بعبارة أخرى: بتخصيص أحد النَّصّين العامين بالآخر، فأيهما يصلح أن يُخَصَّص وأيهما يَصْلُح أن يكون هو المخصِّص.
قالوا إذا كان أحد النصين العامَّين قد دخله تخصيص، والنص العام الآخر لم يدخله تخصيص، خُصِّص النص العام المُخَصَّص بنصوص أخرى بالنص العام غير المخصص.
ومثال ما نحن فيه: قوله ﵇: «إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين».
نص عام، لأن إذا ظرفية في أي ظرف، وفي أي حالة وفي أي وقت، معنى الحديث دخلت المسجد فصلِّ ركعتين.
هذا نص عام، يُعارِض هذا النص العام «لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس».
أيضا هذا نص عام ينهى عن كل صلاة في هذين الوقتين، فهل نُخَصِّص حديث التحية بحديث النهي عن الصلاة في هذين الوقتين، أم نُخَصِّص حديث النهي عن الصلاة في هذين الوقتين بحديث التحية، الجواب هو هذا.
والسبب: أن حديث النهي عن الصلاة في الوقتين ليس على عمومه وشموله، فقد خُصِّص بمخصصات كثيرة وكثيرة جدا، مثلا: من نسي صلاةً أو نام عنها فليُصَلِّها حين يذكرها.
إذاً: هذا استيقظ لصلاة الفجر عند طلوع الشمس، فيقول الرسول هذا وقت هذه الصلاة المَنْسِيّة، رجل نسي صلاة العصر حتى تكاد الشمس تغرب أو غربت، فهو يصليها ولو كان الوقت كراهة منهي عن الصلاة وهكذا، والمخصصات كثيرة وكثيرة جدا، أحسن «أبو الطيب الهندي» في كتابه المسمى «إعلام أهل العصر، بأحكام ركعتي سنة الفجر» فقد جمع الأحاديث المُخَصِّصة للأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وكان من ذلك ما ذكرته آنفا: الصلاة المنسية.
стр. 3747
من ذلك -مثلا- مما يحضرني: صلاة من صَلَّى صلاة الفجر في منزله، ثم أتى المسجد فوجدهم يصلون، فهو يصلي معهم وإن كان الصلاة بعد صلاته منهي عنها، وهكذا.
فإذاً: نُخَصِّص أحاديث النهي عن الصلاة في الأوقات المعروفة بحديث «إذا دخل أحدكم مسجد» لأن هذه أحاديث النهي عن الصلاة قد دخلها تخصيص، ومعنى ذلك أنه مما يضعفها، بينما عموم حديث «إذا دخل أحدكم المسجد» لَمِّا لم يُخَصّص بقي على عمومه الشامل، فيمكن تقديم هذا العموم المطلق على ذاك العموم المُخَصَّص، وتكون النتيجة: «لا صلاة بعد العصر لا صلاة بعد الفجر، إلا تحية المسجد»؛ لذاك العموم الذي لم يدخله تخصيص، هذا الوجه الأول.
الوجه الثاني: قلت وهو قياس أولوي، تعلمون جميعا إن شاء الله أن النبي ﷺ ، لما دخل سُلَيْكٌ الغِطْفاني ورسول الله يخطب وجلس، فقال له: «يا غلام أصليت؟ قال: لا، قال: قم فصلِّ ركعتين» ثم التفت إلى الجالسين هنا، ثم التفت إلى الحاضرين، فقال: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب، فليصل ركعتين وليتجوز فيهما» الصلاة والخطيب يخطب منهي عنها، صلاة النافلة منهي عنها، فإذا وجدنا الرسول ﵇ قد أمر بصلاة التحية في هذا الوقت المنهي فيه الصلاة: صلاة النافلة بصورة عامة، أخذنا منه إشعارًا بأن صلاة التحية تصلى في الأوقات التي نُهِي عن الصلاة فيها، وهذا وقت يُنْهَى عن الصلاة فيه وهذا في الواقع من الفقه الذي لم يُذْكَر في كتب الفقه، فكتب الفقه حينما تذكر بالأوقات التي يُكْرَه الصلاة فيها، لا يذكرون وقت الخطيب يخطب أنه من الأوقات التي تُكْرَه الصلاة فيها؛ ولذلك فهنا فائدتان، الفائدة الأولى: أنه ينبغي ضم وقت الخطيب يخطب من الأوقات المكروهة، والفائدة الأخرى: أن هذا الوقت المنهي عن الصلاة فيه يُسْتَغل لإباحة صلاة التحية، فيُوَقَّت في الأوقات المكروهة الأخرى، بدليل أن الرسول ﵇ قال والخطيب يخطب ««ليصلي ركعتين وليتجوز فيهما»».
(الهدى والنور /١٨/ ٦.: ٢٨: .. )
стр. 3748
لا تسقط تحية المسجد عن الداخل يوم الجمعة والخطيب على المنبر
«وكذلك فإن [تحية المسجد] لا تسقط عن الداخل يوم الجمعة والخطيب على المنبر يخطب بل لا بد من الإتيان بها غير أن يخففها فقد:
جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فجلس [قبل أن يصلي] فقال له: يا سليك [أصليت ركعتين؟ قال: لا قال: ]
«قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما» «زاد في حديث آخر: فصلى ركعتين والنبي ﷺ يخطب» ثم [أقبل على الناس ف] قال:
«إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين [خفيفتين] يتجوز فيهما [ثم ليجلس]». [صحيح].
ثم قال الترمذي:
«والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق وقال بعضهم: إذا دخل والإمام يخطب فإنه يجلس ولا يصلي. وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة والقول الأول أصح».
قلت: وبه قال الدارمي أيضا صاحب «السنن» وهو كما قال الترمذي ﵀ أنه الأصح وقد تكلف الإمام الطحاوي ﵀ كثيرا في رد هذا النص الصريح وغاية ما احتج به من النقل هو قوله ﵊:
«إذا قلت لصاحبك: أنصت والإمام يخطب فقد لغوت» وذلك لأن الأمر بالمعروف أعلى من ركعتي التحية فإذا منع منه منع منهما بالأولى.
هذه هي وجهة نظر الحنفية في احتجاجهم بالحديث المذكور كما قرره السندي ولكنه ﵀ لم يرتض ذلك بل رده بقوله:
стр. 3749
«وفيه بحث: أما أولا: فلأنه استدلال بالدلالة أو القياس في مقابلة النص فلا يسمع. وأما ثانيا: فلأن المضي في الصلاة لمن شرع فيها قبل الخطبة جائز بخلاف المضي في الأمر بالمعروف لمن شرع فيه قبل فكما لا يصح قياس الصلاة بالأمر بالمعروف بقاء لا يصح ابتداء. والله تعالى أعلم».
قلت: ونحن لا نسلم أن الأمر أعلى من تحية المسجد بل نقول العكس وهو ظاهر النص أي: إن التحية أعلى من الأمر بالمعروف في ذلك الوقت ولذلك أمر بها دون هذا وذلك من أدلة وجوبها كما سبق تقريره قريبا. فتأمل.
ولوضوح الحجة في هذه المسألة أمسك عن التعرض لبقية الوجوه والآراء المشار إليه آنفا ونقضها وأحيل من أراد الاطلاع عليها بتوسع وبسط على «فتح الباري» و «نيل الأوطار» وإنما أنبه هنا على ما روي مرفوعا مما لو صح لكان حجة للحنفية وهو ما أخرجه الطبراني في «الكبير» عن ابن عمر مرفوعا:
«إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب على المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام». [ثم بين الإمام ضعفه ودلل على ذلك].
[الثمر المستطاب (٢/ ٦١٨)].
إذا دخل شخص المسجد يوم الجمعة والمؤذن يؤذن الأذان الذي بين يدي الخطيب فهل يردد الأذان أم يشرع في تحية المسجد ؟
الملقي: يا شيخ أحد الإخوان دخل المسجد والأذان الذي بين يدي الخطيب يُؤَذَّن له، هل ينتظر؟
الشيخ: لا ينتظر.
الملقي: يعني عشان تصلي تحية المسجد ينتظر انتهاء الأذان، أم يصلي مباشرة حينما يدخل؟
стр. 3750
الشيخ: إذا كان الأذان هو الأذان الموجود عندنا، اللِّي بيسموه ظلماً الأذان المُوَحَّد فلا ينتظر، وكذلك إذا كان أذاناً خاصاً في مسجد كمسجدكم اليوم، وكان المؤذن يُؤَذِّن أذاناً شرعياً ليس فيه تلحين ولا فيه مَطْمَطَة ولا مد، حيث لا ينبغي المد الخ، فحينئذٍ يجمع بين الأمرين، يُشْغِل نفسه بإجابة هذا المؤذن الشرعي، ثم يشرع في تحية المسجد، لكن هذا يُشْرَط إذا كان هذا الأذان هو كما يقولون الأذان الأول.
أما إذا كان الأذان الثاني والخطيب على المنبر، ففي هذه الحالة ينبغي أن يباشر بالتحية، ولا يشغل نفسه بالإجابة؛ لأنه إن أشغل نفسه بالإجابة فبعد ما ينتهي المؤذن سيشرع الخطيب بالخطبة، وهو سيشرع بالتحية، فعلى حساب التحية سيضيع قسماً من الاستماع للخطبة، فإذا دار الأمر بين أن يُضَيِّع واجباً وهو الاستماع للخطبة، وبين أن يُضَيِّع مستحباً وهو إجابة المؤذن، قَدَّم الأمر الأول على الآخر.
الملقي: نعم.
الشيخ: واضح هذا التفصيل.
الملقي: واضح.
ا (الهدى والنور / ٤٩٥/ ٠٨: ٢١: ٠٠)
من جلس في المسجد قبل أن يصلي تحية المسجد
الملقي: [إذا دخل رجل المسجد وجلس قبل أن يصلي تحية المسجد]؟
الشيخ: إن كان ذاكراً فقد فاتته، وإن كان جاهلاً فكما جاء في حديث سليك الغطفاني فإنه يتدارك جهله بعلمه الذي حصل عليه، أو يتدارك نسيانه بعد أن ذُكِّر به.
(الهدى والنور /٥٣٠/ ٢٦: ٠١: ٠١)
стр. 3751
من دخل المسجد والمؤذن يُؤَذِّن
مداخلة: من دخل المسجد والمؤذن يُؤَذِّن، يقف أو ما هو اللازم .. ؟
الشيخ: هذا السؤال لعلكم سمعتموه .. دخل المسجد والأذان يؤذن .. ماذا يفعل؟ هل ينتظر قائماً يجيب المؤذن أم يشرع في تحية المسجد؟
الجواب: في الصور العامة ينتظر ويُجيب المؤذن كما سمعتم في الحديث السابق: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا عليَّ، ثم سلوا الله لي الوسيلة» إلى آخره.
هذا في الأحوال العامة، إلا في حالة واحدة، وهذا نراه كل يوم جمعة يدخل الداخل إلى المسجد والخطيب على المنبر، وبدأ المؤذن يؤذن، ماذا يفعل؟ يقفون هكذا حتى يجيبوا المؤذن .. هذا خطأ في هذه الصورة فقط خطأ، لماذا؟ لأنه إذا ظل واقفاً يجيب المؤذن فهو في طاعة في عبادة، لكن ما حكم هذه العبادة؟ هي فريضة؟ لا، هي واجبة .. لا .. هي مستحبة؟ بلى، هي مستحبة، لكن انظر ماذا سيترتب من وراء عمل هذا الأمر المستحب:
سيبدأ هو بعد الانتهاء من الإجابة تماماً بصلاة ركعتين تحية المسجد .. يكون الخطيب قام وبدأ بالخطبة.
فإذاً: سيذهب عليه قسم من الخطبة التي يجب عليه أن يستمع إليها؛ بسبب انشغاله بإجابة المؤذن.
وهذه المسألة فرع من عشرات بل مئات الفروع، التي تدخل في قاعدة أن المسلم إذا وقع بين مفسدتين أو بين شرين اختار أقلهما.
الآن هو إما أن يشرع في التحية، وإما أن يشرع بالإجابة، لكن إذا أشغل نفسه بالإجابة سيضطر أن يشغل نفسه بالصلاة والخطيب يخطب، بينما الرسول ﵇ أمر الحاضرين بأن لا يشغلوا أنفسهم بالصلاة إلا إذا دخل والخطيب
стр. 3752
يخطب، ففي هذه الحالة لا بد من أن يصلي ركعتين تحية مسجد؛ لقوله ﵇: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب، فليصل ركعتين وليتجوز فيهما» أي: يخففهما.
أما أنت دخلت والخطيب لم يبدأ، فلماذا تقف منتظراً .. إجابة المؤذن! حسن لو كنت [دخلت] قبل هذا، فعليك أن تجيب بهذه الإجابة أما أن تتأخر هكذا حتى تجيب، فيشرع الإمام بالخطبة وأنت لم تبدأ بالصلاة.
إذاً: في هذه الصورة يبدأ بالتحية ولا يشغل نفسه الإجابة؛ لأن التحية أهم من الإجابة.
أما في سائر الأوقات الظهر .. العصر .. إلى آخره، فلا يجلس إلا بعد أن يجيب المؤذن، في هذه الحالة يجمع بين مصلحتين عكس الأولى .. في هذه الحالة يجيب المؤذن في الوقت نفسه، لا يجلس فيخالف الرسول ﵇ الذي قال في الحديث الصحيح: «إذا دخل أحدُكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» أو في لفظ آخر: «فليُصَلِّ ركعتين ثم ليجلس» فهنا جمع بين تنفيذ أمره: «فليُصَلِّ ركعتين ثم ليجلس» وبين أمره: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول».
(الهدى والنور / ٧٤٤/ ١٨: ٣٣: ٠٠)
أقيمت الصلاة وهو في الركعة الثانية من النافلة فهل يقطع الصلاة ؟
مداخلة: دخل رجل المسجد وصلى تحية المسجد، كان في الركعة الثانية، فأقيمت الصلاة فهل يكمل صلاته أم يخرج منها؟
الشيخ: هذه مسألة أيضًا تحدثنا عنها مرارًا، إذا كان يغلب على ظنه أنه إذا كمل التحية يدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام كملها وإلا قطعها.
(فتاوى رابغ (٦) /٠٠: ٢٦: ٤٧)
стр. 3753
هل تصلى الحائض تحية المسجد ؟ !
مداخلة: [هل يقال أنه مادام جوزنا دخول الحائض المسجد فلها أن تصلي تحية المسجد]؟
الشيخ: تجلس بدون صلاة، لا يجوز لها أن تُصَلِّي.
مداخلة: دليل بهذا يا شيخ؟
الشيخ: الدليل ما ذكرته من الحديث، وهو في صحيح البخاري.
مداخلة: نعم.
الشيخ: «اصنعي كما يصنع الحاج، غير ألَّا تطوفي ولا تصلي» فماذا يصنع الحاج؟ يدخل المسجد ويصلي ويطوف ويجلس ويقرأ القرآن، كل ذلك مما أباحه الرسول ﵊ لها، لكنه استثنى من الإباحة الصلاة والطواف بالبيت.
مداخلة: يعني مقتضى هذا الحديث النبوي الشريف، أنه لا يجوز لها أن تُصَلي.
الشيخ: نعم. وهناك أحاديث أخرى، في أن المرأة لا تصلي ولا تصوم، ولكنها تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة.
(الهدى والنور/٢٢٤/ ٤٠: ٢٣: ٠٠)
من دخل المسجد قبيل غروب الشمس بدقائق
السائل: مثال للفائدة: كثير من الناس يستشكلوا إذا دخلوا المسجد في وقت الكراهة، يصلوا التحية أو لا؟
الشيخ: هل يصلي التحية أو لا؟
طبعاً المسألة فيها خلاف، لكن قَصْدُنا الآن كيف التوفيق بين: «لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس»، فأنت دخلت المسجد لأمر ما بعد صلاة الفجر،
стр. 3754
تصلي تحية أو لا؟
قيل وقيل، ماذا في هذا، فإن قلت: لا أصلي تمسكاً بهذا الحديث، جاءك حديث آخر: «إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» إذاً: كيف نعمل؟
كبار العلماء الذين قرأنا لهم كلاماً في هذا الموضوع، ما استطاعوا يَحُلُّوا المشكلة، إلا «ابن تيمية» بصورة خاصة، وإلا «الحافظ العراقي» بصورة عامة، حيث ذكر القواعد، كان من هذه القواعد ما ذكرته آنفاً، وهو: الدليل العام إذا دخله التخصيص، ضَعُفَ عمومه، أما الدليل العام الذي لم يدخله التخصيص سيبقى قَوّياً عمومه.
فالقوي يتغلب على الضعيف، فيُصْبِح الأظهر: «لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تَطْلُع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تَغْرُب الشمس» إلا - في استثناء، إلا استثناءات كثيرة وكثيرة جداً.
مثلاً: رجل دخل إلى المسجد صلاة الصبح والإمام يصلي، ما كان صلى التحية، عفواً السنة القبلية، الله أكبر سَلَّم الإمام، هل يجوز له أن يقوم ويصلي سنة الفجر التي فاتته؟
الجواب: نعم، ماذا فعلنا: «لا صلاة بعد الفجر» قَيَّدناه؛ لأن الرسول رأى رجلاً بعدما سلم الرسول ﵇ من صلاة الفجر، قام يصلي، قال: الصبح أربعاً؟ بعدما صلى الرجل قال: يا رسول الله! دخلت المسجد وأنت في الصلاة، وما كنت صليت السنة، هذه السنة، فسكت ﵇، فأخذ العلماء استثناء هذه الحالة من: «لا صلاة بعد الفجر»، وهكذا: «بعد العصر».
أحاديث كثيرة، منها: حديث في «موطأ الإمام مالك»: أن الرسول ﵇ في حجة الوداع صلى في مسجد الخَيْف صلاة الفجر، ولما سَلَّم وجد رجلين من بعيد، يدل حالُهما أنهما ما صلوا مع الجماعة، فناداهم، قال لهما: «أولستما مسلمين؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: يا رسول الله! إنا كنا
стр. 3755
صلينا في رحالنا، قال: فإذا صلى أحدكم في رحله، ثم أتى مسجد الجماعة، فليصل معهم؛ فإنها تكون له نافلة».
إذاً: هذا تخصيص ثاني، بعد الفجر مكروه الصلاة بعد الفجر.
لذلك العلماء المحققون جاؤوا بقاعدة تجمع الأحاديث الورادة في هذه القضية، قالوا: إن الصلاة المنهي عنها في الأوقات المكروهة، هي النوافل المطلقة، أما النوافل التي لها أسباب فلا تُكره.
جئنا إلى تحية المسجد: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس»، عارض: «لا صلاة بعد الفجر بعد العصر»، هذه المعارضة ما هي قوية؛ لأنه: «لا صلاة» ضَعُف عمومُه بِمُخَصِّصات كثيرة وكثيرة جداً، قلنا مثلاً: لا صلاة بعد الفجر، إلا من فاتته سُنَّة الفجر، بعد الفجر وبعد العصر، إلا من دخل مسجد جماعة، وكان صلى الفريضة هو فليصلِّها معهم تكون له نافلة، إلا. إلا ..
إذاً: يدخل استثناء أخير، وهو: لا صلاة بعد الفجر ولا صلاة بعد العصر إلا تحية المسجد، لماذا؟ لأن الأمر بالتحية ما دخله تقييد ولا دخله تخصيص بهذه القاعدة [يجمع] بين الأحاديث.
(الهدى والنور / ٥٣ / .. : ٤٧: .. )
هل الفرض يغني عن تحية المسجد ركعتين
مداخلة: هل الفرض يغني عن تحية المسجد ركعتين.
الشيخ: نعم، ظننت أن السؤال على غير هذه الصورة.
نقول: الحديث كما لا يخفى على الجميع إن شاء الله، السؤال الذي فهمته من الأخ، رجل دخل المسجد والصلاة قائمة، ولم يُصَلِّ تحية المسجد، فهل تسقط صلاة التحية بدخوله المسجد واقتدائه بالإمام في الفريضة، أليس كذلك؟
стр. 3756
مداخلة: الصورة: إذا رجل ما صلى الفجر، ودخل مسجداً، وابتدأ بصلاة الفريضة، وترك تحية المسجد.
الشيخ: هذا هو السؤال الله يهديك. ما هو الفرق، الفرق أنني صَوَّرته أنه دخل المسجد، ويريد أن يقتدي بالإمام، أنت طَوَّرت السؤال أنه هو الذي يُريد أن يصلي الفريضة، كل الدروب على الطاحون.
السؤال: رجل يُريد أن يصلي فرض الفجر في المسجد، ولا علينا بعد ذلك هل يصلي وراء الإمام أو لوحده، فهل إذا صلى فريضة الفجر تسقط عنه تحية المسجد؟
يتوهم السائل أن المسألة هذه حينما سأجيب خلاف ما يتبادر لذهنه، أنها نقض لما قلته آنفاً، وهو أن واجباً لا يغني عن واجب.
فأنا سأقول في هذه الصورة إن الذي دخل في فريضة الفجر قبل أن يصلي تحية المسجد سقطت عنه تحية المسجد، فقد يتوهم بعض السامعين حينئذٍ أنه قد أغنى واجب عن واجب.
نقول: هذه مسألة تختلف عما سبق، ونحن نريد من إخواننا الذين يستشهدون أن يأتوا بصورة غير هذه الصورة، يجدون فيها واجباً يغني عن واجب، أما هذه الصورة فقد قال ﵊: «إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين».
فهذا الذي صلى فرض الفجر، صدق عليه أنه ما جلس إلا وصلى ركعتين.
ولذلك: فمن كان يرى وجوب تحية المسجد، ثم يقول بأن هذا الواجب يسقط في هذه الصورة، فليس في هذه الصورة نقض للقاعدة السابقة، وهي أن واجباً لا يُغْنِي عن واجب، وإلا سنقول صورة أخرى:
إنسان نذر على نفسه أن يصوم من كل شهرٍ أسبوعاً مثلاً أو يوماً، فَحلّ شهر رمضان، فنوى في صيامه لذاك في رمضان، مع صيام رمضان يوم نذره، هل يُغني صيامه هذا عن الواجبين واجب رمضان وواجب النذر؟
стр. 3757
هذه صورة، والصورة الأخرى وهي أوضح:
إنسان عليه أيام مما مضى من رمضان قضاءً، فينتظر حتى يدخل رمضان التالي، فينوي ويدخل فيه نية في نية، فمن يقول بأن هذا يجزئ، لا بد ولا يغني واجب عن واجب.
تحية المسجد تختلف؛ لأنها مقرونة بعلة عدم الجلوس إلا بعد الصلاة، فهذا الذي صلى فرض الفجر صدق عليه أنه جلس بعد الصلاة.
(الهدى والنور /٣٨٦/ ٤٦: ١٠: ٠٠)
حكم مصافحة من على اليمين واليسار بعد صلاة تحية المسجد ؟
مداخلة: بعد أن يدخل المصلي المسجد يصلي تحية المسجد ما حكم من إذا صافح عن يمينه وعن شماله، يعني: السلام.
الشيخ: في الجمعة؟
مداخلة: لا لا، دخل وأدى تحية المسجد ركعتين وبعد ذلك يصافح عن يمينه وعن شماله.
الشيخ: ما في مانع، لقي المسلم يكفي .. لقي المسلم فيسلم عليه ويصافحه ..
(رحلة النور: ١٩ ب/٠٠: ٢٢: ١٢)
مَن صلَّى تحية المسجد ثم خرج ثم رجع هل يعيد التحية ؟
مداخلة: هنا أكثر من سؤال يا شيخ، والأسئلة عبارة عن أمثلة على قضية واحدة، لمن دخل المسجد وصلى تحية المسجد ثم خرج لحاجة بسيطة، هل يعيد التحية، وفيمن ركب السيارة وقال دعاء الركوب ثم نزل لحاجة بسيطة هل يقول الدعاء مرة ثانية، وفيمن أراد أن ينام فنام وقال الدعاء ثم قام ورجع إلى فراشه.
стр. 3758
الشيخ: لا يظهر التكرار في هذه الأمثلة إلا في قضية التحية، وذلك في حالة واحدة: إذا دخل المسجد وصلى التحية ثم خرج ثم سرعان ما عاد إليه، وإن كان يريد الجلوس فلا بد له من التحية مهما تكرر دخوله وخروجه لوجود الشرط فهو قوله ﵊: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» فكلما كان الدخول والجلوس فلا بد له من التحية، أما إذا دخل ولم يجلس فلا بأس من تركه للتحية، أما الأمثلة الأخرى فلا أجد في السنة ما يؤكد أن يقولها لكل مناسبة ركوب أو ما شابه ذلك من الأمثلة، فقصة حديث التحية تختلف تمامًا عن الأمثلة الأخرى.
(رحلة النور: ٣١ ب/٠٠: ١٨: ٠٤)
стр. 3759
المصليات
стр. 3760
ضابط المسجد والمصلى
مداخلة: ما هو الضابط المسجد؟
الشيخ: هو الذي أوقف للصلاة فيه، فإن أوقف وقفًا للصلوات الخمس فهو مسجد، وإذا أوقف للصلوات الخمس وصلاة الجمعة فهو مسجد جامع.
مداخلة: نحن الآن في جامع نصلي فقط فيه بالكلية صلاة الظهر فقط نقيم فيه، المغرب والعشاء يمكن، في بعض الكليات فقط صلاة الظهر، ويغلق في العطلة أربعة أشهر، هل هذا يعتبر مسجد؟
الشيخ: هذا مصلى.
(لقاءات المدينة لعام ١٤٠٨ هـ (١) /٠٠: ٥١: ١٢)
هل يُصلَّى في مصلى الشركة أم في المسجد ؟
مداخلة: نحن في شركة، يعني يصلوا فيها صلاة الجماعة ونصلي الظهر بعد وقت الصلاة بساعة أو نصف ساعة، فالأفضل أن أُحافظ على الصلاة في وقتها وأصلي لوحدي أو أنتظر الجماعة؟
الشيخ: ما هي الصلاة التي تعنيها؟
مداخلة: الظهر.
الشيخ: الظهر، لا. الأفضل أن تصليها مع الجماعة، ولو أَخَّرتها عن الوقت الأول، لأن الوقت الأول فضيلة، أما الجماعة ففريضة، لكن أنا أنصحك بأن تصلي في المسجد وليس في المصلى.
مداخلة: الشركة بعيدة عن المسجد الكبير، فيها مصلى صغير.
الشيخ: يعني لا تسمع أذان المسجد لبعده؟
стр. 3761
مداخلة: لا نسمعه.
الشيخ: لبعده؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: أو لانشغالك أنت؟
مداخلة: لا، لبعده ما نسمعه.
الشيخ: إذا كان لكل سؤال بارك الله فيك جوابه، إذا كان المسجد بعيداً، بحيث أنك لا تسمعه فأنت معذور حينما تصلي في المصلى، لكن لست معذوراً أن تصلي محل عملك لوحدك، وأنت تعرف أنه ستقام هناك جماعة في المصلى، والرسول ﵇ يقول: «عليكم بالجماعة؛ فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية».
(الهدى والنور/٧١١/ ٤٥: ٥٥: ٠٠) باختصار.
стр. 3762
جامع تراث العلامة الألباني في الفقه
صَنَعَهُ
د. شادي بن محمد بن سالم آل نعمان
المجلد التاسع
[كتاب الجنائز]
стр. 3763
كتاب الجنائز
стр. 3764
باب هدي النبي ﷺ في الجنائز خير هدي
كان هديه ﷺ في الجنائز خير الهدي مخالفا لهدي سائر الأمم، مشتملا على الإحسان للميت، ومعاملته بما ينفعه في قبره، ويوم معاده، وعلى الإحسان إلى أهله وأقاربه، وعلى إقامة عبودية الحي، فيما يعامل به الميت، وكان من هديه في الجنائز، إقامة العبودية للرب تبارك وتعالي على أكمل الاحوال والإحسان إلى الميت، وتجهيزه إلى الله على أحسن أحواله وأفضلها، ووقوفه، ووقوف أصحابه صفوفا يحمدون الله، ويستغفرون له ويسألونه المغفرة والرحمة، والتجاوز عنه، ثم المشي بين يديه إلى أن يودعوه حفرته، ثم يقوم هو وأصحابه بين يديه على قبره، سائلين له التثبيت أحوج ما كان إليه.
ثم يتعاهده بالزيارة إلى قبره، والسلام عليه، والدعاء له، كما يتعاهد الحي صاحبه في دار الدنيا.
فأول ذلك، تعاهده في مرضه وتذكيره الآخرة، وأمره بالوصية والتوبة، وأمر من حضره بتلقينه شهادة أن لا إله إلا الله لتكون آخر كلامه.
ثم النهي عن عادة الامم التي لا تؤمن بالبعث والنشور، من لطم الخدود، وشق الثياب، وحلق الرؤوس، ورفع الصوت بالندب والنياحة وتوابع ذلك.
وسن الخشوع للميت، والبكاء الذي لا صوت معه، وحزن القلب، وكان يفعل ذلك، ويقول: «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب».
وسن لأمته الحمد والاسترجاع، والرضى عن الله، ولم يكن ذلك منافيا لدمع العين، وحزن القلب، ولذلك كان أرضى الخلق في قضائه وأعظمهم له حمدا، وبكى مع ذلك يوم مات ابنه إبراهيم، رأفة منه ورحمة للولد، ورقة عليه، والقلب ممتلى بالرضى عن الله عزوجل وشكره، واللسان مشتغل بذكره وحمده.
[أحكام الجنائز ص ٦ - ٧].
стр. 3765
كثير من الناس اليوم بعيدين كل البعد عن هديه ﷺ في الجنائز
كثير من الناس اليوم بعيدين كل البعد عن هديه ﷺ في العبادات كلها، ومنها «الجنائز» بسبب انصرافهم عن دراسة العلم، ولا سيما علم الحديث والسنة، وانكبابهم على العلوم المادية، والعمل لجمع المال.
[أحكام الجنائز ص ١١].
يجب على المريض أن يرضى بقضاء الله، ويصبر على قدره، ويحسن الظن بربه
على المريض أن يرضى بقضاء الله، ويصبر على قدره، ويحسن الظن بربه، ذلك خير له، قال رسول الله ﷺ : «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له».
وقال ﷺ : «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى».
أحكام الجنائز [١١].
ينبغي على المريض أن يكون بين الخوف والرجاء
وينبغي عليه أن يكون بين الخوف والرجاء، يخاف عقاب الله على ذنوبه، ويرجو رحمة ربه، لحديث أنس: أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو بالموت، «فقال: كيف تجدك؟ قال: والله يارسول الله إني أرجو الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ : لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمنه مما يخاف».
أحكام الجنائز [١١].
حرمة تمني الموت
ومهما اشتد به المرض، فلا يجوز له أن يتمنى الموت، لحديث أم الفضل ﵂: أن رسول الله ﷺ دخل عليهم، وعباس عم رسول الله يشتكي، فتمنى عباس الموت، فقال له رسول الله ﷺ : «يا عم! لا تتمن الموت، فإنك إن كنت محسنا، فأن تؤخر تزداد إحسانا إلى إحسانك خير لك، وإن كنت مسيئا فأن تؤخر فتستعتب من إساءتك خير لك، فلاتتمن الموت».
стр. 3768
«فإن كان لا بد فاعلا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي: وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي».
أحكام الجنائز [١٢]
جواز تمني الموت تدينًا
[قال رسول الله ﷺ ]: «لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه ما به حب لقاء الله ».
[قال الإمام]: ومعنى الحديث أنه لا يتمنى الموت تدينا وتقربا إلى الله وحبا في لقائه وإنما لما نزل به من البلاء والمحن في أمور دنياه. ففيه إشارة إلى جواز تمني الموت تدينا. ولا ينافيه قوله ﷺ : «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ... » لأنه خاص بما إذا كان التمني لأمر دنيوي كما هو ظاهر. قال الحافظ: «ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمر الدين عن جماعة من السلف. قال النووي: لا كراهة في ذلك بل فعله خلائق من السلف منهم عمر ابن الخطاب ... ».
السلسلة الصحيحة (٢/ ١٢١).
وجوب تأدية الحقوق لأصحابها وإلا أوصى بها ووجوب الاستعجال بالوصية
وإذا كان عليه حقوق فليؤدها إلى أصحابها، إن تيسر له ذلك.
وإلا أوصى بذلك، فقد قال ﷺ : «من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه (١) أو ماله، فليؤدها إليه، قبل أن يأتي يوم القيامة لا يقبل فيه دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه، وأعطي صاحبه، وإن لم يكن له عمل صالح، أخذ من سيئات
стр. 3769
صاحبه فحملت عليه».
وقال ﷺ : «أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا دراهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف، هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا، من حسناته، وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار».
رواه مسلم «٨/ ١٨»
وقال ﷺ أيضا: «من مات وعليه دين، فليس ثم دينار ولا درهم، ولكنها الحسنات والسيئات».
وقال جابر بن عبد الله ﵄: «لما حضر أحد، دعاني أبي من الليل، فقال: ما أراني إلا مقتولا في أول من يقتل من أصحاب ﷺ ، وإني لا أترك بعدي أعز علي منك غير نفس رسول الله ﷺ ، وإن على دينا فاقض، واستوص باخوتك خيراً».
فأصبحنا، فكان أول قتيل .. الحديث.
ولا بد من الاستعجال بمثل هذه الوصية لقوله ﷺ : «ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين، وله شئ يريد أن يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه».
قال ابن عمر: «ما مرت عليّ ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك إلا وعندي وصيتي».
أحكام الجنائز [١٢ - ١٣].
وجوب الوصية للأقرباء من غير الورثة
ويجب أن يوصي لأقربائه الذين لا يرثون منه، لقوله ﵎: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ
стр. 3770
حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠].
أحكام الجنائز [١٤]
عدم جواز الزيادة عن الثلث في الوصية
وله أن يوصي بالثلث من ماله، ولا يجوز الزيادة عليه، بل الافضل أن ينقص منه لحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: «كنت مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فمرضت مرضا أشفيت منه على الموت، فعادني رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إن لي مالا كثيرا، وليس يرثني إلا ابنة لي، أفأوصي بثلثي مالي؟ «قال: لا. قال: قلت: بشطر مالي؟ قال: لا. قلت: فثلث مالي؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك يا سعد! أن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» وقال بيده، «إنك يا سعد لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله تعالى إلا أُجرت عليها، حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك».
«قال: فكان بعد الثلث جائزا».
وقال ابن عباس ﵁: «وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع في الوصية، لأن النبي ﷺ قال: الثلث كثير».
أحكام الجنائز [١٤].
الإشهاد على الوصية
ويشهد على ذلك رجلين عدلين مسلمين، فان لم يوجدا فرجلين من غير المسلمين على أن يستوثق منهما عند الشك بشهادتهما حسبما جاء بيانه، في قول الله تبارك تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ
стр. 3771
كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ * فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ * ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦ - ١٠٨].
أحكام الجنائز [١٤ - ١٥].
لا وصية لوارث
وأما الوصية للوالدين والأقربين الذين يرثون من الموصي، فلا تجوز، لأنها منسوخة بآية الميراث، وبين ذلك رسول الله ﷺ أتم البيان في خطبته في حجة الوداع فقال: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث».
أحكام الجنائز [١٥].
حرمة الإضرار في الوصية
ويحرم الإضرار في الوصية، كأن يوصي بحرمان بعض الورثة من حقهم من الإرث، أو يفضل بعضهم على بعض فيه، لقوله ﵎: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ وفي الأخيرة منها: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ﴾.
ولقوله ﷺ : «لا ضرر، من ضار ضاره الله، ومن شاق شاقه الله».
أحكام الجنائز [١٦].
стр. 3772
الوصية الجائرة باطلة مردودة
والوصية الجائرة باطلة مردودة، لقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
ولحديث عمران بن حصين: «أن رجلا أعتق عند موته ستة رجلة فجاء ورثته من الاعراب، فأخبروا رسول الله ﷺ بما صنع، قال: «أو فعل ذلك! ؟ قال: لو علمنا إن شاء الله ما صلينا عليه، قال: فأقرع بينهم فأعتق منهم اثنين، ورد أربعة في الرق».
أحكام الجنائز [١٦ - ١٧].
وجوب الوصية بالتجهيز والدفن على السنة عندما يسود الجهل
ولما كان الغالب على كثير من الناس في هذا الزمان الابتداع في دينهم، ولا سيما فيما يتعلق بالجنائز، كان من الواجب أن يوصي المسلم بأن يجهز ويدفن على السنة، عملا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
ولذلك كان أصحاب رسول الله ﷺ يوصون بذلك، والآثار عنهم بما ذكرنا كثيرة، فلا بأس من الاقتصار على بعضها:
أ - عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أن أباه قال في مرضه الذي مات فيه: «ألحدوا لي لحدا، وانصبوا علي اللبن نصبا، كما صنع برسول الله ﷺ ».
ب - عن أبي بردة قال: «أوصى أبو موسى ﵁ حين حضره الموت قال: إذا انطلقتم بجنازتي فأسرعوا بي المشي، ولا تتبعوني بمجمر، ولا تجعلن على لحدي شيئا يحول بيني وبين التراب، ولا تجعلن على قبري بناء، وأشهدكم أني برئ من كل حالقة، أو سالقة، أو خارقة، قالوا، سمعت فيه شيئا؟ قال: نعم، من رسول
стр. 3773
الله ﷺ ».
ج - عن حذيفة قال: «إذا أنا مت فلا تؤذنوا بي أحدا، فإني أخاف أن يكون نعيا، وإني سمعت رسول الله ﷺ ينهي عن النعي».
ولما سبق قال النووي رحمه الله تعالى في «الاذكار»: «ويستحب له استحبابا مؤكدا أن يوصيهم باجتناب ما جرت العادة به من البدع في الجنائز، ويؤكد العهد بذلك».
أحكام الجنائز [١٧ - ١٨].
مشروعية الوصية عند الوفاة
[قال رسول الله ﷺ ]: «إن نبي الله نوحا ﷺ لما حضرته الوفاة قال لابنه: إني قاص عليك الوصية آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين آمرك بـ «لا إله إلا الله» فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله. وسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق الخلق. وأنهاك عن الشرك والكبر. قال: قلت: أو قيل: يا رسول الله هذا الشرك قد عرفناه فما الكبر؟ - قال -: أن يكون لأحدنا نعلان حسنتان لهما شراكان حسنان؟ قال: لا. قال: هو أن يكون لأحدنا أصحاب يجلسون إليه؟ قال: لا. قيل: يا رسول الله فما الكبر؟ قال: سفه الحق وغمص الناس».
[قال الإمام]: فيه فوائد كثيرة [منها] مشروعية الوصية عند الوفاة.
السلسلة الصحيحة (١/ ١/ ٢٥٩ - ٢٦٠).
مشروعية زيارة المريض غير المسلم بنية الدعوة وما إليها
حديث البراء: «أمرنا رسول الله ﷺ باتباع الجنائز وعيادة المرضى». صحيح.
стр. 3774
تنبيه: استدل المصنف بالحديث على أنه يسن عيادة المريض المسلم, وهو مع كونه مطلقا غير مقيد بالمسلم فقد صح أنه ﷺ عاد غلاما من اليهود كان يخدمه ﷺ , فدعاه إلى الإسلام, وسيأتى فى «الجهاد» رقم «١٢٥٩» , فعيادتهم لهذه الغاية مشروعة, والله أعلم.
[إرواء الغليل تحت حديث رقم (٦٨٥)]
حال الحديث الذي فيه أن الإنسان إذا كان عند الموت قعد عنده شيطانان
مداخلة: هل مر عليك حديث عن الرسول ﵇ فيقول: روي عن النبي ﷺ : «أن العبد إذا كان عند الموت قعد عنده شيطانان، الواحد عن يمينه والآخر عن شماله، فالذي عن يمينه على صفة أبيه فيقول: يا بني! إني كنت عليك شفيقاً ولك محباً، ولكن مت على دين النصرانية فهو خير الأديان، والذي عن شماله على صفة أمه .. ».
الشيخ: يكفيك يكفيك، لا يصح.
مداخلة: لا يصح ذلك.
الشيخ: لا.
مداخلة: يُحْكَى هنا: ذكره «أبو الحسن القادسي» في «شرح رسالة ابن أبي زيد» وذكر معناه «أبو حامد» في كتاب: «كشف علوم الآخرة».
الشيخ: تشرفنا.
مداخلة: الله يبارك فيك، أيضاً يعني: عندما يريد يقبل الواحد عند الموت يحكي لك .. يعني: وهذا أن المُحْتَضَر ليشاهد الملائكة ويراهم، وقد يُسَلِّمون عليه ويرد عليهم تارةً باللفظ وتارةً بالإشارة وتارةً.
стр. 3775
الشيخ: أرح نفسك من هذه الأوهام.
مداخلة: يعني هذا لا يوجد منه.
الشيخ: لا.
مداخلة: هذا كلام.
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: الله يجزيك كل الخير.
الشيخ: الله يحفظك.
مداخلة: الله يبارك فيك، إن شاء الله طمأنت قلوبنا، الله يطمئن قلبك إن شاء الله.
(الهدى والنور /٣٣٧/ ٣٤: ٤٤: ٠٠)
تلقين المحتضر، والدعاء للميت، وعدم التكلم في حضرته إلا بالخير
فإذا حضره الموت، فعلى من عنده أمور:
أ - أن يلقنوه الشهادة، لقوله ﷺ : «لقنوا موتا كم لا إله إلا الله، من كان آخر كلامه لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يوما من الدهر، وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه».
وكان يقول: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة»، وفي حديث آخر: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة».
ب-ج - أن يدعوا له، ولا يقولوا في حضوره إلا خيرا، لحديث أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا حضرتم المريض أو الميت، فقولوا خيرا، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون».
أحكام الجنائز [١٩].
التلقين هو أمر الميت بأن يقول الشهادة لا مجرد ذكرها للميت وتسميعها إياه
وليس التلقين ذكر الشهادة بحضرة الميت وتسميعها إياه، بل هو أمره بأن يقولها خلافا لما يظن البعض، والدليل حديث أنس ﵁:
أن رسول الله ﷺ عاد رجلا من الانصار، «فقال: يا خال! قل: لا إله إلا الله، فقال: أخال أم عم؟ فقال: بل خال، فقال: فخير لي أن أقول: لا إله إلا الله؟ فقال النبي ﷺ : نعم».
أحكام الجنائز [٢٠].
стр. 3778
لم يصح حديث في قراءة يس عند الميت وتوجيهه نحو القبلة
وأما قراءة سورة «يس» عنده، وتو جيهه نحو القبلة فلم يصح فيه حديث، بل كره سعيد بن المسيب توجيهه إليها، وقال: «أليس الميت امرأ مسلما! ؟ » وعن زرعة بن عبد الرحمن أنه شهد سعيد بن المسيب في مرضه وعنده أبو سلمة بن عبد الرحمن فغشي على سعيد، فأمر أبو سلمة أن يحول فراشه إلى الكعبة. فأفاق، فقال: حولتم فراشي! ؟ فقالوا نعم، فنظر إلى أبي سلمة فقال: أراه بعلمك؟ فقال: أنا أمرتهم! فأمر سعيد أن يعاد فراشه.
أحكام الجنائز [٢٠].
جواز حضور المسلم لوفاة الكافر ليعرض الإسلام عليه
ولا بأس في أن يحضر المسلم وفاة الكافر ليعرض الإسلام عليه، رجاء أن يسلم، لحديث أنس ﵁ قال: «كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه، «فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده؟ فقال له أطع أبا القاسم ﷺ فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار، «فلما مات، قال: صلوا على صاحبكم».
أحكام الجنائز [٢١].
إغماض الميت والدعاء له
فإذا قضى وأسلم الروح، فعليهم عدة أشياء:
أ، ب - أن يغمضوا عينيه، ويدعوا له أيضا لحديث أم سلمة قالت: «دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة، وقد شُقّ بصره، فأغمضه ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضج ناس من أهله فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فان الملائكة يؤمّنون على ما تقولون، ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونور له فيه».
ج - أن يغطوه بثوب يستر جميع بدنه لحديث عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ حين توفي سجي ببردة حبرة».
د - وهذا في غير من مات محرما، فأما المحرم، فإنه لا يُغطَّى رأسه ووجهه لحديث ابن عباس قال: «بينما رجل واقف بعرفة، إذ وقع عن راحلته فوقصته، أو قال: فأقعصته، فقال النبي ﷺ : «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين» وفي رواية: «في ثوبيه ولا تحنطوه» وفي رواية: «ولا تطيبوه»، «ولا تخمروا رأسه ولا وجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا».
هـ - أن يعجلوا بتجهيزه وإخراجه إذا بان موته، لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «أسرعوا بالجنازة .. ».
و- أن يدفنوه في البلد الذي مات فيه، ولا ينقلوه إلى غيره، لأنه ينافي الإسراع المأمور به في حديث أبي هريرة المتقدم، ونحوه حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: «لما كان يوم أحد، حمل القتلى ليُدْفَنوا بالبقيع، فنادى منادي رسول الله ﷺ : إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم - بعدما حملت أمي أبي وخالي عديلين «وفي رواية: عادلتهما» «على ناضح» لتدفنهم في البقيع - فرُدُّوا «وفي رواية قال: فرجعناهما مع القتلى حيث قتلت».
стр. 3781
ولذلك قالت عائشة لما مات أخ لها بوادي الحبشة فحمل من مكانه:
«ما أجد في نفسي، أو يحزني في نفسي إلا أني وددت أنه كان دفن في مكانه».
وقال النووي في الأذكار: وإذا أوصى أن ينقل إلى بلد آخر لا تنفذ وصيته، فإن النقل حرام على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون، وصرح به المحققون.
ز - أن يبادر بعضهم لقضاء دينه من ماله، ولو أتى عليه كله، فإن لم يكن له مال فعلى الدولة أن تؤدي عنه إن كان جهد في قضائه، فإن لم تفعل، وتطوع بذلك بعضهم جاز، وفي ذلك أحاديث:
الأول: عن سعد بن الأطول ﵁: «أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالا، قال: فأردت أن أنفقها على عياله، قال: فقال لي النبي ﷺ : «إن أخاك محبوس بدينه «فاذهب» فاقض عنه» «فذهبت فقضيت عنه، ثم جئت» قلت: يارسول الله، قد قضيت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة، وليست لها بينة، قال أعطها فإنها محقة، «وفي رواية: صادقة».
الثاني: عن سمرة بن جندب.
«أن النبي ﷺ صلى على جنازة «وفي رواية: صلى الصبح» فلما انصرف قال: أههنا من آل فلان أحد؟ «ثلاثا لا بحيبه أحد»، «فقال رجل: هو ذا»، قال: فقام رجل يجر إزاره من مؤخر الناس «فقال له النبي ﷺ : «ما منعك في المرتين الأولين أن تكون أجبتني؟ أما إني لم أفوه باسمك إلا لخير، إن فلانا - لرجل منهم - مأسور بدينه عن الجنة، فان شئتم فافدوه، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله، فلو رأيت أهله ومن يتحرَّون أمره قاموا فقضوا عنه، حتى ما أحد يطلبه بشئ».
الثالث عن جابر بن عبد الله قال: «مات رجل، فغسلناه وكفناه وحنطناه، ووضعناه لرسول الله ﷺ حيث توضع الجنائز، عند مقام جبريل، ثم آذنا رسول الله ﷺ بالصلاة عليه، فجاء معنا، «فتخطى» خُطًى، ثم قال «لعل على صاحبكم
стр. 3782
دينا؟ قالوا نعم ديناران، فتخلف، «قال: صلوا على صاحبكم»، فقال له رجل منا يقال له إبو قتادة: يا رسول الله هما علي، فجعل رسول الله ﷺ يقول: هما عليك وفي مالك، والميت منهما برئ؟ فقال: نعم، فصلى عليه فجعل رسول الله ﷺ إذا لقي إبا قتادة يقول: «وفي رواية ثم لقيه من الغد فقال: » ما صنعت الديناران؟ «قال: يارسول الله إنما مات أمس» حتى كان آخر ذلك «وفي الرواية الاخرى: ثم لقيه من الغد فقال: ما فعل الديناران؟ » قال: قد فضيتهما يا رسول الله، قال: «الآن حين بردت عليه جلده».
تنبيهان:
١ - أفاد هذا الحديث أن قضاء أبي قتادة للدين كان بعد صلاة النبي ﷺ على الميت.
وهذا مُشكل، فقد صح عن أبي قتادة نفسه أنه قضاه قبل الصلاة كما سيأتي ذكره في المسألة «٥٥» فقرة «و»، فان لم تحمل القصة على التعدد فرواية أبي قتادة أصح من حديث جابر، لأن فيه عبد الله بن محمد عقيل، وفيه كلام، وهو حسن الحديث فيما لم يخالف فيه، وأما مع المخالفة فليس بحجة، والله أعلم.
٢ - أفادت هذه الاحاديث أن الميت ينتفع بقضاء الدين عنه، وولو كان من غير ولده، وأن القضاء يرفع العذاب عنه، فهي من جملة المخصصات لعموم قوله ﵎: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] ولقوله ﷺ : «إذا مات الانسان انقطع عمله إلا من ثلاث .. » الحديث رواه مسلم والبخاري في الأدب المفرد وأحمد.
ولكن القضاء عنه شئ والتصدق عنه شئ آخر، فانه أخص من التصدق، وإلا فالأحاديث التي وردت في التصدق عنه، إنما موردها في صدقة الولد عن الوالدين، وهو من كسبهما بنص الحديث، فلا يجوز قياس الغريب عليهما، لأنه قياس مع الفارق مع الفارق كما هو ظاهر، ولا قياس الصدقة على القضاء، لأنها أعم منه كما ذكرنا.
стр. 3783
الحديث الرابع: عن جابر أيضا.
أن أباه استشهد يوم أحد، وترك ست بنات، وترك عليه دينًا «ثلاثين وسقا»، «فاشتد الغرماء في حقوقهم»، فلما حضره جداد النخل، أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يارسول الله قد علمت أن والدي استشهد يوم أحد وترك عليه دينا كثيرا، وإني أحب أن يراك الغرماء، قال: اذهب فبيدر كل تمر على حِدَة، ففعلت، ثم دعوت، «فغدا علينا حين أصبح»، فلما نظرو إليه أغروا بي تلك الساعة، فلما رأى ما يصنعون أطاف حول أعظمها بيدرا ثلاثا «ودعا في ثمرها بالبركة»، ثم جلس عليه، ثم قال:
ادع أصحابك، فما زال يكيل لهم، حتى أدى الله أمانة والدي، وأنا والله راض أن يؤدي الله أمانة والدي، ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة، فسلمت والله البيادر كلها حتى اني أنظر إلى البيدر الذي عليه رسول الله ﷺ كأنه لم ينقص تمرة واحدة، «فوافيت مع رسول الله ﷺ المغرب، فذكرت ذلك له فضحك، فقال: ائت أبا بكر وعمر فأخبرهما، فقالا: لقد علمنا إذ صنع رسول الله ﷺ ما صنع أن سيكون ذلك».
الخامس عنه أيضا قال: «كان رسول الله صلى عليه وسلم يقوم فيخطب، فيحمد الله، ويثني عليه بما هو أهل له، ويقول: «من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، إن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وكان إذا ذكر الساعة احمرت عيناه، وعلا صوته واشتد غضبه، كأنه منذر جيش يقول: «صَبَّحّكم ومَسّاكم، من ترك مالا فلورثته، ومن ترك ضياعا أو دينا فعلي، وإلي، وأنا
أولى بالمؤمنين» وفي رواية: «بكل مؤمن من نفسه».
السادس: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من حمل من أمتي دينا، ثم جَهِد في قضائه فمات ولم يقضه فأنا وليه».
أحكام الجنائز [٢٥ - ٣٠].
стр. 3784
مشروعية تلقين المحتضر شهادة التوحيد
[قال رسول الله ﷺ ]: «أكثروا من شهادة أن لا إله إلا الله، قبل أن يحال بينكم وبينها ولقنوها موتاكم».
[قال الإمام]: فيه مشروعية تلقين المحتضر شهادة التوحيد، رجاء أن يقولها فيفلح. والمراد بـ «موتاكم» من حضره الموت، لأنه لا يزال في دار التكليف، ومن الممكن أن يستفيد من تلقينه فيتذكر الشهادة ويقولها، فيكون من أهل الجنة. وأما تلقينه بعد الموت، فمع أنه بدعة لم ترد في السنة فلا فائدة منه لأنه خرج من دار التكليف إلى دار الجزاء، ولأنه غير قابل للتذكر، «لتنذر من كان حيا». وصورة التلقين أن يؤمر بالشهادة، وما يذكر في بعض الكتب أنها تذكر عنده ولا يؤمر بها خلاف سنه النبي ﷺ كما حققته في «كتاب الجنائز» «ص ١٠ - ١١» فراجعه.
السلسلة الصحيحة (١/ ٢/ ٨٣٦ - ٨٣٨).
فتح المسجل بالقرآن عند المحتضر
السائل: في الوفاة، في بعضهم يضع القرآن ليقرأ في المسجل، ما رأيكم في ذلك؟
الشيخ: قراءة القرآن على الموتى للقارئ الحي أو من مسجلة ... ، كلاهما لا يُشْرَع في دين الإسلام، وعلى من أُصيب بميت أن يتلقى ذلك بالرضى والقبول، وبصبر جميل، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]، ومن ذلك أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.
وكلما استحضر عظمة المصيبة كَرَّر هذه العبارة الجميلة: إنا لله وإنا إليه راجعون، ويُكثرون من الدعاء للمتوفى، ... ولكن الابن والبنت للمتوفى لهما أن
стр. 3785
يقرءا من القرآن ما شاء لروح المتوفى، سوء كان أباً أو كان أماً، أما الآخرين فلا يقرؤوا القرآن على هذا المتوفى، وإنما لهم الدعاء: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠]، هكذا ينبغي أن يكون موقف المصاب بمثل هذا المصاب، ونسأل الله للميت الرحمة.
(الهدى والنور/ ٩/ ٤٨: ٣٧: .. )
عدم مشروعية تلقين الميت
حديث: «أبى أمامة فى التلقين». رواه أبو بكر عبد العزيز في «الشافى». ضعيف.
[تكلم الإمام على ضعف الحديث ثم قال]:
«وقال الأثرم: قلت: لأحمد: هذا الذى يصنعونه إذا دفن الميت يقف الرجل ويقول: يا فلان ابن فلانة؟ قال: ما رأيت أحدا يفعله إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة, يروى فيه عن أبى بكر بن أبى مريم عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلونه, وكان إسماعيل بن عياش يرويه, يشير إلى حديث أبى أمامة».
وليت شعرى كيف يمكن أن يكون مثل هذا الحديث صالحا ثابتا, ولا أحد من السلف الأول يعمل به؟ !
[إرواء الغليل تحت حديث رقم (٧٥٣)]
التلقين الشرعي للميت والتلقين البدعي
الشيخ: التلقين: تلقينان: مشروع وغير مشروع، التلقين المشروع: عند احتضار الميت للموت يكون مريضاً لكن لا يزال يسمع ويرى ويبصر ... هذا التلقين جائز شرعاً، لكن إذا مات الميت ووضع في القبر هذا التلقين هنا غير جائز، ذاك التلقين سنة وهذا التلقين الثاني: بدعة.
أولا: بالنسبة للتلقين المشروع، جاء قوله ﵇: «لقنوا موتاكم: لا إله