فلو أن النساء يدخلن إلى المساجد متجلببات بالجلباب الشرعي، لن يُلْقَ في ذهن الذين يبنون هذه الغرف، أن يحبسوا النساء فيها.
لكن لما يرون بالمشاهدة -مع الأسف- إنه بعض النساء بيدخلوا اللِّي لابس ها الجاكت أو بالطوه، أو ما يقولون اليوم: جلباب، وليس بجلباب، إلى نصف الساقين، وربما لابسة جوارب لحمية شفافة و .. و .. إلى آخره.
فلحجب أنظار الرجال أن يقع في رؤية هذه العورات، إذاً: نحن نَحْجُب النساء في المسجد عن الرجال.
نقول له: لا, علينا نحن أن نعود إلى تطبيق الإسلام، ونعود بالمجتمع الإسلامي كلاً لا يتجزأ إلى ما كان عليه الأمر في العهد الأول.
نحن نحارب المجتمع اليوم، نريد أن يعود المسلمون بعلمائهم وطلابهم وعامّتهم إلى ما كان عليه السلف، لا مذهبيه، لكن قال الله، قال رسول الله، لا مانع من الاختلاف كما كان الأمر الأول، لا إلى المذهبية الضيقة.
نريد أيضاً أن نعود بالمجتمعات الخاصة والعامة إلى ما كان عليه السلف، كالمساجد، لا نريد فيها المنابر الطويلة، لا نريد فيها المنابر التي تُمَثل الحيل الشرعية.
انتبهوا إنه المنابر القديمة تقطع الصفوف، فطلعوا بنا في منابر يدخل من المحراب، ويصعد على الناس من فوق في غرفة، ليش هذه الدورة واللفة هذه بكلها؟ ثلاث درجات وكفى الله المؤمنين القتال، خير الهدي هدي محمد، كم يكلف من الدراهم والدنانير حتى يصعد هذا الخطيب على هذه الشُرْفَة؛ بزعم ما نريد نقطع الصف، حسن هذا الزعم، هذا واجب، لكن يمكن بدون هذه الكلفة، أن نتخذ منبراً فيه ثلاث درجات وانتهت المسألة، كذلك لا نريد هذه الزخارف.
أخيراً: لا نُريد هذه الغرف للنساء، نريد النساء مثل الرجال اللِّي كانوا من قبل.
النساء يدخلن محتجبات، والرجال يتقدمون الصفوف، وحينئذٍ يرد الحديث
стр. 3677
السابق: (خير صفوف النساء آخرها، وشَرُّها أولها).
فلا نريد أن نعكس دلالة الحديث؛ بسبب ما نرى من الانحراف في بنيان هذه الغرف في المساجد.
(الهدى والنور /٣٢٩/ ٣٩: ٢٥: ٠٠)
عدم تخصيص مكان للنساء في المسجد
مداخلة: نبني مسجدً جديداً في إسكان المعلمين، وفيه مكان للنساء، سُدَّة تستطيع النساء مشاهدة الإمام منها، لكثرة ما في البلاد من فسق، ولا يخفى عليكم من أمور أخرى، صار اقتراح عند إخواننا في الحي أن نلغي السدة للنساء، ونُبْقِي مدخلها للرجال، فأيُّهما أفضل، هل نُخَصِّصها للنساء أم نُبْقِيها للرجال؟ وجزاك الله خيراً.
الشيخ: ما وضح لي؟ شو يعني اقترح بإلغاء السدة؟
مداخلة: لا اللي اقترح إلغاء تخصيص السدة للنساء، يعني ما نريد للنساء أن يأتين للصلاة في المسجد أصلاً ابتداءاً.
الشيخ: لا يجوز.
مداخلة: نخصصها للنساء.
الشيخ: لا يجوز يمنع النساء من الدخول إلى المسجد، إما أن تبقوا فكرة السدة مخصصة للنساء بحيث يرون منها الإمام، وإما أن تجعلوا لهن مكاناً في آخر المسجد أيضاً يتمكنون منه من رؤية الإمام.
(الهدى والنور /٣٤٧/ ٢٧: ٠٦: ٠٠)
стр. 3678
حكم فصل مصلى النساء في المسجد بجدار أو ستارة أو نحوه
الشيخ: ينبغي أن يُلاحظ شيءٌ وهو: أيّ تنظيم يقوم به طائفة من المسلمين ينبغي أن يُنْحى فيه منحى ما كان عليه الرسول ﵇؛ لأنه هو القدوة، ليس فقط في الغايات والمقاصد، بل وأيضاً في السُبُل والوسائل الموصِلة لتلك الغايات والمقاصد، وأنتم تعلمون جميعاً معنا بأن النبي ﷺ الذي حَضّ النساء على أن يُقِمْن الصلوات الخمس في بيوتهن في أحاديث كثيرة، ومنها قوله ﷺ : «وبيوتهن خير لهن»، ومع ذلك فإنه لم يمنعهن من أن يحضرن المساجد، بل قد كانت النِسْوة في عهد النبي ﷺ يحرصن على الحضور في المسجد؛ لِما كان للمسجد يومئذٍ من قيمة ثقافية، فضلاً عن قيمة تعبُّدية محضة، فكانت النساء يحضرن المساجد، ليس لأن الأفضل لهن أن يصلين في المسجد، وإلا فالرسول قد ذكر لهن ما ذكرته -آنفاً- من قوله ﵇: «وبيوتهن خير لهن»، وإنما كن يؤثرن الصلاة في المسجد حرصاً على طلب العلم، وبخاصة أن المعلم هناك كان هو سيد البشر ﵊، مع كون صلاة النساء في البيوت أفضل، وصلاتهن في المسجد مفضول أو مفضولة، مع ذلك ما كان قد وضع حاجزاً وفاصلاً من جدار أو ستارة بين الرجال وبين النساء، وإنما نَظَّم صلاة الرجال، ونَظَّم صفوف الرجال تنظيماً خلاف تنظيمه لصفوف النساء، كما هو معلوم لديكم من قوله ﵇: «خير صفوف الرجال أوّلها وشَرّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشَرّها أولها»؛ ولذلك فاتخاذ مصلىً خاص بالنساء هذا خلاف السنة، من حيث يتوهم الكثير أنه في هذا نوع من الصيانة للنساء،
والحيلولة بينهن وبين الرجال، نحن نقول: خير الهدى هدى محمد ﷺ ، ولقد كان من الميسور له أن يفصل بين الرجال والنساء في المسجد، بمثل أي جدار ولو بجدار متواضع من الخوص من شجر النخيل، لكنه ما فعل شيئاً من ذلك، وأنا أدري أن ما يُفعل اليوم في كثير من المساجد التي تبنى في العصر الحاضر، من وضع ستارة في بعض المساجد التي تبنى بطريقة متواضعة، أما المساجد التي يُنْفَق عليها الأموال الطائلة، فيبنى هناك جدار قد يكون مبنياً بطريقة لها ثقوب، حيث ترى
стр. 3679
النساء الرجال ولا يراهُنّ الرجال، ما في داعي لمثل هذا التَكَلُّف إطلاقاً، وبخاصة أن لسان هذا التكلف معناه: الرضا فيما عليه -كثير- إن لم أقل عامة النساء المسلمات، من عدم التزامهن للجلباب الشرعي، فكأن الرجال حينما يرون النساء يتقاعسن ويتكاسلن عن القيام بواجب الجلباب الشرعي، فهم جعلوا بديلاً في المسجد وضع هذا الستار المادي بين الرجال والنساء، ولا يقال:
أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل
لا يكون المعالجة بالرضا بالواقع، السيئ ثم محاولة معالجة هذا الواقع السيئ بطريقة غير الطريقة التي عالجها الرسول ﵇، فكيف عالج الرسول ﵇ الفصل بين الرجال والنساء في أقدس الأماكن، وفي خير الأماكن ألا وهي المساجد؟
كما قلت آنفاً: «خير صفوف النساء آخرها .. » إلى آخره، لم يضع هذا الستار المادي بين النساء والرجال، ولكن وضع ستاراً مادياً على النساء، إذا ما خرجن من بيوتهن وانطلقن في طرقهن، ثم وصل بهن الأمر إلى دخول المساجد، فالجلباب هو الذي يحجبها دون الرجال؛ ولذلك فالبديل عن هذا المُصَلّى الخاص بالنساء، هو تذكير النساء بالواجب من الجلباب، وهذه ذكرى «والذكرى تنفع المؤمنين».
(الهدى والنور / ٦٩٨/ ٣٩: ٠٠: ٠٠)
(الهدى والنور / ٦٩٨/ ٠٥: ٠٣: ٠٠)
стр. 3680
المنبر
стр. 3681
الزيادة في المنبر على ثلاث درجات
السائل: ذكرتم في صفة صلاة النبي ﷺ أن الزيادة في المنبر عن ثلاث درجات بدعة، نرجو بيان ذلك؟
الشيخ: ما يحتاج الأمر إلى بيان؛ لأن منبر الرسول ﵇ كان له ثلاث درجات فقط، والزيادة على ما كان عليه الرسول ﵇ في مثل هذه الأمور، يدخل في باب: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار».
زد على ذلك: أن الإضافة على الثلاث درجات يدخل في باب آخر منهي عنه في الشرع، ألا وهو إضاعة المال، وقد جاء في الصحيحين من حديث المغيرة ابن شعبة: «نهانا رسول الله ﷺ عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال».
فاتخاذ منبر ذي درجات أكثر من ثلاث درجات، أولاً: فيه إضاعة للمال، وثانياً: فيه استعلاء للمكان، وثالثاً: هو ما ذكرناه أولاً أنه مخالف لهديه ﵊، وقد جاء في الحديث الصحيح وخير الهدى هدى محمد ﷺ .
يضاف إلى ذلك أخيراً: أنه يقطع الصف الأول، وقد يقطع أيضاً إذا زادت الدرجات قد يقطع الصف الثاني أيضاً، والنبي ﷺ قد صح عنه قوله: من وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله.
فالذي يتخذ وسيلة يقطع بها الصف، شمله هذا الوعيد «ومن قطع صفاً قطعه الله».
ولذلك: فلا يجوز الزيادة في المنبر على ثلاث درجات.
ولا بد لي في هذه المناسبة أن أُذَكِّر: أن الناس سبحان الله اليوم صاروا على طرفي نقيض، فمنهم من يبني المنبر الطويل والطويل جداً، حتى يقطع أكثر من صف واحد كما ذكرنا، ومنهم من تنبه في خطأ هذا المنبر الطويل فلم يقنع بمنبر الرسول ﵇ المتواضع بثلاث درجات، فاحتال على ذلك بأن بنى شُرْفه
стр. 3682
وبنى درجاً طويلاً في داخل الجدار، فيصعد بواسطة هذا المنبر إلى تلك الشرفة، كل هذا من باب التَكَلُّف ومن باب المباهاة في بناء المساجد.
وقد جاء عن النبي ﷺ قوله: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» رواه ابن عباس عن النبي ﷺ ، ثم قال مقتبساً أو بإيقاف منه ﵇ «لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى».
المنابر التي تُبْنَى اليوم فيها تَصَنُّع وفيها تَكَلُّف لا مسوغ له إطلاقاً.
وكل مسجد يُرَاد بناؤه على سنة النبي ﷺ ، فينبغي أن يكون جداره مسحاً خطاً مستقيماً، ليس فيه طاقاً أي محراب، ثم ليس فيه منبر طويل وإنما هو ثلاث درجات كما ذكرنا، فيقف الإمام بجانب هذا المنبر السني، وذلك يُغْنِيه عن كل شيء من المحدثات، وأنتم تعلمون جميعاً أن المُحْدَثَات كُلُّها ضلالات، وقد حذر منها النبي ﷺ في حديث العرباض المعروف: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» وفي الحديث الآخر: «وكل ضلالة في النار».
(الهدى والنور/٣٧٦/ ٠٨: ١١: ٠٠)
هل هيئة المنبر النبوي تُعد من العادات ؟
مداخلة: بعض الناس يزعم أن المنبر في عهد النبوة كان عادةً، ولا يُقصد في العادة بالعبادة، فما رأيكم في هذا الزعم؟ جزاكم الله خيراً.
الشيخ: جوابي من ناحيتين: أولاً: ما الدليل على ذلك، ثانياً: إذا لم يكن هكذا، ماذا يكون؟ هذه المنابر التي نراها اليوم، ماذا يريد أن يقول هذا القائل؟ نفترض أنه عادة! ماذا يريد؟ يعني: هذا جواب سلبي .. أنه عادي يعني: أنت حر فعلت أو لم تفعل، هو ماذا يريد أن يفعل؟
مداخلة: هو كأنه يقصد أن لا يفرض على من يزيد ..
стр. 3683
الشيخ: لا بأس، رجعنا إلى السلب، ماذا يريد أن يفعل؟
مداخلة: أن يزيد.
الشيخ: هذه الزيادة خير أو شر؟
مداخلة: في ظاهرها الشر؛ لأنها من الإسراف ..
الشيخ: انتهى الأمر.
(الهدى والنور / ٧٩٧/ ١٧: ٣٠: ٠٠)
стр. 3684
المساجد الثلاث وأحكامها
стр. 3685
المسجد الحرام هو أول مسجد بني على وجه الأرض
«و [المسجد الحرام] هو أول مسجد بني على وجه الأرض وقد قال أبو ذر:
«قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال:
«المسجد الحرام قلت: ثم أي؟ قال: ألمسجد الأقصى».
الحديث تمامه:
قلت: كم كان بينهما؟ قال:
«أربعون سنة وأينما أدركت الصلاة فصله فإنه مسجد».
أخرجه البخاري ومسلم ... والحديث دليل صريح على أن مسجد مكة هو أول بيت وضع للعبادة، قال ابن العربي في «أحكام القرآن»:
«وهذا رد على من يقول: كان في الأرض بيت قبله يحجه الملائكة». وقال الحافظ ابن كثير في «البداية»:
ولم يجئ في خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان بيتا قبل الخليل ﵇ ومن تمسك في هذا بقوله تعالى: ﴿مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦].
فليس بناهض ولا ظاهر لأن المراد مكانه المقدر في علم الله المقرر في قدرته المعظم عند الأنبياء موضعه من لدن آدم إلى زمان إبراهيم، وقد ذكرنا أن آدم نصب عليه قبة وأن الملائكة قالوا له: قد طفنا قبلك بهذا البيت وإن السفينة طافت به أربعين يوما أو نحو ذلك ولكن كل هذه الأخبار عن بني إسرائيل وقد قررنا أنها لا تصدق ولا تكذب فلا يحتج بها فأما إن ردها الحق فهي مردودة وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ... ﴾ [آل عمران: ٩٦] الآية.
وقد روي في حديث أن أول من بناه هو آدم ﵇ ولكنه ضعيف كما يأتي.
وقد استشكل من الحديث قوله: «إن بين المسجدين المسجد الحرام والأقصى
стр. 3686
أربعين سنة» لأن باني الأقصى هو سليمان ﵇ كما يدل عليه حديث عبد الله بن عمرو الآتي قريبا إن شاء الله وبينه وبين إبراهيم ﵇ أكثر من ألف عام على ما قاله أهل التاريخ ثم إن في نص القرآن - كما قال الحافظ - أن قصة داود في قتل جالوت كانت بعد موسى بمدة.
وقد أجيب عن ذلك بأجوبة لعل أقربها قول الخطابي:
«يشبه أن يكون المسجد الأقصى أول ما وضع بناءه بعض أولياء الله قبل داود وسليمان ثم داود وسليمان زادا فيه ووسعاه فأضيف إليها بناؤه».
وانظر تمام الكلام والأجوبة عن الإشكال في «الفتح» و «المرقاة».
وقد جزم الحافظ ابن كثير في «البداية» «أن إسرائيل - وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - هو أول من بنى المسجد الأقصى وأن سليمان ﵇ جدده بعد ذلك».
وإذا صح هذا فهو قريب مما أفاده الحديث من المدة بين المسجدين. والله أعلم.
«وهذا الحديث يبين المراد من قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِين﴾ أي: أول بيت وضع للعبادة».
قال الحافظ في شرح الحديث السابق:
«وهذا الحديث يفسر المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ ... ﴾ الآية ويدل على أن المراد بالبيت: بيت العبادة لا مطلق البيوت وقد ورد ذلك صريحا عن علي أخرجه إسحاق بن راهويه وابن أبي حاتم وغيرهما بإسناد صحيح عنه قال:
كانت البيوت قبله ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله.
قلت: ورواه بنحوه الحاكم وقال:
«صحيح على شرط مسلم» ووافقه الذهبي.
وقال الحافظ ابن كثير في «التفسير»:
«وزعم السدي أنه أول بيت وضع على وجه الأرض مطلقا والصحيح قول
стр. 3687
علي ﵁. فأما الحديث الذي رواه البيهقي في بناء الكعبة في كتابه «دلائل النبوة» من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا:
«بعث الله جبريل إلى آدم وحواء فأمرهما ببناء الكعبة فبناه آدم ثم أمر بالطواف به وقيل له: أنت أول الناس وهذا أول بيت وضع للناس» فإنه - كما ترى - من مفردات ابن لهيعة وهو ضعيف والأشبه - والله أعلم - أن يكون هذا موقوفا على عبد الله بن عمرو ويكون من الزاملتين اللتين أصابهما يوم اليرموك من كلام أهل الكتاب».
[الثمر المستطاب (١/ ٥١٠)].
اختص المسجد الحرام بجواز صلاة النافلة فيه في كل وقت
ومما اختص به [المسجد الحرام] دون سائر المساجد جواز الصلاة النافلة فيه في كل وقت حتى أوقات الكراهة لقوله ﵊: «يا بني عبد مناف إن كان إليكم من الأمر شيء فلا أعرفن ما منعتم أحدا يصلي عند هذا البيت أي ساعة شاء من ليل أو نهار».
الحديث من رواية جبير بن مطعم مرفوعا.
أخرجه الدارقطني في «سننه» وأحمد من طريق ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الله بن بابيه يخبر عنه.
وهذا سند صحيح متصل بالسماع وهو على شرط مسلم ...
[الثمر المستطاب (١/ ٥١٤)].
الكعبة بحاجة إلى إصلاحات
[قال رسول الله ﷺ ]: «يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك وليس عندي من النفقة ما يقوي على بنائه لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله ولهدمت الكعبة
стр. 3688
فألزقتها بالأرض ثم لبنيتها على أساس إبراهيم وجعلت لها بابين بابا شرقيا يدخل الناس منه وبابا غربيا يخرجون منه وألزقتها بالأرض وزدت فيها ستة أذرع من الحجر. «وفي رواية: ولأدخلت فيها الحجر» فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوه منه، فأراها قريبا من سبعة أذرع». وفي رواية عنها قالت: «سألت رسول الله ﷺ عن الجدر «أي الحجر»، أمن البيت هو؟ قال: نعم، قلت: فلم لم يدخلوه في البيت؟ قال: إن قومك قصرت بهم النفقة، قلت: فما شأن بابه مرتفعا؟ قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، «وفي رواية: تعززا أن لا يدخلها إلا من أرادوا، فكان الرجل إذا أراد أن يدخلها يدعونه يرتقي حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط» ولولا أن قومك حديث عهدهم في الجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم، لنظرت أن أدخل الجدر في البيت وأن ألزق بابه بالأرض. فلما ملك ابن الزبير هدمها وجعل لها بابين. «وفي رواية فذلك الذي حمل ابن الزبير على هدمه، قال يزيد بن رومان: وقد شهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه وأدخل فيه الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم ﵇ حجارة متلاحمة كأسنمة الإبل متلاحكة».
стр. 3689
[قال الإمام]: يدل هذا الحديث على أمرين: الأول: أن القيام بالإصلاح إذا ترتب عليه مفسدة أكبر منه وجب تأجيله، ومنه أخذ الفقهاء قاعدتهم المشهورة «دفع المفسدة، قبل جلب المصلحة». الثاني: أن الكعبة المشرفة بحاجة الآن إلى الإصلاحات التي تضمنها الحديث لزوال السبب الذي من أجله ترك رسول الله ﷺ ذلك، وهو أن تنفر قلوب من كان حديث عهد بشرك في عهده ﷺ ، وقد نقل ابن بطال عن بعض العلماء «أن النفرة التي خشيها ﷺ ، أن ينسبوه إلى الانفراد بالفخر دونهم». ويمكن حصر تلك الإصلاحات فيما يلي:
١ - توسيع الكعبة وبناؤها على أساس إبراهيم عليه ﵊، وذلك بضم نحو ستة أذرع من الحجر.
٢ - تسوية أرضها بأرض الحرم.
٣ - فتح باب آخر لها من الجهة الغربية.
٤ - جعل البابين منخفضين مع الأرض لتنظيم وتيسير الدخول إليها والخروج منها لكل من شاء.
ولقد كان عبد الله بن الزبير ﵄ قد قام بتحقيق هذا الإصلاح بكامله إبان حكمه في مكة، ولكن السياسة الجائرة أعادت الكعبة بعده إلى وضعها السابق وهاك تفصيل ذلك كما رواه مسلم، وأبو نعيم، بسندهما الصحيح عن عطاء قال: «لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشام، فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم، يريد أن يجرئهم أو يحربهم على أهل الشام، فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس، أشيروا على في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها، أو أصلح ما وهي منها؟ قال ابن عباس: فإني قد فرق لي رأي فيها: أرى أن تصلح ما وهي منها، وتدع بيتا أسلم الناس عليه، وأحجارا أسلم الناس عليها، وبعث عليها النبي ﷺ ، فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجده، فكيف بيت ربكم؟ ! إني مستخير ربي ثلاثا ثم عازم على أمري، فلما مضى الثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها، فتحاماه الناس، أن ينزل بأول الناس يصعد فيه
стр. 3690
أمر من السماء! حتى صعده رجل فألقى منه حجارة، فلما لم يره الناس أصابه شيء، تتابعوا فنقضوه حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدة فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه.
وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة تقول: إن النبي ﷺ قال: «فذكر الحديث بالزيادة الأولى ثم قال»: فأنا اليوم أجد ما أنفق ولست أخاف الناس، فزاد فيه خمس أذرع من الحجر حتى أبدى أسا نظر الناس إليه، فبنى عليه البناء وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعا، فلما زاد فيه استقصره فزاد في طوله عشر أذرع، وجعل له بابين أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه، فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أس نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاد في طوله فأقره وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه، وسد الباب الذي فتحه، فنقضه، وأعاده إلى بنائه». ذلك ما فعله الحجاج الظالم بأمر عبد الملك الخاطئ، وما أظن أنه يبرر له خطأه ندمه فيما بعد. فقد روى مسلم وأبو نعيم أيضا عن عبد الله بن عبيد قال: «وفد الحارث بن عبد الله على عبد الملك بن مروان في خلافته، فقال عبد الملك: ما أظن أبا حبيب «يعني: ابن الزبير» سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها قال الحارث: بلى أنا سمعته منها، قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: قالت: قال رسول الله ﷺ : «قلت: فذكر الحديث» قال عبد الملك للحارث: أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم، قال: فنكث ساعة بعصاه ثم قال: وددت أني تركته وما تحمل». وفي رواية لهما عن أبي قزعة: «أن عبد الملك بن مروان بينما هو يطوف بالبيت إذ قال: قاتل الله ابن الزبير حيث يكذب على أم المؤمنين يقول: سمعتها تقول: «فذكر الحديث». فقال الحارث بن عبد الله بن ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين، فأنا سمعت أم المؤمنين تحدث هذا، قال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بنى ابن الزبير».
أقول: كان عليه أن يتثبت قبل الهدم فيسأل عن ذلك أهل العلم، إن كان يجوز له الطعن في عبد الله بن الزبير، واتهامه بالكذب على رسول الله ﷺ . وقد تبين لعبد الملك صدقه ﵁ بمتابعة الحارث إياه، كما تابعه جماعة كثيرة عن عائشة ﵂، وقد جمعت
стр. 3691
رواياتهم بعضها إلى بعض في هذا الحديث، فالحديث مستفيض عن عائشة، ولذلك فإني أخشى أن يكون عبد الملك على علم سابق بالحديث قبل أن يهدم البيت، ولكنه تظاهر بأنه لم يسمع به إلا من طريق ابن الزبير، فلما جابهه الحارث بن عبد الله بأنه سمعه من عائشة أيضا أظهر الندم على ما فعل، ولات حين مندم. هذا، وقد بلغنا أن هناك فكرة أو مشروعا لتوسيع المطاف حول الكعبة ونقل مقام إبراهيم ﵊ إلى مكان آخر، فأقترح بهذه المناسبة على المسؤولين أن يبادروا إلى توسيع الكعبة قبل كل شيء وإعادة بنائها على أساس إبراهيم ﵇ تحقيقا للرغبة النبوية الكريمة المتجلية في هذا الحديث، وإنقاذا للناس من مشاكل الزحام على باب الكعبة الذي يشاهد في كل عام، ومن سيطرة الحارس على الباب الذي يمنع من الدخول من شاء ويسمح لمن شاء، من أجل دريهمات معدودات!
السلسلة الصحيحة (١/ ١/ ١٠٥ - ١٠٩).
حال حديث: تحية البيت الطواف ؟
[روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «تحية البيت الطواف». [قال الإمام]: لا أعلم له أصلا. وإن اشتهر على الألسنة، وأورده صاحب «الهداية» من الحنفية بلفظ: «من أتى البيت فليحيه بالطواف». وقد أشار الحافظ الزيلعي في تخريجه إلى أنه لا أصل له، بقوله «٢/ ٥١»: غريب جدا، وأفصح عن ذلك الحافظ ابن حجر فقال في «الدراية» «ص ١٩٢»: لم أجده. قلت: ولا أعلم في السنة القولية أوالعملية ما يشهد لمعناه، بل إن عموم الأدلة الواردة في الصلاة قبل الجلوس في المسجد تشمل المسجد الحرام أيضا، والقول بأن تحيته الطواف مخالف للعموم المشار إليه، فلا يقبل إلا بعد ثبوته وهيهات، لا سيما وقد ثبت بالتجربة أنه لا يمكن للداخل إلى المسجد الحرام الطواف كلما دخل المسجد في أيام المواسم، فالحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، «وما جعل عليكم في الدين من حرج».
وإن مما ينبغي التنبه له أن هذا الحكم إنما هو بالنسبة لغير المحرم، وإلا فالسنة في
стр. 3692
حقه أن يبدأ بالطواف ثم بالركعتين بعده، انظر بدع الحج والعمرة في رسالتي «مناسك الحج والعمرة»، رقم البدعة «٣٧».
السلسلة الضعيفة (٣/ ٧٣).
أفضل المساجد وأعظمها حرمة المسجد الحرام
وأفضل المساجد وأعظمها حرمة أربعة:
أ - المسجد الحرام لقوله ﵊: «صلاة في المسجد الحرام أفضل مما سواه من المساجد بمائة ألف صلاة».
هو من حديث أبي الدرداء مرفوعا. [حسن لغيره].
قال الحافظ: «واستدل بهذا الحديث على تفضيل مكة على المدينة لأن الأمكنة تشرف بفضل العبادة فيها على غيرها مما تكون العبادة فيه مرجوحة وهو قول الجمهور وحكي عن مالك وبه قال ابن وهب ومطرف وابن حبيب من أصحابه لكن المشهور عن مالك وأكثر أصحابه تفضيل المدينة واستدلوا بقوله ﷺ : «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة» «ويأتي تخريجه» مع قوله: «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها». قال ابن عبد البر: هذا استدلال بالخبر في غير ما ورد فيه ولا يقاوم النص الوارد في فضل مكة. ثم ساق حديث أبي سلمة عن عبد الله بن عدي بن الحمراء قال: رأيت رسول الله ﷺ واقفا على الحزورة فقال: «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت». وهو حديث صحيح أخرجه أصحاب السنن وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم. قال ابن عبد البر: هذا نص في محل الخلاف فلا ينبغي العدول عنه والله أعلم. وقد رجع عن هذا القول كثير من المصنفين من المالكية. قال: واستدل به على تضعيف الصلاة مطلقا في المسجدين وقد تقدم النقل عن الطحاوي وغيره أن ذلك مختص بالفرائض لقوله ﷺ : «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة». ويمكن أن يقال: لا مانع من إبقاء الحديث على عمومه فتكون صلاة النافلة في بيت المدينة أو
стр. 3693
مكة تضاعف على صلاتها في البيت بغيرهما وكذا في المسجدين وإن كانت في البيوت أفضل مطلقا».
- «وقوله: «خير ما ركبت إليه الرواحل مسجد إبراهيم ﵇ ومسجدي». [حسن لغيره].
[الثمر المستطاب (١/ ٥٠٥)].
المسجد النبوي أفضل المساجد وأعظمها حرمة بعد المسجد الحرام
[قال الإمام عن أفضل المساجد بعد المسجد الحرام]:
ثم المسجد النبوي لقوله: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام فإنه أفضل» [صحيح راجع تخريجه في الأصل].
فائدة: قد علم أن مسجده ﵊ قد زيد فيه عما كان عليه في عهده ﷺ فقد كان طوله كعرضه مائة ذراع في مائة وقيل: سبعين في ستين. ثم زاد فيه عثمان فصار طوله مائة وستين ذراعا وعرضه مائة وخمسين ثم زاد فيه الوليد بن عبد الملك فجعل طوله مائتي ذراع وعرضه في مقدمه مائتين وفي مؤخره مائة وثمانين. ثم زاد فيه المهدي مائة ذراع من جهة الشام فقط دون الجهات الثلاث ولم يزد بعده أحد شيئا كما في «شد الأثواب في سد الأبواب» للسيوطي «ص ١٧٥ - ١٦٧» من «الحاوي للفتاوي» له «ج ٢».
إذا عرفت ذلك وعرفت ما في الصلاة في مسجده ﷺ من الفضل الوارد في الأحاديث السابقة فهل يشمل ذلك تلك الزيادات الكثيرة التي هي ضعف المسجد النبوي تقريبا؟
أما النووي فأجاب بالنفي حيث قال في «شرح مسلم»:
стр. 3694
«واعلم أن هذه الفضيلة مختصة بنفس مسجده ﷺ الذي كان في زمانه دون ما زيد فيه بعده فينبغي أن يحرص المصلي على ذلك ويتفطن لما ذكرته».
وزاد في «المجموع» بعد أن ذكر هذا المعنى فقال: «٨/ ٢٧٧»:
«لكن إن صلى في جماعة فالتقدم إلى الصف الأول ثم ما يليه أفضل فليتفطن لهذا».
وخالفه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وذكر أن حكم الزيادة في مسجده ﵊ حكم المزيد في كلام قوي متين كعادته ﵀ فقال:
«وقد جاءت الآثار بأن حكم الزيادة في مسجده حكم المزيد تضعف فيه الصلاة بألف صلاة كما أن المسجد الحرام حكم الزيادة فيه حكم المزيد فيجوز الطواف فيه والطواف لا يكون إلا في المسجد لا خارجا منه. ولهذا اتفق الصحابة على أنهم يصلون في الصف الأول من الزيادة التي زادها عمر ثم عثمان وعلى ذلك عمل المسلمين كلهم فلولا أن حكمه حكم مسجده لكانت تلك صلاة في غير مسجده والصحابة وسائر المسلمين بعدهم لا يحافظون على العدول عن مسجده إلى غير مسجده ويأمرون بذلك. قال أبو زيد «عمر بن شبة النميري في كتاب «أخبار المدينة»: ثني محمد بن يحيى: ثني من أثق به أن عمر زاد في المسجد من القبلة إلى موضع المقصورة التي هي به اليوم. قال: فأما الذي لا يشك فيه أهل بلدنا أن عثمان هو الذي وضع القبلة في موضعها اليوم ثم لم تغير بعد ذلك. قال أبو زيد: ثنا محمد بن يحيى عن محمد عن عثمان «كذا ولعله: محمد بن عثمان» عن مصعب بن ثابت عن خباب أن النبي ﷺ قال - وهو في مصلاه يوما -: لو زدنا في مسجدنا. وأشار بيده نحو القبلة. ثنا محمد بن يحيى عن محمد بن إسماعيل عن ابن أبي ذئب قال: قال عمر: لو مد مسجد النبي ﷺ إلى ذي الحليفة لكان منه. ثنا محمد بن يحيى عن سعد بن سعيد عن أخيه عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لو بني هذا المسجد إلى صنعاء لكان مسجدي». فكان أبو هريرة يقول: والله لو مد هذا المسجد إلى داري ما عدوت أن أصلي فيه. ثنا محمد: ثنا عبد العزيز بن عمران عن فليح بن سليمان عن ابن عمرة قال: زاد عمر في المسجد في شاميه ثم قال: لو زدنا فيه حتى
стр. 3695
يبلغ الجبانة كان مسجد رسول الله ﷺ » قال شيخ الإسلام:
«وهذا الذي جاءت به الآثار هو الذي يدل عليه كلام الأئمة المتقدمين وعملهم فإنهم قالوا: إن صلاة الفرض خلف الإمام أفضل وهذا الذي قالوه هو الذي جاءت به السنة، وكذلك كان الأمر على عهد عمر وعثمان فإن كليهما زاد من قبلي المسجد فكان مقامه في الصلوات الخمس في الزيادة وكذلك مقام الصف الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه بالسنة والإجماع، وإذا كان كذلك فيمتنع أن تكون الصلاة في غير مسجده أفضل منها في مسجده وأن يكون الخلفاء والصفوف الأول كانوا يصلون في غير مسجده، وما بلغني عن أحد من المسلمين خلاف هذا لكن رأيت بعض المتأخرين «كأنه يريد النووي» قد ذكر أن الزيادة ليست من مسجده وما علمت لمن ذكر ذلك سلفا من العلماء قال: وهذه الأمور نبهنا عليها ههنا فإنه يحتاج إلى معرفتها وأكثر الناس لا يعرفون الأمر كيف كان ولا حكم الله ورسوله في كثير من ذلك».
هذا آخر كلام شيخ الإسلام ﵀ فيما نقله الحافظ ابن عبد الهادي عنه في كتابه «الصارم المنكي» «ص ١٣٩ - ١٤٠».
وحديث أبي هريرة المرفوع الذي رواه عمر بن شبة إسناده ضعيف فإن سعد بن سعيد المقبري لين الحديث وأخوه عبد الله متروك كما في «التقريب». وقد أورده السيوطي في «الجامع» وقال:
«رواه الزبير بن بكار في «أخبار المدينة» عن أبي هريرة ولم يرمز له في نسختنا بشيء ولا تعرض الشارح لذلك وإنما قال: ظاهر كلام المصنف أنه لم يره مخرجا لأحد من المشاهير وهو عجب فقد خرجه الديلمي باللفظ المذكور وكذا الطيالسي».
قلت: إن كان يعني أنه في «مسند الطيالسي» من حديث أبي هريرة فقد راجعته ولم أجده في مسنده. والله أعلم.
«وقال: «أنا خاتم الأنبياء ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء».
стр. 3696
الحديث هو من رواية عائشة وله تتمة وقد سبق ذكره بكامله في الكلام على المسجد الحرام ونقلنا هناك أن فيه موسى بن عبيدة وأنه ضعيف لكن حديثه هذا قد جاء من غير طريقه بإسناد صحيح بلفظ:
«فإني آخر الأنبياء وإن مسجدي آخر المساجد».
رواه مسلم والنسائي. وقد سبق.
كما أن التتمة التي أشرنا إليها لها شواهد كثيرة سبق ذكرها هناك فدل هذا كله على أن موسى بن عبيدة قد حفظ هذا الذي رواه ولعله من أجل ما ذكرنا أورده المنذري في «الترغيب» «٢/ ١٣٦» فقال:
«وروى البزار عن عائشة».
فذكر الحديث. ولم يضعفه كما هي عادته.
[الثمر المستطاب (٢/ ٥١٥)].
المسجد النبوي أفضل من المسجد الأقصى
[قال الإمام]: المسجد النبوي أفضل من المسجد الأقصى على كل حال.
(ضعيف سنن أبي داود ٩/ ١٦٠)
من فضائل المسجد النبوي أن من أتاه لا لشئ إلا لخير يتعلمه فهو في منزلة المجاهد
«ومن فضائله قوله: «من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن جاء لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره». [صحيح على شرط مسلم].
стр. 3697
قوله: «مسجدي هذا». قال الشوكاني:
«فيه تصريح بأن الأجر المترتب على الدخول إنما يحصل لمن كان في مسجده ﷺ ، ولا يصح إلحاق غيره به من المساجد التي هي دونه في الفضيلة لأنه قياس مع الفارق. قوله: ومن دخل لغير ذلك ... إلخ. ظاهره أن كل ما ليس فيه تعليم ولا تعلم من أنواع الخير لا يجوز فعله في المسجد ولا بد من تقييده بما عدا الصلاة والذكر والاعتكاف ونحوها مما ورد فعله في المسجد أو الإرشاد إلى فعله في المسجد».
[الثمر المستطاب (٢/ ٥٢٦)].
من فضائل المسجد النبوي أن ما بين البيت النبوي والمنبر روضة من رياض الجنة
«وقوله: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة».
الحديث ورد عن جمع من الصحابة ولذلك قال السيوطي في نقله المناوي:
«هذا حديث متواتر». [ثم ساق الإمام طرقه ثم قال]:
واعلم أنه وقع في رواية ابن عساكر لحديث البخاري عن أبي هريرة بلفظ:
«قبري» بدل: «بيتي». قال الحافظ:
«وهو خطأ».
وكذلك وقع في بعض الروايات المتقدمة عند الخطيب وغيره بلفظ:
«قبري».
ولا نشك أنه رواية بالمعنى كما ذهب إلى ذلك القرطبي وغيره. وقد بين وجه ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال في «القاعدة الجليلة» «ص ٥٨»:
«وهو ﷺ حين قال هذا القول لم يكن قد قبر بعد صلوات الله وسلامه عليه،
стр. 3698
ولهذا لم يحتج به أحد من الصحابة حينما تنازعوا في موضع دفنه ولو كان هذا عندهم لكان نصا في محل النزاع، ولكن دفن في حجرة عائشة في الموضع الذي مات فيه - بأبي هو وأمي - صلوات الله وسلامه عليه».
ثم اعلم أن «المراد بتسمية ذلك الموضع روضة أن تلك البقعة تنقل إلى الجنة فتكون روضة من رياضها أو أنه على المجاز لكون العبادة فيه تؤول إلى دخول العابد روضة الجنة. وهذا فيه نظر إذ لا اختصاص لذلك بتلك البقعة والخبر مسوق لمزيد شرف تلك البقعة على غيرها. وقيل: فيه تشبيه محذوف الأداة أي: هو كروضة لأن من يقعد فيها من الملائكة ومؤمني الإنس والجن يكثرون الذكر وسائر أنواع العبادة». كذا في «الفتح» «١١/ ٤٠١ - ٤٠٢».
وهل المراد بالبيت جميع البيوت التي كانت لأزواجه عليهن السلام أو المراد بيت واحد منها وهو بيت عائشة الذي صار قبره فيه؟ الظاهر الثاني ويدل عليه أنه الذي فهمه السلف الذين رووا الحديث بلفظ: «قبري» بدل «بيتي» كما سلف إشارة إلى أن المراد بالبيت البيت الذي فيه قبره وإلى هذا مال الحافظ في «الفتح» حيث قال بعد أن حكم بخطأ رواية ابن عساكر المتقدمة:
«نعم وقع في حديث سعد بن أبي وقاص عند البزار بسند رجاله ثقات وعند الطبراني من حديث ابن عمر بلفظ: القبر فعلى هذا المراد بالبيت في قوله: بيتي. أحد بيوته لا كلها وهو بيت عائشة الذي صار قبره فيه وقد ورد الحديث بلفظ: ما بين المنبر وبيت عائشة روضة من رياض الجنة. أخرجه الطبراني في «الأوسط».
قلت: وهو من حديث أبي سعيد الخدري وقد حسنه الهيثمي كما سبق. والله تعالى أعلم.
[الثمر المستطاب (٢/ ٥٢٧)].
стр. 3699
المسجد النبوي هو المسجد الذي أسس على التقوى كمسجد قباء
وهو المسجد الذي أسس على التقوى كمسجد قباء، قال أبو سعيد الخدري: «قلت يا رسول الله أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ فأخذ كفا من حصى فضرب به الأرض قال:
«هو هذا مسجد المدينة وفي ذاك خير كثير». [صحيح، ثم ساق الإمام طرقه ثم قال]: قال النووي في «شرح مسلم»:
«هذا نص بأنه المسجد الذي أسس على التقوى المذكور في القرآن، ورد لما يقوله بعض المفسرين أنه مسجد قباء، وأما أخذه ﷺ الحصباء وضربه في الأرض فالمراد به المبالغة في الإيضاح لبيان أنه مسجد المدينة».
قلت: ظاهر الآية التي أشار إليها النووي ﵀ وهو قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِين﴾ [التوبة / ١٠٨] يفيد أن المراد مسجد قباء لأن في الآية ضميرين يرجعان إلى مضمر واحد بغير نزاع وضمير الظرف الذي يقتضي الرجال المتطهرين هو مسجد قباء فهو الذي أسس على التقوى والدليل على هذا سبب نزول الآية. وهو ما أخرجه أحمد «٣/ ٤٢٢» من طريق أبي أويس: ثنا شرحبيل عن عويم بن ساعدة الأنصاري أنه حدثه:
أن النبي ﷺ أتاهم في مسجد قباء فقال: «إن الله ﵎ قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ ».
قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا.
وهذا إسناد حسن ...
стр. 3700
إذا علمت ما تقدم أن ظاهر الآية وسبب النزول يفيد أنه مسجد قباء وأن الحديث بخلاف ذلك يفيد أنه المسجد النبوي فلا بد من التوفيق بينهما فقال ابن كثير:
«ولا منافاة بين الآية وبين هذا لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم فمسجد رسول الله ﷺ بطريق الأولى والأحرى».
وكأنه من كلام شيخه ابن تيمية ﵀ فقد قال في «تفسير سورة الإخلاص» «ص ١٧٢»: «قد ثبت عنه ﷺ في «الصحيحين» أنه كان يأتي قباء كل سبت راكبا وماشيا وذلك لأن الله أنزل عليه: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ وكان مسجده هو الأحق بهذا الوصف. وقد ثبت في «الصحيح» أنه سئل عن المسجد المؤسس على التقوى فقال: «هو مسجدي هذا» يريد أنه أكمل في هذا الوصف من مسجد قباء ومسجد قباء أيضا أسس على التقوى وبسببه «كذا» الآية ولهذا قال: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِين﴾ وكان أهل قباء مع الوضوء والغسل يستنجون بالماء وتعلموا ذلك من جيرانهم اليهود ولم تكن العرب تفعل ذلك فأراد النبي ﷺ أن لا يظن ظان ذاك الذي أسس على التقوى دون مسجده فذكر مسجده أحق بأن يكون هو المؤسس على التقوى فقوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ [التوبة / ١٠٨] يتناول مسجده ومسجد قباء ويتناول كل مسجد أسس على التقوى بخلاف مساجد الضرار».
وقد ذهب إلى هذا الجمع الحافظ ابن حجر ونقل نحوه عن الداودي والسهيلي وغيرهما، وهو الحق الذي يجب المصير إليه لأن خلافه يلزم منه إما رد ما أفاده القرآن من أجل الحديث أو العكس، وكل من الأمرين خطأ بل ضلال وقد قال رسول الله ﷺ : «إلا إني أوتيت القرآن ومثله معه».
وسيأتي ما يدل على أنه مسجد قباء زيادة عما تقدم.
[الثمر المستطاب (٢/ ٥٣٥)].
стр. 3701
الزيادة والتوسعة في المسجد النبوي من المسجد
[روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «لو بني هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي». ضعيف جدا. رواه أبو زيد عمر بن شبة النميري في كتاب «أخبار المدينة» حدثنا محمد بن يحيى عن سعد بن سعيد عن أخيه عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره، كذا في «الرد على الإخنائي» «١٢٦». قلت: وهذا سند ضعيف جدا، آفته أخوسعد بن سعيد واسمه عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري وهو متروك متهم بالكذب، وأخوه سعد لين الحديث، وقد أشار إلى تضعيف الحديث ابن النجار في «تاريخ المدينة» المسمى بـ «الدرر الثمينة» «ص ٣٧٠» بقوله: وروي عن أبي هريرة أنه قال: ... فذكره.
والظاهر أن أصل الحديث موقوف رفعه هذا المتهم، فقد رواه عمر بن شبة من طريقين مرسلين عن عمر قال: «لومد مسجد النبي ﷺ إلى ذي الحليفة لكان منه». هذا لفظه من الطريق الأولى ولفظه من الطريق الأخرى: «لوزدنا فيه حتى بلغ الجبانة كان مسجد رسول الله ﷺ ، وجاءه الله بعامر». ثم إن معناه صحيح، يشهد له عمل السلف به حين زاد عمر وعثمان في مسجده ﷺ من جهة القبلة، فكان يقف الإمام في الزيادة، ورواه الصحابة في الصف الأول، فما كانوا يتأخرون إلى المسجد القديم كما يفعل بعض الناس اليوم! قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الكتاب السابق «ص ١٢٥»: «وقد جاءت الآثار بأن حكم الزيادة في مسجده ﷺ حكم المزيد، تضعف فيه الصلاة بألف صلاة، كما أن المسجد الحرام حكم الزيادة فيه حكم المزيد، فيجوز الطواف فيه، والطواف لا يكون إلا في المسجد لا خارجا منه، ولهذا اتفق الصحابة على أنهم يصلون في الصف الأول من الزيادة التي زادها عمر ثم عثمان، وعلى ذلك عمل المسلمين كلهم، فلولا أن حكمه حكم مسجده، لكانت تلك الصلاة في غير مسجده ويأمرون بذلك» ثم قال: «وهذا هو الذي يدل عليه كلام الأئمة المتقدمين وعملهم، فإنهم قالوا: إن صلاة الفرض خلف الإمام أفضل، وهذا الذي قاله هو الذي جاءت به السنة، وكذلك كان الأمر على عهد عمر وعثمان
стр. 3702
رضي الله عنهما، فإن كلاهما زاد من قبلي المسجد، فكان مقامه في الصلوات الخمس في الزيادة، وكذلك مقام الصف الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه بالسنة والإجماع، وإذا كان كذلك، فيمتنع أن تكون الصلاة في غير مسجده أفضل منها في مسجده، وإن يكون الخلفاء والصفوف الأول كانوا يصلون في غير مسجده، وما بلغني عن أحد من السلف خلاف هذا لكن رأيت بعض المتأخرين قد ذكر أن الزيادة ليست من مسجده، وما علمت له في ذلك سلفا من العلماء».
وقد روي الحديث بلفظ آخر وهو: - «لوزدنا في مسجدنا، وأشار بيده إلى القبلة». ضعيف جدا. رواه ابن النجار في «تاريخ المدينة» «٣٦٩» من طريق محمد بن الحسن بن زبالة: حدثني محمد بن عثمان بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن مصعب بن ثابت عن مسلم بن خباب، أن النبي ﷺ قال يوما وهو في مصلاه «فذكره». فلما توفي ﷺ وولي عمر بن الخطاب ﵁ قال إن رسول الله ﷺ قال: «فذكره» فأجلسوا رجلا في موضع مصلى النبي ﷺ ، ثم رفعوا يد الرجل وخفضوها حتى رأوا ذلك نحوا ما رأو االنبي ﷺ رفع يده ثم مد، ووضعوا طرفه بيد الرجل ثم مدوه فلم يزالوا يقدمونه ويؤخرونه حتى رأو اأن ذلك شبيه بما أشار رسول الله ﷺ من الزيادة، فقدم عمر القبلة، فكان موضع جدار عمر في موضع عيدان المقصورة.
قلت: وهذا سند واه جدا، ابن زبالة اتهموه بالكذب كما في «التقريب»، وقال ابن حبان «٢/ ٢٧١»: «كان ممن يسرق الحديث، ويروي عن الثقات ما لم يسمع منهم من غير تدليس عنهم».
السلسلة الضعيفة (٢/ ٤٠٢ - ٤٠٤).
المسجد الأقصى أفضل المساجد بعد المسجدين الحرام والنبوي
«ج»: ثم المسجد الأقصى قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ... ﴾ الآية وقال ﵊:
«ائتوه فصلوا فيه فإن صلاة فيه كألف صلاة فيما سواه قيل: أرأيت من لم يطق أن
стр. 3703
يتحمل إليه أو يأتيه؟ قال: فليهد إليه زيتا يسرج فيه فإن من أهدى له كمن صلى فيه».
قال النووي: «أجمع العلماء على استحباب زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه وعلى فضله قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء / ١]».
وقال: «إن سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس سأل الله خلالا ثلاثة: سأل الله حكما يصادف حكمه فأوتيه. وسأل الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله عز وجله حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا للصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه [فنحن نرجو أن يكون الله قد أعطاه إياه]» [صحيح].
وفي الباب عن أبي ذر ﵁ قال: تذاكرنا ونحن عند رسول الله ﷺ : أيهما أفضل: مسجد رسول الله ﷺ أو مسجد بيت المقدس؟ فقال: رسول الله ﷺ :
«صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه ولنعم المصلى، وليوشكن أن يكون «في الأصل: أن لا يكون» للرجل مثل شطن «هو الحبل» فرسه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعا أو قال: خير من الدنيا وما فيها».
أخرجه الحاكم «٤/ ٥٠٩» من طريق الحجاج بن الحجاج عن قتادة عن أبي الخليل عن عبد الله بن الصامت عنه. وقال:
«صحيح الإسناد». ووافقه الذهبي.
وهو كما قالا.
وقد أخرجه الطبراني أيضا في «الأوسط» ورجاله رجال الصحيح كما في «المجمع» «٤/ ٧». وقال المنذري «٢/ ١٣٨»:
«رواه البيهقي بإسناد لا بأس به وفي متنه غرابة».
وقد رواه ابن عساكر من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن عبد الله بن الصامت به. فأسقط بين قتادة وابن الصامت أبا الخليل والأصح إثباته واسمه
стр. 3704
صالح بن أبي مريم وهو ثقة من رجال الستة.
قلت: ولعل وجه الغرابة أنه ثبت في حديث ميمونة المتقدم أن الصلاة في المسجد الأقصى بألف صلاة، وفي حديث أبي الدرداء - الذي سبق ذكره في تخريج أول أحاديث المسجد - أن الصلاة فيه بخمسمائة صلاة وفي حديث أبي ذر هذا أن صلاة في مسجده ﵊ أفضل من أربع صلوات في المسجد الأقصى وهذا لا يتفق في معناه في الحديثين المشار إليهما فإنه يفيد أن فضل الصلاة فيه أربعة أضعاف الصلاة في الأقصى وينتج منه أن الصلاة في المسجد الأقصى على الربع من الصلاة في المسجد النبوي أي: بمائتين وخمسين صلاة. وهذه النتيجة لا تتفق مع ما ثبت في الأحاديث الكثيرة المتقدمة أن الصلاة في الأقصى بألف أو بخمسمائة.
فيقال: إن الله جعل فضيلة الصلاة في الأقصى مائتين وخمسين صلاة أولا ثم أوصلها إلى الخمسمائة، ثم إلى الألف، فضلا منه تعالى على عباده ورحمة. والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
[الثمر المستطاب (٢/ ٥٤١)].
لا يجوز قصد السفر إلى مسجد أو موضع من المواضع الفاضلة والصلاة فيها إلا إلى المساجد الثلاثة
«ومن فضل هذه المساجد الثلاثة أنه لا يجوز قصد السفر إلى مسجد أو موضع من المواضع الفاضلة والصلاة فيها إلا إليها لقوله ﵊: «لا تشد «وفي رواية: لا تشدوا» الرحال إلا «وفي لفظ: إنما يسافر» إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا ومسجد الحرام ومسجد الأقصى».
الحديث ورد عن جمع من الصحابة [ثم ساق الإمام الأحاديث إلى أن قال]:
قوله: «لا تشد الرحال» قال الحافظ:
«بضم أوله بلفظ النفي والمراد النهي عن السفر إلى غيرها. قال الطيبي: هو أبلغ
стр. 3705
من صريح النهي كأنه قال: لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع لاختصاصها بما اختصت به، والرحال جمع رحل: وهو للبعير كالسرج للفرس. وكنى بشد الرحال عن السفر لأنه لازمه وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والمشي في المعنى المذكور ويدل عليه قوله في اللفظ الثاني: «إنما يسافر».
قوله: «إلا إلى ثلاثة مساجد» قال الحافظ:
«الاستثناء مفرغ والتقدير: لا تشد الرحال إلى موضع ولازمه منع السفر إلى كل موضع غيرها لأن المستثنى منه في المفرغ مقدر بأعم العام لكن يمكن أن يكون المراد بالعموم هنا الموضع المخصوص وهو المسجد كما سيأتي».
قلت: وهذا ضعيف والصواب الأول كما سنذكره. ثم قال:
«وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء ولأن الأول قبلة الناس وإليه حجهم والثاني كان قبلة الأمم السالفة والثالث أسس على التقوى.
واختلف في شد الرحال إلى غيرها كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياء وأمواتا وإلى المواضع الفاضلة لقصد التبرك بها والصلاة فيها فقال الشيخ أبو محمد الجويني:
«يحرم شد الرحال إلى غيرها عملا بظاهر الحديث».
وأشار القاضي حسين إلى اختياره وبه قال عياض وطائفة. ويدل عليه ما رواه أصحاب السنن من إنكار أبي بصرة الغفاري على أبي هريرة خروجه إلى الطور وقال له: «لو أدركتك قبل أن تخرج ما خرجت» واستدل بهذا الحديث فدل على أنه يرى حمل الحديث على عمومه ووافقه أبو هريرة.
والصحيح عند إمام الحرمين وغيره من الشافعية: أنه لا يحرم وأجابوا عن الحديث بأجوبة منها:
أن المراد: أن الفضيلة التامة إنما هي شد الرحال إلى هذه المساجد بخلاف
стр. 3706
غيرها فإنه جائز وقد وقع في رواية لأحمد سيأتي ذكرها بلفظ: «لا ينبغي للمطي أن تعمل» وهو لفظ ظاهر في غير التحريم.
ومنها: أن النهي مخصوص بمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة فإنه لا يجب الوفاء به. قاله ابن بطال.
ومنها: أن المراد حكم الساجد فقط وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه غير هذه الثلاثة وأما قصد غير المساجد لزيارة صالح أو قريب أو صاحب أو طلب علم أو تجارة أو نزهة فلا يدخل في النهي ويؤيده ما روى أحمد من طريق شهر بن حوشب قال: سمعت أبا سعيد وذكرت عنده الصلاة في الطور فقال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينبغي للمصلي (١) أن يشد رحاله إلى مسجد تبتغى
فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي». وشهر حسن الحديث وإن كان فيه بعض الضعف».
وأقول: لقد ألان الحافظ ﵀ القول هنا في شهر وحسن حديثه بهذا اللفظ مع أنه حكم عليه بأنه كثير الأوهام كما سبق نقله عنه فيما تقدم فمن كان كذلك كيف يحسن حديثه؟ لا سيما إذا تفرد به دون كل من روى الحديث فقد ورد من طرق ثلاثة أخرى عن أبي سعيد وليس فيها هذه الزيادة التي احتج بها الحافظ وهي: «إلى مسجد».
يضاف إلى ذلك أنه ورد الحديث عن سبعة من الصحابة غير أبي سعيد من طرق كثيرة عن رواة ثقات ولم يقل أحد منهم ما قال شهر فهل بعد هذا دليل وبرهان على خطأ شهر في هذه الزيادة؟
على أنه قد اختلف فيها على شهر فذكرها بعضهم عنه دون بعض كما سبق بيان ذلك عند الكلام على الحديث من الطريق الرابع عن أبي سعيد. من أجل ذلك ذهبنا
стр. 3707
هناك إلى أنه لا يجوز الاحتجاج بهذه الرواية.
وقد بدا لي حجة أخرى تؤيد خطأ شهر فأقول:
ومما يدلك على ضعف هذه الزيادة بل بطلانها: أن في حديث شهر نفسه أن أبا سعيد أنكر عليه الذهاب إلى الطور واحتج عليه بهذا الحديث فلو كان فيه هذه الزيادة التي تخص معناه بالمساجد دون سائر المواضع الفاضلة لما جاز لأبي سعيد - وهو العربي الصميم - أن يحتج به لأن شهرا لم يقصد الذهاب إلا إلى الطور وليس هو مسجدا وإنما هو جبل مقدس كلم الله تعالى عليه موسى ﵇ فلا يشمله الحديث لو كانت فيه الزيادة فإنكاره الذهاب إليه أكبر دليل على بطلان نسبتها إلى حديثه ودليل أيضا على أن الحديث على عمومه وأنه يشمل الأماكن الفاضلة لأنه الذي فهمه أبو سعيد وكذا فهم منه عبد الله بن عمر وأبو بصرة الغفاري ووافقه أبو هريرة فكلهم أنكروا الذهاب إلى الطور محتجين بالحديث كما تقدم في تخريج أحاديثهم. فهؤلاء أربعة من الصحابة - لا مخالف لهم منهم - قد فهموا ذلك وهم أعلم بما سمعوه منه ﷺ وأدرى بما يقول.
ثم إن النظر يحكم بصحة عموم الحديث لأنه إذا كان منع من السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة مع العلم بأن العبادة في كل المساجد أفضل منها في غير المساجد وغير البيوت وقد قال ﵊:
«أحب البقاع إلى الله المساجد» كما مر، وكان منع أيضا من السفر إلى الطور الذي سماه الله تعالى بالوادي المقدس فالمنع من السفر إلى غيرها أولى لا سيما إذا كان المكان المقصود قبور أنبياء وصالحين فإنه حرم بناء المساجد عليها كما مضى فكيف يسمح بالذهاب إليها ولم يسمح بالسفر إلى المساجد المبنية على تقوى الله؟ وهذا - بحمد الله - بين لا يخفى.
وأما الجوابان الآخران اللذان حكاهما الحافظ فهما ضعيفان أيضا وإليك البيان:
أما الجواب الأول فالحديث وإن كان بلفظ النفي فهو بمعنى النهي كما حكاه
стр. 3708
الحافظ نفسه عن الطيبي. ويؤيد ذلك أمران:
الأول: أنه جاء صريحا بالنهي في الرواية الثانية: «لا تشدوا».
والآخر: أنه الذي فهمه الصحابة فنهوا عن الذهاب إلى الطور كما سبق.
وهناك أمر ثالث يقوي ذلك: وهو أن الحديث من رواية أبي سعيد في «الصحيحين» وغيرهما قطعة من حديث ورد فيه النهي عن أربعة أمور:
«أ» شد الرحال.
«ب» سفر المرأة بغير محرم.
«ج» صوم يومي الفطر والأضحى.
«د» الصلاة بعد الصبح والعصر.
والنهي في هذا للتحريم فحمل النهي عن شد الرحال خاصة للتنزيه خلاف الظاهر المتبادر وفيه جمع بين الحقيقة والمجاز وهذا لا يجوز إلا لصارف ولا صارف هنا ورواية أحمد التي احتج بها الحافظ بلفظ: «لا ينبغي للمطي أن تعمل» غير صحيحة كما سبق بيانه مرارا فلا حجة فيها.
على أن هذه الرواية لو صحت فهي لا تفيد الجواز المجرد عن الكراهة بل هي نص في الكراهة وحينئذ فقول النووي في شرح الحديث من رواية أبي سعيد:
«الصحيح عند أصحابنا أنه لا يحرم ولا يكره».
غير صحيح. وقد قال النووي أيضا في شرح الحديث من رواية أبي هريرة ما نصه:
«معناه عند جمهور العلماء: لا فضيلة في شد الرحال إلى مسجد غيرها».
وهذا تسليم منه أن السفر إلى غير المساجد الثلاثة لا فضيلة فيه فليس هو بعمل صالح ولا قربة ولا طاعة ومن المعلوم المشاهد أن من يقصد السفر إلى غيرها يبتغي بذلك التقرب إلى الله تعالى وهذا محرم اتفاقا لأنه تعبد الله تعالى بما لم يجعله عبادة ولذلك ذكر العلماء أنه «لو نذر أن يصلي في مسجد أو مشهد أو يعتكف فيه أو يسافر
стр. 3709
إليه غير هذه الثلاثة لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة، بخلاف لو نذر أن يأتي المسجد الحرام لحج أو عمرة وجب ذلك باتفاق العلماء، ولو نذر أن يأتي مسجد النبي ﷺ أو المسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي وأحمد.
ولم يجب عند أبي حنيفة لأنه لا يجب عنده بالنذر إلا ما كان من جنسه واجب بالشرع وأما الجمهور فيوجبون الوفاء بكل طاعة لما رواه البخاري وغيره عن عائشة ﵁ مرفوعا: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه».
والسفر إلى المسجدين هو طاعة فلهذا وجب الوفاء به.
وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة فلم يوجب أحد من العلماء السفر إليها إذا نذره حتى نص العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء لأنه ليس من الثلاثة مع أنه يستحب زيارته لمن كان بالمدينة لأن ذلك ليس بشد رحل كما سيأتي قالوا: ولأن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة والتابعين ولا أمر بها رسول الله ﷺ ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين فمن اعتقد ذلك عبادة وفعلها فهو مخالف للسنة ولإجماع الأئمة. وهذا مما ذكره أبو عبد الله بن بطة في «إبانته الصغرى» من البدع المخالفة للسنة والإجماع» (١).
بقي علينا الجواب عن الجواب الثاني الذي أورده الحافظ فنقول:
إنه تخصيص للحديث بدون أي مخصص والحديث أعم من ذلك وكل أحد يستطيع أن يدعي تخصيص أي عموم من كتاب أو سنة ولكن ذلك لا يقبل منه إلا مقرونا بالدليل والبرهان فأين الدليل هنا على هذه الدعوى؟
ولذلك قال المحقق الصنعاني في «سبل السلام» «٢/ ٢٥١»:
стр. 3710
«وذهب الجمهور إلى أن ذلك غير محرم واستدلوا بما لا ينهض وتأولوا أحاديث الباب بتآويل بعيدة ولا ينبغي إلا بعد أن ينهض على خلاف ما أولوه الدليل».
زاد أبو الطيب صديق حسن خان في «فتح العلام» «١/ ٣١٠»:
«ولا دليل والأحاديث الواردة في الحث على الزيارة النبوية وفضيلتها ليس فيها الأمر بشد الرحال إليها مع أنها كلها ضعاف أو موضوعات لا يصلح شيء منها للاستدلال، ولم يتفطن أكثر الناس للفرق بين مسألة الزيارة وبين مسألة السفر لها فصرفوا حديث الباب عن منطوقه الواضح بلا دليل يدعو إليه».
قلت: وزيارة قبر النبي ﷺ لا حاجة إلى الاستدلال عليها بالأحاديث الضعيفة المشار إليها ففي الباب ما يغني عنها ولو لم يكن في الباب إلا الأحاديث العامة في زيارة القبور كفى في إثبات زيارة قبره ﵊ وذلك من باب أولى كما لا يخفى ولعله يأتي توضيح ذلك وبيانه في المحل المناسب له.
والخلاصة: أن ما ذهب إليه أبو محمد الجويني ومن وافقه من تحريم السفر إلى غير المساجد الثلاثة من المواضع الفاضلة هو الحق الذي يجب المصير إليه بخلاف السفر للتجارة وطلب العلم ونحو ذلك فإن السفر لطلب تلك الحاجة حيث كانت وكذلك السفر لزيارة الأخ في الله فإنه هو المقصود حيث كان كما قال شيخ الإسلام في «الفتاوى» «٢/ ١٨٦» (١).
وقد جرى له ﵀ فتن عظيمة بسبب إفتائه بتحريم شد الرحال لزيارة قبور الأنبياء والصالحين حتى قبر نبينا محمد ﷺ وكتبه طافحة بالاستدلال لما ذهب إليه وقد رد عليه الإمام السبكي - وكان من معاصريه - وألف في ذلك كتابه المسمى: «شفاء السقام في زيارة خير الأنام» أورد فيه الأحاديث الواردة في زيارة قبره ﵊ وأقوال العلماء في مشروعيتها وقد وقعت له فيه هفوة عظيمة حيث
стр. 3711
عزا إلى شيخ الإسلام القول بإنكار مطلق الزيارة النبوية - أعني بدون شد رحل - مع أنه من القائلين بها والذاكرين لفضلها وآدابها وقد ذكر ذلك فيما غير كتاب من كتبه، ولذلك فقد قام بالرد على السبكي العلامة الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الهادي في مؤلف له كبير أسماه: «الصارم المنكي في الرد على السبكي» وهو كتاب قيم فيه فوائد كثيرة فقهية وحديثية وتاريخية وقد بين فيه بتوسع وتفصيل حال الأحاديث المشار إليها وما فيها من ضعف ووضع، وبرأ ابن تيمية مما نسب إليه من الإنكار بما نقله عنه من النصوص الكثيرة فمن شاء فليرجع إليه.
ومن الغريب أن تروج تلك النسبة الخاطئة إلى ابن تيمية على كثير من العلماء والمشايخ الذين جاؤا بعده وكان آخرهم - إن شاء الله تعالى - الشيخ يوسف النبهاني فقد سود صحائف كثيرة بالطعن في ابن تيمية بجهل ضلال فقام أحد العلماء الأفاضل فرد عليه في كتاب ضخم اسمه: «غاية الأماني في الرد على النبهاني» أبان فيه عن جهل النبهاني وضلالته وانتصر فيه لابن تيمية بحق وعدل فمن شاء الوقوف على الحقيقة فليرجع إليه وليجعل كل اعتماده عليه.
هذا ولا بأس من أن أنقل إليك ما ذكره ولي الله الدهلوي في مسألة شد الرحل لأنه لا يخلو من فائدة جديدة قال ﵀ في «الحجة البالغة» «١/ ١٩٢»:
«كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع معظمة بزعمهم يزورونها ويتبركون بها وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى فسد ﷺ الفساد لئلا يلحق غير الشعائر بالشعائر ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله والحق عندي أن القبر ومحل عبادة ولي من الأولياء والطور كل ذلك سواء في النهي».
[الثمر المستطاب (٢/ ٥٤٩)].
стр. 3712
من السنة شد الرحل إلى المسجد الأقصى
[قال الإمام]: من السنة شد الرحل إلى المسجد الأقصى والصلاة فيه.
صحيح موارد الظمآن (١/ ١٠٩)
الصلاة في بيت المقدس بمئتي صلاة وخمسين صلاة
[روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره: مئة ألف صلاة، وفي مسجدي: ألف صلاة، وفي مسجد بيت المقدس: خمس مئة صلاة». ضعيف بطرفه الأخير
هو حديث منكر؛ فإن آخره مخالف لحديث أبي ذر الصحيح بلفظ:
«صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه»؛ يعني: بيت المقدس. أخرجه الطبراني في «الأوسط» «رقم ٨٣٩٥ - مصورتي»، والحاكم «٤/ ٥٠٩». وقال: «صحيح الإسناد». ووافقه الذهبي. وقال الطبراني: «لم يروه عن قتادة إلا الحجاج وسعيد بن بشير؛ تفرد به عن الحجاج: إبراهيم ابن طهمان، وتفرد به عن سعيد: محمد بن سليمان بن أبي داود» قلت: بل تابعه الوليد بن مسلم: حدثا سعيد بن بشير به. أخرجه الطحاوي في «المشكل» «١/ ٢٤٨». قلت: فهذا الحديث الصحيح يفيد أن الصلاة في بيت المقدس بمئتي صلاة وخمسين صلاة؛ لأن الصلاة في مسجده ﷺ بألف صلاة كما في غير ما حديث، وهذا خلاف ما في هذا الحديث الضعيف.
السلسلة الضعيفة (١١/ ٢/ ٥٨٦ - ٥٨٧).
стр. 3713
فضيلة مسجد قباء
قال الإمام عن أفضل المساجد بعد المساجد الثلاثة: ثم مسجد قباء وهو المراد من قوله تعالى: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة / ١٠٨] فإنه لما نزلت «أتاهم ﵊ في مسجد قباء فقال: إن الله ﵎ قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود وكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا [قال: وهو ذاك فعلكيم به]».
الحديث من رواية عويم بن ساعدة ورواه بنحوه أبو أيوب الأنصاري وجابر.
وأنس وما بين المربعين من حديثهم وإسناد الحديثين حسن وقد سبق تخريجهما في الكلام على المسجد النبوي وأنه أسس على التقوى أيضا كما جاء عنه ﵊ وذكرنا هناك وجه الجمع بين حديثه ﷺ في ذلك وبين هذه الآية الكريمة فلا داعي للإعادة. وهي مع الحديث المذكور عقبها نص صريح في أن المسجد المذكور فيها هو مسجد قباء فالقول بأنه مسجد المدينة خطأ.
ومما يدل على أنه المسجد الذي أسس على التقوى ما في البخاري «٧/ ١٩٥» في حديث هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة: «فلبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه رسول الله ﷺ » قال الحافظ:
«أي مسجد قباء، وفي رواية عبد الرزاق عن معمر عن ابن شهاب عن عروة قال: الذين بني فيهم المسجد الذي أسس على التقوى هم بنو عمرو بن عوف. وكذا في حديث ابن عباس عند ابن عائذ ولفظه: «ومكث في بني عمرو بن عوف ثلاث ليال واتخذ مكانه مسجدا فكان يصلي فيه ثم بناه بنو عمرو بن عوف فهو الذي أسس على التقوى». فهذه الأخبار تدل على أنه كان معروفا عندهم بأنه المسجد
стр. 3714
الذي أسس على التقوى».
ثم قال الحافظ: «وروى يونس بن بكير في زيادات المغازي عن المعسودي عن الحكم بن عتيبة قال: «لما قدم النبي ﷺ فنزل بقباء قال عمار بن ياسر: ما لرسول الله بد من أن يجعل له مكانا يستظل به إذا استيقظ ويصلي فيه فجمع حجارة فبنى مسجد قباء فهو أول مسجد بني - يعني بالمدينة -» وهو في التحقيق أول مسجد صلى النبي ﷺ فيه بأصحابه جماعة ظاهرا وأول مسجد بني لجماعة المسلمين عامة، وإن كان قد تقدم بناء غير من المساجد لكن لخصوص الذي بناها كما تقدم في حديث عائشة في بناء أبي بكر مسجده».
وقد جاء حديث في قصة بنائه ﷺ لمسجد قباء فيه غرابة رواه الطبراني في «الكبير» عن الشموس بنت النعمان قالت: «نظرت إلى رسول الله ﷺ حين قدم ونزل وأسس هذا المسجد مسجد قباء فرأيته يأخذ الحجر أو الصخرة حتى يهصره «يميله» الحجر وأنظر إلى بياض التراب على بطنه أو سرته فيأتي الرجل من أصحابه ويقول: بأبي وأمي يا رسول الله أعطني أكفك فيقول: لا خذ مثله. حتى أسسه ويقول: إن جبريل ﵇ هو يؤم الكعبة قال: فكان يقال: إنه أقوم مسجد قبلة». قال الهيثمي «٤/ ١١»: «ورجاله ثقات».
وما أعتقد أنه يصح فإنه من طريق عاصم بن سويد عن عبيد بن وديعة عنها.
رواه ابن أبي عاصم والزبير بن بكار من طريقين عن عاصم مختصرا ومطولا.
وكذلك أخرجه الحسن بن سفيان وابن منده من طريق سلمة بن عاصم ابن سويد. لكن خالف في شيخ عاصم فقال: عن أبيه عن الشموس به مطولا. وقد ساق لفظه الحافظ في «الإصابة» «٤/ ٣٤٣» فإن عاصما هذا هو ابن سويد بن يزيد بن جارية الأنصاري إمام مسجد قباء قال ابن معين:
«لا أعرفه». وقال ابن عدي:
«قليل الرواية جدا». قال الذهبي:
стр. 3715
«وساق له حديثا منكرا وقال أبو حاتم: روى حديثين منكرين». وفي «التقريب»:
«مقبول».
وأما والده سويد على الرواية الأخيرة فلم أجد له ترجمة وكذلك عبيد ابن وديعة أو عتبة كما وقع في «الإصابة» في موضعين: عبيد وفي آخر: عتبة فإني لم أعرفه. والله أعلم.
[الثمر المستطاب (٢/ ٥٦٧)].
فضل الصلاة في مسجد قباء
«وللصلاة فيه أجر عظيم فقد قال ﷺ : «من خرج حتى يأتي هذا المسجد - يعني مسجد قباء «وفي لفظ: من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء» فيصلي فيه كان كعدل عمرة «وفي اللفظ الآخر: كان له كأجر عمرة». [صحيح الإسناد].
ثم أخرج الحاكم «٢/ ١٢» من طريق هاشم بن هاشم قال: سمعت عامر ابن سعد وعائشة بنت سعد يقولان: سمعنا سعدا يقول:
لأن أصلي في مسجد قباء أحب إلي من أصلي في مسجد بيت المقدس. وقال:
«صحيح على شرط الشيخين». ووافقه الذهبي وأقره المنذري «٢/ ١٣٩». وهو كما قالوا.
وأورده الحافظ في «الفتح» «٣/ ٥٣» بزيادة: «ركعتين» بعد قباء وفي آخره:
«مرتين لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل». وقال:
«رواه عمر بن شبة في «أخبار المدينة» بإسناد صحيح».
قلت: وهو حديث موقوف ولو كان مرفوعا لأفاد تفضيل مسجد قباء على بيت المقدس وقد قال الحافظ إنه: