← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

الشيخ: الأب والأم فقط. (الهدى والنور/٦٦٤/ ١٠: ٢٧: ٠٠) (الهدى والنور/٦٦٤/ ٤٢: ٣٦: ٠٠) وصول ثواب القراءة للميت السائل: يقول شارح الطحاوية في مبحث وصول ثواب القراءة وليس كون السلف لم يفعلوه حجة في عدم الوصول أي الثواب، وأي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد النية وإمساك وبين وصول ثواب القراءة والذكر، ما رأيكم في هذه القاعدة يا شيخ؟ الشيخ: أولا ليست الحجة في أنه لم يرد من السلف أو عن السلف، إنما الحجة أنها تخالف قاعدة عامة، لا يجوز تخصيصها إلا بمخصص مروي منقول عن الرسول ﵊ أو عن السلف الصالح، القاعدة هي معروف لدى الجميع، وهي قوله تعالى ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى*وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى*أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى* وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، بهذه القاعدة ثواب القراءة لا تصل إلى عامة المسلمين، التي قُرئت بهذه النية. ثم قوله ما الفرق بين الصيام وبين التلاوة، فيصل ثواب الصيام ولا يَصل ثواب التلاوة. هنا يحضرني مثل لبعض العلماء المتأخرين، حينما يناقش بعض المخالفين يقول: أثبت العرش ثم انقشه أثبت العرش ثم انقشه، أما إذا كان العرش مفقودا فلا تنقش إلا في الفراغ في الهواء. أعني: أين الدليل على أن ثواب الصيام يصل إلى عامة المسلمين، هذا وهم ولا دليل هناك إطلاقا، حتى يصح القياس للتلاوة على الصيام.

стр. 3992

على أننا نقول: لسنا مع ابن حزم في إنكاره القياس جملةً وتفصيلاً، ولكننا أيضا لسنا مع الآرائيين والقياسيين الذين وقفوا على طرف نقيض مع ابن حزم، فابن حزم أنكره جملةً وتفصيلاً، وهؤلاء تَوَسَّعوا تَوَسُّعًا شديدًا وكثيرا، وجاؤوا بأحكام ليس المسلمون بحاجة إليها إطلاقا، وإنما نحن وَسَطًا بين من يُنكر القياس وبين من يتوسع في القياس، هذا الوسط استفدته من كلمة للإمام القرشي المطلبي «محمد ابن إدريس الشافعي» حيث قال: القياس ضرورة، القياس ضرورة، يعني لإيجاد مخرج لمسلم لا يجد نصا، وقد يكون النص موجودًا لكن هو لم يُدركه ولم يصل إليه، فلا بد حينئذ من القياس. والقياس كما تعلمون له شروطه، فلا يصح أن نقيس لنتوسع في العبادات، فإنما جاء في الشرع من العبادات ما يكفي ويغني عن الإحداث. ومن هنا كان خطأ القائلين بالبدعة الحسنة في الدين، خطأً ظاهرًا جليًا. فهنا نحن نقول: لماذا القياس؟ لماذا قياس التلاوة على الصيام؟ لو كان ثبت الصيام أن للمسلم أن يصوم عن أي مسلم سواء كان فرضا أو كان نفلا، لا شيء من ذلك إطلاقا. ثم إن هذا القياس سيفتح على القائسين والقائلين به بابا لا أظن أن أحدا منهم يستطيع أن يَسُدّه إلا بالرجوع إلى القاعدة، ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ وأن من يستثني من هذه القاعدة، فلا بد له من نص يعتمد عليه من باب العام والخاص أو المطلق والمقيد. أما القياس، فهذا ما ينبغي أن نصير إليه لتخصيص القاعدة التي هي أصل من أصول الدين، بمجرد القياس سيفتح عليهم بابًا لا قِبَل لهم بغلقه، كيف إذا قيل ما الفرق بين التلاوة وبين الصيام؟ قد يقول قائل: وما الفرق بين التلاوة والصلاة، فكما تتلوا عن المسلمين، فلك أيضا أن تصلي على المسلمين، فما كان جوابنا على الصلاة كان جوابنا عن الصيام كان جوابنا بالتالي عن التلاوة، هذا ما عندي. (الهدى والنور/٧٨٣/ ٥٣: ٠٤: ٠٠)

стр. 3993

إهداء الثواب للميت مداخلة: [بالنسبة لموضوع التصدق على الميت، يقول شيخ الإسلام: ] لكن إذا تصدق على الميت من يقرأ القرآن أو غيرهم ينفعه ذلك باتفاق المسلمين، وكذلك من قرأ القرآن محتسباً وأهداه للميت نفعه ذلك، والله أعلم ما رأيك يا شيخنا في هذه العبارة؟ الشيخ: من قال هيك؟ مداخلة: نعم. الشيخ: من الذي قال هذه العبارة؟ مداخلة: هذه في الفتاوى الجزء الأربع والعشرين. الشيخ: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية؟ مداخلة: أي نعم، فتاوى ابن تيمية. الشيخ: ابن تيمية له فتويان. مداخلة: نعم. الشيخ: واحد يقول فيها وهو الصواب: إنه هذا لم يكن من عمل السلف. مداخلة: نعم. الشيخ: والأخرى: كما قرأت. مداخلة: أي نعم. الشيخ: وهذا المقروء غير سليم ولا صحيح. مداخلة: أي نعم. الشيخ: لأن الله يقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩].

стр. 3994

مداخلة: أي نعم. الشيخ: وهذا نص قرآني معصوم. مداخلة: أي نعم. الشيخ: وعام شامل. مداخلة: نعم. الشيخ: فلا يخرج منه، إلا ما جاء الدليل القاطع باستثنائه منه. مداخلة: نعم. الشيخ: ولم يأت الدليل إلا في مواطن معدودة ومحصورة، وأنا كنت تَعرَّضت لهذه المسألة بشيء من التفصيل، والبيان في كتابي «أحكام الجنائز وبدعها» فإذا ما كنت رجعت إليه، فارجع إليه ليتبين لك -إن شاء الله الأمر-. مداخلة: إن شاء الله. يا شيخنا؟ الشيخ: نعم. مداخلة: الموضع الثاني. الشيخ: نعم. مداخلة: هو في الفتاوى لابن تيمية كذلك. الشيخ: الموضع الثاني وهو؟ مداخلة: الذي ذكرته أنت يا شيخنا الآخر. الشيخ: لا ما أذكر إن كان في نفس هذه الفتاوى أو في كتبه الأخرى. مداخلة: نعم. الشيخ: ولعل المرجع تبعي الذي دللتك عليه، يعينك على هذا.

стр. 3995

مداخلة: إن شاء الله تعالى يا شيخنا. الشيخ: إن شاء الله. (الهدى والنور /٢٠٢/ ٤٠: ٥٤: ٠٠) حكم تخصيص الزيارة لميت معين السائل: اعتدنا على سماع من ناس أنهم يقولون: فلان ذهب لزيارة فلان من الأموات، يعني تخصيص للزيارة، هل تجوز هذه، تخصيص الزيارة لفلان من الناس؟ الشيخ: ماذا تعني بكلمة تخصيص؟ السائل: يعني فلان توفي أبوه، فذهب لزيارة والده فقط على المقبرة، وقبور المسلمين -طبعا- مليئه، فيختص، يعني: يخص هذه الزيارة بزيارة والده المتوفَّى. الشيخ: أنا أعتقد أن هذه الزيارة لا يؤجر عليها، ويكفيه ألا يؤجر فيها؛ لأن الزيارة التي يُؤْجَر عليها المسلم، هي من أجل العبرة والعظة، وتَذَكُّر الموت، والدعاء للموتى أو للميت. وكما هو معلوم من كلام العلماء وبخاصة ابن تيمية وابن قيم الجوزية وأمثالهما، أن زيارة القبور تنقسم إلى قسمين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية، الزيارة الشرعية: هي -إجمالا- التي تكون موافقة للشرع، فمتى تكون الزيارة مشروعة؟ هو: إذا قصد الزائر أن ينتفع بزيارته، وأن ينفع المزور بزيارته. بماذا ينتفع؟ وبماذا؟ ينفع ينتفع هو بملاحظة سبب شرعية زيارة القبور بعد أن كان نُهِيَ عنها في قوله ﵇ الثابت في صحيح مسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزورها، فإنها تذكركم بالآخرة» وجاء في غير صحيح مسلم: «غير ألاّ تقولوا هُجْرًا، فإنها تذكركم الآخرة»، فأيُّ زيارة لا يعود منها الزائر بتذكر الآخرة، فهي ليست شرعية، ولو لم يفعل شيئًا آخر مخالفا للشرع.

стр. 3996

أما: ما هو الذي ينفع غيره؟ فهو أن يدعو للميت، وليس هناك ما يدعو به إلا ما شُرِع، أو بالأحرى سَنّ لنا رسول الله ... ﷺ في عديد من الأحاديث الصحيحة، منها حديث عائشة وحديث بريدة وأمثالُهما أن النبي ... ﷺ «كان إذا زار القبور قال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أنتم لنا فرط ونحن لكم تَبَع، نسأل الله لنا ولكم العافية» وقد يقول أحيانا: «اللهم اغفر لهم، اللهم ارحمهم» فهذا الدعاء للميت هو الذي يرجى له النفع، فإذا زار الابن والده، ماذا يريد من هذه الزيارة؟ ينبغي أن يريد ما ذكرنا -آنفا- أن يتذكر الآخرة لنفسه، وأن يدعوا للمزور منه. حينذاك لا أتصور مسلما يستحضر هاذين المعنيين، أحدهما ما يتعلق بالزائر، والآخر ما يتعلق بالمزور، أنه يخص أباه بالزيارة دون موتى المسلمين، إذًا: هذا يكون رجلا جاهلا .. (الهدى والنور/٧٦٦/ ٤٣: ٤٨: ٠٠) الحج عن الميت هل يكون بأجرة أو بغير أجرة ؟ مداخلة: الحج عن الميت، بأجرة أو بغير أجرة ... نريد التفصيل فيه يا شيخ. الشيخ: أولًا: الحج عن الميت ليس على إطلاقه؛ لأن القاعدة كما قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وقد جاء في موطأ الإمام مالك من أثر عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لا يصوم أحد عن أحد، ولا يحج أحد عن أحد، فعلى هذا فينبغي أن نظل على هذه القاعدة إلا ما استثني، وفيما علمت ليس هناك ما صح استثناؤه إلا ما هو داخل تحت هذه القاعدة: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] فحج الولد مثلًا عن أبيه .. عن أمه قد جاء في ذلك أحاديث، وحسبكم في ذلك شهرة حديث الخثعمية التي لقيت رسول الله ﷺ في حجة الوداع فسألته عن أبيها قالت: «إن أبي شيخ كبير لا يثبت على الرحل أفأحج عنه»؟ قال: «حجي عنه».

стр. 3997

وفي هذا الحديث أو في غيره قال ﵊: «أرأيت إن كان على أبيك دين، أفكنتي تقضينه عنه»؟ قالت: بلى، قال ﵇: «فدين الله أحق أن يقضى» ولم نر حديثًا صحيحًا صريحًا يدل على جواز حج الغير عن غيره ممن لا علاقة نسبية بينهما، كل ما في الأمر في هذا الباب إنما هو حديث شبرمة الذي جاء في السنن، وفي مسند الإمام أحمد، وفي غيرها من كتب السنة: «أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول في تلبيته: لبيك اللهم عن شبرمة»، فقال له ﵊: «من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي، قال: هل حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة». فهذا الحديث قد يحتج به من يذهب إلى شرعية الحج عن الغير لأن شبرمة لم يكن في الحديث ما ينص على أنه كان أبًا له، وإنما قال: هو أخ لي أو قريب لي، فإذا كان أخًا فاستقام الاستدلال بهذا الحديث حينذاك على أنه يجوز أن يحج أيضًا عن غير والديه، وإن كانت الرواية ليست عن أخ له إنما عن قريب ... أقرب وأصح في الاحتجاج؛ لأن الأخ أقرب قريب، أما قريب بعد الأخ فيكون أبعد عنه. لكن يرد على هذا الاستدلال الذي ظاهره الصحة أمران اثنان: الأمر الأول وهو مهم جدًا في نظري: أن هذا الحديث الذي جاء بهذا اللفظ: أخ لي أو قريب لي، هذا ليس هو نص الحديث الذي كان جوابًا من الملبي للرسول ﵇ حين سأله: من شبرمة؟ فلا يستقيم في الجواب خاصة من مسئول من رسول الله ﷺ أن يقول مترددًا بين قوله: أخ لي أو قريب لي؛ لأن هذا التردد إنما يصح بالنسبة للحافظ الذي قد يهم، أم من كان موكلًا أو نائبًا للحج عن الغير وهو يدري يقينًا إن كان هذا الغير هو أخ له أو أبًا له أو أو إلى آخره. فإذا تذكرنا هذه الحقيقة عرفنا حينئذٍ أن قول الراوي: أخ لي أو قريب لي، لم يصدر من الملبي وإنما هذا من أحد الرواة، فالراوي هو الذي شك ولم يحفظ المتن، فقال عن لسان المجيب وهو الملبي: أخ لي أو قريب لي، وإلا فيكاد يكون مستحيلًا أن يسأل الرسول ﷺ أحد أصحابه: هذا الذي تلبي عنه من هو؟ فيجيبه على

стр. 3998

التردد كأنه يعمي عليه نسبة هذه القرابة بينه وبين المحجوج عنه، لو فرد منا سأل أخاه: من هذا؟ فلا يستقيم جوابه لو قال: هذا أخ لي أو قريب لي، وبخاصة إذا كان السائل هو الرسول ﷺ . فهذه الملاحظة تؤكد لنا أن هذا الحديث رواه الراوي غير ضابط لمتنه، فلا نستطيع أن نقول: إن المحجوج عنه كان أخ له أو كان قريبًا له، لا شك أن القرابة واسعة الدائرة جدًا فحينئذ لا يستقيم الاحتجاج بهذا التردد بأن يقال: بأنه حج عن غير أبيه؛ لأن الراوي لم يضبط هذه اللفظة. وقد وجدت في معجم الطبراني الصغير وربما في غيره أيضًا أن المسئول والحاج عن شبرمة قال في الجواب: هو أبي، وحينئذ يكون الحديث كحديث الخثعمية لا يصح الاستدلال عن الحج حجة البدل الحج عن الغير ولو كان غير أبويه، هذا أول ما يرد على هذا الحديث. الشيء الثاني: لو سلمنا فرضاً وجدلًا أن المحجوج عنه هو ليس أبًا له ولا أمًا، فحينئذ يحتمل أن يكون حج هذا الحآج عن شبرمة عن وصية صدرت عن شبرمة، وحينئذ فيأخذ الحديث مجالًا آخر: وهو تنفيذ وصية من أوصى بالحج عنه، فحينئذ فتنفيذ هذا الوصية أمر مشروع، ومعلوم عند الفقهاء أن الحديث أو الدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال، وبخاصة إذا كان يخالف قاعدًة شرعيًة: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. وإذا فتح باب الحج عن الغير انفتح باب واسع جدًا من الإحداث في الدين في اعتقادي فيجوز حينئذٍ أن يصلي الإنسان عن غيره وأن يصوم صيامًا مطلقًا عن غيره، ونحو ذلك مما يختلف كل الاختلاف مع قوله ﵎ المذكور آنفًا: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. بقي الجواب عن أخذ الأجرة: أعتقد أننا إذا حصرنا دائرة حجة البدل بين الولد ووالديه فحينئذٍ يبطل كثير مما يتعلق بموضوع أخذ الأجرة، اللهم إلا في حالة واحدة: إذا أوصى رجل كان يجب عليه الحج، ثم لأمر ما أو لغيره لم يحج ولم يقض

стр. 3999

حجة الإسلام فأوصى بأن يحج إما أن يعين شخصًا بعينه أو يطلق فيقول: أن يحج رجل عالم فاضل صالح عني وله كذا، فقوله: وله كذا يعتبر جعالة، وكما نقول في كثير من المناسبات بالنسبة للرواتب التي يأخذها الموظفون في بعض الوظائف الشرعية كالإمامة والخطابة والأذان ونحو ذلك، فهذه الرواتب لا يجوز لهؤلاء الذين خصصت لهم أن يأخذوها على أنها أجور لهم على عباداتهم؛ لأن ذلك يفسدها عليهم ويذهب أجر الآخرة عنهم، وإنما يأخذونها على أنها رواتب، فكذلك إذا كان هناك رجل أوصى بأن يحج شخص ما عنه وجعل له جعالة فأراد أن يتقرب إلى الله بتنفيذ تلك الوصية فلا يأخذه من هذه الجعالة ويدخل في باب قوله ﵊: «يا عمر! ما أتاك الله من مال ونفسك غير مشرفة إليه فخذه وتموله فإنما هو رزق ساقه الله إليك» فهذا لا مانع منه، أما أن تصبح حجة البدل سلعة يساوم عليها من كل من الطرفين الحاج حجة البدل والمحجوج عنه، أي: أهله وأقاربه المنفذين لوصيته ينزلون فيها وهكذا فهذا ليس من طبيعة العبادة. وإذا دار الأمر أن يساوم في سعر الحجة حجة البدل بمعنى ذلك: أن ما يأخذه الحاج أجرًا فهو وزر عليه وما يدفعه من دفع المال في سبيل الحج عنه لا يصله شيء؛ لأن حجة هذا الحاج ما يكون لوجه الله ﵎ وإنما يكون من أجل دريهمات قليلات. هذا ما يمكن الجواب عن ذاك السؤال. مداخلة: هذا يخص الفريضة فقط بالنسبة للولد، يعني: هل ممكن أن يجعله تطوع؟ الشيخ: لا يمكن، الولد يمكن أن يحج عن أبيه تطوعًا، وكذلك يمكنه أن يعتمر عنه من باب التنفل. (فتاوى جدة (٢٤) /٠٠: ٠٧: ٤٥)

стр. 4000

من أحكام الموتى

стр. 4001

حكم تشريح الأموات سؤال: علمت في موضوع تشريح الأموات حديثاً، ورد عن الرسول ﵊: «كسر عظم الميت ككسره وهو حي»، وهناك استدلال بهذا الحديث على حرمة تشريح الميت بغض النظر عن أي أسباب؛ لأن هذا الحديث لم يكن مُعَلَّلاً، بحيث إذا انتفت العلة نقدر نُشَرِّح، فما رأيكم في الموضوع؟ الشيخ: رأيي هو كما يدل الحديث لكن بقيد، وهو المؤمن، المؤمن كسر عظم الميت المؤمن ككسره حياً. فالتشريح بالنسبة للمسلم لا يجوز إطلاقاً؛ لأن فيه تمثيلاً، أما بالنسبة لغير المسلم، فإذا كان بإذن أهله جاز؛ لأنه ليس له تلك الحرمة التي للمسلم، واضح الجواب. سؤال: فيه شيء اسمه الطب الشرعي، يعني: التشريح يكشف الجرائم ويكشف هذا، ما فيه شيء في السنة يجيز ذلك؟ الشيخ: هذا ليس طِبًّا شرعياً هذا طب فقهي، يجب أن نُفَرِّق بين الأمرين. بعض الفقهاء خاصة وفي آخر الزمان يجتهدون اجتهادات بالرأي، كما كان يقال عن أهل الرأي بالكوفة، لكن هؤلاء أولاً: يغلب عليهم البعد عن دراسة الفقه السُّنِّي، وأعني به: الفقه المُسْتَنبط من السنة؛ لأنهم لا يُعْنَون منذ نعومة أظفارهم إلى أن يتخرجوا دكاترة في الشريعة، لا يعنون بدراسة السنة والإحاطة بما فيها من كنوز ومن نصوص، وإنما يستعملوا رأيهم أن المصلحة تقتضي هكذا، وما دام ما فيه نص في الشرع يمنع من ذلك، هذا في حدود - طبعاً - معلوماتهم، فيُفْتُون بمثل هذه الفتاوى. لكن الآن انظر كيف وقعنا في زمانٍ ما هُوَ منصوص في الشرع لا نُعْمِلُهُ ولا نُحَكِّمه، وما ليس منصوصاً في الشرع، أقل ما يقال: نجتهد من عندنا في سبيل إظهار أنه هذا القتيل قُتِل برصاصة من نوعية مُعَيَّنة، هذا الرصاص يمثل شرطة

стр. 4002

مثلاً، يمثل سفاكي دماء إلخ، ويتوصلوا من كشف نوعية الرصاص إلى تحديد هوية المجرم. لو قلنا بجواز هذا التحقيق المُبالغ فيه بل المُتَنَطَّع فيه ما ثمرة هذا، اكتشفنا في الأخير من هو القاتل، هل يقتل؟ لا يُقتل إلا ما ندر جداً، لأنه عم بتثبت حقائق يقينية ما تحتاج إلى مثل هذه البحوث الطبية الدقيقة، مع ذلك نُعَطِّل الأحكام الشرعية، هذا معروف لديكم حتماً. إذاً: ما المقصود من هذا الطب الشرعي؟ كشف المجرم، هاي مجرمين بالعشرات كل يوم وما نقيم عليهم الحد الشرعي، فاعتبروا يا أولي الأبصار. هذا لو فرضنا أن ما فيه تمثيل بجثة هذا القتيل، أنه فوق ما هو قُتِل ولَقِي أَجَلَه عند ربه بحق بباطل، الله عزوجل هو الذي سيحكم بين الناس، نأتي نحن ونُشَرِّح فيه ونتعلم عليه، ومثلما يقال كما قرأنا في بعض كتب الأدب: «استضعفوك فوصفوك» هلَّا وَصَفُوا لك شبل الأسد، لو واحد له صولة وله جولة، فلن يستطيعوا أن يُمَثِّلوا به هذا التمثيل، يتركوه ويتهموا زيد وعمرو من أساس يأخذوا بثأره، فتسمية هذا النوع من الفحص الطبي بالطب الشرعي، أقل ما يقال فيه في رأيي: تسامح في التعبير. مداخلة: في لفظ آخر قرأته أو سمعت فيه على هذه الناحية، مثل الطب الشرعي، أو لغاية التعليم الطبي. نقول: بالنسبة للطب الشرعي، المقصود هو ما يلزم القاضي من معلومات ليصدر حكماً أو رأياً في قضية ما، الحكم حتى يذكر القاضي بحاجة إلى بينة، وإذا وجدت بينة غير كافية يستأنس بقرائن، والبينات معروفة في الإسلام أربعة أنواع: الاعتراف واليمين والشهادات الموثقة والشهود، وهذه الأمور الأخرى من الأثر أو من الفحص الطبي، أو من علامات بقيت في مكان الجريمة أو صورة كلها تعتبر قرائن، يستأنس فيها القاضي، ولكن لا يمكن الاعتماد عليها في إصدار حكم، فقيمتها أصلاً أمام القاضي حتى لو عملت فهي ضعيفة لأنها قرينة وليست بَيِّنة.

стр. 4003

الشيخ: كلام سليم، ما فيه عليه رد أبداً. (الهدى والنور / ١٤٢/ ٣٥: ١٧: ٠٠) حكم تشريح الميت إذا كان طفلاً مداخلة: [حكم تشريح الميت إذا كان طفلا]؟ الشيخ: طبعاً الولد الصغير إذا مات قبل بلوغ سن التكليف، فهو يُلْحَق بأبيه المسلم، وله من الحقوق والخصائص ما للأب المسلم، وهذه مشكلة أن المسلم يتعاطى كسر عظام الأموات، والرسول ﵇ كان يقول: «كسر عظم الميت ككسره حياً» وفي رواية: «كسر عظم المؤمن ككسره حياً». ولذلك: إذا كان طالب العلم مضطراً ليدرس الطب، فيجب أن يتحاشى الوقوع في مثل هذه المخالفة، ويجب أن يتحرى إذا كان باستطاعته أن يُجَرِّب أو يَتَمَرّن على جثة الكافر، وليس على جثة المسلم. (الهدى والنور / ١٧٧/ ٠٠: ٣٥: ٠٠) العلة من النهي عن كسر عظم الميت الملقي: كسر العظم وهو ميت، هل فيه إيذاء هل من معنى الإيذاء أن جثة هذا الميت تتألم؟ الشيخ: لا. الملقي: لا، لا يشمل ذلك. الشيخ: لا، إيذاء معنوي. (الهدى والنور / ٥٤٧/ ٥٦: ٤٦: ٠٠)

стр. 4004

هل كل من يُقتل في سبيل الله يكلمه الله تعالى ؟ مداخلة: يا شيخ رحم الله والديك حين الحديث أن الله كلم عبد الله بن حرام ﵁ .. الشيخ: ما باله؟ مداخلة: هل نفهم من هذا أن كل إنسان يقتل في سبيل الله عند الله يكلمه؟ الشيخ: لا، هذه خصوصية له، خصوصية لوالد جابر رحمهما الله. (فتاوى رابغ (٤) /٠٠: ٠٧: ٣٣)

стр. 4005

كتاب زيارة القبور وأحكامها (١)

стр. 4006

تشرع زيارة القبور للاتعاظ بها وتذكُّر الآخرة شريطة أن لا يقول عندها ما يغضب الرب سبحانه - وتشرع زيارة القبور للاتعاظ بها وتذكُّر الآخرة شريطة أن لا يقول عندها ما يغضب الرب سبجانه وتعالى كدعاء المقبور والاستغاثة به من دون الله تعالى، أو تزكيته والقطع له بالجنة، ونحو ذلك، وفيه أحاديث: الأول: عن بريدة بن الحصيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، [فإنها تذكركم الاخرة]، [ولتزدكم زيارتها خيرا]، [فمن أراد أن يزور فليزر، ولا تقولوا هجرا]». قال النووي ﵀ في «المجموع» «٥/ ٣١٠»: والهجر: الكلام الباطل، وكان النهي أولا لقرب عهدهم من الجاهلية فربما كانوا يتكلمون بكلام الجاهلية الباطل، فلما استقرت قواعد الاسلام، وتمهدت أحكامه، واشتهرت معالمه أبيح لهم الزيارة، واحتاط ﷺ بقوله: «ولا تقولوا هجرا». قلت: ولا يخفي أن ما يفعله العامة وغيرهم عند الزيارة من دعاء الميت والاستغاثة به وسوال الله بحقه. لهو من أكبر الهجر والقول الباطل، فعلى العلماء أن يبينوا لهم حكم الله في ذلك، ويفهموهم الزيارة المشروعة والغاية منها. وقد قال الصنعاني في «سبل السلام» «٢/ ١٦٢» عقب أحاديث في الزيارة والحكمة منها: «الكل دال على مشروعية زيارة القبور وبيان الحكمه فيها، وأنها للاعتبار - ... ، فإذا خلت من هذه لم تكن مرادة شرعا». الثاني: عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن فيها عبرة، [ولا تقولوا ما يسخط الرب]». الثالث: عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 4007

«كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها ترق القلب، وتدمع العين، وتذكر الاخرة، ولا تقولوا هجرا». أخرجه الحاكم «١/ ٣٧٦» بسند حسن، ثم رواه «١/ ٣٧٥، ٣٧٦» وأحمد «٣/ ٢٣٧، ٢٥٠» من طريق أخرى عنه بنحوه، وفيه ضعف. أحكام الجنائز [٢٢٧]. النساء كالرجال في استحباب زيارة القبور - والنساء كالرجال في استحباب زيارة القبور، لوجوه: الأول: عموم قوله ﷺ « .. فزوروا القبور» فيدخل فيه النساء. وبيانه: أن النبي ﷺ لما نهى عن زيارة القبور في أول الأمر. فلا شك أن النهي كان شاملا للرجال والنساء معا، فلما قال «كنت نهيتكم عن زيارة القبور» كان مفهوما أنه كان يعني الجنسين ضرورة أنه يخبرهم عما كان في أول الأمر من نهي الجنسين، فإذا كان الأمر كذلك، كان لزاما أن الخطاب في الجملة الثانية من الحديث وهو قوله: «فزوروها» إنما أراد به الجنسين أيضا. ويؤيده أن الخطاب في بقية الافعال المذكورة في زيادة مسلم في حديث بريدة المتقدم آنفا: «ونهيتكم عن لحوم الاضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرا»، أقول: فالخطاب في جميع هذه الافعال موجه إلى الجنسين قطعا، كما هو الشأن في الخطاب الأول: «كنت: نهيتكم»، فإذا قيل بأن الخطاب في قوله «فزوروها» خاص بالرجال، اختل نظام الكلام وذهبت طراوته، الأمر الذي لا يليق بمن أوتي جوامع الكلم، ومن هو أفصح من نطق بالضاد، ﷺ ، ويزيده تأييدا الوجوه الاتية: الثاني: مشاركتهن الرجال في العلة التي من أجلها شرعت زيارة القبور: «فإنها ترق القلب وتدمع العين» وتذكِّر الاخرة».

стр. 4008

الثالث: أن النبي ﷺ قد رخص لهن في زيارة القبور، في حديثين حفظتهما لنا أم المؤمنين عائشة ﵂: ١ - عن عبد الله بن أبي مليكة: «أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم: ثم أمر بزيارتها». وفي رواية عنها «أن رسول الله ﷺ رخص في زيارة القبور». ٢ - عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب أنه قال يوما: ألا أحدثكم عني وعن أمي؟ فظننا أنه يريد أمه التي ولدته، قال: قالت عائشة: ألا أحدثكم عني وعن رسول الله ﷺ ؟ قلنا: بلى: قالت: «لما كانت ليلتي التي كان النبي ﷺ فيها عندي، انقلب فوضع رداءه، وخلع نعليه، فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه، فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظهر أنه قد رقدت، فأخذ رداءه رويدا، وانتعل رويدا، وفتح الباب [رويدا]، فخرج، ثم أجافه رويدا، فجعلت درعي في رأسي واختمرت: وتقنعت إزاري (١)، ثم انطلقت على اثره حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، وأسرع فأسرعت. فهرول فهرولت. فأحضر فأحضرت، فسبقته، فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت، فدخل فقال، مالك يا عائش (٢) حشيا (٣) رابية؟ قالت: قلت: لا شئ [يا رسول الله]، قال: لتخبرني أو ليخبرني اللطيف الخبير، قالت: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، فأخبرته [الخبر]، قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قلت: نعم، فلهزني في صدري

стр. 4009

لهزة (١) أوجعتي، ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله! ؟ قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، [قال]: نعم قال فان جبريل أتاني حين رأيت فناداني - فأخفاه منك، فأجبته، فأخفيته منك، ولم يكن ليدخل عليك، وقد وضعت ثيابك وظننت أن قد رقدت، فكرهت أن أوقظك، وخشيت أن تستوحشي - فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم، قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون». والحديث استدل به الحافظ في «التلخيص» «٥/ ٢٤٨» على جواز الزيارة للنساء وهو ظاهر الدلالة عليه، وهو يؤيد أن الرخصة تشملهن مع الرجال، لأن هذه القصة إنما كانت في المدينة، لما هو معلوم أنه ﷺ بنى بعائشة في المدينة، والنهي إنما كان في أول الأمر في مكة، ونحن نجزم بهذا وإن كنا لا نعرف تاريخا يؤيد ذلك، لان الاستنتاج الصحيح يشهد له، وذلك من قوله صل الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم» إذ لا يعقل في مثل هذا النهي أن يشرع في العهد المدني، دون العهد المكي الذي كان أكثر ما شرع فيه من الأحكام إنما هو فيما يتعلق بالتوحيد والعقيدة، والنهي عن الزيارة من هذا القبيل لأنه من باب سد الذرائع، وتشريعه إنما يناسب العهد المكي لان الناس كانوا فيه، حديتي عهد بالاسلام، وعهدهم بالشرك قريبا، فنهاهم ﷺ عن الزيارة لكي لا تكون ذريعة إلى الشرك، حتى إذا استقر التوحيد في قلوبهم، وعرفوا ما ينافيه من أنواع الشرك أذن لهم الزيارة، وأما أن يدعهم طيلة العهد المكي على عادتهم في الزيارة، ثم ينهاهم عنها في المدينة فهو بعيد جدا عن حكمة التشريع، ولهذا جزمنا بأن النهي إنما كان تشريعه في مكة، فإذا كان كذلك فأذنه لعائشة بالزيارة في المدينة دليل واضح على ما ذكرنا، فتأمله فإنه شئ انقدح في النفس، ولم أر من شرحه على هذا الوجه، فان أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي.

стр. 4010

وأما استدلال صاحب رسالة «وصية شرعية» على ذلك بقوله «ص ٢٦»: «وقد أقر الرسول ﷺ ابنته فاطمة ﵂ على زيارة قبر عمها حمزة ﵁». فهو استدلال باطل، لأن الاقرار المذكور لا أصل له في شئ من كتب السنة، وما أظنة إلا وهما من المولف، فإن المروي عنها ﵂ إنما هو زيارة فقط ليس فيه ذكر للإقرار المزعوم أصلا، ومع ذلك فلا يثبت ذلك عنها، فإنه من رواية سليمان بن داود عن جعفر بن محمد عن أبيه على بن الحسين عن أبيه أن فاطمة بنت النبي صلي الله عليه وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده. وقال العيني في «العمدة» «٣/ ٧٦»: «وفيه جواز زيارة القبور مطلقا، سواء كان الزائر رجلا أو امرأة: وسواء كان المزور مسلما أو كافرا، لعدم الفصل في ذلك». وذكر نحوه الحافظ أيضا في آخر كلامه على الحديث فقال عقب قوله «لعدم الاستفصال في ذلك»: «قال النووي: وبالجواز قطع الجمهور، وقال صاحب الحاوي: لا تجوز زيارة قبر الكافر وهو غلط. انتهى». وما دل عليه الحديث من جواز زيارة المرأة هو المتبادر من الحديث، ولكن إنما يتم ذلك إذا كانت القصة لم تقع قبل النهي، وهذا هو الظاهر، إذا تذكرنا ما أسلفناه من بيان أن النهي كان في مكة، وأن القصة رواها أنس وهو مدني جاءت به أمه أم سليم إلى النبي ﷺ حين قدم المدينة، وأنس ابن عشر سنين، فتكون القصة مدنية، فثبت أنها بعد النهي، فتم الاستدلال بها على الجواز، وأما قول ابن القيم في «تهذيب السنن» «٤/ ٣٥٠»: «وتقوى الله، فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، ومن جملتها النهي عن الزيارة». فصحيح لو كان عند المرأة علم بنهي النساء عن الزيارة وأنه استمر ولم ينسخ، فحينئذ يثبت قوله: «ومن جملتها النهي عن الزيارة» أما وهذا غير معروف لدينا فهو

стр. 4011

استدلال غير صحيح، ويؤيده أنه لو كان النهي لا يزال مستمرا لنهاها رسول الله ﷺ عن الزيارة صراحة وبين ذلك لها، ولم يكتف بأمرها بتقوى الله بصورة عامة، وهذا ظاهر إن شاء الله تعالى. أحكام الجنائز [٢٢٩] لا يجوز للنساء الإكثار من زيارة القبور - لكن لا يجوز لهن الإكثار من زيارة القبور والتردد عليها، لان ذلك قد يفضي بهن إلى مخالفة الشريعة، من مثل الصياح والتبرج واتخاذ القبور مجالس للنزهة، وتضييع الوقت في الكلام الفارغ، كما هو مشاهد اليوم في بعض، البلاد الاسلامية، وهذا هو المراد - إن شاء الله - بالحديث المشهور: «لعن رسول الله ﷺ «وفي لفظ: لعن الله» زوارات القبور». [ثم خرج الإمام الحديث ثم قال]: فقد تبين من تخريج الحديث أن المحفوظ فيه إنما هو بلفظ «زوارات» لاتفاق حديث أبي هريرة وحسان عليه وكذا حديث ابن عباس في رواية الاكثرين، على ما فيه من ضعف فهي إن لم تصلح للشهادة فلا تضر، كما لا يضر في الاتفاق المذكور الرواية الاخرى من حديث ابن عباس كما هو ظاهر، وإذا كان الأمر كذلك فهذا اللفظ «زوارات» إنما يدل على لعن النساء اللاتي يكثرن الزيارة. بخلاف غيرهن فلا يشملهن اللعن، فلا يجوز حينئذ أن يعارض بهذا الحديث ما سبق من الاحاديث الدالة على استحباب الزيارة للنساء، لأنه خاص وتلك عامة. فيعمل بكل منهما في محله، فهذا الجمع أولى من دعوى النسخ، وإلى نحو ما ذكرنا ذهب جماعة من العلماء، فقال القرطبي: «اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة، لما تقتضيه الصيغة من المبالغة، ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج. وما ينشأ من الصياح ونحو ذلك وقد يقال: إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من

стр. 4012

الإذن لهن، لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء». قال الشوكاني في «نيل الاوطار» «٤/ ٩٥»: «وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر». وإلى هذا الجمع ذهب الصنعاني أيضا في: «سبل السلام»، ولكنه استدل للجواز بأدلة فيها نظر فأحببت أن أنبه عليها، أولا: حديث الحسين بن علي ﵄ «أن فاطمة بنت النبي ﷺ كانت تزرو قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي». أخرجه الحاكم «١/ ٣٧٧» وعنه البيهقي «٤/ ٧٨» وقال «وهو منقطع، وسكت عليه الحافظ في «التلخيص» «٥/ ٢٤٨» وتبعه الصنعاني! وسكوت هذين واقتصار البيهقي علي إعلاله بالانقطاع قد يوهم أنه سالم من علة أخرى. وليس كذلك كما سبق بيانه قريبا. ثانيا: حديث البيهقي في «شعب الإيمان» مرسلا: «من زار قبر الولدين أو أحدهما في كل جمعة عفو له وكتب بارا». سكت عليه الصنعاني أيضا. وهو ضعيف جدا بل هو موضوع، وليس هو مرسل فقط كما ذكر الصنعاني، بل هو معضل لان الذي رفعه إنما هو محمد بن النعمان وليس تابعيا، قال إلعراقي في «تخريج الاحياء» «٤/ ٤١٨»: «رواه ابن أبى الدنيا وهو معضل، محمد بن النعمان مجهول». قلت: وهو تلقاه عن يحيى بن العلاء البجلي بسنده عن أبى هريرة أخرجه الطبراني في الصغير «١٩٩» ويحيي كذبه وكيع وأحمد، وقال ابن أبى حاتم «٢/ ٢٠٩» عن أبيه: «الحديث منكرا جدا، كأنه موضوع». وانظر تخريجه مفصلاً في الضعيفة «رقم ٤٩». أحكام الجنائز [٢٣٥] مشروعية زيارة النساء للقبور [قال الإمام]: الأمر الثابت في الأحاديث بزيارة القبور، عام يشمل النساء - كما كان

стр. 4013

يشملهن النهي عنها من قبل -، وهي مجموعة في فصل خاص كنت عقدته في كتابي أحكام الجنائز رقم ١١٦، وبعضها قد ذكرها الفقيهان المقدسيان. كما عقدت قبله فصلاً آخر في أن فضل اتباع الجنائز خاص بالرجال دون النساء، رقم «٤٦». السلسلة الضعيفة (١٣/ ٢/ ١٠٠٤). زيارة القبور للنساء مداخلة: شيخنا قلت أن عائشة ﵂ بعد وفاة النبي ﷺ زارت القبور، هل هناك نص في هذا؟ الشيخ: أي نعم، جاء في «سنن الترمذي» أن عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق أخاها، مات بعيداً عن المدينة. زارت قبره، وأظن بهذه المناسبة ذكرت بيتين من الشعر وقالت: من يذكر منكم البيتين، هم بيتين حلوين. مداخلة: فيهم ذكرى ... الشيخ: المهم أنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن. مداخلة: يعني الأثر هذا في سنن الترمذي. الشيخ: أي نعم، وفي هذا الأثر فائدة بالنسبة لنا نحن الدمشقيين؛ لأن هناك في منتصف شارع بغداد مسجد يسمى بمسجد عبد الرحمن. الشيخ: هذا المسجد يُسَمَّى بمسجد عبد الرحمن، ويعنون به مكتوب لوحة هنا: مسجد عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وفيه قبر بالداخل، وأنا بطبيعة الحال عمري ما صليت هناك، نريد أن نقول لهم: يا جماعة ما الذي أتى بعبد الرحمن بن أبي بكر هنا في دمشق، وهو مات قريباً من المدينة، وذهبت أخته السيدة عائشة وزارته، وقالت هذا الشعر الذي يُحْزِن ويُذَكِّر، كيف كانت عائشة في هناء وسرور،

стр. 4014

ثم جاء الموت الذي لا نجاة منه فَفَرَّق بينهما. وهكذا تساعد الروايات الصحيحة بإبطال كثير من الأفكار والآراء القائمة على التقاليد التي ما أنزل الله بها من سلطان. (الهدى والنور / ١٦٤/ ٢٧: ٤٢: ٠٠) زيارة القبور للنساء للاتعاظ مداخلة: هل يجوز للنساء زيارة القبور إذا كانت للاتعاظ فقط؟ الشيخ: نعم، هذا شرط، والشرط الآخر وهو شرط عام، أن يَكُنَّ متحجبات متجلببات بالجلباب الشرعي، يُلْقِين السلام ويَذْكُرن العبرة بالأموات، ثم يَعُدْن أدراجهن. فلا فرق والحالة هذه بين النساء وبين الرجال؛ ذلك لأن النهي عن زيارة القبور في أول الإسلام، كان نهياً عاماً يشمل الرجال والنساء، ثم لما تَمَكَّن التوحيد من هؤلاء المسلمين رجالاً ونساء، جاءهم الإذن عامةً رجالاً ونساء. وقد جمع النبي ﷺ الإشارة إلى هذين الأمرين في حديث واحد، أي: أشار إلى أن النهي كان مُوَجَّهاً توجيهاً عاماً للنساء والرجال. وأشار أيضاً إلى أن الإذن كان مُوَجَّهاً للنساء والرجال؛ ذلك قوله ﵊ كما في صحيح مسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور»، الخطاب لمن؟ للمسلمين عامَّة نساء ورجالاً: «ألا فزوروها» الخطاب لمن؟ لأولئك الذين نُهُوا من قبل، أي: نساء ورجالاً، ويؤكد ذلك العِلَّة التي عَلَّل بها الرسول ﵇ الإذن بالزيارة بعد النهي عنها: «فزوروها فإنها تذكركم الآخرة». إذاً: كما أن الرجال بحاجة إلى أن يتعاطوا سبباً شرعياً لتَذَكُّر الآخرة، فالنساء كالرجال في ذلك، إن لم يَكُنَّ أولى بأن يتخذن مثل هذا السبب الذي يُذَكِّرهن بالآخرة.

стр. 4015

أما الحديث المعروف: «لعن الله زائرات القبور» فالحديث مروي بلفظين اثنين: اللفظ الأول هو هذا: «زائرات»، وهو ضعيف، أما اللفظ الآخر، فهو بلفظ: «زَوَّارات»، أي: اللاتي يُكثرن الزيارة. وهذا الإكثار عادةً لا يكون لتحقيق الغاية التي من أجلها أَذِن النبي ﷺ بالزيارة للجنسين «تذكر الآخرة» هذا الإكثار كما نراه نحن مشاهداً في كثير من المناسبات كالأعياد ونصف شعبان ونحو ذلك، يجلسن حول القبر ويتخذن ذلك المكان مقهى، يتحدثون في جلوسهم هذا شتى الأحاديث. فإذاً: الحديث يصح، بلفظ: «زَوَّارات القبور»، والمعنى هذا لا يُنَافي الإذن العام وإنما يُخَصِّصه ويُبَيِّن أن الزيارة التي يُراد بها تَذَكُّر الآخرة، فهي مشروعة، لكن الإكثار والمبالغة فهذا منهي عنه، هذا جواب ما سألت. مداخلة: طيب، في حد للإكثار؟ الشيخ: لا ما في. نعم. مداخلة: شيخنا مثلاً: أنت قلت: لزيارة النساء شرطان، هما: أن تكون متجلببة، والثانية للعظة والعبرة، لكن امرأة تذهب لزيارة قبر والدها أو زوجها، مع وُجود مقبرة قرب بيتهم، وهي تشد الرحل لهذا، فهل هذا يجوز مع وجود مقبرة عند بيتهم؟ الشيخ: لا، هو يجوز يجوز، لكن .. مداخلة: تخصيص قبر زوجها .. الشيخ: الله يهديك اصبر، هو قضية يجوز يجوز، لكن تخصيصها بزيارة أبيها أو قريبها دون زيارة المقابر. حينئذٍ هذا التخصيص مع أنه دون مُخَصِّص فهو يُشعر أن الزيارة هذه ليست لِتَذَكُّر الآخرة، وإنما أحسن ما يقال فيها: هي بباعث العاطفة فقط، وليس بباعث العلم والدين.

стр. 4016

ولذلك نحن نقول لهؤلاء الذين يَشُدُّون الرحال إلى زيارة بعض القبور التي يقال إنها قبور أولياء وصالحين، سواء كان هذا القول صحيحاً أو غير صحيح، لماذا هذه الزيارة، إن كان المقصود هو تحقيق الغاية والحكمة التي سبق وأن أشرنا إليها من حديث الرسول ﵇، فنقول لهم: هاهي المقبرة أمامكم، والعظة بهذه القبور التي يكفي أن يتخيل الإنسان ويراها في المنام ليقوم فزعاً، العظة من هذه القبور أكثر بكثير من زيارة قبر ولي أو نبي، خاصةً إذا كان مُزَخْرَفاً ومُزَيَّناً وعليه أُبَّهة، فحينئذٍ يخضعون خضوعاً لا ينبغي أن يكون إلا لله . فلهذا نحن نقول: إن شد الرحال إلى هذه القبور، أكبر دليل أنهم لا يقصدون بها تحقيق الغاية المذكور في الحديث الصحيح. (الهدى والنور/٦٠٣/ ١٤: ٤٠: ٠٠) (الهدى والنور/٦٠٣/ ١٥: ٤٤: ٠٠) مشروعية زيارة النساء للقبور - حديث: «أن عائشة زارت قبر أخيها عبد الرحمن رضى الله عنهما». رواه الأثرم. صحيح. ومما يشهد للحديث ما سيأتى فى الحديث الذى يليه عن عائشة إنها سألت النبى ﷺ إذا هى زارت القبور كيف تقول؟ فقال ﵊: «قولى السلام على أهل الديار من المؤمنين ... » فهى إذن كانت تزور القبور فى حياته ﵊ وبإقراره بل وتعليمه فلو أن ذلك كان قبل النهى لما خفى ذلك عليها, ولم يحتج بالأمر بزيارتها, لو أنه كان قبل النهى, والله أعلم. [إرواء الغليل تحت حديث رقم (٧٧٥)]

стр. 4017

حكم زيارة القبور للنساء مداخلة: ما هو القول الفصل في زيارة النساء للقبور؟ الشيخ: هن شقائق الرجال، هذا هو القول الفصل. مداخلة: فما هي الزيارة الشرعية للرجال أنفسهم؟ الشيخ: معروف: هو السلام على الموتى بالسلام المشروع، والاعتبار بهم، وكفى الله المؤمنين القتال. (لقاءات المدينة لعام ١٤٠٨ هـ (١) /٠٠: ٣٤: ٠٤) يجوز زيارة قبر من مات على غير الإسلام للعبرة فقط - ويجوز زيارة قبر من مات على غير الاسلام للعبرة فقط. وفيه حديثان: الأول: عن أبي هريرة قال: «زار النبي ﷺ قبر أمه. فبكى: وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها، فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت». الثاني: عن بريدة ﵁ قال: «كنا مع النبي ﷺ [في سفر، وفي رواية: في غزوة الفتح] فنزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب، فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان، فقام إليه عمر بن الخطاب، ففداه بالأب والأم، يقول: يا رسول لله مالك؟ قال: إني سألت ربي في الاستغفار لامي، فلم يأذن لي، فدمعت عيناي رحمة لها من النار، [واستأذنت ربي في زيارتها فأذن لي]، وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولتزدكم زيارتها خيرا». قال النووي في شرح حديث أبى هريرة الأول: «فيه جواز زيارة المشركين في الحياة، وقبورهم بعد الوفاة، لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة، ففي الحياة أولى.

стр. 4018

وفيه النهي عن الاستغفار للكفار، قال عياض: سبب زيارته ﷺ قبرها أنه قصد قوة الموعظة والذكرى بمشاهدة قبرها، ويؤيده قوله ﷺ : «فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت». والمقصود من زيارة القبور شيئان: ١ - انتفاع الزائر بذكر الموت والموتى، وأن مآلهم إما إلى جنة وإما إلى نار وهو الغرض الأول من الزيارة، كما يدل عليه ما سبق من الاحاديث. ٢ - نفع الميت والإحسان إليه بالسلام عليه، والدعاء والاستغفار له، وهذا خاص بالمسلم، وفيه أحاديث: الأول: عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان يخرج إلى البقيع، فيدعو لهم، فسألته عائشة عن ذلك؟ فقال: «إني أمرت أن أدعو لهم». الثاني: عنها أيضا قالت: «كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل فيقول: السلام عليكم [أهل] دار قوم مؤمنين، وإنا وإياكم وما توعدون غدا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لاهل بقيع الغرقد». الثالث: عنها أيضا في حديثها الطويل المشار إليه قريبا قالت: «كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي: «السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون». الرابع: عن بريدة قال: «كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله [بكم] للاحقون، [أنتم لنا فرط، ونحن لكم تبع]، أسأل الله لنا ولكم العافية». الخامس: عن أبي هريرة: «أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لا حقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا،

стр. 4019

قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله. قال [بل] أنتم أصحابي، وإخواننا الذين يأتون بعد، [وأنا فرطهم على الحوض]، فقالوا كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله: فقال أرأيتم لو أن رجلا له خيل غر (١) محجلة، بين ظهري خيل دهم بُهم (٢) ألا يعرف خيله؟ قالوا بلى يا رسول الله. قال: فأنهم يأتون [يوم القيامة] غرا محجلين من الوضوء. [يقولها ثلاثا]، وأنا فرطهم على الحوض. ألا ليذادن رجال [منكم] عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم [ألا هلم].فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، [ولم يزالوا يرجعون على أعقابهم]، فأقول: [ألا]، سحقا سحقا». أحكام الجنائز [٢٣٧] قراءة القرآن عند زيارة القبور مما لا أصل له في السنة - وأما قراءة القرآن عند زيارتها، فمما لا أصل له في السنة، بل الأحاديث المذكورة في المسألة السابقة تُشعر بعدم مشروعيتها، إذ لو كانت مشروعة، لفعلها رسول الله ﷺ وعلمها أصحابه، لا سيما وقد سألته عائشة ﵂ وهي من أحب الناس إليه ﷺ عما تقول إذا زارت القبور؟ فعلمها السلام والدعاء. ولم يعلمها أن تقرأ الفاتحة أو غيرها من القرآن، فلو أن القراءة كانت مشروعة لما كتم ذلك عنها، كيف وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في علم الاصول، فكيف بالكتمان، ولو أنه ﷺ علمهم شيئا من ذلك لنقل إلينا، فإذ لم ينقل بالسند الثابت دل على أنه لم يقع. ومما يقوي عدم المشروعية قوله ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة» أخرجه مسلم «٢/ ١٨٨» والترمذي «٤/ ٤٢» وصححه وأحمد «٢/ ٢٨٤، ٣٣٧، ٣٧٨، ٣٨٨».

стр. 4020

فقد أشار ﷺ إلى أن القبور ليست موضعا للقراءة شرعا، فلذلك حض على قراءة القرآن في البيوت ونهي عن جعلها كالمقابر التي لا يقرأ فيها، كما أشار في الحديث الاخر إلى أنها ليست موضعا للصلاة أيضا، وهو قوله: «صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا». أخرجه مسلم «٢/ ١٨٧» وغيره عن ابن عمر، وهو - عند البخاري بنحوه، وترجم له بقوله: «باب كراهية الصلاة في المقابر» فأشار به إلى أن حديث ابن عمر يفيد كراهة الصلاة في المقابر، فكذلك حديث أبي هريرة يفيد كراهة قراءة القرآن في المقابر، ولا فرق (١). ولذلك كان مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وغيرهم كراهة القراءة عند القبور، وهو قول الامام أحمد فقال أبو داود في مسائله «ص ١٥٨»: «سمعت أحمد سئل عن القراءة عند القبر؟ فقال: لا». وقال شيخ الاسلام ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم» «ص ١٨٢»: «ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلام، وذلك لان ذلك كان عنده بدعة، وقال مالك: ما علمت أحدا يفعل ذلك، فعلم أن الصحابة، والتابعين ما كانوا يفعلونه». وقال في «الاختيارات العملية» «ص ٥٣» «والقراءة على الميت بعد موته بدعة، بخلاف القراءة على المحتضر فإنها تستحب ب «ياسين».

стр. 4021

قلت: لكن حديث قراءة ياسين ضعيف كما تقدم، والاستحباب حكم شرعي، ولا يثبت بالحديث الضعيف كما هو معلوم من كلام ابن تيمية نفسه في بعض مصناته وغيرها. أحكام الجنائز [٢٤١] الرد على أدلة بعض من جوَّز القراءة عند القبور وأما جاء في «كتاب الروح» لابن القيم «ص ١٣»: قال الخلال: وأخبرني الحسن بن أحمد الوارق: ثنا علي ابن موسى الحداد - وكان صدوقا - قال: كنت مع أحمد بن جنبل ومحمد بن قدامة الجوهري في جنازة، فلما دفن الميت جلس رجل ضرير يقرأ عند القبر، فقال له أحمد: يا هذا إن القراءة عند القبر بدعة! فلما خرجت من المقابر، قال محمد بن قدامة لاحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله ما تقول في مبشر الحلبي؟ قال: ثقة، قال: كتبت عنه شيئا؟ قال: نعم، قال: فأخبرني مبشر عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج، «الأصل: الحلاج وهو خطأ» عن أبيه أنه أوصي إذا دفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها، وقال: سمعت ابن عمر يوصي بذلك. فقال له أحمد: فارجع وقل للرجل: يقرأ». فالجواب عنه من وجوه: الأول: إن في ثبوت هذه القصة عن أحمد نظر، لأن شيخ الخلال الحسن بن أحمد الوراق لم أجد ترجمة فيما عندي الان من كتب الرجال، وكذلك شيخه علي بن موسى الحداد لم أعرفه، وإن قيل في هذا السند أنه كان صدوقا، فإن الظاهر أن القائل هو الوراق هذا، وقد عرفت حاله. الثاني: أنه إن ثبت ذلك عنه، فإنه أخص مما رواه أبو داود عنه، وينتج من الجمع بين الروايتين عنه أن مذهبه كراهة القراءة عند القبر إلا عند الدفن. الثالث: أن السند بهذا الأثر لا يصح عن ابن عمر، ولو فرض ثبوته عن أحمد،

стр. 4022

وذلك لأن عبد الرحمن ابن العلاء بن اللجلاج معدود في المجهولين، كما يشعر بذلك قول الذهبي في ترجمته من «الميزان»: «ما روي عنه سوى مبشر هذا»، ومن طريقة رواه ابن عساكر «١٣/ ٣٩٩ / ٢» وأما توثيق ابن حيان إياه فمما لا يعتد به لما اشتهر به من التساهل في التوثيق، ولذلك لم يعرج عليه الحافظ في «التقريب» حين قال في المترجم: «مقبول» يعني عند المتابعة وإلا فلين الحديث كما نص عليه في المقدمة، ومما يؤيد ما ذكرنا أن الترمذي مع تساهله في التحسين لما أخرج له حديثا آخر «٢/ ١٢٨» وليس له عنده سكت عليه ولم يحسنه! الرابع: أنه لو ثبت سنده عن ابن عمر، فهو موقوف لم يرفعه إلى النبي ﷺ فلا حجة فيه أصلا. ومثل هذا الاثر ما ذكره ابن القيم أيضا «ص ١٤»: «وذكر الخلال عن الشعبي قال: كانت الأنصار إذا مات لهم الميت اختلفوا إلى قبره يقرؤون القرآن». فنحن في شك من ثبوت ذلك عن الشعبي بهذا اللفظ خاصة، فقد رأيت السيوطي قد أورده في «شرح الصدور» «ص ١٥» بلفظ: «كانت الانصار يقرؤون عند الميت سورة البقرة». قال: «رواه ابن أبي شيبة والمروزي» أورده في «باب ما يقول الانسان في مرض الموت، وما يقرأ عنده». ثم رأيته في «المصنف» لابن أبى شيبة «٤/ ٧٤» وترجم له بقوله: «باب ما يقال عند المريض إذا حضر». فتبين أن في سنده مجالداً وهو ابن سعيد قال الحافظ في «التقريب»: «ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره». فظهر بهذا أن الأثر ليس في القراءة عند القبر بل عند الاحتضار، ثم هو على ذلك ضعيف الاسناد. وأما حديث «من مر بالمقابر فقرأ «قل هو الله أحد» إحدى عشر مرة ثم وهب

стр. 4023

أجره للاموأت أعطي من الأجر بعدد الاموات». فهو حديث باطل موضوع، رواه أبو محمد الخلال في «القراءة على القبور» «ق ٢٠١/ ٢» والديلمي عن نسخة عبد الله بن أحمد بن عامر عن أبيه عن علي الرضا عن آبائه، وهي نسخة موضوعة باطلة لا تنفك عن وضع عبد الله هذا أو وضع أبيه، كما قال الذهبي في «الميزان» وتبعه الحافظ ابن حجر في «اللسان» ثم السيوطي في «ذيل الاحاديث الموضوعة»، وذكر له هذا الحديث وتبعه ابن عراق في «تنزيه الشريعة المرفوعة، عن الاحاديث الشنيعة الموضوعة». ثم ذهل السيوطي عن ذلك فأورد الحديث في «شرح الصدور» «ص ١٣٠» برواية أبي محمد السمرقندي في «فضائل قل هو الله أحد» وسكت عليه! نعم قد أشار قبل ذلك إلى ضعفه، ولكن هذا لا، يكفي فإن الحديث، موضوع باعترافه فلا يجزيء الاقتصار على تضعيفه كما لا يجوز السكوت عنه، كما صنع الشيخ إسماعيل العجلوني في «كشف الخفاء» «٢ - ٣٨٢» فإنه عزاه للرافعي في تاريخه وسكت عليه! مع أنه وضع كتابه المذكور للكشف «عما اشتهر من الاحاديث على ألسنة الناس»! ثم إن سكوت أهل الاختصاص عن الحديث قد يوهم من لا علم عنده به أن الحديث مما يصلح للاحتجاج به أو العمل به في فضائل الاعمال كما يقولون، وهذا ما وقع لهذا الحديث، فقد رأيت بعض الحنفية قد احتج بهذا الحديث للقراءة عند القبور وهو الشيخ الطهطاوي على «مراقي الفلاح» «ص ١١٧»! وقد عزاه هذا إلى الدارقطني، وأظنة وهما، فإني لم أجد غيره عزاه إليه، ثم إن المعروف عند المشتغلين بهذا العلم أن العزو إلى الدارقطني مطلقا يراد به كتابه «السنن»، وهذا الحديث لم أره فيه. والله أعلم. أحكام الجنائز [٢٤٣]

стр. 4024

بدعية قراءة القرآن عند القبور [روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «من زار قبر والديه كل جمعة، فقرأ عندهما أو عنده «يس» غفر له بعدد كل آية أو حرف». موضوع. [قال الإمام]: والحديث يدل على استحباب قراءة القرآن عند القبور، وليس في السنة الصحيحة ما يشهد لذلك، بل هي تدل على أن المشروع عند زيارة القبور إنما هو السلام عليهم وتذكر الآخرة فقط، وعلى ذلك جرى عمل السلف الصالح ﵃، فقراءة القرآن عندها بدعة مكروهة كما صرح به جماعة من العلماء المتقدمين، منهم أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية كما في «شرح الإحياء» للزبيدي «٢/ ٢٨٥» قال: لأنه لم ترد به سنة، وقال محمد بن الحسن وأحمد في رواية: لا تكره، لما روى عن ابن عمر أنه أو صى أن يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتح سورة البقرة وخواتمها. قلت: هذا الأثر عن ابن عمر لا يصح سنده إليه، ولوصح فلا يدل إلا على القراءة عند الدفن لا مطلقا كما هو ظاهر. فعليك أيها المسلم بالسنة، وإياك والبدعة، وإن رآها الناس حسنة، فإن «كل بدعة ضلالة» كما قال ﷺ . السلسلة الضعيفة (١/ ١٢٨). جواز رفع اليدين في الدعاء عند القبور - ويجوز رفع اليد في الدعاء لها، لحديث عائشة ﵂ قالت: «خرج رسول الله ﷺ ذات ليلة، فأرسلت بريرة في أثره لتنظر أين ذهب! قالت: فسلك نحو بقيع الغرقد، فوقف في أدنى البقيع ثم رفع يديه، ثم انصرف، فرجعت إلي بريرة، فأخبرتني، فلما أصبحت سألته، فقلت: يارسول الله أين خرجت الليلة؟ قال: بعثت إلى أهل البقيع لاصلي عليهم». وقد ثبت رفع اليدين في قصة أخرى لعائشة ﵂ تقدمت. أحكام الجنائز [٢٤٦]

стр. 4025

لا تُستقبل القبور حال الدعاء - ولكنه لا يستقبل القبور حين الدعاء لها، بل الكعبة، لنهيه ﷺ عن الصلاة إلى القبور كما سيأتي، والدعاء مخ الصلاة ولبها كما هو معروف فله حكمها، وقد قال ﷺ : «الدعاء هو العبادة، ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾». قال الطيبي في شرحه: «أتى بضمير الفصل والخبر المعرف باللام [هو العبادة] ليدل على الحصر، وأن العبادة ليست غير الدعاء. وقال غيره: المعنى هو من أعظم العبادة فهو كخبر «الحج عرفة» أي ركنه الأكبر، وذلك لدلالته على أن فاعله يقبل بوجهه إلى الله، معرضا عما سواه، لأنه مأمور به، وفعل المأمور عبادة، وسماه عبادة ليخضع الداعي ويظهر ذلته ومسكنته وافتقاره، إذ العبادة ذل وخضوع ومسكنة». ذكره المناوي في «الفيض». قلت: فإذا كان الدعاء من أعظم العبادة فكيف يتوجه به إلى غير الجهة التي أمر باستقبالها في الصلاة، ولذلك كان من المقرر عند العلماء المحققين أنه «لا يستقبل بالدعاء إلا ما يستقبل بالصلاة». قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في «اقتضاء الصراط المستقيم، مخالفة أصحاب الجحيم» «ص ١٧٥»: «وهذا أصل مستمر أنه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلي إليه، ألا ترى أن الرجل لما نهي عن الصلاة إلى جهة المشرق وغيرها فإنه ينهى أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء. ومن الناس من يتحرى وقت دعائه استقبال الجهة التي يكون فيها الرجل الصالح، سواء كانت في المشرق أو غيره، وهذا ضلال بين، وشر واضح، كما أن بعض الناس يمتنع من استدبار الجهة التي فيها بعض الصالحين، وهو يستدبر الجهة التي فيها بيت الله.

стр. 4026

وقبر رسول الله ﷺ ! وكل هذه الاشياء من البدع التي تضارع دين النصارى. وذكر قبل ذلك بسطور عن الامام أحمد وأصحاب مالك أن المشروع استقبال القبلة بالدعاء حتى عند قبر النبي ﷺ بعد السلام عليه. وهو مذهب الشافعية أيضا، فقال النووي في «المجموع» «٥/ ٣١١»: وقال الامام أبو الحسن محمد بن مرزوق الزعفراني - وكان من الفقهاء المحققين - في كتابه في «الجنائز»: «ولا يستلم القبر بيده: ولا يقبله». قال: «وعلى هذا مضت السنة». قال: واستلام القبور وتقبيلها الذي يفعله العوام الان من المبتدعات المنكرة شرعا، ينبغي تجنب فعله، وينهى فاعله» قال: «فمن قصد السلام على ميت سلم عليه من قبل وجهه، وإذا أراد الدعاء تحول عن موضعه، واستقبل القبلة». وهو مذهب أبي حنيفة أيضا، فقال شيخ الاسلام في «القاعدة الجليلة، في التوسل والوسيلة» «ص ١٢٥»: «ومذهب الائمة الاربعة: مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم من أئمة الاسلام أن الرجل إذا سلم على النبي ﷺ ، وأراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة، واختلفوا في وقت السلام عليه، فقال الثلاثة مالك والشافعي وأحمد: يستقبل الحجرة ويسلم عليه من تلقاء وجهه، وقال أبو حنيفة: لا يستقبل الحجرة وقت السلام كما لا يستقبلها وقت الدعاء باتفاقهم، ثم في مذهبه قولان: قيل: يستدبر الحجرة، وقيل يجعلها عن يساره. فهذا نزاعهم في وقت السلام. وأما في وقت الدعاء فلم يتنازعوا في أنه إنما يستقبل القبلة، لا الحجرة». وسبب الاختلاف المذكور إنما هو من قبل أن الحجرة المكرمة لما كانت خارجة عن المسجد، وكان الصحابة يسلمون عليه لم يكن يمكن أحدا أن يستقبل وجهه

стр. 4027

- ﷺ ويستدبر القبلة (١)، كما صار ذلك ممكنا بعد دخولها في المسجد بعد الصحابة، فالمسلم منهم إن استقبل القبلة صارت الحجرة عن يساره، وإن استقبلوا الحجرة، كانت القبلة عن يمينهم وجهة الغرب من خلفهم، قال شيخ الاسلام في «الجواب الباهر» «ص ١٤» بعد أن ذكر هذا المعنى: وحينئذ فإن كانوا يستتقبلونه ويستدبرون الغرب فقول الاكثرين أرجح، وإن كانوا يستقبلون القبلة حينئذ ويجعلون الحجرة عن يسارهم فقول أبي حنيفة أرجح» قلت: لقد ترك الشيخ ﵀ المسألة معلقة، فلم يبت في أنهم كانوا يستقبلونها، أو يستقبلون القبر وكأن ذلك لعدم وجود رواية ثابتة عنهم في ذلك، ولكن لو فرض أنهم كانوا يستقبلونه، فقد علمت أنهم في هذه الحالة كانوا يستدبرون الغرب لا القبلة، لعدم إمكان ذلك في زمانهم، وسبق أن الاكثرين يقولون باستقبال وجهه ﷺ أيضا عند السلام عليه، وهذا يستلزم استدبار القبلة. الأمر الذي نقطع أنه لم يقع في عهد الصحابة كما سلف، فهذا أمر زائد على استقبال الحجرة، ولا بد له من دليل لإثباته، فهل له من وجود؟ ذلك مما لا أعرفه، ولا رأيت أحدا من العلماء تعرض لهذا، سواء في خصوص قبر الرسول ﷺ أو في القبور عامة. نعم، استدل بعضهم على ذلك بحديث ابن عباس قال: «مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه، فقال: «السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن على الاثر». أخرجه الترمذي «٢/ ١٥٦» والضياء في «المختارة» «٥٨/ ١٩٢ / ١» من طريق الطبراني وقال الترمذي: «حسن غريب».

стр. 4028

قلت: في سنده قابوس بن أبي ظبيان قال النسائي: «ليس بالقوي». وقال ابن حبان: «ردئ الحفظ، ينفرد عن أبيه بما لا أصل له». قلت: وهذا من روايته عن أبيه، فلا يحتج به، ولعل تحسين الترمذي لحديثه هذا إنما هو باعتبار شواهده، فإن معناه ثابت في الاحاديث الصحيحة وقد مضى قريبا ذكر قسم طيب منها، إلا أن قوله: «فأقبل عليهم بوجهه» منكر لتفرد هذا الضعيف به. إذا عرفت هذا، فقد قال الشيخ علي القاري في «مرقاة المفاتيح» «٢/ ٤٠٧»: «فيه دلالة على أن المستحب في حال السلام على الميت أن يكون وجهه لوجه الميت وأن يستمر كذلك في الدعاء أيضا، وعليه عمل عامة المسلمين، خلافا لما قاله ابن حجر من أن السنة عندنا أنه في حالة الدعاء يستقبل القبلة كما علم من أحاديث أخر في مطلق الدعاء». قلت: وفي هذا الاستدلال نظر ظاهر، إذ ليس في الحديث إلا إقباله ﷺ بوجهه على القبور، وأما الإقبال على وجوه الموتى، فشئ آخر وهو يحتاج إلى نص آخر غير هذا، وهو مما لا أعرفه. فالحق أن الحديث لو ثبت سنده لكان دليلا واضحا على أن المار بالقبور يستقبلها بوجهه حين السلام عليها والدعاء لها، كيفما كان الاستقبال، وحسبما يتفق دون قصد لوجوه الموتى، أما والسند ضعيف كما سبق بيانه فلا يصلح للاستدلال به أصلا. ولا ينافي ما تقدم عن الإمام مالك من عدم مشروعية استقبال الحجرة عند الدعاء الحكاية التي جاء فيها أن مالكا لما سأله المنصور العباسي عن استقبال الحجرة، أمره بذلك، وقال: هو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم، لأنها حكاية باطلة، مكذوبة على مالك، وليس لها إسناد معروف، ثم هي خلاف الثابت المنقول عنه بأسانيد الثقات في كتب أصحابه كما ذكره إسماعيل في إسحاق القاضي وغيره. ومثلها ما ذكروا عنه أنه سئل عن أقوام يطيلون القيام مستقبلي الحجرة يدعون

стр. 4029

لانفسهم فأنكر مالك ذلك، وذكر أنه من البدع التي لم يفعلها الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وقال «لا يصلح آخر هذه الامة إلا ما أصلح أولها». أحكام الجنائز [٢٤٦] إذا زار قبر الكافر فلا يسلم عليه، ولا يدعو له، بل يبشره بالنار - وإذا زار قبر الكافر فلا يسلم عليه، ولا يدعو له، بل يبشره بالنار، كذلك أمر رسول الله ﷺ في حديث سعد بن أبي وقاص قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إن أبي كان يصل الرحم، وكان، وكان، فأين هو؟ قال: «في النار»، فكأن الاعرابي وجد من ذلك، فقال: يارسول الله! فأين أبوك؟ قال: «حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار». قال: فأسلم الاعرابي بعد، فقال: لقد كلفني رسول الله ﷺ تعبا! ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار». وما ذكرنا في هذه المسألة هو مذهب الحنابلة كما في «كشاف القناع» «٢/ ١٣٤» وغيره من كتبهم. أحكام الجنائز [٢٥١] لا يمشي بين قبور المسلمين في نعليه - ولا يمشي بين قبور المسلمين في نعليه، لحديث بشير بن الحنظلية قال: «بينما أماشي رسول الله ﷺ ... أتى على قبور المسلمين ... فبينما هو يمشي إذ حانت منه نظرة، فإذا هو برجل يمشي بين القبور عليه نعلان، فقال: يا صاحب السبتيتين ألق سبتيتيك، فنظر، فلما عرف الرجل رسول الله ﷺ خلع نعليه، فرمى بهما». قال الحافظ في «الفتح» «٣ - ١٦٠»: «والحديث يدل على كراهة المشي بين القبور بالنعال، وأغرب ابن حزم فقال:

стр. 4030

يحرم المشي بين القبور بالنعال السبتية دون غيرها! وهو جمود شديد. وأما قول الخطابي يشبه أن يكون النهي عنهما لما فيهما من الخيلاء، فإنه متعقب بأن ابن عمر كان يلبس النعال السبتية، ويقول: إن النبي ﷺ كان يلبسها. وهو حديث صحيح. وقال الطحاوي: «يحمل نهي الرجل المذكور على أنه كان في نعليه قذر، فقد كان النبي ﷺ يصلي في نعليه ما لم ير فيهما أذى». قلت: وهذا الاحتمال بعيد، بل جزم ابن حزم «٥/ ١٣٧» ببطلانه، وأنه من التقول على الله! والاقرب أن النهي من باب احترام الموتى، فهو كالنهي عن الجلوس على القبر الاتي في المسألة «١٢٨ فقرة ٦»، وعليه فلا فرق بين النعلين السبتيتين وغيرهما من النعال التي عليها شعر، إذ الكل في مثابة واحدة في المشي فيها بين القبور ومنافاتها لاحترامها، وقد شرح ذلك ابن القيم في «تهذيب السنن» «٤/ ٣٤٣ - ٣٤٥» ونقل عن الامأم أحمد أنه قال: «حديث بشير إسناده جيد، أذهب إليه إلا من علة». وقد ثبت أن الإمام أحمد كان يعمل بهذا الحديث، فقال أبو داود في مسائله «ص ١٥٨»: «رأيت أحمد إذا تبع الجنازة فقرب من المقابر خلع نعليه». فرحمه الله، ما كان أتبعه للسنة. أحكام الجنائز [٢٥٢] لا يشرع وضع الورود على القبور ولا يشرع وضع الآس ونحوها من الرياحين والورود على القبور، لأنه لم يكن من فعل السلف، ولو كان خيرا لسبقونا إليه وقد قال ابن عمر ﵄: «كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة». ولا يعارض ما ذكرنا حديث ابن عباس في وضع النبي ﷺ شِقَّي جريدة النخل على القبرين وقوله: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا». متفق عليه وقد خرجته في
следующие страницы →