← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

وقبر رسول الله ﷺ ! وكل هذه الاشياء من البدع التي تضارع دين النصارى. وذكر قبل ذلك بسطور عن الامام أحمد وأصحاب مالك أن المشروع استقبال القبلة بالدعاء حتى عند قبر النبي ﷺ بعد السلام عليه. وهو مذهب الشافعية أيضا، فقال النووي في «المجموع» «٥/ ٣١١»: وقال الامام أبو الحسن محمد بن مرزوق الزعفراني - وكان من الفقهاء المحققين - في كتابه في «الجنائز»: «ولا يستلم القبر بيده: ولا يقبله». قال: «وعلى هذا مضت السنة». قال: واستلام القبور وتقبيلها الذي يفعله العوام الان من المبتدعات المنكرة شرعا، ينبغي تجنب فعله، وينهى فاعله» قال: «فمن قصد السلام على ميت سلم عليه من قبل وجهه، وإذا أراد الدعاء تحول عن موضعه، واستقبل القبلة». وهو مذهب أبي حنيفة أيضا، فقال شيخ الاسلام في «القاعدة الجليلة، في التوسل والوسيلة» «ص ١٢٥»: «ومذهب الائمة الاربعة: مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم من أئمة الاسلام أن الرجل إذا سلم على النبي ﷺ ، وأراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة، واختلفوا في وقت السلام عليه، فقال الثلاثة مالك والشافعي وأحمد: يستقبل الحجرة ويسلم عليه من تلقاء وجهه، وقال أبو حنيفة: لا يستقبل الحجرة وقت السلام كما لا يستقبلها وقت الدعاء باتفاقهم، ثم في مذهبه قولان: قيل: يستدبر الحجرة، وقيل يجعلها عن يساره. فهذا نزاعهم في وقت السلام. وأما في وقت الدعاء فلم يتنازعوا في أنه إنما يستقبل القبلة، لا الحجرة». وسبب الاختلاف المذكور إنما هو من قبل أن الحجرة المكرمة لما كانت خارجة عن المسجد، وكان الصحابة يسلمون عليه لم يكن يمكن أحدا أن يستقبل وجهه

стр. 4027

- ﷺ ويستدبر القبلة (١)، كما صار ذلك ممكنا بعد دخولها في المسجد بعد الصحابة، فالمسلم منهم إن استقبل القبلة صارت الحجرة عن يساره، وإن استقبلوا الحجرة، كانت القبلة عن يمينهم وجهة الغرب من خلفهم، قال شيخ الاسلام في «الجواب الباهر» «ص ١٤» بعد أن ذكر هذا المعنى: وحينئذ فإن كانوا يستتقبلونه ويستدبرون الغرب فقول الاكثرين أرجح، وإن كانوا يستقبلون القبلة حينئذ ويجعلون الحجرة عن يسارهم فقول أبي حنيفة أرجح» قلت: لقد ترك الشيخ ﵀ المسألة معلقة، فلم يبت في أنهم كانوا يستقبلونها، أو يستقبلون القبر وكأن ذلك لعدم وجود رواية ثابتة عنهم في ذلك، ولكن لو فرض أنهم كانوا يستقبلونه، فقد علمت أنهم في هذه الحالة كانوا يستدبرون الغرب لا القبلة، لعدم إمكان ذلك في زمانهم، وسبق أن الاكثرين يقولون باستقبال وجهه ﷺ أيضا عند السلام عليه، وهذا يستلزم استدبار القبلة. الأمر الذي نقطع أنه لم يقع في عهد الصحابة كما سلف، فهذا أمر زائد على استقبال الحجرة، ولا بد له من دليل لإثباته، فهل له من وجود؟ ذلك مما لا أعرفه، ولا رأيت أحدا من العلماء تعرض لهذا، سواء في خصوص قبر الرسول ﷺ أو في القبور عامة. نعم، استدل بعضهم على ذلك بحديث ابن عباس قال: «مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه، فقال: «السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن على الاثر». أخرجه الترمذي «٢/ ١٥٦» والضياء في «المختارة» «٥٨/ ١٩٢ / ١» من طريق الطبراني وقال الترمذي: «حسن غريب».

стр. 4028

قلت: في سنده قابوس بن أبي ظبيان قال النسائي: «ليس بالقوي». وقال ابن حبان: «ردئ الحفظ، ينفرد عن أبيه بما لا أصل له». قلت: وهذا من روايته عن أبيه، فلا يحتج به، ولعل تحسين الترمذي لحديثه هذا إنما هو باعتبار شواهده، فإن معناه ثابت في الاحاديث الصحيحة وقد مضى قريبا ذكر قسم طيب منها، إلا أن قوله: «فأقبل عليهم بوجهه» منكر لتفرد هذا الضعيف به. إذا عرفت هذا، فقد قال الشيخ علي القاري في «مرقاة المفاتيح» «٢/ ٤٠٧»: «فيه دلالة على أن المستحب في حال السلام على الميت أن يكون وجهه لوجه الميت وأن يستمر كذلك في الدعاء أيضا، وعليه عمل عامة المسلمين، خلافا لما قاله ابن حجر من أن السنة عندنا أنه في حالة الدعاء يستقبل القبلة كما علم من أحاديث أخر في مطلق الدعاء». قلت: وفي هذا الاستدلال نظر ظاهر، إذ ليس في الحديث إلا إقباله ﷺ بوجهه على القبور، وأما الإقبال على وجوه الموتى، فشئ آخر وهو يحتاج إلى نص آخر غير هذا، وهو مما لا أعرفه. فالحق أن الحديث لو ثبت سنده لكان دليلا واضحا على أن المار بالقبور يستقبلها بوجهه حين السلام عليها والدعاء لها، كيفما كان الاستقبال، وحسبما يتفق دون قصد لوجوه الموتى، أما والسند ضعيف كما سبق بيانه فلا يصلح للاستدلال به أصلا. ولا ينافي ما تقدم عن الإمام مالك من عدم مشروعية استقبال الحجرة عند الدعاء الحكاية التي جاء فيها أن مالكا لما سأله المنصور العباسي عن استقبال الحجرة، أمره بذلك، وقال: هو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم، لأنها حكاية باطلة، مكذوبة على مالك، وليس لها إسناد معروف، ثم هي خلاف الثابت المنقول عنه بأسانيد الثقات في كتب أصحابه كما ذكره إسماعيل في إسحاق القاضي وغيره. ومثلها ما ذكروا عنه أنه سئل عن أقوام يطيلون القيام مستقبلي الحجرة يدعون

стр. 4029

لانفسهم فأنكر مالك ذلك، وذكر أنه من البدع التي لم يفعلها الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وقال «لا يصلح آخر هذه الامة إلا ما أصلح أولها». أحكام الجنائز [٢٤٦] إذا زار قبر الكافر فلا يسلم عليه، ولا يدعو له، بل يبشره بالنار - وإذا زار قبر الكافر فلا يسلم عليه، ولا يدعو له، بل يبشره بالنار، كذلك أمر رسول الله ﷺ في حديث سعد بن أبي وقاص قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إن أبي كان يصل الرحم، وكان، وكان، فأين هو؟ قال: «في النار»، فكأن الاعرابي وجد من ذلك، فقال: يارسول الله! فأين أبوك؟ قال: «حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار». قال: فأسلم الاعرابي بعد، فقال: لقد كلفني رسول الله ﷺ تعبا! ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار». وما ذكرنا في هذه المسألة هو مذهب الحنابلة كما في «كشاف القناع» «٢/ ١٣٤» وغيره من كتبهم. أحكام الجنائز [٢٥١] لا يمشي بين قبور المسلمين في نعليه - ولا يمشي بين قبور المسلمين في نعليه، لحديث بشير بن الحنظلية قال: «بينما أماشي رسول الله ﷺ ... أتى على قبور المسلمين ... فبينما هو يمشي إذ حانت منه نظرة، فإذا هو برجل يمشي بين القبور عليه نعلان، فقال: يا صاحب السبتيتين ألق سبتيتيك، فنظر، فلما عرف الرجل رسول الله ﷺ خلع نعليه، فرمى بهما». قال الحافظ في «الفتح» «٣ - ١٦٠»: «والحديث يدل على كراهة المشي بين القبور بالنعال، وأغرب ابن حزم فقال:

стр. 4030

يحرم المشي بين القبور بالنعال السبتية دون غيرها! وهو جمود شديد. وأما قول الخطابي يشبه أن يكون النهي عنهما لما فيهما من الخيلاء، فإنه متعقب بأن ابن عمر كان يلبس النعال السبتية، ويقول: إن النبي ﷺ كان يلبسها. وهو حديث صحيح. وقال الطحاوي: «يحمل نهي الرجل المذكور على أنه كان في نعليه قذر، فقد كان النبي ﷺ يصلي في نعليه ما لم ير فيهما أذى». قلت: وهذا الاحتمال بعيد، بل جزم ابن حزم «٥/ ١٣٧» ببطلانه، وأنه من التقول على الله! والاقرب أن النهي من باب احترام الموتى، فهو كالنهي عن الجلوس على القبر الاتي في المسألة «١٢٨ فقرة ٦»، وعليه فلا فرق بين النعلين السبتيتين وغيرهما من النعال التي عليها شعر، إذ الكل في مثابة واحدة في المشي فيها بين القبور ومنافاتها لاحترامها، وقد شرح ذلك ابن القيم في «تهذيب السنن» «٤/ ٣٤٣ - ٣٤٥» ونقل عن الامأم أحمد أنه قال: «حديث بشير إسناده جيد، أذهب إليه إلا من علة». وقد ثبت أن الإمام أحمد كان يعمل بهذا الحديث، فقال أبو داود في مسائله «ص ١٥٨»: «رأيت أحمد إذا تبع الجنازة فقرب من المقابر خلع نعليه». فرحمه الله، ما كان أتبعه للسنة. أحكام الجنائز [٢٥٢] لا يشرع وضع الورود على القبور ولا يشرع وضع الآس ونحوها من الرياحين والورود على القبور، لأنه لم يكن من فعل السلف، ولو كان خيرا لسبقونا إليه وقد قال ابن عمر ﵄: «كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة». ولا يعارض ما ذكرنا حديث ابن عباس في وضع النبي ﷺ شِقَّي جريدة النخل على القبرين وقوله: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا». متفق عليه وقد خرجته في

стр. 4031

«صحيح أبي داود» «١٥». فإنه خاص به ﷺ بدليل أنه لم يجر العمل به عند السلف ولأمور أخرى يأتي بيانها. قال الخطابي رحمه الله تعالى في «معالم السنن» «١/ ٢٧» تعليقا على الحديث: «إنه من التبرك بأثر النبي ﷺ ودعائه بالتخفيف عنهما، وكأنه جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدا لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس، والعامة في كثير من البلدان تغرس الخوص في قبور موتاهم، وأراهم ذهبوا إلى هذا، وليس لما تعاطوه من ذلك وجه». قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي «١/ ١٠٣» عقب هذا: «وصدق الخطابي، وقد ازداد العامة إصرارا على هذا العمل الذي لا أصل له، وغلوا فيه، خصوصا في بلاد مصر، تقليدا للنصارى، حتى صاروا يضعون الزهور على القبور، ويتهادونها بينهم، فيضعها الناس على قبور أقاربهم ومعارفهم تحية لهم، ومجاملة للاحياء، وحتى صارت عادة شبيهة بالرسمية في المجاملات الدولية، فتجد الكبراء من المسلمين إذا نزلوا بلدة من بلاد أوربا ذهبوا إلى قبور عظمائها أو إلى قبر من يسمونه «الجندي المجهول» ووضعوا عليها الزهور، وبعضهم يضع الزهور الصناعية التي لا نداوة فيها تقليدا للافرنج، واتباعا لسنن من قبلهم، ولا ينكر ذلك عليهم العلماء أشباه العامة، بل تراهم أنفسهم يضعون ذلك في قبور موتاهم، ولقد علمت أن أكثر الاوقاف التي تسمى أوقافا خيرية موقوف ريعها على الخوص والريحان الذي يوضع على القبور وكل هذه بدع ومنكرات لا أصل لها في الدين، ولا سند لها من الكتاب والسنة، ويجب على أهل العلم أن ينكررها وأن يبطلوا هذه العادات ما استطاعوا» .. قلت: ويؤيد كون وضع الجريد على القبر خاص به، وأن التخفيف لم يكن من أجل نداوة شقها أمور: أ - حديث جابر ﵁ الطويل في «صحيح مسلم» «٨/ ٢٣١ - ٢٣٦» وفية قال ﷺ : «إني مررت بقبرين يعذبان، فأحببت بشفاعتي أن يرد عنهما ما دام الغصنان رطبين».

стр. 4032

فهذا صريح في أن رفع العذاب إنما هو بسبب شفاعته ﷺ ودعائه لا بسبب النداوة، وسواء كانت قصة جابر هذه هي عين قصة ابن عباس المتقدمة كما رجحه العيني وغيره، أو غيرها كما رجحه الحافظ في «الفتح»، أما على الاحتمال الأول فظاهر، وأما على الاحتمال الآخر، فلأن النظر الصحيح يقتضي أن تكون العلة واحدة في القصتين للتشابه الموجود بينهما، ولأن كون النداوة سببا لتخفيف العذاب عن الميت مما لا يعرف شرعا ولا عقلا، ولو كان الأمر كذلك لكان أخف الناس عذابا إنما هم الكفار الذين يدفنون في مقابر أشبه ما تكون بالجنان لكثرة ما يزرع فيها من النباتات والأشجار التي تظل مخضرة صيفا وشتاء! يضاف إلى ما سبق أن بعض العلماء كالسيوطي قد ذكروا أن سبب تأثير النداوة في التخفيف كونها تسبح الله تعالى، قالوا: فإذا ذهبت من العود ويبس انقطع، تسبيحه! فإن هذا التعليل مخالف لعموم قوله ﵎: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. ب - في حديث ابن عباس نفسه ما يشير إلى أن السر ليس في النداوة، أو بالأحرى ليست هي السبب في تخفيف العذاب، وذلك قوله «ثم دعا بعسيب فشقه اثنين» يعني طولا، فإن من المعلوم أن شقه سبب لذهاب النداوة من الشق ويبسه بسرعة، فتكون مدة التخفيف أقل مما لو لم يشق، فلو كانت هي العلة لأبقاه ﷺ بدون شق ولوضع على كل قبر عسيبا أو نصفه على الاقل، فإذا لم يفعل دل على أن النداوة ليست هي السبب، وتعين أنها علامة على مدة التخفيف الذي أذن الله به استجابة لشفاعة نبيه ﷺ كما هو مصرح به في حديث جابر، وبذلك يتفق الحديثان في تعيين السبب، وإن احتمل اختلافهما في الواقعة وتعددها. فتأمل هذا، فإنما هو شئ انقدح في نفسي، ولم أجد من نص عليه أو أشار إليه من العلماء، فإن كان صوابا فمن الله تعالى وإن كان خطأ فهو مني، واستغفره من كل ما لا يرضيه. ج - لو كانت النداوة مقصودة بالذات، لفهم ذلك السلف الصالح ولعملوا

стр. 4033

بمقتضاه، ولوضعوا الجريد والآس ونحو ذلك على القبور عند زيارتها، ولو فعلوا لاشهر ذلك عنهم، ثم نقله الثقات إلينا، لأنه من الأمور التي تلفت النظر، وتستدعي الدواعي نقله، فإذ لم ينقل دل على أنه لم يقع، وأن التقرب به إلى الله بدعة، فثبت المراد. وإذا تبين هذا، سهل حينئذ فهم بطلان ذلك القياس الهزيل الذى نقله السيوطي في «شرح الصدور» عمن لم يسمه: «فإذا خفف عنهما بتسبيح الجريدة فكيف بقراءة المومن القرآن؟ قال: وهذا الحديث أصل في غرس الأشجار عند القبور»! قلت: فيقال له: «أثبت العرش ثم انقش»، «وهل يستقيم الظل والعود أعوج»؟ فلو كان هذا القياس صحيحا لبادر إليه السلف لأنهم أحرص على الخير منا. فدل ما تقدم على أن وضع الجريد على القبر خاص به ﷺ ، وأن السر في تخفيف العذاب عن القبرين لم يكن في نداوة العسيب بل في شفاعته ﷺ ودعائه لهما، وهذا مما لا يمكن وقوعه مرة أخرى بعد انتقاله ﷺ إلى الرفيق الاعلى ولا لغيره من بعده ﷺ ، لان الاطلاع على عذاب القبر من خصوصياته ﵊، وهو من الغيب الذي لا يطلع عليه إلا الرسول كما جاء في نص القرآن «عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول» واعلم أنه لا ينافى ما بينا ما أورده السيوطي في «شرح الصدور» «١٣١»: «وأخرج ابن عساكر من طريق حماد بن سلمة عن قتادة أن أبا برزة الاسلمي ﵁ كان يحدث أن رسول الله ﷺ مر على قبر وصاحبه يعذب، فأخذ جريدة فغرسها في القبر، وقال: عسى أن يرفه عنه ما دامت رطبة. وكان أبو برزة يوصي: إذا مت فضعوا في قبري معي جريدتين. قال: فمات في مفازة بين «كرمان» و «قومس»، فقالوا: كان يوصينا أن تضع في قبره جريدين وهذا موضع لا نصيبها فيه، فينما هم كذلك إذ طلع عليهم ركب من قبل «سجستان»، فأصابوا معهم سعفا، فأخذوا جريدتين، فوضعوهما معه في قبره.

стр. 4034

وأخرج ابن سعد عن مورق قال: أوصى بريدة أن تجعل في قبره جريدتان». قلت: ووجه عدم المنافاة، أنه ليس في هذين الاثرين - على فرض التسليم بثبوتهما معا - مشروعية وضع الجريد عند زيارة القبور، الذي ادعينا بدعيتة عدم عمل السلف به، وغاية ما فيهما جعل الجريدتين مع الميت في قبره، وهي قضية أخرى، وإن كانت كالتي قبلها في عدم المشروعية لان الحديث الذي رواه أبو برزة كغيره من الصحابة لا يدل على ذلك، لا سيما والحديث فيه وضع جريدة واحدة، وهو أوصى بوضع جريدتين في قبره على أن الاثر لا يصح إسناده، فقد أخرجه الخطيب في تاريخ «بغداد» «١/ ١٨٣ - ١٨٢» ومن طريقه أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» في آخر ترجمة نضلة بن عبيد بن أبي برزة الاسلمي عن الشاه بن عمار قال: ثنا أبو صالح سليمان بن صالح الليثي قال: أنبأنا النضر بن المنذز بن ثعلبة العبدي عن حماد بن سلمة به. قلت: فهذا إسناد ضعيف، وله علتان: الأولى: جهالة الشاه والنضر فإني لم أجد لهما ترجمة. والأخرى: عنعنة قتادة فإنهم لم يذكروا له رواية عن أبي برزة، ثم هو مذكور بالتدليس فيخشى من عنعنته في مثل إسناده هذا. وأما وصية بريدة، فهي ثابتة عنه، قال ابن سعد في «الطبقات» «ج ٧ ق ١ ص ٤»: أخبرنا عفان بن مسلم قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا عاصم الأحول قال: قال مورق: أوصى بريدة الأسلمي أن توضع في قبره جريدتان. فكان أن مات بأدنى خراسان فلم توجد إلا في جوالق حمار. وهذا سند صحيح، وعلقه البخاري «٣/ ١٧٣» مجزوما. قال الحافظ في شرحه: «وكان بريدة حمل الحديث على عمومه، ولم يره خاصا بذينك الرجلين، قال ابن رشيد: ويظهر من تصرف البخاري أن ذلك خاص بهما، فلذلك عقبه بقول ابن عمر: إنما يظله عمله».

стр. 4035

قلت: ولا شك أن ما ذهب إليه البخاري هو الصواب لما سبق بيانه، ورأي بريدة لا حجة فيه، لأنه رأي والحديث لا يدل عليه حتى لو كان عاما، فإن النبي ﷺ لم يضع الجريدة في القبر، بل عليه كما سبق. و «خير الهدى هدى محمد». أحكام الجنائز [٢٥٣] البكاء والخوف عند المرور بقبور الظالمين [قال رسول الله ﷺ ]: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم ما أصابهم». [قال الإمام]: وقد ترجم لهذا الحديث صديق خان في «نزل الأبرار» «ص ٢٩٣» بـ «باب البكاء والخوف عند المرور بقبور الظالمين وبمصارعهم وإظهار الافتقار إلى الله تعالى والتحذير من الغفلة عن ذلك». السلسلة الصحيحة (١/ ١/٥٨). ضعف حديث (من زار القبور فليس منا) [روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «من زار القبور. فليس منا». ضعيف. أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» «٣/ ٥٦٩، ٥/ ٦٧٠» عن قتادة أن رسول الله ﷺ قال: ... فذكره. [قال الإمام]: قلت: وهذا إسناد مرسل، فهو ضعيف. ولعل الحديث - إن صح - كان في وقت النهي عن زيارة القبور، ثم نسخ ذلك بإذن النبي ﷺ بزيارتها، كما جاء في أحاديث كثيرة، قد ذكرنا قسما طيبا منها في «أحكام الجنائز». فليراجعها من شاء الوقوف عليها. السلسلة الضعيفة (١٢/ ١/ ٩).

стр. 4036

مشروعية زيارة القبور بدون توقيت معين كيوم من أيام السنة «كان يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: السلام «كذا» بما صبرتم، فنعم عقبى الدار. وأبو بكر وعمر [وعثمان]». منكر. [قال الإمام]: وأما نكارة متنه؛ فإنه ينافي مشروعية زيارة القبور بدون توقيت وتوقيف، مما يفتح الباب للجهلة الذين يتخذون لزيارتها أياماً مخصوصة، كما يفعلون يوم العيد وغيره، ويضعون عليها الأكاليل والزهور! السلسلة الضعيفة (١٤/ ١/ ٣٠٧) حكم زيارة القبور يوم العيد مداخلة: ما حكم زيارة القبور يوم العيد؟ الشيخ: حكم زيارة القبور يوم العيد، كحكم زيارتها يوم عيد الجمعة، هل من قائل: بأنه يستحب زيارة القبور يوم الجمعة؟ الجواب: لا، كل ما في الأمر أن الناس اعتادوا عادةً، وتَوَهَّموها سنةً، وهي البدعة بعينها. ذلك؛ لأن من القواعد الشرعية التي يستفيدها طالب العلم من عموم أدلة الكتاب والسنة، أن هذه الأدلة ما كان منها مطلقاً، وجب إجراؤها على إطلاقها، ولا يجوز تخصيصها إلا بدليل مخصص، ولا يجوز تقييد ما جاء مطلقاً من النصوص إلا إذا جاء ما يُقَيِّده، وعلى العكس من ذلك: إذا جاء نص مُقَيّد بصفة أو بكيفية أو بعدد، فلا يجوز فك هذا القيد عنه وإطلاقه، كل هذا مخالفة للنصوص. ولما كانت أدلة الأمر بزيارة القبور مطلقةً، كمثل الحديث المشهور من قوله ﵊: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فَزُورُوها؛ فإنها تذكركم الآخرة» قوله ﵇: «ألا فزوروها» في هذا الحديث وفي غيره أيضاً مطلق، فينبغي إجراؤه على إطلاقه، ولا يجوز تقييده بزمن لم يأت تقييده به في الشرع ولا بصفة ولا بكيفية.

стр. 4037

فإذا كان الأمر كذلك: كان تخصيص العيدين بزيارة القبور، يكون من باب تقييد المطلق بغير نص شرعي، وهذا اعتداء على الشارع الحكيم، ويُخْشَى على من يفعل ذلك أن يدخل في إنكار ربنا ﵎ على المشركين بقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. فإذاً: لا يجوز زيارة القبور يوم العيد خاصةً. (الهدى والنور / ٣١٩/ ٤٧: ١٧: ٠٠)

стр. 4038

كتاب ما يَحْرُمُ عند القبور (١)

стр. 4039

مما يَحْرُمُ عند القبور: الذبح والنحر ويحرم عند القبور ما يأتي: - الذبح والنحر، لقوله ﷺ : «لا عقر في الاسلام»، قال عبد الرزاق بن همام: «كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة». وقال شيخ الاسلام في «الاقتضاء» «ص ١٨٢»: «وأما الذبح هناك - يعني عند القبور - فمنهي عنه مطلقا، ذكره أصحابنا وغيرهم لهذا الحديث. قال أحمد في رواية المروزي -: قال النبي ﷺ : لا عقر في الاسلام. كانوا إذا مات لهم الميت نحروا جزورا على قبره، فنهى النبي ﷺ عن ذلك. وكره أبو عبد الله أكل لحمه. قال أصحابنا: وفي معنى هذا ما يفعله كثير من أهل زماننا في التصدق عند القبر بخبز أو نحوه». وقال النووي في «المجموع» «٥/ ٣٢٠»: «وأما الذبح والعقر عند القبر فمذموم لحديث أنس هذا، رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح». قلت: وهذا إذا كان الذبح هناك لله تعالى وأما إذ كان لصاحب القبر كما يفعله بعض الجهال فهو شرك صريح، وأكله حرام وفسق كما قال تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]. أي والحال أنه كذلك بأن ذبح لغير الله، إذ هذا هو الفسق هنا كما ذكره الله تعالى بقوله «أو فسقا أهل لغير الله به»، كما في «الزواجر» «١/ ١٧١» للفقيه الهيتمى. وقال: «لعن الله» وفي رواية: «ملعون من ذبح لغير الله». أحكام الجنائز [٢٥٩] من المحرمات عند القبور - رفعها زيادة على التراب الخارج منها.

стр. 4040

- طليها بالكلس ونحوه. - الكتابة عليها. - البناء عليها. - القعود عليها. وفي ذلك أحاديث: الأول: عن جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يُجَصّص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه، [أو يزاد عليه]، [أو يكتب عليه]». وقال النووي «٥/ ٢٩٦»: «وإسنادها صحيح». ثم استدل بها على أنه يستحب أن لا يزاد القبر على التراب الذي أخرج منه وقال: «قال الشافعي: فإن زاد فلا بأس، قال أصحابنا: معناه أنه ليس بمكروه». قلت: وهذا خلاف ظاهر النهي فإن الاصل فيه التحريم، فالحق ما قاله ابن حزم في «المحلى» «٥/ ٣٣»: «ولا يحل أن يبنى القبر، ولا أن يجصص، ولا أن يزاد على ترابه شئ ويهدم كل ذلك». وهو ظاهر قول الامام أحمد، فقال أبو داود في «المسائل» «ص ١٥٨»: «سمعت أحمد قال: لا يزاد على القبر من تراب غيره، إلا أن يسوى بالارض فلا يعرف. فكأنه رخص إذ ذاك». لكن ذكر في «الإنصاف» «٢/ ٥٤٨» عنه الكراهة فقط! وقال الامام محمد في «الآثار» «ص ٤٥»: «أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: كان يقال: ارفعوا القبر حتى يعرف أنه قبر فلا يوطأ. قال محمد: وبه نأخذ، ولا نرى أن يزاد على ما خرج منه، ونكره أن يجصص، أو يطين، أو يجعل عنده مسجدا أو علما، أو يكتب عليه، ويكره الآجر أن يبنى به، أو

стр. 4041

يدخله القبر، ولا نرى برش الماء عليه بأسا، وهو قول أبي حنيفة». قلت: ويدل الحديث بمفهومه على جواز رفع القبر، بقدر ما يساعد عليه التراب الخارج منه، وذلك يكون نحو شبر، فهو موافق للنص المتقدم في المسألة «١٠٧» وأما التجصيص فهو من «الجص» وهو الكلس. والمراد الطلي به قال في «القاموس»: «وجصص الاناء ملاه، والبناء طلاه بالجص». ولعل النهي عن التجصيص من أجل أنه نوع زينة كما قال بعض المتقدمين. وعليه فما حكم تطيين القبر؟ للعلماء فيه قولان: الأول: الكراهة، نص عليه الامام محمد فيما نقلته آنفا عنه، والكراهة عنده للتحريم إذا أطلقت. وبالكراهة قال أبو حفص من الحنابلة كما في «الإنصاف» «٢/ ٥٤٩» والاخر: أنه لا بأس به. حكاه أبو داود «١٥٨» عن الامام أحمد. وجزم به في «الإنصاف». وحكاه الترمذي «٢/ ١٥٥» عن الامام الشافعي، قال النووي عقبه: «ولم يتعرض جمهور الأصحاب له، فالصحيح أنه لاكراهة فيه كما نص عليه، ولم يرد فيه نهي». قلت: ولعل الصواب التفصيل على نحو ما يأتي: إن كان المقصود من التطيين المحافظة على القبر وبقائه مرفوعا قدر ما سمح به الشرع، وأن لا تنسفة الرياح ولا تبعثره الامطار، فهو جائز بدون شك لأنه يحقق غاية مشروعة. ولعل هذا هو وجه من قال من الحنابلة أنه يستحب. وإن كان المقصود الزينة ونحوها مما لا فائدة فيه فلا يجوز لأنه محدث.

стр. 4042

وأما الكتابة، فظاهر الحديث تحريمها، وهو ظاهر كلام الإمام محمد، وصرح الشافعية والحنابلة بالكراهة فقط! وقال النووي «٥/ ٢٩٨»: «قال أصحابنا: وسواء كان المكتوب على القبر في لوح عند رأسه كما جرت عادة بعض الناس، أم في غيره، فكله مكروه لعموم الحديث». واستثنى بعض العلماء كتابة اسم الميت لا على وجه الزخرفة، بل للتعرُّف قياسا على وضع النبي ﷺ الحجر على قبر عثمان بن مظعون كما تقدم في المسألة المشار إليها آنفا «ص ١٥٥». قال الشوكاني: «وهو من التخصيص بالقياس وقد قال به الجمهور، لا أنه قياس في مقابلة النص كما قال في «ضوء النهار»، ولكن الشأن في صحة هذا القياس». والذي أراه - والله أعلم - أن القول بصحة هذا القياس على إطلاقه بعيد، والصواب تقييده بما إذا كان الحجر لا يحقق الغاية التي من أجلها وضع رسول الله ﷺ الحجر، ألا وهي التعرف عليه، وذلك بسبب كثرة القبور مثلا وكثرة الأحجار المعرفة! فحينئذ يجوز كتابة الاسم بقدر ما تتحقق به الغاية المذكورة. والله أعلم. وأما قول الحاكم عقب الحديث: «ليس العمل عليه، فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم وهو عمل أخذ به الخلف عن السلف». فقد رده الذهبي بقوله: «ما قلت طائلا، ولا نعلم صحابيا فعل ذلك، وإنما هو شئ أحدثه بعض التابعين فمن بعدهم - ولم يبلغهم النهي». الثاني: عن أبي سعيد وهو الخدري «أن النبي ﷺ نهى أن يبنى على القبر». الثالث: عن أبي الهياج الأسدي قال: «قال لي علي بن أبي طالب: ألا ابعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالا [رواية: صورة] [في بيت] إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته». قال الشوكاني رحمه الله تعالى «٤/ ٧٢» في شرح هذا الحديث: «فيه أن السنة أن القبر لا يرفع رفعا كبيرا من غير فرق بين من كان فاضلا ومن

стр. 4043

كان غير فاضل. والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم. وقد صرح بذلك أصحاب أحمد، وجماعة الشافعي ومالك. قال: ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولا أوليا القبب والمشاهد المعمورة على القبور، وأيضا هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبي ﷺ فاعل ذلك كما سيأتي. وكم قد نشأ عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الاسلام. منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر، فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج، وملجا لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال وتمسحوا واستغاثوا. وبالجملة أنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالاصنام إلا فعلوه! فإنا لله وإنا إليه راجعون، ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب لله، ويغار حمية للدين الحنيف، لا عالما ولا متعلام، ولا أميرا ولا وزيرا ولا ملكا، وقد توارد إلينا من الاخبار ما لا يشك معه أن كثيرا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرا، فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني! تلعثم وتلكأ وأبي واعترف بالحق! وهذا من أبين الادلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة. فيا علماء الدين ويا ملوك المسلمين أي رِزء للاسلام أشد من الكفر، وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله، وأى مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة، وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك واجبا؟ ! لقد أسمعت لو ناديت حياً ... ولكن لا حياة لمن تنادي ولو ناراً نفخت بها أضاءت ... ولكن أنت تنفخ في رماد وللشوكاني رحمه الله تعالى رسالة لطيفة نافعة في هذا الباب أسماها «شرح الصدور في تحريم رفع القبور» مطبوعة في المجموعة المنيرية «١/ ٦٢ - ٧٦».

стр. 4044

الرابع: عن ثمامة بن شفي قال: «خرجنا مع فضالة بن عبيد إلى أرض الروم، وكان عاملا لمعاوية على الدرب، «وفي رواية: غزونا أرض الروم، وعلى ذلك الجيش فضالة بن عبيد الانصاري»، فأصيب ابن عم لنا [ب] «رودس» (١) فصلى عليه فضالة، وقام على حفرته حتى واراه، فلما سوينا عليه حفرته قال: أخفوا عنه، «وفي الرواية الاخرى: خففوا عنه» (٢) فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا بتسوية القبور». وأما الحديث المشهور على الالسنة بلفظ: «خير القبور الدوارس» فلا أصل له في شئ من كتب السنة، وهو بظاهره منكر، لان القبر لا ينبغي أن يدرس، بل ينبغي أن يظل ظاهرا مرفوعا عن الارض قدر شبر كما سبق، ليعرف فيصان ولا يهان، ويزار ولا يهجر. ثم إن الظاهر من حديث فضالة «كان يأمرنا بتسوية القبور» تسويتها بالأرض بحيث لا ترفع إطلاقا، وهذا الظاهر غير مراد قطعا، بدليل أن السنة الرفع قدر شبر كما مرت الإشارة إليه سابقا، ويؤيد هذا من الحديث نفسه قول فضالة «خففوا» أي التراب، فلم يأمر بإزالة التراب عنه بالكلية، وبهذا فسره العلماء انظر «المرقاة» «٢/ ٣٧٢». الخامس: قال معاوية ﵁: «إن تسوية القبور من السنة، وقد رفعت اليهود والنصارى فلا تشبهوا بهما». السادس: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس «وفي رواية: يطأ» على قبر». السابع: عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لأن

стр. 4045

أمشي على جمرة أو سيف، أو أخصف نعلي برجلي (١) أحب إلي من أن أمشي على قبر مسلم، وما أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق». الثامن: عن أبي مرثد الغنوي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها». وفي هذه الاحاديث الثلاثة دليل على تحريم الجلوس والوطء على قبر المسلم، وهو مذهب جمهور العلماء على ما نقله الشوكاني «٤/ ٥٧» وغيره، لكن حكى النووي والعسقلاني عنهم الكراهة فقط، وهو نص الامام الشافعي في «الأم» وكذلك نص الامام محمد في «الآثار» «ص ٤٥» على الكراهة وقال: «وهو قول أبي حنيفة». قال الشافعي ﵀ «١/ ٢٤٦»: «وأكره وطء القبر والجلوس والاتكاء عليه، إلا أن لا يجد الرجل السبيل إلى قبر ميته إلا بأن يطأه فذلك موضع ضرورة، فأرجو حينئذ أن يسعه إن شاء الله تعالى، وقال بعض أصحابنا: لا بأس بالجلوس عليه، وإنما نهي عن الجلوس عليه للتغوط! وليس هذا عندنا كما قال، وإن كان نهي عنه للمذهب فقد نهي عنه مطلقا لغير المذهب». وكان الشافعي ﵀ يشير إلى إلامام مالك ﵀ فإنه صرح في «الموطأ» بالتأويل المذكور، ولا شك في بطلانه كما بينه النووي فيما نقله الحافظ «٣/ ١٧٤». قلت: والكراهة عندهما إذا أطلقت فهي للتحريم، وهذا أقرب إلى الصواب من القول بالكراهة فحسب، والحق القول بالتحريم لأنه الذي ينص عليه حديث أبي هريرة وعقبة. لما فيهما من الترهيب الشديد، وبهذا قال جماعة من الشافعية، منهم النووي، وإليه ذهب الصنعاني في «سبل السلام» «١/ ٢١٠»، ومال الفقيه ابن حجر الهيتمى في «الزواجر» «١/ ١٤٣» إلى أنه كبيرة، لما أشرنا إليه من الوعيد الشديد، وليس ذلك عن الصواب ببعيد. أحكام الجنائز [٢٦٠]

стр. 4046

حرمة الصلاة إلى القبور - الصلاة إلى القبور للحديث المتقدم آنفا «لا تصلوا إلى القبور .. » وفيه دليل على تحريم الصلاة إلى القبر لظاهر النهي، وهو اختيار النووي، فقال المناوي في «فيض القدير» شارحا للحديث: «أي مستقبلين إليها، لما فيه من التعظيم البالغ، لأنه من مرتبة المعبود، فجمع - يعنى الحديث بتمامه - بين النهي عن الاستخفاف بالتعظيم، والتعظيم البليغ» ثم قال في موضع آخر: «فإن ذلك مكروه، فإن قصد إنسان التبرك بالصلاة في ثلك البقعة فقد ابتدع في الدين ما لم يأذن به الله، والمراد كراهة التنزيه، قال النووي: كذا قال أصحابنا، ولو قيل بتحريمه لظاهر الحديث لم يبعد. ويؤخذ من الحديث النهي عن الصلاة في المقبرة، فهو مكروه كراهة تحريم». وينبغي أن يعلم أن التحريم المذكور إنما هو إذا لم يقصد بالاستقبال تعظيم القبور، وإلا فهو شرك، قال الشيخ علي القاري في «المرقاة» «٢/ ٣٧٢» في شرحه لهذا الحديث: ولو كان هذا التعظيم حقيقة للقبر ولصاحبه لكفر المعظم، فالتشبه به مكروه، وينبغي أن يكون كراهة تحريم، وفي معناه بل أولى منه: الجنازة الموضوعة. وهو مما ابتلي به أهل مكة، حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها». أحكام الجنائز [٢٦٩] حرمة الصلاة عند القبور ولو بدون استقبال - الصلاة عندها ولو بدون استقبال، وفيه أحاديث: الأول: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 4047

«الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام». الثاني: عن أنس «أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بين القبور». الثالث: عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورا». الرابع: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة». وقد ترجم البخاري للحديث الثالث بقوله: «باب كراهية الصلاة في المقابر». وبين وجه ذلك الحافظ في شرحه فقال ما مختصره: «استنبط من قوله في الحديث: «لا تتخذوها قبورا» أن القبور ليست بمحل للعبادة، فتكون الصلاة فيها مكروهة، وقد نازع الإسماعيلي المصنف في هذه الترجمة فقال: الحديث دال على كراهة الصلاة في القبر لا في المقابر: قلت: قد ورد بلفظ المقابر كما رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ «لا تجعلوا بيوتكم مقابر»، وقال ابن التين: تأوله البخاري على كراهة الصلاة في المقابر: وتأوله جماعة على أنه إنما فيه الندب إلى الصلاة في البيوت، إذ الموتى لا يصلون، كأنه قال: لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون في بيوتهم وهي القبور، قال: فأما جواز الصلاة في المقابر أو المنع منه فليس في الحديث ما يؤخذ منه ذلك. قلت إن أراد أنه لا يؤخذ منه بطريق المنطوق فمسلم. وإن أراد نفي ذلك مطلقا فلا، فقد قدمنا وجه استنباطه، وقد نقل ابن المنذر عن أكثر أهل العلم أنهم استدلوا بهذا الحديث على أن المقبرة ليست بموضع للصلاة. وكذا قال البغوي في «شرح السنة» والخطابي». قلت: وهذا هو الأرجح أن الحديث يدل على أن المقبرة ليست موضعا للصلاة، لا سيما بلفظ أبي هريرة فهو أصرح في الدلالة، وقول الاسماعيلي: يدل على كراهة

стр. 4048

الصلاة في القبر لا في المقابر، مع مخالفته الصريحة لحديث أبي هريرة، فلا يحسن حمل حديث ابن عمر عليه، لان الصلاة في القبر غير ممكنة عادة، فكيف يحمل كلام الشارع عليه! ؟ وقول ابن التين: «هو من شراح «صحيح البخاري» واسمه عبد الواحد: «الموتى لا يصلون». ليس بصحيح، لأنه لم يرد نص في الشرع بنفي ذلك، وهو من الأمور الغيبية التي لا ينبغي البت فيها إلا بنص، وذلك مفقود، بل قد جاء ما يبطل إطلاق القول به، وهو صلاة موسى ﵊ في قبره كما رآه رسول الله ﷺ ليلة أسري به على ما رواه مسلم في «صحيحه»، وكذلك صلاة الانبياء عليهم الصلاة والسلام مقتدين به في تلك الليلة كما ثبت في «الصحيح» بل ثبت عنه ﷺ أنه قال: «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون». أخرجه أبو يعلى باسناد جيد، وقد خرجته في «الاحاديث الصحيحة» «٦٢٢». بل قد جاء عنه ﷺ ما هو أعم مما ذكرنا، وذلك في حديث أبي هريرة في سؤال الملكين للمؤمن في القبر: «فيقال له اجلس، فيجلس قد مثلت له الشمس وقد آذنت للغروب، فيقال له: أرأيتك هذا الذي كان فيكم ما تقول فيه؟ وماذا تشهد عليه؟ فيقول: دعوني حتى أصلي، فيقولان: إنك ستفعل». أخرجه ابن حبان في «صحيحه» «٧٨١» والحاكم «١/ ٣٧٩ - ٣٨٠» وقال «صحيح على شرط مسلم» ووافقه الذهبي! وإنما هو حسن فقط، لان فيه محمد بن عمرو ولم يحتج به مسلم وإنما روى له مقرونا أو متابعة. فهذا الحديث صريح في أن المؤمن أيضا يصلي في قبره، فبطل بذلك القول بأن الموتى لا يصلون، وترجح أن المراد بحديث ابن عمر أن المقبرة ليست موضعا للصلاة، والله أعلم. وقد دل الحديث وما ذكر معه على كراهة الصلاة في المقبرة، وهي للتحريم لظاهر النهي في بعضها، وذهب بعض العلماء إلى بطلان الصلاة فيها لان النهي يدل

стр. 4049

على فساد المنهي عنه، وهو قول ابن حزم، واختاره شيخ الاسلام ابن تيمية، والشوكاني في «نيل الاوطار» «٢/ ١١٢»، وروى ابن حزم «٤/ ٢٧ - ٢٨» عن الامام أحمد أنه قال: «من صلى في مقبرة أو إلى قبر أعاد أبدا». ثم قال ابن حزم: «وكره إلصلاة إلى القبر وفي المقبرة وعلى القبر أبو حنيفة والاوزاعي وسفيان ولم ير مالك بذلك بأسا! واحتج له بعض مقلديه بأن رسول الله ﷺ صلى على قبر المسكينة السوداء! قال ابن حزم: «وهذا عجب ناهيك به أن يكون هؤلاء القوم يخالفون هذا الخبر فيما جاء فيه، فلا يجيزون أن نصلى صلاة الجنازة على من دفن، ثم يستبيحون ما ليس فيه أثر منه ولا إشارة، مخالفة للسنن الثابتة. قال: كل هذه الاثار حق، فلا تحل الصلاة حيث ذكرنا إلا صلاة الجنازة فإنها تصلى في المقبرة، وعلى القبر الذي قد دفن صاحبه كما فعل رسول الله ﷺ ، نحرم ما نهى عنه، ونعد من التقرب إلى الله تعالى أن نفعل! مثل ما فعل فأمره ونهيه حق، وفعله حق، وما عدا ذلك فباطل». قلت: وفيما قاله في صلاة الجنازة نظر، لأنه لا نص على جوزها في المقبرة ولو كان ابن حزم من القائلين بالقياس لقلنا أنه قاس ذلك على الصلاة على القبر: ولكنه يقول ببطلان القياس من أصله، وصلاة الجنازة في المقبرة خلاف السنة التي لم تأت إلا بصلاتها في المصلى وفي المسجد كما سبق بيانه في محله، بل قد جاء النهي الصريح عن الصلاة عليها بين القبور كما في رواية في حديث أنس المذكور في هذا الفصل، وهو الحديث الثاني منه. ثم إن كراهة الصلاة في المقبرة تشمل كل مكان منها سواء كان القبر أمام المصلي أو خلفه أو عن يمينه، أو عن يساره، لان النهي مطلق، ومن المقرر في علم الاصول أن المطلق يجرى على إطلاقه حتى يأتي ما يقيده، ولم يرد هنا شئ من ذلك، وقد صرح بما ذكرنا بعض فقهاء الحنفية وغيرهم كما يأتي، فقال شيخ الاسلام ابن تيمية في «الاختيارات العلمية» «ص ٢٥»: «ولا تصح الصلاة في المقبرة ولا إليها، والنهي عن ذلك إنما هو سد لذريعة الشرك وذكر طائفة من أصحابنا أن القبر

стр. 4050

والقبرين لا يمنع من الصلاة، لأنه لا يتناوله اسم المقبرة، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدا. وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق، بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور، وهو الصواب، والمقبرة كل ما قبر فيه، لا أنه جمع قبر. وقال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه، فهذا يعين أن المنع يكون متناولا لحرمة القبر المنفرد وفنائه المضاف إليه. وذكر الامدي وغيره: أنه لا تجوز الصلاة فيه أي المسجد الذي قبلته إلى القبر حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر. وذكر بعضهم: هذا منصوص أحمد». وفي كلام الشيخ ﵀ التصريح بأن علة النهي عن الصلاة في المقبرة إنما هي سد الذريعة، وهذا أحد قولي العلماء في ذلك، والقول الآخر أن العلة إنما هي نجاسة أرض المقبرة! وهما قولان في مذهب الحنفية، وقد نظر ابن عابدين في «الحاشية» «١/ ٣٥٢» في الثاني منهما، وذلك لأن الاستحالة مطهرة عندهم، فكيف تكون هذه العلة صحيحة! ؟ ولا شك عندنا أن القول الأول هو الصحيح، وقد بين ذلك شيخ الاسلام في كتبه، واستدل له بما لا تجده عند غيره، فراجع مثلا كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم» «١٥٢، ١٩٣»، وعليه مشى في «الحانية» من كتب الحنفية، وأشار إليه الطحاوي في حاشيته على «مراقي الفلاح» فقال عند قول الشارح «وتكره الصلاة في المقبرة» «١/ ٢٠٨» «بتثليث الباء، لأنه تشبه باليهود والنصارى، قال ﷺ : لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وسواء كانت فوقه أو خلفه أو تحت ما هو واقف عليه. ويستثنى مقابر الأنبياء ﵈ فلا تكره الصلاة فيها مطلقا منبوشة أو لا، بعد أن لا يكون القبر في جهة القبلة، لأنهم أحياء في قبورهم»!

стр. 4051

قلت: وهذا الاستثناء باطل ظاهر البطلان، كيف وهو يناقض العلة التي ذكرها والحديث الذي استدل به عليها، وكيف يصح مثل هذا الاستثناء والاحاديث مستفيضة في لعن أهل الكتاب لاتخاذ قبور أنبيائهم مساجد ثم صح أن النبي ﷺ نهانا عن ذلك، فالنهي منصب على اتخاذ قبور الأنبياء مباشرة، وغيرهم يلحق بهم، فكيف يعقل استثناؤهم! ؟ والحق أن مثل هذا الاستثناء إنما يتمشى مع القول الثاني أن العلة النجاسة وقبور الأنبياء بلا شك طاهرة لأنهم كما قال ﵇: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء»، ولكن هذه العلة باطلة وما بني على باطل فهو باطل (١). أحكام الجنائز [٢٧٠] حرمة بناء المساجد على القبور [مما يحرم عند القبور]: بناء المساجد عليها. وفيه أحاديث: الأول: عن عائشة وعبد الله بن عباس معا قالا: «لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال: وهو كذلك. - لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر [مثل] ما صنعوا». الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت: فلولا ذاك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا.

стр. 4052

الثالث: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «قاتل الله اليهود «وفي رواية: لعن الله اليهود والنصارى» اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». الرابع: عنه عن النبي ﷺ : «اللهم لا تجعل قبري وثنا، لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». الخامس: عن جندب قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس يقول: «قد كان لي فيكم أخوة وأصدقاء، وإني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل»، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من امتي خليلا، لا تخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانو يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنها كم عن ذلك». السادس: عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد». السابع: عن عائشة قالت: «لما كان مرض النبي ﷺ ، تذاكر بعض نسائه كنيسة بأرض الحبشة يقال لها «مارية» - وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة - فذكرن من حسنها وتصاويرها. قالت: فقال النبي ﷺ : «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح [فمات] بنوا على قبره مسجدا، ثم صوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله [يوم القيامة]». وفي الباب أحاديث أخرى عن جماعة آخرين من الصحابة، أوردتها في «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد». وهي تدل دلالة قاطعة على أن اتخاذ القبور مساجد حرام لما فيها من لعن المتخذين، ولذلك قال الفقيه الهيتمي في «الزواجر» «١/ ١٢٠ - ١٢١»: «الكبيرة الثالثة والتسعون اتخاذ القبور مساجد».

стр. 4053

ثم ساق بعض الاحاديث المتقدمة وغيرها مما ليس على شرطنا ثم قال: «وعد هذه من الكبائر وقع في كلام بعض الشافعية، وكأنه أخذ ذلك مما ذكره من هذه الاحاديث، ووجهه واضح، لأنه لعن من فعل ذلك بقبور أنبيائه. وجعل من فعل ذلك بقبور صلحائه شر الخلق عند الله يوم القيامة، ففيه تحذير لنا كما في رواية «يحذر ما صنعوا»، أي يحذر أمته بقوله لهم ذلك من أن يصنعوا كصنع أولئك، فيلعنوا كما لعنوا .. قال بعض الحنابلة: قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركا بها عين المحادة لله ورسوله، وابتداع دين لما يأذن به الله للنهي عنها ثم إجماعا، فإن أعظم المحرمات وأسباب الشرك الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، أو بناؤها عليها، والقول بالكراهة محمول على غير ذلك، إذ لا يظن بالعلماء تجويز فعل تواتر عن النبي ﷺ لعن فاعله، وتجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور إذ هي أضر من مسجد الضرار لأنها أسست على معصية رسول الله ﷺ ، لأنه نهى عن ذلك، وأمر ﷺ بهدم القبور المشرفة، وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر، ولا يصح وقفه ونذره. انتهى». هذا والاتخاذ المذكور في الاحاديث المتقدمة يشمل عدة أمور: الأول: الصلاة إلى القبور مستقبلا لها. الثاني: السجود على القبور. الثالث: بناء المساجد عليها. والمعنى الثاني ظاهر من الاتخاذ، والآخران مع دخولهما فيه، فقد جاء النص عليهما في بعض الاحاديث المتقدمة، وفصلت القول في ذلك وأوردت أقوال العلماء مستشهدا بها في كتابنا الخاص «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد» وذكرت فيه تاريخ إدخال القبر النبوي في المسجد الشريف، وما فيه من المخالفة للأحاديث

стр. 4054

المتقدمة وأن الصلاة مع ذلك لا تكره فيه خاصة، فمن شاء بسط القول في ذلك كله فليرجع إليه. أحكام الجنائز [٢٧٥] حرمة اتخاذ القبور مساجد وعن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ ، قال في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قال الألباني في شرح هذا الحديث: أي صلوا عليها أو إليها، أو جعلوها مساجد يصلون فيها، وكل هذه المعاني الثلاثة يشملها الاتخاذ المذكور ويعمها، وعلى كل منها دليل خاص من السنة، كما فصلته في كتابي «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد». (مشكاة المصابيح ١/ ٢٢٢) حرمة اتخاذ القبور عيدًا -[من محرمات القبور]: اتخاذها عيدا، تقصد في أوقات معينة، ومواسم معروفة، للتعبد عندها، أو لغيرها. لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تجعلوا بيوتكم قبورا، وحيثما كنتم فصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني». والحديث دليل على تحريم اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين عيدا. قال شيخ الاسلام ابن تيمية في «الاقتضاء» «ص ١٥٥ - ١٥٦»: «ووجه الدلالة أن قبر النبي ﷺ أفضل قبر على وجه الارض وقد نهى عن اتخاذه عيدا، فقبر غيره أولى بالنهي كائنا من كان، ثم قرن ذلك بقوله ﷺ : ولا تتخذوا بيوتكم قبورا» أي لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور فأمر

стр. 4055

بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم. قال: فهذا أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين ﵃، نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره ﷺ ، واستدل بالحديث الذي سمعه من أبيه الحسين عن جده علي. وهو أعلم بمعناه من غيره، فتبين أن قصده أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه عند غير دخول المسجد، ورأى أن ذلك من الدعاء ونحوه اتخاذ له عيدا. وكذلك ابن عمه حسن بن حسن شيخ أهل بيته كره اتخاذه عيدا. فانظر هذه السنة كيف أن مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله ﷺ قرب النسب وقرب الدار لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا له أضبط. والعيد إذا جعل اسما للمكان فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وإتيانه للعبادة عنده أو لغير العبادة، كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة جعلها الله عيدا مثابة للناس، يجتمعون فيها وينتابونها للدعاء والذكر والنسك. وكان للمشركين أمكنة ينتابونها للاجتماع عندها، فلما جاء الاسلام محا الله ذلك كله. وهذا النوع من الأمكنة يدخل فيه قبور الانبياء والصالحين. ثم قال الشيخ «ص ١٧٥ - ١٨١»: «ولهذا كره مالك ﵁ وغيره من أهل العلم لاهل المدينة، كلما دخل أحدهم المسجد أن يجبئ فيسلم على قبر النبي ﷺ وصاحبيه. قال: وإنما يكون ذلك لأحدهم إذا قدم من سفر، أو أراد سفرا ونحو ذلك، ورخص بعضهم في السلام عليه إذا دخل المسجد للصلاة ونحوها، وأما قصده دائما للصلاة والسلام فما علمت أحدا رخص به، لأن ذلك نوع من اتخاذه عيدا ..

стр. 4056

مع أنه قد شرح لنا إذا دخلنا المسجد أن نقول «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته» (١) كما نقول ذلك في آخر صلاتنا. قال: فخاف مالك وغيره أن يكون فعل ذلك عند القبر كل ساعة نوعا من اتخاذ القبر عيدا. وأيضا فإن ذلك بدعة، فقد كان المهاجرون والأنصار على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ يجيئون إلى المسجد كل يوم لعلمهم ﵃ بما كان النبي ﷺ يكرهه من ذلك وما نهاهم عنه، وانهم يسلمون عليه حين دخول المسجد والخروج منه، وفي التشهد كما كانوا يسلمون عليه كذلك في حياته، وما أحسن ما قال مالك: لن يصلح آخر هذه الامة إلا ما أصلح أولها، ولكن كلما ضعف تمسك الامم بعهود أنبيائهم، ونقص إيمانهم، عوضوا ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك وغيره لهذا كرهت الامة استلام القبر وتقبيله. وبنوه بناء منعوا الناس أن يصلوا إليه، قال: وقد ذكرنا عن أحمد وغيره أنه أمر من سلم على النبي وصاحبيه ثم أراد أن يدعو أن ينصرف فيستقبل القبلة، وكذلك أنكر ذلك من العلماء المتقدمين كما لك وغيره، ومن المتأخرين مثل أبي الوفاء بن عقيل وأبي الفرج ابن الجوزي، وما أحفظ لاعن صحابي ولا عن تابعي ولا عن إمام معروف أنه استحب قصد شئ من القبور للدعاء عنده، ولا روى أحد في ذلك شيئا، لا عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه ولا عن أحد من الائمة المعروفين، وقد صنف الناس في الدعاء وأوقاته وأمكنته وذكروا فيه الاثار، فما ذكر أحد منهم في فضل الدعاء عند شئ من القبور حرفا واحدا فيما أعلم، فكيف يجوز والحالة هذه أن

стр. 4057

يكون الدعاء عندها أجوب وأفضل، والسلف تنكره ولا تعرفه وتنهى عنه ولا تأمر به! ؟ قال: وقد أوجب اعتقاد استجابة الدعاء عندها وفضله أن تنتاب لذلك وتقصد، وربما اجتمع عندها اجتماعات كثيرة في مواسم معينة. وهذا بعينه هو الذي نهى عنه النبي ﷺ بقوله: «لا تتخذوا قبري عيدا». قال: حتي إن بعض القبور يجتمع عندها في يوم من السنة، ويسافر إليها إما في المحرم أو رجب أو شعبان أو ذي الحجة أو غيرها. وبعضها يجتمع عندها في يوم عاشوراء، وبعضها في يوم عرفة، وبعضها في النصف من شعبان. وبعضها في وقت آخر. بحيث يكون لها يوم من السنة تقصد فيه. ويجتمع عندها فيه. كما تقصد عرفة ومزدلفة ومنى في أيام معلومة من السنة، وكما يقصد مصلى المصر يوم العيدين، بل ربما كان الاهتمام بهذه الاجتماعات في الدين والدنيا أهم وأشد ومنها ما يسافر إليه من الامصار في وقت معين، أو وقت غير معين لقصد الدعاء عنده والعبادة هناك، كما يقصد بيت الله الحرام لذلك وهذا السفر لا أعلم بين المسلمين خلافا في النهي عنه. قال: ومنها ما يقصد الاجتماع عنده في يوم معين من الأسبوع. وفي الجملة هذا الذي يفعل عند هذه القبور هو بعينه الذي نهى عنه رسول الله ﷺ بقوله: «لا تتخذوا قبري عيدا» فإن اعتياد قصد المكان المعين في وقت معين عائد بعود السنة أو الشهر أو الاسبوع هو بعينه معنى العيد، ثم ينهى عن دق ذلك وجله، وهذا هو الذي تقدم عن الامام أحمد إنكاره. قلت «يعني أحمد»: وقد أفرط الناس في هذا جدا وأكثروا. وذكر ما يفعل عند قبر الحسين. ثم قال الشيخ: ويدخل في هذا ما يفعل بمصر عند قبر نفيسة وغيرها. وما يفعل بالعراق عند القبر الذي يقال: إنه قبر علي ﵁، وقبر الحسين وحذيفة بن اليمان و ... و ... وما يفعل عند قبر أبي يزيد البسطامي إلى قبور كثيرة في أكثر بلاد الاسلام لا يمكن حصرها. قال: واعتياد قصد هذه القبور في وقت معين، والاجتماع العام عندها في وقت معين هو أتخاذها عيدا كما تقدم ولا أعلم بين المسلمين أهل العلم

стр. 4058

في ذلك خلافا. ولا يغتر بكثرة العادات الفاسدة فإن هذا من التشبه بأهل الكتابين الذي أخبرنا النبي ﷺ أنه كائن في هذه الامة. وأصل ذلك إنما هو اعتقاد فضل الدعاء عندها، وإلا فلو لم يقم هذا الاعتقاد في القلوب لا نمحى ذلك كله. فإذا كان قصدها يجر هذه المفاسد كان حراما كالصلاة عندها وأولى، وكان ذلك فتنة للخلق، وفتحا لباب الشرك، وإغلاقاً لباب الايمان». قلت: ومما يدخل في ذلك دخولا أوليا ما هو مشاهد اليوم في المدينة المنورة، من قصد الناس دبر كل صلاة مكتوبة في قبر النبي ﷺ : للسلام عليه والدعاء عنده وبه، ويرفعون أصواتهم لديه، حتى ليضج المسجد بهم، ولا سيما في موسم الحج حتى لكأن ذلك من سنن الصلاة! بل إنهم ليحافظون عليه أكثر من محافظتهم على السنن وكل ذلك يقع من مرأى ومسمع من ولاة الأمر، ولا أحد منهم ينكر، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وواأسفاً على غربة الدين وأهله، وفي مسجد النبي ﷺ الذي ينبغي أن يكون أبعد المساجد بعد المسجد الحرام عما يخالف شريعته ﵊. هذا، وقد سبق في كلام شيخ الاسلام ابن تيمية أن بعض أهل العلم رخص في إتيان القبر الشريف للسلام عليه إذا دخل المسجد للصلاة ونحوها. وكأن ذلك يقيد عدم الإكثار والتكرار بدليل قوله عقب ذلك: «وأما قصده دائما للصلاة والسلام فما علمت أحدا رخص فيه». قلت: وهذا الترخيص الذي نقله الشيخ عن بعض أهل العلم هو الذي نراه ونعتمد عليه بشرط القيد المذكور، فيجوز لمن بالمدينة إتيان القبر الشريف للسلام عليه ﷺ ، أحيانا، لان ذلك ليس، من اتخاذه عيدا كما هو ظاهر، والسلام عليه وعلى صاحبيه مشروع بالادلة العامة، فلا يجوز نفي المشروعية مطلقا لنهيه ﷺ عن اتخاذ قبره عيدا، لامكان الجمع بملاحظة الشرط الذي ذكرنا، ولا يخرج عليه أننا لا نعلم أن أحدا من السلف كان يفعل ذلك، لان عدم العلم بالشئ لا يستلزم العلم

стр. 4059

بعدمه كما يقول العلماء، ففي مثل هذا يكفي لإثبات مشروعيته الأدلة العامة مادام أنه لا يثبت ما يعارضها فيما نحن فيه. على أن شيخ الاسلام قد ذكر في «القاعدة الجليلة» «ص ٨٠ طبع المنار» عن نافع أنه قال: كان ابن عمر يسلم على القبر، رأيته مائة مرة أو أكثر يجيئ إلى القبر فيقول: السلام على النبي ﷺ ، السلام على أبي بكر، السلام على أبي، ثم ينصرف فان ظاهره أنه كان يفعل ذلك في حالة الإقامة لا السفر، لان قوله «مائة مرة»، مما يبعد حمل هذا الأثر على حالة السفر. أحكام الجنائز [٢٨٠] حرمة شد الرحال إلى القبور [من محرمات القبور]: السفر إليها: وفيه أحاديث: الأول: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ومسجد الاقصى». وفي رواية عنه بلفظ: «إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيلياء». الثاني: عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تشد «وفي لفظ: لا تشدوا» الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الاقصى». الثالث: عن أبي بصرة الغفاري أنه لقي أبا هريرة وهو جاء، فقال: من أين أقبلت؟ قال: أقبلت من الطور، صليت فيه، قال: أما إني لو أدركتك لم تذهب، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الاقصى».

стр. 4060

الرابع: عن قزعة قال: «أردت الخروج إلى الطور فسألت ابن عمر، فقال: أما علمت أن النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ والمسجد الاقصى، ودع عنك الطور فلا تأته». وفي هذه الاحاديث تحريم السفر إلي موضع من المواضع المباركة، مثل مقابر الأنبياء والصالحين، وهي وإن كانت بلفظ النفي «لا تشد»، فالمراد النهي كما قال الحافظ، على وزن قوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، وهو كما قال الطيبي: «هو أبلغ من صريح النهي، كأنه قال: لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع لاختصاصها بما اختصت به». قلت: ومما يشهد لكون النفي هنا بمعنى النهي رواية لمسلم في الحديث الثاني: «لا تشدوا». ثم قال الحافظ: «قوله: «إلا إلى ثلاثة مساجد»، الاستثناء مفرغ، والتقدير لا تشد الرحال إلى موضع، ولازمه منع السفر إلى كل موضع غيرها، لان المستثنى منه في المفرغ مقدر بأعم العام، ولكن يمكن أن يكون المراد بالعموم هنا المخصوص، وهو المسجد». قلت: وهذا الاحتمال ضعيف، والصواب التقدير الأول. لما تقدم في حديث أبي بصرة وابن عمر من أنكار السفر إلى الطور. ويأتى بيانه، ثم قال الحافظ: «وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد، ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الانبياء، ولان الأول، قبلة الناس، وإليه حجهم، والثاني كان قبلة الامم السالفة، والثالث أسس على التقوى. «قال: » واختلف في شد الرحال إلى غيرها كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياء وأمواتا، وإلى المواضع الفاضلة، لقصد التبرك بها، والصلاة فيها، فقال الشيخ أبو محمد الجويني «يحرم شد الرحال إلى غيرها عملا بظاهر الحديث»، وأشار القاضي حسين إلى اختياره، وبه قال عياض وطائفة، ويدل عليه ما رواه أصحاب السنن من إنكار

стр. 4061

أبي بصرة الغفاري على أبي هريرة خروجه إلى الطور، وقال له: «لو أدركتك قبل أن تخرج ما خرجت»، واستدل بهذا الحديث، فدل على أنه يرى حمل الحديث على عمومه، ووافقه أبو هريرة. والصحيح عند إمام الحرمين وغيره من الشافعية أنه لا يحرم، وأجابوا عن الحديث بأجوبة: ١ - منها أن المراد أن الفضيلة التامة إنما هي شد الرحال إلى هذه المساجد بخلاف غيرها فإنه جائز، وقد وقع في رواية لاحمد سيأتي ذكرها بلفظ: «لا ينبغي للمطي أن تعمل» وهو لفظ ظاهر في غير التحريم. ٢ - ومنها أن النهي مخصوص بمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة، فإنه لا يجب الوفاء به. قاله ابن بطال. ٣ - ومنها أن المراد حكم المساجد فقط، وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه غير هذه الثلاثة، وأما قصد غير المساجد لزيارة صالح أو قريب أو صاحب، أو طلب عالم أو تجارة أو نزهة، فلا يدخل في النهي، ويؤيده ما روى أحمد من طريق شهر بن حوشب قال: سمعت أبا سعيد - وذكرت عنده الصلاة في الطور - فقال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام، والمسجد الاقصى، ومسجدي». وشهر حسن الحديث، وإن كان فيه بعض الضعف». قلت: لقد تساهل الحافظ رحمه الله تعالى في قوله في شهر أنه حسن الحديث. مع أنه قال فيه في «التقريب»: «كثير الاوهام» كما سبق، ومن المعلوم أن من كان كذلك فحديثه ضعيف لا يحتج به، كما قرره الحافظ نفسه في «شرح النخبة» ثم هب أنه حسن الحديث، فإنما يكون كذلك عند عدم المخالفة، أما وهو قدخالف جميع الرواة الذين رووا الحديث عن أبي سعيد، والاخرين الذين رووه عن غيره من الصحابة كما تقدم بيانه، فكيف يكون حسن الحديث مع هذه المخالفة! ؟ بل هو

стр. 4062

منكر الحديث في مثل هذه الحالة، دون أي شك أو ريب. أضف إلى ذلك أن قوله في الحديث «إلى مسجد» مما لم يثبت عن شهر نفسه فقد ذكرها عنه عبد الحميد ولم يذكرها عنه ليث بن أبي سليم، وهذه الرواية عنه أرجح لموافقتها لروايات الثقات كما عرفت. وأيضا فإن المتأمل في حديثه يجد فيه دليلا آخر على بطلان ذكر هذه الزيادة فيه، وهو قوله: أن أبا سعيد الخدري احتج بالحديث على شهر لذهابه إلى الطور. فلو كان فيه هذه الزيادة التي تخص حكمه بالمساجد دون سائر المواضع الفاضلة، لما جاز لابي سعيد ﵁ أن يحتج به عليه، لان الطور ليس مسجدا. وإنما هو الجبل المقدس الذي كلم الله تعالى موسى عليه، فلا يشمله الحديث لو كانت الزيادة ثابتة فيه. ولكان استدلال أبي سعيد به والحالة هذه وهما، لا يعقل أن يسكت عنه شهر ومن كان معه. فكل هذا يؤكد بطلان هذه الزيادة وأنها لا أصل لها عن رسول الله ﷺ فثبت مما تقدم أنه لا دليل يخصص الحديث بالمساجد، فالواجب البقاء على عمومه الذي ذهب إليه أبو محمد الجويني ومن ذكر معه. وهو الحق. بقي علينا الجواب على جوابهم الأول والثاني، فأقول: ١ - إن هذا الجواب ساقط من وجهين: الأول: أن اللفظ الذي احتجوا به «لا ينبغي .. » غير ثابث في الحديث لأنه تفرد به شهر وهو ضعيف كما سبق بيانه. الثاني: هب أنه لفظ ثابت، فلا نسلم أنه ظاهر في غير التحريم، بل العكس هو

стр. 4063

الصواب، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة، أجتزئ ببعضها: أ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء﴾ [الفرقان: ١٨] ب - قوله ﷺ : «لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار». رواه أبو داود «٢٦٧٥» من حديث ابن مسعود، والدارمي «٢/ ٢٢٢» من حديث أبي هريرة. ج - «لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا». رواه مسلم. د - «إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد .. ». رواه مسلم. هـ - «لا ينبغي لعبد أن يقول: إنه خير من يونس بن متى». رواه البخاري. الثالث: هب أنه ظاهر في غير التحريم، فهو يدل على الكراهة، وهم لا يقولون بها، ففي «شرح مسلم» للنووي: «الصحيح عند أصحابنا أنه لا يحرم ولا يكره».! فالحديث حجة عليهم على كل حال. ٢ - إن هذا الجواب كالذي قبله ساقط الاعتبار، لأنه لا دليل على التخصيص، فالواجب البقاء على العموم لا سيما وقد تأيد بفهم الصحابة الذين رووا حديث أبي بصرة، وأبي هريرة، وابي عمر، وأبي سعيد إن صح عنه - فقد استدلوا جميعا به على المنع من السفر إلى الطور، وهم أدرى بالمراد منه من غيرهم، ولذلك قال الصنعاني في «سبل السلام» «٢/ ٢٥١»: «وذهب الجمهور إلى أن ذلك غير محرم، واستدلوا بما لا ينهض، وتأولوا أحاديث الباب بتأويل بعيدة، ولا ينبغي التأويل إلا بعد أن ينهض على خلاف ما أولوا الدليل» زاد عقبه «فتح العلام» «١/ ٣١٠»: «ولا دليل،

стр. 4064

والأحاديث الواردة في الحث على الزيارة النبوية وفضيلتها ليس فيها الأمر بشد الرحل إليها، مع أنها كلها ضعاف أو موضوعات، لا يصلح شئ منها للاستدلال، ولم يتفطن أكثر الناس للفرق بين مسألة الزيارة وبين مسألة السفر إليها، فصرفوا حديث الباب عن منطوقه الواضح بلا دليل يدعو إليه». قلت: وللغفلة المشار إليها اتهم الشيخ السبكي عفا الله عنا وعنه شيخ الاسلام ابن تيمية بأنه ينكر زيارة القبر النبوي ولو بدون شد رحل، مع أنه كان من القائلين بها، والذاكرين لفضلها وآدابها، وقد أورد ذلك في غير ما كتاب من كتبه الطيبة وقد تولى بيان هذه الحقيقة، ورد تهمة السبكي العلامة الحافظ محمد بن عبد الهادي في مؤلف كبير أسماه «الصارم المنكى في الرد على السبكي»: نقل فيه عن ابن تيمية النصوص الكثيرة في جواز الزيارة بدون السفر إليها. وأورد فيه الاحاديث الواردة في فضلها، وتكلم عليها مفصلا، وبين ما فيها من ضعف ووضع، وفيه فوائد أخرى كثيرة، فقهية وحديثية وتاريخية، حري بكل طالب علم أن يسعى إلى الاطلاع عليها. ثم إن النظر السليم يحكم بصحة قول من ذهب إلى أن الحديث على عمومه، لأنه إذا كان بمنطوقه يمنع من السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة، مع العلم بأن العبادة في أي مسجد أفضل منها في غير المسجد، وقال ﷺ : «أحب البقاع إلى الله المساجد» حتى ولو كان ذلك المسجد هو المسجد الذي أسس على التقوى ألا وهو مسجد قباء الذي قال فيه رسول الله ﷺ : «صلاة في مسجد قباء كعمرة»، إذا كان الأمر كذلك فلان يمنع الحديث من السفر إلى غيرها من المواطن أولى وأحرى، لا سيما إذا كان المقصود إنما هو مسجد بني على قبر نبي أو صالح، من أجل الصلاة فيه والتعبد عنده. وقد علمت لعن من فعل ذلك، فهل يعقل أن يسمح الشارع الحكيم بالسفر إلى مثل ذلك ويمنع من السفر إلى مسجد قباء؟ ! والخلاصة: إن ما ذهب إليه أبو محمد الجويني الشافعي وغيره من تحريم السفر

стр. 4065

إلى غير المساجد الثلاثة من المواضع الفاضلة، هو الذي يجب المصير إليه، فلا جرم اختاره كبار العلماء المحققين المعروفين باستقلالهم في الفهم، وتعمقهم في الفقه عن الله ورسوله أمثال شيخي الاسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهم الله تعالى، فإن لهم البحوث الكثيرة النافعة في هذه المسألة الهامة، ومن هؤلاء الافاضل الشيخ ولي الله الدهلوي، ومن كلامه في ذلك ما قال في «الحجة البالغة» «١/ ١٩٢»: «كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع معظمة بزعمهم يزورونها ويتبركون بها، وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى، فسد ﷺ الفساد، لئلا يلحق غير الشعائر بالشعائر، ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله، والحق عندي أن القبر، ومحل عبادة ولي من الأولياء والطور كل ذلك سواء في النهي». ومما يحسن التنبيه عليه في خاتمة هذا البحث أنه لا يدخل في النهي السفر للتجارة وطلب العلم، فإن السفر إنما هو لطلب تلك الحاجة حيث كانت لا لخصوص المكان، وكذلك السفر لزيارة الاخ في الله فإنه هو المقصود كما قال شيخ الاسلام ابن تيمية في «الفتاوي» «٢/ ١٨٦». أحكام الجنائز [٢٨٥] حرمة إيقاد السرج عند القبور [من محرمات القبور]: إيقاد السرج عندها. والدليل على ذلك عدة أمور: أولا: كونه بدعة محدثة لا يعرفها السلف الصالح، وقد قال ﷺ : «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». رواه النسائي وأبن خزيمه في «صحيحه» بسند صحيح. ثانيا: أن فيه إضاعة للمال وهو منهي عنه بالنص كما تقدم في المسألة «٤٢ ص ٦٤». ثالثا: أن فيه تشبها بالمجوس عُبَّاد النار، قال ابن حجر الفقيه في «الزواجر»
следующие страницы →