أبي بصرة الغفاري على أبي هريرة خروجه إلى الطور، وقال له: «لو أدركتك قبل أن تخرج ما خرجت»، واستدل بهذا الحديث، فدل على أنه يرى حمل الحديث على عمومه، ووافقه أبو هريرة. والصحيح عند إمام الحرمين وغيره من الشافعية أنه لا يحرم، وأجابوا عن الحديث بأجوبة:
١ - منها أن المراد أن الفضيلة التامة إنما هي شد الرحال إلى هذه المساجد بخلاف غيرها فإنه جائز، وقد وقع في رواية لاحمد سيأتي ذكرها بلفظ: «لا ينبغي للمطي أن تعمل» وهو لفظ ظاهر في غير التحريم.
٢ - ومنها أن النهي مخصوص بمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة، فإنه لا يجب الوفاء به.
قاله ابن بطال.
٣ - ومنها أن المراد حكم المساجد فقط، وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه غير هذه الثلاثة، وأما قصد غير المساجد لزيارة صالح أو قريب أو صاحب، أو طلب عالم أو تجارة أو نزهة، فلا يدخل في النهي، ويؤيده ما روى أحمد من طريق شهر بن حوشب قال: سمعت أبا سعيد - وذكرت عنده الصلاة في الطور - فقال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام، والمسجد الاقصى، ومسجدي».
وشهر حسن الحديث، وإن كان فيه بعض الضعف».
قلت: لقد تساهل الحافظ رحمه الله تعالى في قوله في شهر أنه حسن الحديث.
مع أنه قال فيه في «التقريب»: «كثير الاوهام» كما سبق، ومن المعلوم أن من كان كذلك فحديثه ضعيف لا يحتج به، كما قرره الحافظ نفسه في «شرح النخبة» ثم هب أنه حسن الحديث، فإنما يكون كذلك عند عدم المخالفة، أما وهو قدخالف جميع الرواة الذين رووا الحديث عن أبي سعيد، والاخرين الذين رووه عن غيره من الصحابة كما تقدم بيانه، فكيف يكون حسن الحديث مع هذه المخالفة! ؟ بل هو
стр. 4062
منكر الحديث في مثل هذه الحالة، دون أي شك أو ريب.
أضف إلى ذلك أن قوله في الحديث «إلى مسجد» مما لم يثبت عن شهر نفسه فقد ذكرها عنه عبد الحميد ولم يذكرها عنه ليث بن أبي سليم، وهذه الرواية عنه أرجح لموافقتها لروايات الثقات كما عرفت.
وأيضا فإن المتأمل في حديثه يجد فيه دليلا آخر على بطلان ذكر هذه الزيادة فيه، وهو قوله: أن أبا سعيد الخدري احتج بالحديث على شهر لذهابه إلى الطور.
فلو كان فيه هذه الزيادة التي تخص حكمه بالمساجد دون سائر المواضع الفاضلة، لما جاز لابي سعيد ﵁ أن يحتج به عليه، لان الطور ليس مسجدا.
وإنما هو الجبل المقدس الذي كلم الله تعالى موسى عليه، فلا يشمله الحديث لو كانت الزيادة ثابتة فيه.
ولكان استدلال أبي سعيد به والحالة هذه وهما، لا يعقل أن يسكت عنه شهر ومن كان معه.
فكل هذا يؤكد بطلان هذه الزيادة وأنها لا أصل لها عن رسول الله ﷺ
فثبت مما تقدم أنه لا دليل يخصص الحديث بالمساجد، فالواجب البقاء على عمومه الذي ذهب إليه أبو محمد الجويني ومن ذكر معه.
وهو الحق.
بقي علينا الجواب على جوابهم الأول والثاني، فأقول:
١ - إن هذا الجواب ساقط من وجهين:
الأول: أن اللفظ الذي احتجوا به «لا ينبغي .. » غير ثابث في الحديث لأنه تفرد به شهر وهو ضعيف كما سبق بيانه.
الثاني: هب أنه لفظ ثابت، فلا نسلم أنه ظاهر في غير التحريم، بل العكس هو
стр. 4063
الصواب، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة، أجتزئ ببعضها:
أ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء﴾ [الفرقان: ١٨]
ب - قوله ﷺ : «لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار».
رواه أبو داود «٢٦٧٥» من حديث ابن مسعود، والدارمي «٢/ ٢٢٢» من حديث أبي هريرة.
ج - «لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا».
رواه مسلم.
د - «إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد .. ».
رواه مسلم.
هـ - «لا ينبغي لعبد أن يقول: إنه خير من يونس بن متى».
رواه البخاري.
الثالث: هب أنه ظاهر في غير التحريم، فهو يدل على الكراهة، وهم لا يقولون بها، ففي «شرح مسلم» للنووي: «الصحيح عند أصحابنا أنه لا يحرم ولا يكره».!
فالحديث حجة عليهم على كل حال.
٢ - إن هذا الجواب كالذي قبله ساقط الاعتبار، لأنه لا دليل على التخصيص، فالواجب البقاء على العموم لا سيما وقد تأيد بفهم الصحابة الذين رووا حديث أبي بصرة، وأبي هريرة، وابي عمر، وأبي سعيد إن صح عنه - فقد استدلوا جميعا به على المنع من السفر إلى الطور، وهم أدرى بالمراد منه من غيرهم، ولذلك قال الصنعاني في «سبل السلام» «٢/ ٢٥١»: «وذهب الجمهور إلى أن ذلك غير محرم، واستدلوا بما لا ينهض، وتأولوا أحاديث الباب بتأويل بعيدة، ولا ينبغي التأويل إلا بعد أن ينهض على خلاف ما أولوا الدليل» زاد عقبه «فتح العلام» «١/ ٣١٠»: «ولا دليل،
стр. 4064
والأحاديث الواردة في الحث على الزيارة النبوية وفضيلتها ليس فيها الأمر بشد الرحل إليها، مع أنها كلها ضعاف أو موضوعات، لا يصلح شئ منها للاستدلال، ولم يتفطن أكثر الناس للفرق بين مسألة الزيارة وبين مسألة السفر إليها، فصرفوا حديث الباب عن منطوقه الواضح بلا دليل يدعو إليه».
قلت: وللغفلة المشار إليها اتهم الشيخ السبكي عفا الله عنا وعنه شيخ الاسلام ابن تيمية بأنه ينكر زيارة القبر النبوي ولو بدون شد رحل، مع أنه كان من القائلين بها، والذاكرين لفضلها وآدابها، وقد أورد ذلك في غير ما كتاب من كتبه الطيبة وقد تولى بيان هذه الحقيقة، ورد تهمة السبكي العلامة الحافظ محمد بن عبد الهادي في مؤلف كبير أسماه «الصارم المنكى في الرد على السبكي»: نقل فيه عن ابن تيمية النصوص الكثيرة في جواز الزيارة بدون السفر إليها.
وأورد فيه الاحاديث الواردة في فضلها، وتكلم عليها مفصلا، وبين ما فيها من ضعف ووضع، وفيه فوائد أخرى كثيرة، فقهية وحديثية وتاريخية، حري بكل طالب علم أن يسعى إلى الاطلاع عليها.
ثم إن النظر السليم يحكم بصحة قول من ذهب إلى أن الحديث على عمومه، لأنه إذا كان بمنطوقه يمنع من السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة، مع العلم بأن العبادة في أي مسجد أفضل منها في غير المسجد، وقال ﷺ : «أحب البقاع إلى الله المساجد» حتى ولو كان ذلك المسجد هو المسجد الذي أسس على التقوى ألا وهو مسجد قباء الذي قال فيه رسول الله ﷺ : «صلاة في مسجد قباء كعمرة»، إذا كان الأمر كذلك فلان يمنع الحديث من السفر إلى غيرها من المواطن أولى وأحرى، لا سيما إذا كان المقصود إنما هو مسجد بني على قبر نبي أو صالح، من أجل الصلاة فيه والتعبد عنده.
وقد علمت لعن من فعل ذلك، فهل يعقل أن يسمح الشارع الحكيم بالسفر إلى مثل ذلك ويمنع من السفر إلى مسجد قباء؟ !
والخلاصة: إن ما ذهب إليه أبو محمد الجويني الشافعي وغيره من تحريم السفر
стр. 4065
إلى غير المساجد الثلاثة من المواضع الفاضلة، هو الذي يجب المصير إليه، فلا جرم اختاره كبار العلماء المحققين المعروفين باستقلالهم في الفهم، وتعمقهم في الفقه عن الله ورسوله أمثال شيخي الاسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهم الله تعالى، فإن لهم البحوث الكثيرة النافعة في هذه المسألة الهامة، ومن هؤلاء الافاضل الشيخ ولي الله الدهلوي، ومن كلامه في ذلك ما قال في «الحجة البالغة» «١/ ١٩٢»: «كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع معظمة بزعمهم يزورونها ويتبركون بها، وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى، فسد ﷺ الفساد، لئلا يلحق غير الشعائر بالشعائر، ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله، والحق عندي أن القبر، ومحل عبادة ولي من الأولياء والطور كل ذلك سواء في النهي».
ومما يحسن التنبيه عليه في خاتمة هذا البحث أنه لا يدخل في النهي السفر للتجارة وطلب العلم، فإن السفر إنما هو لطلب تلك الحاجة حيث كانت لا لخصوص المكان، وكذلك السفر لزيارة الاخ في الله فإنه هو المقصود كما قال شيخ الاسلام ابن تيمية في «الفتاوي» «٢/ ١٨٦».
أحكام الجنائز [٢٨٥]
حرمة إيقاد السرج عند القبور
[من محرمات القبور]: إيقاد السرج عندها.
والدليل على ذلك عدة أمور:
أولا: كونه بدعة محدثة لا يعرفها السلف الصالح، وقد قال ﷺ : «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار».
رواه النسائي وأبن خزيمه في «صحيحه» بسند صحيح.
ثانيا: أن فيه إضاعة للمال وهو منهي عنه بالنص كما تقدم في المسألة «٤٢ ص ٦٤».
ثالثا: أن فيه تشبها بالمجوس عُبَّاد النار، قال ابن حجر الفقيه في «الزواجر»
стр. 4066
«١/ ١٣٤»: «صرح أصحابنا بحرمة السراج على القبر وإن قل، حيث لم ينتفع به مقيم ولا زائر، وعللوه بالإسراف وإضاعة المال، والتشبه بالمجوس، فلا يبعد في هذا أن يكون كبيرة».
قلت: ولم يورد بالإضافة إلى ما ذكر من التعليل دليلنا الأول، مع أنه دليل وارد، بل لعله أقوى الأدلة، لأن الذين يوقدون السرج على القبور إنما يقصدون بذلك التقرب إلى الله تعالى - زعموا، ولا يقصدون الإنارة على المقيم أو الزائر، بدليل إيقادهم إياها والشمس طالعة في رابعة النهار! فكان من أجل ذلك بدعة ضلالة.
فإن قيل: فلماذا لم تستدل بالحديث المشهور الذي رواه أصحاب السنن وغيرهم عن ابن عباس: «لعن الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج» وجوابي عليه: أن هذا الحديث مع شهرته ضعيف الإسناد، لا تقوم به حجة، وإن تساهل كثير من المصنفين فأوردوه في هذا الباب وسكتوا عن علته، كما فعل ابن حجر في «الزواجر»، ومن قبله العلامة ابن القيم في «زاد المعاد»، واغتر به جماهير السلفيين وأهل الحديث فاحتجوا به في كتبهم ورسائلهم ومحاضراتهم.
وقد كنت انتقدت ابن القيم من أجل ذلك فيما كنت علقته على كتابه، وبينت علة الحديث مفصلا هناك، ثم في «سلسلة الاحاديث الضعيفة» «رقم ٢٢٣»، ثم رأيث ابن القيم في «تهذيب السنن» «٤/ ٣٤٢» نقل عن عبد الحق الإشبيلي أن في سند الحديث باذام صاحب الكلبي وهو عندهم ضعيف جدا، وأقره ابن القيم، فالحمد لله على توفيقه.
وأما الجملة الأولى من الحديث فصحيحة لها شاهدان من حديث أبي هريرة وحسان ابن ثابت أوردتهما في المسألة «١١٩ ص ١٨٥، ١٨٦».
وأما الجملة الثانية فهي صحيحة أيضا متواترة المعنى، وقد ذكرت في هذا الفصل في المسألة السابعة سبعة أحاديث صحيحة تشهد لها.
أحكام الجنائز [٢٨٥]
стр. 4067
حرمة كسر عظام الموتى المسلمين
[من محرمات القبور]: كسر عظامها.
والدليل عليه قوله ﷺ : «إن كسر عظم المؤمن ميتا، مثل كسره حيا».
والحديث دليل على تحريم كسر عظم الميت المؤمن، ولهذا جاء في كتب الحنابلة: «ويحرم قطع شئ من أطراف الميت، وإتلاف ذاته، وإحراقه، ولو أوصى به».
كذا في «كشاف القناع» «٢/ ١٢٧»، ونحو ذلك في سائر المذاهب بل جزم ابن حجر الفقيه في «الزواجر» «١/ ١٣٤» بأنه من الكبائر، قال: «لما علمت من الحديث أنه ككسر عظم الحي».
وبالغت الحنابلة في ذلك حتى قالوا كما في «الكشاف» «٢/ ١٣٠»: «وإن ماتت حامل بمن يرجى حياته حرم شق بطنها من أجل الحمل، مسلمة كانت أو ذمية، لما فيه من هتك حرمة متيقنة، لابقاء حياة موهومة، لان الغالب والظاهر أن الولد لا يعيش، واحتج أحمد على ذلك في رواية أبي داود بما روت عائشة ... ».
قلت: ثم ذكر الحديث ونص أبي داود في «المسائل» «ص ١٥٠»: «سمعت أحمد سئل عن المرأة تموت والولد يتحرك في بطنها أيشق عنها؟ قال: لا، كسر عظم الميت ككسره حيا».
وعلق عليه السيد محمد رشيد رضا فقال: «والاستدلال به على ترك الجنين الحي في بطن أمه يموت مطلقا فيه غرابة من وجهين: أحدهما: أن شق البطن ليس فيه كسر عظم للميت.
وثانيهما: أن الجنين إذا كان تام الخلق، وأخرج من بطن أمه بشقه فإنه قد يعيش كما وقع مرارا، فههنا إنقاذه، وحفط حياته، مع حفظ كرامة أمه بناء على أن شق البطن ككسر العظم.
ولا شك أن الأول أرجج، على أن شق البطن بمثل هذا السبب لا يعد إهانة
стр. 4068
للميت كما هو ظاهر في عرف الناس كلهم. فالصواب قول من يوجب شق البطن وإخراجه إذا رجح الطبيب حياته بعد خروجه، وقد صرح بهذا بعضهم.
وقال في منار السبيل «١/ ١٧٨»: وان خرج بعضه حيا شق للباقي لتيقن حياته بعد ان كانت متوهمة.
قلت: وما اختاره السيد رحمه الله تعالى هو الاصح عند الشافعية كما قال النووي «٥/ ٣٠١» وعزاه لقول أبي حنيفة وأكثر الفقهاء، وهو مذهب ابن حزم «٥/ ١٦٦ - ١٦٧» وهو الحق إن شاء الله تعالى.
أحكام الجنائز [٢٩٥]
حرمة نبش قبر المسلم
ويستفاد من الحديث [أي المتقدم]:
١ - حرمة نبش قبر المسلم لما فيه من تعريض عظامه للكسر، ولذلك كان بعض السلف يتحرج من أن يحفر له في مقبرة يكثر الدفن فيها، قال الامام الشافعي في «الأم» «١/ ٢٤٥»: «أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ما أحب أن أدفن بالبقيع! لأن أدفن في غيره أحب ألي، إنما هو أحد رجلين، إما ظالم، فلا أحب أن أكون في جواره، وإما صالح فلا أحب أن ينبش في عظامه، قال: وإن أخرجت عظام ميت أحببت أن تعاد فتدفن».
وقال النووي في «المجموع» «٥/ ٣٠٣» ما مختصره:
«ولا يجوز نبش القبر لغير سبب شرعي باتفاق الأصحاب، ويجوز بالاسباب الشرعية كنحو ما سبق «في المسألة ١٠٩»، ومختصره: أنه يجوز نبش القبر إذا بلى الميت وصار ترابا، وحينئذ يجوز دفن غيره فيه.
ويجوز زرع تلك الأرض وبناؤها، وسائر وجوه الانتفاع والتصرف فيها باتفاق الاصحاب، وهذا كله إذا لم يبق للميت أثر من عظم وغيره، ويختلف ذلك باختلاف
стр. 4069
البلاد والارض. ويعتمد فيه قول أهل الخبرة بها».
قلت: ومنه تعلم تحريم ما ترتكبه بعض الحكومات الاسلامية من دوس بعض المقابر الاسلامية ونبشها من أجل التنظيم العمراني، دون أي مبالاة بحرمتها، أو اهتمام بالنهي عن وطئها وكسر عظامها ونحو ذلك. ولا يتوهمن أحد، أن التنظيم المشار إليه يبرر مثل هذه المخالفات، كلا، فإنه ليس من الضروريات، وإنما هي من الكماليات التي لا يجوز بمثلها إلاعتداء على الاموات، فعلى الاحياء أن ينظموا أمورهم، دون أن يؤذوا موتاهم.
ومن العجائب التي تلفت النظر، أن ترى هذه الحكومات تحترم الأحجار والأبنية القائمة على بعض الموتى أكثر من احترامها للاموات أنفسهم. فإنه لو وقف في طريق التنظيم المزعوم بعض هذه الابنية من القباب أو الكنائس ونحوها تركتها على حالها، وعدلت من أجلها خارطة التنظيم إبقاء عليها، لأنهم يعتبرونها من الآثار القديمة!
وأما قبور الموتى أنفسهم فلا تستحق عندهم ذلك التعديل! بل إن بعض تلك الحكومات لتسعى فيما علمنا - إلى جعل القبور خارج البلدة، والمنع من الدفن في القبور القديمة - وهذه مخالفة أخرى في نظري، لأنها تفوت على المسلمين سنة زيارة القبور، لأنه ليس من السهل على عامة الناس أن يقطع المسافات الطويلة حتى يتمكن من الوصول إليها، ويقوم بزيارتها والدعاء لها! والحامل على هذه المخالفات - فيما أعتقد - إنما هو التقليد الاعمى لأوروبا المادية الكافرة، التي تريد أن تقضي على كل مظهر من مظاهر الايمان بالاخرة، وكل ما يذكر بها، وليس هو مراعاة القواعد الصحية كما يزعمون، ولو كان ذلك صحيحا لبادروا إلى محاربة الاسباب التي لا يشك عاقل في ضررها مثل بيع الخمور وشربها، والفسق والفجور على اختلاف اشكاله وأسمائه، فعدم اهتمامهم بالقضاء على هذه المفاسد الظاهرة، وسعيهم إلى إزالة كل ما يذكر بالاخرة وإبعادها عن أعينهم أكبر دليل على أن القصد خلاف ما يزعمون ويعلنون، وما تكنه صدورهم أكبر.
стр. 4070
٢ - أنه لا حرمة لعظام غير المؤمنين، لإضافة العظم إلى المؤمن في قوله: «عظم المؤمن»، فأفاد أن عظم الكافر ليس كذلك، وقد أشار إلى هذا المعنى الحافظ في «الفتح» بقوله: «يستفاد منه أن حرمة المؤمن بعد موته باقية كما كانت في حياته» ومن ذلك يعرف الجواب عن السؤال الذي يتردد على ألسنة كثير من الطلاب في كليات الطب، وهو: هل يجوز كسر العظام لفحصها وإجراء التحريات الطبية فيها؟ والجواب: لا يجوز ذلك في عظام المؤمن، ويجوز في غيرها، ويؤيده ما يأتي في المسألة التالية.
أحكام الجنائز [٢٩٧]
جواز نبش قبور الكفار
- ويجوز نبش قبور الكفار، لأنه لا حرمة لها كما دل عليه مفهوم الحديث السابق، ويشهد له حديث أنس بن مالك ﵁ قال:
«قدم النبي ﷺ المدينة فنزل أعلى المدينة في حي يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى بني النجار فجاؤوا متقلدي السيوف كأني أنظر إلى النبي ﷺ على راحلته وأبو بكر ردفه، وملأ من بني النجار حوله، حتى أتى بفناء أبي أيوب، وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، وكان أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملا من بنى النجار، فقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، قال: فكان فيه قبور المشركين، وخرب ونخل، فأمر النبي ﷺ بقبور المشركين فنبشت، ثم بالحرب فسويت، وبالنخل فقطع فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعل عضادتيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون، والنبي ﷺ معهم، وهو يقول، [وهو ينقل اللبن:
стр. 4071
هذا الِحمال (١) لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر
اللهم لا خير إلا خير الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة
وفي رواية من حديث عائشة ﵂:
اللهم إن الأجر أجر الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجرة».
أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث أنس، والسياق له، والبخاري من حديث عائشة، وما بين القوسين من حديثها، وقد أخرجت الحديثين في «الثمر المستطاب».
قال الحافظ في «الفتح»:
«وفي الحديث جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع، وجواز نبش القبور الدارسة إذا لم تكن محترمة، وجواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها وإخراج ما فيها وجواز بناء المساجد في أماكنها».
أحكام الجنائز [٢٩٩]
стр. 4072
من أحكام القبور
стр. 4073
حكم حفر القبور للنصارى
السائل: [حكم حفر القبور للنصارى]؟
الشيخ: هو مكلف شرعاً أنه إذا مر بمقابر النصارى أن يقول «أُبَشِّركم بالنار» فكيف يحفر لهم حفرة النار.
(الهدى والنور / ١٣٠/ ٤٦: ٣٨: ٠٠)
امرأة أعلنت إسلامها رسميًّا ويغلب على ظن أهلها أن ذلك كان لأغراض شخصية، فهل تدفن في مقابر المسلمين أم النصارى ؟
السائل: امرأة أعلنت إسلامها رسميًّا ويغلب على ظن أهلها أن ذلك كان لأغراض شخصية، فهل تدفن في مقابر المسلمين أم النصارى؟
الشيخ: .. الذي نحن نقدر نفتي عليه، إذا كانت أعلنت إسلامها رسمياً كما يقولون، ومنطلقها في حياتها على مقتضى هذا الإسلام، فهي تُدفن في مقابر المسلمين، صَرَّحوا جميعاً أنها لم تكن تصلي، ابنها أخيراً يقول: ذهبت للعمرة عند أختها، يجوز ذهابها للعمرة بحيلة تنظر إلى بنتها.
المقصود: فجوابي: إذا كان منطلقها في حياتها يدل على إسلامها فهي تدفن في مقابر المسلمين، ولا يجوز أن تدفن في مقابر النصارى، وإذا كان منطلقها في حياتها يدل على أن هذه كلمة قالتها: لا تعرف ما الدوافع الشخصية التي حملتها على أن تسجل نفسها أنها مسلمة، وتوجد حوادث كثيرة من هذا القبيل، لا تخفى على الجميع، فحينئذٍ ليس له قيمة الإعلان هذا؛ لأن القول مقترن بالفعل: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] سألت ابنها: كانت تروح على الكنيسة يوم الأحد؟ يعطي جواب فيه حذر يقول: أنا لم أراها، فعلى ذلك تجتمعوا وتصفوا حياتها كيف كانت، إن غلب على حياتها أنها مسلمة تدفن في
стр. 4074
المسلمين، وإلا في النصارى.
مداخلة: جزاك الله خيراً، طيب شيخنا أمثالنا يعني: المسلمين يدخلوا مقابر النصارى ويقوموا بدفنها؟
الشيخ: لا.
مداخلة: لا، ولا حتى ابنها؟
الشيخ: لا، ابنها لا يوجد مانع، لكن تشييعها وكذا لا يجوز.
مداخلة: جزاك الله خيراً.
الشيخ: وإياك.
(الهدى والنور / ١٦٠/ ٤٣: ٠٢: ٠١)
النهي عن الكتابة على القبر وجواز ذلك بقدر للضرورة
[قال الإمام عن رسالة المفتي العام في الأردن المسماة: فتوى شرعية في أحكام القبور والجنائز]: وهذه الرسالة تقع في خمس صفحات صغيرة، وهي في الجملة مفيدة؛ إلا فيما تفرد به المؤلف كقوله في الكتابة على القبر: ونرى أنه لا مانع من كتابة اسم الميت وتاريخ وفاته على حجر يثبت فوق القبر. وهذه جرأة عجيبة، وتقدم بين يدي النبي ﷺ ؛ فإنه يعلم أنه ﵇ قد نهى أن يكتب على القبر، وقد ذكره المؤلف نفسه من قبل، ثم أقدم على مخالفته بمجرد الرأي تسليكا لواقع الناس! والله المستعان. وقد يدعي مُدَّعٍ أن ذلك لضرورة معرفة القبر حين تكثر القبور. فنقول: نعم؛ ولكن ألا يكفي في ذلك كتابة الاسم فقط لأن الضرورة تقدر بقدرها، وإذا كان الأمر كذلك فما بال كتابة تاريخ وفاة الميت؟ ! وراجع لهذه المسألة كتابي أحكام الجنائز وبدعها «ص ٢٠٦».
السلسلة الضعيفة (١٢/ ١/ ٥٠٩)
стр. 4075
حكم الكتابة على القبر
السائل: [إذا لم نجد طريقة لتعريف القبر إلا بالكتابة فهل تجوز للضرورة في هذه الحالة]؟
الشيخ: الضرورة تُقَدَّر بقدرها، فأنا أقول: إذا كان ليس هناك وسيلة لتعليم القبر إلا بالكتابة، فيجوز بحكم الضرورة، إذا كان لا يوجد هناك وسيلة أخرى.
أنا الآن راح أضرب لك مثل، ادخل المقبرة هذه أللي ممكن تكون أوسع مقبرة في هذا البلد، ستجد شواهد كثيرة، وكل شاهد مكتوب عليها اسم صاحب القبر، أولاً: ستجد الكتابات ما هي واقفة في حدود الحاجة، مش مكتوب فقط الاسم مكتوب، سنة وفاته ﵀، والفاتحة وإلخ، هذا نحن بحاجة له؟
مداخلة: لا.
الشيخ: الذين أعطوا هذه الفتوى ما أعطوا هذه القيود.
هذه واحدة، ثاني واحدة: إذا مثل أبو عزت الله يرحمه، وضعنا شاهدين وخطينا خط هيك أسود صار علامة وإلّا لا؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب، من شان إيش الكتابه؟
هذا مثال لتحديد الكلام الذي قلناه آنفا، أن الضرورات تُبيح المحظورات، لكن أيش تُقَدّر بقدرها ما دام في نهي عن الكتابة نبتعد عن الكتابة، النهي إذا كان في بديل عنها، وهاي أنا جبت لك بديل أن هلا عندك إشكال، شو إشكالك حول الخط؟
السائل: الإشكال على الخط أنه هذه العلامة التي أراها لا يعرفها إلا واضعها.
الشيخ: وهذا المقصود.
السائل: لكن مثلاً بعض الأقارب.
стр. 4076
الشيخ: شو المقصود بالكتابة التي أبيحت، وهي منهي عنها، أليس أن أصحابه يعرفوا القبر؟
السائل: نعم، لكن في مثلاً أقارب مثلا بِدّهم يجو يزوروا القبر، ما بيعرفوا هذه العلامة.
الشيخ: يعرفوا من الأقارب، الأقارب يعرفوا من الأقارب.
(الهدى والنور /١٧٤/ ٠٦: ١٧: ٠٠)
حكم الكتابة على القبر
- «حديث جابر: نهى النبى ﷺ أن يجصص القبر وأن يبنى عليه, وأن يقعد عليه رواه مسلم زاد الترمذى: وأن يكتب عليها. صحيح.
[قال الإمام على الزيادة]:
فهى زيادة صحيحة, إلا أن الحاكم أعلها بعلة عجيبة فقال: «إنها لفظة صحيحة غريبة, وليس العمل عليها, فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم, وهو عمل أخذ به الخلف عن السلف».
وتعقبه الذهبى بقوله: «قلت: ما قلت طائلا, ولا نعلم صحابيا فعل ذلك, وإنما هو شئ أحدثه بعض التابعين فمن بعدهم, ولم يبلغهم النهى».
قلت: ومما يرد كلام الحاكم ثبوت كراهة الكتابة ونحوها عن السلف فروى ابن أبى شيبة بسند صحيح عن محمد «وهو ابن سيرين» أنه كره أن يعلم القبر.
وعن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يعلم الرجل قبره. وعن فهد عن القاسم أنه أوصى قال: يا بنى لا تكتب على قبرى, ولا تشرفنه إلا قدر ـ الأصل قبر ـ ما يرد عنى الماء. وفهد هذا لم أعرفه, والقاسم هو ابن محمد بن أبى بكر الصديق.
[إرواء الغليل تحت حديث رقم (٧٥٧)]
стр. 4077
وضع علامة على القبر
عن كثير بن زيد المدني عن المطلب قال: لما مات عثمان بن مظعون أُخرج بجنازته، فدُفن، فأمر النبي ﷺ رجلاً أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام إليها رسوله الله ﷺ وحسر عن ذراعيه، قال كثير: قال المطلب: قال الذي يخبرني ذلك عن رسوله الله ﷺ : كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسوله الله ﷺ حين حسر عنهما، ثم حملها فوضعها عند رأسه، وقال: «أَتَعَلَّمُ بها قبرَ أخي، وأَدْفِنُ إليه مَنْ مات من أهلي. يعني: عثمانَ بنَ مَظْعُونٍ ﵁».
[قال الإمام]:
وقد استدل الشافعية وغيرهم بهذا الحديث على أنه يستحب أن يجعل عند رأسه علامة من حجر أو غيره؛ قالوا: ولأنه يعرف به فَيُزار. وأقول: ولأنه إذا عرف لم يجلس عليه ولم يدس بالنعال. وقد ترجم له أبو داود بقوله: «باب في جمع الموتى في قبر، والقبر يُعَلَّمُ». والبيهقي فقال: «باب إعلام القبر بصخرة أو علامة ما كانت».
السلسلة الصحيحة (٧/ ١/ ١٦٦).
إذا قام بعض الناس بتسوية القبور دون إذن من الجهات الرسمية
مداخلة: شيخنا: قرأت في إحدى الصحف اليوم، بأن السُلطات الكويتية قامت باعتقال ثلاثة أشخاص بِتُهْمَة تسوية بعض القبور في إحدى الجبانات، أو إحدى القبور في الكويت، فما تعليقك على هذا الموضوع؟
الشيخ: يعني هدم المبني على القبر.
مداخلة: لا، هي تسوية؛ لأنه مشرف، قاموا بتسويته، ووصفوهم بالأصوليين طبعاً؛ لأنه لا يوجد بناء فوق القبر في الإسلام، كما يقول هؤلاء المجموعة، فقامت باعتقالهم على هذا الشيء؛ لأنهم سَوَّوا هذه القبور.
стр. 4078
الشيخ: الجواب: التسوية التي جاء ذكرها في حديث فضالة بن عبيد ﵁ الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، أن النبي ﷺ أمر بتسوية القبور، إنما المقصود بهذا الأمر، هو هدم ما يُبْنَى على القبور، بناءً مخالفاً للشرع.
لأنه ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث جابر: أن النبي ﷺ نهى عن البناء على القبر، لكن مقابل هذا النهي ثبت أن السنة أن يرفع القبر عن الأرض، ولا يُسَوّى بالأرض، وإنما يُرفع بمقدار شبر أو شبرين، وهذا في الواقع الحكمة منه ظاهرة جداً، حتى يتميز القبر من سائر الأرض، فلا يُعَامَل كما تعامل أيّ قسم من الأرض.
وحينئذٍ يكون المسلم في منجي من مخالفة الرسول ﵇، بل ومخالفته مخالفة مزدوجة في قوله ﵇: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها».
فلو أن القبر كان مسوىً بالأرض، لربما صلى عليه الإنسان، فخالف نهي الرسول ﵇ أو صلى إليه، وإذا جلس عليه فقد ارتكب المحظور الآخر في الحديث: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها»، وفي أحاديث أخرى وإن كانت خارج الصحيح فهي ثابتة، أنه نهى عن الصلاة «حصل هنا انقطاع صوتي».
الشيخ: فإذاً: من الحكمة البَيِّنة الواضحة أن يكون القبر مرتفعاً عن الأرض بمقدار شبر أو شبرين؛ لتمييزه.
ففي مثل هذا القبر لا يأتي الأمر بالتسوية، وإنما يأتي هذا الأمر بالنسبة للقبور التي رُفِعت، وبُني عليها مخالفة هذه الشريعة. إلى هنا أظن وضح الأمر ..
لنعود إلى ذاك النفر الذي سمعت أو قرأت ما أدري، أن الحكومة الكويتية ألقت القبض عليهم، وأنا أقول: إن كان إلقاء القبض عليهم؛ لأنهم خالفوا الشرع، فهذا خطأ، وإن كان القبض عليهم؛ لأنهم قاموا بما لا ينبغي لفرد من الأفراد أن يقوم به؛ خشية أن تثور الثورة بين الأمة؛ لأنه هذا يتعصب لهذا الحكم الثابت في السنة، وآخر ربما يتعصب لرأي لبعض العلماء المتخلفين أو المتأخرين في الأمة ..
стр. 4079
وهكذا، فدرءاً للفتنة، نحن نقول دائماً وأبداً: لا يجوز لفرد من الأفراد، وقريباً كنا مجتمعين في بعض الأماكن مع بعض الإخوان، لا يجوز لفرد من الأفراد المسلمين أن يتولى تنفيذ حكم هو ليس من صلاحية الأفراد، وإنما هو من صلاحية الحكام، وإن قصر الحكام كما هو القائم مع الأسف في هذا الزمان في القيام بهذا الواجب، فذلك لا يُسَوِّغ لفرد من الأفراد المسلمين أن يقوم بهذا؛ لأنه ليس من خصوصياتهم، لو كان القبر المرفوع في عقر دارهم، وفي الأرض التي لا يتسلط عليها إلا هم أنفسهم، فنعم ما يفعلون، أما أن يأتوا من مقابر المسلمين، ويتسلطون عليها بمثل هذا الذي نقل، فهذا من جهة موافق للشرع، لكن من جهة أخرى فيه اعتداء على الحكام، وذلك مما يُثِير الفتن.
وهذا هو جوابي الأخير.
(الهدى والنور/٢٨٢/ ٤٠: ٤٩: ٠٠)
حكم جعل القبر على طبقات ليُدفن فيه أكثر من ميت
مداخلة: بالنسبة للإنسان بيدفن إنسان قبله، يعني قبل شوي السؤال، اثنين بيدفن واحد يندفن فوق الثاني، إذا كان القبر غميق، يعني يجوز أن نحط بلاطة فوق، والعام القادم أو بعده يدفن ثالث فوق البلاطة؟ هذا الشيء يعني والدي سَوَّاه هذا الشيء؟
الشيخ: أنت بتصور القضية نظرية أو عملية؟
مداخلة: لا والدي سواه هذا الشيء، أن القبر يندفن الواحد فوق الآخر.
الشيخ: يعني جَهَّزوه، بحيث يدفن واحد فوق واحد؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: هذه بدعة.
(الهدى والنور / ٣١٧/ ١٣: ٣٢: ٠٠)
стр. 4080
حكم خلع النعلين في المقابر
مداخلة: ما حكم خلع النعلين في المقابر؟
الشيخ: الجواب كما هو معلوم في كل أمر صدر من النبي ﷺ ، فالأصل فيه أنه للوجوب، إلا إذا وُجِدت قرينة تصرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، ولا قرينة هنا، وعلى ذلك فينبغي البقاء على الأصل ألا وهو الوجوب.
ولكني أقول: قد يُمكن أن نَتَلَمَّس قرينة تؤكد أن الأمر هاهنا على الوجوب، من ذلك مثلاً قوله ﵊: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» ففي هذا الحديث وهو في صحيح مسلم، أن النبي ﷺ جمع بين أمرين أو شيئين متباينين، فهو من جهةٍ يأمر باحترام الميت وذلك بالنهي عن الجلوس على قبره، ومن جهة أخرى ينهى عن المبالغة في احترام الميت فينهى عن الصلاة إلى القبر، فقال ﵊: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها».
والسؤال السابق آنفاً في الأمر فيما يتعلق بالمشي بين القبور: «يا صاحب السبتيتين اخلع نعليك» كذلك هنا يرد السؤال نفسه في قوله ﵇: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها» هل النهي هنا للتحريم أم للتنزيه؟ الجواب كالجواب السابق بالنسبة للأمر، فكما أن الأصل في الأمر الوجوب، فكذلك الأصل في النهي التحريم، فقد يقول قائل: نهيه ﵇ عن الجلوس على القبر وعن الصلاة إلى القبر، هل هو للتحريم أم للتنزيه؟ الجواب كما سبق بالنسبة للأمر، الأصل فيه أنه للتحريم.
وحينئذٍ فيُمكننا أن نستنبط من نهيه ﵊ عن الجلوس على القبر، أنه يلتقي مع أمره لصاحب السبتيتين بخلعهما، وذلك من باب احترام المقبورين، فالتقى هذا الحديث بذاك، وصار هذا الثاني قرينة مؤيدة لكون الأمر في حديث السبتيتين هو على أصله، أي الوجوب.
قد يورد بعض الناس بمثل هذه المناسبة حديث: «إن الميت إذا وُضِع في قبره،
стр. 4081
إنه ليسمع قرع نعالهم وهم عنه مدبرين» فيتوهمون أن هذا الحديث يدل على جواز المشي بين القبور في النعال، وليس الأمر كذلك، ذلك؛ لأنه ليس من الضروري أن نتصور أولاً: أن إخبار النبي ﷺ عن الميت إذا وضع في القبر أنه يسمع قرع النعال، أنه يعني أن المشي بين القبور في النعال جائز، لأنه يمكن أن نتصور الأمر بحيث لا يصطدم مع أمره لصاحب السبتيتين بخلعهما.
يمكن أن نتصور أمرين اثنين دفعاً للتعارض، الأمر الأول: أنه لا تلازم بين سماع الناس عند انصرافهم من دفن الميت، أن يكون الدفن بين القبور، بحيث يستلزم هذا الدفن المشي أيضاً في النعال بين القبور.
يمكن أن يكون هذا السمع من الميت لقرع النعال في وضع خاص، كأن يُدْفن في حافَّة المقبرة في جانب منها.
وحينئذٍ: فلا يستلزم إذا ما استحضرنا هذه الصورة أن يكون الناس قد ساروا بين القبور في نعالهم. هذا الشيء الأول.
والشيء الثاني: أنه يوجد لدينا قاعدة أصولية تساعدنا على التوفيق بين الأحاديث التي قد يبدو التعارض بينها أحياناً.
من هذه القواعد: أنه إذا تعارض حاظر ومبيح قُدِّم الحاظر على المبيح، فحديث السبتيتين يحظر على المسلم أن يمشي بين القبور متنعلاً.
الحديث الثاني في ظاهره إذا لم نحمله المحمل الذي ذكرت آنفاً، في ظاهره يفيد إباحة المشي بين القبور في النعلين، فإذا تعارض حاظر ومبيح قُدِّم الحاظر على المبيح.
وهذه القاعدة بدهية جداً لمن يتتبع تدرج الأحكام الشرعية، وطريقة ورودها ونزولها على قلب النبي ﷺ ، فنحن نعلم جميعاً أن العرب في الجاهلية كانوا في ضلال مبين، وكانوا لا يعلمون شيئاً مما يعرف بعد الإسلام بأنه حرام أو حلال.
وكذلك نعلم أن أول ما أُنزل على النبي ﷺ فإنما هو الأمر بعبادة الله وحده
стр. 4082
لا شريك له.
ثم بعد ذلك بدأت الأحكام الشرعية تنزل، فحينما أمر ﵇ بعبادة الله وحده لا شريك له وأمر الناس أن يعبدوه كذلك وحده لا شريك له، يومئذٍ لم يكن شيء اسمه لباس الحرير حرام، شرب الخمر حرام، المشي بين القبور بالنعال حرام،
وإنما كان الناس يمشون على ما كانوا عليه من الضلال، وعلى ذلك فليس من المستبعد إطلاقاً أن يكون المسلمون في العهد الأول من الإسلام يمشون على الإباحة الأصلية، فيدخلون القبور وفيها وعلى أقدامهم النعال، فحينما يأتي حكم جديد يتضمن خلع النعلين بالنسبة للماشي بين القبور، نعرف بداهةً حينذاك بأن هذا النص أتى بحكم جديد ألغى ما كانوا عليه من قبل من عادة السير بين القبور.
من أجل هذا كله، يقول علماء الأصول: إنه إذا تعارض نصَّان أحدهما يُحَرِّم شيئاً والآخر يُبِيحه، حُمِل النص المبيح على الأصل، على البراءة الأصلية، وحُمِل النص المُحَرَّم على التشريع الجديد. بهذا نستطيع أن نفهم حينذاك أن الحكم الذي ينبغي أن نمشي عليه هو أن لا نمشي في النعال بين القبور.
وهذا يتأيد كما ذكرت آنفاً بقوله ﵇: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها».
فنهيه ﵇ عن الجلوس على القبور هو من باب احترامها، كما قال ﵇ في الحديث الآخر: «كسر عظم الميت ككسره حياً» هذا كله من باب احترام الأموات، لكن هذا الاحترام لا ينبغي أن يرتفع إلى مرتبة التقديس والغلو في التعظيم، هذا والأمر وسط نحترم الأموات ولا نقدسهم، من احترام الأموات أن نمشي حفاة بين القبور، إلا إذا كان هناك عذر فهذا بحث آخر.
(الهدى والنور / ٣١٧/ ٥٥: ٠٣: ٠٠)
стр. 4083
حكم فتح قبر قديم لدفن آخر فوقه
مداخلة: هل يجوز فتح قبر قديم لدفن آخر فوقه؟
الشيخ: إذا كان قد صار رميماً يجوز وإلا فلا، إذا صار تراباً جاز وإلا فلا.
مداخلة: المدة كم؟
الشيخ: المُدَّة بارك الله فيك تختلف باختلاف الأراضي، فبعض الأراضي تجعل الفساد يسري بسرعة إلى الجثة، وبعضها تكون أراضي ناشفة تحتفظ الجثة إلى أمد بعيد. فهذه أمور لا تعرف إلا بالتجربة, وكما قيل: أهل مكة أدرى بشعابها وصاحب الدار بما فيها.
فكل أهل قرية بالتجربة يعرفون هذا.
أما أن يُوضع شرعاً حَدٌ لا يُتَعَدّى، هذا أمر لا يُعقل أبداً. نعم.
علي الحلبي: يا شيخ، هل الجواز بالنسبة للسؤال الذي سأله الأخ مطلق، أو بقيد الضرورة؟ يعني جواز الدفن على من هذا حالُه للضرورة؟
الشيخ: فهمت عليك، لكن يا ترى الضرورة هنا يمكن أن تتصور، فإن تصورت فالضرورة تبيح أهم من هذه المحظورات.
علي الحلبي: يعني سؤال شيخنا بالعكس، يعني لو لغير ضرورة، يعني السؤال كأنه أنا فهمت من الأخ سؤاله لغير ضرورة.
الشيخ: طبعاً، لغير ضرورة.
علي الحلبي: فالجواز لغير ضرورة أيضاً؟
الشيخ: هو الجواز كيف؟ نحن قلنا: لا يجوز إلا بعد أن يصبح رميماً.
علي الحلبي: نحن غلب على ظننا أنه أصبح رميماً.
الشيخ: طيب. سواءً في ضرورة أو ما في ضرورة.
стр. 4084
مداخلة: أيوه، نعم.
الشيخ: الأمر بدهي. ينقلون عن المعَرِّي أنه قال:
صاح هذي قبورنا تملأ الرحب فأين القبور من عهد عاد
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد
الله جعل الأرض كفاتاً. إذا كان أي بقعة من الأرض، ممكن أن يكون ما كانت مقبرة، ولذلك فإذا اندثر الجسد وصار رميماً جاز الدفن ولو بدون ضرورة.
مداخلة: هل يفهم من هذا جواز نبش المقابر لأي غرض؟
الشيخ: لا. ما يجوز، لكن قد يظن ظان ما أن هذا القبر صاحبه صار رميماً، فيفتحه ليس بقصد النبش، وإذا به يجد الجُثَّة كأنها حية اليوم كما يقع أحياناً، أو لا تزال فيها فلا يجوز حينذاك ....
مداخلة: يعني هناك بعض المقابر القديمة أغلقت ولم يدفن فيها منذ مثلاً عشر، خمسة عشر سنة.
الشيخ: نعم.
مداخلة: فبعض الناس يزيلون هذه المقابر، ويَبْنُون عليها؟
الشيخ: لا، ما يجوز هذا.
يعني: إذا كانت الدولة، -وهذا كثيراً ما يقع في كثير من البلاد مع الأسف- تُقِر تخطيط الشوارع على حساب الأموات وعلى حساب المقابر، فلا يجوز القضاء على المقبرة، إلا بعد التَأَكُّد من أن الأجساد فيها فنيت وصارت رميماً.
أما كما رأينا هناك في سوريا كانت تشال العظام بالجرافات، فهذا حرام لا يجوز.
وقد سمعتم آنفاً قوله ﵊: «كسر عظم الميت ككسره حياً».
стр. 4085
ولا شك أن هذا التنظيم إنما يندفعون إليه، إما جهلاً منهم بأحكام الشرع، وإما استهتاراً منهم بهذه الأحكام، لأنهم يهتمون بدنياهم أكثر مما يهتمون بآخرتهم.
(الهدى والنور / ٣١٧/ ٤٠: ١٦: ٠٠)
(الهدى والنور / ٣١٧/ ٠٩: ١٩: ٠٠)
حكم رفع اليدين في الدعاء عند المقابر
السائل: بالنسبة للزيادة في العبادات والبدعة، هل يجوز أو صح أو ورد شئ في رفع اليدين في الدعاء عند المقابر؟
الشيخ: عند زيارة المقابر؟
مداخلة: عند زيارة المقابر، أو للميت، عندما قال النبي ﷺ : «ادعوا لصاحبكم» أو قال: «سلوا له الثبات، فإنه الآن يسأل» هل جاء رفع اليدين، أو جاز رفع اليدين؟
الشيخ: هنا لم يرد، لكن ورد في صحيح مسلم أن النبي ﷺ لما كانت نومته عند عائشة، وخرج من الحجرة وتبعته عائشة، فهو يمشي وهي خلفه حتى وصل البقيع، فقام ورفع يديه فدعا، هذا ثابت.
أما بخصوص: «استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل» لم يَرِد رفع اليدين في هذا المكان ...
وقد أجبتك عن سؤالك.
(الهدى والنور /٤٠٨/ ٠٧: ٤٢: ٠٠)
أخذ ما يوضع للقبور
مداخلة: بالنسبة للشموع والنقود التي يضعها الجُهَّال في مقابر من يُسَمُّونهم
стр. 4086
بالأولياء، هل يجوز أخذها؟
الشيخ: تعني، هل يجوز سرقتها؟
مداخلة: أي نعم.
الشيخ: طبعاً لا يجوز.
مداخلة: كيف نفعل بها؟
الشيخ: ليس لك إلا أن تنصح، وأن تُذَكِّر بأن هذه وثنيات وشركيات، ولما تستطع أن تقيم الدولة المسلمة وتصير حاكماً، حينذاك نوكلك بمصادرتها، وبصرفها في مرافق مشروعة، أما وأنت فرد فليس لك إلا التذكير والنصح.
مداخلة: يعني تُتْرَك كما هي لا نَمَسُّها.
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: ألا نقول يا شيخ: إنها خرجت من ملكهم عن طواعية منهم، ووضعوها في محل، فإذا وجد هذه الشموع وكذا .. ما تقولون في هذا الكلام؟
الشيخ: أنا أقول كما قلتَ تماماً: خرجت من ملكهم، لكن هل مَلَّكُوكَها؟
مداخلة: لا.
الشيخ: المهم، هو هذا بالنسبة إليك وإليَّ، وليس المهم أنه خرجت من ملكهم أم لا، المهم هل مَلَّكونا إياها أم لا؟
مداخلة: لا.
الشيخ: ولذلك فلا يجوز لنا أن نمتلكها.
(الهدى والنور/٤٣٨/ ٤٧: ٢٢: ٠٠)
стр. 4087
الخروج من القبور وتزاور الأموات
مداخلة: أسأل عن حديث تحسين الأكفان، والتَّزَاوُر بين الأموات، والبعث في الأكفان، ومن حيث المعنى والجمع بينه وبين الحديث الآخر: «جمع الناس حفاة عراة غرلا»؟
الشيخ: الخروج من القبور يكون بالأكفان التي يكفن فيها، أما الحشر فهو عراة حفاة كما خلقهم، يعني: حالتين مختلفتين، كما يوجد في القرآن آيات تنفي هناك أن يكون فيه سؤال، ﴿فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] .. ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، فالآية الأولى في مكان، والآية الأخرى في مكان، في بعض المواطن وهو شدة الموقف والحشر هناك ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]، وأيش الآية؟
آية عبس ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ* لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٦، ٣٧] نفسي نفسي، في هذه الحالة ما فيه تساؤل، لكن في آية أخرى، في مكان آخر حينما يُوضع الميزان ويُنْصَب الصراط، فيسأل الإنسان كما جاء في الأحاديث: «لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن خمس» أو «عن أربع» روايتان، ففي سؤال، لكن في بعض المواقف ما فيه سؤال لهول الموقف، كذلك البعث في الأكفان يعني: حين الخروج، لكن حين المحشر ما فيه هناك، ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧].
فإذاً: احمل حديث البعث في الأكفان في موضع ألا وهو: حين الخروج من القبور، والبعث عراة حفاة كما جاء في الأحاديث في موقف الحشر العام، حينما يجمع الناس في مكان معين، وفي صعيد واحد كما جاء في بعض الأحاديث الصحيحة، لعلي أجبتك عن سؤالك.
مداخلة: [والتزاور في القبور].
الشيخ: التزاور في القبور، هذا في الحقيقة أنا بدا لي تردد وتوقف فيه، أنا
стр. 4088
أوردت هذه الأحاديث في الصحيحة من جهة، وبالتالي ذكرت في صحيح الجامع الصغير من جهة أخرى، وبعدين بدا لي الشك في صحة زيادة يتزاورون في أكفانهم، بخلاف الشطر الأول من الحديث، فهذا معناه ثابت في صحيح مسلم، رجعت إلى الصحيحة لإعادة النظر، فوجدت من مصادري التي كنت اعتمدت عليها بعض المخطوطات الموجودة في المكتبة الظاهرية، وكم كنت أتمنى أنه يكون البلاد الإسلامية بلاد واحدة، يدخل الإنسان إلى بلد، ويخرج منها إلى بلد آخر؛ حتى يسافر إلى دمشق، وأعيد النظر في هذه المخطوطات التي كنت اعتمدت عليها، لكن هذا مع الأسف لا سبيل إليه في الظروف الحاضرة.
لذلك أنا الآن متوقف عن هذه الزيادة، فلا أقول بصحتها كما كنت صنعت، ولا أقول بضعفها؛ لأني ما رجعت إلى المصادر، أو ما تَمَكَّنت من الرجوع إلى المصادر.
(الهدى والنور / ٢٤/ ٥١: .. : .. )
الشق واللحد
السائل: ما هو الشق وما هو اللحد، وأيهما أقرب للسنة؟
الشيخ: قال ﵇: «اللحد لنا والشق لغيرنا» الشق لأهل الكتاب، واللحد لنا نحن معشر المسلمين.
لما مات الرسول ﷺ وفكروا بتهيئة القبر الشريف له، فسألوا في أنفسهم كيف يحفرون قبره يا جماعة، كان هناك حَفَّاران أحدهما يشق والآخر يلحد لحداً، وهم في الحديث يدخل عليهم الذي يُلْحِد فحفروا له اللحد، وحققوا بتيسير الله حفر اللحد له، وليس الذي يشق شقاً؛ تنفيذاً لقوله ﵇ المذكور آنفاً «اللحد لنا، والشق لغيرنا».
هذا طبعاً هو الحكم الشرعي، وككل الأحكام الشرعية يُراعى فيها
стр. 4089
الإستطاعة؛ لأنه أحيانا قد تكون الأرض صخرية جداً ولا يساعد على اللحد، خاصة في ذاك الزمان الذي لم تكن الحفارات القوية، ولو الحفارة اليدوية ماذا يسموها الكبريتر.
الان هي سهل جداً، مهما كانت الأرض، لكن الكبريتر هذه يعنى ما تحقق مثلاً في بعض القرى، ولذلك فإذا تَيَسَّر اللحد فهو بلا شك هو الأفضل، وإلا الشق جائز.
(الهدى والنور / ٥٣٦/ ٠٠: ٤٥: ٠٠)
زراعة الشجر على المقبرة
مداخلة: الموضوع يا شيخنا، بعض الناس يزرعون شجرة على القبر، ويترددون على هذا القبر، بحُجَّة أنهم يسقون هذه الشجرة، فما رأيكم في هذا، هل تُقْطَع هذه الشجرة، وممكن يكون نساء أيضاً يفعلن هذا الفعل، حتى كَثُرَت أشجار الزيتون والتين والفواكه على المقابر؟
الشيخ: نعم، هذا أسلوب لا شك ليس إسلامياً من جهات عديدة، أهمها: أنه أسلوب الكفار الذين ينزعجون من زيارة القبور، ولذلك فمن سافر إلى بلاد الكفر، يجد المقابر أشبه ما تكون بالحدائق الغناء، مزروعة بالأشجار الكثيرة والورود والزهور ونحو ذلك، حتى إذا مَرّ المار من تلك المنطقة، لا ينزعج بذكر الموت.
فالمسلمون الآن يَسْلُكون سنن من قبلهم، كما تنبأ بذلك النبي ﵊ في الحديث الصحيح: «لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» .. إلى آخر الحديث.
فهذه الظاهرة هو تقليد للكفار، ومن تمام التقليد ما ابتلي به بعض البلاد الإسلامية وبلدنا هذا مع الأسف منها، وهو إخراج المقابر خارج البلد، وبذلك يقطعون الصلة بين الأحياء والأموات، أي: يعطلون زيارة القبور؛ لأنه ليس من
стр. 4090
الممكن عادة أن المسلم الذي مات أبوه أنه يشد الرحل ويخرج خارج البلد من أجل أن يرى أبوه، لا والله لن يسأل عن أبيه ولا عن أمه ولا عن أخته.
هذا هدف لقطع الصلة بين الأحياء والأموات، بطريق تحقيق الغاية الشرعية التي سبق ذكرها آنفاً.
ولذلك فلو أن هناك دولة إسلامية حقاً، فهذه المسألة مع أنها -كما يقول بعضهم: ثانوية- ولا نقول من باب القشور، لكنها ثانوية، لكن مع ذلك سوف تضع المخطط البلد أو المدينة أو العاصمة لا تكون القبور فيها إلا في داخلها، لكيلا يقطعوا الصلة بين المسلمين وبين قوله ﵇: «ألا فَزُوروها؛ فإنها تُذَكِّركم الآخرة».
مداخلة: يا شيخنا يعني: يستدل بعض المسلمين بأن الرسول ﷺ مَرّ على قبر فأخذ غُصناً رطباً أو كذا ما أذكر النص، فوضعه على القبر، فيستدلون بهذا الحديث أنهم يجوز لهم أن يضعوا شجر أو غيره.
الشيخ: هذا الحديث بلا شك هو حديث صحيح، ولكن لا يدل الحديث على الغاية التي يستند إليها هؤلاء الذين يضعون الورود والزهور ويزرعون الأشجار على مقابرهم أو قبورهم؛ بزعم أنها تُخَفف العذاب عن أولئك الأموات، بسبب أن هذا الشجر الأخضر يسبح الله ، وبهذا التسبيح يُخَفَّف العذاب عن أهل القبور، هذا الحديث الصحيح لا يدل على هذا التعليل الذي لا أصل له في الشرع أولاً.
بل الحديث الذي سألت عنه، يدل على أن هذا الغصن الرطب الذي وضعه الرسول ﵇ لم يكن سبباً لتخفيف العذاب، حتى يصح أن يُتَّخذ هذا السبب نظاماً، ويُطَبَّق في مقابر المسلمين، وإنما يدل على أن رطابة هذا الغصن إنما كان علامة وتحديداً لزمن تخفيف العذاب عن أولئك المقبورين؛ ذلك لأن النبي ﷺ لما سُئِل عما فعل من وضع الغصنين على القبرين، قال: «لعل الله أن يخفف عنهما ما داما رطبين»، هذا حديث البخاري ومسلم.
стр. 4091
وهناك رواية من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ لما سئل أجاب: بأن الله قبل شفاعته ﵇ أن يخفف العذاب مادام الغصن رطباً.
إذاً: ما هو السبب في التخفيف؟ شفاعة الرسول أي: دعاء الرسول، إذاً: الرطابة هذه ليست هي السبب، إنما هي علامة، ماداما رطبين فالعذاب مخفف، هذا صريح في الحديث.
لكن هناك أشياء استنباطية نظرية سليمة تؤكد هذا المنصوص في الحديث، أول ذلك: لو كان مجرد وضع الغصن الأخضر على القبر سبباً لتخفيف العذاب، لجرى السلف الأول على اتخاذ هذه الوسيلة تخفيفاً للعذاب، وإذ لم يفعلوا، فهذا دليل أنهم لم يفهموا ذلك الفهم الخلفي أن سبب التخفيف هو رطابة الغصن، هذا شيء.
وشيءٌ ثانٍ: لو أن ذلك يكون سبباً شرعياً لتخفيف العذاب، فهنيئاً للكفار الذين أصبحت مقابرهم حدائق غناء، فإذًا يُخَفَّف عنهم العذاب؛ بسبب هذه العلة المُبْتَدعة المختلقة التي لا أصل لها في السنة.
وثالثاً وأخيراً: رُبُّنا يقول: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، كل شيء حول الميت، بل الميت نفسه، سواء كان لا يزال لحماً على عظم، أو ذاب اللحم وبقي العظم، أو صار العظم رميماً، كل هذا وهذا وهذا، داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤].
إذاً: لا فرق بين الأخضر وبين اليابس، لا فرق بين الشجر وبين الحجر، بين الحجر وبين المدر، كله داخل في عموم الآية الكريمة، لذلك: إن هذا الذي يقولونه إلا اختلاق.
(الهدى والنور/٦٠٣/ ٣١: ٤٦: ٠٠)
(الهدى والنور/٦٠٣/ ٣٣: ٤٩: ٠٠)
стр. 4092
عدم مشروعية وضع أشجار خضراء على القبور
عن ابن عباس، قال: مر النبي ﷺ بقبرين، فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما: فكان لا يستتر من البول» - وفي رواية لمسلم: «لا يستنزه من البول» - «وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة»، ثم أخذ جريدة رطبة، فشقها نصفين، ثم غرز في كل قبر واحدة، قالوا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟ قال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا».
[قال الإمام]:
لقد توهم كثير من الناس أن التخفيف إنما كان من أجل رطابة الشقين، وهذا ليس بصحيح، ولو كان كذلك لما شق الغصن شقين؛ لأن ذلك مما يسرع اليبوسة إلى الشقين كما لا يخفى، والصحيح ان سبب التخفيف إنما هو شفاعته ﷺ ودعاؤه لهما، وأن الله استجاب له ذلك إلى أن ييبسا، فالرطابة علامة لا سبب، ويشهد لهذا حديث جابر الطويل في مسلم «٨/ ٢٣٥»: «إني مررت بقبرين يعذبان فأحببت بشفاعتي أن يرفه عنها ما دام الغصنان رطبين».
ولهذا لم يعرف عن النبي ﷺ أنه كان يفعل ذلك عند زيارة القبور، ولا عن أصحابه، ولا عن أحد من السلف، بل قد أنكر الإمام الخطابي ما يفعله الناس اليوم من وضع الأخضر على القبور، وقال: إنه لا أصل له، وقد تكلمت على هذه المسألة بتفصيل في كتابي «أحكام الجنائز وبدعها» وراجع أيضاً تعليق أحمد شاكر على الترمذي «١/ ١٠٣».
(مشكاة المصابيح ١/ ١١٠)
الموعظة عند القبر حين دفن الميت
مداخلة: الموعظة بالذات عند القبر حين دفن الميت؟ بعض البلدان باستمرار موعظة عند الدفن، فهل هذا جائز باستمرار؟
стр. 4093
الشيخ: لا، الاستمرارية لا، لكن أحياناً بلى.
(الهدى والنور/٦٠٣/ ١٢: ٥٥: ٠٠)
النهي عن المشي بين القبور والجلوس عليها هل هو خاص بقبور المسلمين؟ وكلمة حول تسمية بعض المقابر بالمقابر الإسلامية ؟
الملقي: بالنسبة للمشي بين القبور بالحذاء أو بغير الحذاء؟ وهل القبور خاصة بقبور المسلمين أو لو كانت قبور مشركين، والجلوس عليها كذلك؟ هل يُفَرَّق بين قبر المسلم والمشرك؟ والمشي بينها بحذاء أو بغير حذاء.
الشيخ: نعم، لا شك أن هذا الحكم يختلف عن قبور المسلمين وقبور المشركين، ذلك؛ لأن المشركين في قيد حياتهم لا حرمة لهم، فمن باب أولى أنه بعد وفاتهم فهم لا حرمة لهم.
أما المسلم فهو كما قال ﵇: «كسر عظم المؤمن ككسره حياً»، فمن هذا الباب يعطينا هذا الحديث ما فهمناه -أيضاً- من حديثنا الأخير: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها».
هذا الحديث يلتقي مع حديث: «كسر عظم المؤمن حياً ككسره ميتا»، كيف يلتقيان؟ أي يُعطي حرمة ومقاماً واحتراماً للمؤمن ولو بعد موته فلا يجوز كسر عظمه ميتاً كما كان لا يجوز كسره حياً.
هذا معناه: أن الشارع الحكيم يأمرنا باحترام أموات المسلمين، من هذه النقطة يلتقي مع الحديث الأول: «لا تجلسوا على القبور» احتراماً لها، «لا تصلوا إليها» تعظيماً لها، لأن الصلاة لا يجوز الاستقبال إلا لبيت الله الحرام.
إذاً: هذا الحديث الأول: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» جمع بين خصلتين تُحَقِّقان العدل مع أموات المسلمين، لا يُهانون لا يُداسون ولا يُعَظَّمون
стр. 4094
تعظيماً مُخِلًّا بالتوحيد.
كذلك قوله ﵇: «كسر عظم المؤمن الميت ككسره حياً».
إذا كان الأمر كذلك ترتب منه أدبٌ آخر يلتقي مع قوله: «لا تجلسوا على القبور» أي لا تدوسوا القبور، لا تدوسوا القبور بنعالكم، فإن كان ولا بد وهذا واقعياً، لا بد من السير بين القبور في بعض الأحيان، وعلى الأقل لدفن الميت.
فحينئذٍ يأتي قوله ﵇ الثابت في السنن والمسند: «يا صاحب السبتيتين اخلع نعليك».
فإذاً: الأمر بخلع النعال في هذا الحديث هو من باب: «لا تجلسوا على القبور» أي احتراماً وتأدباً مع هؤلاء المسلمين، أما الكفار فلا حرمة ولا ذمة لهم، خاصةً بعد وفاتهم، وبعد أن آلوا إلى حفرة من حفر النار، لعلي أجبتك؟
الملقي: يا شيخ هذا بين القبور، كذلك يخلع حذاءه.
الشيخ: هو هو بين القبور.
الملقي: ليس ليس يدوس على المقابر.
الشيخ: هو بين القبور -بارك الله فيك-؛ لأن الحديث جاء في ماذا، هو كان يدوس على القبور؟ ! هو يمشي بين القبور، يمشي مشياً عادياً بين القبور، فناداه ﵇ وقال له: «يا صاحب السبتيتين اخلع نعليك» الدوس على القبر شيء والسير بين المقابر شيء من حيث الواقع، لكنهما شيء واحد من حيث حكم الشرعي.
فكما أنه لا يجوز القعود على القبر مباشرةً، كذلك لا يجوز أن تمشي بين المقابر، إلا لِمَا قلنا آنفاً أنك بحاجة إلى أن تدفن ميتاً مثلاً في مكان ما، حينئذٍ لا بد أن تخلع نعليك في صورة أخرى، أتصورها يمكن اليوم تنظيمها، أما من قبل ما كانوا يُفَكِّرون في مثل هذا إطلاقاً، وهو جعل ممر بين أقسام من المقبرة هذه، يمشي الناس فيها.
стр. 4095
لكن في النهاية لا بد من الدخول بين القبور، إلا أنه هذا التنظيم يُخَفِّف المخالفة، فهذا ما في مانع، الآن مثلاً في المقبرة اللي بيسموها المقبرة الإسلامية مو هيك بيسموها؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: آه، وأنا ما أُحِب أن تُسَمّى المقبرة الإسلامية مثل ما بيقولوا، شو بيقولوا: الجامعة الإسلامية، وحتى بيكون في إضافة قبل منها، جامعة الملك فلان الإسلامية، يا جماعة لماذا هذه الوصفات هاللي تسمى بصفة كاشفة، هل هناك جامعة الملك فلان غير إسلامية، هذا كله من شان إرضاء التوجيهات الجاية من الغرب.
(الهدى والنور / ٥٤٧/ ١٨: ٣٧: ٠٠)
(الهدى والنور / ٥٤٧/ ٠١: ٤٢: ٠٠)
(الهدى والنور / ٥٤٧/ ٥٨: ٤٢: ٠٠)
رد تعليل حرمة الجلوس على القبر بأن ذلك إذا كان للبول والغائط
[روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط، فكأنما جلس على جمرة». منكر بهذا اللفظ. أخرجه الطحاوي في «شرح المعاني» «١/ ٢٩٧» عن ابن وهب وسليمان بن داود «وهو الطيالسي» كلاهما عن محمد بن أبي حميد عن محمد بن كعب عن أبي هريرة مرفوعا. قلت: وهذا سند ضعيف جدا، فإن ابن أبي حميد هذا قال البخاري: «منكر الحديث». وقال النسائي: «ليس بثقة»، ولهذا قال الحافظ في «الفتح» «٣/ ١٧٤» بعد أن ذكر الحديث. «إسناده ضعيف». وقد رواه عنه أبو داود الطيالسي في مسنده بلفظ آخر فقال: «١/ ١٦٨ - ترتيبه»: حدثنا محمد بن أبي حميد عن محمد بن كعب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لأن يجلس أحدكم على جمرة خير له من أن يجلس على قبر». قال أبوهريرة: يعني يجلس
стр. 4096
لغائط أو بول. قلت: وهذا التفسير للجلوس وإن كان باطلا في نفسه كما سيأتي، فهو بالنظر لكونه منسوبا لأبي هريرة أقرب من رفعه إلى النبي ﷺ كما في رواية الطحاوي وهو أخرجها كما رأيت من طريق ابن وهب عن ابن أبي حميد، ثم من طريق الطيالسي عنه بلفظ ابن وهب مغايرا للفظه في «المسند». وهذا أقرب أيضا، لأنه روى الحديث المرفوع عن الجادة كما رواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر».
رواه مسلم «٣/ ٦٢» وأصحاب السنن إلا الترمذي والطحاوي وغيرهم عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا، فهذا هو المحفوظ عن أبي هريرة بالسند الصحيح عنه، فرواية ابن أبي حميد منكرة لمخالفتها لرواية الثقة، أما على رواية الطحاوي فظاهر، وأما على رواية الطيالسي التي فيها التفسير الباطل، فلأنها تضمنت زيادة على رواية الثقة من ضعيف فلا تقبل اتفاقا، وأيضا، فقد ثبت عن أبي هريرة عمله بالحديث على ظاهره، فروى الشافعي في «الأم» «١/ ٢٤٦» وابن أبي شيبة في «المصنف» «٤/ ١٣٧» عن محمد بن أبي يحيى عن أبيه قال: «كنت أتتبع أبا هريرة في الجنائز، فكان يتخطى القبور، قال: «لأن يجلس ... » فذكر الحديث موقوفا، وسنده جيد فدل هذا على بطلان ما روى ابن أبي حميد عن أبي هريرة من تفسير الجلوس على القبر بالبول والتغوط عليه، لأن أبا هريرة استدل بالحديث على تخطيه للقبور وعدم وطئها، فدل على أنه هو المراد، وهو الذي لا يظهر من الحديث سواه، ومن الغرائب أن يتأوله بعض العلماء الكبار بالجلوس للغائط وأغرب منه أن يحتج الطحاوي لذلك باللغة، فيقول: «وذلك جائز في اللغة، يقال: جلس فلان للغائط، وجلس فلان للبول»! ! وما أدري والله كيف يصدر مثل هذا الكلام من مثل هذا الإمام، فإن الجلوس الذي ورد النهي عنه في الأحاديث مطلق، فهل في اللغة «جلس فلان» بمعنى تغوط أو بال؟ ! فما معنى قوله إذن: يقال جلس فلان للغائط ... «فمن نفى هذا وما علاقته بالجلوس المطلق؟ ! ولذلك جزم العلماء المحققون كابن حزم والنووي والعسقلاني ببطلان ذلك التأويل، فمن شاء الاطلاع على ذلك
стр. 4097
فليراجع «المحلى» «٥/ ١٣٦» و «فتح الباري» «٣/ ١٧٤».
وإن من شؤم الأحاديث الضعيفة أن يستدل بها بعض أهل العلم على تأويل الأحاديث الصحيحة كهذا الحديث، فقد احتج به الطحاوي لذلك التأويل الباطل! واحتج أيضا بحديث آخر فقال: «حدثنا سليمان بن شعيب قال: حدثنا الخصيب قال: حدثنا عمرو بن علي قال: حدثنا عثمان بن حكيم عن أبي أمامة أن زيد بن ثابت قال: هلم يا ابن أخي أخبرك إنما نهى النبي ﷺ عن الجلوس على القبور لحدث: غائط أو بول.
قلت: وهذا سند رجاله ثقات معرفون غير عمرو بن علي، فلم أعرفه، ولم أجد في هذه الطبقة من اسمه عمرو بن علي، ويغلب على الظن أن واو «عمرو» زيادة من بعض النساخ، وأن الصواب «عمر بن علي» وهو عمرو بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي وهو ثقة ولكنه كان يدلس تدليسا عجيبا يعرف بتدليس السكوت قال ابن سعد كان يدلس تدليسا شديدا يقول: سمعت وحدثنا، ثم يسكت فيقول: هشام بن عروة والأعمش.
قلت: ومثل هذا التدليس حري بحديث صاحبه أن يتوقف عن الاحتجاج به ولوصرح بالتحديث خشية أن يكون سكت بعد قوله حدثنا، ولا يفترض في كل الرواة الآخذين عنه أن يكونوا قد تنبهو التدليسه هذا، وكأنه لهذا الذي أوضحنا، اقتصر الحافظ في «الفتح» «٣/ ١٧٤» على قوله «ورجال إسناده ثقات» ولم يصححه، بينما رأيناه قد صرح بتصحيح إسناد الحديث من طريق أخرى عن عثمان بن حكيم بنحوه وقد علقه البخاري عنه فقال: «وقال عثمان بن حكيم: أخذ بيدي خارجة، فأجلسني على قبر، وأخبرني عن عمه يزيد بن ثابت قال: إنما كره ذلك لمن أحدث عليه». فقال الحافظ: «وصله مسدد في مسنده الكبير وبين فيه سبب إخبار خارجة لحكيم بذلك ولفظه: حدثنا عيسى بن يونس: حدثنا عثمان بن حكيم: حدثنا عبد الله بن سرجس وأبو سلمة بن عبد الرحمن أنهما سمعا أبا هريرة يقول: لأن أجلس على جمرة فتحرق ما دون لحمي حتى تفضي إلي أحب إلي من أن أجلس على قبر، قال عثمان: فرأيت خارجة بن زيد في المقابر، فذكرت له ذلك فأخذ بيدي ... الحديث. وهذا إسناد صحيح». ففي هذا الإسناد الصحيح لم يصرح الراوي برفع ذلك إلى
стр. 4098
النبي ﷺ بخلاف السند الذي قلبه المعلول، أقول هذا، وأنا على ذكر أن قول الصحابي «نهى عن كذا» في حكم المرفوع، ولكن هذا شيء، وقوله: «إنما نهى عن كذا» شيء آخر، ففي هذا القول شيئان: الأول النهي، وهو في حكم المرفوع، والآخر وهو تعليل النهي فهو موقوف ولا يزم من كون الأول مرفوعا أن يكون الأخر كذلك، لجواز أنه قاله باجتهاد من عنده لا بتوقيف له من النبي ﷺ ، ويؤيد هذا ورود النهي عن الاتكاء على القبر الذي هو دون الجلوس عليه فقال الحافظ: «ويؤيد قول الجمهور ما أخرجه أحمد من حديث عمرو بن حزم الأنصاري مرفوعا لا تقعدوا على القبور».
وفي رواية له عنه: «رآني رسول الله ﷺ وأنا متكئ على قبر فقال: «لا تؤذ صاحب القبر». إسناده صحيح، وهو دال على أن المراد بالجلوس القعود على حقيقته».
قلت: وهو مخرج في «أحكام الجنائز» «٢٠٩ - ٢١٠».
السلسلة الضعيفة (٢/ ٣٨٧ - ٣٨٩).
حكم السلام على المقابر للمار بغير قصد الزيارة
السؤال: في حديث عائشة ﵁: إذا أنا أتيت المقابر فماذا أقول؟ فهل المرور على المقابر بالسيارة من مكان إلى مكان، وليس القصد من هذا المرور الزيارة، هل يُسَلِّم على الأموات، وهل جرى على ذلك عمل السلف؟
الجواب: أما هل جرى عمل السلف هذا مما لا ندريه، أما هل يُشْرع ذلك فنعم، هناك حديث «سنن الترمذي» في سنده ضعف: أن النبي ﷺ كان إذا مر بالمقابر قال: «السلام عليكم ... »، إلى آخر الدعاء، لو صح هذا من حيث إسناده فتم الجواب، لكن في سنده ضعف من جهة.
ومن جهة أخرى: الأحاديث الصحيحة الثابتة في مسلم وفي غيره ليس فيه لفظة: المرور أو ما يُؤَدِّي معنى هذا المرور، لكن إذا كانت الغاية من شرعية زيارة
стр. 4099
القبور بعد النهي عنها هو تذكر الموت، فلا شك أن المرور بالمقابر قد حصل ... ؟
فإذا مر المسلم بالمقابر ولو كان لم يقصد زيارتها قصداً، عليه أن يقصد السلام عليهم؛ لأنه لا يوجد ما يمنع من ذلك وبخاصة أنه دعاء.
(الهدى والنور/٧٥٦/ ٤٥: ٥٢: ٠٠)
من صور البناء على القبور المحرمة
السائل: على ذكر الدفن والأموات وما شابه، سألني سائل اليوم عن الدفن، فيما يسمى بالفسقيات فحبذا لو إشارة عامة حول الموضوع؟
الشيخ: طبعا، أولا: هذا يخالف السنة، بل يخالف الأوامر النبوية؛ لأن السنة دفن الميت في الأرض وليس دفنه على ظهر الأرض، ثم البناء على قبره.
لو فرضنا أن ميتا دفن في أرض ما، ثم بُني عليه بناء صغير جدا، يكون خالف السنة من حيث أنه لم يُحفر له ويُدفن في التراب، لكن هنا في الفسقيات كما تعلمون هنا جميعا إن شاء الله، يتطلب شبه بناء غرفة، والرسول ... ﷺ قد صح من حديث جابر في «سنن النسائي» وغيره أنه نهى عن البناء على القبر فهذا اسمه بناء على القبر، ولا يهمنا أن ندقق في كيفية البناء هل هو بيت مربع هل هي قبة ..
لذلك: فالطريقة التي ابتدعها المصريون تقليداً منهم للفراعنة من بناء الفسقيات على قبور الأموات، هذا بلا شك يخالف السنة، ويخالف الأوامر النبوية الكريمة، ثم جرى على ذلك الأمر بعض البلاد الأخرى، ولعل هذه الضلالات تَسَرَّبت إلى هنا.
(الهدى والنور/٧٦٨/ ٣٩: ٠٢: ٠٠)
ما المقصود بالنهي عن الصلاة بين المقابر ؟
مداخلة: ذكرتم في كتابكم: أحكام الجنائز، أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في المقابر،
стр. 4100
السؤال: ما المقصود بالصلاة في المقابر، هل يقصد بين المقابر، أو أن يكون القبر اتجاه قبلة المصلي؟ لأننا نجد كثيرًا من المقابر توجد فيها مصلى للصلاة على الميت.
الشيخ: المقصود أعم من الصلاة تجاه القبر؛ لأن الصلاة تجاه القبر قد جاء النهي الصريح عنه، ألا وهو قوله ﵊: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» أما النهي عن الصلاة في المقابر أو في المقبرة فهذا حكم أعم وأشمل من الحكم الأول الذي جاء في الحديث الذي ذكرناه، ومما يؤكد هذا تلك الأحاديث الكثيرة التي جاءت عن النبي ﷺ صحيحة بل ربما تبلغ مبلغ التواتر من النهي عن الصلاة في المساجد المبنية على القبور، فلو كان هناك مسجد فيه قبر واحد فالصلاة في هذا المسجد لا تصح، لم؟ لأن ذلك المكان بوجود ذلك القبر له حكم المقبر، على خلاف ما يذكر في بعض كتب الحنابلة وغيرهم من أن المكان لا يسمى مقبرة إلا إذا كان فيه ثلاثة قبور، فإن هذا القول لا ينطبق أو لا يمشي مع المقبرة لغة ولا شرعًا كما بين ذلك شيخ الإسلام ﵀ في بعض كتبه.
مداخلة: [وصلاة الجنازة]
الشيخ: جزاك الله خير، المكان المتخذ للصلاة على الجنازة، إذا كان مفصولًا عن المقبرة فهو أمر جائز؛ لأن النبي ﷺ كان يصلي على الجنازة في المصلى، وكان المصلى بجانب القبر، فكون المصلى بجانب القبر أو القبور شيء وكونه محجوز منفصل عن المقبرة شيء آخر، فيجب النظر في واقع المصلى الذي يوجد في بعض البلاد هل هو مفصول عن المقبرة أم الذين يصلون في هذا المصلى، يصلون إما بين المقبرة أو بين المقابر أو إلى المقابر، هذا التفصيل لا بد من مراعاته.
(أسئلة وفتاوى الإمارات - ١٠/ ٠٠: ٢٢: ٤٤)
هل يشرع للمار بالسيارة من جوار المقابر أن يذكر السلام الشرعي الوارد على الموتى ؟
مداخلة: هل يشرع للمار بالسيارة من جوار المقابر أن يذكر السلام الشرعي