو: أيّ تنظيم يقوم به طائفة من المسلمين ينبغي أن يُنْحى فيه منحى ما كان عليه الرسول ﵇؛ لأنه هو القدوة، ليس فقط في الغايات والمقاصد، بل وأيضاً في السُبُل والوسائل الموصِلة لتلك الغايات والمقاصد، وأنتم تعلمون جميعاً معنا بأن النبي ﷺ الذي حَضّ النساء على أن يُقِمْن الصلوات الخمس في بيوتهن في أحاديث كثيرة، ومنها قوله ﷺ : «وبيوتهن خير لهن»، ومع ذلك فإنه لم يمنعهن من أن يحضرن المساجد، بل قد كانت النِسْوة في عهد النبي ﷺ يحرصن على الحضور في المسجد؛ لِما كان للمسجد يومئذٍ من قيمة ثقافية، فضلاً عن قيمة تعبُّدية محضة، فكانت النساء يحضرن المساجد، ليس لأن الأفضل لهن أن يصلين في المسجد، وإلا فالرسول قد ذكر لهن ما ذكرته -آنفاً- من قوله ﵇: «وبيوتهن خير لهن»، وإنما كن يؤثرن الصلاة في المسجد حرصاً على طلب العلم، وبخاصة أن المعلم هناك كان هو سيد البشر ﵊، مع كون صلاة النساء في البيوت أفضل، وصلاتهن في المسجد مفضول أو مفضولة، مع ذلك ما كان قد وضع حاجزاً وفاصلاً من جدار أو ستارة بين الرجال وبين النساء، وإنما نَظَّم صلاة الرجال، ونَظَّم صفوف الرجال تنظيماً خلاف تنظيمه لصفوف النساء، كما هو معلوم لديكم من قوله ﵇: «خير صفوف الرجال أوّلها وشَرّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشَرّها أولها»؛ ولذلك فاتخاذ مصلىً خاص بالنساء هذا خلاف السنة، من حيث يتوهم الكثير أنه في هذا نوع من الصيانة للنساء،
والحيلولة بينهن وبين الرجال، نحن نقول: خير الهدى هدى محمد ﷺ ، ولقد كان من الميسور له أن يفصل بين الرجال والنساء في المسجد، بمثل أي جدار ولو بجدار متواضع من الخوص من شجر النخيل، لكنه ما فعل شيئاً من ذلك، وأنا أدري أن ما يُفعل اليوم في كثير من المساجد التي تبنى في العصر الحاضر، من وضع ستارة في بعض المساجد التي تبنى بطريقة متواضعة، أما المساجد التي يُنْفَق عليها الأموال الطائلة، فيبنى هناك جدار قد يكون مبنياً بطريقة لها ثقوب، حيث ترى
стр. 3679
النساء الرجال ولا يراهُنّ الرجال، ما في داعي لمثل هذا التَكَلُّف إطلاقاً، وبخاصة أن لسان هذا التكلف معناه: الرضا فيما عليه -كثير- إن لم أقل عامة النساء المسلمات، من عدم التزامهن للجلباب الشرعي، فكأن الرجال حينما يرون النساء يتقاعسن ويتكاسلن عن القيام بواجب الجلباب الشرعي، فهم جعلوا بديلاً في المسجد وضع هذا الستار المادي بين الرجال والنساء، ولا يقال:
أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل
لا يكون المعالجة بالرضا بالواقع، السيئ ثم محاولة معالجة هذا الواقع السيئ بطريقة غير الطريقة التي عالجها الرسول ﵇، فكيف عالج الرسول ﵇ الفصل بين الرجال والنساء في أقدس الأماكن، وفي خير الأماكن ألا وهي المساجد؟
كما قلت آنفاً: «خير صفوف النساء آخرها .. » إلى آخره، لم يضع هذا الستار المادي بين النساء والرجال، ولكن وضع ستاراً مادياً على النساء، إذا ما خرجن من بيوتهن وانطلقن في طرقهن، ثم وصل بهن الأمر إلى دخول المساجد، فالجلباب هو الذي يحجبها دون الرجال؛ ولذلك فالبديل عن هذا المُصَلّى الخاص بالنساء، هو تذكير النساء بالواجب من الجلباب، وهذه ذكرى «والذكرى تنفع المؤمنين».
(الهدى والنور / ٦٩٨/ ٣٩: ٠٠: ٠٠)
(الهدى والنور / ٦٩٨/ ٠٥: ٠٣: ٠٠)