رفع الصوت بالذكر أمام الجنازة بدعة
ويلحق [بما يخالف الشريعة في الجنائز] رفع الصوت بالذكر أمام الجنازة، لأنه بدعة، ولقول قيس ابن عباد: «كان أصحاب النبي ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الجنائز».
ولأن فيه تشبُّها بالنصارى، فإنهم يرفعون أصواتهم بشئ من أنا جيلهم وأذكارهم مع التمطيط والتلحين والتحزين.
وأقبح من ذلك تشييعها بالعزف على الآلات الموسيقية أمامها عزفا حزينا، كما يُفعل في بعض البلاد الاسلامية تقليدا للكفار. والله المستعان.
قال النووي رحمه الله تعالى في «الأذكار» «ص ٢٠٣»: «واعلم أن الصواب والمختار وما كان عليه السلف ﵃ السكوت في حال السير مع الجنازة، فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك».
والحكمة فيه ظاهرة، وهي أنه أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة، وهو المطلوب في هذا الحال، فهذا هو الحق، ولا تغتر بكثرة من يخالفه، فقد قال أبو علي الفضيل بن عياض ﵁ ما معناه: «إلزم طرق الهدي ولا يضرّك قلة السالكين، وإياك وطُرُق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين».
وقد روينا في سنن البيهقي ما يقتضي ما قلته «يشير إلى قول فيس بن عباد».
وأما ما يفعله الجهلة من القراءة على الجنازة بدمشق وغير ها من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن مواضعه فحرام بإجماع العلماء، وقد أو ضحت قبحه وغلظ تحريمه وفسق من تمكن من إنكاره فلم ينكره في كتاب «آداب القراءة» والله المستعان.
قلت: يشير إلى كتابه: التبيان في آداب حملة القرآن، فانظره.
أحكام الجنائز [٩٢].
стр. 3852
بدعية التكبير والتهليل جهرًا قدام الجنازة
[تكلم الإمام على كتاب لأحد مشايخ شمال سوريا اسمه «تعاليم الإسلام» وعلى ما فيه من غرائب وآراء باطلة وذكر من أمثلة ذلك أنه]:
قال «ص ٢٥٢ - ٢٥٣»: لا بأس بالتهليل والتكبير والصلاة على النبي ﷺ يعني جهرا قدام الجنازة، لأنه صار شعارا للميت، وفي تركه ازدراء به، وتعرض للتكلم فيه وفي ورثته، ولوقيل بوجوبه لم يبعد! وهذا مع كونه من البدع المحدثة التي لا أصل لها في السنة فلم يقل بها أحد من الأئمة أيضا.
السلسلة الضعيفة (١/ ٦٠٦).
وجوب الإسراع بالجنازة
- ويجب الإسراع في السير بها، سيرًا دون الرَّمْل، وفي ذلك أحاديث:
الأول: «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدِّمونها، وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم».
الثاني: «إذا وضعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدّموني «قدموني»، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين يذهبون بها! ؟ يسمع صوتَها كل شئ إلا الإنسان، ولو سمعه «لـ» صعق».
الثالث: عن عبد الرحمن بن جوشن قال: «كنت في جنازة عبد الرحمن بن سمرة، فجعل زياد ورجال من مواليه يمشون على أعقابهم أمام السرير، ثم يقولون: رويدا بارك الله فيكم: فلحقهم أبو بكرة في بعض سكك المدينة فحمل عليهم بالبغلة، وشد عليهم بالسوط، وقال: خلوا! والذي أكرم وجه أبي القاسم ﷺ لقد رأيتنا على عهد رسول الله ﷺ لنكاد أن نرمل بها رملا».
وقال النووي في المجموع «٥/ ٢٧١»: «واتفق العلماء على استحباب الإسراع
стр. 3853
بالجنازة إلا أن يخاف من الإسراع انفجار الميت أو تغيره ونحوه فيتأني».
قلت: ظاهر الأمر الوجوب، وبه قال ابن حزم «٥/ ١٥٤ - ١٥٥»، ولم نجد دليلا يصرفه إلى الاستحباب، فوقفنا عنده. وقال ابن القيم في «زاد المعاد»:
«وأما دبيب الناس اليوم خطوة خطوة فبدعة مكروهة، مخالفة للسنة، ومتضمنة للتشبه بأهل الكتاب اليهود».
أحكام الجنائز [٩٣].
الأمر بالإسراع بالجنازة
[روي عن النبي ﷺ أنه قال]:
«لتكن عليكم السكينة. «وفي رواية: » عليكم بالقصد في المشي بجنائزكم». ضعيف
[قال الإمام]:
ثم إن الحديث مخالف بظاهره للأحاديث الآمرة بالإسراع بالجنازة؛ كقوله ﷺ : «أسرعوا بالجنازة ... »، وهي مذكورة في كتابي «أحكام الجنائز وبدعها» «٧١ - ٧٢».
السلسلة الضعيفة (٨/ ٣٥٥).
جواز المشي أمام الجنازة وعن يمينها ويسارها، على أن يكون قريبا منها، إلا الراكب فيسير خلفها
- ويجوز المشي أمامها وخلفها، وعن يمينها ويسارها، على أن يكون قريبا منها، إلا الراكب فيسير خلفها، لقوله ﷺ : «الراكب «يسير» خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، «خلفها وأمامها، وعن يمينها، وعن يسارها، قريبا منها»، والطفل
стр. 3854
يصلى عليه، «ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة».
- وكل من المشي أمامها وخلفها، ثبت عن رسول الله ﷺ فعلا، كما قال أنس بن مالك ﵁: «إن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة وخلفها».
أحكام الجنائز. [٩٥].
المشي خلف الجنازة أفضل
- لكن الأفضل المشي خلفها، لأنه مقتضى قوله ﷺ : «واتبعو الجنائز»، وما في معناه.
ويؤيِّده قول علي ﵁: «المشي خلفها أفضل من المشي أمامها، كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته فذا».
تنبيه: قال الشوكاني عقب كلمته السابقة:
«وحكى في البحر عن الثوري أنه قال: الراكب يمشي خلفها، والماشي أمامها. ويدل لما قاله حديث المغير ة المتقدم أن النبي ﷺ قال: «الراكب خلف الجنازة، والماشي أما مها قريبا منها عن يمينها أو عن يسارها». أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان والحاكم، وهذا مذهب قوي ... ».
قلت: كلا فإن الحديث بهذا اللفظ رواه أحمد من طريق المبارك بن فضالة، وفيه ضعف وقد زاد غيره فقال: «خلفها وأمامها ... » كما تقدمت الاشارة إليها، وقد رواها المبارك أيضا عند الطيالسي، فوجب الأخذ بها، وهي نص في التخيير لا في تفضيل التقدم عليها، ومن الغريب أن هذه الزيادة ذكرها صاحب المنتقى في المكان الذي أشار إليه الشوكاني نفسه بقوله آنفا «المتقدم» ثم هو ذهل عنها.
أحكام الجنائز [٩٦].
стр. 3855
الراكب يسير وراء الجنازة
ويجوز الركوب بشرط أن يسير وراء ها لقوله ﷺ : «الراكب يسير خلف الجنازة .. ».
لكن الافضل المشي، لأنه المعهود عنه ﷺ ، ولم يرد أنه ركب معها، بل قال ثوبان ﵁: «إن رسول الله ﷺ أتي بدابة وهو مع الجنازة فأبى أن يركبها، فلما انصرف أتي بدابة فركب، فقيل له؟ فقال: إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لأركب وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبت».
أحكام الجنائز [٩٦].
الركوب بعد الانصراف من الجنازة جائز بلا كراهة
- وأما الركوب بعد الانصراف عنها فجائز، بدون كراهة لحديث ثوبان المذكور آنفا، ومثله حديث جابر بن سمرة ﵁ قال: «صلى رسول الله ﷺ على ابن الدحداح «ونحن شهود»، «وفي رواية: خرج على جنازة ابن الدحداح «ماشيا»، ثم أتي بفرس عري، فعقله رجل فر كبه «حين انصراف»، فجعل يتوقص به، ونحن نتبعه نسعى خلفه، «وفي رواية: حوله» قال: فقال رجل من القوم: إن النبي ﷺ قال: «كم من عذق معلق أو مدلى في الجنة لابن الدحداح».
قوله: «حين انصرف»: هي نص في أنه ﷺ ركب انصرافه من الجنازة، وقد خفي هذا على أبي الطيب صديق حسن خان فاستدل في «الروضة» «١/ ١٧٣» على أن المشبع للجنازة مخير بين أن يمشي أمامها أو خلفها بهذا الحديث فقال: إن الصحابة كانوا يمشون حول جنازة ابن الدحداح! وهذا خطأ من وجهين: الأول: أنه ليس في الحديث ما ذكره، بل هو صريح في أنهم كانوا يمشون حول النبي ﷺ ، ولا تلازم بين الأمرين كما هو ظاهر.
الثاني: أن ذلك كاف عند الانصراف من الجنازة كما سبق، ولعل سبب الوهم
стр. 3856
رواية عمربن موسى بن الوجيه عن سماك به بلفظ: «رأيت رسول الله ﷺ مع جنازة ثابت بن الدحداح على فرس أغر محجّل تحته، ليس عليه سرج، مع الناس وهم حوله قال: فنزل رسول الله ﷺ فصلى عليه ثم جلس حتى فرغ منه، ثم قام فقعد على فرسه ثم انطلق يسير حوله الرجال».
أخرجه أحمد «٥/ ٩٩»، فهذا صريح في الركوب أثناء تشييعها أيضا، ولكنه بهذا السياق باطل لأن عمر ابن موسى هذا كان يضع الحديث فلا يحتج به عند الموافقة فكيف عند المخالفة!
أحكام الجنائز [٩٧].
لا يشرع حمل الجنازة على عربة أو سيارة مخصصة للجنائز، وتشييع المشيعين لها وهم في السيارات
- وأما حمل الجنازة على عربة أو سيارة مخصصة للجنائز، وتشييع المشيعين لها وهم في السيارات، فهذه الصورة لا تشرع البتة، وذلك لأمور:
الأول: أنها من عادات الكفار، وقد تقرر في الشريعة أنه لا يجوز تقليدهم فيها.
وفي ذلك أحاديث كثيرة جدا، كنت أستوعبتها وخرجتها في كتابي «حجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة»، بعضها في الأمر والحض على مخالفتهم في عباداتهم وأزيائهم وعاداتهم، وبعضها من فعله ﷺ في مخالفتهم في ذلك، فمن شاء الاطلاع عليها فليرجع إليه.
الثاني: أنها بدعة في عبادة، مع معارضتها للسنة العملية في حمل الجنازة، وكل ماكان كذلك من المحدثات، فهو ضلالة اتفاقا.
الثالث: أنها تفوت الغاية من حملها وتشييعها، وهي تَذَكُّر الآخرة، كما نص على
ذلك رسول الله ﷺ في الحديث المتقدم في أول هذا الفصل بلفظ: « ... واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة».
стр. 3857
أقول: إن تشييعها على تلك الصورة مما يفوِّت على الناس هذه الغاية الشريفة تفويتا كاملا أو دون ذلك، فإنه ممالا يخفى على البصير أن حمل الميت على الاعناق، ورؤية المشيعين لها وهي على رؤوسهم، أبلغ في تحقيق التذكر والاتعاظ من تشييعها على الصورة المذكورة، ولا أكون مبالغا إذا قلت: إن الذي حمل الاوربيين عليها إنما هو خوفهم من الموت وكل ما يذكر به، بسبب تغلب المادة عليهم، وكفرهم بالآخرة!
الرابع: أنها سبب قوي لتقليل المشيعين لها والراغبين في الحصول على الأجر الذي سبق ذكره في المسألة «٤٥» من هذا الفصل، ذلك لأنه لايستطيع كل أحد أن يستأجر سيارة ليشيعها.
الخامس: أن هذه الصورة لا تتفق من قريب ولامن بعيد مع ما عرف عن الشريعة المطهرة السمحة من البعد عن الشكليات والرسميات، لا سيما في مثل هذا الأمر الخطير: الموت! والحق أقول: إنه لو لم يكن في هذه البدعة إلا هذه المخالفة، لكفى ذلك في ردها فكيف إذا انضم إليها ما سبق بيانُه من المخالفات والمفاسد وغير ذلك مما لا أذكره!
أحكام الجنائز [٩٩].
القيام للجنازة منسوخ
والقيام لها منسوخ، وهو على نوعين:
أ - قيام الجالس إذا مرت به.
ب - وقيام المشيِّع لها عند انتهائها إلى القبر حتى توضع على الأرض.
والدليل على ذلك حديث علي ﵁، وله ألفاظ:
الأول: «قام رسول الله ﷺ للجنازة فقمنا، ثم جلس فجلسنا».
الثاني: «كان يقوم في الجنائز، ثم جلس بعد».
стр. 3858
الثالث: من طريق واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال: «شهدت جنازة في بني سلمة، فقمت، فقال لي نافع بن جبير: اجلس فإني سأخبرك في هذا بثبت، ثنى مسعود بن الحكم الزرقي أنه سمع علي بن أبي طالب ﵁ برحبة الكوفة وهو يقول: «كان رسول الله ﷺ أمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس».
الرابع: «قام رسول الله ﷺ مع الجنائز حتى توضع، وقام الناس معه، ثم قعد بعد ذلك، وأمر هم بالقعود».
الخامس: من طريق اسماعيل بن مسعود بن الحكم الزرقي عن أبيه قال: «شهدت جنازة بالعراق، فرأيت رجالا قياما ينتظرون أن توضع، ورأيت علي ابن أبي طالب ﵁ يشير إليهم أن اجلسوا، فإن النبي ﷺ قد أمرنا بالجلوس بعد القيام».
قلت: هذا اللفظ والذي قبله صريحان في أن القيام لها حتى توضع داخل في النهي، وأنه منسوخ، فقول صديق حسن خان في «الروضة» «١/ ١٧٦» بعد أن قرر منسوخية القيام لها إذا مرت: «وأما قيام الناس خلفها حتى توضع على الارض فمحكم لم ينسخ». فهذا خطأ بين، لمخالفته لما ذكرنا من اللفظين، والظاهر أنه لم يقف عليهما.
أحكام الجنائز [١٠٠].
حديث القيام على الجنازة منسوخ
«مرت جنازة على رسول الله ﷺ فقام لها واقفاً، فقيل له: يا رسول الله إنها جنازة يهودي، فقال: أليست نفساً؟ » البخاري.
стр. 3859
(فائدة): هذا الحديث منسوخ بأحاديث صحيحة صريحة في النسخ، ذكرت بعضها في كتابي «احكام الجنائز وبدعها».
(غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام) (ص ٢١٩)
السنة ألا يقعد من اتبع الجنازة حتى توضع عن مناكب الرجال
[قال رسول الله ﷺ ]: «إذا تَبعتُم جنازةً؛ فلا تجلسُوا حتَّى توضَعَ [في الأرض]».
[قال الإمام]:
ومفهوم هذا- وكذا حديث الترجمة-: أنه يقعد بعد وضعها على الأرض، وبه ترجم البخاري للحديث، فقال: «باب: من تبع جنازة؛ فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال، فإن قعد أمر بالقيام». وأخرج الشيخان، وغيرهما من حديث عامر بن ربيعة مرفوعاً نحو حديث الترجمة.
السلسلة الصحيحة (٧/ ٣/١٦٩٦).
تَكَلُّم الجنازة
من طريق الزهري: أخبرني ابن أبي نملة عن أبيه قال: كنت عند النبي ﷺ إذ دخل عليه رجل من اليهود فقال: يا محمد أتكلم هذه الجنازة؟ فقال النبي ﷺ : الله أعلم، فقال اليهودي: أنا أشهد أنها تكلم، فقال النبي ﷺ : «ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان حقا لم تكذبوهم وإن كان باطلا لم تصدقوهم».
[قال الإمام]:
وتكلم الجنازة مما ينبغي أن يصدق به لثبوت ذلك في بعض الأحاديث الصحيحة، كقوله ﷺ : «إذا وضعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن
стр. 3860
كانت صالحة قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين يذهبون بها؟ ! يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه لصعق». أخرجه البخاري وغيره، وهو مخرج في «أحكام الجنائز» «ص ٧٢». فقوله ﷺ جوابا عن سؤال اليهودي: «الله أعلم»، الظاهر أنه كان قبل أن يوحى إليه بهذا الحديث الصحيح الصريح في تكلم الجنازة وبصوت. والله أعلم. ثم إن الحديث في «صحيح البخاري» من حديث أبي هريرة مرفوعا دون قوله: «فإن كان حقا .. » إلخ، وقد مضى برقم «٤٢٢».
السلسلة الصحيحة (٦/ ١/ ٧١٤).
استحباب الوضوء لمن حمل الجنازة
- ويستحب لمن حملها أن يتوضأ، لقوله ﷺ : «من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ».
أحكام الجنائز [١٠٢].
هل يُسأل عن حال الميت قبل اتباع جنازته ؟
الملقي: في قضية ما دام في كلام في الجنائز وما يتعلق في الجنائز، فإذا كنت يعني قريب من جنازة، أو كنت صليت في مسجد وكان هناك جنازة، وأحببت أن تتبع هذه الجنازة أو تتبعها وتأخذ الأجر -إن شاء الله-، فهل لك حق شرعي، أو يعني لك الحق أن تسأل هل هذا الميت مات على الإسلام مات على الشرك؟ أو أنه يعني مات على غير ملة الإسلام؟
الشيخ: لا.
الملقي: أو .. تتبع وتأخذ بالظاهر.
الشيخ: الظاهر بس.
стр. 3861
الملقي: جزاكم الله خيراً.
الشيخ: لكني السؤال أو للجواب على السؤال تتمة، هذا الجواب هو الأصل، لكن قد يعرض لكثير من الأصول والقواعد ما يأخذ بها خطاً آخر، من باب يعني التقييد أو التخصيص.
فأنا أُصَوِّر لك صورة الآن: زيد من الناس رأى جنازة خرجت من المسجد أو دخلت إلى المسجد، فهو يُريد أن يصلي عليها، أو أن يشيعها، والمعرفة التي يعرفها عنه قد تحول بينه وبين الصلاة عليه، فهنا في مثل هذه الصورة، قد يكون له الحق أن يسأل من يظن أنه من العارفين بهذا الميت، هل مثلاً حسن حاله هل تاب هل آب هل رجع إلى آخره، مثل هذه الصورة وقد يكون لها صور أخرى ممكن أن يقال: يسأل، أما القاعدة فلا يسأل؛ لأنه الأحكام تمشي على الظاهر كما ذكرنا أكثر من مرة، واضح هذا؟
الملقي: -بارك الله فيكم- يا شيخ.
الشيخ: وفيكم بارك.
(الهدى والنور / ٥٤٧/ ١١: ٤٧: ٠٠)
نسخ الأمر بالقيام للجنازة حتى توضع
[قال صديق خان]:
قيام الماشي خلف الجنازة حتى توضع على الأرض: محكم لم ينسخ.
[فعلق الألباني]:
بل هو منسوخ أيضا؛ بما أخرجه الطحاوي من طريق إسماعيل بن مسعود بن الحكم الزرقي، عن أبيه، قال: شهدت جنازة بالعراق، فرأيت رجالا قياما ينتظرون أن توضع، ورأيت علي بن أبي طالب ﵁ يشير إليهم؛ أن اجلسوا؛ فإن النبي [ ﷺ ] قد أمرنا بالجلوس بعد القيام، وسنده حسن، كما ذكرت في
стр. 3862
«التعليقات الجياد» «٣/ ٣٠ - ٣١». وقد ذهب إلى هذا الشافعي وأصحابه، كما ذكره النووي، ونقلت كلامه هناك؛ فراجعه.
التعليقات الرضية (١/ ٤٦٣)
صلاة الجنازة فرض كفاية
- والصلاة على الميت المسلم فرض كفاية، لأمره ﷺ بها في أحاديث أذكر منها حديث زيد بن خالد الجهني:
«أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ توفي يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «صلُّوا على صاحبكم»، فتغيَّرت وجوه الناس لذلك، فقال: «إن صاحبكم غل في سبيل الله»، ففتشنا متاعه فوجدنا خرزا من خرز اليهود لا يساوي درهمين! ».
أحكام الجنائز [١٠٣].
من يُستثنى من وجوب صلاة الجنازة
- ويستثنى من ذلك شخصان فلا تجب الصلاة عليهما:
الأول: الطفل الذي لم يبلغ، لان النبي ﷺ لم يصل على ابنه ابراهيم ﵇، قالت عائشة ﵂:
«مات ابراهيم بن النبي ﷺ وهو ابن ثمانية عشر شهرا، فلم يصل عليه رسول الله ﷺ ».
الثاني: الشهيد، لأن النبي ﷺ لم يصل على شهداء أحد وغيرهم، وفي ذلك ثلاثة أحاديث سبق ذكرها في المسألة «٣٢»، «ص ٢٥».
ولكن ذلك لا ينفي مشروعية الصلاة عليهما بدون وجوب كما يأتي من الأحاديث.
أحكام الجنائز [١٠٣].
стр. 3865
ممن تُشرع الصلاة عليهم ولا تجب: (الطفل)
- وتشرع الصلاة على من يأتي ذكرهم:
الأول: الطفل، ولو كان سقطا «وهو الذي يسقط من بطن أمه قبل تمامه» وفي ذلك حديثان:
١ - « ... والطفل «وفي رواية: السقط» يصلى عليه، ويُدْعَى لوالديه بالمغفرة والرحمة».
٢ - عن عائشة ﵂ قالت: «أتي رسول الله ﷺ بصبي من صبيان الأنصار، فصلى عليه، قالت عائشة: فقلت: طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل سوء، ولم يدركه، قال: أو غير ذلك يا عائشة؟ خلق الله عزوجل الجنة، وخلق لها أهلاً، وخلقهم، في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلا، وخلقهم في أصلاب آبائهم».
قال النووي رحمه الله تعالى: «أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة، والجواب عن هذا الحديث أنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل، أو قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة».
وأجاب السندي في حاشيته على النسائي بجواب آخر خلاصته: أنه إنما أنكر عليها الجزم بالجنة لطفل معين. قال: ولا يصح الجزم في مخصوص لأن إيمان الأبوين تحقيقا غيب، وهو المناط عند الله تعالى.
والظاهر أن السقط إنما يُصلى عليه إذا كان قد نفخت فيه الروح، وذلك إذا استكمل أربعة أشهر، ثم مات، فأما إذا سقط قبل ذلك فلا، لأنه ليس بميت كما لا يخفى.
وأصل ذلك حديث عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعًا: «إن خلق
стр. 3866
أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة، ثم يبعث إليه ملكًا .. ينفخ فيه الروح» متفق عليه.
واشترط بعضهم أن يسقط حيًّا لحديث: «إذا استهل السقط صُلِّى عليه وورث» ولكنه حديث ضعيف لا يُحتج به، كما بينه العلماء.
أحكام الجنائز [١٠٤].
ممن تُشرع الصلاة عليهم ولا تجب: (الشهيد)
الثاني: الشهيد، وفيه إحاديث كثيرة، أكتفي بذكر بعضها
١ - عن شداد بن الهاد:
«أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي ﷺ آمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك .. فلبثوا قليلا، ثم نهضوا في قتال العدو، فأُتي به النبي ﷺ » .. ثم كفنه النبي ﷺ في جبته، ثم قدمه فصلى عليه .. ».
٢ - عن عبد الله الزبير: «أن رسول الله صلى اله عليه وسلم أمر يوم أحد بحمزة فَسُجِّي ببردة، ثم صلى عليه فكبر تسع تكبيرات، ثم أتي بالقتلى يصفون، ويصلي عليهم. وعليه معهم».
٣ - عن أنس بن مالك ﵁: «أن النبي ﷺ مر بحمزة وقد مثل به وأيضا، على أحد من الشهداء غيره. يعني شهداء أحد» (١).
٤ - عن عقبة بن عامر الجهني: «أن النبي ﷺ خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت [بعد ثمان سنين] [كالمودع للأحياء والأموات]، ثم انصرف إلى المنبر [فحمد الله وأثنى] عليه! فقال: إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، [وإن
стр. 3867
موعدكم الحوض] وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، [وإن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة]، - وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض واني والله ما أخاف عليكم أن وتشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم [الدنيا] أن تتنافسوا فيها [وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم]
قال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ ]».
قد يقول قائل: لقد ثبت في هذه الأحاديث مشروعية الصلاة على الشهداء، والأصل أنها واجبة فلماذا لا يقال بالوجوب! قلت: لما سبق ذكره في المسألة «٥٨».
ونزيد علي ذلك هنا فنقول: لقد استشهد كثير من الصحابة في غزوة بدر وغيرها، ولم ينقل أن النبي ﷺ ، صلى عليهم ولو فعل لنقلوه عنه.
فدل ذلك أن الصلات عليهم غير واجبة.
ولذلك قال ابن القيم في «تهذيب السنن» «٤/ ٢٩٥»: «والصواب في المسألة أنه مُخَيَّر بين الصلاة عليهم وتركها، لمجئ الاثار بكل واحد من الأمرين وهذا إحدى الروايات عن الامام أحمد، وهي الأليق بأصوله ومذهبه «قلت: ولاشك أن الصلاة عليهم أفضل من الترك إذا تيسَّرت لأنها دعاء وعبادة».
أحكام الجنائز [١٠٦].
ممن تُشرع الصلاة عليهم ولا تجب: (من قُتل في حدٍّ من حدود الله)
الثالث: من قتل في حد من حدود الله، لحديث عمران بن حصين «أن امرأة من جهينة أتت نبي الله ﷺ وهي حبلى من الزنى، فقالت: يا نبي الله أصبت حدا فأقمه علي، فدعا نبي الله ﷺ وليها، فقال: «أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها، ففعل، فأمر بها نبي الله ﷺ فشكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها»، فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ فقال: «لقد تابت توبة لو
стр. 3868
قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى؟ ».
أحكام الجنائز [١٠٨].
ممن تُشرع الصلاة عليهم ولا تجب: (الفاجر المنبعث في المعاصي)
الرابع: الفاجر المنبعث في المعاصي والمحارم، مثل تارك الصلاة والزكاة مع اعترافه بوجوبهما، والزاني ومدمن الخمر، ونحوهم من الفساق فإنه يصلي عليهم، إلا أنه ينبغي لأهل العلم والدين أن يدعوا الصلاة عليهم، عقوبة وتأديبا لأمثالهم، كما فعل النبي ﷺ .
وفي ذلك أحاديث:
١ - عن أبي قتادة قال: «كان رسول الله ﷺ إذا دعي لجنازة سأل عنها، فان أثني عليها خير قام فصلى عليها، وإن أثني عليها غير ذلك قال لأهلها شأنكم بها، ولم يصل عليها».
٢ - عن جابر بن سمرة قال «مرض رجل، فصيح عليه، فجاء جاره إلى رسول الله ﷺ فقال: إنه قد مات، قال: وما يدريك؟ قال: أنا رأيته، قال رسول الله: «إنه لم يمت، قال: فرجع فصيح عليه، فقالت امرأته، انطلق إلى رسول الله ﷺ فأخبره فقال الرجل: اللهم العنه! قال: ثم انطلق الرجل فرآه قد نحر نفسه بمشقص، فانطلق إلى النبي ﷺ فأخبره أنه مات، فقال ما يدريك؟ قال: رأيته ينحر نفسه بمشقص معه! قال: أنت رأيته؟ قال: نعم، قال: إذا لا أصلي عليه».
وقال الترمذي: «هذا حديث حسن، وقد اختلف أهل العلم في هذا فقال بعضهم: يصلي على كل من صلى للقبلة، وعلى قاتل النفس وهو قول سفيان الثوري وإسحاق» وقال أحمد: لا يصلي الامام على قاتل النفس، ويصلي عليه غير الامام».
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية في «الاختيارات» «ص ٥٢»: «ومن امتنع من
стр. 3869
الصلاة على أحدهم «يعني القاتل والغال والمدين الذي ليس له وفاء» زجرا لأمثاله عن مثل فعله كان حسنا، ولو امتنع في الظاهر، ودعا له في الباطن، ليجمع بين المصلحتين كان أولى من تفويت إحداهما».
٣ - عن زيد بن خالد في حديث امتناع النبي ﷺ من الصلاة على الغال وقوله لأصحابه: «صلوا على صاحبكم .. إن صاحبكم غل في سبيل الله! .»
أحكام الجنائز [١٠٨].
ممن تُشرع الصلاة عليهم ولا تجب: (المدين الذي لم يترك من المال ما يُقضى به دينه)
الخامس: المدين الذي لم يترك من المال ما يقضي به دينه فإنه يصلى عليه، وإنما ترك رسول الله صلي الله عليه وسلم الصلاة عليه في أول الأمر، وفيه أحاديث:
١ - عن سلمة بن الأكوع قال: «كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ أتي بجنازة فقالوا: صل عليها، فقال: «هل عليه دين؟ قالوا: لا، قال: فهل ترك شيئا؟ قالوا: لا، فصلى عليه». ثم أتي بجنازة أخرى فقالوا: يارسول الله صل عليها، قال: «هل عليه دين؟ قيل: نعم، قال فهل ترك شيئا؟ قالوا: ثلاثة دنانير [قال: فقال بأصابعه ثلاث كيات]، فصلى عليها».
ثم أتي بالثالثة، فقالوا: صل عليه، قال: «هل ترك شيئا؟ قالوا: لا، قال: هل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، قال: صلوا على صاحبكم»، قال [رجل من الأنصار يقال له، أبو قتادة: صل عليه يارسول الله وعليَّ دينه، فصلى عليه».
٢ - عن أبي قتادة ﵁ نحو القصة الثالثة في حديث سلمة في الأكوع وروي الذي قبله، وفيه: «أرأيت إن قضيت عنه أتصلي عليه؟ قال: «إن قضيت عنه بالوفاء صليت عليه»، قال: فذهب أبو قتادة فقضى عنه، فقال: أوفيت ما عليه؟ قال نعم، فدعا رسول الله ﷺ فصلى عليه».
стр. 3870
٣ - عن جابر ﵁ نحوها وزاد في آخره: فلما فتح الله على رسوله قال: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، ومن ترك دينا فعلي قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته».
٤ - عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل الميت عليه الدين، فيسأل: هل ترك لدينه من قضاء؟ فإن حُدِّث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا فلا: قال: «صلوا على صاحبكم»، فلما فتح الله عليه الفتوح قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم» [في الدنيا والآخرة، إقرؤوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] فمن توفي وعليه دين [ولم يترك وفاء] فعلي قضاؤه، ومن ترك مالا فهو لورثته».
أحكام الجنائز [١١٠].
في ضمان الدين على الميت أحاديث صحيحة
[قال الإمام]:
واعلم أن في ضمان الدين عن الميت أحاديث صحيحة في البخاري والسنن وغيرها.
السلسلة الضعيفة (٢/ ٢٨٩).
ممن تُشرع الصلاة عليهم ولا تجب: (من دفن قبل أن يُصلى عليه أو صلى عليه بعضهم دون بعض)
السادس: من دُفن قبل أن يُصلى عليه، أو صلى عليه بعضهم دون بعض، فيصلون عليه في قبره، على أن يكون الإمام في الصورة الثانية ممن لم يكن صلى عليه.
стр. 3871
وفي ذلك أحاديث:
١ - عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: «مات رجل - وكان رسول الله ﷺ يعوده - فدفنوه بالليل، فلما أصبح أعلموه، فقال: «ما منعكم أن تعلموني؟ قالوا: كان الليل، وكانت الظلمة، فكرهنا أن نشق عليك، فأتى قبره فصلى عليه»، [قال: فأمنا، وصفنا خلفه]، [وأنا فيهم]، [وكبَّر أربعا]».
٢ - عن أبي هريرة ﵁: «أن امرأة سوداء كانت تقم «وفي رواية تلتقط الخرق والعيدان من» المسجد، فماتت، ففقدها النبي ﷺ ، فسأل عنها بعد أيام، فقيل له انها ماتت، فقال: «هلَّا كنتم آذنتموني»؟ «قالوا: ماتت من الليل ودفنت، وكرهنا أن نوقظك»، «قال: «فكأنهم صغروا أمرها».
فقال دلوني على قبرها فدلوه، «فأتى قبرها فصلى عليها» ثم قال: [قال ثابت «أحد رواة الحديث»: عند ذاك أو في حديث آخر]: «إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله منورها لهم بصلاتي عليهم».
٣ - عن يزيد بن ثابت - وكان أكبر من زيد - قال: «خرجنا مع إلنبي ﷺ [ذات يوم] فلما ورد البقيع فإذا هو بقبر جديد، فسأل عنه» فقالوا: فلانة «مولاة بني فلان»، قال: فعرفها وقال: «ألا آذنتموني بها»؟ قالوا: [ماتت ظهرا، و] كنت قائلا صائما فكرهنا أن نؤذيك، قال: «فلا تفعلوا، لا أعرفن، ما مات منكم ميت ماكنت بين أظهركم إلا اذنتموتي به، فإن صلاتي عليه رحمه»، ثم آتي القبر، فصففنا خلفه فكبر عليه أربعا».
٤ - عن بعض أصحاب النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ ، كان يعود مرضى مساكين المسلمين وضعفائهم: ويتبع جنائزهم ولا يصلي عليهم غيره، وأن امرأة مسكينة من أهل العوالي طال سقمها، فكان رسول الله ﷺ سأل عنها من حضرها من جيرانها وأمرهم أن لا يدفنوها إن حدث بها حدث فيصلي عليها، فتوفيت تلك المرأة ليلا واحتملوها فأتوا بها مع الجنائز أو قال: موضع الجنائز عند مسجد رسول
стр. 3872
الله ﷺ (١) ليصلي عليها رسول الله ﷺ كما أمرهم فوجدوه قد نام بعد صلاة العشاء فكرهوا أن يهجدوا (٢) رسول الله ﷺ من نومه فصلوا عليها. ثم انطلقوا بها، فلما أصبح رسول الله ﷺ سأل عنها من حضره من جيرانها، فأخبروه خبرها، وأنهم كرهوا ان يهجدوا رسول الله ﷺ لها فقال لهم رسول الله ﷺ : ولم فعلتم؟ انطلقوا، فانطلقوا مع رسول الله ﷺ حتى قاموا على قبرها فصفوا وراء رسول الله ﷺ كما يصف للصلاة على الجنازة فصلى عليها رسول الله ﷺ وكبر أربعا كما يكبر على الجنائز.
أحكام الجنائز [١١٢].
ممن تُشرع الصلاة عليهم ولا تجب: (من مات في بلد ليس فيها من يصلى عليه صلاة الحاضر)
السابع: من مات في بلد ليس فيها من يصلي عليه، صلاة الحاضر، فهذا يصلي عليه طائفة من المسلمين صلاة الغائب، لصلاة النبي ﷺ على النجاشي وقد رواها جماعة من أصحابه يزيد بعضهم على بعض، وقد جمعت أحاديثهم فيها، ثم سقتها في سياق واحد تقريبا للفائدة. والسياق لحديث أبي هريرة: «إن رسول الله ﷺ نعى للناس [وهو بالمدينة] النجاشي [أصحمه] [صاحب الحبشة] في اليوم الذي مات فيه: [قال: «إن أخا لكم قد مات» وفي رواية: «مات اليوم عبد لله صالح [بغير أرضكم] [فقوموا فصلوا عليه]، [قالوا: من هو؟ قال النجاشي] [وقال: استغفروا لأخيكم]، قال: فخرج بهم إلى المصلى وفي رواية: البقيع [ثم تقدم فصفوا خلفه] [صفين]، [قال: فصففنا خلفه كما يصف على الميت وصلينا عليه كما يصلى على الميت] [وما تحسب الجنازة إلا موضوعة بين يديه] [قال: فأمنا وصلى عليه]، وكبر
стр. 3873
عليه أربع تكبيرات».
قلت: في هذه الأحاديث دليل من وجوه لاتخفى على أن النجاشي أصحمة كان مسلماً، ويؤيد ذلك أنه جاء النص الصريح عنه بتصديقه بنبوته ﷺ ، فقال أبو موسى الأشعري ﵁: «أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق إلى أرض النجاشي - فذكر القصة وفيها - وقال النجاشي: أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه».
واعلم أن هذا الذي ذكرناه من الصلاة على الغائب «هو الذي لا يتحمل الحديث غيره، ولهذا سبقنا إلى اختيارة ثُلَّة من محققي المذاهب، وإليك خلاصة من كلام ابن القيم رحمة الله في هذا الصدد، قال في «زاد المعاد» «١/ ٢٠٥، ٢٠٦»: ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسنته الصلاة على كل ميت غائب، فقد مات خلق كثير من المسلمين وهم غُيَّب، فلم يصل عليهم، وصح عنه أنه صلى على النجاشي صلاته على الميت، فاختلف في ذلك على ثلاثة طرق:
١ - أن هذا تشريع وسنة للأمة الصلاة على كل غائب وهذا قول الشافعي وأحمد.
٢ - وقال أبو حنيفة ومالك: هذا خاص به، وليس ذلك لغيره.
٣ - وقال شيخ الاسلام ابن تيمية: الصواب أن الغائب إن مات ببلد لم يصل عليه فيه، صلي عليه صلاة الغائب، كما صلى النبي ﷺ على النجاشي لأنه مات بين الكفار، ولم يصل عليه وإن صلي عليه حيث مات لم يصل عليه صلاة الغائب، لان الفرض سقط بصلاة المسلمين عليه، والنبي ﷺ صلى على الغائب وتركه وفعله وتركه سنة.
وهذا له موضع والله أعلم.
والأقوال ثلاثة في مذهب أحمد، وأصحها هذا التفصيل.
قلت: واختار هذا بعض المحققين من الشافعية فقال الخطابي في «معالم السنن»
стр. 3874
ما نصه: قلت: النجاشي رجل مسلم قد آمن برسول الله ﷺ وصدقه على نبوته.
«إلا أنه كان يكتم إيمانه والمسلم إذا مات وجب على المسلمين أن يصلوا عليه: إلا أنه كان بين ظهراني أهل، الكفر، ولم يكن بحضرته من يقوم بحقه في الصلاة عليه، فلزم رسول الله ﷺ أن يفعل ذلك، إذ هو نبيه ووليه وأحق الناس به».
فهذا - والله أعلم - هو السبب الذي دعاه إلى الصلاة عليه بظاهر الغيب.
فعلى هذا إذا مات المسلم ببلد من البلدان، وقد قضى حقه في الصلاة عليه، فانه لا يصلي عليه من كان في بلد آخر غائبا عنه، فإن علم أنه لم يصل عليه لعائق أو مانع عذر كان السنة أن يصلى عليه ولا يترك ذلك لبعد المسافة.
فإذا صلوا عليه استقبلوا القبلة، ولم يتوجهوا إلى بلد الميت إن كان في غير جهة القبلة.
وقد ذهب بعض العلماء إلى كراهة الصلاة على الميت الغائب، وزعموا أن النبي ﷺ كان مخصوصاً بهذا الفعل، إذ كان في حكم المشاهد للنجاشي، لما روي في بعض الأخبار «أنه قد سويت له أعلام الأرض، حتى كان يبصر مكانه» (١) وهذا تأويل فاسد لأن رسول الله ﷺ إذا فعل شيئا من أفعال الشريعة، كان علينا متابعته والايتساء به، والتخصيص لا يعلم إلا بدليل.
ومما يبين ذلك أنه ﷺ خرج بالناس إلى المصلى فصف بهم، فصلوا معه، فعلم أن هذا التأويل فاسد، والله أعلم.
وقد استحسن الروياني - هو شافعي أيضا- ما ذهب إليه الخطابي «وهو مذهب أبي داود أيضا فإنه ترجم للحديث في سننه بقوله: «باب في الصلاة على المسلم يموت في بلاد الشرك»: واختار ذلك من المتأخرين العلامة المحقق الشيخ صالح
стр. 3875
المقبلي كما في «نيل الأوطار» «٤/ ٤٣» واستدل لذلك بالزيادة الني وقعت في بعض طرق الحديث: «إن أخاكم قد مات بغير أرضكم، فقوما فصلوا عليه» وسندها على شرط الشيخين.
ومما يؤيد عدم مشروعية الصلاة على كل غائب أنه لما مات الخلفاء الراشدون وغيرهم لم يصل أحد من المسلمين عليهم صلاة الغائب. ولو فعلوا لتواتر النقل بذلك عنهم.
فقابل هذا بما عليه كثير من المسلمين اليوم من الصلاة على كل غائب لاسيما إذا كان له ذكر وصيت، ولو من الناحية السياسية فقط ولا يعرف بصلاح أو خدمة للاسلام «ولو كان مات في الحرم المكى وصلى عليه الآلاف المؤلفة في موسم الحج صلاة الحاضر، قابل ما ذكرنا بمثل هذه الصلاة تعلم يقينا أنها من البدع التي لا يمتري فيها عالم بسننه ﷺ ومذهب السلف ﵃.
أحكام الجنائز [١١٥].
ترك الصلاة على من عليه دين وعلى الغال
[قال الإمام]:
واعلم أن في ضمان الدين عن الميت أحاديث صحيحة في البخاري والسنن وغيرها وكذلك في ترك الصلاة على من عليه دين وعلى الغال.
السلسلة الضعيفة (٢/ ٢٨٩)
حرمة الصلاة والاستغفار والترحم على الكفار والمنافقين
- وتحرم الصلاة والاستغفار والترحم على الكفار والمنافقين (١) لقول الله تبارك
стр. 3876
وتعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]
وسبب نزول الآية ما روى عبد الله بن عمر وأبوه والسياق له قال:
«لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دعى له رسول الله ﷺ ليصلى عليه، فلما قام رسول الله ﷺ وثبت إليه [حتى قمت في صدره]، [فأخذت بثوبه] فقلت: يارسول الله أتصلي على [عدو الله] ابن أُبي وقد قال يوم كذا وكذا وكذا! ؟ أعدد عليه قوله (١) [أليس - قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين فقال: ] ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ .. ﴾ [التوبة: ٨٠]] فتبسم رسول الله ﷺ وقال: «أخر عني يا عمر»! فلما أكثرت عليه قال: «إني خيرت فاخترت»، [قد قيل لي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ .. ﴾ [التوبة: ٨٠]» لو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت عليها، [قال: إنه منافق] (٢)
قال: فصلى عليه رسول الله، ﷺ (٣) [وصلينا
стр. 3877
معه]، [ومشى ﷺ معه فقام على قبره حتى فرغ منه]، ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]، [قال: «فما صلى رسول الله ﷺ بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله»، قال -: فعجبت بعد من من جرأتي على رسول الله ﷺ يومئذ] والله ورسوله أعلم.
وعن المسيب بن حزن ﵁ قال: «لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله ابن أبي أمية، والمغيرة» فقال رسول الله ﷺ : «يا عم إنك أعظم الناس علي حقا، وأحسنهم عندي يدا».
ولأنت أعظم علي حقا من والدي، ف [لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعيد [ان] (١) له تلك المقالة، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ (٢) [قال: لولا أن تعيرني قريش - يقولون: إن ما حمله على ذلك الجزع - لأقررت بها عينك! «فقال رسول الله ﷺ : «أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» «فأخذ المسلمون يستغفرون لموتاهم الذين ماتوا وهم مشركون، فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، وأنزل الله في أبي طالب، فقال رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦]! ! أخرجه البخاري «٣/ ١٧٣ - ٧/ ١٥٤ - ٨/ ٢٧٤، ٤١٠، ٤١١» ومسلم والنسائي «١/ ٢٨٦» وأحمد «٥/ ٤٣٣» وابن جرير في تفسيره «١١/ ٢٧» والسياق له وكذا مسلم، والزيادة الثانية له في بعض الأصول
стр. 3878
كما ذكره الحافظ عن القرطبي ويشهد لها رواية البخاري وغيره بمعناها.
ووردت القصة من حديث أبي هريرة باختصار عند مسلم والترمذي «٤/ ١٥٩» وحسنه، وعندهما الزيادة الثالثة، والحاكم «٢/ ٣٣٥ و ٣٣٦» وصححه ووافقه الذهبي، وله الزيادة الأولى، وهي عند ابن جرير أيضا من حديث سعيد بن المسيب مرسلا، ولكنه في حكم الموصول، لأنه هو الذي روى الحديث عن المسيب ابن حزن وهو والده.
ووردت أيضا من حديث جابر.
أخرجه الحاكم أيضا وصححه ووافقه الذهبي.
وفيه الزيادة الرابعة وهي عند ابن جرير مرسلا عن مجاهد وعن عمرو بن دينار.
وعن علي رضى الله عنه قال: «سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: تستغفر لأبوبك وهما مشركان! ؟ فقال: [أليس قد استغفر إبراهيم وهو مشرك؟ قال: فذكرت ذلك للنبي ﷺ ! ؟ فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ «١١٣» وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٣، ١١٤].
قلت: وهذا الاستغفار إنما هو ما حكاه الله تعالى في أواخر سورة إبراهيم عنه: «ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب»، وقد ذكر المفسرون أن هذا الدعاء منه بعد وفاة أبيه وبعد هجرته إلى مكة كما يشهد بذلك سياق الآيات التي وردت في اخرها الآية المذكورة، وعلى ذلك فيبني أن يكون التبين المذكور في آية الاستغفار إنما كان بعد وفاة أبيه أيضا وكان ذلك بإعلام الله تعالى إياه وقد أخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح كما قال السيوطي في «الفتاوى» «٢/ ٤١٩» عن ابن عباس قال: ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات فلما مات تبين له أنه عدو الله
стр. 3879
فلم يستغفر له».
قال النووي رحمه الله تعالى في «المجموع» «٥/ ١٤٤، ٢٥٨»: «الصلاة على الكافر، والدعاء له بالمغفرة حرام، بنص القرآن والإجماع».
قلت: ومن ذلك تعلم خطأ بعض المسلمين اليوم من الترحم والترضي على بعض الكفار ويكثر ذلك من بعض أصحاب الجرائد والمجلات، ولقد سمعت أحد رؤساء العرب المعروفين بالتدين يترحم على «ستالين» الشيوعي الذي هو ومذهبه من أشد وألد الاعداء على الدين! وذك في كلمة ألقاها الرئيس المشار إليه بمناسبة وفاة المذكور، أذيعت بالراديو! ولا عجب من هذا فقد يخفى على مثل هذا الحكم، ولكن العحب من بعض الدعاة الاسلامين أن يقع في مثل ذلك حيث قال في رسالة له: «رحم الله برناردشو ... ».
وأخبرني بعض الثقات عن أحد المشايخ أنه كان يصلي على من مات من الاسماعيلية مع اعتقاده أنهم غير مسلمين لأنهم لا يرون الصلاة ولا الحج ويعبدون البشر! ومع ذلك يصلي عليهم نفاقا ومداهنة لهم. فإلى الله المشتكي وهو المستعان.
أحكام الجنائز [١٢٠].
وجوب الجماعة في صلاة الجنازة
- وتجب الجماعة في صلاة الجنارة كما تجب في الصلوات المكتوبة، بدليلين:
الأول: مداومة النبي ﷺ عليها.
الآخر: قوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموتي أصلي».أخرجه البخاري.
ولا يعكر على ما ذكرنا صلاة الصحابة على النبي ﷺ فرادى لم يؤمهم أحد، لأنها قضية خاصة، لا يدرى وجهها، فلا يجوز من أجلها أن نترك ما واظب عليه ﷺ طيلة حياته المباركة، لا سيما والقضية المذكورة لم ترد بإسناد صحيح تقوم به الحجة، وإن كانت رويت من طرق يقوي بعضها بعضا فإن أمكن الجمع بينها وبين
стр. 3880
ما ذكرنا من هديه ﷺ في التجميع في الجنازة فبها، وإلا فهديه هو المقدم لأنه أثبت وأهدى.
فإن صلوا عليها فرادى سقط الفرض، وأثموا بترك الجماعة، والله أعلم.
وقال النووي في «المجموع» «٥/ ٣١٤»:
«تجوز صلاة الجنازة فرادى بلا خلاف والسنة أن تصلى جماعة للأحاديث المشهورة في الصحيح في ذلك مع إجماع المسلمين».
أحكام الجنائز [١٢٥].
أقل ما ورد في انعقاد الجماعة في صلاة الجنازة: ثلاثة
وأقل ما ورد في انعقاد الجماعة فيها ثلاثة، ففي حديث عبد الله بن أبي طلحة: «أن طلحة دعا رسول الله ﷺ إلى عمير بن أبي طلحة حين توفي فأتاه رسول الله ﷺ فصلى عليه في منزلهم، فتقدم رسول الله ﷺ ، وكان أبو طلحة وراء وأم سليم وراء أبي طلحة، ولم يكن معهم غيرهم».
أحكام الجنائز [١٢٦].
كلما كثر الجمع كان أفضل للميت وأنفع
- وكلما كثر الجمع كان أفضل للميت وأنفع لقوله ﷺ :
«ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له، إلا شُفِّعوا فيه».
وفي حديث آخر: «غفر له».
وقد يغفر للميت ولو كان العدد أقل من مائة إذا كانوا مسلمين لم يخالط توحيدهم شئ من الشرك لقوله: «مامن رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته
стр. 3881
أربعون رجلا، لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه».
أحكام الجنائز [١٢٦].
ويستحب أن يَصُف المأمومون في صلاة الجنازة وراء الامام ثلاثة صفوف فصاعدا
- ويستحب أن يَصُفُّوا وراء الامام ثلاثة صفوف (١) فصاعدا لحديثين رُويا في ذلك:
الأول: عن أبي أمامة قال: «صلى رسول الله ﷺ على جنازة ومعه سبعة نفر فجعل ثلاثة صفا، واثنين صفا واثنين صفا».
الثاني: عن مالك بن هبيرة قال: قال رسول الله ﷺ :
«ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب «وفي لفظ: إلا غفر له».
قال: «يعني مرثد بن عبد الله اليزني»: «فكان مالك إذا استقل أهل الجنازة جَزَّأهم ثلاثة صفوف للحديث».
أحكام الجنائز [١٢٧].
إذا لم يوجد مع الامام غير رجل واحد فإنه يقف خلفه وليس حذاءه
- وإذا لم يوجد مع الامام غير رجل واحد، فإنه لا يقف حذاءه كما هو السنة في سائر الصلوات بل يقف خلف الامام، للحديث المتقدم في المسأله «٣٣»، وفيه: «فتقدم رسول الله ﷺ وكان أبو طلحة وراءه وأم سليم وراء أبي طلحة ولم يكن
стр. 3882
معهم غيرهم».
أحكام الجنائز [١٢٨].
الوالي أو نائبة أحق بالامامة في صلاة الجنازة من الولي
- والوالي أو نائبه أحق بالامامة فيها من الولي لحديث أبي حازم قال: «إني لشاهد يوم مات الحسن بن علي».
فرأيت الحسين بن علي يقول لسعيد بن العاص - يطعن في عنقه ويقول: - تَقَدَّم فلولا أنها سنة ما قدمتك «وسعيد أمير على المدينة يومئذ» وكان بينهم شئ.
وقد أورد ابن حزم في «المحلى» «٥/ ٤٤١» هذه القصة بصيغة الجزم ولم يضعفها مع أنه لم يأخذ بما دلت عليه من الحكم فقال؟ «قلنا: لم ندع لكم إجماعا فتعارضونا بهذا، ولكن إذا تنازع الامة وجب الرد إلى القرآن والسنة، وفي القرآن والسنة ما أوردنا».
قلت: وكأن ابن حزم ﵀ لا يرى أن قول الصحابي «السنة كذا» في حكم المرفوع، وهذا خلاف المتقرر في الأصولين أن ذاك في حكم المرفوع، وهو الصواب إن شاء الله. وسيأتي زيادة بيان لهذا في المسألة «٧٣».
وأما ما أشار إليه ابن حزم من القرآن والسنة «فيعني قوله تعالى ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، وقوله ﷺ في الحديث الاتي في المسألة التالية «ولا يؤمن الرجل في أهله» كما في رواية استدل بها ابن حزم على أن الأحق بالصلاة على الميت الأولياء، ولا يخفى أنه استدلال بالعموم، ودليلنا وهو حديث الحسين ﵁ خاص، وهو مقدم كما هو مقرر في الأصول، ولذلك ذهب إلى ما ذكرنا جمهور العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق وابن المنذر والشافعي في قوله القديم كما في «المجموع» «٥/ ٢١٧».
ثم استدركت فقلت: إن الحديث لا عموم له فيما نحن فيه، لأن معناه: لا
стр. 3883
يصلين أحد إماما بصاحب البيت في بيته، وهذا بيّن من مجموع روايات الحديث، ففي رواية لمسلم: «ولا يؤمن الرجل في أهله» وفي أخرى له «ولا تؤمن الرجل في أهله ولا في سلطانه» فهذا حجة على ابن حزم لان الظاهر أيضا أن المراد به السلطان الذي إليه ولاية أمور الناس. والظاهر أيضا أنه مقدم على غيره ولو كان أكثر منه قرآنا. انظر الشوكاني «٣/ ١٣٤».
أحكام الجنائز [١٢٨].
إذا لم يحضر الوالي أو نائبه، فالأحق بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله، ثم على الترتيب المعروف
فإن لم يحضر الوالي أو نائبه، فالأحوط بالامامة أقرؤهم لكتاب الله، ثم على الترتيب الذي ورد ذكره في قوله ﷺ :
«يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة: فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء سواء فأقدمهم سلما، لا يؤمن الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه.
ويؤمهم الأقرأ ولو كان غلاما لم يبلغ الحلم لحديث عمرو بن سلمة:
«أنهم «يعني قومه» وفدوا على النبي ﷺ ، فلما أرادوا أن ينصرفوا قالوا: يارسول الله من يؤمنا؟ قال: أكثركم جمعا للقرآن أو أخذا للقرآن، فلم يكن أحد من القوم جمع ما جمعت، فقدموني وأنا غلام، وعليّ شملة لي.
قال: فما شهدت مجمعا من جرم إلا كنت إمامهم، وكنت أصلي على جنائزهم إلى يومنا هذا.
أحكام الجنائز [١٣١].
стр. 3884
إذا اجتمعت جنائز عديدة من الرجال والنساء، صُلي عليها صلاة واحدة، وجعلت الذكور - ولو كانوا صغارا - مما يلي الامام، وجنائز الإناث مما يلي القبلة
- وإذا اجتمعت جنائز عديدة من الرجال والنساء، صُلي عليها صلاة واحدة، وجعلت الذكور - ولو كانوا صغارا - مما يلي الإمام، وجنائز الاناث مما يلي القبلة، وفي ذلك أحاديث:
الأول: عن نافع عن ابن عمر: «أنه صلى (١) على تسع جنائز جميعا، فجعل الرجال يلون الامام والنساء يلين القبلة، فصفهن صفا واحدا ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي امرأة عمر بن الخطاب وابن لها يقال له: زيد، وضعا جميعا، والامام يومئذ سعيد بن العاص، وفي الناس ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة، فوضع الغلام مما يلي الامام» فقال رجل: فأنكرت ذلك، فنظرت إلى ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي قتادة، فقلت: ما هذا قالوا: هي السنة».
الثاني: عن عمار مولى الحارث بن نوفل «أنه شهد جنازة أم كلثوم وابنها، فجعل الغلام مما يلى الامام [ووضعت المرأة وراءه، فصلى عليها]، فأنكرت ذلك، وفي القوم ابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو قتادة وأبو هريرة، [فسألتهم عن ذلك]، فقالوا، هذه السنة».
أحكام الجنائز [١٣٢].
стр. 3885
يجوز أن يصلى على كل واحدة من الجنائز - إذا اجتمعت- صلاة
- ويجوز أن يصلى على كل واحدة من الجنائز صلاة، لأنه الأصل، ولأن النبي ﷺ فعل ذلك في شهداء أحد، وفي ذلك حديثان:
الأول: عن عبد الله بن الزبير، وتقدم.
الثاني: عن ابن عباس قال: «لما وقف رسول الله ﷺ على حمزة أمر به فهيئ إلى
القبلة، ثم كَبَّر عليه تسعا، ثم جمع إليه الشهداء، كلما أتي بشهيد وضع إلى حمزة، فصلى عليه، وعلى الشهداء معه حتى صلى عليه، وعلى الشهداء اثنين وسبعين صلاة».
قال النووي في «المجموع» «٥ - ٢٢٥».
واتفقوا على أن الأفضل أن يفرد كل واحد بصلاة، إلا صاحب «التتمة» فجزم بأن الأفضل أن يصلي عليهم دفعة واحدة.
لأن فيه تعجيل الدفن وهو مأمور به.
والمذهب الأول، لأنه أكثر عملا، وأرجى للقبول وليس هو تأخيرا كثيرا والله أعلم.
أحكام الجنائز [١٣٣].
تجوز الصلاة على الجنازة في المسجد
وتجوز الصلاة على الجنازة في المسجد، لحديث عائشة ﵂ قالت: «لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي ﷺ أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه ففعلوا، فوقف به على حجرهن يصلين عليه، أخرج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقاعد، فبلغهن أن الناس عابوا ذلك، وقالوا: هذه بدعة، ، ما كانت
стр. 3886
الجنائز يدخل بها إلى المسجد! فبلغ ذلك عائشة، فقالت: ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا مالا علم لهم به، عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد، [والله] ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء [وأخيه] إلا في جوف المسجد».
أحكام الجنائز [١٣٥].
الأفضل الصلاة على الجنازة خارج المسجد في مكان معد للصلاة على الجنائز
- لكن الأفضل الصلاة عليها خارج المسجد في مكان معد للصلاة على الجنائز كما كان الأمر على عهد النبي ﷺ ، وهو الغالب على هديه فيها» وفي ذلك أحاديث:
الأول: عن ابن عمر ﵁: «أن اليهود جاؤوا إلى النبي ﷺ برجل منهم، وإمرأة زنيا، فأمر بهما فرجما، قريبا من موضع الجنائز عند المسجد» (١).
الثاني: عن جابر قال: «مات رجل منا، فغسلناه .. ووضعناه لرسول الله ﷺ حيث توضع الجنائز عند مقام جبريل، ثم آذنا رسول الله بالصلاة عليه فجاء معنا ... فصلى عليه .. ».
الثالث: عن محمد بن عبد الله بن جحش، قال: «كنا جلوس بفناء المسجد حيث توضع الجنائز ورسول الله ﷺ جالس بين ظهرانينا فرفع رسول الله ﷺ بصره إلى السماء .. »
الرابع: عن أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، خرج إلى المصلى، فصف بهم وكبر أربعا».
والحديث ترجم له البخاري بما دل عليه من الصلاة في المصلى كما سبق ذكره في
стр. 3887
الحديث الأول.
قلت: ومن الغرائب موقف الحافظ البيهقي من هذه السنة أعني الصلاة على الجنازة في المصلى، فإنه لم يعقد لها في كتابه الكبير «السنن الكبرى» بابا خاصا مع كثرة الأحاديث الواردة فيه كما رأيت، مع انه عقد بابا مفردا للصلاة عليها في المسجد مع أنه ليس فيه إلا حديث عائشة، ثم جرى على سننه بعض الشافعية في مختصراتهم فأغفلوا الصلاة عليها في المصلى، كالنووي ﵀ في «منهاج الطالبين» «ق ٣٤ - ٢» فقال: «وتجوز الصلاة عليه في المسجد»، ولو أنه أضاف إلى ذك نحو قوله «وتسن الصلاة عليها في المصلى» لأصاب.
وقد عكس ذلك الباجوري في حاشيته على ابن القاسم فقال: «١ - ٤٢٤»: «ويسن أن تكون الصلاة عليه بمسجد»! ثم لم يذكر الصلاة عليها في المصلى! ! والحق ما ذكرنا من السنية مع القول بجواز الصلاة عليها في المسجد لحديث عائشة وحمله على أنه لأمر عارض بعيد، لأنه لو كان كذلك لما خفي على السيدة عائشة ومن ممها من أمهات المؤمنين، ولما طلبن إدخال الجنازة إلى المسجد دون عذر. وهذا بيّن إن شاء الله تعالى.
الخامس: قوله ﷺ : «من صلى على جنازة في المسجد فليس له شئ».
أحكام الجنائز [١٣٥].
لا يجوز الصلاة على الجنازة بين القبور
ولا تجوز الصلاة عليها بين القبور، لحديث أنس بن مالك ﵁.
«أن النبي ﷺ نهى أن يصلى على الجنائز بين القبور».
ويشهد للحديث ما تواتر عن النبي ﷺ من النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وقد ذكرت ما ورد في ذلك في أول كتابي «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد».
أحكام الجنائز [١٣٨].
стр. 3888
يقف الامام في صلاة الجنازة وراء رأس الرجل، ووسط المرأة
- ويقف الامام وراء رأس الرجل، ووسط المرأة، وفيه حديثان:
الأول: عن أبي غالب الخياط قال: «شهدت أنس بن مالك صلى على جنازة رجل، فقام عند رأسه، «وفي رواية: رأس السرير» فلما رُفع، أُتى بجنازة امرأة من قريش أو من الأنصار، فقيل له: يا أبا حمزة هذه جنازة فلانة ابنة فلان فصل عليها، فصلى عليها، فقام وسطها، «وفي رواية: عند عجيزتها، وعليها نعش أخضر» وفينا العلاء بن زياد العدوي، فلما رأى اختلاف قيامه على الرجل والمرأة قال: يا أبا حمزة هكذا كان رسول الله ﷺ يقوم حيث قمت، ومن المرأة حيث قمت قال: نعم، قال: فالتفت إلينا العلاء فقال: احفظوا».
قلت: وعند أبي داود زيادة أخرى لا بد من ذكرها وبيان حالها وهي: «قال أبو غالب: فسألت عن صنيعه في قيامه على المرأة عند عجيزتها».
فحدثوني أنه إنما كان لأنه لم تكن النعوش، فكان يقوم الامام حيال عجيزتها يسترها من القوم.
فهذا التعليل مردود من وجوه:
الأول: أنه صادر من مجهول، وما كان كذلك فلا قيمة له.
الثاني: أنه خلاف ما فعله راوي الحديث نفسه وهو أنس ﵁، فإنه وقف وسطها مع كونها في النعش، ودل ذلك على بطلان ذلك التعليل.
ويؤيده الوجه الآتي وهو: الثالث: أنه خلاف ما فهمه الحاضرون لصلاة أنس، ومنهم العلاء بن زياد العدوي، فإنه لما استفهم من أنس هذه السنة التفت إلى أصحابه وقال لهم: «احفطوا» فلو كانت معللة بتلك العلة التي تعود السنة بالابطال لما اهتم العلاء بها هذا الاهتمام البالغ - وأمر أصحابه بحفظها، وهذا ظاهر والحمد لله.
ولذلك لم يلتفت جمهور العلماء إلى هذا التأويل، فذهبوا إلى ما دل عليه الحديث
стр. 3889
من الوقوف عند رأس الرجل، ووسط المرأة. ومنهم الامام الشافعي وأحمد وأسحاق كما في «المجموع» «٥/ ٢٢٥» قال الشوكاني «٤ - ٥٧»: «وهو الحق».
قلت: واختاره بعض الحنفية، بل هو قول لأبى حنيفة نفسه كما في «الهداية» «١/ ٤٦٢» وأبي يوسف أيضا كما في «شرح المعاني» «١/ ٢٨٤» للإمام الطحاوي ورجحه على قولهما الاخر وهو «يقوم من الرجل والمرأة بحذاء الصدر»! وهو قول الإمام محمد أيضا وعليه الحنفية، واحتج لهم في «الهداية» بقوله «لأنه موضع القلب، وفيه نور الإيمان، فيكون القيام عنده إشارة إلى الشفاعة لإيمانه» ثم ذكر قول أبي حنيفة الأول وأنه احتج بقول أنس «هو السنة» فأجاب عنه صاحب «الهداية» بقوله: «قلنا تأويله: إن جنازتها لم تكن منعوشة فحال بينها وبينهم».
قلت: قد عرفت مما سبق بطلان هذا التأويل، ثم لو سُلم لهم «فما هي حجتهم في مخالفتهم الحديث في شطره الأول وهو الوقوف حذاء رأس الرجل، فقالوا هم: بل يقف حذاءه وليت شعري ما الذي يحملهم على الجهر بمخالفة السنة بمثل هذه التعليلات الباطلة وقولهم: «لأنه موضع القلب .. وأئمتهم قالوا بها في قول لهم، أفلا أخذوا به كما فعل الطحاوي ﵀ فيكونون أصابوا السنة وأخذوا بقول الائمة في آن واحد ومع هذه المخالفة الصريحة لهذه السنة وغيرها مما ياتي التشبيه عليه ينسبون من يتمهم بانهم يقدِّمون الرأي على السنة إلى التعصب عليهم»!
الثاني: عن سمرة بن جندب قال: «صليت خلف النبي ﷺ ، وصلى على أُم كعب ماتت وهي نفساء، فقام رسول الله ﷺ للصلاة عليها وسطها».
والحديث واضح الدلالة على السنة أن يقف الامام حذاء وسط المرأة وهو بمعنى حديث أنس: «عند عجيزتها».
بل هذا مما يزيده وضوحا فإنه أصرح في الدلالة على المراد من حديث سمرة.
أحكام الجنائز [١٣٨].
стр. 3890
التكبيرات على الجنازة من أربع إلى تسع
أولا: أربع تكبيرات:
ويكبر عليها أربعا أو خمسا، إلى تسع تكبيرات، كل ذلك ثبت عن النبي ﷺ فأيها فعل أجزأه، والأولى التنويع، فيفعل هذا تارة، وهذا تارة، كما هو الشأن في أمثاله مثل أدعية الاستفتاح وصيغ التشهد والصلوات الإبراهيمية ونحوها، وإن كان لابد من التزام نوع واحد منها فهو الاربع لأن الأحاديث فيها أكثر، وإليك بيان ذلك:
أ - أما الأربع ففيها أحاديث عن جماعة من الصحابة:
الأول: عن أبي هريرة، وقد مضى حديثه في الصلاة على النجاشي وأنه ﷺ كبر عليه أربعاً.
الثاني: عن ابن عباس، ومضى في المسألة المشار إليها في حديث الصلاة على الرجل الذي دفن ليلا.
الثالث: عن يزيد بن ثابت في صلاته ﷺ على مولاة لبني فلان في قبرها وهو في المكان المشار إليه بعد حديث ابن عباس بحديث.
الرابع: عن بعض أصحاب النبي ﷺ في صلاته ﷺ على المرأة المسكينة في قبرها، وحديثها مذكور عقب حديث يزيد بن ثابت المشار إليه آنفا.
الخامس: عن أبي أمامة ﵁ قال: «السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة، ثم يكبر ثلاثا، والتسليم عند الاخرة».
السادس: عن عبد الله بن أبي أوفى قال «إن رسول الله ﷺ كان يكبر أربعا».
أحكام الجنائز [١٤١].