Полный текст (8 195 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.
стр. 4166
أوهام مكشوفة! ثم رأيت الحديث في «مصنف ابن أبي شيبة» «٣/ ٤٥» من رواية سفيان عن عاصم عن ابن سيرين قال: «لا تخصوا .. ». فذكر الحديث موقوفًا على ابن سيرين كما ترى، وإسناده صحيح؛ ولكنه لا يعل به المرفوع مسندًا ومرسلًا؛ لما سبق ذكره أن زيادة الثقة مقبولة.
فأحببت أن أذكر هذا خشية أن يعثر عليه جاهل آخر بهذا العلم فيعل الحديث بهذا الموقوف كما أعله حسان بالإرسال! وحقيقة الأمر؛ أنه لا غرابة في ورود الحديث على وجوه مختلفة؛ تارة مسندًا، وتارة مرسلًا، وتارة موقوفًا، والراوي واحد كابن سيرين هنا، وذلك لأنه قد ينشط الراوي أحيانًا فيسنده، وقد يرسله تارة اختصارًا، وقد لا ينشط فيذكره موقوفًا، وقد يكون السبب شعوره بأن الحديث معروف بالرفع فلا يرى ضرورة للتصريح برفعه، والعبرة في هذه الحالة المصير إلى الترجيح المسوغ للبت بأنه مرفوع مسند، أو مرفوع مرسل، أو موقوف، فإذا ترجح الأول لم ينافِه ما دونه لما ذكرت. والله أعلم. وإن مما يؤكد صحة الحديث وشهرته عند السلف ما رواه ابن أبي شيبة عن إبراهيم - وهو ابن يزيد النخعي- قال: «كانوا يكرهون أن يخصوا يوم الجمعة والليلة كذلك بالصلاة». ورجاله ثقات.
السلسلة الصحيحة (٢/ ٧٣٢ - ٧٣٩).
تحريم صوم الدهر
قال رسول الله ﷺ : «من صام الدهر؛ ضيِّقت عليه جهنم هكذا- وعقد تسعين-».
[قال الإمام]: الحديث ظاهر الدلالة في تحريم صوم الدهر، وبه قال ابن حزم في «المحلى» «٧/ ١٢ - ١٦»، واستدل على ذلك أيضاً بقوله ﷺ : «من صام الدهر؛ فلا صام ولا أفطر». ولقد تكلف كثير من العلماء في رد دلالتهما بتأويلهما، وبخاصة الأول منهما؛ فقد حمله ابن حبان على من صام الدهر الذي فيه أيام العيد والتشريق! وأسوأمنه من تأوَّله بقوله: «ضُيِّقُت عنه جهنم حتى لا يدخلها» حكاه ابن خزيمة وغيره عن المزني ولقد أحسن ابن حزم في رده بقوله: «وهذه لكنة وكذب. أم
стр. 4167
االلكنة؛ فإنه لو أراد هذا؛ لقال: «ضيقت عنه»، ولم يقل: «عليه». وأما الكذب؛ فإنما أورده رواته كلهم على التشديد والنهي عن صومه». وانظر ما كنت علقته على كلمة المزني في «صحيح ابن خزيمة» «٣/ ٣١٤».
السلسلة الصحيحة (٧/ ١/ ٦١١).
النهي عن صيام الدهر وتضعيف حديث صيام نوح ﵇ للدهر
[روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «صام نوح ﵊ الدهر إلا يوم الفطر ويوم الأضحى». ضعيف.
[قال الإمام]: ثم إن الحديث لوصح لم يجز العمل به لأنه من شريعة من قبلنا، وهي ليست شريعة لنا على ما هو الراجح عندنا، ولا سيما وقد ثبت النهى عن صيام الدهر في غير ما حديث عنه ﷺ حتى قال ﷺ في رجل يصوم الدهر: «وددت أنه لم يطعم الدهر». رواه النسائي «١/ ٣٢٤»، بسند صحيح.
السلسلة الضعيفة (١/ ٦٦٩).
الوصال المنهي عنه
السؤال: ما هو الوصال المنهي عنه، وهل يجوز أن يواصل يوما واحداً دون أن يفطر؟
الجواب: هذا سبق الكلام عنه، قلنا: إن الرسول ﷺ نهى عن الوصال، وقال فإن كان ولا بد فمن السحور، إلى السحور بس.
(الهدى والنور /١٩/ ٤٠: ٦.: .. )
стр. 4168
من جامع أهله في نهار رمضان وعجز عن الكفارة ثم تيسرت له بعد ذلك
السؤال: إذا جامع الإنسان أهله في رمضان، وعجز عن الكفارة؛ فإن المعلوم أنها تسقط.
ولكن إذا استطاع فيما بعد، فهل تجب الكفارة، وإذا وجبت فما هو الدليل؟
الجواب: هو إيش قال من المعلوم ايش؟
المداخلة: فإن المعلوم أنها تسقط ..
الشيخ: مش المعلوم أنها تسقط، المعلوم أنها تجب.
واذاً: أيضا سؤال يعني أنه لم يستطع ثم استطاع فيما بعد، فجوابنا إذا كان لم يستطع فما قُدِّمَت كفارة مطلقا، فتظل متعلقة في رقبته، أما إذا تَسَنَّى له كما تسنى لذلك الرجل الذي جامع زوجته في رمضان وأمره الرسول ﵇ بأن يُكَفر بالصيام شهرين متتابعين، فقال ما استطيع الصيام، وأمره بإطعام ستين مسكينا قال ما بين لا بتيها أفقر مني، ثم جاء الرسول ﵇ فأعطاه نحو خمسة عشر صاعا من التمر وقال تصدق به، [قال: أعلى] أفقر مني، قال، إذاً: أنفق على نفسك وعيالك، فهذا معناه اعتُبرأنه كَفَّر، فإذا كان السؤال أنه لم يكفر فبقيت المسألة متعلقة برقبته.
المداخلة: الكفارة لا تسقط.
الشيخ: لا تسقط.
المداخلة: بل تجب في حالة القدرة.
الشيخ: استطاعة، نعم.
(الهدى والنور /١٩/ ٤٠: ٦.: .. )
стр. 4169
جواز صيام نصف الدهر على هدي داود ﵇ وليس متصلاً
عن عمرو بن شرحبيل، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قيل للنبي ﷺ : رجل يصوم الدهر؟ فقال: «وددت أنه لم يطعم الدهر» قالوا: فثلثيه؟ قال: «أكثر» قالوا: فنصفه؟ قال: «أكثر». ثم قال: «ألا أخبركم بما يذهب وحر الصدر؟ صوم ثلاثة أيام من كل شهر». رواه النسائي. «صحيح».
قال الألباني: أقول: لعل المقصود بعدم شرعية صيام نصفه إنما هو إذا كان يسرد الصوم فيه لا يفطر، بخلاف ما لو صام يوماً وأفطر يوماً، فإنه أفضل الصيام كما في الحديث الآتي بعده، ولا سيما ولمسلم في رواية له: «صوم داود نصف الدهر» فتأمله جيداً، يتبين لك أنه لا تعارض بين الحديثين؛ خلافاً لما ذهب إليه السندي رحمه الله تعالى.
(التعليق على الترغيب والترهيب ١/ ٤٤٣)
جواز مواصلة الصيام من السحور إلى السحور
[قال رسول الله ﷺ ]: «صوموا من وضح إلى وضح».
стр. 4170
[قال الإمام]: قوله: «وضح» محركة بياض الصبح كما في «القاموس». وفي «النهاية»: «أي من الضوء إلى الضوء. وقيل: من الهلال إلى الهلال وهو الوجه لأن سياق الحديث يدل عليه، وتمامه: «فإن خفي عليكم فأتموا العدة ثلاثين يوما». قلت: لم أر الحديث بهذا التمام، فإن صح به، فهو الوجه، وإلا فالذي أراه - والله أعلم - أن المعنى: صوموا من السحور إلى السحور. أجاز لهم مواصلة الصيام ما بينهما، وقد جاء هذا صريحا في حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «لا تواصلوا، فأيكم إذا أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر». أخرجه البخاري «رقم - ٩٦٢ - مختصره» وابن خزيمة وغيرهما، وهو مخرج في «صحيح أبي داود» «٢٠٤٤».
السلسلة الصحيحة (٤/ ٥٥١).
حكم وصل صيام شعبان برمضان
مداخلة: حديث أن النبي ﷺ لم يصوم في السنة شهرًا تامًا إلا شعبان كان يصله برمضان.
الشيخ: طيب! ما السؤال؟
مداخلة: السؤال: يصل الصوم شعبان برمضان يعني: ما يفصل بينهم؟
الشيخ: لا، الحديث هذا يعني: وفي بعض الأحاديث من طريق السيدة عائشة ﵂: كان يصوم شعبان كله .. كان يصوم شعبان إلا قليلًا، فالذي أظن أنه قد يشكل عليك هذا الحديث بحديث آخر: «إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى رمضان» لكن هذا محمول على من لم يكن له عادة من صيام، أما من كان له عادة من صيام شعبان فيجوز أن يصله برمضان إن كان له عادة صيام شعبان، أما أن يتقصد صوم شعبان بوصله برمضان فهذا غير مشروع، فرقتم بين الأمرين؟ بين أن يكون له عادة أن يصوم شعبان فيوصله برمضان فهذا يحتاج إلى ناس ذوي عزم وقوة ونشاط، أما من ليس له عادة من صيام من شعبان فإذا دخل شعبان تقصد أن
стр. 4171
يصوم شعبان ليصله برمضان فهذا هو المقصود بالحديث الذي ذكرته آنفًا: «إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى رمضان، إلا أن يكون له عادة من صيام».
(فتاوى رابغ (١) /٠٠: ٠٠: ٠٠)
стр. 4172
صيام السبت
стр. 4173
حكم صيام السبت في غير الفريضة
حديث: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم». صحيح.
قال أبو داود: وهذا حديث منسوخ.
قلت: ولعل دليل النسخ عنده حديث كريب مولى ابن عباس: «أن ابن عباس وناسا من أصحاب رسول الله ﷺ بعثونى إلى أم سلمة أسألها: أى الأيام كان رسول الله ﷺ أكثر لصيامها؟ قالت: يوم السبت والأحد, فرجعت إليهم فأخبرتهم, فكأنهم أنكروا ذلك, فقاموا بأجمعهم إليها فقالوا: إنا بعثنا إليك هذا فى كذا, وذكر أنك قلت: كذا, فقالت: صدق, إن رسول الله ﷺ أكثر ما كان يصوم من الأيام السبت والأحد, وكان يقول إنهما عيدان للمشركين, وأنا أريد أن أخالفهم». أخرجه ابن حبان والحاكم وقال: «إسناده صحيح». ووافقه الذهبى.
قلت: وضعف هذا الإسناد عبد الحق الأشبيلى فى «الأحكام الوسطى» وهو الراجح عندى, لأن فيه من لا يعرف حاله كما بينته فى «الأحاديث الضعيفة» «بعد الألف».
ولو صح لم يصلح أن يعتبر ناسخا لحديث ابن بسر ولا أن يعارض به لما ادعى الحاكم, لإمكان حمله على أنه صام مع السبت يوم الجمعة, وبذلك لا يكون قد خص السبت بصيام, لأن هذا هو المراد بحديث ابن بسر كما سبق عن الترمذى. ولذلك قال ابن عبد الهادى فى «تنقيح التحقيق» «٢/ ٦٠/١» عقب حديث ابن عباس: «وهذا لا يخالف أحاديث الانفراد بصوم يوم السبت, وقال شيخنا «يعنى ابن تيمية» ليس فى الحديث دليل على إفراد يوم السبت بالصوم, والله أعلم».
قلت: وهذا أولى مما نقله المصنف عن ابن تيمية فقال: واختار الشيخ تقى الدين أنه لا يكره صوم يوم السبت مفردا, وأن الحديث شاذ أو منسوخ. ذلك لأن الحديث صحيح من طرق ثلاث كما سبق تحريره فأنى له الشذوذ.
[إرواء الغليل تحت حديث رقم (٩٦٠)]
стр. 4174
رد دعوى نسخ النهي عن صيام السبت
عن عبد الله بن بُسْرٍ السُلَمِيِّ عن أخته- وقال يزيد: الصَّماء-أن النبي ﷺ قال: «لا تَصُوموا يومَ السبتِ إلا فيما افْتُرِضَ عليكم، وإن لم يجد أحدكم إلا لِحَاءَ عِنَبَة، أوعُودَ شَجَرَةٍ؛ فليمضغهُ».
قال أبو داود: «وهذا حديث منسوخ».
«قلت: فيه إشعار بأن الحديث صحيح عنده، وإلا؛ لم يكن بحاجة إلى ادعاء نسخه كما هو ظاهر وإسناده صحيح على شرط البخاري، وكذلك قال الحاكم والذهبي، وصححه أيضاً ابن خزيمة وابن حبان وابن السكن والضياء المقدسي، وقال الترمذي: «حديث حسن، ومعنى كراهته في هذا: أن يَخُص الرجل يوم السبت بصيام؛ لأن اليهود تُعَظِّم يوم السبت».
وأما دعوى نسخه الذي ذهب إليه المصنف رحمه الله تعالى؛ فهي مردودة بأنه من الممكن حمله على صوم السبت مفرداً، كما أفاده الترمذي. وحينئذ فلا تعارض بينه وبين حديث الباب الآتي، وأحاديث صيامه ﷺ إياه؛ لأنه ليس في شيء منها إفراده بالصيام. وقد بسط القولَ في هذا بسطاً شافياً: العلامةُ ابن القيم ﵀ في «تهذيب السنن» «٣/ ٢٩٧ - ٣٠١»، وذكر خلاصته في «زاد المعاد» «١/ ٢٣٧ - ٢٣٨»؛ فليراجعهما من شاء.
صحيح سنن أبي داود (٧/ ١٨٠)
النهي عن صيام السبت
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
قوله تحت عنوان: النهي عن إفراد يوم الست بصيام: «عن بسر السلمي عن أخته الصماء أن رسول الله ﷺ قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ... ». رواه
стр. 4175
أحمد وأصحاب السنن والحكم وقال: صحيح على شرط مسلم وحسنه الترمذي».
قلت: اختلف العلماء في هذا الحديث فقواه من ذكر المؤلف وقال مالك: «هذا كذب».
وضعفه الإمام أحمد كما في «تهذيب السنن» وقال النسائي:
«هو حديث مضطرب» وبه أعله الحافظ في «بلوغ المرام» فقال: «ورجاله ثقات إلا أنه مضطرب وقد أنكره مالك».
وقد بين الاضطراب فيه الحافظ في «التلخيص» ٦/ ٤٧٢ فليراجعه من شاء.
ثم تبين لي أن الحديث صحيح وأن الاضطراب المشار إليه هو من النوع الذي لا يؤثر في صحة الحديث لأن بعض طرقه سالم منه وقد بينت ذلك في «إرواء الغليل» ٩٦٠ بيانا لا يدع مجالا للشك في صحته.
وتأويل الحديث بالنهي عن صوم السبت مفردا يأباه قوله: «إلا فيما افترض عليكم» فإنه كما قال ابن القيم في «تهذيب السنن»: «دليل على المنع من صومه في غير الفرض مفردا أو مضافا» لأن الاستثناء دليل التناول وهو يقتضي أن النهي عنه يتناول كل صور صومه إلا صورة الفرض ولو كان إنما يتناول صورة الأفراد لقال: لا تصوموا يوم السبت إلا أن تصوموا يوما قبله أو يوما بعده كما قال في الجمعة فلما خص الصورة المأذون فيها صومها بالفريضة علم تناول النهي لما قابلها».
قلت: وأيضا لو كانت صورة الاقتران غير منهي عنها لكان استثناؤها في الحديث أولى من استثناء الفرض لأن شبهة شمول الحديث له أبعد من شموله لصورة الاقتران فإذا استثني الفرض وحده دل على عدم استثناء غيره كما لا يخفى.
وإذ الأمر كذلك فالحديث مخالف للأحاديث المبيحة لصيام يوم السبت كحديث ابن عمرو الذي قبله ونحوه مما ذكره ابن القيم تحت هذا الحديث في بحث له قيم أفاض فيه في ذكر أقوال العلماء فيه وانتهى فيه إلى حمل النهي على إفراد يوم السبت بالصوم جمعا بينه وبين تلك الأحاديث وهو الذي ملت إليه في «الإرواء».
стр. 4176
والذي أراه - والله أعلم - أن هذا الجمع جيد لولا أمران اثنان:
الأول: مخالفته الصريحة للحديث على ما سبق نقله عن ابن القيم.
والآخر: أن هناك مجالا آخر للتوفيق والجمع بينه وبين تلك الأحاديث إذا ما أردنا أن نلتزم القواعد العلمية المنصوص عليها في كتب الأصول ومنها:
أولا: قولهم: إذا تعارض حاظر ومبيح قدم الحاظر على المبيح.
ثانيا: إذا تعارض القول مع الفعل قدم القول على الفعل.
ومن تأمل في تلك أحاديث المخالفة لهذا وجدها على نوعين:
الأول: من فعله ﷺ وصيامه.
الآخر: من قوله ﷺ كحديث ابن عمرو المتقدم.
ومن الظاهر البين أن كلا منهما مبيح وحينئذ فالجمع بينها وبين الحديث يقتضي تقديم الحديث على هذا النوع لأنه حاظر وهي مبيحة. وكذلك قوله ﷺ لجويرية: «أتريدين أن تصومي غدا» وما في معناه مبيح أيضا فيقدم الحديث عليه.
هذا ما بدا لي فإن أصبت فمن الله وله الحمد على فضله وتوفيقه وإن أخطأت فمن نفسي وأستغفره من ذنبي.
[تمام المنة ص (٤٠٥)]
النهي عن صيام الدهر
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
قوله تحت عنوان: النهي عن صوم الدهر: «فإن أفطر يومي العيد وأيام التشريق وصام بقية الأيام انتفت الكراهة».
قلت: هذا التأويل خلاف ظاهر الحديث: «لا صام من صام الأبد» وقوله: «لا صام ولا أفطر» وقد بين ذلك العلامة ابن القيم في «زاد المعاد» بما يزيل كل شبهة
стр. 4177
فقال ﵀: «وليس مراده بهذا من صام الأيام المحرمة ... »».
وذكر نحوه الحافظ في «الفتح: ٤/ ١٨٠».
قوله في تمام بحثه السابق: «وقد أقر النبي ﷺ حمزة الأسلمي على سرد الصيام وقال له: «صم إن شئت وأفطر إن شئت» وقد تقدم».
قلت: نعم تقدم الحديث تحت الكلام عمن يرخص لهم في الفطر ... ولكن بلفظ آخر وليس فيه السرد جاء ذلك في رواية لمسلم بلفظ: «قال يا رسول الله إني رجل أسرد الصوم؟ أفأصوم في السفر؟ قال: «صم إن شئت وأفطر إن شئت».
ورواه ابن خزيمة ٢١٥٣.
ولا دليل في الحديث على ما ذهب إليه المؤلف لأنه لا تلازم بين السرد وصوم الدهر وقد ذكر الحافظ في «الفتح» استدلال بعض العلماء على الجواز بحديث حمزة هذا ثم عقب عليه بقوله:
«وتعقب بأن سؤال حمزة إنما كان عن الصوم في السفر لا عن صوم الدهر ولا يلزم من سرد الصيام صوم الدهر فقد قال أسامة بن زيد أن النبي ﷺ كان يسرد الصوم فيقال: «لا يفطر». أخرجه أحمد ومن المعلوم أن النبي ﷺ لم يكن يصوم الدهر فلا يلزم من ذكر السرد صيام الدهر».
ثم قوله أيضا: «والأفضل أن يصوم يوما ويفطر يوما فإن ذلك أحب الصيام إلى الله».
قلت: فهذا من الأدلة على كراهة صوم الدهر مع استثناء الأيام المحرمة إذ لو كان صوم الدهر هذا مشروعا أو مستحبا لكان أكثر عملا فيكون أفضل إذ العبادة لا تكون إلا راجحة فلو كان عبادة لم يكن مرجوحا
كما تقدم عن ابن القيم.
[تمام المنة ص (٤٠٨)]
стр. 4178
النهي عن صيام السبت مطلقًا
[قال رسول الله ﷺ ]: «صيام يوم السبت لا لك ولا عليك».
[قال الإمام]: الحديث ظاهره النهي عن صوم السبت مطلقًا إلا في الفرض، وقد ذهب إليه قوم من أهل العلم كما حكاه الطحاوي، وهو صريح في النهي عن صومه مفردًا، ولا أرى فرقًا بين صومه - ولو صادف يوم عرفة أو غيره من الأيام الفاضلة - وبين صوم يوم من أيام العيد إذا صادف يوم الاثنين أو الخميس، لعموم النهي، وهذا قول الجمهور فيما يتعلق بالعيد، كما في المحلى «٧/ ٢٧».
السلسلة الصحيحة (١/ ١/ ٤٤٥، ٤٤٧).
النهي عن صيام السبت إلا في الفرض
«نهى عن صوم ستة أيام من السنة: ثلاثة أيام التشريق ويوم الفطر ويوم الأضحى ويوم الجمعة مختصة من الأيام».
[قال الإمام]: واعلم أنه قد صح النهي عن صوم يوم السبت إلا في الفرض، ولم يستثن ﵊ غيره، وهذا بظاهره مخالف لما تقدم من إباحة صيامه مع صيام يوم الجمعة، فإما أن يقال بتقديم الإباحة على النهي، وإما بتقديم النهي على الإباحة، وهذا هو الأرجح عندي، وشرح ذلك لا يتسع له المجال الآن، فمن رامه، فعليه بكتابي «تمام المنة في التعليق على فقه السنة» «٤٠٥ - ٤٠٨ / طبعة عمان».
السلسلة الصحيحة (٥/ ٥٢٤).
معنى: صوم السبت لا لك ولا عليك
مداخلة: [ما هو] المقصود بالحديث المرفوع، يعني: قوله لا لك ولا عليك، كلمة «لا عليك» يعني: ماذا نفهم منها؟
стр. 4179
الشيخ: قبل كل شيء اِفهم الأولى، بعد ذلك تستطيع أن تفهم الأخرى، «لا لك» ماذا يعني؟
مداخلة: أنا أفهم بأن معناها: لا أجر لك.
الشيخ: طيب! فشيء لا أجر لك فيه، تفعله؟
مداخلة: لا.
الشيخ: فإذا فعلته، في هذه الحالة ما يكون حكمك؟
مداخلة: إذا أجبت أنا أجيب بالعبارة الثانية: «لا عليك».
الشيخ: لا، ما تستطيع أن تجيب؛ لأنك إذا أجبت هذا الجواب بالعبارة الثانية معناها: «ما مشيت مع العلم» بعبارة أخرى أقول لك: ما حكم من يتعبد بما ليس بعبادة؟
مداخلة: ابتداع في دين الله.
الشيخ: فما حكم الابتداع في دين الله؟ ...
مداخلة: حرام.
الشيخ: إذاً: ستأخذ من الحديث الموقوف ما يناسب الحديث المرفوع، ولا تأخذ منه ما يباينه ويخالفه.
إذاً: قوله: «لا لك» أي: لا يشرع لك، فإذا عرفت ذلك حينئذٍ استغنيت عن الاعتماد على تمام الحديث؛ واضح أم لا؟
مداخلة: لا. واضح تمام.
مداخلة: وضح لنا يا شيخنا؟
مداخلة: أعطنا الحديث أوله.
الشيخ: هو الحديث هكذا «صيام يوم السبت لا لك ولا عليك».
مداخلة: عن صيام السبت.
стр. 4180
الشيخ: يعني: هو يسأل عن روايةٍ بهذا اللفظ، هذا اللفظ جاء مرفوعاً وجاء موقوفاً، «صيام يوم السبت لا لك ولا عليك».
إسناد الرواية المرفوعة فيها ابن لهيعة فيه ضعف، إسناد الرواية الموقوفة صحيحة أو جيدة أو حسنة، فهي تفيدنا في موضوع دعم الحديث المرفوع الذي جاء بأساليب صحيحة عن عبد الله بن بسر: «لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افْتُرِض عليكم» «لا تصوموا يوم السبت» هذا نهي واضح، الحديث الموقوف ما فيه نهي، فيه: «لا عليك» يعني: ما فيه عليك شيء صمته ...
لكن المسلم حينما يعرف المسألة من الناحية الفقهية لا يصومه، لا يتجرأ على صيامه، ولئن فعل فهو كما قال ﵇ في صوم آخر ألا وهو صوم الدهر: «من صام الدهر لا صام ولا أفطر» هذا علامة ... تعرف شلون؟
مداخلة: هذا وضح.
الشيخ: «من صام الدهر لا صام ولا أفطر» هذا ما فيه نهي، لكن فيه إخبار أنه ضَيَّع وقته وعطشه وجوعه سدى، فهو ما صام، لكن في الواقع أيضاً ما أفطر؛ لأنه استمر ممسكاً عن الطعام والشراب.
إذاً: هذا إضاعة للوقت وإضاعة للجهود، وأخيراً يأتي ابتداع في الدين، ولذلك جاء في الحديث الآخر: «من صام الدهر ضُيِّقت عليه جهنم هكذا» نعم، فهذا الحديث الموقوف ينفعنا نحن في الشطر الأول، «صيام يوم السبت لا لك» ما يضرنا آخره «لا عليك»؛ لأننا نحن نأخذ من الكلام الموقوف ما يوافق الكلام المرفوع للرسول ﵇، لعله وضح لك؟
(الهدى والنور /١٦٦/ ٠٠: ٠٠: ٠٠)
إذا صادف يوم عرفة يوم السبت أو الجمعة
السائل: إذا صادف يوم عرفة يوم السبت أو الجمعة شو حكم الصيام في الحالة هذه؟
الشيخ: مثل إذا يصادف يوم الاثنين يوم عيد، شو حكمه؟
стр. 4181
السائل: ما يجوز صيامه.
الشيخ: كذلك ما بنصوم يوم عرفة يوم السبت.
(الهدى والنور /١٨١/ ٠٦: ٥٣: ٠٠)
الأيام البيض إذا صادف أحدها يوم السبت هل يُصام ؟
السؤال: الثلاث أيام البيض من كل شهر؟
الشيخ: نعم.
السؤال: ثالث يوم صادف يوم السبت؟
الجواب: لا يُصام.
مداخلة: لا يصام؟
الشيخ: لا.
(الهدى والنور /٢٠٢/ ٥١: ٤٨: ٠٠)
إذا صادف يوم السبت يوما من الأيام البيض
الملقي: إذا صادف يوم السبت يوما من الأيام الثلاثة الموجودة في كل شهر .. ؟
الشيخ: «إلا فيما افترض عليكم».
الملقي: على إطلاقه.
(الهدى والنور/٧٥٣/ ١٠: ٢٦: ٠٠)
стр. 4182
صيام يوم عرفة إذا صادف السبت
مداخلة: شيخنا جزاك الله كل خيرًا، صيام يوم عرفة إذا صادف السبت؟
الشيخ: صيام يوم السبت ما خلصنا منه؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، يا جماعة في هذه المناسبة وقبل مباشرة الإجابة، مباشرة أقول: أنصح إخواننا الذين صار عندهم شيء من العلم أن لا يتجرؤوا وأن يبنوا ويصدروا ..
ويصدروا أحكامًا هي أكبر منهم، وعليهم أن يكونوا ممن أشار إليهم الرسول ﵊ بقوله: «من يُرِد الله به خيراً يُفَقِّهه في الدين»، الحديث الذي ورد في خصوص صيام يوم السبت بلفظ: «لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افترض عليكم، ولو لم يجد أحدكم إلا لحاء شجرة فليمضغه»، هذا الحديث له جانبان، جانب حديثي وجانب فقهي.
الجانب الحديثي يعني: هل هو صحيح أم غير صحيح؟
الجانب الفقهي ما دلالته؟
يمكن لكثير من الناس، خاصة طلبة العلم، وبصورة أخص الذين تعجبهم نفوسهم ويظنون أنهم صاروا في منزلة من يفتي بأنه يجوز أو لا يجوز، هؤلاء ربما يكون لهم بعض العذر وليس كل العذر، أن يقولوا لا، هذا الحديث: لا يدل أنه إذا صادف يوم السبت يوم عرفة أو يوم عاشوراء، أنه لا يجوز نصومه.
هذا لهم بعض العذر وليس لهم عذر، لكن كون الحديث صحيحًا، أو كون الحديث ضعيفًا، ليس لهم أن يدخلوا فيه إطلاقاً؛ لأنهم لا علم عندهم لطريق معرفة الحديث الصحيح أو الحديث الضعيف، الكلام الآن يجري مع إخواننا فضلاً عن الآخرين الذين يؤمنون بصحة هذا الحديث، وإذا كان أحد عنده شيء من الدراسة الحديثية ويقول: لا هذا الحديث غير صحيح، حينئذ نفتح صحيفة جديدة، وندرس الحديث على ضوء قواعد علم الحديث، لننظر هل قولنا بأن هذا الحديث
стр. 4183
صحيح أم قولهم بأن هذا الحديث غير صحيح هو الصحيح.
أما إذا كان البحث يدور على أساس أن هذا الحديث صحيح، وهو صحيح لا شك ولا ريب فيه، حينئذٍ يَسْهُل بيان خطأ أولئك الناس كل الناس، سواء كانوا مقلدين أو كانوا متبعين كإخواننا السلفيين أو غيرهم، من السهولة بمكان أن نفهمهم أن هذا الحديث نص قاطع لا يقبل التأويل، في أنه إذا صادف يوم السبت يوم عاشوراء أو يوم عرفة أنه لا يجوز صيامه، وهاكم البيان:
سمعتم الحديث -آنفاً- بعد أن نهى الرسول ﵊ عن صيام يوم السبت استثنى فقال: «إلا فيما افترض عليكم».
وحينئذٍ صار عندنا نهي عن صيام يوم السبت، يعني نلخص الحديث بتمامه نأخذ خلاصته، خلاصته: أن الرسول ﵊ نهى عن صيام يوم السبت إلا في الفرض.
فإذا قال قائل -كما نسمع-: لا، وإلا في عاشوراء، وسألنا ثاني وإلا في عرفة وإلا في أيام البيض الله أكبر، أنا لا أتصور مسلماً يدري وينتبه لما يخرج من فمه، أنه يتجرأ أن يقول هذا الكلام، رسول الله يقول: «لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افترض عليكم».
وهو يقول: إلا كذا وإلا كذا وإلا كذا، هذا ليس استدراكاً على رسول الله، أليس معنى ذلك -لا سمح الله- أن هذا الذي يقول هذا الاستدراك الثاني والثالث والرابع في لسان حاله يقول: الرسول لا يعرف يتكلم؟
مداخلة: ليس فصيح.
الشيخ: ليس فصيح، لا يعرف يتكلم، لأنه نهي نهياً عاماً واستثناء واحدًا، وكان عليه أنه يأتي بكلمة تشمل هذه الأنواع وهذه المستثنيات الأخرى، هذه الذي يقولها هؤلاء الجماعة، تصور: طالب العلم العاقل المتجرد عن الهوى، تَصَوُّره لهذا الكلام يكفي له أن يقول: تبت إلى الله ورجعت إليه مما كنت أقول، وصدق رسول الله
стр. 4184
حين يقول: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم».
بعد هذا البيان نأتي بصورة سترون هؤلاء المتحمسين لهذه الاستثناءات الثلاثة، وأقولها بعبارة أخرى: المُسْتَدركين على رسول الله، سيتراجعون في مسألة أخرى، نقول لهم: إذا صادف يوم عيد يوم السبت، هل تصومونه؟ يوم النحر وثلاثة أيام بعده منه، لابد في سنة من السنين صادف أنه في يوم .. يوم اثنين مثلاً.
مداخلة: يوم اثنين.
الشيخ: يوم اثنين.
مداخلة: أو خميس.
الشيخ: أو خميس صادف بلا شك، هل نصوم يوم الاثنين إذا صادف يوم عيد؟ سيكون الجواب بالإجماع لا، سنقول لهم: لماذا؟ يقولوا لك: هذا منهيّ عنه، ما هو الفرق بين صيام يوم السبت وهو منهي عنه، وبين صيام يوم عيد، من أيام العيد صادف يوم الاثنين وهو مرغوب في صيام يوم الاثنين، مرغوب في صيام يوم الخميس، لكن لما وافق ظرفاً نُهِيَ عن صيامه، لما صادف يوماً نُهِي عن صيامه، ما كان موقف العلماء؟ غَلَّبوا النهي على الإباحة، فقالوا: لا، نحن لا نصوم الخميس والاثنين لمصادفة هذا اليوم أو ذاك ليوم العيد وهو منهي عن صيامه.
لا فرق أبداً بين نهي الرسول عن يوم السبت وبين نهي الرسول عن صيام أربعة من العيد، فما هي القاعدة التي لجأ إليها هؤلاء الذين يذهبون إلى الاستدراك على الرسول ﵊ فقالوا: بجواز صيام يوم السبت، إذا وافق يوماً فاضلاً كيوم عرفة مثلاً، فماذا يقول هؤلاء في صيام يوم الاثنين ويوم الخميس، وهما من الأيام التي يستحب صيامها؟
هؤلاء إن كانوا فقهاء، سيجيبون بكلام علماء الأصول، سيقولون: لما تعارض النهي مع الإباحة، قُدِّم النهي على الإباحة، أيام العيد منهي عن صيامها، يوم الاثنين ويوم الخميس مباح صيامه مرغوب فيه، فإذا تعارض المبيح مع المحظور قدم
стр. 4185
المحظور عن المبيح، نفس القاعدة نحن طبقناها هنا في صوم يوم السبت.
مداخلة: حتى لو بصيام يوم ويفطر يوم، يبطل صيامه ويفطر؟
الشيخ: نفس النتيجة، يا أخي.
مداخلة: نفس النتيجة.
الشيخ: نفس النتيجة، يعني مثلما يقول ابن حزم -يرحمه الله-: هذا حكم جاء به الشارع، يجب أن نُخْضع له القاعدة وحده، قدم الحاظرعلى المبيح فيما يتعلق بصوم يوم السبت، فيما يتعلق بصوم يوم العيد الحاظر مقدم على المبيح، أخيراً ..
أخيراً نقول شيئاً: كثير من الناس يتوهمون أنهم إذا صادف يوم سبت يوم عاشوراء أو يوم من أيام العيد الفضيل، أنهم إذا تركوا صيام ذاك اليوم يوم السبت فاتهم خير كبير، صوم يوم عاشوراء يُكَفِّر السنة الماضية، صوم يوم عرفة الماضية والآتية، كيف نخسر هذه الفضيلة وتلك؟
الجواب: -لو كانوا يعلمون- في قوله ﵊: «من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه»، نحن لم نصم يوم السبت، لماذا؟ زهداً في صيام يوم عرفة وفي صيام يوم عاشوراء وفي صيام أيّ يوم فضيل من أيام البيض مثلاً، ليس زهداً، وإنما طاعة لله ورسوله.
إذاً: صدق فينا هذا الحديث، «من ترك شيئاً لله»، شيئاً هنا مثل شيئاً في الآية السابقة، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] من ترك شيئاً مطلق أي شيء من هذه الأشياء، تركنا صيام يوم السبت مع أنه صادف يوم عرفة، لماذا؟ لله، لأنه نهانا على لسان نبيه ﷺ .
إذاً: نحن خير من أولئك الذين صاموا يوم عاشوراء، وإن شاء الله استحقوا أن يغفر الله لهم السنة الماضية والسنة الآتية، نحن الذين نستحق إن شاء الله بنص هذا الحديث، نحن عملنا بحديثين، حديث فيه فضيلة وحديث فيه نهي، هم عملوا
стр. 4186
بحديث فيه فضيلة وأعرضوا عن الحديث الذي فيه نهي، وهذه ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين.
(الهدى والنور /٢٠٤/ ٥٤: ٤٨: ٠٠)
صيام يوم السبت ويوم الأحد
السؤال: هل يجوز صيام يوم السبت ويوم الأحد؟
الجواب: في الفريضة.
السؤال: نعم؟
الجواب: في الفريضة.
السؤال: طيب، النفل؟
الجواب: ما معنى في الفريضة؟
السؤال: الفريضة ما افترض من عند الله .
الجواب: إذا قلت لك الفريضة، معناه ليس في النفل، ترجع وتقول في النافلة، لو كان يجوز الصيام في الفرض والنافلة أقول لك: يجوز وانتهى الأمر، لا، يجب أُقَيِّد لك الجواب وأقول لك في الفريضة.
السؤال: يعني يجوز، شكراً يا شيخ.
الجواب: لا يجوز، ما يجوز إلا في الفريضة.
السؤال: لا يجوز إلا في الفريضة، يعني في رمضان.
الجواب: رمضان أو نذر.
السؤال: إن شاء الله.
الجواب: أو قضاء.
стр. 4187
السؤال: على أساس أنه في ناس يقولوا يا شيخ، إن بعض الناس لا يُجَوِّز؛ لأنه في يوم السبت يكون عيد اليهود والأحد النصارى.
الجواب: هؤلاء يتكلموا بغير علم، الرسول ﵊ يقول: «لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افترض عليكم، ولو لم يجد أحدكم إلا لحاء شجرة فليمضغه».
السؤال: شكراً، يا شيخ.
(الهدى والنور / ٢٠٦/ ٠٥: ٢٢: ٠٠)
إذا وافق عاشوراء يوم السبت فهل يكتفي المسلم بصيام تاسوعاء أم يترك صيام اليومين ؟
الشيخ: من صام التاسوعاء ناوياً ألاّ يصوم السبت، ائتماراً بأمره ﵇ فيكون أمره خيراً من الذي يصوم؛ لأن الرسول ﵇ كان يقول: «من ترك شيئاً لله، عوضه الله خيراً منه».
السائل: الإشكال الذي انطرح من بعض إخواننا وحَدَّد المسألة، فذكر كلمة هي التي جعلت هذا البحث يطرق، وهي أن التاسع إنما شُرع من أجل العاشر، فإذا العاشر لم يُصَم فالتاسع تبع له، فهل هذا الكلام على مائدة ..
الشيخ: هذا سبق الجواب عنه.
السائل: نعم، يعني: صار من قول بعض العلماء الذي أشرت أنه صواباً أو خطأً.
стр. 4188
الشيخ: ومع ذلك أزيد عليه الآن، بناء على ما سبق أُضيف: أن اليهود على كل حال لا يصومون التاسوعاء، فلو افترضنا إنساناً -هذا فرض- لأمرٍ ما، لا يريد أن يصوم العاشوراء، هل الأفضل أن يصوم التاسوعاء مخالفة لليهود أم لا يصوم التاسوعاء ولا العاشوراء؟ الأفضل أن يصوم التاسوعاء، لأن فيه مخالفة لليهود.
(الهدى والنور / ٢٥٧/ ٤٢: ٠٠: ٠٠)
حول صيام السبت
الملقي: أريد أن أعود إلى نقطة تكلمتم عنها في الصباح حول صيام يوم السبت.
الشيخ: هاه، ما شبعنا في هذا!
الملقي: لا، خلاص ..
الشيخ: لا لا بأس، تَفَضّل. بس بشرط واحد، ما يمل الناس.
الملقي: جزاك الله خيرًا.
الشيخ: أيوه، تفضل.
الملقي: أنا فهمت من كلامكم: أنه لا ينبغي صيام يوم السبت إلا في رمضان.
الشيخ: لا، ليس إلا في رمضان.
الملقي: اسمعني يا شيخ حتى أُكمل.
الشيخ: لا لا تعمل محاضرة، أنا بقول لك لا، فمعناها أن هذا الفهم ليس صحيحاً.
الملقي: حسناً.
الشيخ: فإذاً تريد أن تعمل محاضرة على شَرَف جُرُف هار.
هذا الفهم ليس صحيحاً؛ لأن النبي ﷺ قال بلسان عربي مبين: «إلا فيما افْتُرِض عليكم»، فأنا أسألك الآن: رجل عليه قضاء أيام من رمضان.
стр. 4189
الملقي: هذا مفترض طبعاً.
الشيخ: طَوِّل بالك، لكن ليس رمضان، لا يصوم في رمضان.
الملقي: إيه، في مفترض.
الشيخ: طيب، هذه واحدة، والأخرى رجل نذر على نفسه نذراً، هذا رمضان.
الملقي: إي نعم.
الشيخ: هذا رمضان؟
الملقي: .... شهرين متتابعين.
الشيخ: نعم.
مداخلة: شخص .. عليه صيام شهرين متابعين.
الشيخ: هذا هو يعني، أشياء كثيرة أليست هذه فروض.
الملقي: يعني فيما عدا المُفْتَرض، قصدي.
الشيخ: نعم.
الملقي: فيما عدا المفترض، المفترض يعني؟
الشيخ: معنى هذا ليس كلامي، هذا كلام نبي الجميع، «إلا فيما افترض عليكم» لكن أنت استعجلت عليّ: إلا في رمضان قلت، أنا ما قلت في رمضان أولاً، وإنما هذا فهم منك، وهو في نفسه خطأ كما عرفت الآن، طيب، تابع الكلام؟
الملقي: يعني إذا -مثلاً- يوم السبت يوم عرفة، أو يوم عاشوراء.
الشيخ: سامحك الله، ترجعنا، تخلينا رجعيين .. كما يقولون يعني!
الملقي: .. لو تكرمت وسع صدرك ..
الشيخ: لكن هذا إعادة للكلام الذي جرى هناك، وستضطرني أن أعود إلى ذكر الجواب، أيضاً الذي سبق هناك.
стр. 4190
الملقي: لا لا يعني مختصر.
الشيخ: هات تفضل ..
الملقي: جزاك الله خيرًا يا الشيخ، فتواك وكلمتك مسموعة .. قبولها شيء لا ينكر، فأقول: إذا وافق يوم السبت يوم عرفة أو يوم عاشوراء أو من أيام البيض أو ست من شوال، لا ينبغي أن يُصَام، هكذا.
الشيخ: مئة هكذا.
الملقي: طيب، يعني، كنت أتذكر حديثين في هذا، فأول تُوضِّح وجه التعارض، يعني في حديث عائشة ﵁ أنه ﵊: كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، السبت والأحد والاثنين، وفي الشهر الآخر يصوم الثلاثاء والأربعاء والخميس، وهذا حَسَّنه الترمذي، لكن لا معرفة لي بتدقيق الإسناد.
الحديث الثاني: حديث ابن عباس عن أم سلمة أنهم سألوها عن صيام رسول الله ﷺ ، فقالت: كان يصوم السبت والأحد، فأنكروا على كُرَيْب الذي نقل لهم رواية أم سلمة، وقاموا بأنفسهم فسألوها فقالت: إنه كان يصوم السبت والأحد مخالفة للمشركين، وصححه -كما يقول الشوكاني- ابن حبان وابن خزيمة والحاكم ووافقه الذهبي. فأنا أشكل عليّ الاعتراض؟
الشيخ: حُقَّ لك الإشكال؟
الملقي: جزاك الله خيرًا.
الشيخ: ولم يحق لك أن تنسب إليَّ ما لم أقل.
الملقي: أصل كلمة رمضان، أو ما في حكمها أو معناها.
الشيخ: طيب، أما أنك أَشْكَل عليك الأمر، فالجواب -فعلاً- يؤخذ من أجوبتي السابقة على غير هذا الحديث، لكن في كثير من الأحيان الناس أو بعض الناس لا يهتمون بالقواعد وبالأصول، ولذلك فهم يريدون جواباً عن كل فرع وعن كل حديث.
стр. 4191
والآن أنا أُذَكِّرك بما جرى هناك، حينما تفضل بعض المشايخ الفضلاء، وجاء بحديث جويرية وأنت حاضر، كان جوابي: هذا الحديث يبيح صيام يوم السبت، صح؟
الملقي: إي نعم.
الشيخ: طيب، حديثك الأول والثاني يبيح صيام يوم السبت، هل سمعت الجواب عن ذاك الحديث، وأقول الآن باختصار قد يتلوه التفصيل: الجواب الذي سمعته عن حديث جويرية هو عين الجواب عن حديث أم سلمة، وعن الحديث الأول الذي ..
مداخلة: هو نفسه
الشيخ: نعم الجواب هو هو نفسه، مع شيء من التحفظ .. سأذكره فيما بعد، لكن أريد أن أُذَكِّر حضرتك؛ لأن ذاك الجواب هو الجواب.
الملقي: نفس الجواب.
الشيخ: هو الجواب بمعنى، هذا هو الشرح الذي قد نضطر إلى ذكره، ما دام أنك رغبت أن نعود القهقرى، وأن نعود راجعين إلى الورى.
الملقي: إذا كان للإخوان رغبة في ذلك، إذا كان لهم رغبة، لا أفرض رغبتي عليهم.
الشيخ: معليش.
الملقي: .... بإيجاز
الشيخ: يقول إيش؟
الملقي: بإيجاز.
الشيخ: طيب جزاك الله خيراً، نقول: الآن بإيجاز: هذه الأحاديث التي ذكرتها الآن، أو هذان الحديثان كحديث جويرية، ما أتينا بشيء جديد سوى أننا زدنا في العدد، فصارت الأحاديث المُبِيح بدل حديث واحد هو حديث جويرية صار المجموع ثلاثة أحاديث، وكل هذه الأحاديث الثلاثة تدخل في دائرة إباحة الصيام
стр. 4192
المختلف فيه ألا وهو صيام السبت، وإذا كان هذا الكلام الذي أقوله الآن مسلماً به، ولا أظن أحداً يناقش فيه.
فإذاً: الجواب سبق عن هذا؛ لأنه لا فرق بين حديث جويرية من حيث أنه دَلَّ على إباحة صيام السبت، ولا فرق بالتالي بين حديث أم سلمة لأنه دل على نفس الدلالة، وأخيراً الحديث الثالث، فما كان جواباً عن الحديث الأول، كان جواباً عن الحديث الثاني، وما كان جواباً عن الحديث الثاني، كان جواباً عن الحديث الثالث، وأخيراً ذاك الجواب هو الجواب عن الأحاديث الثلاثة.
هذا من حيث تطبيق علم أصول الفقه: أن الحاظر مقدم على المبيح، وضربنا أمثلة تقريبية، وبعض من على يمينك من الأفاضل ممن يحضرون مجالس العلم قال لما سمع المثل الذي ضربته لكم وأنتم جميعاً حاضرون: افترض أنه جاء يوم اثنين أو يوم خميس يوم عيد، فهل تُفَضّل صيامه لما فيه من الفضيلة، أم تُؤْثر ترك هذا الصيام؛ لأنه صادف يوم عيد، وقد نهى الرسول ﷺ عن صيام يوم العيد، صرح بعض الأفاضل الحاضرين: والله إن هذا المثال يقنعنا تماماً، وقد نكون من قبل نقول بخلاف ما يقول الشيخ، أما الآن فهذا المثال مثال واضح جداً؛ لأنه إذا تعارض حاظر ومبيح قُدِّم الحاظرُ على المبيح.
لعلك تذكر معي أن هذا الكلام كله جرى في تلك الجلسة، فالآن ما الذي استفدناه ولا مؤاخذة من أنك ضممت إلى الحديث الأول حديث جويرية حديثين آخرين وهما كالأول، كلهم داخلون في موضوع الإباحة.
وحينئذٍ: فالقاعدة كما ذكرنا: إذا تعارض حاظر ومبيح قُدِّم الحاظر على المبيح، هذا من الناحية الفقهية.
من الناحية الحديثية: حديث ابن عباس الذي ذكرته آنفاً، الحقيقة أنني كنت في سنين مضت حَسَّنته في بعض كتبي، ثم تَبَيّن لي أن فيه رجلاً مجهول العدالة، ولذلك فرجعت عن تقوية هذا الحديث وتحسينه كما نقلت أنت عن الترمذي، وأدخلته في القسم الذي لم يُطْبَع بَعْدُ من «ضعيف الترغيب والترهيب» بل كان في الطبعة الأولى
стр. 4193
من «صحيح الترغيب والترهيب» كان موجوداً فيه، والآن لما أعدنا طباعة المجلد الأول من صحيح الترغيب والترهيب، وتبين أن فيه تلك العلة رفعت هذا الحديث من الصحيح، فالطبعة الجديدة التي هي من طباعة دار المعارف ليس فيها هذا الحديث؛ لأنني نقلته إلى ضعيف الترغيب والترهيب. فنقول.
مداخلة: شيخنا ...
الشيخ: نعم.
الملقي: شيخنا «السلسلة الضعيفة» الجزء الرابع.
الشيخ: موجود أيضاً، جزاك الله خيرًا.
نعود لنقول: فمن كان لا يزال يقتنع أو مقتنعاً بأن هذا الحديث ثابت كما رأيت أنت من الترمذي، فالجواب الفقهي يكفيه، ومن كان يقتنع بمثل ما اقتنعت به أنه حديث ضعيف الإسناد، فنعيد الكلمة التي قلناها هناك: إنه هذا الميت لا يستحق هذا العزاء، حديث ضعيف يُخالف حديثاً صحيحاً، لا قيمة له، أما الحديث الثاني، الذي أذكره الآن غير متذكر أن فيه اضطراباً في متنه، وفي بعض رواته أيضاً شيء من الجهالة، ولعل أخانا علياً يَمُدّنا بمدده.
علي حسن: شيخنا فيه انقطاع بين عائشة والراوي عنها، وسألتك عنه فلم تورده في صحيح الترمذي.
الشيخ: أيوه.
مداخلة: فبالتالي، هو من نصيب الكتاب الآخر.
الشيخ: «ضعيف الترمذي» هذا هو.
فإذاً: رجعت يا أستاذ بِخُفّي حنين، لا استفدت شيئاً سوى على النظام العسكري السوري: مكانك راوح، ههه.
مداخلة: شيخ، بلى استفدنا يا شيخ، هذين الحديثين.
стр. 4194
الشيخ: إيه جزاك الله خيرًا.
مداخلة: لو سمحتم.
الملقي: تفضل.
مداخلة: أيضاً من القواعد الأصولية يعني: إذا تعارض القول والفعل، يُقَدّم القول على الفعل.
الشيخ: أحسنت، جزاك الله خيرًا.
مداخلة: ثانياً: قاعدة أيضاً أصولية.
الشيخ: بس هذا الكلام أرجو أن توجهه إلى جارك. [يضحك الشيخ]!
(الهدى والنور/٣٦٩/ ٠١: ٤١: ٠٠)
حول صيام السبت
الشيخ: فإذا تعارض أمره ﵇ أو قوله مع فعله، قدم القول على الفعل؛ لهذا السبب أن قوله تشريع عام, فعله قد وقد، أي: قد يكون تشريعاً عامًّا، وقد لا يكون.
لاشك أنه يكون تشريعاً عاماً بشرطين أثنين:
ذكرنا صباحاً الشرط الأول: وهو أن يكون عبادة، وأن لا يكون عادة؛ لأن العادات لا تدخل في الشرعيات.
الشرط الثاني: أن لا يكون له مخالف من القول الصادر من الرسول ﵊، كما نحن الآن في صدده.
فإذا وجدنا قولاً خالف فعله ﵇، أخذنا بقوله وتركنا فعله، لأن قوله هو شرع عام وفعله قد وقد.
الآن نبحث في هذه القدقدة كيف نُعَلِّل فعل النبي ﷺ لشيء خلاف ما
стр. 4195
خاطب به أمته؟
من السهل جداً أن نقول: هذا الفعل إذا لم يكن عندنا دليل يُبَيِّن أنه جاء بعد القول، فإذاً: يحمل على الأصل، وهي البراءة الأصلية.
لأن الشريعة ما جاءت بالأحكام طَفْرَةً واحدةً، وقصة الخمر والتَدَرُّج في تحريمها أوضح مثال من الأمثلة التي تدلنا على أن الخمر كانت مباحة على الأصل.
وقد لا نقول حلالاً إنما على البراءة الأصلية, فإذا جاءنا خبر بأن زيداً من الناس شرب الخمر، لكن شربه للخمر يمكن أن يكون في ذلك الزمان, فإذا جاء الحديث عن الرسول ﵇ في فعل ما، كما نحن الآن في صدده، فإن صيام يوم السبت يمكن أن يكون قبل هذا التشريع الجديد بقوله: «لا تصوموا يوم السبت».
فإذاً: ممكن أن يكون هذا الفعل كان في زمن الإباحة.
ثانياً: يمكن أن يكون لعذر, فعل صدر منه ﵇ لعذر، فحينئذٍ نقول مادام أنه يحتمل أن يكون لعذر، فنقدم القول على الفعل؛ كما جاء في القاعدة.
ثالثاً وأخيراً نقول: يمكن أن يكون هذه خصوصية للرسول ﵇؛ مادام تعارض فعله مع قوله فالقول مقدم على الفعل.
الذي أردت بهذا: أن أقول فيه عدة احتمالات وهي ثلاث: إما كان فعله على الأصل, وإما إنه كان لعذر, وإما أنه كان لخصوصية له ﵊، لا يشاركه عليها أحد من الأنام.
من فائدة هذه القاعدة هو تطبيق على بعض النصوص المتخالفة ظاهراً، أنه ثبت في السنة الصحيحة: «أن النبي ﷺ شرب قائماً».
وثبت أيضاً في السنة الصحيحة: أنه نهى عن الشرب قائماً.
ماذا يفعل الآن الفقيه الذي يريد الحق ولا يتأثر بالأجواء والعادات التي يعيش فيها أو بينها؟
стр. 4196
الآن فَلْنُجَرِّب تجربة ثانية، نقدم القول على الفعل، وسنسمع طبعاً اعتراضات كثيرة؛ لكن هذه الاعتراض قائمة على خلاف القاعدة: «نهى رسول الله ﷺ عن الشرب قائماً».
يقول بعض القدامى والمحدثين أن هذا النهي للتنزيه, لماذا نقول أو نتأول النهي بهذا المعنى، وهو كراهة تنزيهية؟ لأنه ثبت يقيناً أن النبي ﷺ شرب قائماً.
أنا أقول: كان من الممكن أن يقال بأن هذا النهي للكراهة التنزيهية، لو كان عندنا ثابت تاريخياً أن فعله كان بعد النهي، فيكون فعله بيان لقوله، ونحن نعرف أنه من قواعد الشريعة أيضاً أن فعله ﷺ هو بيان للشرع سواءً كان قولاً أو غير قول، وهذا منصوص في القرآن كما تعلمون: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
فبيانه ﵇ يكون تارةً بقوله، تارةً بفعله، تارة بإقراره, فلو أنه كان عندنا تاريخ صحيح أنه شرب بعد النهي، وقال قائل ما بأنه هذا النهي للتنزيه لأن الرسول ﷺ شرب بعد النهي, يمكن لكني أقول لا أيضاً وستسمعون السبب.
سنطبق القاعدة كما طبقناها في بعض الأمثلة السابقة, يمكن أن يكون شرب الرسول ﵇ على الإباحة ما دام ما عندنا تاريخ مذكور آنفا، فيمكن أن نقول كان شربه على الإباحة وقبل النهي.
يأتي الجواب الثاني أو الاحتمال الثاني: وهو أن يكون شرب قائماً لعذر، ومن كان معذوراً لا يلحق به من ليس معذوراً، وهذا أمر بدهي جداً.
أخيراً نقول: يمكن أن يكون ذلك من خصوصياته ﵇.
بمثل هذا أيضاً يُجَاب عن حديث البخاري ومسلم الذي هو في الصحيحين من حديث أنس: «لما غزا رسول الله ﷺ خيبر، وكان على فرس له انحسر الإزار عن فخذه ﵇» وهنا لفظان، لا شك أن أحدهما وهذا يعود بنا إلى درسنا في الصباح الذين يقولون إن ما في الصحيحين مقطوع بصحته، هاتوا الآن جواب عن
стр. 4197
هذه المعارضة الموجودة في حديث واحد رواه البخاري بلفظ: «فحسر الإزار عن فخذه» ورواه مسلم: «فانحسر الإزار عن فخذه» فلفظ البخاري حسر أي قصداً, وهنا حينذاك يظهر حكم جديد.
بينما لفظ مسلم «انحسر» أي ليس له كسب في ذلك، لأنه يطارد ويركض بفرسه، وهو بطبيعة الحال الثوب يطير مع الهواء وينكشف الفخذ.
هذا المعنى الثاني، إذا أردنا أن نُرجِّج قلنا: رواية مسلم أصح من رواية البخاري في هذه اللفظة, فإذا مانحن نقرأ في علم مصطلح الحديث أن ما رواه البخاري أصح مما رواه مسلم، وما رواه مسلم أصح مما رواه السنن وو .. إلى أخره من المسانيد.
هذه قاعدة ولكنها ليست مُطردة، فَرُبّ حديث لم يروه الشيخان، رواه الإمام أحمد في مسنده أصح من كثير من الأحاديث التي رواها البخاري ومسلم كلاهما معاً في الصحيحين.
القاعدة هذه قاعدة ليست مضطردة، وإنما يمكن أن نقول أنها قاعدة أغلبية.
فالآن: إذا افترضنا أن رواية البخاري: حسر الإزارَ وليس الراجح «انحسر الإزارُ» حسر الإزار.
افترضنا أن هذه رواية أصح بناءًا على القاعدة العامة أنه ما رواه البخاري أصح مما رواه مسلم، كيف التوفيق بين هذا الحديث الصحيح وبين قوله ﵇: «الفخذ عورة».
نلجأ إلى القاعدة فنستريح: «الفخذ عورة» تشريع عام للأمة، عارضه هذا الفعل مع أن هذا الفعل فيه ذلك الإشكال، يا ترى كان قصداً منه أم دون قصد! لكن نفترض أنه كان بقصد منه، إذاً: هذا فعل وقد يكون على الإباحة الأصلية.
وقد يكون لعذر تضايق، وهو يطارد فكشف الثوب وانحسر ثوبه عن فخذه، وقد يكون خصوصيةً.
стр. 4198
كذلك يقال عن حديث القليب الذي دلَّى فيه النبي ﷺ رجليه فطرق طارق الباب وهو أبو بكر الصديق فاستأذن النبي قال ائذنوا له، فدخل وجلس عن يمين الرسول ﵇ وأدلى رجليه في البئر، وهكذا جاء عمر عن يساره، وجاء عثمان فغطى الرسول ﵇ على الرواية المختلف فيها أيضاً فرواية تقول: قد انكشف الثوب عن ركبته, وفي رواية عن فخذه, وفي رواية في صحيح مسلم «الشك من الراوي» بين فخذه وبين ساقيه لكن نحن تتبعنا الروايات فوجدنا الرواية الصحيحة خارج.
السؤال: ...
الشيخ: لا، أنا رأيد أن أقول خلاف ذلك، عن فخذه خارج الصحيح، عن فخذه؛ فهي التي تُرَجِّح إحد القولين اللذين شك بينهما الراوي، عن فخذه أو عن ساقه.
الشاهد نفترض أيضاً أن الرواية الصحيحة كما قلنا، إنه كان كاشفًا عن فخذه الذي قال به الحديث القولي: «الفخذ عورة» ولما دخل عثمان ستر فخذه وكانت الصِّدِّيقة بنت الصديق ﵄ وهذا من فقهها وحرصها على الفقه، وهي امرأة محجبة كانت تراقب مَنْ الداخل ومَنْ الخارج ماذا يفعل الرسول؟ فلما خرج الجماعة قالت: يا رسول الله دخل أبو بكر ما غيَّرت من وضعك، ودخل عمر كذلك، لما دخل عثمان بادرت فاستترت فقال ﵇: «ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة».
إذاً: هو كشف فخذه أمام أبي بكر وفخذه أمام عمر، إذاً: كيف الفخذ عورة، في القول: نقول هذا فعله، ويحتمل واحدة من ثلاثةٍ أما قوله فهو شريعة عامة، ولسنا بحاجة -والحالة هذه- أن نلجأ إلى بعض أقوال علماء المالكية الذين قَسّموا العورة؛ توفيقاً بين الحديث القولي والحديث الفعلي، إلى عورة كبرى وعورة صغرى.
فالعورة الكبرى السوءتان، والعورة الصغرى الفخذان، لا حاجة بنا حينما نطبق هذه القاعدة الفقهية فنستريح من مثل هذا التعليل الذي لا مسوغ له، بعد أن عرفنا أن القاعدة العلمية تأمرنا بأن نعود إلى قوله ﵇ وندع فعله لاحتمالٍ
стр. 4199
من هذه الاحتمالات الثلاثة.
هذا في الواقع مما يساعد طالب العلم على أن يعرف كيف يوفق بين الأحاديث المتعارضة.
والقواعد في ذلك كثيرة وكبيرة جداً والحمد لله؛ لكن الذي يناسب موضوعنا المتعلق بنهيه ﵇ عن صيام يوم السبت، هو ينبني على هذه القاعدة الفقهية: «إذا تعارض القول والفعل، قُدّم القول على الفعل».
السؤال: أنهما قصتان، قصة يعني تقول أبي بكر وعمر ثم تلاهما عثمان هذا حديث عائشة في هذه الحالة كاشفاً فخذه؛ وسألته عائشة هذه السؤال.
أما قصة حديث أبي موسى وتدلية الرسول وأصحابه أرجلهم في البئر، أليس فيها إلا أنه كشف عن ساقه وجاء أبو بكر وكشف عن ساقه، وجاء عمر جلس على يساره وكشف عن ساقه ثم قال بَشِّر عثمان على بلوى تصيبه، وجاء ولم يجد مكاناً على البئر، فَأَوَّل سعيد بن المسيب بقبورهم، فهذه ليس فيها إلا كشف الساقين فقط.
الشيخ: إذا كان كذلك فهذا الجمع جيد, جزاك الله خيرًا.
(الهدى والنور /٣٧١/ ٤١: ٠٠: ٠٠)
(الهدى والنور /٣٧١/ ٠٠: ٠٤: ٠٠)
الكلام على حديث النهي عن صيام يوم السبت
السائل: بالنسبة لمسألة صيام يوم السبت هذه، إنها تكاد تكون جديدة على الأفهام؛ فاعترضها بعض المنتسبين إلى العلم في مصر فحدث نوع من البلبلة، فنرجو إفاضة حقيقة هذه المسألة، والإجابة عن الشبهات التي تعترض هذا الحكم، لاسيما أحيانا يوم السبت قد يوافق يوم عرفة، وقد يوافق يوم عاشوراء؟
الشيخ: الحقيقة أن هذه المسألة لكثرة ما سُئلتُ عنها وأجبت عنها، تارة
стр. 4200
بالتفصيل دون مناقشة أو مجادلة، وتارة مع التفصيل مع تلقي الاعتراضات والأسئلة، ومن هذا النوع ما كان في هذه السَّفرة الأخيرة في المدينة المنورة، وقد كان في ذلك المجلس بعض أفاضل أهل العلم من الدكاترة وغيرهم من المدرسين في الجامعة الإسلامية، فلا أدري إذا كان من المفيد أن نخوض مرة أخرى في مثل هذه المسألة، وإن كانت النفس لا تنشط عادةً لتكرار ما مضى فيه البحث مرارا وتكرارا، وعلى كل حال فأنا أَكِلُ، أقول لعل عند الأخ هنا أشرطة، ومع ذلك فأنا معكم إن رأيتم أن نخوضها مرة أخرى فعلتُ إن شاء الله، وأرجو من الله التوفيق.
ترى ذلك؟
السائل: نعم جزاك الله خيرًا.
الشيخ: القضية في الواقع كما أشرت إليها في مطلع كلامك، أنها مفاجئة بالنسبة لعامة الناس -وبخاصة الذين لا يُشغلون أنفسهم بدراسة السنة- وإنما هم قد يراجعون من كتب السنة ما يوافقون فيها مذاهبهم وعاداتهم وتقاليدهم، وهذا الحديث كان في الحقيقة، مع أنه قد ورد في بطون كتب السنة التي حفظها الله ﵎ لنا من باب حفظه للقرآن الكريم، كما قال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، لقد كان هذا الحديث محفوظا في كتب السنة، ولكن لما كان دراسة السنة كادت أن تُصبح نسيا منسيا في آخر الزمان هذا، ولذلك فإذا ما أثير مثل هذا الحديث المحفوظ في بطون الكتب جاء غريبا على أذهان الناس؛ وبخاصة إذا كان مخالفا لما جاء في بعض المذاهب، وما كان مخالفا لما اعتادوا عليه من العبادات، سواءً ما كان منه من السنن أو المستحبات.
ويعود عهدي للانتباه لهذا الحديث حينما كنت شرعت بتخريج كتاب «منار السبيل» في الكتاب المعروف لدى طلاب العلم اليوم «بإرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل».
فقد مر هذا الحديث في ذاك الكتاب «منار السبيل» وهو في الفقه الحنبلي، فوجدت نفسي مُضْطَرَّا للعناية به، فجريت على تخريجه تخريجا علميا، كما هو ديدني بالنسبة
стр. 4201
للأحاديث التي نتبناها تصحيحا أو تضعيفا، فوجدت هذا الحديث من الناحية الحديثية لا مناص للباحث من تصحيحه؛ لأن له طُرُقا كثيرة، وبعضها صحيح لا إشكال ولا ريب فيه، وذلك كله مشروح في الكتاب المشار إليه «إرواء الغليل».
وبعد أن اطمأننت لصحة الحديث، كان لابد لي من التوجه لدراسة الحديث من الناحية الفقهية، وجدت الحديث صريح الدِّلالة لا يقبل نقاشا ولا جدلا في أنّ النبي ﷺ نهى فيه عن صيام يوم السبت إلا في الفرض فقال ﵊ -نذكر هذا الحديث تذكيرا للحاضرين، أو تنبيها للغافلين- فقال ﵊: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما أفترض عليكم، ولو لم يجد أحدكم إلا لحاء شجرة فليمضغه»، «ولو لم يجد أحدكم إلا لحاء شجرة فليمضغه».
لم يقتصر هذا الحديث على الأمر بإفطار يوم السبت إلا في الفرض؛ بل أضاف إلى ذلك تأكيدا بالغًا بقوله ﵊ «ولو لم يجد أحدكم إلا لحاء شجرة»، ولحاء الشجرة هو القشر الذي ليس من عادة الناس أنْ يستفيدوا منه إلا حطبًا للنار، بالغ الرسول ﵊ في الأمر بإفطار يوم السبت فقال: «ولو لم يجد أحدكم إلا لحاء شجرة» فتأملت في هذا الحديث فوجدته نَصًّا صريحا في أنه لا يجوز صيام يوم السبت إلا في الفرض.
وكلمة «الفرض» هنا لا يقتصر - كما توهم بعض الدكاترة - الصوم في رمضان فقط، بل هو أعم من ذلك؛ لأن من الفرض قضاء ما عليه من رمضان، ومن الفرض -مثلا- صيام أيام التشريق لمن لم يجد الهدي بالنسبة للمعتمر، وهكذا من الفرض من كان نذر عليه صياما مُعَيَّنا، فعليه أن يلتزم ذلك؛ لأنه بالنذر صار فرضا، وهكذا.
والشاهد أن هذا نقطة وقفنا عندها؛ لأننا وجدنا بعضهم يتوهم أن هذا الاستثناء ينحصر في رمضان فقط، والأمر أوسع من ذلك؛ ولكنه مع هذه التوسعة فيما يتعلق فيما كان فرضا، فهذا الاستثناء ينفي بكل صراحة ما لم يكن فرضا.
стр. 4202
السائل: على ذلك تأتي الإشكالات التي أشار إليها أخونا أبو إسحاق -آنفا- فإذا اتفق صوم يوم عرفة يوم السبت، فماذا يفعل المتسنن والمتّبع لهذا الحديث الصحيح، بعد أن يتفهّم معناه؟
نحن نقول كما قال الرسول ﵊ «إلا فيما افترض عليكم» وصيام يوم عرفة مع الفضيلة المعروفة في السنّة فهو ليس فرضا، كذلك إذا اتفق -مثلا- يوم عاشوراء كان يوم سبت، فالجواب هو الجواب.
وقد قرّبنا هذه المسألة لبعض المتوقِّفين عن العمل بهذا الحديث الصحيح الصريح، قرّبنا لهم ذلك بمسألتين اثنتين:
الأولى: تتعلق بقوله ﵊ «من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه» وقلت بكل صراحة: إن الذي يفطر -مثلا- يوم عاشوراء أو يوم عرفة؛ لموافقته ليوم السبت، لا يتركه كسلا ولا هَمَلا، ولا رغبة عن الفضل الوارد في صيام يوم عاشوراء وفي صيام يوم عرفة؛ وإنما يترك ذلك لله.
وإذا الأمر كذلك: فالذي يفطر يوم عرفة لموافقته ليوم السبت، يكون أجره عند الله -فيما نحسِب- أكثر من الذي يصومه؛ لأن الذي أفطره أفطره وتركه وترك صيامه لأمر النبي ﷺ ؛ أي نهيه عن صوم يوم السبت إلا فيما أفترض علينا، أما الذي صامه فقد صامه رغبة في الأجر المنصوص عليه في الحديث.
ولكن هنا لابد لنا من لفتة نظرٍ إلى مسألة فقهية هامة أصولية هامة، ثم يأتي الأمر الثاني الذي أشرت إليه آنفا، إذا تعارض حكمان أو حديثان من الأحاديث الصحيحة عن الرسول ﵇ أحدهما يبيح شيئا والآخر ينهى عنه، أو يُحَظِّر عنه أو يحرِّمه، فهنا من قواعد التوفيق في علم أصول الفقه «أنه يُقدَّم الحاظر على المبيح».
الآن في الصورة السابقة صوم يوم عاشوراء أو صوم يوم عرفة، وقد اتفقا مع يوم السبت، وقد نهينا عن صيام يوم السبت كما ذكرنا.
حينئذٍ: لا بد من تطبيق القاعدة التي ذكرت آنفا؛ «تقديم الحاظر على المبيح»
стр. 4203
يقول «لا تصوموا يوم السبت إلا في الفرض» ويوم عاشوراء ويوم عرفة ليسا فرضا، هو مباح بل هو مستحب، لكن: إذا تعارض الحاظر مع المبيح، قُدِّم الحاظر على المبيح، قربنا لهم بالحديث الذي ألمحت إليه أولا، وهو الشيء الثاني، الحديث الأول «من ترك شيئا لله، عوضه الله خيرًا منه».
الشيء الآخر: وهو مهم جدًا، ولعله يُزِيل الإشكال والاضطراب من بعض الأذهان.
إذا اتفق يوم الاثنين ويوم خميس يوم عيد، وكلنا يعلم -إن شاء الله- أن النبي ﷺ نهى عن صوم يوم العيد؛ عيد الفطر أو عيد الأضحى، فهما يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما، كما جاء ذلك في صحيح البخاري وغيره، فإذا اتفق يوم الفطر أو يوم الأضحى يوم الاثنين أو يوم الخميس، أيُّهما يُقَدَّم على الآخر، لقد كان الجواب بإجماع الحاضرين من المشايخ والدكاترة، أنه يُقَدَّم النهي هاهنا على فضيلة صيام يوم الاثنين وصيام يوم الخميس، فسألناهم تحت أيّ قاعدة يدخل جوابكم هذا -وهو صحيح- حينما قدَّمتُم النهي عن صوم يوم العيد على فضيلة صوم يوم الاثنين ويوم الخميس، أليس أنكم قدَّمُتم الحاظر على المبيح؟
لقد أَقَرّوا على ذلك، فقلنا لهم: ما الفرق حينذاك بين أن يتفق يوم سبت مع يوم عرفة أو يوم عاشوراء، لا فرق بين هذه الصورة وبين الصورة التي اتفقنا جميعا على تغليب الحاظر على المبيح؛ نهى النبي ﷺ عن صوم يومي العيد، وحضّ على صوم يوم الاثنين والخميس، فاتفق صوم يوم العيد يوم خميسٍ أو يوم اثنين، ماذا فعلنا هنا؟ كما قلت -آنفا- قدمنا الحاظر على المبيح.
وشيء آخر: ربما لم أذكره في ذلك المجلس، وألهمني الله أن أذكره الآن، وهو أن صوم يوم الاثنين والخميس أمر عام؛ أي كلما تردد يوم الاثنين بتردد الأسبوع وكذلك الخميس، استحب للمسلم أن يصومهما، فكأن هذا هو نص عام أن يصوم المسلم كل يوم خميس كما ثبت عن الرسول ﵇ وكل يوم اثنين، فإذا جاء النهي فذلك من باب الاستثناء للقليل من الكثير، وهذا من جملة الطرق
стр. 4204
التي يوفّق العلماء بها بين الأحاديث التي يظهر التعارض بينها أحيانا.
فإذًا: أصل الحَضّ على صوم يوم الاثنين والخميس، فإذا تعارض هذا الأصل مع نهي عارضٍ، هنا يعرض يوم السبت وهناك يعرض يوم العيد، فقدمنا العارض على الأصل جمعًا بين النصوص.
لهذا أنا أقول: بأنه لا إشكال إطلاقا في إعمال هذا الحديث على عمومه، وهو قولٌ قد قال به بعض من مضى من أهل العلم كما حكى ذلك «أبو جعفر الطحاوي» في كتابه «شرح معاني الآثار».
فلا ينبغي للمسلم بعد مثل هذا البيان، أن يتردد أو أن لا يبادر إلى الانتهاء عما نهى الله على لسان نبيه ﷺ عنه، رُكُونًا منه إلى القاعدة العامة وإلى الفضيلة الخاصة التي جاءت في بعض الأيام الفضيلة، ولكنها تعارضت مع نهي خاص، فهذا النهي إذًا مُقَدَّم أولاً لأنه خاص، والخاص يقضي على العام، ولأنه حاظر، والحاظر مقدّم على المبيح، وقبل ذلك كما ذكرنا لكم في مطلع هذا الجواب «من ترك شيئا لله، عوّضه الله خيرا منه».
لذلك لن يطمئن القلب ولم ينشرح الصدر للذين تأولوا حديث النهي عن صيام يوم السبت بأنه مقصود منفردًا، فإذا انضم إليه يوم آخر جاز؛ لسببين اثنين:
أحدهما: يمكن أن نستشفه وأن نكتشفه من الكلام السابق، وهو: «أنّ الحاظر مقدم على المبيح».
والشيء الثاني: أنّ هذا التقييد معناه الاستدراك، أو لِنَقُل بما هو ألطف من ذلك: معناه أنه شبه استدراك على استثناء الرسول ﵊، وبدون حجة قوية ملزمة: «لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افترض عليكم» وإلا مقرونا بغيره.
هذا أعتبره شبه استدراك، على من؟ على أفصح من نطق بالضاد وهو رسول الله ﷺ ، وإن كان حديث «أنا أفصح من نطق بالضاد» من حيث الرواية لا أصل له، لكن من حيث الواقع فهو بلا شك أنه ﵊ أفصح من
стр. 4205
نطق بالضاد.
وإذا كان الأمر كذلك، فالاستدراك عليه بمثل هذا الاستثناء الثاني «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما أفترض عليكم» «وإلا مقرونا بغيره» تُرى هل من شك في أن النبي ﷺ لو كان يريد هذا الاستثناء الثاني -إلا مقرونا بغيره- أليس يكون أفصح من أن يقتصر ﵇ على قوله «إلا فيما افْتُرِض عليكم»؟ !
الذين ذهبوا إلى هذا التقدير الثاني، الذي استهجن نسبته إلى النبي ﷺ ولو في المعنى وليس في اللفظ؛ إنما احتجوا بحديث جويرية لما دخل عليها النبي ﷺ وهي صائمة يوم الجمعة قال لها «أَصُمتي أمس»؟ قالت: لا، «تريدين أن تصومي غدا»؟ قالت: لا، قال لها: «فأفطري»، وكذلك حديث مسلم «لا تختصّوا ليلة الجمعة بقيام ولا نهارها بصيام، ولكن صوموا يوما قبله أو يوما بعده».
والجواب على هذا أظن أيضا سبق فيما تقدّم من الكلام؛ إنّ هذا الحديث يبيح صيام السبت؛ إذا ما صام الإنسان يوم الجمعة، فهنا يعترضنا صورتان تتعلقان في صيام السبت:
إما أن يكون قد صام يوم الجمعة، فحينئذٍ تنفيذا لهذا الأمر لا بد أن يصوم يوم السبت.
والصورة الأخرى: أن يصوم يوم السبت ومعه الأحد وليس معه الجمعة، هذه الصورة الثانية لا دليل عليها إطلاقا؛ صيام يوم السبت وصيام يوم الأحد، أما صيام يوم السبت من أجل الخلاص أو التَخَلُّص من صيام يوم الجمعة المنهي صومه مفردا، فهذا فيه هذا الحديث، فلو كان لنا أن نقف عند هذا الحديث ولا نُطبّق القاعدة السابقة، -ولا بد منها- وهي أن هذا يبيح لمن يريد أن يصوم يوم الجمعة أن يصوم يوم السبت.
لكنّ الحديث الذي نحن بصدد شرحه، والكلام عليه، قلنا: إنه حاظر، والحاظر مقدّم على المبيح، فلو أردنا أن نُعمل حديث جويرية وما في معناه إعمالا خاصا، حينئذٍ: لا ينبغي أن نضرب حديث النهي عن صوم يوم السبت مطلقا، وإنما
следующие страницы →