← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

لا يُقصد به هذا الميت، لا يقصد بهذه الصلاة ليغفر الله له ليرحمه كما هو المعنى المتضمن في الدعاء على الميت، فالصلاة إذَن على الميت وهو في قبره شيءٌ، والصلاة لله مستقبلاً القبر شيءٌ آخر، هذا هو المنهي، وذلك هو الجائز، فلا إشكال بين هذا وهذا. (فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- ٣٢) ما الحكم إذا كان ترك صلاة الغائب سيؤدي إلى مفسدة ؟ مداخلة: يا شيخ المصالح والمفاسد لمن أقيمت عليه الصلاة صلاة الغائب وكان الرجل حاضر في المسجد مع المصلين ونودي الصلاة على الغائب فهل يصلي معهم إذا كان يخشى أن يترتب على تركه مفسدة .. ؟ الشيخ: هذه المسألة تختلف باختلاف نظرة المبتلى إلى هذا الواقع، فكثيرًا ما يختلف تقدير الأمر من شخص إلى آخر، وكثيرًا ما يختلف الأمر في إمكانية قلب هذه المفسدة إلى مصلحة، فإذا كان هناك رجل من أهل العلم والفضل وله منزلة في ذاك المجتمع الذي أقيمت فيه مفسدة وهي في السؤال المذكور صلاة الغائب التي لا تشرع في هذه الأيام؛ لأنها لم تقع من النبي ﷺ مطلقًا إلا مرة واحدة حينما صلى على النجاشي حيث لم يكن هناك من يقيم هذه الفريضة عليه، فإذا حضر رجل فاضل مجتمع أقيمت صلاة الغائب هذه التي لا تشرع وهو باستطاعته أن يلقي كلمة ويبين أن هذا خلاف السنة، وأن هذا البيان سيطرد الشيطان وسيكون بيانه للناس ينتفعون به فيما يأتي من الزمان فهذا له شأن، ومن لم يكن مثل هذا الرجل العالم الفاضل له كلمته المسموعة وله منزلته الرفيعة وإنما كان من عامة الناس فيخشى على نفسه أن يصاب بمكروه فلا بأس أن [يصلي] من باب دفع المفسدة الكبرى بالصغرى، هذا رأيي. وخلاصة ذلك: أنه لا يعطى قاعدة عامة إنما لكل مقام مقال ولكل دولة رجال. (رحلة النور: ٣١ أ/٠٠: ٣٤: ٥٨)

стр. 3922

حكم صلاة صلاة الغائب يوميًا بدعوى أن مسلمًا قد مات بلا شك في هذا اليوم في بقاع الدنيا السؤال: السؤال عن مشروعية صلاة الجنازة على الغائب المجهول، يعني: تتعلق بفعل بعض المتصوفين صاروا يؤدون عقب كل صلاة مغرب هذه الصلاة صلاة الجنازة على الغائب المجهول، بحجة أن في ذلك اليوم قد مات مسلم أو أكثر من مسلم في هذا العالم، ولم يصلى عليه؟ الشيخ: هذه أيضاً من البدع التي لم يسمع بها علماء المسلمين إلا في هذا العصر، صلاة الغائب مسألة اختلف فيها الفقهاء في دائرة ضيقة جداً، وليس بهذه السعة التي تذكرها أنت الآن عن بعضهم، إذا عرف أن رجلاً من المسلمين مات في بلد من بلاد الإسلام فهل يشرع صلاة الغائب على هذا الميت أم لا؟ فيه مذهبان: منهم من يقول: لا يشرع، ومنهم من يقول: يشرع مطلقاً، ما دام أنه مات تحقق موته، ومنهم من توسط وهذا مذهب ثالث وسطي، قال: إذا مات الميت في بلد يغلب على الظن أنه ليس هناك من يصلي عليه صلاة الجنازة صلى عليه بعض المسلمين في بعض بلاد الإسلام، وحجتهم في ذلك ما جاء في الصحيحين وغيرهما من صلاة النبي ﷺ على نجاشي الحبشة، فإنه مات في بلاد النصارى، وليس هناك من يصلي عليه صلاة الجنازة، ولذلك قال ﵇ لأصحابه: «قوموا فصلوا على أخ لكم مات في أرض غير أرضكم» فصف ﵇ وصف الناس خلفه وليس أمامه جنازة. فكان هذا المذهب الوسط هو المذهب الحق لأنه يوافق فعل النبي ﷺ . أما القول بعدم شرعية الصلاة على الغائب مطلقاً فهو صريح المخالفة لهذا الحديث، وأما القول المقابل له بشرعية الصلاة على كل ميت غائب فهو مخالف لما كان عليه الرسول ﵇ في حياته، فكم من ميت مات في مكة وهو في المدينة في الطائف في في .. إلخ، ولم ينقل عن الرسول ﵇ أنه صلى ولو مرة واحدة

стр. 3923

على ميت غائب عنه. فما بالك بمثل هذه البدعة التي حكيتها عن بعضهم، فلا شك أنها بدعة ضلالة، لأنها لو كانت مشروعة لسبقنا إليها الرسول ﵇ أولاً، فإن هذه العلة التي يتمسكون بها أنه لابد في كل ساعة في ميت، هذه العلة كانت قائمة في عهد النبي ﷺ ، فهو أعلم بها أولاً، ثم هو أعبد منهم لله ثانياً، فحينما لم ينقل عنه أنه صلى صلاة الغائب هذه بل وما دونها إلا صلاته ﵇ على النجاشي دل على أن هذه الصلاة التي يفعلونها هي بدعة، وقد قال ﵇: وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. (الهدى والنور / ٥٧/ ١٨: ٢٥: .. ) صلاة النبي ﷺ على الميت تخفف عنه الشيخ: صلاة الرسول ﵊ على الأموات يخفف عنهم مما إذا كانوا مثلًا مستحقين شيء من عذاب القبر، أو يزيدهم نورًا على نور في قبورهم. (فتاوى رابغ (١) /٠٠: ٠٥: ٢٢) الصلاة على الغال [قال صديق خان]: ولا يصلى على الغال: لامتناعه [ ﷺ ] في غزاة خيبر من الصلاة على الغال. أخرجه أحمد. [فعلق الألباني]: في «المسند» «٤/ ١١٤»، و «٥/ ١٩٢»، وهو في «السنن» في «الجهاد»؛ إلا النسائي ففي «الجنائز» «١/ ٢٧٨»، ومالك أيضا في «الجهاد» «٢/ ١٤» بإسناد صحيح: أن رجلا من أصحاب النبي [ ﷺ ] توفي يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول

стр. 3924

الله [ ﷺ ]؟ فقال: «صلوا على صاحبكم»، فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: «إن صاحبكم غل في سبيل الله»، ففتشنا متاعه، فوجدنا خرزا من خرز يهود؛ لا يساوي درهمين. قلت: وإذا كان هذا لفظ الحديث، وفيه أمره ﵇ أصحابه بالصلاة على الغال؛ فالاستدلال به حينئذ على ترك الصلاة ليس بالصواب، بل الحديث يدل على عكس ما ذهب إليه المصنف ﵀، فالحق قوله في «نيل الأوطار» «٤/ ٤٠» تحت هذا الحديث: «فيه جواز الصلاة على العصاة، وأما ترك النبي [ ﷺ ] للصلاة عليه؛ فلعله للزجر عن الغلول، كما امتنع من الصلاة على المديون، وأمرهم بالصلاة عليه». التعليقات الرضية (١/ ٤٤٧)

стр. 3925

كتاب الدفن وتوابعه (١)

стр. 3926

وجوب دفن الميت ولو كان كافرًا ويجب دفن الميت ولو كان كافراً، وفيه حديثان: الأول: عن جماعة من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو طلحة الانصاري، والسياق له: «أن رسول الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش، «فجروا بأرجلهم» فقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث «بعضهم على بعض»، «إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملاها، فذهبوا يحركوه فتزايل فأقروه، وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة»، وكان ﷺ إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه، وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي فجعل ينادي بأسمائهم وأسماء آبائهم «وقد جيفوا»: «يا أبا جهل بن هشام ويا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا وليد بن عتبة»، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا ﴿قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾؟ قال: «فسمع عمر قول النبي ﷺ »، فقال: يا رسول الله! ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، «وهل يسمعون؟ يقول الله : ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]»، فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، «والله» إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم لهو الحق»، وفي رواية، «إنهم الآن ليسمعون غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئا»، قال قتادة: أحياهم الله «له» حتى أسمعهم قوله، توبيخا وتصغيرا، ونقمة، وحسرة وندما». الثاني: عن علي ﵁ قال: «لما توفي أبو طالب، أتيت النبي ﷺ فقلت: إن عمك الشيخ «الضال» قد مات «فمن يواريه؟ »، فقال: اذهب فواره، ثم لا تحدث شيئا حتي تأتيني: «فقال: إنه مات مشركا (١)، فقال: إذهب فواره (٢) قال:

стр. 3927

فواريته ثم أتيته، قال: إذهب فاغتسل ثم لا تحدث شيئا حتى تأتيني، قال: فاغتسلت، ثم أتيته، قال: فدعا لي بدعوات ما يسرني أن لي بها حمر النعم وسودها. قال: وكان علي إذا غسل الميت اغتسل. فائدة: هذا الحديث أورده البيهقي في باب المسلم يغسل ذا قرابته من المشركين ويتبع جنازته ويدفنه ولا يصلي عليه. وأنت ترى أنه ليس في الحديث ما ترجم له من الاغتسال فقال الحافظ تعليقا على كلامه: «تنبيه: ليس في شئ من طرق هذا الحديث التصريح بأنه غسله إلا أن يؤخذ ذلك من قوله: «فأمرني فاغتسلت فإن الاغتسال شرع من غسل الميت، ولم يشرع من دفنه». ولم يستدل البيهقي وغيره إلا على الاغتسال من غسل الميت، وقد وقع عند أحمد أيضا وابنه كما تقدم، ويستغرب من الحافظ كيف خفي عليه ذلك، لا سيما وهو قد عزي الحديث لاحمد كما رأيت ثم إن قوله: «ولم يشرع الاغتسال من دفنه»، فيه نظر، لان لقائل أن يقول: أن الحديث ظاهر الدلالة على مشروعية ذلك، ولا ينافيه الزيادة التي وقعت في آخر الحديث، لأنها جملة مستأنفة، لا علاقة لها بما قبلها، أعني أنه لا دليل في الحديث أن عليا إنما كان يغتسل من غسل الميت، لامره ﷺ إياه بالغسل في الحديث بل هذا شئ وذاك شئ اخر. نعم إن ثبتت الرواية الاتية فلا مناص من التسليم بما سبق عن الحافظ، فقد قال عقب كلامه المذكور: «قلت: وقع عند ابن أبي شيبة في مصنفه بلفظ: «فقلت: إن عمك الشيخ الكافر قد مات فما ترى فيه؟ قال: أرى أن تغسله وتجنه»، وقد ورد من وجه آخر أنه غسله، رواه ابن سعد عن الواقدي».

стр. 3928

قلت: أما الواقدي فمتروك متهم بالكذب، فلا قيمة لزيادته، وأما زيادة ابن أبي شيبة «أن تغسله» فهي منكرة أيضا لأنه أخرجها «٤/ ١٤٢» من طريق الاجلح عن الشعبي مرسلا. وهو مع إرساله فإن الاجلح فيه ضعيف، فلا حجة في زيادته أيضا. أحكام الجنائز [١٦٧]. لا يدفن مسلم مع كافر، ولا كافر مع مسلم - ولا يدفن مسلم مع كافر، ولا كافر مع مسلم، بل يدفن المسلم في مقابر المسلمين، والكافر في مقابر المشركين، كذلك كان الأمر على عهد النبي ﷺ ، واستمر إلى عصرنا هذا، ومن الأدلة على ذلك حديث بشير بن الخصاصية قال: «بينا أماشي رسول الله ﷺ آخذا بيده، فقال: «يا ابن الخصاصية ما أصبحت تنقم على الله؟ (١) أصبحت تماشي رسول الله» «قال: أحسبه قال: آخذا بيده»، فقلت: «يا رسول الله بأبي وأمي» ما «أصبحت» أنقم على الله شيئا، كل خير فعل بي الله. فأتي على قبور المشركين فقال: «لقد سبق هؤلاء بخير كثير»، وفي رواية: «خيرا كثيرا» ثلاث مرات. ثم أتى على قبور المسلمين، فقال: «لقد أدرك هؤلاء خيرا كثيرا، ثلاث مرات فبينما هو يمشي إذ حانت منه نظرة، فإذا هو برجل يمشي بين القبور عليه نعلان، فقال: يا حاصب السبتيتين ويحك ألق سبتيتك، فنظر فلما عرف الرجل رسول الله

стр. 3929

- ﷺ خلع نعليه فرمي بهما». واحتج به ابن حزم «٥/ ١٤٢، ١٤٣» على أنه لا يدفن مسلم مع مشرك. وفي مكان آخر، احتج به على تحريم المشي بالنعال بين القبور. أحكام الجنائز [١٧٢]. السنة الدفن في المقبرة - والسنة الدفن في المقبرة، لان النبي ﷺ كان يدفن الموتى في مقبرة البقيع، كما تواترت الأخبار بذلك، وتقدم بعضها في مناسبات شتى، أقربها حديث ابن الخصاصية الذي سقته في المسألة السابقة، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه دفن في غير المقبرة، إلا ما تواتر أيضا أن النبي ﷺ دفن في حجرته، وذلك من خصوصياته عليه السلاة والسلام، كما دل عليه حديث عائشة ﵂: قالت: «لما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله ﷺ شيئا ما نسيته قال: «ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه»، فدفنوه في موضع فراشه». قال الحافظ ابن حجر «١/ ٤٢٠»: «واسناده صحيح، لكنه موقوف، والذي قبله أصرح في المقصود، وإذا حمل دفنه في بيته على الاختصاص لم يبعد نهي غيره عن ذلك، بل هو متجه، لان استمرار الدفن في البيوت ربما صيرها مقابر، فتصير الصلاة فيها مكروهة» وقد استنبط البخاري الكراهة من قوله ﷺ : «اجعلو في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورا». أورده في «باب كراهية الصلاة في المقابر» من حديث ابن عمر، فقال الحافظ: «ولفظ حديث أبي هريرة عند مسلم أصرح من حديث الباب، وهو قوله: «لا تجعلو بيوتكم مقابر»، فإن ظاهره يقتضي النهي عن الدفن في البيوت مطلقا». أحكام الجنائز [١٧٣].

стр. 3930

الشهداء في المعركة يدفنون في مواطن استشهادهم ولا ينقلون إلى المقابر - ويسثني مما سبق الشهداء في المعركة، فإنهم يُدفنون في مواطن استشهادهم ولا ينقلون إلى المقابر لحديث جابر ﵁ قال: «خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى المشركين ليقاتلهم، وقال أبي عبد الله: يا جابر ابن عبد الله لا عليك أن تكون في نظاري أهل المدينة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا، فإني والله لولا أني أترك بنات لي بعدي لأحببت أن تقتل بين يدي، قال: فبينما أنا في النظارين إذ جاءت عمتي بأبي وخالي عادلتهما على ناضح، فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا - إذ لحق رجل ينادي: ألا إن رسول الله ﷺ يأمركم أن ترجعوا بالقتلي فتدفنوها في مصارعها حيث قُتلت فرجعنا بهما فدفناهما حيث قتلا». أحكام الجنائز [١٧٥]. لا يجوز الدفن في أوقات ثلاثة - ولا يجوز الدفن في الأحوال الآتية إلا لضرورة: أ - الدفن في الاوقات الثلاثة لحديث عقبة بن عامر المتقدم، «ص ١٣٠» بلفظ: «ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا، حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب». والحديث ظاهر الدلالة على ما ذكرنا، وقد ذهب إلى ذلك ابن حزم في «المحلى» «٥/ ١١٤ - ١١٥» وغيره من العلماء، . ومن التأويلات البعيدة، بل الباطلة قول بعضهم: «قوله: «نقبر» أي نصلي» قال أبو الحسن السندي: «ولا يخفى أنه معنى بعيد، لا ينساق إليه الذهن من لفظ الحديث، قال بعضهم «يقال: قبره إذا دفنه، ولا يقال: قبره إذا صلى عليه».

стр. 3931

والأقرب أن الحديث يميل إلى قول أحمد وغيره أن الدفن مكروه في هذه الاوقات. قلت: وقد رد ذلك التأويل الامام النووي أيضا، ولكنه في سبيل بيان ذلك وقع في تأويل آخر يشبه هذا، وادعي دعوى غير ثابتة فقال في «شرح مسلم»: «قال بعضهم إن المراد بالقبر صلاة الجنازة، وهذا ضعيف، لان صلاة الجنازة لا تكره في هذا الوقت بالإجماع، فلا يجوز تفسير الحديث بما يخالف الإجماع، بل الصواب أن معناه تعمد تأخير الدفن إلى هذه الاوقات، كما يكره تعمد تأخير العصر إلى اصفرار الشمس بلا عذر ... فأما إذا وقع الدفن في هذه الاوقات بلا تعمد فلا يكره». قلت: وهذا تأويل لا دليل عليه، والحديث مطلق يشمل المتعمد وغيره، فالحق عدم جواز الدفن ولو لغير المتعمد، فمن أدركته فيها فليتريث حتى يخرج وقت الكراهة. وأما ادعاؤه أن صلاة الجنازة لا تكره في مثل هذا الاوقات بالإجماع فوهم منه ﵀، فالمسألة خلافية والصواب فيها الكراهة خلاف الإجماع المزعوم. ب - في الليل لحديث جابر ﵁: «أن النبي ﷺ ذكر رجلا من أصحابه قُبض فكُفن في كفن غير طائل وقبر ليلا، فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك» أخرجه مسلم وغيره وقد سبق في المسألة «٣٥ ص ٥٦» والحديث ظاهر الدلالة على ما ذكرنا، وهو مذهب أحمد ﵀ في رواية عنه ذكرها في «الإنصاف» «٢/ ٥٤٧» قال: «لا يفعله إلا لضرورة، وفي أخرى عنه: يكره». قلت: والأول أقرب لظاهر قوله «زجر» فإنه أبلغ في النهي من لفظ «نهى» الذي يمكن حمله على الكراهة، على أن الاصل فيه التحريم، ولا صارف له إلى الكراهة. لكن يُشكل على ما ذكرنا قوله في الحديث «حتى يصلى عليه».

стр. 3932

فإنه يدل بظاهره أيضا على جواز الدفن ليلا بعد الصلاة لأنها هي الغاية من النهي، فإذا حصلت ارتفع النهي، لكن يرد عليه قوله «إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك» فإن إسم الاشارة فيه يعود إلى المنهي عنه وهو الدفن ليلا قبل الصلاة إلا عند الضرورة فيجوز. وهذا بعيد جدًا، لأن من السهل أن نتصور اضطرار المشيعين للدفن ليلا لأسباب كثيرة كما سيأتي عن ابن حزم ولكننا لا نتصور في وجه من الوجوه أن يضطروا لدفنه دون أن يصلو عليه، ومما يزيده بعدا أن هذا المعنى يجعل قيد «الليل» عديم الفائدة، إذ الدفن قبل الصلاة، كما لا يجوز ليلا، فكذلك لا يجوز نهارا، فإن جاز ليلا لضرورة جاز نهارا من أجلها ولا فرق، فما فائدة التقييد ب «الليل» حينئذ. لا شك أن الفائدة لا تظهر بصورة قوية إلا إذا رجحنا ما استظهرناه أو لا من عدم جواز الدفن ليلا، وبيان ذلك: أن الدفن في الليل مظنة قلة المصلين على الميت، فنهي عن الدفن ليلا حتى يصلي عليه نهارا، لأن الناس في النهار أنشط في الصلاة عليه، وبذلك تحصل الكثرة من المصلين عليه، هذه الكثرة التي هي من مقاصد الشريعة وأرجى لقبول شفاعتهم في الميت كما سبق بيانه في «المسألة «٦٣»، «ص ٩٦» قال النووي: في «شرح مسلم»: «وأما النهي عن القبر ليلا حتى يصلى عليه، فقيل سببه أن الدفن نهارا يحضره كثير من الناس ويصلون عليه ولا يحضره في الليل إلا أفراد، وقيل لأنهم كانوا يفعلون ذلك لرداءة الكفن، فلا يتبين في الليل، ويؤيده أول الحديث وآخره، قال القاضي: العلتان صحيحتان، قال: والظاهر أن النبي ﷺ قصدهما معا، قال: وقد قيل غير هذا». قلت: فإذا عرف أن العلة قلة المصلين وخشية رداءة الكفن، ينتج من ذلك أنه لو صلي عليه نهارا، ثم تأخر دفنه لعذر إلى الليل أنه لا مانع من دفنه فيه لانتفاء العلة وتحقق الغاية وهي كثرة المصلين، وعليه فهل يجوز التأخر بدفن الميت في النهار تحصيلا للغاية المذكورة، استحسن ذلك الصنعاني في «سبل السلام» «٢/ ١٦٦»،

стр. 3933

ولست أرى ذلك لأن العلة المذكورة مقيَّدة فلا يجوز تعديتها إلى النهار لوجود الفارق الكبير بين الظرفين، فإن القلة في الليل أمر طبيعي، بخلاف النهار فالكثرة فيه هي الطبيعي، ثم إن هذه الكثرة لا حد لها فكلما تؤخر بالميت زادت الكثرة، ولذلك نرى بعض المترفين الذين يحبون الظهور رياء وسمعة، ولو على حساب الميت قد يؤخرونه اليوم واليومين ليحضر الجنازة أكبر عدد ممكن من المشيعين. فلو قيل بجواز ذلك لأدي إلى مناهضة الشارع في أمره بالاسراع بالجنازة على ما سبق بيانه في المسألة «١٧» «ص ١٣» بعلة الكثرة التي لا ضابط لها. بعد هذا يتبين لنا الجواب عن الاشكال الذي أو ردته في قوله «حتى يصلى عليه» إذ أنه ظهر أن المراد حتى يصلى عليها نهارا لكثرة الجماعة، كي تبين أن إسم الاشارة في قوله «إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك» يعود إلى الدفن ليلا ولو مع قلة المصلين، لا إلى الدفن مع ترك الصلاة عليه إطلاقا، فليتأمل فإنه حقيق بالتأمل. ثم قال النووي في «شرح مسلم»: «وقد اختلف العلماء في الدفن في الليل، فكرهه الحسن البصري إلا لضرورة، وهذا الحديث مما يستدل له به، وقال جماهير العلماء من السلف والخلف: لا يكره واستدلوا بأن أبا بكر الصديق ﵁ وجماعة من السلف دفنوا ليلا من غير إنكار، وبحديث المرأة السوداء: والرجل الذي كان يقم المسجد فتوفي بالليل فدفنوه ليلا، وسألهم النبي ﷺ عنه فقالوا: توفي ليلا فدفناه في الليل، فقال: ألا اذنتموني، قالوا: كانت ظلمة ولم ينكر عليهم، وأجابوا عن هذا الحديث أن النهي كان لترك الصلاة، ولم ينه عن مجرد الدفن بالليل، وإنما لترك الصلاة أو لقلة المصلين أو عن إساءة الكفن أو عن المجموع كما سبق». قلت: والجواب الأول وهو أن النهي كان لترك الصلاة، لا يصح، لأنه لو كان كذلك لم يكن ثمة فرق بين الدفن ليلا أو نهارا كما سبق بيانه، بل الصواب أن النهي إنما كان للأمرين اللذين سبقا في كلام القاضي، ولذلك اختار ابن حزم أنه لا يجوز أن يدفن أحد ليلا إلا عن ضرورة. واستدل على ذلك بهذا الحديث، ثم أجاب عن الاحاديث الواردة في الدفن

стр. 3934

ليلا، وما في معناها من الاثار بقوله «٥/ ١١٤ - ١١٥»: وكل من دفن ليلا منه ﷺ ومن أزواجه ومن أصحابه ﵃، فإنما ذلك لضرورة أو جبت ذلك من خوف الحر على من حضر - وهو بالمدينة شديد - أو خوف تغير أو غير ذلك مما يبيح الدفن ليلا، ولا يحل لاحد أن يظن بهم ﵃ خلاف ذلك. ثم روى كراهة الدفن ليلا عن سعيد بن المسيب، وأقول: ومن الجائز أن بعض من دفن ليلا كانوا صلوا عليه نهارا، وحينئذ فلا تعارض على ما سبق بيانه، وذلك هو الواقع في حقه ﷺ ، فإنهم صلوا عليه يوم الثلاثاء ثم دفنوه ليلة الاربعاء كما ذكر ابن هشام في سيرته «٤/ ٣١٤» عن ابن اسحاق. والله أعلم. أحكام الجنائز [١٧٥]. إن اضطروا لدفن الميت ليلا، جاز ولو مع استعمال المصباح فإن اضطروا لدفنه ليلا، جاز ولو مع استعمال المصباح والنزول به في القبر، لتسهيل عملية الدفن، والدليل حديث ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ أدخل رجلا قبره ليلا، وأسرج في قبره». أحكام الجنائز [١٨٠]. وجوب تأخير دفن الميت إلى خروج وقت الكراهة إلا إذا خيف تغير الميت [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: ومن الأوقات المنهي عن الصلاة فيها: قوله تعليقا على حديث عقبة بن عامر قال: «ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا ... » قال:

стр. 3935

«النهي عن الدفن في هذه الأوقات معنا تعمد تأخير الدفن إلى هذه الأوقات فأما إذا وقع الدفن بلا تعمد في هذه الأوقات فلا يكره». قلت: هذا نص كلام النووي في «شرح صحيح مسلم» فلو عزاه إليه كان أولى ثم إن الحديث مطلق وتخصيصه بالمتعمد لا دليل عليه كما بينته في «أحكام الجنائز» البحث ٨٣ فالواجب تأخير دفن الجنازة حتى يخرج وقت الكراهة إلا إذا خيف تغير الميت. وهو قول الحنابلة كما ذكره المؤلف في كتاب الجنائز. [تمام المنة ص (١٤٣)] أوقات الكراهة للصلاة وهل تدخل صلاة الجنازة في هذا الحكم ؟ [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: ومِن رأيهم في الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها واستوائها: قوله: «واستثنوا يعني الحنفية عصر اليوم وصلاة الجنازة». قلت: استثناء عصر اليوم صحيح وأما استثناء صلاة الجنازة فغير مسلم إذ لا دليل عليه بل إطلاق حديث عقبة المتقدم وما في معناه يشملها ويؤيده أن ابن عمر كان ينهى عن الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس كما في «الموطأ» وغيره والأولى أن يستثني الصلاة المنسية أو التي نام عنها فيصليها إذا ذكرها في وقت الكراهة لحديث الشيخين المذكور في الباب المتقدم من الكتاب. ثم إن ما ذكره المؤلف من استثناء بعض الأئمة التطوع يوم الجمعة وقت الاستواء صحيح أيضا وفيه أحاديث كثيرة تراجع في «زاد المعاد» و «إعلام أهل العصر بحكم ركعتي الفجر» للعظيم آبادي وغيرهما. [تمام المنة ص (١٤٣)]

стр. 3936

وجوب إعماق القبر، وتوسيعه وتحسينه - ويجب إعماق القبر، وتوسيعه وتحسينه، وفيه حديثان: الأول: عن هشام بن عامر قال: «لما كان يوم أُحُد، أصيب من أصيب من المسلمين، وأصاب الناس جراحات، «فقلنا: يا رسول الله، الحفر علينا لكل إنسان شديد»، «فكيف تأمرنا»، فقال: احفروا وأوسعوا «وأعمقوا» «وأحسنوا»، وادفنوا الاثنين والثلاثة في القبر، وقدموا أكثرهم قرآنا، «قال: فكان أبي ثالث ثلاثة، وكان أكثرهم قرآنا، فقُدِّم». الثاني: عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الانصار، وأنا غلام مع أبي، فجلس رسول الله ﷺ على حفيرة القبر، فجعل يوصي «وفي رواية: يومئ إلى الحافر ويقول: «أوسع من قبل الرأس، وأوسع من قبل الرِّجْلين، لرُبّ عذق له في الجنة». قلت: وظاهر الأمر في الحديثين يفيد وجوب ما ذكر فيهما من الإعماق والتوسعة والإحسان، والمعروف عن الشافعية وغيرهم استحباب الإعماق، وأما ابن حزم فقد صرح في «المحلى» «٥/ ١١٦» بفرضيته، واختلفوا في حد الاعماق على أقوال تراها في «المجموع» أو غيره. أحكام الجنائز [١٨١]. جواز اللحد والشق في القبر والأول أفضل - ويجوز في القبر اللحد (١) والشق لجريان العمل عليهما في عهد النبي ﷺ ، ولكن الأول أفضل، وفي ذلك أحاديث:

стр. 3937

الأول: عن أنس بن مالك قال: «لما توفي النبي ﷺ كان بالمدينة رجل يلحد، وآخر يُضَرِّح، فقالوا: نستخير ربنا، ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه، فأرسل إليهما، فسبق صاحب اللحد فلحدوا للنبي ﷺ ». الثاني: عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه قال: «ألحدوا لي لحدا، وانصبوا علي اللبن نصبا كما صنع برسول الله ﷺ ». الثالث: عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «اللحد لنا، والشق لغيرنا». قال النووي في «المجموع» «٥ - ٢٨٧»: «أجمع العلماء أن الدفن في اللحد والشق جائزان، لكن إن كانت الارض صلبة لا ينهار ترابها فاللحد أفضل لما سبق من الادلة، وإن كانت رخوة تنهار فالشق أفضل». أحكام الجنائز [١٨٢]. لا بأس من أن يُدفن في القبر اثنان أو أكثر عند الضرورة - ولا بأس من أن يدفن فيه اثنان أو أكثر عند الضرورة، ويُقَدَّم أفضلهم، وفيه أحاديث: الأول: عن جابر بن عبد الله قال: «كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين «والثلاثة» من قتلى أُحُد في ثوب واحد (١) ثم يقول: أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد «قبل صاحبه وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يصل عليهم، «قال جابر: فدفن أبي وعمي يومئذ في قبر واحد». الثاني: عن أبي قتادة أنه حضر ذلك، قال: «أتي عمرو بن الجموع إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل أمشي برجلي هذه

стр. 3938

صحيحة في الجنة؟ وكانت رجله عرجاء، فقال رسول الله ﷺ : نعم، فقتلوا يوم أحد: هو وابن أخيه ومولى لهم، فمر عليه رسول الله ﷺ فقال: كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة، فأمر رسول الله ﷺ بهما وبمولاهما، فجعلوا في قبر واحد». الثالث: عن جابر في قصة استشهاد أبيه المتقدمة «ص ١٣» وفي آخرها: « .. فكان أول قتيل، ودُفِن معه آخر في قبره .. ». قلت: وفي هذه الأحاديث فضيلة ظاهرة لقارئ القرآن، قال الحافظ في «الفتح «٣ - ١٦٦»: «ويلحق به أهل الفقه والزهد وسائر وجوه الفضل». وقال الشافعي في «الأم» «١ - ٢٤٥»: «ويدفن في موضع الضرورة من الضيق والعجلة الميتان والثلاثة في القبر، ويكون الذي للقبلة منهم أفضهلم وأسنهم، ولا أحب أن تدفن المرأة مع الرجل على حال، وإن كانت ضرورة ولا سبيل إلى غيرها كان الرجل أمامها، وهي خلفه، ويجعل بين الرجل والمرأة في القبر حاجز من تراب». أحكام الجنائز [١٨٤]. يتولى إنزال الميت ولو كان أنثى الرجال دون النساء ويتولى إنزال الميت ولو كان أنثى - الرجال دون النساء لأمور: الأول: أنه المعهود في عهد النبي ﷺ ، وجرى عليه عمل المسلمين حتى اليوم ويأتي فيه حديث أنس في المسألة «٩٩». الثاني أن الرجال أقوى على ذلك. الثالث: لو تولته النساء أفضى ذلك إلى انكشاف شئ من أبدانهن أمام الأجانب وهو غير جائز. أحكام الجنائز [١٨٦].

стр. 3939

أولياء الميت أحق بإنزاله - وأولياء الميت أحق بإنزاله، لعموم قوله تعالى ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ (١) بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥]. ولحديث علي ﵁ قال: «غسلت رسول الله ﷺ ، فذهبت أنظر ما يكون من الميت، فلم أر شيئا، وكان طيبا حيا وميتا، وولي دفنه وإجنانه دون الناس أربعة: علي والعباس والفضل وصالح مولى رسول الله ﷺ ، ولحد لرسول الله لحدا، ونصب عليه اللبن نصبا». أحكام الجنائز [١٨٦]. يجوز للزوج أن يتولى دفن زوجته بنفسه - ويجوز للزوج أن يتولى بنفسه دفن زوجته، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «دخل عليّ رسول الله ﷺ في اليوم الذي بدئ فيه، فقلت، وارأساه، فقال: «وددت أن ذلك كان وأنا حي، فهيأتك ودفنتك، قالت: فقلت غيرَى: كأني بك في ذلك اليوم عروسا ببعض نسائك قال: وأنا وارأساه ادعي لي أباك وأخاك حتي أكتب لأبي بكر كتابا فإني أخاف أن يقول قائل ويتمنى متمن: أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر». وقد ذهب إلى جواز دفن الرجل لزوجته الشافعية، بل قالوا: إنه أحق بذلك من أوليائها الذين ذكرنا وعكس ذلك ابن حزم فجعله بعدهم في الاحقية، ولعله الأقرب لما سبق من عموم الاية. أحكام الجنائز [١٨٧].

стр. 3940

جواز دفن الرجل لزوجته مشروط بما إذا كان لم يطأ تلك الليلة - لكن ذلك مشروط بما إذا كان لم يطأ تلك الليلة، وإلا لم يشرع له دفنها، وكان غيره هو الأولى بدفنها ولو أجنبيا بالشرط المذكور، لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: «شهدنا ابنة لرسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ جالس على القبر فرأيته عينيه تدمعان ثم قال: «هل منكم من رجل لم يقارف (١) الليلة «أهله»؟ فقال أبو طلحة: «نعم» أنا يا رسول الله! قال: فانزل، قال فنزل في قبرها «فقبرها». قال النووي في «المجموع» «٥/ ٢٨٩»: «هذا الحديث من الاحاديث التي يحتج بها في كون الرجال هم الذين يتولون الدفن وإن كان الميت امرأة، قال: ومعلوم أن أبا طلحة ﵁ أجنبي عن بنات النبي ﷺ ، ولكنه كان من صالحي الحاضرين، ولم يكن هناك رجل محرم إلا النبي ﷺ ، فلعله كان له عذر في نزول قبرها، وكذا زوجها، ومعلوم أنها أختها فاطمة وغيرها من محارمها وغيرهن هناك، فدل على أنه لا مدخل للنساء في إدخال القبر والدفن». وقال الحافظ في «الفتح»: «في الحديث إيثار البعيد العهد عن الملاذ في مواراة الميت ولو كان امرأة على الاب والزوج، وقيل: إنما اثره بذلك لأنها كانت صنعته، وفيه نظر، فإن ظاهر السياق أنه اختاره لذلك لكونه لم يقع منه في تلك الليلة جماع». قلت: والحديث ظاهر الدلالة على ما ترجمنا له، وبه قال ابن حزم ﵀ «٥/ ١٤٤ - ١٤٥»، ومن الغرائب أن عامة كتب الفقه التي كنت وقفت عليها، أو راجعتها بهذه المناسبة لم تتعرض لهذه المسألة، لا نفيا ولا إثباتا، وهذا دليل من أدلة كثيرة على أنه لا غنى للفقيه عن كُتُب السُّنَّة خلافا لما يظنه المتعصبة للمذاهب أن كتب الفقه تغني عن كتب الحديث بل وعن كتاب الله ﵎ عما يقول الظالمون علوا كبيرا، أنظر «سلسلة الاحاديث الصحيحة» «ج ١ ص ١٢٨ - ١٢٩ طبع المكتب الاسلامي». أحكام الجنائز [١٨٨].

стр. 3941

السنة إدخال الميت من مؤخر القبر والسنة إدخال الميت من مؤخر القبر، لحديث أبي إسحاق قال: «أوصي الحارث أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد، فصلى عليه، ثم أدخله القبر من قِبَل رجلي القبر وقال: من السنة». وعن ابن سيرين قال: «كنت مع أنس في جنازة فأمر بالميت فَسُلَّ من قِبَل رِجل القبر». أحكام الجنائز [١٩٠]. يجعل الميت في قبره على جنبه اليمين، ووجهه قُبالة القبلة، ورأسه ورجلاه إلى يمين القبلة ويسارها - ويجعل الميت في قبره على جنبه اليمين، ووجهه قبالة القبلة، ورأسه ورجاله إلى يمين القبلة ويسارها، على هذا جرى عمل أهل الاسلام من عهد رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا وهكذا كل مقبرة على ظهر الارض، كذا في «المحلى» «٥/ ١٧٣» وغيره. أحكام الجنائز [١٩٢]. يقول الذي يضع الميت في لحده: بسم الله، وعلى سنة رسول الله، أو: ملة رسول الله ﷺ - - ويقول الذي يضعه في لحده: «بسم الله، وعلى سنة رسول الله، أو: ملة رسول الله ﷺ ». والدليل عليه حديث ابن عمر: «أن النبي ﷺ كان إذا وضع الميت في قبره قال: «وفي لفظ: أن النبي ﷺ قال: إذا وضعتم موتاكم في القبور فقولوا: » بسم الله

стр. 3942

وعلى سنة «وفي راية: ملة» رسول الله». أو يقول: «بسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله ﷺ ». لحديث البياضي ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الميت إذا وضع في قبره: فليقل الذين يضعونه حين يوضع في اللحد: باسم الله، وبالله على ملة رسول الله ﷺ ». أحكام الجنائز [١٩٢]. ويستحب لمن عند القبر أن يحثو من التراب ثلاث حثوات بيديه جميعا بعد الفراغ من سد اللحد - ويستحب لمن عند القبر أن يحثو من التراب ثلاث حثوات بيديه جميعا بعد الفراغ من سد اللحد، لحديث أبي هريرة: «أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة ثم أتي الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثا». وأما استحباب بعض المتأخرين من الفقهاء أن يقول في الحثية الأولى «منها خلقناكم»، وفي الثانية «وفيها نعيدكم»، وفي الثالثة «ومنها نخرجكم تارة أخرى» فلا أصل له في شئ من الاحاديث التي أشرنا إليها في الأعلى. وأما قول النووي «٥/ ٢٩٣ - ٢٩٤»: وقد يُستدل له بحديث أبي أمامة ﵁ قال: «لما وُضِعت أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ في القبر قال رسول الله ﷺ : «منها خلقناكم، وفيها نعيدكم، ومنها نخرجكم تارة أخرى»، رواه الإمام أحمد من رواية عبيد الله بن زحر عن علي بن زيد بن جدعان عن القاسم، وثلاثتهم ضعفاء لكن يستأنس بأحاديث الفضائل وإن كانت ضعيفة الاسناد، ويعمل بها في الترغيب والترهيب، وهذا منها، والله أعلم.

стр. 3943

فالجواب عليه من وجوه: الأول: أن الحديث ليس فيه التفصيل المزعوم استحبابه فلا حجة فيه أصلا لو صح سنده. الثاني: أن التفصيل المذكور لم يثبت في الشرع أنه من فضائل الاعمال حتى يقال: يُعمل بهذا الحديث لأنه في فضائل الأعمال، بل إن تجويز العمل به معناه إثبات مشروعية عمل بحديث ضعيف وذلك لا يجوز، لأن المشروعية أقل درجاتها الاستحباب: وهو حكم من الأحكام الخمسة التي لا تثبت إلا بدليل صحيح، ولا يجدي فيها الضعيف باتفاق العلماء. الثالث: أن الحديث ضعيف جدا، بل هو موضوع في نقد ابن حبان، فإنه في «مسند أحمد» «٥/ ٢٥٤» من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد، وهو الألهاني وقول النووي «علي بن زيد بن جدعان» خطأ، لمخالفته لما في «المسند» قال ابن حبان: «عبيد الله بن زحر، يروي الموضوعات عن الاثبات، وإذا روى عن علي بن يزيد أتي بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن لم يكن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم»! فإذا كان أحسن أحوال هذا الحديث أنه ضعيف جدا فلا يجوز العلم به حينئذ قولا واحدًا كما بينه الحافظ ابن حجر في «تبيين العجب فيما ورد في فضل رجب». أحكام الجنائز [١٩٣]. من السنة: رفع القبر عن الأرض نحو شبر ويُسَنّ بعد الفراغ من دفنه أمور: الأول: أن يرفع القبر عن الارض قليلا نحو شبر، ولا يسوَّى بالأرض، وذلك ليتميز فيُصان ولا يُهان لحديث جابر ﵁: «أن النبي ﷺ ألحد له لحدًا، ونصب اللبن نصبا، ورفع قبره من الأرض نحوًا من شبر». ويؤيده ما سيأتي من النهي عن الزيادة على التراب الخارج من القبر، فإنه من المعلوم أنه يبقى بعد الدفن على القبر التراب الذي أُخرج من اللحد الذي شغله

стр. 3944

جسم الميت، وذلك يساوي القدر المذكور في الحديث تقريبا. قال الشافعي في «الام» «١/ ٢٤٥ - ٢٤٦» ما مختصره: «وأحِبُّ أن لا يُزاد في القبر تراب من غيره، لأنه إذا زيد ارتفع جدا، وإنما أحب أن يشخص على وجه الارض شبرا أو نحوه». ونقل النووي في «المجموع» «٥/ ٢٩٦» اتفاق أصحاب الشافعي على استحباب الرفع، بالقدر المذكور. أحكام الجنائز [١٩٥]. من السنة أن يُجعل القبر مُسنمًا الثاني [أي مما يُسن]: أن يجعل مُسنما، لحديث سفيان التمار قال: «رأيت قبر النبي ﷺ «وقبر أبي بكر وعمر» مُسنما». ولا يعارض ذلك ما روى عن القاسم قال: «دخلت على عائشة فقلت: يا أمة آكشفى لي عن قبر النبي ﷺ وصاحبيه ﵄، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء». [ضعفه الإمام ثم قال]: ثم إنه لو صح فليس معارضا لحديث التمار، لأن قوله «مبطوح» ليس معناه مُسَطَّح بل ملقى فيه البطحاء وهو الحصى الصغيرة كما في «النهاية»، وهو ظاهر في الخبر نفسه: «مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء فهذا لا ينافي التسنيم، وبهذا جمع ابن القيم بين الحديثين فقال في «الزاد»: «وقبره مُسَنَّم مبطوح ببطحاء العرصة، الحمراء، لامبني ولا مطيَّن، وهكذا كان قبر صاحبيه». أحكام الجنائز [١٩٦].

стр. 3945

هل يسطح القبر أم يسنم [قال الإمام]: فائدة: وهل يسطح القبر أو يسنم؟ فيه خلاف؛ والصواب الثاني، وفي ذلك أثران ظاهرهما التعارض، وقد ذهب إلى كل واحد منهما بعض، والحق أنه لا تعارض؛ كما أشار إلى ذلك ابن القيم في «الزاد»، وبيناه في «التعليقات الجياد» «٣/ ٣٧». التعليقات الرضية (١/ ٤٦٩) من السنة: تعليم القبر بحجر ليُدفن إليه من يموت من أهله الثالث [أي مما يُسن]: أن يعلمه بحجر أو نحوه، ليدفن إليه من يموت من أهله، لحديث المطَّلب ابن أبي وادعة ﵁ قال: «لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته فدفن، أمر النبي ﷺ رجلا أن يأتيه بحجر فلم يستطع حمله، فقام إليها رسول الله ﷺ وحسر عن ذراعية، قال المطلب: قال الذي يخبرني عن رسول الله ﷺ : كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله ﷺ حين حسر عنهما، ثم حملها فوضعها عند رأسه، وقال: أَتَعَلَّم بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي». أحكام الجنائز [١٩٧]. من السنة: الوقوف على القبر والدعاء بالتثبيت للميت والاستغفار له أما تلقين الميت بعد دفنه فلا يُشْرَع الرابع: أن لا يُلَقَّن الميت التلقين المعروف اليوم، لأن الحديث الوارد فيه لا

стр. 3946

يصح (١) بل يقف على القبر يدعو له بالتثبيت، ويستغفر له، ويأمر الحاضرين بذلك لحديث عثمان بن عفان رضى الله عنه قال: «كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل». أحكام الجنائز [١٩٨]. جواز الجلوس عند الميت أثناء الدفن بقصد تذكير الحاضرين ويجوز الجلوس عنده أثناء الدفن بقصد تذكير الحاضرين بالموت وما بعده، لحديث البراء بن عازب قال: «خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الانصار، فانتهينا إلى القبر ولما يُلْحَد، فجلس رسول الله ﷺ مستقبل القبلة، وجلسنا حوله، وكأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عوده ينكت في الارض، فجعل ينظر إلى السماء، وينظر إلى الأرض، وجعل يرفع بصره ويخفضه، ثلاثا، فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر، مرتين، أو ثلاثا، «ثم قال: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر» «ثلاثا»، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الاخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط (٢) من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدَّ البصر، ثم يجيئ ملك الموت ﵇ (٣) حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة «وفي رواية:

стр. 3947

المطمئنة»، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فيّ السقاء، فيأخذها، «وفي رواية: حتى إذا خرجت روحه صلى الله عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه من قبلهم»، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، فذلك قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُون﴾ ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الارض، قال: فيصعدون بها فلا يمرون - يعني - بها على ملا من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان ابن فلان - بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، فيقول الله عزوجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ، كِتَابٌ مَرْقُومٌ، يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾، فيكتب كتابه في عليين، ثم يقال: أعيدوه إلى الارض، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فيرد إلى الأرض، وتعاد روحه في جسده، قال: فانه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه مدبرين فيأتيه ملكان شديدا الانتهار فينتهرانه، ويجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الاسلام فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعثت فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ ، فيقولان له: وما عملك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به، وصدقت، فينتهره فيقول: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن، فذلك حين يقول الله عزوجل ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فيقول: ربي الله، وديني الاسلام، ونبيي محمد ﷺ ، فينادي مناد في السماء: أن صدق عبدي، فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال: فيإتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، قال: ويأتيه وفي رواية: يمثل له رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: ابشر بالذي يسرك، أبشر برضوان من الله، وجنات فيها نعيم مقيم، هذا يومك الذي كنت

стр. 3948

توعد، فيقول له: وأنت فبشرك الله بخير من أنت فوجهك الوجه يجيئ بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح فوالله ما علمتك إلا كنت سريعا في إطاعة الله، بطيئا في معصية الله، فجزاك الله خيرا، ثم يفتح له باب من الجنة، وباب من النار، فيقال: هذا منزلك لو عصيت، الله، أبد لك الله به هذا فإذا رأى ما في الجنة قال: رب عجل قيام الساعة، كيما أرجع إلى أهل ومالي، فيقال له: اسكن، قال: وإن العبد الكافر وفي رواية: الفاجر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة غلاظ شداد، سود الوجوه، معهم المسوح (١) من النار، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيئ ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبلول، فتقطع معها العروق والعصب، فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء وتغلق أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ألا تعرج روحه من قبلهم، فيأخذها، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الارض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملا من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان ابن فلان - بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا فيستفتح له، فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (٢) فيقول الله عزوجل: اكتبوا كتابه في سجين، في الارض السفلى، ثم يقال: أعيدوا عبدي إلى الارض فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتطرح روحه من السماء طرحا حتى تقع في جسده ثم قرأ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، فتعاد روحه في جسده، قال: فإنه ليسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه، ويأتيه ملكان شديدا الانتهار، فينتهرانه، ويجلسانه، فيقولان له: من

стр. 3949

ربك؟ فيقول: هاه هاه (١) لا أدري، فيقول له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم فلا يهتدي لاسمه، فيقال: محمد! فيقول هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون ذاك! قال: فيقال: لا دريت، ولا تلوت، فينادي مناد من السماء أن كذب، فأفرشوا له من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيإتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه وفي رواية: ويمثل له رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول وأنت فبشرك الله بالشر من أنت؟ فوجهك الوجه يجيئ بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث؟ فو الله ما علمت إلا كنت بطيئا عن طاعة الله، سريعا إلى معصية الله، فجزاك الله شرا، ثم يقيض له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة! لو ضرب بها جبل كان ترابا، فيضربه ضربة حتى يصير بها ترابا، ثم يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعه كل شئ إلا الثقلين، ثم يفتح له باب من النار، يمهد من فرش النار. فيقول: رب لا تقم الساعة». أحكام الجنائز [١٩٨].

стр. 3950

جواز إخراج الميت من القبر لغرض صحيح ويجوز إخراج الميت من القبر لغرض صحيح، كما لو دفن قبل غسله وتكفينه ونحو ذلك، لحديث جابر بن عبد الله قال: أتي رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي بعد ما أدخل حفرته، فأمر به فأخرج، فوضعه على ركبتيه، ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه «قال جابر: وصلى عليه»، فالله أعلم (١) «وكان كسا عباسا قميصا» (٢). أحكام الجنائز [٢٠٣]. لا يستحب للرجل أن يحفر قبره قبل أن يموت ولا يستحب للرجل أن يحفر قبره قبل أن يموت، فإن النبي ﷺ لم يفعل ذلك هو ولا أصحابه، والعبد لا يدري أين يموت، وإذا كان مقصود الرجل الاستعداد للموت، فهذا يكون من العمل الصالح. كذا في «الاختيارات العلمية» لشيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. أحكام الجنائز [٢٠٤]. حرمة الدفن في البيوت [قال رسول الله ﷺ ]: «اجعلُوا من صلاتِكم في بُيوتِكم، ولا تجعلُوها عليكم

стр. 3951

قُبوراً، كما اتَّخذت اليهود والنصارى في بيوتهم قبوراً، وإنَّ البيت ليُتلى فيه القرآن؛ فيتراءى لأهلِ السماء كما تتراءى النجومُ لأهل الأرضِ». [قال الإمام]: قال الذهبي عقب الحديث: «هذا حديث نظيف الإسناد، حسن المتن، فيه النهي عن الدفن في البيوت، وله شاهد من طريق آخر، وقد نهى ﵇ أن يبنى على القبور، ولو اندفن الناس في بيوتهم؛ لصارت المقبرة والبيوت شيئاً واحداً، والصلاة في المقبرة منهي عنها نهي كراهة أو نهي تحريم، وقد قال ﵇: «أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة». فناسب ذلك ألا تُتخذ المساكن قبوراً. وأما دفنه في بيت عائشة صلوات الله عليه وسلامه فمختص به، كما خُص ببسط قطيفة تحته في لحده، وكما خُص بأن صلوا عليه فرادى بلا إمام، فكان هو إمامهم حياً وميتاً في الدنيا والآخرة، وكما خُص بتأخير دفنه يومين، بخلاف تأخير أمته؛ لأنه هو أُمِن عليه التغير بخلافنا، ثم إنهم أخروه حتى صلوا كلهم عليه داخل بيته، فطال لذلك الأمر، ولأنهم ترددوا شطر اليوم في موته حتى قدم أبو بكر الصديق من السَنْح، فهذا كان سبب التأخير». السلسلة الصحيحة (٧/ ١/ ٣٠٦ - ٣٠٧). نقل الجثة المدفونة إلى مكان آخر لعذر مداخلة: قبل أيام يا أستاذي توفيت والدة أحد الإخوة، فدفنوها في مقبرة جديدة في ضواحي الزرقاء، هذه المقبرة جاء القبر لهذه المرأة على طرف المقبرة قريب من الوادي، وبقرب هذا القبر هناك العبارة التي تأتي فيها المياه وما شابه ذلك، فيغلب على ظن هؤلاء القوم الذين هم أهل هذه المرأة المتوفاة، أنه إذا جاء أيّ شيء من المطر أو جاء مطر قوي، ممكن يشيل القبر بما فيه، فيقولون: هل هذا الشيء وهو طبعاً ظن راجح، وقد استشاروا فيه عدداً من أهل الخبرة في هذا الباب، فقالوا: نعم هناك احتمال كبير أنه إذا جاء مطر قوي يشيل القبر وكذا، لأنه على

стр. 3952

طرف الوادي، فهل هذا يجيز أن يُنْبش القبر وتُنْقَل الجثة إلى قبر آخر في منطقة أخرى في نفس المقبرة، لكن بعيد عن الوادي؟ الشيخ: الجواب يأتي بعد سؤال. مداخلة: تفضل يا أستاذي؟ الشيخ: هل سبق أن سال الوادي ووصل لذاك المكان وأعلى منه؟ مداخلة: نعم، أقول: المقبرة جديدة، ما حصل أي شيء؛ لأنها ما افتتحت إلا من شهور تقريباً. الشيخ: لا هذا فهمته، لكن من أين بنوا ظنهم، لا بد أنهم رأوا يوماً ما الوادي جرى وسال. مداخلة: طبعاً هذا حاصل شيخنا، الوادي يأتيه المطر ويطمر فيه. الشيخ: أستاذ لا تعجل علي. مداخلة: تفضل يا شيخنا، معذرة. الشيخ: افترض أنه بين أسفل الوادي من القبر الآن عشرة أمتار .. عشرون .. افترض ما شئت، السؤال الآن: إذا افترضنا أنه خمس أمتار بين القبر وبين أسفل الوادي، هل سبق أن الوادي سال وارتفعت مياهه حتى جاوز الخمسة أمتار، فهمت علي؟ مداخلة: نعم، سبق أن حصل هذا، لكن قبل القبور. الشيخ: أنا أعرف. مداخلة: نعم حصل. الشيخ: ويجزمون بذلك. مداخلة: ويجزمون طبعاً؛ لأنه خاصة في الشتاء الأخير، يجوز أنه وصل إلى

стр. 3953

عشرين أو ثلاثين متراً، أخذ السيل منطقة كبيرة من المَحِلَّة التي فيها المقبرة الآن، المقبرة الجديدة. الشيخ: يا حبيبي قولك أنه وصل إلى عشرين .. أمتار، ما بيزيد فيه شيء، لأنه قد يكون القبر الآن فوق ثلاثين متر. مداخلة: لا أقل بكثير شيخنا. الشيخ: إذاً هم يجزمون أن السيل في بعض الأحيان جاوز منطقة القبر. مداخلة: نعم. الشيخ: هكذا يأتي سؤال آخر. مداخلة: نعم. الشيخ: وهو الأخير. مداخلة: نعم. الشيخ: متى دفنوها؟ مداخلة: منذ أسبوعين. الشيخ: أسبوعين. مداخلة: أو أقل يعني. الشيخ: أيضاً نريد أن نعرف طبيعة الأرض هناك. مداخلة: الأرض ترابية جداً. الشيخ: ليس هذا المقصود. مداخلة: تفضل. الشيخ: المقصود هل تأكل الأرض هناك الأجساد بمدة قليلة أو كثيرة؟

стр. 3954

مداخلة: والله يا أستاذ، الله أعلم لا ندري. الشيخ: فالجواب الآن يتحرر كما يأتي. مداخلة: نعم. الشيخ: إذا غلب على ظنهم أنهم يجدون المرأة في كفنها لم تبلَ، بحيث أنهم لا يَطَّلِعون على عورتها، فيجوز لهم أن ينقلوها كما هي إلى قبر آخر. مداخلة: نعم. الشيخ: أما إذا كان يغلب على ظنهم، ولا بد هناك في رجل يُسَمُّوه مقابري، وهو يعرف طبيعة الأرض، ولا بد له تجارب، فهذا السؤال الأخير الذي وجهته لك يوجه إليه، فهل يجدون الكفن قد بلي. مداخلة: واضح تماماً الكلام شيخنا. الشيخ: فإذاً جواب المقابري سلباً أو إيجاباً، يكون الجواب بالسلب أو بالإيجاب. إن كان يقول لا الكفن صار تراباً، والجُثَّة بدأت تهتري، فحينئذٍ معناه سَيَطَّلعون على عورتها، وهذا حرام، فيُتْرَك الأمر إما إلى أن تتحول الجثة إلى عظام متفرقة، وإما إلى أن يأتي الوادي بسيله، بخيره وشره. واضح. مداخلة: واضح تمام يا أستاذ، جزاكم الله خيرًا. (الهدى والنور / ١٧٨/ ٣٨: ٢٩: ٠١) هل أخَّر الصحابة دفن النبي ﷺ - مداخلة: هل ورد في السنة أو في السيرة عن النبي ﷺ حينما انتقل إلى الرفيق الأعلى، ترك الصحابة دفنه يومين حتى بايعوا أبا بكر خليفة للمسلمين، هل ورد هذا صحيح .. ضعيف؟

стр. 3955

الشيخ: نعم. مداخلة: ورد صحيح؟ الشيخ: نعم. مداخلة: والله هذا .. (الهدى والنور /٤٨٢/ ٥٢: ٠٣: ٠٠) دفن الموتى ليلاً الملقي: نهى رسول أن يُدْفَن الرجل ليلاً حتى يصلى عليه، فقرأت الكتاب، بس ما استوضحت منه الكلام الذي أنت متكلمه، فحبيت أني أستوضح منك شخصيا، بارك الله فيك. الشيخ: وأظن أنه اللِّي مذكور في الكتاب: «أحكام الجنائز وبدعها». هو أن الأصل: أنه لا ينبغي للمسلم أن يدفن ميته ليلاً، إلا للضرورة، فإذا وُجِدت الضرورة، كأن يُخْشَى مثلاً على الميت بسبب الجو، حرارة الجو أن ينتفخ، أو يقيح، أو ما أشبه ذلك، فيجوز دفنه ليلاً. أما إذا تَيَسَّر له ألَّا يدفنه، ولا نخشى أن يصيب ميته شيء مما ذكرنا آنفا، فينبغي أن يُؤَجَّل إلى النهار. (الهدى والنور /٥٢٨/ ٥٣: ٣٨: ٠٠) هل ثبت قول: بسم الله على ملة رسول الله عند إدخال الميت القبر ؟ مداخلة: أحسن الله إليك عندما يدخلون الرجل الميت في القبر، يقولون: بسم الله على ملة رسول الله، هل هذه واردة، وهل يجوز تكرارها؟

стр. 3956

الشيخ: أما أنها واردة فهي واردة وصحيحة، أما أنه هل يجوز تكرارها؟ فلا يصح تكرارها تعبدًا ويصح تكرارها تعليمًا، واضح. (فتاوى جدة - ٦/ ٠٠: ٣٢: ٣٩) حكم تلقين الميت الشهادة بعد دفنه مداخلة: ما حكم تلقين الميت للشهادة بعد قبره؟ الشيخ: هذا التلقين الذي يفعل في بعض البلاد الإسلامية عمدته حديث لا يصح بوجه من الوجوه، وكم دفن النبي ﷺ من أصحابه من الشهداء وغيرهم ولم ينقل عنه ولا في حديث واحد من فعله ﵇ ولو كان حديثاً ضعيفاً أنه بعد أن دفن الميت أخذ ﵇ يلقنه هذا التلقين: إذا جاءاك فسألاك من ربك فقل: ربي الله إلى آخره، هذا لم يرد من فعله ﵇ مطلقاً وإنما جاء في حديث أحياناً من حديث أبي أمامة أو ثوبان الآن أنا أشك في معجم الطبراني الكبير وفي إسناده ضعف مذكور في محله. هذا التلقين لا يجوز اتخاذه سنةً؛ ومن عجب أن التلقين المشروع لا يأخذ اهتمامهم كما يهتمون بهذا التلقين غير المشروع، أعني بالتقلين المشروع: ما جاء به الحديث الصحيح من غير ما طريق واحد ألا قوله ﵊: «لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله» لقنوا موتاك، أي: الذين حضرهم الموت وأشرفوا على الموت وهم لا يزالون في قيد الحياة؛ لأن هذا التلقين قد ينفعهم؛ لأن الرسول ﵇ ثبت عنه أنه قال: «إن الله ﵎ يقبل توبة عبده ما لم يغرغر». فإذا كان فضل الله واسعاً إلى درجة أنه يقبل توبة عباده أو عبده قبل أن تصل الروح إلى الحلقوم فحينئذٍ يؤمل ويرجى أن المحتضر إذا قيل له: قل: لا إله إلا الله، أن يستجيب لهذا القول ولهذا الأمر فيكون آخر قوله شهادة أن لا إله إلا الله، ويكون ذلك بشرى له بحسن خاتمته، فهذا التلقين هو المشروع، «لقنوا موتاكم» أي: الذين حضرهم الموت لا إله إلا الله، أما تلقين الميت الذي وضع في

стр. 3957

قبره فلا يفيده شيئاً؛ لأنه انتهى أجله إن صالحاً فصالح وإن طالحاً فطالح ولا يفيده هذا التلقين المبتدع. بل أنا أقول: هذا التلقين يشبه نوعاً من التلقين معروف بين الناس في هذا الزمان وهم الطلبة في المدارس، إذا أحدهم لقن جاره في أثناء الامتحان قد يكون سبباً لسقوطه؛ لأنه تلقن ما لا ينبغي أن يتلقنه؛ لأنه هذا الذي كان قد لقنه كان ينبغي عليه أن يصل إليه بجهده وتعبه ونصبه، أما أن يستفيد من جهود غيره فسوف لا يستفيد، كذلك هذا الميت الذي دفن في قبره فتلقينه لا يفيده شيئاً مطلقاً. «من مات وكان آخر ما قال: لا إله إلا الله» أو كما قال ﵊. بهذه المناسبة تلقين المحتضر: هناك بعض العلماء يقولون، وفي زعمي قولهم هذا يشبه الفلسفة التي لا أصل لها في الشرع بل ولا في العقل، يقولون: لا ينبغي للملقن لمن حضره الموت أن يقول له: قل لا إله إلا الله، وإنما هو يذكر الله ويقول: لا إله إلا الله .. لا إله إلا الله تسميعاً للمحتضر لعله يتنبه من غفلته في تلك الساعة الخطيرة ويقول: لا إله إلا الله، لماذا يقول هذا البعض، أنه لا ينبغي أن يأمره بلا إله إلا الله؟ خشية أن يرفض الأمر فيكون عاقبة أمره الموت على كفر والعياذ بالله، هكذا زعموا. لكني أقول: قد جاء في السنة الصحيحة ما يبين أن قوله ﵇: «لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله» إنما يعني أمر المحتضر بأن يقول: لا إله إلا الله، جاء هذا في صحيح البخاري حينما مرض غلام من اليهود كان يخدم النبي ﷺ ، فعاده النبي ﷺ فوجده في حضرة الموت، فقال له ﵊: «قل: لا إله إلا الله» هذا هو التلقين. وبهذا ينبغي أن نأخذ فائدة وهي: أن أقوال النبي ﷺ يجب تفسيرها بأفعاله ﵊ فالسنة القولية تبين بالسنة الفعلية، «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» قيل كما سمعتم آنفاً أنه يقول في حضرة المحتضر: لا إله إلا الله، ولا يخاطبه بقوله: قل: لا إله إلا الله، فجاءت السنة الفعلية مبينة أن المقصود من: «لقنوا

стр. 3958

موتاكم» ثم ما هو؟ أن يؤمر بأن يقول: لا إله إلا الله، هذا ما فعله الرسول ﵊ حينما عاد هذا الغلام اليهود الذي كان يخدم النبي ﷺ وهو يهودي ابن يهودي، ولكن الرسول ﵊ هو من أكرم الناس خلقاً ولو كان هذا الغلام يهودياً فقد عاده، ولكنه ﵊ يهتبل كل فرصة ليبلغ الناس العلم والدين فاغتنمها فرصة وقال له: «يا غلام! قل: لا إله إلا الله» وعلى رأس الغلام والده اليهودي فنظر الغلام إلى أبيه كأنه يقول له ما رأيك .. هاأنت تسمع محمداً ﵊ يقول لي: قل: لا إله إلا الله، فالخبيث وهذا شأن الكفار كما قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] هو يعرف أن دعوة الرسول حق ولكن كما قال أيضاً في الآية الأخرى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] لما رأى اليهودي ابنه في طريق له وأنه لا حياة له بعد ذلك قال له: أطع أبا القاسم، أبا القاسم يقول لابن اليهودي، قال: لا إله إلا الله، واليهودي الوالد يكفر بلا إله إلا الله، ولكن لما رأى ولده أنه في طريق الموت ولا نجاة له إذا مات يهودياً قال له: أطع أبا القاسم، أما هو فلا يزال عاصياً لأبي القاسم عناداً وكفراً وضلالاً. الشاهد، قال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وخرجت روحه، فقال ﵊: «الحمد لله الذي نجاه بي من النار» فهذا هو التلقين المشروع أن يقال للمحتضر: قل: لا إله إلا الله، أما تلقينه وهو في قبره فلا يفيده شيئاً سواء عند دفنه أو بعد دفنه وهو ميت لا حراك له ولا يسمع ما يلقن ولو سمع لما استجاب؛ لأنه خرج ما حصله في الدنيا من إيمان وعمل صالح، أو كفر وعمل طالح. أسأل الله ﵎ أن يوفقنا لفهم الإسلام فهماً صحيحاً وأن يرزقنا العلم الصالح، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين. (رحلة النور: ٠٨ أ/٠٠: ٤٤: ٠٣)

стр. 3959

السنة الدفن في ثلاثة أثواب السائل: هل يشترط التفاوت في حجم الأكفان؟ الشيخ: السنة المعروفة أن النبي ﷺ دفن في ثلاثة أثواب، وكما قال علي ﵁: لو كان الدين بالرأي لقلت المسح من الخفين من أسفلهما أولى من المسح عليهما ولكن الدين هو الاتباع، كذلك نقول: لو كان الدين بالرأي لكان التكفين في كفن واحد يكفي؛ لأنه إلى الفناء ولكن ما دام جاءت السنة بثلاثة أثواب فنقف عندها ولا نزيد عليها، فقد صح عن أبي بكر الصديق ﵁ ما يشعرنا بهذا المعنى. جاء عن أبي بكر أنه لما حضرته الوفاة أمر بتكفينه بثوب له قديم فقال: الحي أولى بالجديد من الميت، يشير إلى هذا المعنى، أي: هذا الكفن إلى فناء فلماذا نغالي فيه ولماذا نخص الكفن أن يكون ثوباً جديداً؟ لا، ندع الجديد للذي سيعيش؛ لأنه أقوى له وأنفع، هذا ما يمكن ذكره بهذه المناسبة. مداخلة: طيب! بالنسبة للثلاثة أثواب ذكر أهل العلم أنها تكون واحد أقصر من الآخر. الشيخ: ما في هذا التفصيل، ثلاثة أثواب يلف فيها الميت كلها. مداخلة: تكون مقاس واحد؟ الشيخ: نعم، بحيث يشمل الميت كله وليس شيء أقل من شيء، بعضهم يذكرون أنه يلبس القميص، ليس هناك ثياب كالقميص أو ما شابه ذلك تفصل على بدن الإنسان كما لو كان حياً وإنما هي ثلاثة قطع يلف فيها ويدرج الميت فيها ثم يوضع في النعش ثم في القبر. مداخلة: لا أنا أقصد الثلاثة أثواب تكون بعضها هكذا .. هذا الطويل وهذا أقصر ..

стр. 3960

الشيخ: بارك الله فيك! قد أجبتك. مداخلة: .. أما الإدراج فلا خلاف فيه. الشيخ: كيف؟ مداخلة: ما هناك خلاف في الإدراج في إدراجهم ... الشيخ: [أنا أقول] أن تفصيل القول في ثلاثة أكفان أن أحدها أطول من الآخر والآخر أقصر هذا لم يرد ذكر له في السنة إطلاقاً وعطفت على ذلك فقلت: أن بعضهم يذكرون أنه يستحب أن يكسى القميص، فقلت: لا؛ لأن الرسول لم يكس وإنما أدرج في ثلاثة أكفان ولم يأت ذكر لهذا التفصيل .. (رحلة النور: ٠٤ ب/٠٠: ٠٢: ٠٤) هل هناك فضل لمن دُفن في البقيع أو مكة ؟ مداخلة: ما هو فضل الدفن في البقيع أو مكة مع أن الإنسان إذا مات ليس له إلا أعماله؟ الشيخ: لا أعتقد أنه يوجد لمن دفن في مكة أو المدينة فضيلة خاصة لمجرد الدفن، ويعجبني في هذه المناسبة ما رواه الإمام مالك في الموطأ أن سلمان الفارسي كان في العراق وأبو الدرداء كان في المدينة فكتب إلى سلمان يحضه على الإتيان في المدينة فرد عليه الجواب بقوله: إن الأرض المقدسة لا تقدس أحداً إنما يقدس الإنسان عمله، ولذلك فما يفعله بعض الناس من التوصية أنه إذا مات أن يدفن في مكة أو في المدينة وبخاصة الشيعة هؤلاء حيث يوصون أن يدفن في النجف؛ لأنها أرض مقدسة عندهم .. هذا وذاك لا يشرع إطلاقاً. هذا بلا شك أي: إيثار الدفن في مكة أو في المدينة شيء واستيطان هذين البلدين شيء آخر، فلا ينبغي أن يلتبس الأمر أحدهما بالآخر، فقد قال ﵊: «من استطاع منكم أن يموت في المدينة فليفعل فإني أشفع لمن مات في
следующие страницы →