← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

مثلاً: الحديث القدسي الذي يرويه النبي ﷺ عن ربه حيث قال: «من لم يَدَع الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يَدَع طعامه وشرابه» هذا حديث عظيم جداً، ويلتقي كل الالتقاء مع خاتمة تلك الآية: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]. إذاً: ليس المقصود إذا جمعنا بين الآية والحديث .. ليس المقصود كل القصد أقول: كل القصد حتى لا يسيء البعض فهم كلامي .. ليس المقصود كل القصد من الصائم أن يمسك نفسه عن الطعام والشراب والجماع المنصوص على أنها من المفطرات في القرآن وفي السنة، فضلاً عن المفطرات الأخرى التي فيها خلاف كبير بين الفقهاء .. ليس المقصود الإمساك عن هذه المفطرات فقط، وإنما هناك من الواجبات الأخرى التي يجب على المسلم أن يمسك عنها أيضاً كما أمسك عن هذه المفطرات. على ضوء التعليل المذكور في الآية والحديث الصريح الصحيح المذكور آنفاً، أستطيع أن أقول لكم شيئاً قد يكون أمراً جديداً في التعبير، وليس شيئاً جديداً في الأحكام؛ لأن ذلك منصوص في القرآن والسنة، التعبير الجديد هو: أن كتب الفقه قاطبةً جَرَت على ذكر المُفَطِّرات، وهذا شيء لا بد منه. ولكن أنا أقول بياناً وتوضيحاً لما سبق من الآية والحديث، أقول: إن المفطرات قسمان: يجب أن تكون هذه القسمة الحَقَّة ثابتة في أذهان الجميع؛ لأهميتهما: القسم الأول: المفطرات المادية، وهي التي تتعرض لبيانها كتب الفقه كما ذكرت آنفاً. والقسم الآخر من المفطرات: لنُسَمِّها بالمفطرات المعنوية، هذه المفطرات المعنوية هي التي أشارت إليها الآية الكريمة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] وأوضح ذلك قوله ﵊ عن ربه ﵎: «من لم يَدَع قولَ الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يَدَع طعامه وشرابه». إذاً: يجب أن يقرن مع تركه لطعامه وشرابه وشهوته الجنسية يجب أن يضم إلى ذلك

стр. 4132

الانتهاء عما حرم الله عليه وفرض على كل مسلم أن يكون بعيداً عنه. عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس الصيام في ترك الطعام والشراب وإنما الصيام الانتهاء عما نهى الله عنه» أو كما قال النبي ﷺ ، ومن أراد أن يقف على هذه الأحاديث وما يشابهها في تحذير النبي ﷺ عن إتيان المعاصي بالنسبة للصائم وأن هذا النهي هو من عموم قوله ﵎: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] من أراد أن يقف على النوع من الأحاديث فعليه بكتاب: «الترغيب والترهيب للحافظ المنذري ﵀». وختاماً أقول: إن الصيام من حيث تَعَلُّقه بأنه شُرِع من أجل أن يزداد المسلم به تَقَرُّباً إلى الله وتقوىً له، هو تماماً كالصلاة التي ليس المقصود منها فقط أيضاً أن يأتي المسلم بشروطها وأركانها وواجباتها فقط، بل عليه أيضاً أن ينتبه للغاية والحكمة التي من أجلها أيضاً شرع الله على عباده المؤمنين خَمْسَ صلوات في كل يوم وليلة، ذلك ما أشار إليه ربنا في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] فبمقدار ما تكون صلاة المسلم ناهيةً له عن الفحشاء والمنكر، تكون مقبولة عند الله . لقد أشار النبي ﷺ إلى هذه الحقيقة المتعلقة بالصلاة في الحديث الصحيح، ألا وهو قوله ﵊: «إن الرجل ليُصَلِّي الصلاة ما يكتب له منها إلا عشرها .. » إن الرجل ليصلي الصلاة ما يكتب له، أي: بتمامها وإنما يكتب له ناقصة على نسب متفاوتة، بيَّن ذلك ﵇ في تمام الحديث ألا وهو قوله: «إن الرجل ليصلي الصلاة ما يكتب له منها إلا عشرها .. تسعها .. ثمنها .. سبعها .. سدسها .. خمسها .. ربعها .. نصفها»، ووقف ههنا، إشارةً إلى أن الصلاة الكاملة نادراً جداً جداً ما يمكن أن ينهض بها المسلم، خيرهم هو الذي يكتب له نصفها وهكذا إلى العُشر، والعُشر إذا كانت صلاته مقبولة عند الله ، وإلا فكثيراً ما تكون صلاة المصلي من تلك الصلوات التي يُضْرَب بها وجهه يوم القيامة، والعياذ بالله ﵎؛ ذلك لأن النبي ﷺ قد أشار إلى هاتين الحقيقتين:

стр. 4133

الحقيقة الأولى: التي تحدثنا عنها متعلقة بالصيام، والحقيقة الأخرى المتعلقة بالصلاة فقال ﵊: «كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش» لِمَ؟ لأنه لم ينته عما نهاه الله عنه، اقتصر فقط على ما سميناه بالمفطرات المادية، وهو يظن أنه صام، هذا نقول في مثله: صام وما صام، صام ممسكاً عن المفطرات المادية وما صام؛ لأنه لم يمسك عن المفطرات المعنوية؛ لذلك قال ﵊: «كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، وكم من قائم - أو مصل - ليس له من قيامه إلا السهر والنصب» أي: التعب. إذاً: فنرجو من الله ﵎ أن يلهمنا الصيام عن المفطرات بقسميها المادية والمعنوية، وأن يلهمنا أن تكون صلاتنا مقبولة عنده ﵎ تلك الصلاة التي تنهانا عن الفحشاء والمنكر. وبهذه المناسبة لا بد لي أن أذَكِّر بحديث من تلك الأحاديث الشائعة على الألسنة، والتي لا يصح بل لا يجوز نسبتها إلى النبي ﷺ لعدم ثبوتها، أولاً: من حيث مبناها، أي: من حيث إسنادها، وثانياً: من حيث درايتها ومعناها؛ ذلك الحديث هو: «من لم تَنْهَه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد بها من الله إلا بُعْداً» هذا الحديث قد يحلو لبعض الناس أن يسمعوه، وقد يطيب لهم معناه، غير منتبهين للمعنى المنكر المنطوي تحته؛ ذلك لأن هذا لو كان صحيحاً لدار الأمر بين هذا الذي يصلي ولا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر، وبين ذلك الذي لا يصلي مطلقاً، أن يكون هذا الذي لا يصلي مطلقاً أقرب عند الله من هذا الذي يصلي ولا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر، وهذا أمر باطل كالشمس في رابعة النهار بطلانه، أي: أن يكون الذي لا يصلي خيراً عند الله من الذي يصلي، ولكن صلاته لا تنهاه عن الفحشاء والمنكر. إذا لاحظتم هذا الحديث أنه يتضمن هذا المعنى الباطل، حينئذٍ يصح لنا أن نقول في اصطلاح علماء الحديث: هذا الحديث ضعيف سَنَداً باطل متناً، لماذا؟ لأنه يقول: لا يزداد بها من الله إلا بعداً .. دع يزداد بُعْداً، إذا ما يصلي هذه الصلاة التي

стр. 4134

يصليها ولا تنهاه عن الفحشاء والمنكر يزداد بها من الله بعداً، لا، ليقف إذاً ولا يصلي، هذا منكر وزور من القول لذلك أحببت أن أذكركم بأن هذا الحديث ضعيف سنداً باطل متناً. (الهدى والنور / ٦٩٢/ ٢٢: ١٢: ٠٠) (الهدى والنور / ٦٩٢/ ٠٩: ٢١: ٠٠) (الهدى والنور / ٦٩٢/ ٠٢: ٢٦: ٠٠) تمرين الصبيان على الصيام «كان يعظم يوم عاشوراء، حتى إن كان ليدعوا بصبيانه، وصبيان فاطمة المراضيع، فيقول لأمهاتهم: لا ترضعوهم إلى الليل، ويتفل في أفواههم، فكان ريقه يجزئهم». ضعيف. أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» - مضعفاً - «٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩/ ٢٠٨٩ و ٢٠٩٠»، وأبو يعلى في «مسنده» «١٣/ ٩٢/ ٦٢ - ٧١»، والطبراني في «المعجم الكبير» «٢٤/ ٢٧٧/ ٧٠٤»، و «الأوسط» «٣/ ٢٦٩ - ٢٧٠/ ٢٥٨٩» - والسياق له -، والبيهقي في «دلائل النبوة» «٦/ ٢٢٦» من طريق عليلة بنت الكُميت العتكية قالت: سمعت أمي أمينة تحدث عن أمة الله ابنة رزينة - وكانت أمها خادماً للنبي ﷺ قالت: سمعت أمي رزينة تقول: ... فذكره. وقال ابن خزيمة مترجماً للحديث: «باب استحباب ترك الأمهات إرضاع الأطفال يوم عاشوراء؛ تعظيماً ليوم عاشوراء إن صح الخبر؛ فإن في القلب من خالد بن ذكوان». ثم ساق هذا الحديث، ولم يتكلم على إسناده؛ لكن الظاهر من هذه الترجمة أنه يشير إلى تضعيفه، وهو معنى قول الحافظ في «الفتح» «٤/ ٢٠١»: «أخرجه ابن خزيمة، وتوقف في صحته، وإسناده لا بأس به» كذا قال خلافاً لإعلال شيخه الهيثمي إياه بقوله «٣/ ١٨٦»: «رواه أبو يعلى والطبراني في «الكبير» و «الأوسط» ولفظه ... ، وعليلة، ومن فوقها لم أجد من ترجمهن». وهو كما قال ﵀؛ إلا «رزينة»، فقد ذكروها في الصحابة، بهذا الإسناد وسكت عنه الحافظ في «الإصابة»، فأتعجب منه كيف قال فيه: «لا بأس به»؟ ! وهذا

стр. 4135

في جانب، وقول ابن خزيمة في الترجمة: «فإن في القلب من خالد بن ذكوان». في جانب آخر؛ فإن خالداً ثقة بلا خلاف؛ إلا ما في قول ابن خزيمة هذا من الغمز! فإنه ساق تحت الترجمة مباشرة - وقبل حديث الترجمة - حديثه عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: أرسل رسول الله ﷺ إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: «من كان أصبح صائماً؛ فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطراً؛ فليتم بقية يومه». فكنا بعد نصومه، ونصوم صبياننا الصغار، ونذهب بهم إلى المسجد، فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم؛ أعطيناه إياه حتى يكون عند الإفطار». وقد رواه الشيخان وابن حبان في «صحاحهم» وغيرهم من طريق خالد بن ذكوان عن الربيع به. ولعل ابن خزيمة إنما غمز من حديث خالد هذا؛ لقوله فيه: «فليتم بقية يومه» في حق من أصبح مفطراً، ففهم منه: فليتم بقية يومه مفطراً، وهو الظاهر؛ لكن الصواب فيه بلفظ: «فليصم بقية يومه».

стр. 4136

كما في رواية ابن حبان، وأحمد في رواية، وكذا الطبراني في «المعجم الكبير» «٢٤/ ٢٧٥/ ٧٠٠». ويشهد له عدة أحاديث صحيحة، منها حديث سلمة بن الأكوع مرفوعاً بلفظ ابن حبان المذكور. أخرجه البخاري ومسلم وابن خزيمة وابن حبان أيضاً وغيرهم، وهو مخرج مع الشواهد الأخرى في «الصحيحة» «٢٦٢٤» من المجلد السادس، وقد طبع والحمد لله. «فائدة»: قال الحافظ تحت حديث. «الربيع» «٤/ ٢٠١ - ٢٠٢»: «وفي الحديث حجة على مشروعية تمرين الصبيان على الصيام كما تقدم؛ لأن من كان في مثل السن الذي ذكر في الحديث غير مكلف، وإنما صنع لهم ذلك للتمرين. وأغرب القرطبي فقال: لعل النبي ﷺ لم يعلم بذلك، ويبعد أن يكون أمر بذلك؛ لأنه تعذيب صغير بعبادة غير متكررة في السنة وما قدمناه من حديث «رزينة» يرد عليه مع أن الصحيح عند أهل الحديث، وأهل الأصول أن الصحابي إذا قال: فعلنا كذا في عهد رسول الله ﷺ ؛ كان حكمه الرفع؛ لأن الظاهر اطلاعه ﷺ على ذلك، وتقريرهم عليه، مع توفر دواعيهم على سؤاله إياه عن الأحكام، مع أن هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه، فما فعلوه إلا بتوقيف. والله أعلم». قلت: وهذا هو الجواب والرد الصواب، وأما الرد عليه بحديث «رزينة» فليس بحجة؛ لضعفه - كما بينت -، فدر مع الحق حيث دار. السلسلة الضعيفة (١٤/ ٢/ ٥٤٩ - ٥٥١)

стр. 4137

صيام التطوع

стр. 4138

للصائم المتطوع إذا زار قوما، وقدموا له طعاما أن لا يفطر، ولكن يدعو لهم بخير عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ أتى أم حرام، فأتيناه بتمر وسمن فقال: «ردوا هذا في وعائه وهذا في سقائه فإني صائم». قال: ثم قام فصلى بنا ركعتين تطوعا، فأقام أم حرام وأم سليم خلفنا، وأقامني عن يمينه، - فيما يحسب ثابت - قال: فصلى بنا تطوعا على بساط، فلما قضى صلاته، قالت أم سليم: إن لي خويصة: خويدمك أنس، ادع الله له، فما ترك يومئذ خيرا من خير الدنيا والآخرة إلا دعا لي به ثم قال: اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه، قال أنس: فأخبرتني ابنتي أني قد رزقت من صلبي بضعا وتسعين، وما أصبح في الأنصار رجل أكثر مني مالا، ثم قال أنس: يا ثابت، ما أملك صفراء ولا بيضاء إلا خاتمي». [ذكر الإمام من فوائد الحديث]: أن للصائم المتطوع إذا زار قوما، وقدموا له طعاما أن لا يفطر، ولكن يدعو لهم بخير، ومن أبواب البخاري في الحديث: «باب من زار قوما ولم يفطر عندهم». السلسلة الصحيحة (١/ ١/ ٢٦٩) رجل صائم في الست من شوال قام بعض أصحابه بدعوته على طعام، فهل يجب عليه أن يفطر ؟ الملقي: هو بدّه يسأل بالنسبة للستة أيام من شوال، إنه واحد صايم هاديك النهار، وبعدين واحد صاحب له وقدم له الطعام فبيقول يعني: هل يجب عليه أن يُفْطِر، أن يأكل من هذا الطعام؟ الشيخ: أما وجوباً فلا.

стр. 4139

الملقي: فلا. الشيخ: أما استحباباً فبلى. الملقي: إيه، الحمد لله رب العالمين. (الهدى والنور / ٦٧٩/ ٤٠: ٤٤: ٠٠) من كان صائما متطوعا فأفطر، فالقضاء في حقه مستحب روي عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: أهدي لي ولحفصة طعام، وكنا صائمتين، فأفطرنا، ثم دخل رسول الله ﷺ ، فقلنا له: يا رسول الله! إنا أهديت لنا هدية، فاشتهيناها فأفطرنا؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا عليكما، صوما مكانه يوماً آخر». ضعيف. [قال الإمام]: ثم إن الحديث لو صح؛ فهو محمول على الاستحباب. ومما يشهد له: قوله ﷺ لأحد أصحابه - وقد دعي إلى الطعام وهو صائم -: «أفطر، وصم مكانه يوماً إن شئت»؛ وهو حديث ثابت. السلسلة الضعيفة (١١/ ١/ ٣٤٠). هل التطوع يَجْبُر الفطر عمدًا ؟ ! سؤال: من أفطر متعمدا هل ينفعه صيام التطوع، حيث لا دليل على قضاء الفطر المُتَعَمَّد؟ الجواب: لا شك أنه ينفعه، كالذي كان قد ضَيَّع كثيرا من الفرائض فينفعه أن يُعَوِّض مما فاته بصلاة النوافل.

стр. 4140

كذلك الذي .. أفطر متعمدا، فلا سبيل له إلى القضاء، وهو آثم أشد الإثم حتى يتوب إلى الله توبةً نصوحا، وليعوض ما فاته من الحسنات بسبب إفطاره، فيُكْثِر من النوافل حتى يعوض شيئًا مما فاته. (الهدى والنور /١٩/ ١٠: ١٠: .. ) أفضل الصوم بعد الفريضة السؤال: إذا صام الاثنين والخميس هذا أفضل، أم صيام داود أفضل؟ الشيخ: ماذا تعني بالأفضل؟ مداخلة: الأفضل الأحسن، أيهما أفضل. الشيخ: من هما. مداخلة: صيام الاثنين والخميس، أم صيام داود؟ الشيخ: لا، صيام داود، فيه عندك نص أن صيام الاثنين والخميس أفضل؟ مداخلة: لا. الشيخ: إذاً: سؤال ساقط .. ما دام أنه ليس عندك نص أن صوم الاثنين والخميس أفضل الصيام، وعندك على العكس نص بخلاف ذلك. انتهى بحثنا أنه يجوز نحن أتباع محمد ﵇ يكون صيامنا إذ صمنا يوماً وأفطرنا يوماً يكون الوقت الذي هو صوم داود ﵇، ممكن يكون أفضل من صوم داود ﵇، لماذا؟ لأنه من الممكن أنه لم يكن في شرع داود ﵇ النهي عن صيام أربعة أيام العيد، بل يمكن ما في عنده عيد أضحى وعيد فطر، وما في عنده النهي عن صيام يوم الجمعة، نحن في عندنا هذه المناهي، فمن جمع بين الإتيان بالمأمور به والانتهاء عن المنهي عنه، يكون أفضل من ذاك الذي اقتصر فقط على الإتيان بما أُمِر به. ونحن حينئذٍ: لما نضم إلى طريقة صيام يوم وإفطار يوم الذي هو صيام داود، اجتناب المناهي من الأيام كيوم الجمعة ويوم السبت، يكون صيامنا أفضل من متابعتنا

стр. 4141

وسرد الصيام يوم إيه ويوم لا، ولو كان اليوم الصوم الإيجابي وقع يوم الجمعة، ولم يتقدمه يوم الخميس، ما يكون هذا هو الأفضل، أي سرد الصيام على مذهب داود ﵇ .. وإنما الأفضل أن نسرد الصيام على مذهب محمد ﵊، وفيه أمر وفيه نهي، فحيث ما أُمِرْنا به ائتمرنا، وحيث ما نهينا عنه انتهينا. (الهدى والنور /١٤٤/ ٢٨: ٠٤: ٠٠)

стр. 4142

الأيام المستحب صيامها

стр. 4143

هل لغير رمضان وعاشوراء فضيلة في صيامه على باقي الأيام ؟ [روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «ليس ليوم فضل على يوم في الصيام إلا شهر رمضان ويوم عاشوراء». منكر. أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» «٣/ ٢١٥ / ٢» والطحاوي في «معاني الآثار» «١/ ٣٣٧» وأبو سهل الجواليقي في «أحاديث ابن الضريس» «١٨٩/ ٢» ومن طريقه أبو مطيع المصري في «الأمالي» «٩٥/ ١» وابن عدي «٢٥٠/ ١» أيضا والخطيب في «الأمالي بمسجد دمشق» «٤/ ٦ / ٢» من طريق عبد الجبار بن الورد عن ابن أبي مليكة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس مرفوعا. قلت: وهذا إسناد ضعيف، ورجاله ثقات كما قال المنذري في «الترغيب» «٢/ ٧٨» والهيثمي في «المجمع» «٣/ ١٨٦»، ولكن عبد الجبار بن الورد في حفظه ضعف كما أشار لذلك البخاري بقوله: يخالف في بعض حديثه. وقال ابن حبان: يخطيء ويهم. وأنا لا أشك أنه أخطأ في رواية هذا الحديث لأمرين: الأول: أنه اضطرب في إسناده فمرة قال: عن ابن أبي مليكة، كما في هذه الرواية ومرة أخرى قال: عن عمرو بن دينار، رواه الطبراني، وهذا يدل على أنه لم يحفظ. الآخر: أنه قد خولف في متن هذا الحديث فرواه جماعة من الثقات عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس قال: ما رأيت النبي يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان. رواه البخاري «٤/ ٢٠٠ - ٢٠١» ومسلم «٣/ ١٥٠ - ١٥١» وأحمد «رقم ١٩٣٨، ٢٨٥٦، ٣٤٧٥» والطحاوي والطبراني والبيهقي «٤/ ٢٨٦» من طرق عن عبيد الله به، وأحد أسانيده عند أحمد ثلاثي. فهذا هو أصل الحديث، وهو كما ترى من قول ابن عباس ولفظه بناء على ما علمه من صيامه ﷺ ، فجاء عبد الجبار هذا فرواه مرفوعا من قول النبي ﷺ ، وشتان ما بين الروايتين، فإن هذه الرواية الضعيفة تتعارض مع الأحاديث الأخرى التي تصرح بأن لبعض أيام أخرى غير يوم عاشوراء فضلا على سائر الأيام كقوله ﷺ : «صوم يوم عرفة يكفر السنة الماضية والباقية». رواه مسلم

стр. 4144

«٣/ ١٦٨» وغيره عن أبي قتادة، وهو مخرج في «الإرواء» «٩٥٥» فكيف يعقل مع هذا أن يقول ﵇ ما رواه عنه عبد الجبار هذا؟ ! . أما الرواية الصحيحة لحديث ابن عباس، فإنما فيها إثبات التعارض بين نفي ابن عباس فضل يوم غير عاشوراء وإثبات غير كأبي قتادة، وهذا الأمر فيه هين؛ لما تقرر في الأصول: أن المثبت مقدم على النافي وإنما الإشكال الواضح أن ينسب النفي إلى النبي ﷺ مع أنه قد صرح فيما صح عنه بإثبات ما عزي إليه من النفي. ومما تقدم تبين أن لا إشكال، وأن نسبة النفي إليه ﷺ وهم من بعض الرواة، والحمد لله على توفيقه. السلسلة الضعيفة (١/ ٤٥٣ - ٤٥٥). عاشوراء هو اليوم العاشر من محرم [روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «عاشوراء يوم التاسع». موضوع. [قال الإمام]: وأما أن متنه موضوع؛ فواضح من تواتر أنه اليوم العاشر في أحاديث عدة في صيامه ﷺ يوم عاشوراء، وأمره به، والحض عليه، وبيان فضل صيامه، وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة، كلها مجمعة على أن عاشوراء هو يوم العاشر من محرم الحرام. السلسلة الضعيفة (٨/ ٣٠٩) وراجع هناك تمام البحث. صوم عاشوراء كان في أول الأمر فرضًا «أذن في قومك أو في الناس يوم عاشوراء: من [كان] أكل فليصم بقية يومه [إلى الليل]، ومن لم يكن أكل فليصم». [ذكر الإمام من فوائد الحديث]: أن صوم يوم عاشوراء كان في أول الأمر فرضا، وذلك ظاهر في الاهتمام به الوارد فيه، والمتمثل في إعلان الأمر بصيامه، والإمساك عن الطعام لمن كان أكل فيه، وأمره

стр. 4145

بصيام بقية يومه، فإن صوم التطوع لا يتصور فيه إمساك بعد الفطر كما قال ابن القيم ﵀ في «تهذيب السنن» «٣/ ٣٢٧». وهناك أحاديث أخرى تؤكد أنه كان فرضا، وأنه لما فرض صيام شهر رمضان كان هو الفريضة كما في حديث عائشة عند الشيخين وغيرهما، وهو مخرج في «صحيح أبي داود» برقم «٢١١٠». السلسلة الصحيحة (٦/ ١/ ٢٥١). عاشوراء إنما هو اليوم العاشر لا التاسع عَنِ الْحَكَمِ بْنِ الْأَعْرَجِ، قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ رِدَاءَهُ فِي زَمْزَمَ، فَقُلْتُ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: «إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ فَاعْدُدْ، وَأَصْبِحْ يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِمًا»، قُلْتُ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُهُ قَالَ: «نَعَمْ». [قال الإمام]: ظاهره أن يوم عاشوراء هو التاسع وأن النبي ﷺ صام التاسع وكلاهما غير مراد، بدليل الأحاديث الأخرى، بعضها عن ابن عباس نفسه قال: «حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله ﷺ : فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ ، رواه مسلم، وهو من الأحاديث التي تركها المصنف ولم يوردها في هذا المختصر، فهذا صريح في أن عاشوراء ليس هو التاسع، وأنه ﷺ مات ولم يصمه، ولذلك فلا بد من تأويل حديث الباب، وأحسن ما رأيت فيه قول البيهقي في السنن «٤/ ٢٨٧»: وكأنه ﵁ أراد صومه مع العاشر، وأراد بقوله: في الجواب «نعم» ما روى عن عزمه ﷺ على صومه. والذي يبين هذا، ثم ذكر بسنده الصحيح عن ابن عباس قال: «صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود». [التعليق على مختصر صحيح مسلم ص ١٦٣]

стр. 4146

حكم التوسعة يوم عاشوراء [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: قوله تحت عنوان: التوسعة يوم عاشوراء: «عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: «من وسع على نفسه وأهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته». رواه الب يهقي في «الشعب» وابن عبد البر وللحديث طرق أخرى كلها ضعيفة ولكن إذا ضم بعضها إلى بعض ازدادت قوة كما قال السخاوي». قلت: هذا رأي السخاوي ولا نراه صوابا لأن شرط تقوي الحديث بكثرة الطرق وهو خلوها من متروك أو متهم لم يتحقق في هذا الحديث فانظر مثلا حديث جابر هذا فإن له طريقين: الأول: عن محمد بن يونس: حدثنا عبد الله بن إبراهيم الغفاري: حدثنا عبد الله بن أبي بكر ابن أخي محمد بن المنكدر عن محمد بن المنكدر عنه. أخرجه البيهقي. فهذا إسناد موضوع من أجل محمد بن يونس - وهو الكديمي - فإنه كذاب قال ابن عدي: «قد اتهم الكديمي بالوضع». وقال ابن حبان: «لعله قد وضع أكثر من ألف حديث». وشيخه عبد الله بن إبراهيم الغفاري قال الذهبي: «وهو عبد الله بن أبي عمرو المدني يدلسونه لوهنه نسبه ابن حبان إلى أنه يضع الحديث وذكر له ابن عدي في فضل أبي بكر وعمر حديثين وهما باطلان تال الحاكم: يروي عن جماعة من الضعفاء أحاديث موضوعة».

стр. 4147

قلت: وهذا منها فإن شيخه عبد الله بن أبي بكر ابن أخي محمد بن المنكدر ضعيف كما في «الميزان». وأما الطريق الثاني فأخرجه ابن عبد البر في «الاستذكار» من طريق أبي الزبير عنه وهذه الطريق مع أنها أصح طرق الحديث - كما قال السيوطي في «اللآلئ: ٢/ ٦٣» فقد قال فيها الحافظ ابن حجر: «هذا حديث منكر جدا». كما نقله السيوطي نفسه عنه ولم يتعقبه بشيء وقد حمل فيه الحافظ على الفضل بن الحباب وقال: «لعله حدث به بعد احتراق كتبه». قلت: وفيه علة أخرى وهي عنعنة أبي الزبير فإنه مدلس وقد أورده في «المدلسين» الحافظ وابن العجمي وقالا: «إنه مشهور بالتدليس». وهكذا سائر طرق الحديث مدارها على متروكين أو مجهولين ومن الممكن أن يكونوا من أعداء الحسين ﵁ الذين وضعوا الأحاديث في فضل الإطعام والاكتحال وغير ذلك يوم عاشوراء معارضة منهم للشيعة الذين جعلوا هذا اليوم يوم حزن على الحسين ﵁ لأن قتله كان فيه. ولذلك جزم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بأن هذا الحديث كذب وذكر أنه سئل الإمام أحمد عنه فلم يره شيئا وأيد ذلك بأن أحدا من السلف لم يستحب التوسعة يوم عاشوراء وأنه لا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة وقد فصل القول في هذا في «الفتاوى» ٢/ ٢٤٨ - ٢٥٦ فراجعه وقد نقل المناوي عن المجد اللغوي أنه قال: «ما يروى في فضل صوم يوم عاشوراء والصلاة فيه والإنفاق والخضاب والادهان والاكتحال بدعة ابتدعها قتلة الحسين ﵁». [تمام المنة ص (٤١٠)] إذا تعارض صيام عاشوراء مع إجابة الدعوة مداخلة: أستاذ، على فرض أنه عاشوراء، صيام عاشوراء، وشخص عزيز

стр. 4148

دعاك إلى دعوة على غداء، وإذا لم تُلَبِّ يزعل، فهل تُلَبِّي أو تُكْمِل صيامك؟ الشيخ: إذا ما لبيته يزعل؟ مداخلة: يزعل. الشيخ: لَبِّه، لكن إذا كان ما فيه محظور، ما فيه زعل من الرجل الداعي فيُدْعَى له فقط، ويُتِم صيامه. مداخلة: إذاً: عاشوراء مثل هذه النوافل. الشيخ: نافلة، لكن لها فضيلة خاصة. سؤال: بالتالي تلبية الدعوة، يعتبرها واجب؟ الشيخ: أي نعم. مداخلة: إذا دعاك المسلم فالواجب أن تُلَبِّي دعوته، فأصبح الواجب مقدم على النافلة. الشيخ: هذا هو، لكن إذا قبل هو العذر فيدعو له، ويستغفر له، ما قَبِل، يستجيب. (الهدى والنور / ٢٥٧/ ١٠: ٠٤: ٠٠) صيام تاسوعاء وعاشوراء مداخلة: صيام التاسع والعاشر، هل يجب أن نصوم العاشر والتاسع؟ الشيخ: هل يجب، ماذا؟ مداخلة: أن نصوم التاسع. الشيخ: إذا كنت تعني ما تقول، يا أخي. مداخلة: نعم.

стр. 4149

الشيخ: وهو الوجوب الشرعي، فالجواب: أن أصل صيام عاشوراء فضلاً عن تاسوعاء، ليس واجباً، وإنما هو من الأمور المستحبَّة. اسمع .. أنت عليك أنك تسمع الجواب وتنتبه؛ حتى تفهمه: أنا أقول: أنت قلت: هل هو واجب؟ فأنا أجيبك: أن الواجب شرعاً هو الذي لا يجوز تركه، ويعاقب تاركُه، فَلَفَتُّ نظرك إلى أن صيام عاشوراء فضلاً عن التاسوعاء، ليس فرضاً. مداخلة: نعم فهمت، فهمت. الشيخ: وإنما هو أمر مستحب، لكن هذا الاستحباب على درجتين: الأولى وهي العُلْيَا: أن يصوم عاشوراء وقبلها تاسوعاء. والمرتبة الثانية وهي الدنيا: أن يصوم عاشوراء لوحدها. مداخلة: الله يحفظكم وجزاكم الله خيرًا. الشيخ: وإياك، إن شاء الله. (الهدى والنور /٣٣٧/ ١٣: ٤٩: ٠٠) إذا وافق يوم عاشوراء يومًا منهيًا عن صيامه الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. بمناسبة صوم يوم عاشوراء، واختلاف الرزنامات أو المفكرات في تحديد يوم عاشوراء، ما بين يوم الجمعة وما بين يوم السبت وليس من المهم الآن أن نبحث عن سبب هذا الاختلاف؛ لأنني سأدير كلمتي أو سانحتي التي سنحت لي -آنفاً- حول موضوع صيام يوم عاشوراء، إذا صادف يوماً منهياً عن صيامه، فسواء كان يوم عاشوراء

стр. 4150

يوم الجمعة، وهو منهي عن صيامه وحده، أو صادف يوم السبت، وهو منهي عن صيامه نهياً مطلقاً سواء اقترن معه يوم قبله أو بعده، إلا فيما فرض الله . فخطر في بالي الحديث التالي والتعليق عليه، الحديث التالي مما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي قتادة الأنصاري -رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﷺ سُئِلَ عن صوم يوم عاشوراء فقال: «ذاك يومٌ صيامه يُكَفِّر السنة الماضية»، فسئل عن صيام يوم عرفة فقال: «يكفر السنة الماضية والسنة الآتية». فقيل له: ما تقول في صوم يوم الاثنين قال: «ذاك يوم وُلدت فيه، ويوم بعثت فيه»، وفي لفظ: «نزل القرآن فيه». فجملة هذا الحديث التنصيص على فضيلة صيام ثلاثة أيام: يوم في كل أسبوع، ألا وهو يوم الاثنين، ويومان في كل سنة ألا وهو يوم عاشوراء ويوم عرفة. فالذي خطر في بالي التنبيه عليه أن هذه الأيام الثلاثة الفاضلة، والفضيلة ترى إذا صادفت يوماً نهى الشارع الحكيم عن صيامه لأمر عارض، فهل نظل على الأصل الذي هو فضيلة صيام هذه الأيام الثلاثة، أم نخرج عن هذه الفضيلة إذا ما عرض لذلك اليوم عارض من نهي، عارض من نهي، هنا تُحَلَّ المشكلة التي تغيب عن أذهان كثير من الناس في مثل هذه المناسبة. يوم عاشوراء إذا كان يوم السبت، فيوم السبت قد قال ﵊ في الحديث الصحيح: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، ولو لم يجد أحدكم إلا لحاء شجرة فليمضغه». الشاهد أن النبي ﷺ نهى في هذا الحديث الصحيح عن صيام يوم السبت مطلقاً إلا في الفرض، وذلك لا يكون إلا فيما فرضه الله كشهر رمضان إما أداء وإما قضاء، وإلا مع احتمال الخلاف والنزاع فيما نذره المسلم إذا نذر أن يصوم شهراً كاملاً، أو أن يصوم أسبوعاً كاملا، صار فرضاً عليه لزاماً أن يصوم هذا الشهر أو هذا الأسبوع، أما فيما لم يُفْرَض عليه مثل ما نحن فيه الآن صيام عاشوراء، عرفتم أنه يكفر السنة الماضية ولكن ليس فرضاً، كذلك عرفة قد يصادف عرفة أن يكون

стр. 4151

يوم السبت، هل هذا يصام؟ لا يُصام إلا فيما افتُرِض عليكم، حديث صريح، يوم الاثنين إذا صادف يوم عيد كما صادف في العيد الماضي يوم خميس، ويوم الخميس -أيضاً- من الأيام الفاضلة التي حض الشارع الحكيم على صيامها -أيضاً-، فإذا صادف يوم عيد يوم الاثنين، أو يوم الخميس فهل نُغَلِّب الفضيلة على النهي، أم النهي على الفضيلة؟ تحل المشكلة بقاعدة علمية فقهية أصولية وهي: «إذا تعارض حاظر ومبيح، قُدِّم الحاظر على المبيح». إذا تعارض نَصَّان هذه قاعدة مهمة جداً، نهى عن كذا أو فعل كذا، نهى أن يتزوج بأربع وتزوج بأكثر من أربع، نهى عن الشرب قائماً وشرب قائماً، أشياء كثيرة وكثيرة جداً، يُغَلَّب الحاظر على المبيح، الآن هنا أمامنا مشكلة: إذا كان يوم عاشوراء يوم السبت فلا يصام؛ لأنه ليس فرضاً، فكما عالجنا مشكلة مطابقة يوم الاثنين أو الخميس ليوم عيد علينا النهي على فضيلة الصيام؛ لأنه عرض هذا النهي فقلنا: لا نصوم يوم الاثنين ولا يوم الخميس إذا وافق يوم عيد، كذلك لا نصوم يوم السبت إذا وافق يوم فضيلة، كثيراً ما نُسْأَل قد يصادف إنسان يصوم أفضل الصيام بنص حديث الرسول: صيام داود ﵇ يصوم يوماً ويفطر يوماً، فقد يصادف يوم سبت فيسأل: هل يصومه؟ نقول: لا، لماذا؟ لأنه ليس فرضاً. إذًا دعوا: كذلك يصادف يوم من الأيام البيض يصادف يوم سبت، هل نصومه؟ الجواب: لا، وهكذا خذوها قاعدة واستريحوا: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» فإذا اعترض عليكم معترض فأتوه من باب العيد ولا محيص له عنه إطلاقاً، لا يستطيع أحد أبداً أن يؤثر صيام يوم العيد إذا صادف يوم فضيلة كيوم الاثنين ويوم الخميس، ماذا يفعل هنا المعترض إذا كان عالماً يرجع على عقبيه يقول: ما نصومه، لماذا؟ لأن الرسول نهى عن صيام يوم العيد. إذًا: قَدّم النهي على الفضيلة، هذه قاعدة مطردة فاستريحوا. هذا الذي أردت أن أُذَكِّر به بمناسبة حديث أبي قتادة الذي جمع فيه فضيلة ثلاثة أيام، كيف تعالج هذه الفضائل إذا ما تعارضت مع نهي؟ النهي يُقَدّم على الفضل،

стр. 4152

لكن قد ذكرت سابقاً، وأعيد التذكير والذكرى تنفع المؤمنين وبه أُنْهي هذه الجلسة التي هي خاصة بي أنا، فأقول: أقول: قال ﵊: «من ترك شيئاً لله، عوضه الله خيراً منه». فالمسلم الذي ترك صيام يوم الاثنين أو صيام يوم الخميس؛ لأنه صادف نهياً، هل ترك صيام هذا اليوم أو ذاك عبثاً؟ أم تجاوباً مع الشرع الحكيم مع طاعة رسوله الكريم؟ مع طاعته ﵊؟ إذًا: هو ترك صيام هذا اليوم لله فهل يذهب عبثاً؟ الجواب: لأن النبي ﷺ قال: «من ترك شيئاً لله، عوضه الله خيراً منه»، فأرجوا أن تحفظوا عني هاتين الكلمتين: من عارضكم كيف نترك صيام يوم عاشوراء مع أنه يُكَفِّر السنة، ويوم عرفة يكفر السنتين من أجل هذا الحديث، يا أخي هذا حديث غريب، هذا حديث شاذ، هذا الحديث صحيح، وكل من يُضَعِّفه فهو الضعيف المُضَعَّف؛ لأنه يُضَعِّف بدون علم، فالشاهد: فمن عارضكم عارضوه: لماذا لا تصوم يوم الخميس يوم الاثنين يوم العيد؟ يقول: لأنه نهى عن صوم يوم العيد، جوابنا هو جوابك تماماً، ولنحفظ الأمر الثاني وهو حديث الرسول: «من ترك شيئاً لله، عوضه الله خيراً منه»، نحن واقعنا الآن أو اليوم بالنسبة لعاشوراء. إن كان يوم عاشوراء يوم الجمعة كما هو التقويم الأردني فنحن إذًا سنصوم غداً؛ لأننا صمنا يوم الخميس، فإذًا أدركنا كفارة سنة، وإن كان كما جاءنا أن السعوديين أو السعودية بأن عاشوراء هو يوم السبت فنحن تركناه وما .. مداخلة: الأردن السبت والسعودية .. الشيخ: أصبت، على كل حال فنحن كما أقول أنا المثل الشامي مثل المنشار بياكل على الطالع وعلى النازل. فنحن ربحانين سواء كان عاشوراء غداً أو بعد غدٍ؛ لأنه إن كان عاشوراء غداً فنحن سنصومه لأننا قدمنا قبل يوم الجمعة يوم الخميس، وإن كان بعد غد فنحن تركناه لله، وسيعوضنا الله خيراً منه.

стр. 4153

هذا الذي أردت أن أُذَكِّركم به وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. (الهدى والنور / ٤٩٩/ ٤٥: ٤٠: ٠٠) فضل صيام الأيام البيض [قال رسول الله ﷺ ]: «إن كنت صائما فصم أيام الغر. يعني الأيام البيض». [ترجم له الإمام بقوله: فضل صيام الأيام البيض]. السلسلة الصحيحة (٤/ ٩٣). هل كان النبي ﷺ يصوم الخميس من أول الشهر والاثنين الذي يليه والاثنين الذي يليه [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: قوله: «وأنه ﵇ كان يصوم الخميس من أول الشهر والاثنين الذي يليه والاثنين الذي يليه». قلت: لم أجد هذا في شيء من كتب السنة ولم يذكره ابن القيم في «هديه ﷺ في صيامه». فأخشى أن يكون هذا الحديث انقلب على المؤلف أو غيره فإن المعروف في السنة أنه ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر: يوم الاثنين من أول الشهر والخميس الذي يليه ثم الخميس الذي يليه. أخرجه النسائي ١/ ٣٢٨ وغيره وهو مخرج في «صحيح أبي داود» ٢٠١٧/ ١ من حديث ابن عمر وهو وأبو داود وأحمد عن بعض أزواج النبي ﷺ -

стр. 4154

وسنده حسن. [تمام المنة ص (٤١٥)] هل تطبيق النبي ﷺ وفعله لصيام الاثنين والخميس يُقَدَّم على ما ورد عنه من قوله: (أفضل الصيام صيام داود) مداخلة: يسأل السائل فيقول: هل تطبيق النبي ﷺ وفعله لصيام الاثنين والخميس يُقَدَّم على ما ورد عنه من قوله: «أفضل الصيام صيام داود» بحجة أن النبي لا يترك الأفضل؟ الشيخ: لا، هذا الكلام واهي، قد يكون الأفضل بالنسبة للرسول ﵇ ترك العبادة من أصلها بياناً للشريعة، وله مثل أجر تلك العبادة التي قام بها القائم بها. وهذا يذكّرني بشيء قلته في مناسبة تعليقي على من لم يفهم قوله ﵇ فهماً صحيحاً ألا وهو: «لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افتُرض عليكم، ولو لم يجد أحدكم إلا لحاء شجرة فليمضغه». أشكل هذا الحديث على كثير من الناس قديماً وحديثاً، ونحن لا علاقة لنا بالقدماء لأننا لا نستطيع أن نتبادل الكلام معهم، لكننا نستطيع أن نتبادل الكلام مع بعض الأحياء وليس مع كل الأحياء. نستطيع أن نتبادل الكلام حول هذا الحديث مع بعض الأحياء، وليس مع كل الأحياء؛ لأن البعض الآخر من الأحياء هم كالأموات، ولذلك لا أعني هؤلاء وإنما أعني البعض الأول .. فنقول أو قد قلته لبعض هؤلاء حينما استشكلوا عموم هذا الحديث، فسلطوا عليه الأحاديث الأخرى التي فيها بيان فضيلة صوم يوم الاثنين ويوم الخميس، ويوم عاشوراء، ويوم عرفة، ويوم من أيام البيض الثلاثة، فقالوا: لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، وإلا في كذا وكذا وكذا، استثنوا الأيام التي يُستحب الصوم فيها.

стр. 4155

لا أُريد إطالة الحديث في هذا الصدد، وإنما أريد فقط تأكيد ما أجبت آنفاً بأن النبي ﷺ الذي كان لا يصوم يوماً ويفطر يوماً، ليس معنى ذلك أنه ليس له أجر ذلك الصيام الذي لم يفعله. ممكن أن نعتقد أكثر من ذلك، ممكن أن النبي ﷺ إذا أفطر يوماً من الأيام أن يكون له أجر صيام ذلك اليوم من الأيام، لماذا؟ لأنه أفطر لغاية شرعية، وهو بيان الشريعة للأمة، ونحن نقتدي بنبينا ﵇ وهنا الشاهد، فحينما يأتي صوم من الأيام السابقة الذكر اثنين أو خميس، أو عاشوراء، أو عرفة، أو من أيام البيض .. يأتي فيصادف يوم السبت، فندع صيام هذا السبت، لهذا الحديث، فنحن نأمل من الله أن يكتب لنا صيام ذلك اليوم مع أننا لم نصمه، أظن عمركم لم تسمعوا بهذا الكلام! فاسمعوه اليوم وفي آخر الزمان، نأمل من الله أن يكتب لنا صيام يوم عاشوراء أو يوم عرفة الذي لم نصمه، لماذا؟ لأنه صادف يوم السبت، ما الذي حملك على هذا الطمع في فضل الله ، لعلمي بأن العلماء يقولون إن الرسول صام أو أفطر، صلى أو ما صلى فأجره مكتوب له لأنه بيان للشريعة، نحن نقول حينما نفطر يوم السبت وصادف يوماً من تلك الأيام الفاضلة، نرغب من الله ونطمع في فضله أن يكتب لنا صيام ذلك اليوم، مع أننا «انقطاع في الصوت» استنباطي وقد لا يعقله الكثيرون، لكني سآتي بدليل هو مفصّل تفصيلاً فيما نحن فيه تماماً، ألا وهو قوله ﵇: «من ترك شيئاً لله، عوضه الله خيراً منه» نحن إذاً: تركنا صوم يوم عرفة أو عاشوراء؛ لموافقته ليوم السبت، لماذا؟ لأن الرسول قال: «إلا فيما افتُرض عليكم» وهذا ليس فرضاً؛ فتركناه لله فإذاً: الله يُعَوِّضنا خيراً منه، أظن أخذت الجواب ومضاعفاً أيضاً، وليس فقط هو. (الهدى والنور / ٢١٥/ ٢٠: ٥٥: ٠٠) (الهدى والنور / ٢١٥/ ٥٢: ٥٧: ٠٠)

стр. 4156

فضيلة صيام يوم الاثنين السائل: هل ورد حديث أن النبي ﵊، كان يحب يوم الاثنين دون الأيام، حيث أنه كان يصوم فيه ويقول فيه، يعني: «ترفع الأعمال» وفيه «ولدت فيه» يعني هذا اليوم. الشيخ: أي نعم. (الهدى والنور ٤٣١/ ٠٠: ٥٣: ٤٧) السنة في صيام الست من شوال التتابع أم التفرق ؟ مداخلة: أيهما أفضل في تطبيق السنة في صيام الأيام الستة متتابعة أم يعني متفرقة خلال شهر شوال؟ الشيخ: متتابعة. مداخلة: نعم بالأصل، يعني؟ الشيخ: إيه نعم، لكن عليه أن يجتنب صيام يوم الجمعة والسبت. مداخلة: يعني يسبقه يوم يعني. الشيخ: عليه أن يجتنب صيام يوم الجمعة والسبت. مداخلة: بعرف، إلا أن يسبق يوم قبله أو بعده؟ الشيخ: شو اللي بِدّه يسبق يا شيخ، أنا بقول لك: عليه أن لا يصوم الجمعة والسبت، شو بِدّه يسبق؟ مداخلة: هذا الصيام المتتابع الستة بتقصد. الشيخ: ولا. عن أيش أنت بتحكي؟ مداخلة: نفسهم بس أنا.

стр. 4157

الشيخ: وأنا نفسهم، أنت نفسهم وأنا نفسهم. مداخلة: يعني: في الحالة هذه أتجنبهم يعني. الشيخ: وإلا إيه؟ مداخلة: كونهن مربوطات، فهون الذي كان أعرفه كذا يجوز. الشيخ: معرفتك هي بِدّها شطب كبير، وبدها تصفية، نعم. مداخلة: كذلك صيام الثلاثة أيام في الشهر. الشيخ: كذلك كل الأيام التي بيجي فيها جمعة وسبت يجتنب. مداخلة: طيب، بالنسبة لصيام ثلاثة أيام في الشهر يكونوا كذا متفرقات أم متتابعاً أفضل؟ الشيخ: يا أخي -الله يهديك- هَلَّا أعطيتك الجواب. مداخلة: المسألة غير مسألة الأيام الستة هذه. الشيخ: أعطيتك الجواب عن الأيام الثلاثة، ثلاثة وسط الشهر يجتنب الجمعة والسبت. مداخلة: بس أنا اللي قاصده أنه يكون هم ثلاثة مجتمعة، وإلا متفرقة أفضل؟ الشيخ: أيهم الله يهديك، أيهم ذول؟ مداخلة: صيام ثلاثة أيام في الشهر، معروفة؟ الشيخ: وُلَكْ حبيبي، هذول ثلاثة أيام: إن كان بيصوم ثلاثة أيام البيض هذول ما بيتفرقوا، إلا إذا جاء جمعة وسبت. أما إذا جاء ثلاثة أيام من كل شهر بدون ما يقصد أيام البيض، فحينئذٍ يقال فيها مثل ما قلنا عن الستة تبع شوال، يعني: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، لكن إذا جاء جمعة وسبت فلا يُصَامان. (الهدى والنور /٣٢٥/ ٤٨: ٢٧: ٠٠)

стр. 4158

الصيام المنهي عنه

стр. 4159

حكم صيام رجب كاملاً روى أحمد عن خرشة بن الحر قال: «رأيت عمر يضرب أكف المترجبين حتى يضعوها فى الطعام ويقول: كلوا فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية». صحيح. وليس هو في «المسند» للإمام أحمد , فهو فى بعض كتبه الأخرى التى لم تصل إلينا. وبإسناده عن ابن عمر أنه: «كان إذا رأى الناس وما يعدونه لرجب كرهه وقال: صوموا منه وأفطروا» «ص ٢٣٠».صحيح. أخرجه ابن أبى شبة «٢/ ١٨٢/٢»: وكيع عن عاصم بن محمد عن أبيه قال: فذكره دون قوله: «صوموا منه وأفطروا». قلت: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين. ولم أقف الآن على سند أحمد لنعرف منه صحة هذه الزيادة «صوموا وأفطروا» وإن كان يغلب على الظن صحتها, وهى نص على أن نهى عمر رضى الله عنه عن صوم رجب المفهوم من ضربه للمترجبين كما فى الأثر المتقدم ليس نهيا لذاته بل لكى لا يلتزموا صيامه ويتموه كما يفعلون برمضان, وهذا ما صرح به بعض الصحابة, فقد أورد ابن قدامة فى «المغنى» «٣/ ١٦٧» عقب أثر ابن عمر هذا من رواية أحمد عن أبى بكرة: «أنه دخل على أهله, وعندهم سلال جدد وكيزان, فقال: ما هذا؟ فقالوا: رجب نصومه, فقال: أجعلتم رجب رمضان؟ ! فأكفأ السلال وكسر الكيزان». ثم قال ابن قدامة عقبه: «قال أحمد: من كان يصوم السنة صامه, وإلا فلا يصومه متواليا, يفطر فيه, ولا يشبه برمضان». ويظهر أن رأى ابن عمر فى كراهة صوم رجب كله كان شائعا عنه فى زمانه وأن بعض الناس أساء فهما عنه فنسب إليه أنه يقول بتحريم هذا الصوم, فقد قال عبد الله مولى أسماء بنت أبى بكر: «أرسلتنى أسماء إلى عبد الله بن عمر فقالت: بلغنى أنك تحرم أشياء ثلاثة: العلم فى الثوب, وميثرة الأرجون, وصوم رجب كله! فقال لى عبد الله: أما ما ذكرت من رجب فكيف بمن يصوم الأبد ... ». أخرجه مسلم «٦/ ١٣٩» وأحمد «١/ ٢٦». وعليه يشكل قوله فى هذه الرواية: «فكيف بمن

стр. 4160

يصوم الأبد» , فقد فسروه بأنه إنكار منه لما بلغ أسماء من تحريمه, وأخبار منه أنه يصوم رجبا كله, وأنه يصوم الأبد. كما فى شرح مسلم للنووى, و «السراج الوهاج» لصديق حسن خان «٢/ ٢٨٥». فلعل التوفيق بين صومه لرجب, وكراهته لذلك, أن تحمل الكراهة على إفراد رجب بالصوم كما يفرد رمضان به, فأما صيامه فى جملة ما يصوم فليس مكروها عنده. والله أعلم. لكننا نرى أن صوم الدهر لا يشرع, ولو لم يكن فيها أيام العيد المنهى عن صيامها لقوله ﷺ : «لا صام ولا أفطر». رواه مسلم وغيره كما تقدم فى الحديث «٩٥٢». وراجع لهذا «السراج الوهاج» «١/ ٣٨٧ ـ ٣٨٨». ومن الغريب أن المؤلف ﵀ لم يتعرض لصوم الدهر بذكر البتة, وإن كان صنيعه يشعر بجوازه عنده لأنه ذكر ما يكره وما يحرم من الصوم ولم يذكر فيه صوم الدهر. واختار ابن قدامة ﵀ أنه مكروه فراجع كتابه «المغنى» «٣/ ١٦٧». [إرواء الغليل تحت حديث رقم (٩٥٨)] حكم إفراد الجمعة بالصيام [قال رسول الله ﷺ ]: «لا تصم يوم الجمعة إلا في أيام هو أحدها، وأما أن لا تكلم أحدا، فلعمري لأن تكلم بمعروف، وتنهى عن منكر خير من أن تسكت». [قال الإمام]: والشطر الأول من الحديث عزاه الحافظ في «الفتح» «٤/ ٢٣٤» لأحمد، وسكت عنه مشيرا إلى تقويته إياه. وله شواهد تقدم بعضها برقم «٩٨٠ و ٩٨١ و ١٠١٤» وهو صريح الدلالة أنه لا يجوز صيامه وحده ولو صادف يوم فضيلة كعاشوراء وعرفة خلافا للحافظ. السلسلة الصحيحة (٦/ ٢/ ١٠٧٤).

стр. 4161

يوم الجمعة لا يُصام وحده [قال رسول الله ﷺ ]: «لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم». و[قال رسول الله ﷺ ]: «لا تصوموا يوم الجمعة إلا وقبله يوم أو بعده يوم». [قال الإمام]: واعلم أن قوله ﷺ في هذا الحديث: «إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم» ينبغي أن يفسر باللفظ الآتي في الحديث الذي بعده .. «إلا وقبله يوم، أو بعده يوم»، وهو متفق عليه، وبالروايات الأخرى المذكورة تحته، فإنها تدل على أن يوم الجمعة لا يصام وحده، ويؤكد ذلك الشاهد المذكور هناك بلفظ: «لا تصوموا يوم الجمعة مفردًا»، ومعناه في «صحيح البخاري» من حديث جابر «١٩٨٤»، فقول الحافظ في «الفتح» «٤/ ٢٣٤»: «ويؤخذ من الاستثناء جواز صيامه لمن اتفق وقوعه في أيام له عادة يصومها؛ كمن يصوم أيام البيض، أو من له عادة بصوم يوم معين كيوم عرفة فوافق يوم الجمعة»! فأقول: لا يخفى على الفقيه البصير أن الاستثناء المذكور فيه مخالفتان: الأولى: الإعراض عن الروايات المفسرة والمقيدة بجواز صيامه مقرونًا بيوم قبله أو بعده. والأخرى: النهي المطلق عن إفراد صوم يوم الجمعة، ومن المعلوم أن المطلق يجري على إطلاقه ما لم يأت ما يقيده، فإذا قيد بقيد لم يجز تعدّيه، ولا يصلح تقييد النهي هنا بما جاء من الفضل في صوم يوم معين -كعرفة أو عاشوراء أو أيام البيض- لمخالفته لقاعدة: الحاظر مقدم على المبيح، مثل صيام يوم الإثنين أو الخميس إذا اتفق مع يوم عيد الفطر أو أحد أيام الأضحى، فإنه لا يصام، لا لنهي خاص بهذه الصورة وإنما تطبيقًا للقاعدة المذكورة، وما نحن بصدده هو من هذا القبيل. كتبت هذا -بيانًا وأداءً للأمانة العلمية- بمناسبة أن الحكومة السعودية أعلنت أن يوم عرفة سيكون يوم الجمعة في موسم سنة «١٤١١ هـ»، فاضطرب الناس في صيامه، وتواردت عليّ الأسئلة من كل البلاد، وبخاصة من بعض طلاب العلم في الجزائر، فكنت أجيبهم

стр. 4162

بخلاصة ما تقدم، فراجعني في ذلك بعضهم بكلام الحافظ، ففصلت له القول تفصيلًا على هذا النحو، وذكرته ببعض الروايات التي ذكرها الحافظ نفسه، وأحدها بلفظ: « .. يوم الجمعة وحده، إلا في أيام معه». وفي شاهد له بلفظ: «إلا في أيام هو أحدها». فالجواز الذي ذكره الحافظ يخالف القاعدة والقيد المذكورين. وبهذه المناسبة أقول: إن هناك حديثًا آخر يشبه هذا الحديث من حيث الاشتراك في النهي مع استثناء فيه، وهو قوله ﷺ : «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم .. »، وهو حديث صحيح يقينًا، ومخرج في «الإرواء» «رقم ٩٦٠»، فأشكل هذا على كثير من الناس قديمًا وحديثًا، وقد لقيتُ مقاومة شديدة من بعض الخاصة، فضلًا عن العامة، وتخريجه عندي كحديث الجمعة، فلا يجوز أن نضيف إليه قيدًا آخر غير قيد «الفرضية» كقول بعضهم: «إلا لمن كانت له عادة من صيام، أو مفردًا»؛ فإنه يشبه الاستدراك على الشارع الحكيم، ولا يخفى قبحه. وقد جرت بيني وبين كثير من المشايخ والدكاترة والطلبة مناقشات عديدة حول هذا القول، فكنت أذكرهم بالقاعدة السابقة وبالمثال السابق، وهو صوم يوم الاثنين أو الخميس إذا وافق يوم عيد، فيقولون يوم العيد منهي عن صيامه، فأبين لهم أن موقفكم هذا هو تجاوب منكم مع القاعدة، فلماذا لا تتجاوبون معها في هذا الحديث الناهي عن صوم يوم السبت؟ ! فلا يُحيرون جوابًا؛ إلا قليلًا منهم فقد أنصفوا جزاهم الله خيرًا، وكنت أحيانًا أطمئنهم وأبشرهم بأنه ليس معنى ترك صيام يوم السبت في يوم عرفة أو عاشوراء مثلًا أنه من باب الزهد في فضائل الأعمال، بل هو من تمام الإِيمان والتجاوب مع قوله ﵊: «إنك لن تدع شيئًا لله إلا بدلك الله به ما هو خير لك منه». وهو مخرج في «الضعيفة» بسند صحيح تحت الحديث «رقم ٥». هذا؛ وقد كان بعض المناقشين عارض حديث السبت بحديث الجمعة هذا، فتأملت في ذلك، فبدا لي أن لا تعارض والحمد لله، وذلك بأن نقول: من صام يوم الجمعة دون الخميس فعليه أن يصوم السبت، وهذا فرض عليه لينجو من إثم مخالفته الإِفراد ليوم الجمعة، فهو في هذه الحالة داخل في عموم قوله ﷺ في حديث السبت: «إلا فيما افترض عليكم». ولكن هذا إنما هو لمن صام الجمعة وهو

стр. 4163

غافل عن النهي عن إفراده، ولم يكن صام الخميس معه كما ذكرنا، أما من كان على علم بالنهي؛ فليس له أن يصومه؛ لأنه في هذه الحالة يصوم ما لا يجب أو يفرض عليه، فلا يدخل -والحالة هذه- تحت العموم المذكور، ومنه يعرف الجواب عما إذا اتفق يوم الجمعة مع يوم فضيل، فلا يجوز إفراده كما تقدم، كما لو وافق ذلك يوم السبت؛ لأنه ليس ذلك فرضًا عليه. وأما حديث: «كان ﷺ يكثر صيام يوم السبت»، فقد تبين أنه لا يصح من قبل إسناده، وقد توليت بيان ذلك في «الضعيفة» برقم «١٠٩٩» من المجلد الثالث، فليراجعه من شاء الوقوف على الحقيقة. واعلم أن هذا الحديث مع تصحيح من تقدم ذكرهم من الأئمة والحفاظ هناك -وهم الإِمام مسلم وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والذهبي، ومن أقر تصحيحهم كالبيهقي في «سننه»، والنووي في «رياضه»، والعسقلاني في «فتحه» «٤/ ٢٣٣٠» و «تلخيصه» «٤/ ٢١٥» وغيرهم كثير ممن احتج به على بدعية صلاة الرغائب كما يأتي- مع ذلك كله فقد خالفهم المدعو «حسان عبد المنان» كعادته -فأورده في «ضعيفته» التي سبق الكلام عليها، وبيان بعض الطامات والمخالفات التي فيها تحت الاستدراك «١٣» - متشبثًا بإعلال أبي حاتم وأبي زرعة إياه بدعوى أن حسينًا الجعفي وهم في ذكر أبي هريرة في روايته عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عنه، وإنما هو عن ابن سيرين مرسل ليس فيه أبو هريرة. رواه أيوب وهشام وغيرهما كذا مرسل. كذا وقع في «علل ابن أبي حاتم»: «وهشام»، وأظنه خطأ؛ لأن رواية هشام مسندة عن أبي هريرة عند مسلم وغيره ممن خرج حديثه كما تقدم، وكذلك ذكرها المزي كما عرفت. ومهما يكن من أمر؛ فتوهيم حسين في إسناده عن أبي هريرة مما لا وجه له؛ لأنه لم يتفرد به، فقد وصله أيضًا عاصم بن سليمان الأحول عن ابن سيرين؛ لكنه قال: «عن أبي الدردا. وهذا اختلاف شكلي لا يضر؛ لأنه انتقال من صحابي إلى آخر، وكلهم عدول، مع احتمال أن يكون ابن سيرين تلقاه عنهما كليهما، فكان يرويه تارة عن هذا وتارة عن هذا، وليس ذلك بكثير على مثل ابن سيرين الثقة الثبت. أخرجه أحمد «٦/ ٤٤٤» قال: ثنا أسود بن عامر: ثنا إسرائيل عن عاصم به. ومن طريق الأسود أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» «٢/ ١٤١ - ١٤٢». وهذا

стр. 4164

إسناد صحيح على شرط الشيخين. وذكره الحافظ المزي في «تحفته» «٨/ ٢٣٢/١٠٩٦٢» من رواية النسائي فقط، وقال عقبها: «وتابعه معمر عن أيوب عن ابن سيرين». وهذا ظاهر في أنه يعني أن أيوب قد تابع عاصمًا في روايته عن ابن سيرين مسندًا عن أبي الدرداء، فاحفظ هذا لما يأتي. ثم أشار الحافظ إلى رواية هشام المسندة عن ابن سيرين عن أبي هريرة، ثم قال: «وروي عن هشام عن ابن سيرين عن بعض أصحاب النبي ﷺ ». وقال: «وروي عن أيوب وابن عون ويونس بن عبيد عن محمد بن سيرين أن النبي ﷺ قال لأبي الدرداء». قلت: يعني: أنهم أرسلوه لم يذكروا أبا هريرة، ورواية أيوب هذا إنما يرويها عنه معمر، وعنه عبد الرزاق في «المصنف» «٤/ ٢٧٩/٧٨٠٣»، وعنه الطبراني في «المعجم الكبير» «٦/ ٢٦٧ - ٢٦٨»، وهي من رواية إسحاق بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق، وفيها كلام معروف؛ لأن الدبري سمع من عبد الرزاق وهو ابن سبع سنين، وهي على خلاف رواية معمر الأولى عن أيوب المتابعة لرواية عاصم عن ابن سيرين المسندة كما تقدم عن المزي؛ فتذكر. وأما رواية ابن عون فهي المتقدمة هناك تحت الحديث من رواية ابن سعد بسند صحيح عن ابن سيرين مرسلًا، وفيه سبب الحديث. وأما رواية يونس بن عبيد فلم أقف على من وصلها، وكذا رواية معمر الأولى. وعلى هذا التحقيق فإني أقول: إذا أسقطنا هاتين الروايتين من عين الاعتبار -لجهلنا بحال الإسناد إليهما- فإنه يبقى لدينا روايتان معروفتان لكل من المسند والمرسل، وإذا تذكرنا أن روايتي المسند صحيحتان، وروايتي المرسل إحداهما فقط صحيحة، والأخرى ضعيفة -وهي رواية أيوب المعلولة بالدبري- يترجح بوضوح لا خفاء فيه أن الحديث مسند عن أبي هريرة وأبي الدرداء، بل أستطيع أن أقول بأرجحية المسند حتى لو فرضنا صحة رواية أيوب المرسلة أيضًا؛ لأن المسند معه زيادة من ثقتين، وهي مقبولة في مثل هذه الحالة اتفاقًا. فلننظر الآن ماذا فعل هذا الجاني على السنة -المضعف للأحاديث الصحيحة- من قلب للحقائق وكتم للعلم؛ ليظهر نفسه أنه محقق غير مقلد في هذا العلم الجليل: أولًا: كتم رواية معمر الأولى عن أيوب التي ذكرها المزي! ثانيًا: كتم ضعف

стр. 4165

روايته الأخرى عن أيوب، وهو يعلم أنها من رواية الدبري عنه، وهو يضعف عادة من هو أوثق منه بكثير إذا روى ما لا يهوى! ثالثًا: تجاهل صحة إسناد الرواية المسندة عن أبي الدرداء فنسبها للنسائي وكفى! رابعًا: تغافل عن تصحيح من ذكرنا لرواية أبي هريرة، وعن احتجاج من احتج به من العلماء -كما سبقت الإِشارة إليه- المستلزم لصحة المحتج به كما لا يخفى، فقال الإِمام النووي في «شرح مسلم»: «واحتج به العلماء على كراهة هذه الصلاة المبتدعة التي تسمى الرغائب، قاتل الله واضعها ومخترعها، فإنها بدعة منكرة .. » إلخ كلامه الطيب، ونقله عنه الصنعاني والشوكاني وغيرهما وأقروه. وإن مما يلفت النظر ويسترعي انتباه الباحث أن الرجل في جل الأحاديث التي ضعفها يختم كلامه بذكر موافقة الشيخ شعيب إياه على التضعيف، وقد رابني ذلك منه لكثرة ما رأيت في تعليقات الشيخ خلاف ما ينسب إليه -وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في بعض الاستدراكات المتقدمة- ومن ذلك هذا الحديث، فقد علق الشيخ عليه في « .. صحيح ابن حبان» بقوله «٨/ ٣٧٧». «إسناده صحيح رجاله ثقات .. ». ثم خرجه برواية مسلم وابن خزيمة وتصحيح الحاكم وموافقة الذهبي، فلا أدري هل تراجع الشيخ عن تصحيحه مسايرة منه لتلميذه؛ أم أن هذا قال على شيخه ما لم يقل تقوية لموقفه؟ ! ذلك ما ستكشف عنه الأيام القادمة إن شاء الله تعالى «١». وإن من المفارقات العجيبة والأوهام الظاهرة -التي لا يقع في مثلها إلا من كان مبتدئًا في هذه الصناعة- نسبة الشيخ شعيب لحديث ابن سيرين المرسل لرواية البخاري عن أبي جحيفة! فقد ذكر الذهبي هذا المرسل في «السير» «١/ ٥٤٣»، فقال الشيخ في تخريجه: «أخرجه أحمد «٦/ ٤٤٤» .. وابن سعد «٤/ ١/٦١» مطولًا، والبخاري نحوه في «الصوم» .. عن أبي جحيفة .. »، وساق لفظه المطول، وليس فيه ولا كلمة مما في المرسل! ومن جهة أخرى أوهم أن الحديث عند أحمد مرسل أيضًا كما هو عند ابن سعد، وإنما هو مسند عن أبي هريرة! ومثل هذا التخريج الواهي يجعلني أعتقد أن كثيرًا من التخريجات التي نراها منسوبة للشيخ شعيب ليست له، وإنما هي بقلم بعض من يتدرب تحت يده ممن لا علم عندهم كحسان هذا، ومثله المعلق على «الإِحسان»، ففي تعليقاته عليه أوهام كثيرة -تبينت لي أثناء تحقيقي لكتاب «موارد الظمآن»، وهو وشيك الانتهاء إن شاء الله- استبعدت أن تقع من الشيخ شعيب؛ لأنها

стр. 4166

أوهام مكشوفة! ثم رأيت الحديث في «مصنف ابن أبي شيبة» «٣/ ٤٥» من رواية سفيان عن عاصم عن ابن سيرين قال: «لا تخصوا .. ». فذكر الحديث موقوفًا على ابن سيرين كما ترى، وإسناده صحيح؛ ولكنه لا يعل به المرفوع مسندًا ومرسلًا؛ لما سبق ذكره أن زيادة الثقة مقبولة. فأحببت أن أذكر هذا خشية أن يعثر عليه جاهل آخر بهذا العلم فيعل الحديث بهذا الموقوف كما أعله حسان بالإرسال! وحقيقة الأمر؛ أنه لا غرابة في ورود الحديث على وجوه مختلفة؛ تارة مسندًا، وتارة مرسلًا، وتارة موقوفًا، والراوي واحد كابن سيرين هنا، وذلك لأنه قد ينشط الراوي أحيانًا فيسنده، وقد يرسله تارة اختصارًا، وقد لا ينشط فيذكره موقوفًا، وقد يكون السبب شعوره بأن الحديث معروف بالرفع فلا يرى ضرورة للتصريح برفعه، والعبرة في هذه الحالة المصير إلى الترجيح المسوغ للبت بأنه مرفوع مسند، أو مرفوع مرسل، أو موقوف، فإذا ترجح الأول لم ينافِه ما دونه لما ذكرت. والله أعلم. وإن مما يؤكد صحة الحديث وشهرته عند السلف ما رواه ابن أبي شيبة عن إبراهيم - وهو ابن يزيد النخعي- قال: «كانوا يكرهون أن يخصوا يوم الجمعة والليلة كذلك بالصلاة». ورجاله ثقات. السلسلة الصحيحة (٢/ ٧٣٢ - ٧٣٩). تحريم صوم الدهر قال رسول الله ﷺ : «من صام الدهر؛ ضيِّقت عليه جهنم هكذا- وعقد تسعين-». [قال الإمام]: الحديث ظاهر الدلالة في تحريم صوم الدهر، وبه قال ابن حزم في «المحلى» «٧/ ١٢ - ١٦»، واستدل على ذلك أيضاً بقوله ﷺ : «من صام الدهر؛ فلا صام ولا أفطر». ولقد تكلف كثير من العلماء في رد دلالتهما بتأويلهما، وبخاصة الأول منهما؛ فقد حمله ابن حبان على من صام الدهر الذي فيه أيام العيد والتشريق! وأسوأمنه من تأوَّله بقوله: «ضُيِّقُت عنه جهنم حتى لا يدخلها» حكاه ابن خزيمة وغيره عن المزني ولقد أحسن ابن حزم في رده بقوله: «وهذه لكنة وكذب. أم

стр. 4167

االلكنة؛ فإنه لو أراد هذا؛ لقال: «ضيقت عنه»، ولم يقل: «عليه». وأما الكذب؛ فإنما أورده رواته كلهم على التشديد والنهي عن صومه». وانظر ما كنت علقته على كلمة المزني في «صحيح ابن خزيمة» «٣/ ٣١٤». السلسلة الصحيحة (٧/ ١/ ٦١١). النهي عن صيام الدهر وتضعيف حديث صيام نوح ﵇ للدهر [روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «صام نوح ﵊ الدهر إلا يوم الفطر ويوم الأضحى». ضعيف. [قال الإمام]: ثم إن الحديث لوصح لم يجز العمل به لأنه من شريعة من قبلنا، وهي ليست شريعة لنا على ما هو الراجح عندنا، ولا سيما وقد ثبت النهى عن صيام الدهر في غير ما حديث عنه ﷺ حتى قال ﷺ في رجل يصوم الدهر: «وددت أنه لم يطعم الدهر». رواه النسائي «١/ ٣٢٤»، بسند صحيح. السلسلة الضعيفة (١/ ٦٦٩). الوصال المنهي عنه السؤال: ما هو الوصال المنهي عنه، وهل يجوز أن يواصل يوما واحداً دون أن يفطر؟ الجواب: هذا سبق الكلام عنه، قلنا: إن الرسول ﷺ نهى عن الوصال، وقال فإن كان ولا بد فمن السحور، إلى السحور بس. (الهدى والنور /١٩/ ٤٠: ٦.: .. )

стр. 4168

من جامع أهله في نهار رمضان وعجز عن الكفارة ثم تيسرت له بعد ذلك السؤال: إذا جامع الإنسان أهله في رمضان، وعجز عن الكفارة؛ فإن المعلوم أنها تسقط. ولكن إذا استطاع فيما بعد، فهل تجب الكفارة، وإذا وجبت فما هو الدليل؟ الجواب: هو إيش قال من المعلوم ايش؟ المداخلة: فإن المعلوم أنها تسقط .. الشيخ: مش المعلوم أنها تسقط، المعلوم أنها تجب. واذاً: أيضا سؤال يعني أنه لم يستطع ثم استطاع فيما بعد، فجوابنا إذا كان لم يستطع فما قُدِّمَت كفارة مطلقا، فتظل متعلقة في رقبته، أما إذا تَسَنَّى له كما تسنى لذلك الرجل الذي جامع زوجته في رمضان وأمره الرسول ﵇ بأن يُكَفر بالصيام شهرين متتابعين، فقال ما استطيع الصيام، وأمره بإطعام ستين مسكينا قال ما بين لا بتيها أفقر مني، ثم جاء الرسول ﵇ فأعطاه نحو خمسة عشر صاعا من التمر وقال تصدق به، [قال: أعلى] أفقر مني، قال، إذاً: أنفق على نفسك وعيالك، فهذا معناه اعتُبرأنه كَفَّر، فإذا كان السؤال أنه لم يكفر فبقيت المسألة متعلقة برقبته. المداخلة: الكفارة لا تسقط. الشيخ: لا تسقط. المداخلة: بل تجب في حالة القدرة. الشيخ: استطاعة، نعم. (الهدى والنور /١٩/ ٤٠: ٦.: .. )

стр. 4169

جواز صيام نصف الدهر على هدي داود ﵇ وليس متصلاً عن عمرو بن شرحبيل، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قيل للنبي ﷺ : رجل يصوم الدهر؟ فقال: «وددت أنه لم يطعم الدهر» قالوا: فثلثيه؟ قال: «أكثر» قالوا: فنصفه؟ قال: «أكثر». ثم قال: «ألا أخبركم بما يذهب وحر الصدر؟ صوم ثلاثة أيام من كل شهر». رواه النسائي. «صحيح». قال الألباني: أقول: لعل المقصود بعدم شرعية صيام نصفه إنما هو إذا كان يسرد الصوم فيه لا يفطر، بخلاف ما لو صام يوماً وأفطر يوماً، فإنه أفضل الصيام كما في الحديث الآتي بعده، ولا سيما ولمسلم في رواية له: «صوم داود نصف الدهر» فتأمله جيداً، يتبين لك أنه لا تعارض بين الحديثين؛ خلافاً لما ذهب إليه السندي رحمه الله تعالى. (التعليق على الترغيب والترهيب ١/ ٤٤٣) جواز مواصلة الصيام من السحور إلى السحور [قال رسول الله ﷺ ]: «صوموا من وضح إلى وضح».

стр. 4170

[قال الإمام]: قوله: «وضح» محركة بياض الصبح كما في «القاموس». وفي «النهاية»: «أي من الضوء إلى الضوء. وقيل: من الهلال إلى الهلال وهو الوجه لأن سياق الحديث يدل عليه، وتمامه: «فإن خفي عليكم فأتموا العدة ثلاثين يوما». قلت: لم أر الحديث بهذا التمام، فإن صح به، فهو الوجه، وإلا فالذي أراه - والله أعلم - أن المعنى: صوموا من السحور إلى السحور. أجاز لهم مواصلة الصيام ما بينهما، وقد جاء هذا صريحا في حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «لا تواصلوا، فأيكم إذا أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر». أخرجه البخاري «رقم - ٩٦٢ - مختصره» وابن خزيمة وغيرهما، وهو مخرج في «صحيح أبي داود» «٢٠٤٤». السلسلة الصحيحة (٤/ ٥٥١). حكم وصل صيام شعبان برمضان مداخلة: حديث أن النبي ﷺ لم يصوم في السنة شهرًا تامًا إلا شعبان كان يصله برمضان. الشيخ: طيب! ما السؤال؟ مداخلة: السؤال: يصل الصوم شعبان برمضان يعني: ما يفصل بينهم؟ الشيخ: لا، الحديث هذا يعني: وفي بعض الأحاديث من طريق السيدة عائشة ﵂: كان يصوم شعبان كله .. كان يصوم شعبان إلا قليلًا، فالذي أظن أنه قد يشكل عليك هذا الحديث بحديث آخر: «إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى رمضان» لكن هذا محمول على من لم يكن له عادة من صيام، أما من كان له عادة من صيام شعبان فيجوز أن يصله برمضان إن كان له عادة صيام شعبان، أما أن يتقصد صوم شعبان بوصله برمضان فهذا غير مشروع، فرقتم بين الأمرين؟ بين أن يكون له عادة أن يصوم شعبان فيوصله برمضان فهذا يحتاج إلى ناس ذوي عزم وقوة ونشاط، أما من ليس له عادة من صيام من شعبان فإذا دخل شعبان تقصد أن
следующие страницы →