الشيخ: أما أنها واردة فهي واردة وصحيحة، أما أنه هل يجوز تكرارها؟ فلا يصح تكرارها تعبدًا ويصح تكرارها تعليمًا، واضح.
(فتاوى جدة - ٦/ ٠٠: ٣٢: ٣٩)
حكم تلقين الميت الشهادة بعد دفنه
مداخلة: ما حكم تلقين الميت للشهادة بعد قبره؟
الشيخ: هذا التلقين الذي يفعل في بعض البلاد الإسلامية عمدته حديث لا يصح بوجه من الوجوه، وكم دفن النبي ﷺ من أصحابه من الشهداء وغيرهم ولم ينقل عنه ولا في حديث واحد من فعله ﵇ ولو كان حديثاً ضعيفاً أنه بعد أن دفن الميت أخذ ﵇ يلقنه هذا التلقين: إذا جاءاك فسألاك من ربك فقل: ربي الله إلى آخره، هذا لم يرد من فعله ﵇ مطلقاً وإنما جاء في حديث أحياناً من حديث أبي أمامة أو ثوبان الآن أنا أشك في معجم الطبراني الكبير وفي إسناده ضعف مذكور في محله.
هذا التلقين لا يجوز اتخاذه سنةً؛ ومن عجب أن التلقين المشروع لا يأخذ اهتمامهم كما يهتمون بهذا التلقين غير المشروع، أعني بالتقلين المشروع: ما جاء به الحديث الصحيح من غير ما طريق واحد ألا قوله ﵊: «لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله» لقنوا موتاك، أي: الذين حضرهم الموت وأشرفوا على الموت وهم لا يزالون في قيد الحياة؛ لأن هذا التلقين قد ينفعهم؛ لأن الرسول ﵇ ثبت عنه أنه قال: «إن الله ﵎ يقبل توبة عبده ما لم يغرغر».
فإذا كان فضل الله واسعاً إلى درجة أنه يقبل توبة عباده أو عبده قبل أن تصل الروح إلى الحلقوم فحينئذٍ يؤمل ويرجى أن المحتضر إذا قيل له: قل: لا إله إلا الله، أن يستجيب لهذا القول ولهذا الأمر فيكون آخر قوله شهادة أن لا إله إلا الله، ويكون ذلك بشرى له بحسن خاتمته، فهذا التلقين هو المشروع، «لقنوا موتاكم» أي: الذين حضرهم الموت لا إله إلا الله، أما تلقين الميت الذي وضع في
стр. 3957
قبره فلا يفيده شيئاً؛ لأنه انتهى أجله إن صالحاً فصالح وإن طالحاً فطالح ولا يفيده هذا التلقين المبتدع.
بل أنا أقول: هذا التلقين يشبه نوعاً من التلقين معروف بين الناس في هذا الزمان وهم الطلبة في المدارس، إذا أحدهم لقن جاره في أثناء الامتحان قد يكون سبباً لسقوطه؛ لأنه تلقن ما لا ينبغي أن يتلقنه؛ لأنه هذا الذي كان قد لقنه كان ينبغي عليه أن يصل إليه بجهده وتعبه ونصبه، أما أن يستفيد من جهود غيره فسوف لا يستفيد، كذلك هذا الميت الذي دفن في قبره فتلقينه لا يفيده شيئاً مطلقاً.
«من مات وكان آخر ما قال: لا إله إلا الله» أو كما قال ﵊.
بهذه المناسبة تلقين المحتضر: هناك بعض العلماء يقولون، وفي زعمي قولهم هذا يشبه الفلسفة التي لا أصل لها في الشرع بل ولا في العقل، يقولون: لا ينبغي للملقن لمن حضره الموت أن يقول له: قل لا إله إلا الله، وإنما هو يذكر الله ويقول: لا إله إلا الله .. لا إله إلا الله تسميعاً للمحتضر لعله يتنبه من غفلته في تلك الساعة الخطيرة ويقول: لا إله إلا الله، لماذا يقول هذا البعض، أنه لا ينبغي أن يأمره بلا إله إلا الله؟ خشية أن يرفض الأمر فيكون عاقبة أمره الموت على كفر والعياذ بالله، هكذا زعموا.
لكني أقول: قد جاء في السنة الصحيحة ما يبين أن قوله ﵇: «لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله» إنما يعني أمر المحتضر بأن يقول: لا إله إلا الله، جاء هذا في صحيح البخاري حينما مرض غلام من اليهود كان يخدم النبي ﷺ ، فعاده النبي ﷺ فوجده في حضرة الموت، فقال له ﵊: «قل: لا إله إلا الله» هذا هو التلقين.
وبهذا ينبغي أن نأخذ فائدة وهي: أن أقوال النبي ﷺ يجب تفسيرها بأفعاله ﵊ فالسنة القولية تبين بالسنة الفعلية، «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» قيل كما سمعتم آنفاً أنه يقول في حضرة المحتضر: لا إله إلا الله، ولا يخاطبه بقوله: قل: لا إله إلا الله، فجاءت السنة الفعلية مبينة أن المقصود من: «لقنوا
стр. 3958
موتاكم» ثم ما هو؟ أن يؤمر بأن يقول: لا إله إلا الله، هذا ما فعله الرسول ﵊ حينما عاد هذا الغلام اليهود الذي كان يخدم النبي ﷺ وهو يهودي ابن يهودي، ولكن الرسول ﵊ هو من أكرم الناس خلقاً ولو كان هذا الغلام يهودياً فقد عاده، ولكنه ﵊ يهتبل كل فرصة ليبلغ الناس العلم والدين فاغتنمها فرصة وقال له: «يا غلام! قل: لا إله إلا الله» وعلى رأس الغلام والده اليهودي فنظر الغلام إلى أبيه كأنه يقول له ما رأيك .. هاأنت تسمع محمداً ﵊ يقول لي: قل: لا إله إلا الله، فالخبيث وهذا شأن الكفار كما قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] هو يعرف أن دعوة الرسول حق ولكن كما قال أيضاً في الآية الأخرى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] لما رأى اليهودي ابنه في طريق له وأنه لا حياة له بعد ذلك قال له: أطع أبا القاسم، أبا القاسم يقول لابن اليهودي، قال: لا إله إلا الله، واليهودي الوالد يكفر بلا إله إلا الله، ولكن لما رأى ولده أنه في طريق الموت ولا نجاة له إذا مات يهودياً قال له: أطع أبا القاسم، أما هو فلا يزال عاصياً لأبي القاسم عناداً وكفراً وضلالاً.
الشاهد، قال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وخرجت روحه، فقال ﵊: «الحمد لله الذي نجاه بي من النار» فهذا هو التلقين المشروع أن يقال للمحتضر: قل: لا إله إلا الله، أما تلقينه وهو في قبره فلا يفيده شيئاً سواء عند دفنه أو بعد دفنه وهو ميت لا حراك له ولا يسمع ما يلقن ولو سمع لما استجاب؛ لأنه خرج ما حصله في الدنيا من إيمان وعمل صالح، أو كفر وعمل طالح.
أسأل الله ﵎ أن يوفقنا لفهم الإسلام فهماً صحيحاً وأن يرزقنا العلم الصالح، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.
(رحلة النور: ٠٨ أ/٠٠: ٤٤: ٠٣)
стр. 3959
السنة الدفن في ثلاثة أثواب
السائل: هل يشترط التفاوت في حجم الأكفان؟
الشيخ: السنة المعروفة أن النبي ﷺ دفن في ثلاثة أثواب، وكما قال علي ﵁: لو كان الدين بالرأي لقلت المسح من الخفين من أسفلهما أولى من المسح عليهما ولكن الدين هو الاتباع، كذلك نقول: لو كان الدين بالرأي لكان التكفين في كفن واحد يكفي؛ لأنه إلى الفناء ولكن ما دام جاءت السنة بثلاثة أثواب فنقف عندها ولا نزيد عليها، فقد صح عن أبي بكر الصديق ﵁ ما يشعرنا بهذا المعنى.
جاء عن أبي بكر أنه لما حضرته الوفاة أمر بتكفينه بثوب له قديم فقال: الحي أولى بالجديد من الميت، يشير إلى هذا المعنى، أي: هذا الكفن إلى فناء فلماذا نغالي فيه ولماذا نخص الكفن أن يكون ثوباً جديداً؟ لا، ندع الجديد للذي سيعيش؛ لأنه أقوى له وأنفع، هذا ما يمكن ذكره بهذه المناسبة.
مداخلة: طيب! بالنسبة للثلاثة أثواب ذكر أهل العلم أنها تكون واحد أقصر من الآخر.
الشيخ: ما في هذا التفصيل، ثلاثة أثواب يلف فيها الميت كلها.
مداخلة: تكون مقاس واحد؟
الشيخ: نعم، بحيث يشمل الميت كله وليس شيء أقل من شيء، بعضهم يذكرون أنه يلبس القميص، ليس هناك ثياب كالقميص أو ما شابه ذلك تفصل على بدن الإنسان كما لو كان حياً وإنما هي ثلاثة قطع يلف فيها ويدرج الميت فيها ثم يوضع في النعش ثم في القبر.
مداخلة: لا أنا أقصد الثلاثة أثواب تكون بعضها هكذا .. هذا الطويل وهذا أقصر ..
стр. 3960
الشيخ: بارك الله فيك! قد أجبتك.
مداخلة: .. أما الإدراج فلا خلاف فيه.
الشيخ: كيف؟
مداخلة: ما هناك خلاف في الإدراج في إدراجهم ...
الشيخ: [أنا أقول] أن تفصيل القول في ثلاثة أكفان أن أحدها أطول من الآخر والآخر أقصر هذا لم يرد ذكر له في السنة إطلاقاً وعطفت على ذلك فقلت: أن بعضهم يذكرون أنه يستحب أن يكسى القميص، فقلت: لا؛ لأن الرسول لم يكس وإنما أدرج في ثلاثة أكفان ولم يأت ذكر لهذا التفصيل ..
(رحلة النور: ٠٤ ب/٠٠: ٠٢: ٠٤)
هل هناك فضل لمن دُفن في البقيع أو مكة ؟
مداخلة: ما هو فضل الدفن في البقيع أو مكة مع أن الإنسان إذا مات ليس له إلا أعماله؟
الشيخ: لا أعتقد أنه يوجد لمن دفن في مكة أو المدينة فضيلة خاصة لمجرد الدفن، ويعجبني في هذه المناسبة ما رواه الإمام مالك في الموطأ أن سلمان الفارسي كان في العراق وأبو الدرداء كان في المدينة فكتب إلى سلمان يحضه على الإتيان في المدينة فرد عليه الجواب بقوله: إن الأرض المقدسة لا تقدس أحداً إنما يقدس الإنسان عمله، ولذلك فما يفعله بعض الناس من التوصية أنه إذا مات أن يدفن في مكة أو في المدينة وبخاصة الشيعة هؤلاء حيث يوصون أن يدفن في النجف؛ لأنها أرض مقدسة عندهم .. هذا وذاك لا يشرع إطلاقاً.
هذا بلا شك أي: إيثار الدفن في مكة أو في المدينة شيء واستيطان هذين البلدين شيء آخر، فلا ينبغي أن يلتبس الأمر أحدهما بالآخر، فقد قال ﵊: «من استطاع منكم أن يموت في المدينة فليفعل فإني أشفع لمن مات في
стр. 3961
المدينة يوم القيامة» فإنما ما يعني هذا الحديث ليس مجرد الدفن وإنما الإقامة؛ ذلك لأن الإقامة في [البلاد] المقدسة .. عادةً هذه البلاد أهلها يكونون أصلح من غيرها من جهة ومن جهة أخرى أن المهاجر إلى هاتين البلدتين مكة والمدينة يكون أجره مضاعفاً بسبب الصلاة الفضيلة المعروفة في مكة والمدينة فلذلك حض ﵊ المسلمين أن يموتوا في المدينة ..
(رحلة النور: ١٠ ب/٠٠: ٤٢: ٢٨)
هل قولهم: بسم الله وعلى ملة رسول الله، عند إدخال الميت للقبر مشروع
السائل: عندما يدخل الرجل الميت القبر يقولون بسم الله على ملة رسول الله هل هذه واردة وهل يجوز تكرارها؟
الشيخ: أما أنها واردة فهي واردة وصحيحة أما أنه هل يجوز تكرارها فلا يصح تكرارها تعبدا ويصح تكرارها تعليما.
(فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- ١٥)
حكم تأخير دفن الميت
مداخلة: ما حكم تأخير وقت دفن الميت؟
الشيخ: طبعاً هذا لا يجوز؛ لأنه إخلال بتقديم الخير إلى الميت إذا كان صالحاً، أو إسقاط الشر من أعناق الرجال إذا كان طالحاً، كما قال ﵇: «إذا مات الميت فأسرعوا؛ فإما صالحة فخير تقدمونه إليه، وإما غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم».
مداخلة: في طبيب كنا ماشيين في جنازة والده، فيقول الطبيب: إن التأخير هو الأصلح للميت، قد يكون [عنده] سكتة قلبية مؤقتة ثم يعود.
стр. 3962
الشيخ: النادر لا حكم له، بخاصة إذا ترتب من وراء هذا النادر، اتخاذ قاعدة خلاف القاعدة الشرعية.
(الهدى والنور /٨١٤/ ١٧: ٠٧: ٠٠)
رد قول من قال أن النبي ﷺ أدخل قبره من ناحية القبلة
[قال الألباني معلقًا على هذا القول]:
قد ذكر الشافعي في «الأم» «١/ ٢٤١» أن هذا غير ممكن؛ لأن قبر النبي [ ﷺ ] كان عن يمين الداخل إلى البيت لاصقا بالجدار، وقد ألحد له [ ﷺ ] تحته، وهو قبلة البيت؛ فهو مانع من إدخاله [ ﷺ ] من جهة القبلة.
التعليقات الرضية (١/ ٤٦٧)
حديث: (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت) هذا الأمر النبوي الكريم هل هو على سبيل الجماعة أن الواحد يدعو والبقية يؤمنوا عليه أم فرادى ؟
السؤال: حديث: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت» هذا الأمر النبوي الكريم هل هو على سبيل الجماعة أن الواحد يدعو والبقية يؤمنوا عليه أم فرادى؟
الجواب: لا، كلٌ لحاله.
(الهدى والنور /٢٥/ ٤٥: ١.: .. )
مشروعية تعزية أهل الميت
- وتُشْرَع تعزية أهل الميت (١)، وفيه حديثان:
الأول: عن قُرَّة المزني ﵁ قال: «كان نبي الله ﷺ إذا جلس، يجلس إليه نفر من أصحابه، وفيهم رجل له ابن صغير، يأتيه من خلف ظهره فيُقْعِدَه بين يديه، «فقال له النبي ﷺ : تحبه؟ فقال: يا رسول الله أحبك الله كما أحبه! »، فهلك، فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة، لذكر ابنه، فحزن عليه، ففقده النبي ﷺ ، فقال: مالي لا أري فلانا؟ فقالوا: يا رسول الله بُنَيَّة الذي رأيته هلك، فلقيه النبي ﷺ : فسأله عن بنيه؟ فأخبره بأنه هلك، فعزاه عليه، ثم قال يا فلان؟ أيما كان أحب إليك: أن تمتع به عمرك، أو لا تأتي غدا إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك؟ قال: يا نبي الله! بل يسبقني إلى باب الجنة فيفتحها لى، لهو أحب إلىّ، قال: فذلك لك، «فقال رجل «من الانصار»: يا رسول الله «جعلني الله فداءك ة أله خاصة أو لكلنا؟ قال: بل لكلكم».
الثاني: عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من عزي أخاه المؤمن في مصيبته كساه الله حلة خضراء يجبر بها يوم القيامة، قيل: يا رسول الله ما يجبر؟ قال: يغبط».
واعلم أن الاستدلال بهذين الحديثين - لا سيما الأول منهما - على التعزية أولى من الاستدلال عليها بحديث: «من عزى مصابا فله مثل أجره»، وإن جرى عليه جماهير المصنفين، لأنه حديث ضعيف من جميع طرقه كما بينه النووي في «المجموع» «٥/ ٣٠٥» والعسقلاني في «التلخيص» «٥/ ٢٥١» وفي «إرواء الغليل» «رقم ٧٥٧».
أحكام الجنائز [٢٠٥].
стр. 3965
التعزية تكون بالكلام الذي يظن أنه يسلي أهل الميت، ويكف من حزنهم، ويحملهم على الرضا والصبر، مما يثبت عنه ﷺ إن كان يعلمه ويستحضره، وإلا فبما تيسر له من الكلام الحسن
- ويعزيهم بما يظن أنه يسليهم، ويكف من حزنهم، ويحملهم على الرضا والصبر، مما يثبت عنه ﷺ ، إن كان يعلمه ويستحضره، وإلا فبما تيسر له من الكلام الحسن الذي يحقق الغرض ولا يخالف الشرع، وفي ذلك أحاديث: الأول: عن أسامة بن زيد قال: «أرسلت إلى رسول الله ﷺ بعض، بناته: أن صبيا لها، أبنا أو ابنة، «وفي رواية: أميمة بنت زينب» (١) قد احتضرت، فاشهدنا، قال فأرسل إليها يقرأها السلام ويقول: «إن لله ما أخذ، و «لله» ما أعطي، وكل شئ عنده إلى أجل مسمى فلتصبر، ولتحتسب».
فأرسلت تقسم عليه «ليأتينها»، فقام، وقمنا، فرفع الصبي إلى حجر - أو في حجر - رسول الله ﷺ ، ونفسه تقعقع «كأنها في شنة» وفي القوم سعد بن عبادة، «ومعاذ بن جبل: » وأبي «بن كعب» أحسب «وزيد بن ثابت، ورجال» ففاضت عينا رسول الله ﷺ ، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله «وقد نهيت عن البكاء»؟ قال: «إنما هذه رحمة يضعها الله في قلوب من يشاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء».
قلت: وهذه الصيغة من التعزية وإن وردت فيمن شارف الموت فالتعزية بها فيمن قد مات أولى بدلالة النص، ولهذا قال النووي في «الأذكار» وغيره: «وهذا الحديث أحسن ما يعزي به».
الثاني: عن بريدة بن الحصيب قال: «كان رسول الله ﷺ يتعهد الانصار، ويعودهم، ويسأل عنهم، فبلغه عن امرأة من الانصار مات ابنها وليس لها غيره
стр. 3966
وأنها جزعت عليه جزعا شديدا، فأتاها النبي ﷺ «ومعه أصحابه، فلما بلغ باب المرأة، قيل للمرأة: إن نبي الله يريد أن يدخل، يعزيها، فدخل رسول الله ﷺ فقال: أما إنه بلغني أنك جزعت على ابنك، فأمرها بتقوى الله وبالصبر، فقالت: يا رسول الله «مالي لا أجزع و» إني امرأة رقوب لا ألد، ولم يكن لي غيره؟ فقال رسول الله ﷺ : الرقوب: الذي يبقى ولدها، ثم قال:
مامن امرئ أو امرأة مسلمة يموت لها ثلاثة أولاد [يحتسبهم] إلا أدخله الله: بهم الجنة، فقال عمر [وهو عن يمين النبي ﷺ ]: بأبي أنت وأمي واثنين؟ قال: وأثنين».
الثالث: قوله ﷺ حينما دخل على أم سلمة ﵂ عقب موت أبي سلمة: «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونوِّر له فيه».
الرابع: قوله ﷺ في تعزيته عبد الله بن جعفر في أبيه: «اللهم اخلف جعفرا في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه، قالها ثلاث مرات».
وفي التعزية أحاديث أخرى، ضربت صفحا عن ذكرها لضعفها، وقد بينت ذلك في «التعليقات الجياد» منها حديث كتابة النبي ﷺ إلى معاذ بن جبل يعزيه بوفاة ابن له وهو موضوع كما قال الذهبي والعسقلاني وغيرهما، وذهل عن ذلك الشوكاني وتبعه صديق حسن خان فحسناه تبعا للحاكم! فلا يغتر بذلك، فإن لكل جواد كبوة بل، كبوات.
أحكام الجنائز [٢٠٦].
لا تحد التعزية بثلاثة أيام لا يتجاوزها
- ولا تُحَدّ التعزية بثلاثة أيام لا يتجاوزها (١)، بل متى رأى الفائدة في التعزية
стр. 3967
أتى بها، فقد ثبت عنه ﷺ أنه عزى بعد الثلاثة في حديث عبد الله بن جعفر رضي الله ثعالى عنهما قال: «بعث رسول الله ﷺ جيشا استعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: فإن قتل زيد أو استشهد فأميركم جعفر، فإن قتل أو استشهد فأميركم عبد الله بن رواحة، فلقوا العدو، فأخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل، ثم أخدها عبد الله فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه، وأتى خبرهم النبي ﷺ ، فخرج إلى الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن إخوانكم لقوا العدو، وإن زيدا أخذ الراية فقاتل حتى قتل واستشهد، ثم ... ثم ... ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه، فأمهل، ئم أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ادعوا لي ابني أخي، قال: فجئ بنا كأنا أفرخ، فقال: ادعو لي الحلاق، فجيئ بالحلاق، فحلق رؤوسنا ثم قال: أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب.
وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي، ثم أخذ بيدي فأشالها فقال: اللهم اخلف جعفرا في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه، قالها ثلاث مرات.
قال: فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا، وجعلت تفرح (١) له، فقال: العيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والاخرة! ؟ ».
وقد ذهب إلى ما ذكرنا من أن التعزية لا تحد بحد جماعة من أصحاب الامام أحمد كما في «الإنصاف» «٢/ ٥٦٤» وهو وجه في المذهب الشافعي، قالوا: لان الغرض الدعاء والحمل على الصبر والنهي عن الجزع، وذلك يحصل مع طول الزمان.
حكاه إمام الحرمين وبه قطع أبو العباس ابن القاص من أئمتهم، وإن أنكره عليه بعضهم فإنما ذلك من طريق المعروف من المذهب لا الدليل. انظر «المجموع» «٥/ ٣٠٦».
أحكام الجنائز [٢٠٩].
стр. 3968
ينبغي اجتناب الاجتماع للتعزية واتخاذ أهل الميت الطعام لضيافة الواردين للعزاء
وينبغي اجتناب أمرين وإن تتابع الناس عليهما:
أ - الاجتماع للتعزية في مكان خاص كالدار أو المقبرة أو المسجد.
ب - اتخاذ أهل، الميت الطعام لضيافة الواردين للعزاء.
وذلك لحديث جرير بن عبد الله البجلى ﵁ قال: «كنا نعد «وفي رواية: نرى» الاجتماع إلى أهل الميت، وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة».
قال النووي في «المجموع» «٥/ ٣٠٦»: «وأما الجلوس للتعزية، فنص الشافعي والمصنف وسائر الاصحاب على كراهته، قالوا: يعني بالجلوس لها أن يجتمع أهل الميت في بيت فيقصدهم من أراد التعزية، قالوا: بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم فمن صادفهم عزاهم، ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها»
ونص الامام الشافعي الذي أشار إليه النووي هو في كتاب «الام» «١/ ٢٤٨»: «وأكره المآتم، وهي الجماعة، وإن لم يكن لهم بكاء، فإن ذلك يجدد الحزن، ويكلف المؤنة، مع ما مضي فيه من الاثر».
كأنه يشير إلى حديث جرير هذا، قال النووي: «واستدل له المصنف وغيره بدليل آخر وهو أنه محدث».
وكذا نص ابن الهمام في شرح الهداية «١/ ٤٧٣» على كراهة اتخاذ الضيافة من الطعام من أهل الميت وقال: «وهي بدعة قبيحة».
وهو مذهب الحنابلة كما في «الإنصاف» «٢/ ٥٦٥».
أحكام الجنائز [٢١٠].
стр. 3969
السنة أن يصنع أقرباء الميت وجيرانه لأهل الميت طعاما يشبعهم
وإنما السنة أن يصنع أقرباء الميت وجيرانه لأهل الميت طعاما يشبعهم، لحديث عبد الله بن جعفر ﵁ قال: «لما جاء نعي جعفر حين قتل قال النبي ﷺ : اصنعوا لآل جعفر طعاما، فقد أتاهم أمر يشغلهم، أو أتاهم ما يشغلهم».
وقد «كانت عائشة تأمر بالتلبين للمريض، وللمحزون على الهالك، وتقول: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن التلبينة تجم فؤاد المريض وتذهب ببعض الحزن».
وقال الامام الشافعي في «الام» «١/ ٢٤٧»: «وأحب لجيران الميت أو ذي القرابة أن يعملوا لاهل الميت في يوم يموت وليلته طعاما يشبعهم، فإن ذلك سنة، وذكر كريم.
وهو من فعل أهل الخير قبلنا وبعدنا».
أحكام الجنائز [٢١١].
صناعة الطعام لأهل الميت
السائل: بخصوص الطعام.
الشيخ: الطعام يتقدم به أقارب الميت، لأهل الميت المصاب بالميت، أما المصابون فلا يجوز لهم في شرع الله أن يصنعوا طعاماً، وحسبهم ما نزل بهم من مصيبة، وقوله ﵇ لأقارب جعفر: «اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد شغلهم ما يكفيهم»، فشغل هؤلاء بمصيبتهم.
لا يجوز أن يُشْغِلوا أنفسهم بضيافة واستقبال المُعَزِّين، وأن هذا ليس عرساً، إنما هذا وفاة.
стр. 3970
فلا يجوز تجهيز الطعام لأهل المصابين، وإنما من الجيران، أن يصنعوا الطعام للمصابين، هذا فقط.
(الهدى والنور/٩/ ١٠: ٧٣: .. )
ويستحب مسح رأس اليتيم وإكرامه
- ويستحب مسح رأس اليتيم وإكرامه، لحديث عبد الله بن جعفر قال: «لو رأيتني وقثم وعبيد الله بن عباس ونحن صبيان نلعب، إذ مر النبي ﷺ على دابة فقال: ارفعوا هذا إلي، قال فحملني أمامه، وقال: لقثم: ارفعوا هذا إلي، فحمله وراءه، وكان عبيد الله أحب إلى عباس من قُثم، فما استحى من عمه أن حمل قثما وتركه، قال: ثم مسح على رأسي ثلاثا، وقال كلما مسح: اللهم اخلف جعفرا في ولده، قال: قلت لعبد الله: ما فعل قثم؟ قال، : استشهد، قال: قلت: الله أعلم ورسوله بالخير، قال: أجل».
أحكام الجنائز [٢١٢].
تأبين الميت
سؤال: بعض الممارسات في الحياة يسمونها الحياة العصرية يُؤَبِّنون الرجل، فالتأبين كما تعلم أنه بعد موته بفترة، يجتمع مجموعة أو رهط من الناس، ويَذْكُروا مناقب الفقيد وما شابه، ما حكم الشرع في مثل هذه الأمور؟
الشيخ: هذا مُتَحَدَّث عنه في كتب البدع، أنها من البدع، بل هي بالنسبة لما يقع من المحرمات، لأنه يبالغ فيها في مدح الميت بما ليس فيه، البخيل يصبح كريماً، والفاسق يصبح صالحاً، وهكذا.
مداخلة: هي ممنوعة أو محذورة، بحكم أنها تزوير للحقائق، أم بحكم أنها بدعة؟
стр. 3971
الشيخ: لا لا، قلت لك هي بدعة، لكن هي اليوم فوق كونها بدعة، محرمة؛ لأنه يُذْكَر فيها خلاف ما فيه واقع الميت، وهذا ليس مخصوصاً بالتأبين.
عندنا في الشام إذا أدخل الميت وهو في نعشه إلى المسجد للصلاة عليه ووضع جانباً، بينما يصلون الفريضة، ثم يقوم الإمام ليصلي عليه فيتلفت إلى من خلفه، يقول: يا إخواننا ما تشهدوا فيه، هو صالح؟ نعم صالح، صار صالح الآن.
مداخلة: جواب دائم هذا.
الشيخ: نعم، هذا شيء مستمر، ولو جاء أكابر المجرمين!
(الهدى والنور / ٢٥٧/ ٠٠: ١٥: ٠٠)
حكم التعزية بالرسالة المكتوبة
مداخلة: طيب يا شيخنا بالنسبة للتعزية، هل تجوز التعزية برسائل؟
الشيخ: لماذا لا يذهب يعزيه في محله، في متجره، في جامعه؟
مداخلة: يعني: نفرض أنه في مكان بعيد مثلاً في السعودية.
الشيخ: إذا افترضت هكذا عزيه بالكتاب والرسالة.
(الهدى والنور / ١٦٠/ ٢٠: ٠٢: ٠٠)
الصيغة الشرعية في التعزية
السائل: [الصيغة الشرعية في التعزية]
الشيخ:
لا يوجد في السنة ذكر خاص للتعزية, ولكن نرى استعمال ما جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ أرسلت إليه إحدى بناته وأظنها زينب, بأن ابنًا لها قد حضره الموت فأرسل النبي ﷺ إليها تعزية لها قائلا: «إن لله ما أخذ ولله ما أعطى
стр. 3972
وكل شيء عنده بأجل مسمى فلتصبري ولتحتسبي» فإذا أقمنا من كان على وشك الإصابة بحبيبه أو وليه مقام من أصيب كانت هذه هي التعزية، ولا يوجد فيما علمنا ما يغني عنها من السنة الثابتة للنبي ﷺ .
(فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- ١٧)
حكم السفر للتعزية خاصة
السائل: هل يجوز للأخ أن يسافر لتعزية أخاه المسلم؟
الشيخ: ما فهمت هل يجوز للمسافر ماذا.؟
السائل: هل يجوز أن يسافر المسلم لتعزية أخاه المسلم؟
الشيخ الألباني: هل يجوز للمسلم أن يسافر ليقوم بتعزية مسلم في بلد آخر يشد إليه الرحل؟
لا أجد فيما عندي من علم ما يمنع من ذلك إذا لم يكن هناك سبيل للقيام بالتعزية أما اليوم فالوسائل والحمد لله كثيرة وكثيرة جدا ففي النهاية نقول لا يجوز ذلك مادام يمكن تحقيق التعزية بالهاتف أو ببقية أو بالبريد أو نحو ذلك ما أقول لا يجوز السفر لأنه يدخل في عموم قوله ﵇: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاث مساجد» لأن المقصود بهذا النفي أن يقصد الإنسان مكانا معينا لظنه أن فيه فضيلة أو قدسية خاصة, أما هنا فهو يذهب إلى تعزية أخ له مسلم دون أن يتقصد المكان الذي هو هذا المسلم هو فيه فلا فرق عنده إن كان في العراق أو في مصر أو في أوروبا او في بلاد آخر فلا أقول أن الحجة إنما هي في هذا الحديث لما ذكرته آنفا وإنما الحجة أن ذلك من باب التكلف في تحقيق أمر مشروع لا يبلغ حكمه الوجوب وإنما هو على سبيل الاستحباب وهذا الاستحباب يمكن تحقيقه بوسيلة ميسرة في العصر الحاضر, هذا جوابي على ما سألت.
(فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- ١٧)
стр. 3973
حكم التعزية وبعض صورها
مداخلة: سؤال يقول: ما حكم التعزية؟ وهل يذهب إلى أهل الميت من أجل تعزيتهم؟ علمًا بأن كثيرًا من النساء يذهبن للتعزية ويجلسن ولا يترتب من ذهابهن فائدة تذكر، فهل التعزية جائزة أم غير جائزة، وهل الاتصال بأهل الميت بالهاتف يعد من التعزية مع الأدلة، وكذا التعزية بالنسبة للأقارب علمًا بأننا إذا لم نذهب لا يترتب على ذلك قطيعة، فما تقول في ذهاب البعض منا في وقت التعزية من أجل إنكار البدع أو تصبير أهل الميت إذا كانت المصيبة عظيمة.
الشيخ: هذا هو المخرج إذا ذهب ذاهب إلى مكان التعزية من أجل التعزية أولًا ثم من أجل التنبيه على ما يفعلونه من المخالفات الشرعية فهذا يجوز وإلا تكتفي المرأة بالتعزية من وراء الهاتف.
وبهذه المناسبة أذكر نكتة أفعلها في كثير من الأحيان، وفيها تنبيه لمسألة ربما ما سمعتم بها، فإن رأيتم الصواب فعليكم بإحيائها وإلا فدلونا عليه على الصواب:
معلوم اليوم بين الناس أنه إذا حضر عيد الفطر أو عيد الأضحى أن يذهب بعضهم لزيارة بعض للمعايدة، تقولون هكذا في هذه البلاد؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: أنا أعتقد أن هذه المعايدة بدعة.
مداخلة: عجيب! أول مرة نعرف.
الشيخ: إيه والله، أول مرة تسمع! فأقول: إن هذه المعايدة هي بدعة في الإسلام لم تكن في قديم الزمان، والمعايدة إنما تكون في المصلى، ومن هنا تظهر حكمة تجميع المسلمين في مكان واحد يوم العيد؛ لأنه يسلم بعضهم على بعض ويتعرف بعضهم ببعض، الشاهد: أن المسلمين اليوم كما تعلمون ما يعرفون هذه القضية، ولو عرفوا يصعب عيهم تطبيقها، الشاهد: أنني أذهب أحيانًا لأعايد على بعض الإخوان لكن أقول له: أنا ترى جئتك زائرًا وما جئتك معايدًا؛ لأن هذه
стр. 3974
المعايدة بدعة، أنا جئت أولًا أغتنم فرصة وجودك في البيت، فأنا أزورك من جهة وأبلغك الحكم الشرعي من جهة أخرى.
فإذا النساء فعلن هكذا في التعزية أو في غير التعزية فيكون الجمع بين القيام بالتعزية وهي سنة ولا شك، وبين التنبيه على ما قد يقع من بعض المنكرات، وأنا هكذا أفعل أيضًا أحيانًا حينما يغلب على ظني أنني إذا حضرت مكان التعزية يسمع لقولي، فأحضر وأجدهم مع الأسف يشغلون المسجل بالقرآن والذي يدخن، والذي يسلم على الثاني ... فأنصحهم وأذكرهم أن اجتماعكم هذا هو خلاف السنة فكيف وقد اقترن بالاجتماع مخالفات مكشوفة؟ فالشاهد: أن الذهاب للتعزية مع الإنكار ... يكون في مصلحتهن.
مداخلة: الآن اتسعت البلاد وفي المصلى ما تجد كل من تريد تسلم عليهم في المصلى فتضطر أن تنتقل [إلى بيوتهم للزيارة]؟
الشيخ: لماذا ما تجد؟ لأنهم يحافظون على السنة؟
مداخلة: يصلون في مصلى آخر يا شيخ.
الشيخ: ما أجبتني! لأنهم يحافظون على السنة؟ المصلى يجب أن يتسع للبلد كله، وإلا ما الفائدة تفرقنا في المساجد أو تفرقنا في المصليات ..
مداخلة: في الواقع أنه لا يتسع.
الشيخ: كم عدد البلد الذي لا يتسع المصلى لهم، مع أرض الله الواسعة؟
مداخلة: كأنه يقول يا شيخ ما الحل يعني.
الشيخ: الواجب أن من كان بيده العقد والحل ينبهون بالتي هي أحسن إلى حكم الشرع ويختارون أرض واسعة تتسع لكل أهل البلدة في البلدة، صحيح لو كان مثلًا مثل مصر القاهرة أو مثل لندن .. فممكن هذا، لكن هذا متى يقال: لا يمكن؟ بعد إعمال الفكر وإفراغ الجهد، أما نتوكل على ما نحن عليه، هذا ليس عذرًا.
(رحلة النور: ٣٠ ب/٠٠: ١٢: ١٨)
مما ينتفع به الميت من عمل غيره: الدعاء له
- وينتفع، الميت من عمل غيره بأمور: أولا: دعاء المسلم له، إذا توفرت فيه شروط القبول، لقول الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيم﴾. [سورة الحشر ١٠].
وأما الأحاديث فهي كثيرة جداً، وقد سبق بعضها، ويأتي بعضها في زيارة القبور، ودعاء النبي ﷺ لهم، وأمره بذلك.
ومنها قوله ﷺ : «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل».
بل، إن صلاة الجنازة جلها شاهد لذلك، لأن غالبها دعاء للميت واستغفار له، كما تقدم بيانه.
أحكام الجنائز [٢١٣].
مما ينتفع به الميت من عمل غيره: قضاء ولي الميت صوم النذر عنه
[مما ينتفع به الميت]: قضاء ولي الميت صوم النذر عنه، وفيه أحاديث:
الأول: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وعليه صيام، صام عنه وليه».
الثاني: عن ابن عباس ﵁: «أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله ﵎ أنجاها أن تصوم شهرا، فأنجاها الله ، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قرابة لها [إما أختها أو ابنتها] إلى النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: [أرأيتك لو كان عليها دين كنت تقضينه؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن
стр. 3977
يقضى]، [ف] اقض [عن أمك]».
الثالث: عنه أيضا.
«أن سعد بن عبادة ﵁ استفتى رسول الله ﷺ فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر؟ فقال: اقضه عنها».
قلت: وهذه الأحاديث صريحة الدلالة في مشروعية صيام الولي عن الميت صوم النذر، إلا أن الحديث الأول يدل بإطلاقه على شئ زائد على ذلك وهو أنه يصوم عنه صوم الفرض أيضا. وقد قال به الشافعية، وهو مذهب ابن حزم «٧/ ٢، ٨» وغيرهم.
وذهب إلى الأول الحنابلة، بل هو نص الإمام أحمد، فقال أبو داود في «المسائل» «٩٦»:
«سمعت أحمد بن حنبل قال: لا يصام عن الميت إلا في النذر».
وحمل أتباعه الحديث الأول على صوم النذر، بدليل ما روت عمرة: أن أمها ماتت وعليها من رمضان فقالت لعائشة: أقضيه عنها؟ قالت: لا بل تصدقي عنها مكان كل يوم نصف صاع على كل مسكين. أخرجه الطحاوي «٣/ ١٤٢» وابن حزم «٧/ ٤» واللفظ له بإسناد قال ابن التركماني: «صحيح» وضعفه البيهقي ثم العسقلاني، فإن كانا أرادا تضعيفه من هذا الوجه، فلا وجه له، وإن عنيا غيره، فلا يضره، وبدليل ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «إذا مرض الرجل في رمضان، ثم مات ولم يصم، أطعم عنه ولم يكن عليه قضاء وإن كان عليه نذر قضى عنه وليه». أخرجه أبو داود بسند صحيح على شرط الشيخين، وله طريق آخر بنحوه عند ابن حزم «٧/ ٧» وصحح إسناده. وله طريق ثالث عند الطحاوي «٣/ ١٤٢»، لكن الظاهر أنه سقط من متنة شئ من الناسخ أو الطابع ففسد المعنى.
قلت: وهذا التفصيل الذي ذهبت إليه أم المؤمنين: وحبر الأمة ابن عباس ﵄ وتابعهما إمام السنة أحمد بن حنبل هو الذي تطمئن إليه إلنفس،
стр. 3978
وينشرح له الصدر، وهو أعدل الأقوال في هذه المسألة وأوسطها وفيه إعمال لجميع الاحاديث دون رَدّ لأي واحد منها، مع الفهم الصحيح لها خاصة الحديث الأول منها، فلم تفهم منه أم المؤمنين ذلك الاطلاق الشامل لصوم رمضان، وهي راويته، ومن المقرر أن رأوي الحديث أدرى بمعنى ما روى، لا سيما إذا كان ما فهم هو الموافق لقواعد الشريعة وأصولها، كما هو الشأن هنا، وقد بين ذلك المحقق ابن القيم رحمه الله تعالى، فقال في «إعلام الموقعين» «٣/ ٥٥٤» بعد أن ذكر الحديث وصححه: «فطائفة حملت هذا على عمومه وإطلاقه، وقالت: يصام عنه النذر والفرض.
وأبت طائفة ذلك وقالت: لا يصام عنه نذر ولا فرض، وفصلت طائفة فقالت: يصام عنه النذر دون الفرض الأصلي. وهذا قول ابن عباس وأصحابه، وهو الصحيح، لان فرض الصيام جار مجرى الصلاة، فكما لا يصلي أحد عن أحد، ولا يسلم أحد عن أحد فكذلك الصيام، وأما النذر فهو التزام في الذمة بمنزلة الدين، فيقبل قضاء الولي له كما يقضي دينه، وهذا محض الفقه.
وطرد هذا أنه لا يحج عنه، ولا يزكي عنه إلا إذا كان معذورا بالتأخير كما يطعم الولي عمن أفطر في رمضان لعذر، فأما المفطر من غير عذر أصلا فلا ينفعه أداء غيره لفرائض الله التي فرط فيها، وكان هو المأمور بها أبتلاء وامتحانا دون الولي، فلا تنفع توبة أحد عن أحد، ولا إسلامه عنه، ولا أداء الصلاة عنه ولا غيرها من فرائض الله تعالى التي فرط فيها حتى مات».
قلت: وقد زاد ابن القيم ﵀ هذا البحث توضيحا وتحقيقا في «تهذيب السنن» «٣/ ٢٧٩ - ٢٨٢» فليراجع فإنه مهم.
أحكام الجنائز [٢١٣].
стр. 3979
مما ينتفع به الميت من عمل غيره: قضاء الدين عنه من أي شخص
[مما ينتفع به الميت]: : قضاء الدين عنه من أي شخص وليا كان أو غيره، وفيه أحاديث كثيرة سبق ذكر الكثير منها.
أحكام الجنائز [٢١٦].
مما ينتفع به الميت من عمل غيره: ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة
[مما ينتفع به الميت]: ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة، فإن لوالديه مثل أجره، دون أن ينقص من أجره شئ، لان الولد من سعيهما وكسبهما، والله يقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وقال رسول الله ﷺ : «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه».
ويؤيد ما دلت عليه الاية والحديث، أحاديث خاصة وردت في انتفاع الوالد بعمل ولده الصالح كالصدقة والصيام والعتق ونحوه، وهي هذه:
الأول: عن عائشة ﵂. «أن رجلا قال: إن أمي افتُلتت (١) نفسها [ولم توص]، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها [ولي أجر]؟ قال: نعم، [فتصدق عنها]».
الثاني: عن ابن عباس ﵁. «أن سعد بن عبادة - أخا بني ساعدة - توفيت أمه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت، وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقت بشئ عنها؟ قال: نعم، قال: فإني أشهدك أن حائط
стр. 3980
المخراف (١) صدقة عليها».
الثالث: عن أبي هريرة ﵁: «أن رجلا قال للنبي ﷺ : إن أبي مات وترك مالا ولم يوص فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: نعم».
الرابع: عن عبد الله بن عمرو: «أن العاص بن وائل السهمي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة، فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة، وأراد ابنه عمرو أن يعتق عنه الخمسين الباقية، قال: حتى أسأل رسول الله ﷺ ، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أبي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة، وإن هشاما أعتق عنه خمسين، وبقيت عليه خمسون، أفأعتق عنه؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنه لو كان مسلما فأعتقتم أو تصدقتم عنه، أو حججتم عنه بلغه ذلك، «وفي رواية»: فلو كان أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك».
قال الشوكاني في «نيل الاوطار» «٤/ ٧٩»: «وأحاديث الباب تدل على أن الصدقة من الولد تلحق الوالدين بعد موتهما بدون وصية منهما، ويصل إليهما ثوابها، فيخصص بهذه الأحاديث عموم قوله تعالى «وأن ليس للانسان إلا ما سعى».
ولكن ليس في أحاديث الباب إلا لحوق الصدقة من الولد، وقد ثبت أن ولد الانسان من سعيه فلا حاجة إلى دعوى التخصيص، وأما من غير الولد فالظاهر من العموميات القرآنية أنه لا يصل ثوابه إلى الميت، فيوقف عليها، حتى يأتي دليل يقتضي تخصيصها».
قلت: وهذا هو الحق الذي تقتضيه القواعد العلمية، أن الآية على عمومها وأن ثواب الصدقة وغيرها يصل من الولد إلى الوالد لأنه من سعيه بخلاف غير الولد، لكن قد نقل النووي وغيره الإجماع على أن الصدقة تقع عن الميت ويصله ثوابها، هكذا قالوا «الميت» فأطلقوه ولم يقيدوه بالوالد، فإن صح هذا الإجماع كان مخصصا للعمومات التي أشار إليها الشوكاني فيما يتعلق بالصدقة، ويظل ما عداها داخلا في
стр. 3981
العموم كالصيام وقراءة القرآن ونحوهما من العبادات، ولكنني في شك كبير من صحة الإجماع المذكور، وذلك لامرين: الأول: أن الإجماع بالمعنى الأصولي لا يمكن تحققه في غير المسائل التي عُلمت من الدين بالضرورة، كما حقق ذلك العلماء الفحول، كابن حزم في «أصول الأحكام» والشوكاني في «إرشاد الفحول» والاستاذ عبد الوهاب خلاف في كتابه «أصول الفقه» وغيرهم، وقد أشار إلى ذلك الامام أحمد في كلمته المشهورة في الرد على من ادعى الإجماع - ورواها عنه أبنه عبد الله بن أحمد في «المسائل».
الثاني: أنني سيرت كثيرا من المسائل التي نقلوا الإجماع فيها، فوجدت الخلاف فيها معروفا! بل رأيت مذهب الجمهور على خلاف دعوى الإجماع فيها، ولو شئت أن اورد الأمثلة على ذلك لطال الكلام وخرجنا به عما نحن بصدده. فحسبنا الان أن نذكر بمثال واحد، وهو نقل النووي الإجماع على أن صلاة الجنازة لا تكره في الاوقات المكروهة! مع أن الخلاف فيها قديم معروف، وأكثر أهل العلم على خلاف الإجماع المزعوم، كما سبق تحقيقه في المسألة «٨٧»، ويأتي لك مثال آخر قريب إن شاء الله تعالى. وذهب بعضهم إلى قياس غير الوالد على الوالد، وهو قياس باطل من وجوه: الأول: أنه مخالف العموميات القرآنية كقوله تعالى ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ١٨] وغيرها من الايات التي علقت الفلاح ودخول الجنة بالاعمال الصالحة، ولا شك أن الوالد يزكي نفسه بتربيته لولده وقيامه عليه فكان له أجره بخلاف غيره.
الثاني: أنه قياس مع الفارق إذا تذكرت أن الشرع جعل الولد من كسب الوالد كما سبق في حديث عائشة فليس هو كسبا لغيره، والله يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] ويقول ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقد قال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]: «أي كما لا يُحمل عليه وزر غيره، كذلك لا يحصل من الاجر
стр. 3982
إلا ما كسب هو لنفسه.
ومن هذه الاية الكريمة استنبط الشافعي ﵀ ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته، ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا ايماء ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة ﵃، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع الاقيسة والآراء» وقال العز بن عبد السلام في «الفتاوى» «٢٤/ ٢ - عام ١٦٩٢»: «ومن فعل طاعة الله تعالى، ثم أهدى ثوابها إلى حي أو ميت، لم ينتقل ثوابها إليه، إذ «لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى»، فإن شرع في الطاعة ناويا أن يقع عن الميت لم يقع عنه، إلا فيما استثناه الشرع كالصدقة والصوم والحج».
وما ذكره ابن كثير عن الشافعي رحمه الله تعالى هو قول أكثر العلماء وجماعة من، الحنفية كما نقله الزبيدي في «شرح الاحياء» «١٠/ ٣٦٩» (١).
الثالث: أن هذا القياس لو كان صحيحا، لكان من مقتضاه استحباب إهداء الثواب إلى الموتى ولو كان كذلك لفعله السلف، لأنهم أحرص على الثواب منا بلا ريب، ولم يفعلوا ذلك كما سبق في كلام ابن كثير، فدل هذا على أن القياس المذكور غير صحيح، وهو المراد.
وقد قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في «الاختيارات العلمية» «ص ٥٤»: «ولم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعا أو صاموا تطوعا أو حجوا تطوعا، أو قروؤا القرآن يهدون ثواب ذلك إلى أموات المسلمين، فلا ينبغي العدول عن طريق السلف فإنه أفضل وأكمل».
стр. 3983
وللشيخ رحمه الله تعالى قول آخر في المسألة، خالف فيه ما ذكره آنفا عن السلف، فذهب إلى أن الميت ينتفع بجميع العبادات من غيره! .
وتبنى هذا القول وانتصر له ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «الروح» بما لا ينهض من القياس الذي سبق بيان بطلأنه قريبا، وذلك على خلاف ما عهدناه منه ﵀ من ترك التوسع في القياس في الأمور التعبدية المحضة لا سيما ما كان منها على خلاف ما جرى عليه السلف الصالح ﵃ وقد أورد خلاصة كلامه العلامة السيد محمد رشيد رضا في «تفسير المنار» «٨/ ٢٥٤ - ٢٧٠» ثم رد عليه ردا طيبا قويا، فليراجعه من شاء أن يتوسع في المسألة.
وقد استغل هذا القول كثير من المبتدعة، واتخذوه ذريعة في محاربة السنة، واحتجوا بالشيخ وتلميذه على أنصار السنة وأتباعها، وجهل أولئك المبتدعة أو تجاهلوا أن أنصار السنة، لا يقلدون في دين الله تعالى رجلا بعينة كما يفعل اولئك! ولا يؤثرون على الحق الذى تبين لهم قول أحد من العلماء مهما كان اعتقادهم حسنا في علمه وصلاحه، وأنهم إنما ينظرون إلى القول لا إلى القائل، وإلى الدليل، وليس إلى التقليد، جاعلين نصب أعينهم قول امام دار الهجرة «ما منا من أحد إلا رد ورد عليه إلا صاحب هذا القبر»! وقال: «كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر».
وإذا كان من المسلَّم به عند أهل العلم أن لكل عقيدة أو رأى يتبناه في هذه الحياة أثرا في سلوكه إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فإن من المسلم به أيضا، أن الاثر يدل على المؤثر، وأن أحدهما مرتبط بالاخر، خيرا أو شرا كما ذكرنا، وعلى هذا فلسنا نشك أن لهذا القول أثرا سيئا في من يحمله أو يتبناه، من ذلك مثلا أن صاحبه يتكل في تحصيل الثواب والدرجات العاليات على غيره، لعلمه أن الناس يهدون الحسنات مئات المرات في اليوم الواحد إلى جميع المسلمين الاحياء منهم والاموات، وهو واحد منهم، فلماذا لا يستغني حينئذ بعمل غيره عن سعيه وكسبه! ألست ترى مثلا أن بعض المشايخ الذين يعيشون على كسب بعض تلامذتهم، لا يسعون بأنفسهم
стр. 3984
ليحصلوا على قوت يومهم بعرق جبينهم وكد يمينهم! وما السبب في ذلك إلا أنهم استغنوا عن ذلك بكسب غيرهم! فاعتمدوا عليه وتركوا العمل، هذا أمر مشاهد في الماديات، معقول في المعنويات كما هو الشأن في هذه المسألة.
وليت أن ذلك وقف عندها، ولم يتعدها إلى ما هو أخطر منها، فهناك قول بجواز الحج عن الغير ولو كان غير معذور كأكثر الاغنياء التاركين للواجبات فهذا القول يحملهم على التساهل في الحج والتقاعس عنه، لأنه يتعلل به ويقول في باطنه: يحجون عني بعد موتي! بل إن ثمة ما هو أضر من ذلك، وهو القول بوجوب إسقاط الصلاة، عن الميت التارك لها! فإنه من العوامل الكبيرة على ترك بعض المسلمين للصلاة، لأنه يتعلل بأن الناس يسقطونها عنه بعد وفاته! إلى غير ذلك من الأقوال التي لا يخفى سوء أثرها علي المجتمع، فمن الواجب على العالم الذي يريد الإصلاح أن ينبذ هذه الأقوال لمخالفتها نصوص الشريعة ومقاصدها الحسنة.
وقابل أثر هذه الأقوال بأثر قول الواقفين عند النصوص لا يخرجون عنها بتأويل أو قياس تجد الفرق كالشمس. فإن من لم يأخذ بمثل الأقوال المشار إليها لا يعقل أن يتكل على غيره في العمل والثواب، لأنه يرى أنه لا ينجيه إلا عمله، ولا ثواب له إلا ما سعى إليه هو بنفسه، بل المفروض فيه أن يسعى ما أمكنه إلى أن يخلف من بعده أثرا حسنا يأتيه أجره، وهو وحيد في قبره، بدل تلك الحسنات الموهومة، وهذا من الأسباب الكثيرة في تقدم السلف وتأخرنا، ونصر الله إياهم، وخذلأنه إيانا، نسأل الله تعالى أن يهدينا كما هداهم، وينصرنا كما نصرهم.
أحكام الجنائز [٢١٦].
مما ينتفع به الميت من أعمال غيره: ما خلفه من بعده من آثار صالحة وصدقات جارية
[مما ينتفع به الميت]: ما خلفه من بعده من آثار صالحة وصدقات جارية، لقوله ﵎: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]، وفيه أحاديث:
стр. 3985
الأول: عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا مات الانسان انقطع عنه عمله (١) إلا من ثلاثة [أشياء]، إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح (٢)
يدعو له».
الثاني: عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : «خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجري يبلغه أجرها، وعلم يعمل به من بعده».
الثالث: عن أبي هريرة أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علما علمه ونشره».
وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته».
الرابع: عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: «كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار، فجاءه أقوام حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، [وليس عليهم أزر ولا شئ غيرها] عامتهم من مضر، بل
كلهم من مضر، فتمعر «وفي رواية: فتغير - ومعناهما واحد» وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل، ثم خرج، فأمر بلالا فأذن وصلى [الظهر، ثم صعد منبرا صغيرا]، ثم خطب [فحمد الله وأثنى عليه] فقال: [أما بعد فإن الله أنزل في كتابه]: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا
стр. 3986
زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، والآية التي في «الحشر»: ﴿[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨] [﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ «١٩» ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ «٢٠»﴾ [الحشر: ١٩، ٢٠].
«تصدقوا قبل أن يحال بينكم وبين الصدقة»، تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، [من شعيره]، من صاع تمره، حتى قال: «ولا يحقرن أحدكم شيئا من الصدقة، ولو بشق تمرة»، [فأبطؤوا حتى بان في وجهه الغضب]، قال: فجاء رجل من الانصار بصرة [من ورق «وفي رواية: من ذهب»] كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت [فناولها رسول الله ﷺ وهو على منبره] [فقال: يا رسول الله هذه في سبيل الله]، [فقبضها رسول الله ﷺ ]، [قام أبو بكر فأعطى، ثم قام عمر فأعطى، ثم قام المهاجرون والانصار فأعطوا]، ثم تتابع الناس [في الصدقات]، [فمن ذي دينار، ومن ذي درهم، ومن ذي، ومن ذي] حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبة فقال رسول الله ﷺ : من سن في الاسلام سنة حسنة فله أجرها، و [مثل] أجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شئ، ومن سن سنة في الاسلام سيئة كان عليه وزرها.
و[مثل] وزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شئ، [ثم تلى هذه الآية: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾، [قال: فقسمه بينهم]».
أحكام الجنائز [٢٢٣].
الصوم والصدقة عن الوالد المسلم
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة، وأن هشام ابن العاص نحر حصته خمسين بدنة، وأن عمرا سأل
стр. 3987
النبي ﷺ عن ذلك؟ فقال: «أما أبوك فلو كان أقر بالتوحيد، فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك».
[ترجم له الإمام بقوله: الصوم والصدقة عن الوالد المسلم، وقال]:
والحديث دليل واضح على أن الصدقة والصوم تلحق الوالد ومثله الوالدة بعد موتهما إذا كانا مسلمين ويصل إليهما ثوابها، بدون وصية منهما. ولما كان الولد من سعي الوالدين، فهو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ فلا داعي إلى تخصيص هذا العموم بالحديث وما ورد في معناه في الباب، مما أورده المجد ابن تيمية في «المنتقى» كما فعل البعض. واعلم أن كل الأحاديث التي ساقها في الباب هي خاصة بالأب أو الأم من الولد، فالاستدلال بها على وصول ثواب القرب إلى جميع الموتى كما ترجم لها المجد ابن تيمية بقوله «باب وصول ثواب القرب المهداة إلى الموتى» غير صحيح لأن الدعوى أعم من الدليل، ولم يأت دليل يدل دلالة عامة على انتفاع عموم الموتى من عموم أعمال الخير التي تهدى إليهم من الأحياء، اللهم إلا في أمور خاصة ذكرها الشوكاني في «نيل الأوطار» «٤/ ٧٨ - ٨٠»، ثم الكاتب في كتابه «أحكام الجنائز وبدعها»، من ذلك الدعاء للموتى فإنه ينفعهم إذا استجابه الله ﵎. فاحفظ هذا تنج من الإفراط والتفريط في هذه المسألة، وخلاصة ذلك أن للولد أن يتصدق ويصوم ويحج ويعتمر ويقرأ القرآن عن والديه لأنه من سعيهما، وليس له ذلك عن غيرهما إلا ما خصه الدليل مما سبقت الإشارة إليه. والله أعلم.
السلسلة الصحيحة (١/ ٢/ ٨٧٣ - ٨٧٤).
هل يجوز قضاء الصيام عن الميت
مداخلة: هل يجوز للواحد يقضي الصوم عن الميت؟
الشيخ: عليه صيام؟
стр. 3988
مداخلة: نعم، عليه صيام لأنه كان مريضاً ..
الشيخ: الميت إذا مات وعليه صيام من شهر رمضان، فهو بين حالة من حالتين: إما أن يكون مات معذوراً، فهذا ليس مؤاخذ عند الله كالمريض الذي أشرتي إليه.
وإما أن يكون مستهتراً متهاوناً بالصيام وبالصلاة وبغير ذلك من العبادات، فهذا لا يستطيع أحد أن يُنْقِذَه من عذاب الله الذي استحقه؛ بسبب تعمده ترك الصيام والصلاة ونحو ذلك من العبادات.
ولكن بخصوص الوالدين فقط، يجوز للولد ذكراً كان أو أنثى أن يصوم نفلاً وأن يتصدق نفلاً وأن يفعل كل خير نفلاً للوالدين، هذا يجوز، أما أن يسقط عنه ما تركه في قيد حياته، فهذا لا سبيل إليه، لقوله ﵊: «إذا مات الإنسان انقطع عمله، إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» وضح لك الجواب؟
مداخلة: نعم.
مداخلة: [يقول بعض الناس] خرافة إنه إلى الاربعين بتظل روح الميت، تيجى تزور البيت.
الشيخ: هذا خرافة، خرافة لا تسمعي هذا الكلام.
مداخلة: يعني: ما فيه مثلا، للأربعين ممكن مثلاً واحد يقرأ له أو ...
الشيخ: ليس للأربعين، قلت لك: الولد لأبوه بيقرأ له بيصلي بيتصدق بيحج بيعتمر، كل عمله خير لا علاقة له بثلاثة أيام ولا بالأربعين ولا بالسنة، كل خير يعمله في أي وقت يستفيد منه الوالدان، أما التقييد هذا الذي عليه بعض الناس، من ثلاثة أيام من الأربعين، كله ما له أصل، والشيء الجديد اللي بتسألي عنه، أن الروح للميت هذه خرافة لا أصل لها، الميت إذا مات خلاص لم يَبْقَ له علاقة بهذه الحياة الدنيا.
(الهدى والنور/٣٢٢/ ١٥: ٤٣: ٠٠)
(الهدى والنور/٣٢٢/ ٣٥: ٤٥: ٠٠)
стр. 3989
قراءة القرآن والدعاء للوالدين المتوفيان
مداخلة: هل يخص الوالدان المتوفيان فقط بقراءة القرآن، أم الدعاء لهما؟
الشيخ: لا ينبغي أن يُخَصّ بشيء دون شيء، فالذي يتيسر من العمل الصالح دون تقديم شيء على شيء.
(الهدى والنور/٦٦٤/ ١٧: ٣٧: ٠٠)
(الهدى والنور/٦٦٤/ ٤٢: ٣٦: ٠٠)
هل يمكن أن أقرأ القرآن كعمل صالح ثم أقول: اللهم إن كنت تعلم أنني قرأت هذا القرآن ابتغاء مرضاتك فاغفر لفلان كذا وكذا من باب التوسل بالعمل الصالح ؟
أبو إسحاق الحويني: سؤال: بالنسبة لوصول القرآن إلى الأموات هل يمكن أن أقرأ القرآن كعمل صالح ثم أقول: اللهم إن كنت تعلم أنني قرأت هذا القرآن ابتغاء مرضاتك فاغفر لفلان كذا وكذا من باب التوسل بالعمل الصالح؟
الشيخ: ممكن.
مداخلة: هو القرآن يصل بهذه الصورة؟
الشيخ: ما يصل، أنت تقول: يغفر لفلان، أما ثواب القرآن ما يصل.
مداخلة: لكني توسلت بالعمل الصالح الذي هو قراءة القرآن مثلاً، وهذه المسألة منفصلة عن تلك؟
الشيخ: نعم.
(الهدى والنور /٣٦/ ٣.: ٤٤: .. )
стр. 3990
ثواب قراءة القرآن للميت هل تصل له ؟
السائل: هل يصل واهب قارئ القرآن لوالديه أي الختمة؟
الشيخ: أي أيش؟
السائل: الختمة، ختمة القرآن هل يصل ثوابها للوالدين؟
الشيخ: الذي أعتقده أن كل عمل صالح يصدر من ولد صالح يلحق ثوابه وأجره والدي هذا العامل للعمل الصالح، هذا أمر متفق عليه بين العلماء فيما علمت وذلك لأدلة منها: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ وإذا ضم إلى الآية قوله ﵇ «أطيب الكسب كسب الرجل من عمل يده وإن أولادكم من كسبكم» فما دام أن الولد من كسب الوالدين فكل عمل صالح يعمله يعتبر من كسب الوالدين، إلا أنه يبدو لي من بعض الأحاديث التي جاءت صريحة في الصدقة مثلاً أن الولد إذا نوى بعمله الصالح أبويه كان ذلك أنفع لهما مما لو لم ينوي وجاءهما أجر عمله كما يقال اليوم وعلى ما شرحت أنفاً أوتوماتيكياً سواءً نوى أو ما نوى فالوالدان مأجوران لكن إذا خص الوالدين ونوى العمل الصالح لهما يكون ذلك أفضل لهما بإذن الله تعالى.
(الهدى والنور /٩٧/ ٥٧: ٦.: .. )
إهداء ثواب تلاوة القرآن للميت
مداخلة: هل يجوز قراءة القرآن، ويُوهب أجرُها للميت؟
الشيخ: أيّ ميت؟
مداخلة: الميت صديق؟
الشيخ: لا يجوز.
مداخلة: وإن كان من الأهل.
стр. 3991
الشيخ: الأب والأم فقط.
(الهدى والنور/٦٦٤/ ١٠: ٢٧: ٠٠)
(الهدى والنور/٦٦٤/ ٤٢: ٣٦: ٠٠)
وصول ثواب القراءة للميت
السائل: يقول شارح الطحاوية في مبحث وصول ثواب القراءة وليس كون السلف لم يفعلوه حجة في عدم الوصول أي الثواب، وأي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد النية وإمساك وبين وصول ثواب القراءة والذكر، ما رأيكم في هذه القاعدة يا شيخ؟
الشيخ: أولا ليست الحجة في أنه لم يرد من السلف أو عن السلف، إنما الحجة أنها تخالف قاعدة عامة، لا يجوز تخصيصها إلا بمخصص مروي منقول عن الرسول ﵊ أو عن السلف الصالح، القاعدة هي معروف لدى الجميع، وهي قوله تعالى ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى*وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى*أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى* وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، بهذه القاعدة ثواب القراءة لا تصل إلى عامة المسلمين، التي قُرئت بهذه النية.
ثم قوله ما الفرق بين الصيام وبين التلاوة، فيصل ثواب الصيام ولا يَصل ثواب التلاوة.
هنا يحضرني مثل لبعض العلماء المتأخرين، حينما يناقش بعض المخالفين يقول: أثبت العرش ثم انقشه أثبت العرش ثم انقشه، أما إذا كان العرش مفقودا فلا تنقش إلا في الفراغ في الهواء.
أعني: أين الدليل على أن ثواب الصيام يصل إلى عامة المسلمين، هذا وهم ولا دليل هناك إطلاقا، حتى يصح القياس للتلاوة على الصيام.
стр. 3992
على أننا نقول: لسنا مع ابن حزم في إنكاره القياس جملةً وتفصيلاً، ولكننا أيضا لسنا مع الآرائيين والقياسيين الذين وقفوا على طرف نقيض مع ابن حزم، فابن حزم أنكره جملةً وتفصيلاً، وهؤلاء تَوَسَّعوا تَوَسُّعًا شديدًا وكثيرا، وجاؤوا بأحكام ليس المسلمون بحاجة إليها إطلاقا، وإنما نحن وَسَطًا بين من يُنكر القياس وبين من يتوسع في القياس، هذا الوسط استفدته من كلمة للإمام القرشي المطلبي «محمد ابن إدريس الشافعي» حيث قال: القياس ضرورة، القياس ضرورة، يعني لإيجاد مخرج لمسلم لا يجد نصا، وقد يكون النص موجودًا لكن هو لم يُدركه ولم يصل إليه، فلا بد حينئذ من القياس.
والقياس كما تعلمون له شروطه، فلا يصح أن نقيس لنتوسع في العبادات، فإنما جاء في الشرع من العبادات ما يكفي ويغني عن الإحداث.
ومن هنا كان خطأ القائلين بالبدعة الحسنة في الدين، خطأً ظاهرًا جليًا.
فهنا نحن نقول: لماذا القياس؟ لماذا قياس التلاوة على الصيام؟ لو كان ثبت الصيام أن للمسلم أن يصوم عن أي مسلم سواء كان فرضا أو كان نفلا، لا شيء من ذلك إطلاقا.
ثم إن هذا القياس سيفتح على القائسين والقائلين به بابا لا أظن أن أحدا منهم يستطيع أن يَسُدّه إلا بالرجوع إلى القاعدة، ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ وأن من يستثني من هذه القاعدة، فلا بد له من نص يعتمد عليه من باب العام والخاص أو المطلق والمقيد.
أما القياس، فهذا ما ينبغي أن نصير إليه لتخصيص القاعدة التي هي أصل من أصول الدين، بمجرد القياس سيفتح عليهم بابًا لا قِبَل لهم بغلقه، كيف إذا قيل ما الفرق بين التلاوة وبين الصيام؟ قد يقول قائل: وما الفرق بين التلاوة والصلاة، فكما تتلوا عن المسلمين، فلك أيضا أن تصلي على المسلمين، فما كان جوابنا على الصلاة كان جوابنا عن الصيام كان جوابنا بالتالي عن التلاوة، هذا ما عندي.
(الهدى والنور/٧٨٣/ ٥٣: ٠٤: ٠٠)
стр. 3993
إهداء الثواب للميت
مداخلة: [بالنسبة لموضوع التصدق على الميت، يقول شيخ الإسلام: ] لكن إذا تصدق على الميت من يقرأ القرآن أو غيرهم ينفعه ذلك باتفاق المسلمين، وكذلك من قرأ القرآن محتسباً وأهداه للميت نفعه ذلك، والله أعلم ما رأيك يا شيخنا في هذه العبارة؟
الشيخ: من قال هيك؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: من الذي قال هذه العبارة؟
مداخلة: هذه في الفتاوى الجزء الأربع والعشرين.
الشيخ: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية؟
مداخلة: أي نعم، فتاوى ابن تيمية.
الشيخ: ابن تيمية له فتويان.
مداخلة: نعم.
الشيخ: واحد يقول فيها وهو الصواب: إنه هذا لم يكن من عمل السلف.
مداخلة: نعم.
الشيخ: والأخرى: كما قرأت.
مداخلة: أي نعم.
الشيخ: وهذا المقروء غير سليم ولا صحيح.
مداخلة: أي نعم.
الشيخ: لأن الله يقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩].
стр. 3994
مداخلة: أي نعم.
الشيخ: وهذا نص قرآني معصوم.
مداخلة: أي نعم.
الشيخ: وعام شامل.
مداخلة: نعم.
الشيخ: فلا يخرج منه، إلا ما جاء الدليل القاطع باستثنائه منه.
مداخلة: نعم.
الشيخ: ولم يأت الدليل إلا في مواطن معدودة ومحصورة، وأنا كنت تَعرَّضت لهذه المسألة بشيء من التفصيل، والبيان في كتابي «أحكام الجنائز وبدعها» فإذا ما كنت رجعت إليه، فارجع إليه ليتبين لك -إن شاء الله الأمر-.
مداخلة: إن شاء الله. يا شيخنا؟
الشيخ: نعم.
مداخلة: الموضع الثاني.
الشيخ: نعم.
مداخلة: هو في الفتاوى لابن تيمية كذلك.
الشيخ: الموضع الثاني وهو؟
مداخلة: الذي ذكرته أنت يا شيخنا الآخر.
الشيخ: لا ما أذكر إن كان في نفس هذه الفتاوى أو في كتبه الأخرى.
مداخلة: نعم.
الشيخ: ولعل المرجع تبعي الذي دللتك عليه، يعينك على هذا.
стр. 3995
مداخلة: إن شاء الله تعالى يا شيخنا.
الشيخ: إن شاء الله.
(الهدى والنور /٢٠٢/ ٤٠: ٥٤: ٠٠)
حكم تخصيص الزيارة لميت معين
السائل: اعتدنا على سماع من ناس أنهم يقولون: فلان ذهب لزيارة فلان من الأموات، يعني تخصيص للزيارة، هل تجوز هذه، تخصيص الزيارة لفلان من الناس؟
الشيخ: ماذا تعني بكلمة تخصيص؟
السائل: يعني فلان توفي أبوه، فذهب لزيارة والده فقط على المقبرة، وقبور المسلمين -طبعا- مليئه، فيختص، يعني: يخص هذه الزيارة بزيارة والده المتوفَّى.
الشيخ: أنا أعتقد أن هذه الزيارة لا يؤجر عليها، ويكفيه ألا يؤجر فيها؛ لأن الزيارة التي يُؤْجَر عليها المسلم، هي من أجل العبرة والعظة، وتَذَكُّر الموت، والدعاء للموتى أو للميت.
وكما هو معلوم من كلام العلماء وبخاصة ابن تيمية وابن قيم الجوزية وأمثالهما، أن زيارة القبور تنقسم إلى قسمين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية، الزيارة الشرعية: هي -إجمالا- التي تكون موافقة للشرع، فمتى تكون الزيارة مشروعة؟ هو: إذا قصد الزائر أن ينتفع بزيارته، وأن ينفع المزور بزيارته.
بماذا ينتفع؟ وبماذا؟ ينفع ينتفع هو بملاحظة سبب شرعية زيارة القبور بعد أن كان نُهِيَ عنها في قوله ﵇ الثابت في صحيح مسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزورها، فإنها تذكركم بالآخرة» وجاء في غير صحيح مسلم: «غير ألاّ تقولوا هُجْرًا، فإنها تذكركم الآخرة»، فأيُّ زيارة لا يعود منها الزائر بتذكر الآخرة، فهي ليست شرعية، ولو لم يفعل شيئًا آخر مخالفا للشرع.