Полный текст (8 195 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.
стр. 4201
للأحاديث التي نتبناها تصحيحا أو تضعيفا، فوجدت هذا الحديث من الناحية الحديثية لا مناص للباحث من تصحيحه؛ لأن له طُرُقا كثيرة، وبعضها صحيح لا إشكال ولا ريب فيه، وذلك كله مشروح في الكتاب المشار إليه «إرواء الغليل».
وبعد أن اطمأننت لصحة الحديث، كان لابد لي من التوجه لدراسة الحديث من الناحية الفقهية، وجدت الحديث صريح الدِّلالة لا يقبل نقاشا ولا جدلا في أنّ النبي ﷺ نهى فيه عن صيام يوم السبت إلا في الفرض فقال ﵊ -نذكر هذا الحديث تذكيرا للحاضرين، أو تنبيها للغافلين- فقال ﵊: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما أفترض عليكم، ولو لم يجد أحدكم إلا لحاء شجرة فليمضغه»، «ولو لم يجد أحدكم إلا لحاء شجرة فليمضغه».
لم يقتصر هذا الحديث على الأمر بإفطار يوم السبت إلا في الفرض؛ بل أضاف إلى ذلك تأكيدا بالغًا بقوله ﵊ «ولو لم يجد أحدكم إلا لحاء شجرة»، ولحاء الشجرة هو القشر الذي ليس من عادة الناس أنْ يستفيدوا منه إلا حطبًا للنار، بالغ الرسول ﵊ في الأمر بإفطار يوم السبت فقال: «ولو لم يجد أحدكم إلا لحاء شجرة» فتأملت في هذا الحديث فوجدته نَصًّا صريحا في أنه لا يجوز صيام يوم السبت إلا في الفرض.
وكلمة «الفرض» هنا لا يقتصر - كما توهم بعض الدكاترة - الصوم في رمضان فقط، بل هو أعم من ذلك؛ لأن من الفرض قضاء ما عليه من رمضان، ومن الفرض -مثلا- صيام أيام التشريق لمن لم يجد الهدي بالنسبة للمعتمر، وهكذا من الفرض من كان نذر عليه صياما مُعَيَّنا، فعليه أن يلتزم ذلك؛ لأنه بالنذر صار فرضا، وهكذا.
والشاهد أن هذا نقطة وقفنا عندها؛ لأننا وجدنا بعضهم يتوهم أن هذا الاستثناء ينحصر في رمضان فقط، والأمر أوسع من ذلك؛ ولكنه مع هذه التوسعة فيما يتعلق فيما كان فرضا، فهذا الاستثناء ينفي بكل صراحة ما لم يكن فرضا.
стр. 4202
السائل: على ذلك تأتي الإشكالات التي أشار إليها أخونا أبو إسحاق -آنفا- فإذا اتفق صوم يوم عرفة يوم السبت، فماذا يفعل المتسنن والمتّبع لهذا الحديث الصحيح، بعد أن يتفهّم معناه؟
نحن نقول كما قال الرسول ﵊ «إلا فيما افترض عليكم» وصيام يوم عرفة مع الفضيلة المعروفة في السنّة فهو ليس فرضا، كذلك إذا اتفق -مثلا- يوم عاشوراء كان يوم سبت، فالجواب هو الجواب.
وقد قرّبنا هذه المسألة لبعض المتوقِّفين عن العمل بهذا الحديث الصحيح الصريح، قرّبنا لهم ذلك بمسألتين اثنتين:
الأولى: تتعلق بقوله ﵊ «من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه» وقلت بكل صراحة: إن الذي يفطر -مثلا- يوم عاشوراء أو يوم عرفة؛ لموافقته ليوم السبت، لا يتركه كسلا ولا هَمَلا، ولا رغبة عن الفضل الوارد في صيام يوم عاشوراء وفي صيام يوم عرفة؛ وإنما يترك ذلك لله.
وإذا الأمر كذلك: فالذي يفطر يوم عرفة لموافقته ليوم السبت، يكون أجره عند الله -فيما نحسِب- أكثر من الذي يصومه؛ لأن الذي أفطره أفطره وتركه وترك صيامه لأمر النبي ﷺ ؛ أي نهيه عن صوم يوم السبت إلا فيما أفترض علينا، أما الذي صامه فقد صامه رغبة في الأجر المنصوص عليه في الحديث.
ولكن هنا لابد لنا من لفتة نظرٍ إلى مسألة فقهية هامة أصولية هامة، ثم يأتي الأمر الثاني الذي أشرت إليه آنفا، إذا تعارض حكمان أو حديثان من الأحاديث الصحيحة عن الرسول ﵇ أحدهما يبيح شيئا والآخر ينهى عنه، أو يُحَظِّر عنه أو يحرِّمه، فهنا من قواعد التوفيق في علم أصول الفقه «أنه يُقدَّم الحاظر على المبيح».
الآن في الصورة السابقة صوم يوم عاشوراء أو صوم يوم عرفة، وقد اتفقا مع يوم السبت، وقد نهينا عن صيام يوم السبت كما ذكرنا.
حينئذٍ: لا بد من تطبيق القاعدة التي ذكرت آنفا؛ «تقديم الحاظر على المبيح»
стр. 4203
يقول «لا تصوموا يوم السبت إلا في الفرض» ويوم عاشوراء ويوم عرفة ليسا فرضا، هو مباح بل هو مستحب، لكن: إذا تعارض الحاظر مع المبيح، قُدِّم الحاظر على المبيح، قربنا لهم بالحديث الذي ألمحت إليه أولا، وهو الشيء الثاني، الحديث الأول «من ترك شيئا لله، عوضه الله خيرًا منه».
الشيء الآخر: وهو مهم جدًا، ولعله يُزِيل الإشكال والاضطراب من بعض الأذهان.
إذا اتفق يوم الاثنين ويوم خميس يوم عيد، وكلنا يعلم -إن شاء الله- أن النبي ﷺ نهى عن صوم يوم العيد؛ عيد الفطر أو عيد الأضحى، فهما يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما، كما جاء ذلك في صحيح البخاري وغيره، فإذا اتفق يوم الفطر أو يوم الأضحى يوم الاثنين أو يوم الخميس، أيُّهما يُقَدَّم على الآخر، لقد كان الجواب بإجماع الحاضرين من المشايخ والدكاترة، أنه يُقَدَّم النهي هاهنا على فضيلة صيام يوم الاثنين وصيام يوم الخميس، فسألناهم تحت أيّ قاعدة يدخل جوابكم هذا -وهو صحيح- حينما قدَّمتُم النهي عن صوم يوم العيد على فضيلة صوم يوم الاثنين ويوم الخميس، أليس أنكم قدَّمُتم الحاظر على المبيح؟
لقد أَقَرّوا على ذلك، فقلنا لهم: ما الفرق حينذاك بين أن يتفق يوم سبت مع يوم عرفة أو يوم عاشوراء، لا فرق بين هذه الصورة وبين الصورة التي اتفقنا جميعا على تغليب الحاظر على المبيح؛ نهى النبي ﷺ عن صوم يومي العيد، وحضّ على صوم يوم الاثنين والخميس، فاتفق صوم يوم العيد يوم خميسٍ أو يوم اثنين، ماذا فعلنا هنا؟ كما قلت -آنفا- قدمنا الحاظر على المبيح.
وشيء آخر: ربما لم أذكره في ذلك المجلس، وألهمني الله أن أذكره الآن، وهو أن صوم يوم الاثنين والخميس أمر عام؛ أي كلما تردد يوم الاثنين بتردد الأسبوع وكذلك الخميس، استحب للمسلم أن يصومهما، فكأن هذا هو نص عام أن يصوم المسلم كل يوم خميس كما ثبت عن الرسول ﵇ وكل يوم اثنين، فإذا جاء النهي فذلك من باب الاستثناء للقليل من الكثير، وهذا من جملة الطرق
стр. 4204
التي يوفّق العلماء بها بين الأحاديث التي يظهر التعارض بينها أحيانا.
فإذًا: أصل الحَضّ على صوم يوم الاثنين والخميس، فإذا تعارض هذا الأصل مع نهي عارضٍ، هنا يعرض يوم السبت وهناك يعرض يوم العيد، فقدمنا العارض على الأصل جمعًا بين النصوص.
لهذا أنا أقول: بأنه لا إشكال إطلاقا في إعمال هذا الحديث على عمومه، وهو قولٌ قد قال به بعض من مضى من أهل العلم كما حكى ذلك «أبو جعفر الطحاوي» في كتابه «شرح معاني الآثار».
فلا ينبغي للمسلم بعد مثل هذا البيان، أن يتردد أو أن لا يبادر إلى الانتهاء عما نهى الله على لسان نبيه ﷺ عنه، رُكُونًا منه إلى القاعدة العامة وإلى الفضيلة الخاصة التي جاءت في بعض الأيام الفضيلة، ولكنها تعارضت مع نهي خاص، فهذا النهي إذًا مُقَدَّم أولاً لأنه خاص، والخاص يقضي على العام، ولأنه حاظر، والحاظر مقدّم على المبيح، وقبل ذلك كما ذكرنا لكم في مطلع هذا الجواب «من ترك شيئا لله، عوّضه الله خيرا منه».
لذلك لن يطمئن القلب ولم ينشرح الصدر للذين تأولوا حديث النهي عن صيام يوم السبت بأنه مقصود منفردًا، فإذا انضم إليه يوم آخر جاز؛ لسببين اثنين:
أحدهما: يمكن أن نستشفه وأن نكتشفه من الكلام السابق، وهو: «أنّ الحاظر مقدم على المبيح».
والشيء الثاني: أنّ هذا التقييد معناه الاستدراك، أو لِنَقُل بما هو ألطف من ذلك: معناه أنه شبه استدراك على استثناء الرسول ﵊، وبدون حجة قوية ملزمة: «لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افترض عليكم» وإلا مقرونا بغيره.
هذا أعتبره شبه استدراك، على من؟ على أفصح من نطق بالضاد وهو رسول الله ﷺ ، وإن كان حديث «أنا أفصح من نطق بالضاد» من حيث الرواية لا أصل له، لكن من حيث الواقع فهو بلا شك أنه ﵊ أفصح من
стр. 4205
نطق بالضاد.
وإذا كان الأمر كذلك، فالاستدراك عليه بمثل هذا الاستثناء الثاني «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما أفترض عليكم» «وإلا مقرونا بغيره» تُرى هل من شك في أن النبي ﷺ لو كان يريد هذا الاستثناء الثاني -إلا مقرونا بغيره- أليس يكون أفصح من أن يقتصر ﵇ على قوله «إلا فيما افْتُرِض عليكم»؟ !
الذين ذهبوا إلى هذا التقدير الثاني، الذي استهجن نسبته إلى النبي ﷺ ولو في المعنى وليس في اللفظ؛ إنما احتجوا بحديث جويرية لما دخل عليها النبي ﷺ وهي صائمة يوم الجمعة قال لها «أَصُمتي أمس»؟ قالت: لا، «تريدين أن تصومي غدا»؟ قالت: لا، قال لها: «فأفطري»، وكذلك حديث مسلم «لا تختصّوا ليلة الجمعة بقيام ولا نهارها بصيام، ولكن صوموا يوما قبله أو يوما بعده».
والجواب على هذا أظن أيضا سبق فيما تقدّم من الكلام؛ إنّ هذا الحديث يبيح صيام السبت؛ إذا ما صام الإنسان يوم الجمعة، فهنا يعترضنا صورتان تتعلقان في صيام السبت:
إما أن يكون قد صام يوم الجمعة، فحينئذٍ تنفيذا لهذا الأمر لا بد أن يصوم يوم السبت.
والصورة الأخرى: أن يصوم يوم السبت ومعه الأحد وليس معه الجمعة، هذه الصورة الثانية لا دليل عليها إطلاقا؛ صيام يوم السبت وصيام يوم الأحد، أما صيام يوم السبت من أجل الخلاص أو التَخَلُّص من صيام يوم الجمعة المنهي صومه مفردا، فهذا فيه هذا الحديث، فلو كان لنا أن نقف عند هذا الحديث ولا نُطبّق القاعدة السابقة، -ولا بد منها- وهي أن هذا يبيح لمن يريد أن يصوم يوم الجمعة أن يصوم يوم السبت.
لكنّ الحديث الذي نحن بصدد شرحه، والكلام عليه، قلنا: إنه حاظر، والحاظر مقدّم على المبيح، فلو أردنا أن نُعمل حديث جويرية وما في معناه إعمالا خاصا، حينئذٍ: لا ينبغي أن نضرب حديث النهي عن صوم يوم السبت مطلقا، وإنما
стр. 4206
نقول نستثني أيضا هذه الصورة الخاصة، وهي صيام يوم الجمعة مع يوم السبت.
هذا إذا لم يمكن تطبيق قاعدة «الحاظر مقدم على المبيح» وذلك ممكن.
هذا ما لديّ حول هذا السؤال، فمن كان عنده شيء من العلم نستفيده، أو من السؤال يوجهه، فننظر فيه، ونرجو الله أن يوفقنا جميعا لمعرفة الحق والعمل به، ولكني أقول شيئا: ما دام أن السؤال مصري فأرجو أن نسمع من ممثل أهل مصر إن كان عنده شيء، هذا من باب التقديم والتفضيل للأَولى، فإن كان ليس
عنده شيء فكما قلت الأمر مشاع.
السائل: ليس عندي شيء.
سائل: ... النهي عن صيام يوم السبت عام، وصيام يوم الجمعة ويوم قبله أو بعده خاص، فنخصص صيام يوم السبت.
الشيخ: سؤالك سبق الجواب عليه بارك الله فيك. أو ما انتبهت؟
أنا قلت أخيرا، وأكرر ما قلت: «حديث صوموا يوما قبله ويوما بعده»، قلت إذا لم نعمل قاعدة «الحاظر مقدم على المبيح» تبقى هذه الجزئية خاصة، وهو أن يصوم يوم السبت، أما جاء يوم عرفة وما صمنا شيئا فنصوم يوم عرفة، واليوم يوم سبت؟ الجواب: لا، الحاظر مقدم على المبيح.
لكني أقول: من سلم بهذا فينبغي أن يُسَلِّم أيضا بخلاف ما ذكرت -آنفا- وأنا أجبت عنه، قلت -آنفا- يمكن إن يقال أن صوم يوم الجمعة مع يوم السبت مستثنى، طيب، لكن هل هذا تخريج صحيح من الناحية العلمية الأصولية؟ الجواب: لا، لأن الإذن بصوم يوم السبت مع الجمعة هو إذنٌ وليس من باب الإيجاب، واضح إلى هنا، وإذا الأمر كذلك فلا فرق بين أن تصوم يوم عرفة أو يوم عاشوراء يوم السبت، وبين أن تصوم يوم السبت مع يوم الجمعة؛ لأن كل هذه الصيامات -إذا صح التعبير- داخلٌ في الإباحة وفي الإذن، وإذا تعارض المباح أو المبيح مع الحاظر قُدِّم الحاظر على المبيح، واضح الجواب بالنسبة لسؤالك؟
стр. 4207
السائل: لكن يا شيخ ...
الشيخ: أسألك قبل أن تقول فيه أو ما فيه: واضح الجواب؟
السائل: واضح الجواب.
الشيخ: الأمر هنا للوجوب، أو للاستحباب؟
السائل: النهي عن صوم يوم السبت؟
الشيخ: بمعنى أنا أَجيب لك صورة إنسان يريد أن يصوم يوم الجمعة وهو يعلم أن بعده يوم السبت، زائد يعلم أن يوم السبت منهي عن صيامه، أيجوز له أن يصوم يوم الجمعة ليتبعه بصيام يوم السبت وهو مستحضر أنه قد نُهي عن صيام يوم السبت؟ واضح هذا السؤال؟ وأظن الجواب أنه لا يجوز له.
ما حكم نذر صيام يوم السبت ؟
سائل: هل يجوز للمسلم أن ينذر صيام يوم السبت؟
الشيخ: لا، ما يجوز أن يتقصّد ذلك، لكن إن وقع له وجب الوفاء به.
السائل: فهل هو نذرٌ في طاعة الله، لو نذر ذلك، يعني يلزمه الوفاء؟
الشيخ: إذا نذر وهو يعلم لا يكون نذر طاعة، ولكن كما أنت تعلم الآن بدون نذرٍ يصومون يوم السبت بمناسبة من المناسبات التي ذكرناها، فهل نقول هذا الصيام صيام معصية بالنسبة لأولئك الناس؟ لا نقول لهم إنه صيام معصية، أما بالنسبة إلينا وقد عرفنا نهي الرسول ﵇ عن صيام يوم السبت، فهو بالنسبة إلينا معصية، يعني قضية تدخل في موضوع أنه ليس لأحد من المسلمين أن يفرض رأيه فرضا على عامة المسلمين، وإنما هو يعرض ما عنده من العلم فمن اقتنع به فَبِهَا، ولزمه ما يلزم المقتنع الأول وإلا فهو يمشي على قناعته السابقة.
стр. 4208
يوم عرفة إذا وافق يوم الجمعة والسبت
السؤال: بخصوص صوم يوم عرفة، إذا وافق يوم عرفة يوم الجمعة مثلما تفضلت، فنحن نصوم الخميس حتى لا نفرد الجمعة، فهل يجوز للحائض التي تطهر يوم الخميس، أو المسافر الذي يعود يوم الخميس أن يفرد عرفة يوم الجمعة؟
الشيخ: لا، هل صيام يوم عرفة فرض؟
السائل: لا.
الشيخ: لا، بس، وهل يجوز إفراد يوم الجمعة بصيام؟
السائل: لا.
الشيخ: فإذاً: إذا تعارض حاظر ومبيح قُدِّم الحاضر على المبيح، فإذاً: الجواب لا يجوز.
(الهدى والنور /٤٨٤/ ٢٧: ٠٥: ٠٠)
حكم صيام الجمعة مع السبت
الشيخ: سؤالي الأخير: توضيح صيام يوم الجمعة والسبت؛ لأنه هناك مشايخ من قالوا لنا: إنه يجوز الصيام بما أنه منهي عن صيام يوم الجمعة إلا قبله يوم أو بعده يوم، كما نحن قرأنا في الحديث، ففي شيوخ أجازوا الصيام، صيام يومي الجمعة والسبت متتابعين بدون الخميس ولا الأحد، فإذا ممكن توضيح صيام يوم الجمعة والسبت.
الملقي: كلمة والا الأحد مش واردة في الموضوع صح؟
الشيخ: نعم. هو لا شك الحديث صحيح: «لا تصوموا يوم الجمعة إلا يوم قبله ويوم بعده».
وهذا صريح بأن اليوم اللِّي بعد الجمعة هو صيام يوم السبت، فظاهر الحديث يتعارض بادي الرأي مع قوله ﵇: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، ولو لم يجد أحدكم إلا لحاء شجرة فليمضغه»، فلما استثنى الرسول
стр. 4209
-﵇ بعدما نهى عن صيام يوم السبت ما افترض، ولما كان صيام يوم الجمعة ليس فرضاً، فبالتالي: يُصْبِح في هناك تعارض بين الإذن بالنسبة لمن صام يوم الجمعة أن يصوم يوم السبت، وبين النهي عن صيام يوم السبت إلا في الفرض.
فهنا لا بد من تطبيق قاعدة فقيهة للخلاص من هذا التعارض الظاهر بين الحديثين، ويمكن التعبير عن كل منهما بأن أحدهما مبيح لصيام يوم السبت، والآخر حاظر مُحَرِّم. والقاعدة الأصولية تقول: «إذا تعارض حاظر ومبيح، قدم الحاظر على المبيح».
وهنا لا شك أن صيام يوم السبت منهي عنه، وهناك مأذون به، مسموح به، هذا الدليل، كنا ولا نزال نفتي به؛ لكن أحياناً عما يدور في بالي رأي جديد وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. من كان في ذهنه هذا النهي الشامل لكل صيام يتعلق بيوم السبت إلا في الفرض الذي لا بد مه فنقول له: لا تصم يوم الجمعة لتصوم بعده السبت، أما من صام يوم الجمعة لسبب أنه ما عنده علم بهذا النهي، فحينئذٍ نقول له: صُمْ مع يوم الجمعة يوم السبت، هذا رأي جديد طبعاً يبقى عموم حديث: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض» لا يتعارض مع الأمر بصيام يوم السبت مع الجمعة لمن صام يوم الجمعة، أما الذي لم يصم يوم الجمعة فلا يجوز له أن يتقصد صيام يوم السبت، الآن مثلاً الناس كان صار بعض المناقشات يمكن بمناسبة عاشوراء وغيرها، مثل ما صار الآن لعرفة.
صار سبت، لا عرفة الجمعة، صار سبت فيما مضى في بعض السنين، يمكن في العاشوراء وسبت، أو ما شابه هذا الشيء، فهنا الحكم هو نفسه إنك صيام عاشوراء صادف يوم السبت هل هو فرض؟
الجواب: لا، لكن من صام يوم الجمعة فالصيام وحده منهي عنه، فإذا صام يوم الجمعة للخلاص من مخالفة، من الوقوع في النهي يصوم يوم السبت.
مداخلة: بالنسبة للسؤال الذي مضى بالنسبة للصيام: إفراد يوم السبت.
الشيخ: نعم.
стр. 4210
الملقي: طيب، نحن الآن المسألة في قبل أيام يوم الجمعة وهو يوم وقفة عرفة؛ فهل يجوز إفراد الصيام.
الشيخ: ما يجوز؛ لأنه نهى عن إفراد يوم الجمعة بالصيام.
الملقي: حديث: «إلا أن يكون صيام يصومه أحدكم»، أو كما قال.
الشيخ: أي: إلا يوماً قبله.
الملقي: لا الحديث الآخر كما تعلم -بارك الله فيك-: «إلا أن يكون صيام يصومه أحدكم». فممكن يكون يوم الجمعة صيام بِدّه يصوم يوم عرفة، يكون صيام يصومه أحدنا.
الشيخ: شو الحديث الآخر ....
الملقي: «إلا أن يكون صيام يصومه أحدكم».
الشيخ: هذا الحديث مفسر بالحديث الآخر: «يوماً قبله أو يوماً بعده».
الملقي: هذا ليس بتخصيص عام.
الشيخ: لا أبداً، ليس تخصيصاً، هذا تفسير، ليس تخصيصاً، بدليل أنه نهى عن إفراد يوم الجمعة بصيام، فهنا أفرد وإلا ما أفرد؟
الملقي: أفرد.
الشيخ: أفرد، هذا من جهة، ومن جهة أخرى ما ذكرته لك آنفاً، إلا أن يكون في صوم يوم أحدكم، فهذا مفسر: » إلا إذا صام الخميس أو السبت» هذا معنى صوم يوم أحدكم. أي نعم.
مداخلة: المراد هو مجرد الموافقة، لا قصد التخصيص كما يقول بعض الناس.
الشيخ: أي نعم.
стр. 4211
مداخلة: بيقول لك أنا ما خصصت، هذا ليس بمراده، وإنما المراد هو عين الموافقة.
(الهدى والنور / ٤٩٥/ ٢١: ٠٦: ٠٠)
(الهدى والنور / ٤٩٥/ ٢٤: ١٧: ٠٠)
النهي عن صيام يوم السبت
السائل: السؤال الذي يليه قضية النهي عن يوم السبت على الإطلاق حتى لو صام قبله بأيام وصادف السبت أثناء الصوم فهل عليه الإفطار في ذلك اليوم بحديث النهي، هل خاصية النهي بخصوص السبت بعينه والا لعله؟
الشيخ: أنا أظن أنك كنت حاضرًا المجلس، أنت تذكر الحديث الوارد فيه؟
السائل: «لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افترض عليكم».
الشيخ: هل هو مطلق أم مقيد؟
السائل: لست أدري.
الشيخ: كيف لا تدري، لو جاءك إنسان ضيفاً فقلت لولدك لا تطعم فلاناً إلا خبزاً، هذا مطلق والا مُقَيَّد هذه لغة عربية يعرف الناس فيها بأسلوبهم وبسليقهم العربية، وقد تكلمنا في هذه المسألة بشيء من التفصيل في جلسة سابقة، وقلنا إنه لا يجوز أن نقول في مثل هذا الكلام العربي المبين نستدرك على الرسول فنقول: «لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افترض عليكم» وإلا إذا سبق بيوم أو آخر بيوم، هذا استدراك على الشارع استدراك على الرسول ﵇، هذا لا يجوز أبداً، وبعدين ما الذي يضطر المسلم أن يُدْخِل نفسه في جحر الضب في مثل هذه التأويلات، وما الذي يوقفه عند مثل هذا النوع من التأويل، ثم لا يتعداه إلى غيره.
مثلاً: جاء يوم العيد يوم الاثنين، هل يجوز صيامه؟ سنقول بالإجماع قديماً وحديثاً، لا، طيب، لماذاً؟ لا نخصص هذا اليوم المطلق نهى عن صوم يوم العيد إلا
стр. 4212
يوماً قبله أو يوماً بعده.
يرد على هذا ما يرد على هذا تماماً، والذي يُمَشِّي ذاك ولم يمشي هذا، لا شيء أبداً سوى العُرف والتقليد.
(الهدى والنور/٥٤٢/ ٣٤: ٢٠: ٠٠)
حكم صيام السبت إذا وافق عاشوراء
مداخلة: يا شيخنا ورد في الحقيقة سؤال مُكَرَّر كنت قد سألتك عنه في مسجد صلاح الدين البارحة، فقلت لي في مسألة عدم صيام يوم السبت.
الشيخ: نعم.
مداخلة: فقلت هنا: تقديم الحاظر على المبيح.
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: ومَثَّلت بمثال صيام يوم الفطر -مثلاً- وصيام يوم العيد إذا كان يوم فطر.
الشيخ: مثال يوم الخميس يوم عيد؟
مداخلة: أي نعم.
الشيخ: نعم.
مداخلة: فبمناسبة حلول -إن شاء الله علينا وعليكم بخير- عاشوراء، فأحببت أن أسأل سؤالاً اعترضني في مسألة عدم صيام يوم السبت في قول النبي ﷺ : «لا تصوموا السبت إلا فيما افْتُرِضَ عليكم».
فقلت في صيام داود ﵇ قلت لك ذلك، قلت: هذا لا يجوز أن يُحْتَجَّ به لعلة معينة، أو لشيء معين ذكرته أنت، ولا داعي لذكره هنا، ولكن الحديث أن النبي ﷺ قال: «لو عِشْت لصمت يوماً قبل عاشوراء» أو ذكر تاسوعاء.
стр. 4213
الشيخ: «لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع من عاشوراء».
مداخلة: نعم-بارك الله فيك- هذا الحديث ألا ينبغي أن نوفق بينه وبين الحديث الذي قال فيه النبي ﷺ في النهي عن صيام يوم السبت إلا فيما افترض، أي: نقول مثلاً: وهذا قول من طالب علم مبتدئ ما زال يتعثر حتى في لهجته باللغة العربية، فجاء لي أطلب منك من العلم ما يَسّر الله له.
الشيخ: فيك البركة إن شاء الله.
مداخلة: بارك الله فيك، فالمسألة أقول: الله المستعان على هذا، ولو قلنا إن الحديث الذي قاله النبي ﷺ ومات ولم يُدْرِك هذا ﵇ مع حديث النهي، ولا يجوز لنا أن نضرب الأحاديث بعضها في بعض وحاشاك أنت أن تفعل هذا، فأنت في هذه الأيام قدوة لنا في الرسوخ على السنة، والسؤال عن الدليل، أفلا يجوز هذا أن نُوَفِّق بينهما؟
الشيخ: أين التعارض يا أخي بارك الله فيك؟
مداخلة: أنا أقول.
الشيخ: أنا لا أشاهد التعارض حتى نُوَفِّق.
مداخلة: في هذه المسألة يا شيخ، بما أن النبي ﷺ قال: «لو عشت لكان هذا» أي: لصام يوماً قبله.
الشيخ: نعم.
مداخلة: ولكن حديث النهي لو قلنا إن عدم تخصيصه، عدم تخصيص يوم السبت أنه يكون أراد هذا النبي ﷺ ؟
الشيخ: قل لي أين التعارض؟
مداخلة: التعارض: أن النبي ﷺ قال: «لو عشت لصمت يوم التاسع والعاشر».
стр. 4214
الشيخ: هل قال: «لو عشت لصمت التاسع» ولو كان يوم السبت؟
مداخلة: لا ما قال.
الشيخ: إذاً: أين التعارض الله يهديك، التعارض في مُخَّك ما تؤاخذني، ليس موجودًا بين النصين.
مداخلة: أليس العموم يا شيخنا، بارك الله فيك؟
الشيخ: يا أخي أول العموم أنت تخالفه، أليس عموماً قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] فهل أنت تُحَرِّم كل ميتة؟
مداخلة: لا.
الشيخ: نعم، وكل دم؟
مداخلة: لا.
الشيخ: إذاً: ما هي المشكلة التي توجدها ولا إشكال، إذا كان هناك عموم فيُخَصّص بما يُخَصِّصه، أما هنا الحقيقة: لا عموم يا أخي، هو يقول: «لو عشت إلى قابل» يا تُرى إلى قابل قد يكون يوم السبت أحد اثنين ثلاثة ... إلى آخره، ما في بيان هنا، لكن لو فرضنا كما صورت لك آنفاً، لو فرضنا أنه قال: لئن عشت إلى قابِل لأصومَنَّ ولو كان يوم السبت، ما رأيك؟ هذا ما هو صريح؟
مداخلة: صريح.
الشيخ: طيب، ثم قال: «لا تصوموا يوم السبت» الآن نقول لك: هنا حاظر وهنا مبيح وإلا؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: إذاً: يُقَدِّم الحاظر عن المبيح، فنقول: لو كان النص الأول أنه: لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع من عاشوراء ولو كان يوم السبت، أو قال: ولو كان أيَّ يوم من أيام الأسبوع، بعدين جاء حديث ينهى عن صيام يوم السبت إلا
стр. 4215
فيما فرض الله علينا، طيب، صوم يوم عاشوراء ليس فرضاً بالتالي صوم يوم التاسع ليس فرضاً، لو أن مسلماً صام من عاشوراء، ولا يريد أن يصوم لا قبله ولا بعده يوماً، ماذا تنصحه أن يصوم عاشوراء وإلا لا؟
الجواب: يصوم.
الشيخ: طيب، لكن ماذا تقول له؟ الأفضل: أنك تصوم تاسوعاء معه، طيب هذه الأفضيلة الذي أنت تدندن حولها أين التعارض بينها وبين قوله ﵇: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افْتُرِض عليكم»؟ ما في يا أخي تعارض، بارك الله فيك.
مداخلة: التعارض طرأ في ذهني من باب: جمع أفعاله ﷺ التي وردت أنه كان يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، وكذلك كان قال: «أحسن الصيام وخير الصيام صيام داود كان يصوم يوماً ويفطر يومًا».
الشيخ: رجعت حليمة إلى عادتها القديمة.
مداخلة: بجمع هذه.
الشيخ: هذا أليس نصاً عاماً؟
مداخلة: نعم عموم.
الشيخ: طيب، أولاً: نص عام: «كان يصوم يوماً ويفطر يوماً».
ثانياً: هل من شريعة داود ﵇ النّهي عن صوم يوم السبت إلا في الفرض؟
مداخلة: نعم، لا.
الشيخ: كيف؟
مداخلة: ليس من شريعته هذا.
الشيخ: طيب، إذاً: لماذا أنت ما «تصرفون» شريعته، بِدّك تتمسك بشريعة الرسول ﵇.
стр. 4216
مداخلة: اللهم صل وسلم عليه، نعم.
الشيخ: هو الذي أمرنا بصيام داود أو حثنا عليه بالمعنى الأصح، وقال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افْتُرِض عليكم» لماذا يا أخي أنت ما تحل المشكلة بالطريقة التي أنت حكيتها عني آنفاً.
مداخلة: نعم.
الشيخ: ألم يقل في أكثر من حديث يحض المسلمين على صيام يوم الاثنين ويوم الخميس؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب، هذا الحض خاص وإلا عام على حد تعبيرك أنت؟
مداخلة: عام يا شيخنا.
الشيخ: طيب، لماذا ما صمت يوم العيد يوم الخميس؟
مداخلة: لأنه جاء النهي عن صيام يوم العيد.
الشيخ: والقضية هنا هي هي، ما في فرق بين الأمرين.
مداخلة: جزاك الله خيرًا.
مداخلة: شيخنا الحديث الذي ذكره الأخ أن النبي ﷺ كان يصوم السبت والأحد والاثنين؟
الشيخ: ضعيف هذا ما عنده خبر.
(الهدى والنور /٦٢٣/ ٠٩: ٢١: ٠١)
(الهدى والنور /٦٢٣/ ٣٣: ٢٧: ٠١)
стр. 4217
كيف الجمع بين القول بفضل صيام داود وتحريم صيام السبت ؟
مداخلة: يقول السائل: كيف يتفق صيام النبي داود مع كراهيته صيام السبت بمفرده والجمعة بمفرده، يعني: الظاهر يريد أن يسأل حديث النبي ﷺ أنه كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، فإذا أنا أريد أن أطبق هذا الحديث صيام الحديث ..
الشيخ: مفهوم سؤاله، هذا السؤال يساوي كما لو قال قائل: كيف يتفق الحض على صوم داود ﵇ مع النهي عن صوم يوم العيد؟ «أفضل الصيام صيام داود ﵇ كان يصوم يومًا ويفطر يومًا» هذا حديث متفق عليه بين البخاري ومسلم، لكن هذا حديث عام، وهذه المسألة أيضًا تتعلق بعلم أصول الفقه، إذا جاء نص عام يفيد إباحة أشياء كثيرة أو استحباب أشياء كثيرة ثم جاء حديث خاص ينافي الإباحة أو الاستحباب استثني هذا من ذاك، فأفضل الصيام صيام داود، نصه يشمل كل الأيام يوم الجمعة على انفراد ويوم السبت على انفراد ويوم العيد على انفراد، فما موقف الفقيه؟ يستثني ما نهى الشارع عنه من مفردات يشملها النص العام .. يستثني هذه المفردات من النص العام، فنقول: أفضل الصيام صوم داود ﵇ إلا إذا تفق أن يومًا من هذه الأيام يوم عيد، فحينئذٍ لا يصام ذاك اليوم؛ لأنه جاء النهي عنه، كذلك نقول: أفضل الصيام صيام داود ﵇ إلا إذا اتفق أن يومًا من تلك الأيام يوم جمعة فلا يصام؛ لأنه جاء النهي عن صومه منفردًا.
كذلك في نهاية المطاف نقول: أفضل الصيام صيام داود ﵇ إلا إذا اتفق يوم من تلك الأيام أن يكون يوم سبت؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك في الحديث المعروف: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ولو ألا يجد أحدكم إلا لحاء شجرة» قشر شجرة فيؤكد إفطاره في يوم السبت.
(أسئلة وفتاوى الإمارات - ٤/ ٠٠: ٢٨: ٥٢)
стр. 4218
كيف الجمع بين أن أفضل الصيام صيام داود والنهي عن صيام السبت
مداخلة: [كيف الجمع بين أن أفضل الصيام صيام داود والنهي عن صيام السبت]؟
الشيخ: هو صام يومًا وأفطر يومًا، جاء يوم الصيام يوم عيد عيد الفطر أو الأضحى، هل يصوم؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأن النهي مقدم، ثم أيام العيد الأربعة أربعة أيام، أفطر يومًا .. جاء يوم العيد الأول في يوم الأضحى يفطره، اليوم الذي بعده يصومه أم يفطره؟ أربعة أيام العيد، هل يسير في النظام السابق؟
يفطر، لماذا؟ لهذه القاعدة، ونحن نشير إليها دائمًا وأبدًا يقول أهل العلم: إذا تعارض حاظر ومبيح قدم الحاضر على المبيح، فإذا جاء في دور صيام يوم وإفطار يوم أنه يصوم الجمعة وحده فحينئذ صيام يوم الجمعة وحده لا بد أن يفطره.
بعد هذه المقدمات كلها يأتي إزالة الإشكال عن صوم يوم السبت، فقد يشكل للناس أمرًا غير مستشكل، لماذا؟ لأنه غير معهود عندهم، بينما البحوث السابقة آنفة الذكر فيما يتعلق بصوم يوم الجمعة وما يتعلق بصوم يوم العيد ما في إشكال، لماذا؟ لأنه قائم في أذهانهم أن هذين اليومين منهي عن صيامهما، يوم الجمعة إفراده، ويوم العيد أيضًا، لما يأتيهم قوله ﵇: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، ولو لم يجد أحدكم إلا لحاء شجرة فليمضغه» كيف المعتاد أنه يصوم يوم ويفطر يوم، وجاء يوم الصيام يوم السبت ما هذا الإشكال الكبير، ما الفرق بين صيام يوم السبت المنهي عنه، أو صيام يوم الجمعة المنهي عنه، أو صيام يوم العيد المنهي عنه؟ ما في إشكال إطلاقًا.
ومن هذه الإشكالات جاء يوم عرفة .. جاء يوم عاشورا يوم السبت .. ما في إشكال يا أخي، هذه الأيام الفضيلة لا فضيلة لها فيما إذا عارضت نهيًا؛ لأن الحاظر مقدم على المبيح.
стр. 4219
ثم نذكر بهذه المناسبة شيئًا لا بد أيضًا من ذكره: إذا ترك المسلم المكلف صوم يوم هو من نظامه .. هو من عادته يصوم يومًا ويفطر يومًا، لكن اصطدم يوم الصيام مع وقت منهي عن الصيام فيه فهو يترك هذا اليوم ولا يصومه، لا يخسر هو يربح، كذلك جاء يوم عاشوراء أو يوم عرفة يوم السبت، إذا تركه لأنه صادف يوم السبت هذا لا يخسر لقوله ﵊، وهذا نهاية الجواب: «من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه» فالذي يترك صيام يوم السبت لما أحاط به من نهي فهو يتقرب بهذا الترك إلى الله بخلاف ما لو صام مخالفًا نهي رسول الله.
(فتاوى رابغ (٦) /٠٠: ٠٩: ٢٩)
حكم صيام السبت
السائل: حكم صيام السبت لا سيما إن وافق يوم فضل كيوم عاشوراء أو يوم عرفة؟ وما قولكم في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عندما قال للنبي ﷺ أصوم الدهر؟ فقال لا تطيق ذلك، قال: صم ثلاثة أيام في كل شهر ثم قال الإثنين والخميس ثم قال: تصوم يومًا وتفطر يوما فإن ذلك صيام داود ﵇»»
الشيخ: كل هذه الأدلة بل جُلّها استدلال بعمومات، معارضة للحديث الخاص وهذا لا يجوز، بعض الأدلة التي جاء ذكرها أو الأحاديث التي جاء ذكرها في سؤالك هذا يُردُّ على السائل بالتالي: أرأيت لو أفطر حسب نظامه يصوم يومًا ويفطر يومًا، كان فطره قبل يوم العيد نفترض أن يوم العيد كان يوم الثلاثاء, أفطر على قاعدة يصوم يومًا ويفطر يومًا, فأفطر يوم الإثتنين, وهو معلوم أنه يوم فضيلة وهذا مثال ولا يقصد بالمثال التحديد فلنقل مثلا أفطر يوم الأحد، ثم جاء يوم الإثنين ويشرع صيام يوم الإثنين لكن اتفق أنه يوم عيد، فهنا وجد مسوغان للصيام المسوغ الأول: هو كونه يوم الإثنين والمسوغ الثاني: هو أنه أفطر يوم الأحد ومن عادته أنه يفطر يومًا ويصوم يومًا فهل يصومه؟ سيكون جواب الجميع: لا يصومه، فماذا فعلنا بالأحاديث التي تحض على صيام يوم الإثنين، والأحاديث التي
стр. 4220
ذكرت وذكرتَ أنت طرفًا منها «صم يومًا وافطر يومًا فإنه أفضل الصيام وهو صوم داود ﵇» ماذا نفعل بهذه الأدلة العامة نُقيدها، ونقول: صم يومًا وأفطر يومًا إلا إذا صادفت في صيامك صوم يوم منهي عنه، أليس هكذا نوفق؟
كذلك الجواب عن مشكلة الحديث الذي لا يزال الناس يتجادلون فيه وهو نص صريح لا يقبل الجدل إطلاقًا لولا غلبة العادات، صيام البيض ثلاثة أيام، صادف يوم السبت، صيام يوم عاشوراء، صيام يوم عرفة صادف يوم السبت، لم يعد الناس يستطيعون أن يهضموا بعض الأحكام الشرعية لغلبة العادات على الناس، وها نحن قد أجبناكم عن حل مشكلة تقع بالتوفيق بين المستحب من العبادات والمنهي عنها. فقلنا: النهي مُقدّم، وهذا يُعبّر عنه بعض علماء الأصول بأنه «إذا تعارض مبيح وحاظر، قُدم الحاظر على المبيح» فالأمثلة كثيرة وكثيرة جدًا، أهمها لإبراز كيفية التوفيق بين الأحاديث المتعارضة في أذهان بعض الناس ما صورته لكم آنفا: رجل يصوم يومًا ويفطر يومًا اتفق أنه أفطر يوم الأحد وعليه بالنظر لعادته أن يصوم يوم الإثنين، ويوم الإثنين له فضيلة خاصة كما هو معروف في السنة لكن اتفق أن هذا اليوم كان يوم عيد أفيصومه؟ كان الجواب: لا, ولا أحد يخالف في هذا. ما هي القاعدة التي يستند العلماء في مثل هذا الموقف، صوم يوم الإثنين لوحده مشروع وبخاصة إذا جاء حسب الترتيب الذي جرى المعتاد أن يفطر يومًا وأن يصوم يومًا، ما هي القاعدة التي جرى عليها العلماء هي: «الحاظر مقدم على المبيح» فالآن لا شجاعة ولا بطولة علمية أن نكثّر الأمثلة لضرب حديث لا تصوموا يوم السبت فنقول -مثلا- اتفق أن يوم السبت كان يوم عاشوراء لا نصومه! خسارة كفارة سنة, اتفق أن يوم عرفة يوم سبت لا نصومه! خسارة كفارة سنتين, كذلك أيام البيض ونحو ذلك.
الجواب «الحاظر مقدم على المبيح» ثالت أيام البيض اتفق أنه يوم سبت دعه, عاشوراء يوم السبت دعه, عرفة يوم السبت دعه, ولست بالخاسر، وهذه يجب أن نتنبه لها لماذا؟ لأنك أولاً وقفت عند نهي الرسول ﷺ المؤكد حيث قال «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افتُرض عليكم ولو لم يجد أحدكم إلا لحاء شجرة فليمضغه» هذا تأكيد للنهي، وأنك يجب عليك يوم
стр. 4221
السبت أن تؤكد للناس أنك مفطر ولو كان يوم فضيلة في الأصل، اتفق عاشوراء مع السبت، عرفة مع السبت، يوم من أيام البيض مع السبت إلى آخره، فأنت تدع صيام هذا اليوم وقوفًا مع نهي الرسول ﵇ عنه، فهل نتصور من قدم الحاظر على المبيح أنه خسر؟ تفكروا في المثال الأول: يوم الإثنين يوم عيد فهل نصومه؟ لا. هل خسر؟ الجواب: لا، لمَ؟ احفظوا هذا الحديث من كان منكم لا يحفظه وليتذكره من كان يحفظه ألا وهو قوله ﵇ «من ترك شيئا لله عوضه الله خيرًا منه» الذي ترك صيام يوم الإثنين لموافقته يوم عيد وامشوا بالأمثلة ما شئتم هل هو خسر أم ربح؟ الجواب ربح، لماذا؟ لأنه كان ناويًا أن يصوم هذا اليوم لولا أنه جاء النهي عن صيام هذا اليوم فقُدِّمَ النهي على المبيح، فإذن يصدُقُ على كل من ترك صيام يوم له فضيلة خاصة لأنه اتفق أنه كان يوم السبت فحينئذ يصدُق عليه قوله ﵇: «من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه». فنسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن يزيدنا علمًا وأن يلهمنا العمل بما علمنا إنه سميع مجيب وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
(فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- ١٦)
حرمة صيام السبت في غير الفرض
عَن عبد الله بن بسر عَن أُخْته الصماء ﵃ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: لَا تَصُومُوا لَيْلَة السبت إِلَّا فِيمَا افْترض عَلَيْكُم فَإِن لم يجد أحدكُم إِلَّا لحاء عنبة أَو عود شَجَرَة فليمضغه.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَأَبُو دَاوُد وَقَالَ هَذَا حَدِيث مَنْسُوخ ...
قال الألباني: قلت: لا دليل على النسخ، ونحوه حمل الحديث على إفراد السبت بالصوم كما يأتي .. ، فإنه وإن قال به كثير من العلماء كما كنت ذكرت في الطبعة السابقة، وجريت مجراهم فقد ظهر لي أن الأقرب أنه لا يشرع صيامه مطلقاً إلا في
стр. 4222
الفرض، مشياً مع ظاهر الحديث؛ لأنه نهى أولاً نهياً عاماً، ثم استثنى الفرض فقط، ثم أكد الأمر بإفطاره في غير الفرض بقوله: «فإن لم يجد أحدكم إلا .. » وحديث أبي هريرة لا ينهض لتخصيصه؛ لأنه مبيح، وهذا حاظر، والحاظر مقدم على المبيح كما هو معلوم من علم الأصول، مع منافاته للحصر المذكور فيه كما تقدم، والله أعلم. ومن شاء التفصيل فلينظره في كتابي «إتمام المنة» «ص ٤٠٥ - ٤٠٨» و «الصحيحة» «٣١٠١»، ومن الملاحظ أن هناك شبه اتفاق على صحة الحديث، أما الذين صرحوا بصحته -وهم جمع كثير ترى أسماؤهم هناك- فمنهم المتأول له، ومنهم القائل بنسخه، وذلك يعني صحته عندهم كما هو ظاهر، أما إعلال بعضهم إياه بالاضطراب فهو مرجوح على أنه خاص في طريق واحدة، والطرق الأخرى سالمة منه، فمن أعله من المعاصرين فلضيق عطنه، وعجزه عن الخوض في هذا المعترك ...
(التعليق على الترغيب والترهيب ١/ ٤٤٩)
لا يجوز إفراد صوم يوم عاشوراء أو عرفة إذا وافق يوم السبت
[قال الإمام]: لا يجوز إفراد صوم يوم عاشوراء أو عرفة إذا وافق يوم السبت، وهذا مما يغفل عنه الجماهير. فينبغي التنبه له.
«التعليق على الترغيب والترهيب ١/ ٤٥٠»
стр. 4223
رمضان
стр. 4224
هل النفل في رمضان يعدل فريضة، وهل الحسنات والسيئات فيه مضاعفة ؟
مداخلة: هل النفل يعدل في رمضان فريضة والفريضة تعدل سبعين فريضة؟
الشيخ: لا شيء من هذا مطلقاً في السنة التي عرفناها.
مداخلة: وهل الحسنات بشكل عام تُضَاعف وكذلك السيئات؟
مداخلة: هذا السؤال أيضاً يكثر إيراده فيما يتعلق بمكة والمقيم في مكة، سواء كان آفاقياً أو كان مكياً .. هل هناك الحسنات تتضاعف والسيئات تتضاعف.
الجواب: لا يوجد نص في الشرع صراحة في أن الحسنات تتضاعف وكذلك السيئات؛ نظراً لفضيلة المكان أو لفضيلة الزمان .. فضيلة المكان كمكة والمدينة مثلاً .. فضيلة الزمان كشهرنا هذا شهر رمضان، ليس هناك نص صريح في أن الحسنات أو السيئات تتضاعف، ولكن استنباطاً يقول بعض العلماء: إنها تتضاعف .. استنباطاً أي: ليس نصاً وإنما اجتهاداً فإذا قال إنسان ما: إن الحسنات تتضاعف فلا بأس من ذلك؛ لأنه قول بعض العلماء، ولكن لا يجوز الجزم بذلك ..
(الهدى والنور / ٦٩٢/ ٥٦: ٥٦: ٠٠)
(الهدى والنور / ٦٩٢/ ٢٣: ٥٧: ٠٠)
الإفطار في رمضان بغير عذر
السؤال: ذكر من تعمد الإفطار في رمضان بغير عذر، هل هناك دليل على إلزامه بالقضاء؟
стр. 4225
الشيخ: لا، إذا كان السؤال في هذه الحدود، ليس هناك؛ ولا يُمَكنه القضاء، فهو آثم، إلا أن يتوب إلى الله ، كتارك الصلاة عامداً متعمداً.
(الهدى والنور /٢٣/ ٤٥: ٤٣: .. )
سائق الأجرة دائم السفر في رمضان هل يجوز له أن يفطر ؟
السؤال: هل يجوز لسائق السيارات المسافرة من بلد بعيدة -مثلاً- بين -مثلاً- حلب ودمشق -الأجرة- في أثناء رمضان أنهم يفطروا؛ لأن هذه مسافة طويلة جداً، يعني .. ؟
الشيخ: القضية -بارك الله فيك- تتعلق بالحكم، إن كان يقال أنه مسافر جاز وإلا فلا، وليس السفر بالذي يُحَدَّد بقطع مسافة طويلة أو قصيرة؛ لأن ذلك قد يكون وصفاً من الأوصاف، وليس شرطاً واحداً.
فإذا كان هذا السائق يعتبر نفسه مسافراً، ويستعد استعداد المسافرين، فله القصر وله الإفطار، أما إن كان هو يعني: لا يعتبر نفسه، ولا يستعد استعداد المسافرين، فإنه يُوَصِّل الركاب إلى البلد القاصد إليها، ثم يعود إلى بلده، ليس له أن يقصر.
فالقضية نسبية، ولا يمكن أن يُعْطَى فيها فتوى جامدة تليق لكل سائق، بل هذا الكلام يقال: بالنسبة لكل مسافر، دعنا نقول بعبارة أدق: لكل من خرج من بلده سواءً كان قطع مسافة طويلة أو قصيرة لا يمكن أن يقال إنه مسافر أو غير مسافر؛ لأن ذلك يتعلق بالعرف؛ فقد يقطع مسافة طويلة وليس مسافراً.
ويضرب ابن تيمية مثلاً في رسالته في «أحكام السفر»: برجل خرج -مثلاً- من دمشق للصيد, وصل خارجها فلم يجد الصيد، فمشى وما زال يمشي ويمشي، حتى وصل إلى حلب من دمشق، قال: هذا ليس بمسافر؛ لأنه أولاً: ما خرج قاصداً السفر، وإنما خرج قاصدا الصيد، ولا تهيأ ولا كان في باله.
стр. 4226
فهذه النقاط الدقيقة ينبغي أن تلاحظ في موضوع المسافر وغير المسافر.
(الهدى والنور / ٤٣/ ٥٢: ٢٣: .. )
حكم الفطر في رمضان لطلبة الثانوية العامة ؟ !
السؤال: هذا سؤال واحد فقط: عندنا في مصر كان أفتى المفتي لطلبة الثانوية العامة بجواز الإفطار في رمضان، قياساً على المسافر، مع: أن الطالب كان يخرج من بيته والمدرسة بجانب البيت، ويُعَلِّل ذلك بالمشقة.
الشيخ: عياذاً بالله من هذه الفتاوى التي يستحلوا ما حرم الله.
ما يجوز أبداً لطالب العلم خاصة هذا العلم الاَّ الشرعي -إن صح التعبير- أن يُفْطِر في رمضان وهو مقيم، ولا يجوز أن يحتال فيخرج خارج البلد ليأخذ حكم المسافر؛ لأن هذه من باب الحِيَل التي يُسَمُّونها ظلماً بالحيل الشرعية.
فأنا أقول: إذا كان هناك -فعلاً- جهد من الطالب يضنيه وهو صائم، فعليه أن يتخذ الأسباب والوسائل التي لا تُعَرِّضه لمثل هذا الجهد، فهو -مثلاً- عليه إن كان مسلماً مؤمناً حقاً أن يصلي صلاة الفجر مع الجماعة، ثم يتدارس ما هو بحاجة من التدارس من العلم الذي يريد أن يقدم فيه الامتحان ساعتين ثلاث حسب استطاعته بعد صلاة الفجر، أما أن ينام الليل كله وربما لا يستيقظ لصلاة الفجر مطلقاً، وإن كان يصليها بعد وقتها ثم هو يدرس في النهار فيقال له: يجوز لك الإفطار، هذا هو الاحتيال على أحكام الله وشريعته.
والعجيب أن هؤلاء المفتين لا يُلاحظون أحوال هؤلاء الطلاب، ما بينصحوهم بالطريق الذي ينبغي أن يَسْلُكُوه، حتى يجمعوا بين المحافظة على الفريضة وبين الاستعداد الذي يوجبه عليهم أنهم قادمون على الامتحان، ما يُذَكِّرونهم -مثلاً- بمثل قوله ﵇: «بورك لأمتي في بكورها».
فتجد أكثر الطلاب يسهرون الليل إلى نصف الليل، وهذا خلاف الشرع، كما
стр. 4227
تعلم من نهيه ﵇: عن النوم قبل صلاة العشاء، وعن الحديث بعدها، ثم ينامون بعد نصف الليل ولا يستيقظون لصلاة الفجر، إما يضنون أنفسهم في النهار فيفتونهم بالجواز.
أولاً: ليس هناك ضرورة لمثل هذه الفتوى، يعني: ما هذا العلم الذي يتدارسونه ويقدمون جهودهم في سبيل النجاح، ليس هو العلم الشرعي، حتى ولو كان العلم الشرعي فلا يجوز أن يعرضوا أنفسهم للإفطار، كما قلت في تعليقي على «رسالة العز بن عبد السلام» في ردي على الغُماري وتعليقاته على «نهاية السول تخريج أحاديث» ..
قلت: الذي يُعْنَى بتخريج الأحاديث دون بيان صحتها أو ضعفها، كالذي يتوضأ ولا يصلي، فالتخريج وسيلة، ومعرفة الصحيح والضعيف هو الغاية، فما فائدة التخريج إذا كان لم يُفْتَرض معه بيان المرتبة.
كذلك ما فائدة هذه العلوم التي يدرسونها، إذا كانت ليست لله .
خلاصة القول: لا يجوز لطالب العلم حتى لو كان علماً شرعياً أن يفطر في رمضان، إلا بعد الاعتناء بملاحظة هذه الأمور التي ذكرناها، إلا إذا أضناه الصيام وخاف على نفسه، فحينئذٍ يُفْطِر وإلا فليس له ذلك.
(الهدى والنور / ٤٣/ ٩.: ٢٧: .. )
رجل نام الفجر ولم يستيقظ إلا عند غروب شمس اليوم التالي
مداخلة: كذلك حدث أن رجلاً نام من الفجر، لم يستيقظ إلا عند غروب شمس اليوم الثاني ..
الشيخ: هو بَيَّت النية في الليل وإلا لا؟
مداخلة: عفواً يا شيخ، هو نام بعد الفجر، فلم يستيقظ إلا في غروب اليوم الثاني، اليوم الثاني لليوم الأول كمان.
стр. 4228
الشيخ: آه يعني: كم ساعة نام هذا.
مداخلة: يعني من الفجر إلى الفجر أربعة وعشرين، ثم أتى عليه فجر اليوم الثاني ولم ينو، فاستمر نائماً.
الشيخ: لازم يعيد.
مداخلة: نعم.
الشيخ: لازم يقضي.
مداخلة: لازم يقضي.
الشيخ: نعم.
مداخلة: لأن النية شرط يا شيخ -مثلاً-؟
الشيخ: طبعاً، هو كذلك.
(الهدى والنور/٣٢٦/ ٠٤: ١٨: ٠٠)
تبييت نية صيام رمضان يوميا من الليل
السائل: هل يلزم تبييت نية الصيام كل ليلة في رمضان؟
الشيخ: إيه والله.
(الهدى والنور / ٥٦٤/ ٤٩: ٣٣: ٠٠)
هل من يُفْطِر يوماً في رمضان يُحْرَم من أجر صيام الباقي ؟
السائل: هل من يفطر يوماً في رمضان يحرم من أجر صيام الباقي؟
الشيخ: الجواب يكون انطلاقاً من أمرين اثنين:
стр. 4229
الأول: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة: ٨].
والأمر الثاني: أنه ليس عندنا دليل على أن من أفطر يوماً من رمضان وصام سائر أيام رمضان، أن هذا الصيام يكون غير مقبول عند رب الأنام، لا دليل عندنا على هذا، وإذ لم يوجد مثل هذا الدليل فنعتمد حينذاك على الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة: ٨] وهو سيُجازى جزاءً حسنا على صيامه ويعاقب عقاباً سيئاً على إفطاره ليومه، إلا أن يغفر الله له، فهذا داخل تحت عموم مشيئة الله المنصوص عليها في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
هذا إذا كان قصد السائل هو أنه أفطر يوماً من رمضان عامداً متعمداً، وهذا الإفطار ليوم من رمضان، يُذَكِّر بمثل هذه المناسبة حديث على رؤوس المنابر وعلى رؤوس المجالس يزعمون بأن النبي ﷺ قال: «من أفطر يوماً من رمضان لم يَقْضِه صوم الدهر وإن صامه» هذا حديث لعله يجوز لي أن أقول: هو والحمد لله غير صحيح؛ لأني أعلم ذلك، لكن ما أدري يجوز أن أقول والحمد لله: إنه غير صحيح؛ ذلك لأنه يجسم عقوبة المفطر في رمضان، ويبالغ بأنه لو صام الدهر كله ما استطاع أن يُعَوِّض ما فاته من فضل صوم ذلك اليوم الذي أفطره.
أقول هذا، بالإضافة إلى شيء مهم ذِكْره في هذه المناسبة، وإن كان متعلقاً بالصلاة التي هي ركن من الأركان الخمسة .. ركن من أركان الإسلام الخمسة كما تعلمون: لقد قال ﵊: «أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن تمت فقد أفلح وأنجح، وإن نقصت قال الله لملائكته - وهنا الشاهد - انظروا هل لعبدي من تَطَوُّع فتُتِمّوا له به فريضته».
يعني: أن المسلم إذا قُدِّر أنه فَرَّط في صلاة ما، فالمخرج من ذلك قد أوضح سبيله هذا الحديث الصحيح وهو: أن يكثر من التطوع .. أن يُكْثِر من النوافل؛ حتى يعوض من أجورها المتوفرة لحسابه يوم لقاء الله، يُعَوِّض من هذه الأجور المتوفرة
стр. 4230
بسبب صلاته للنوافل بديل ما فاته من أجر الصلاة التي أضاعها.
على الوزان نستطيع أن نقول: اقتباساً من هذا الحديث الصحيح، أن من أفطر يوماً من رمضان فعليه أن يُكْثِر من التطوع؛ حتى يعوض له ما فاته من أجر إفطاره لذلك اليوم، فمن هنا نقول: إن هذا الحديث المذكور آنفاً هو ضعيف سنداً ومتناً: «من أفطر يوماً من رمضان بغير عذر لم يقضه صوم الدهر وإن صامه» هذه مبالغة، والحمد أن الحديث ضعيف لا يصح.
(الهدى والنور / ٦٩٣/ ١٢: ٣٠: ٠٠)
(الهدى والنور / ٦٩٣/ ١٧: ٣٢: ٠٠)
من انتقل في رمضان من بلد إلى بلد آخر فنتج عن ذلك خلل في عدد أيام الصوم بالنسبة له ؟
مداخلة: بالنسبة لقضية الصيام: من الناحية الواقعية هناك إشكال؛ لأنه مثلاً عندما يكون الشهر تسعة وعشرين يومًا، الواقع عندنا في الجزائر أنه عادةً السعودية يصومون قبلنا بيوم فالذي يبتدئ الصوم مع الجزائر في بلاده طبعاً ثم يذهب ليعتمر وهذا كثير جداً ..
الشيخ: كيف؟ يبتدئ الصوم ..
مداخلة: مع بلاده؛ لأنه كان مقيماً في الجزائر فيبدأ الصيام مع الجزائر، ثم يذهب ليعتمر في العشر الأواخر من رمضان وهذا كثير جداً، فيدركه العيد وهو في السعودية فيجد نفسه قد صام ثمانية وعشرين يومًا، فهذا الإشكال لا أدري كيف يُحَل.
الشيخ: لا يوجد ثمانية وعشرين يومًا، يوجد تسعة وعشرين ويوجد ثلاثين، ففي هذه الحالة إذا بقي في البلد الذي يُعَيِّد في اليوم التاسع والعشرين بالنسبة للجزائري فهو عليه أن يصوم؛ لأنه لم يصم الشهر كاملاً، فما دام أنه ابتدأه في بلده، فهو يختمه حسب بلده
стр. 4231
إلى تسعة وعشرين، أما إذا بلده صامت ثلاثين فهو لا يصوم ثلاثين.
مداخلة: وإذا كان العكس، مثلاً: ابتدأ الصوم في السعودية ورجع إلى الجزائر قد يجد نفسه قد يصوم واحداً وثلاثين يوماً.
الشيخ: نفس الجواب ..
«صومكم يوم يصومون وفطركم يوم يفطرون» ..
مداخلة: أذكر فتوى في هذا الموطن: أنه لو البلد التي هو فيها أفطرت يفطر معهم حتى يحظى بصلاة العيد، ويكون معهم ويقضي هذا اليوم، فما رأيكم؟ والآن أنا سمعت منك أن يصومه الذي هو قبالة التسعة وعشرين، فهناك أجبت بأنه يفطر يوم التاسع وعشرين مع البلد الذي هو فيها حتى يحظى بصلاة العيد معهم ويقضي هذا اليوم.
الشيخ: ربما يكون هذا له وجه لكن الآن ما يبدو لي؛ لأن الإفطار المتعمد ما يصح، وبإمكانه بالنسبة للعيد أن يصوم ثاني يوم بالنسبة له .. عفواً: أنه يصلي العيد ثاني يوم.
(الهدى والنور/٧٧٦/ ٠٧: ٤١: ٠٠)
(الهدى والنور/٧٧٦/ ٥٣: ٤٢: ٠٠)
هل الميت في رمضان يخفف عنه العذاب
مداخلة: هل الميت في رمضان يخفف عنه العذاب مثل؟
الشيخ: ما عندنا بيان في هذا. الله أعلم.
مداخلة: تُغلق أبواب النار؟
стр. 4232
الشيخ: نعم. لكن هذا ليس معناه يُخَفّف عن الميت العذاب، هذا يحتاج إلى نص. نعم.
(الهدى والنور / ٣١٧/ ٥٤: ٣١: ٠٠)
стр. 4233
اختلاف المطالع
стр. 4234
إتمام شعبان ثلاثين يومًا إذا غُم علينا
«حديث: «كان ابن عمر إذا حال دون مطلعه غيم أو قتر أصبح صائما». صحيح.
(تنبيه): استدل المصنف بهذا الأثر على وجوب صوم ليلة الثلاثين احتياطا إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر. وقال: «وابن عمر هو راوى الحديث ـ يعنى المتقدم ـ وعمله به تفسير له».
قلت: وبناء على ذلك فسر قوله فى الحديث المشار إليه: «فاقدروا له» بـ «ضيقوا له العدة وذلك بأن يحسب شعبان تسعة وعشرين يوما».
قلت: ينافي ذلك أمور:
الأول: أن فى حديث أبى هريرة المتقدم قبل حديث: «فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» , وكذلك فى حديث جماعة آخرين من الصحابة سبق ذكرهم هناك.
الثانى: أن فعل ابن عمر هذا مخالف لفعله ﷺ أيضا فقد تقدم من حديث عائشة رضى الله عنها: «ثم يصوم لرؤية رمضان, فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام».
وأما ما رواه سعيد بن منصور عن عائشة أنها قالت: «لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلى من أن أفطر يوما من رمضان» فلا يصح سنده, فيه رجل لم يسم, لكن قد جاء مسمى بـ «عبد الله بن أبى موسى» فى مسند أحمد «٦/ ١٢٥ ـ ١٢٦» وسنده صحيح, فمن قال: العبرة برأى الراوى لا براويته لزمه الأخذ به كالحنفية.
[إرواء الغليل تحت حديث رقم (٩٠٤)]
يعتبر في ثبوت الصيام والفطر الموافقة للناس
[قال رسول الله ﷺ ]: «الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون».
стр. 4235
[قال الإمام]: فقه الحديث: قال الترمذي عقب الحديث: «وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقال: إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس». وقال الصنعاني في «سبل السلام» «٢/ ٧٢»: «فيه دليل على أنه يعتبر في ثبوت العيد الموافقة للناس، وأن المتفرد بمعرفة يوم العيد بالرؤية يجب عليه موافقة غيره، ويلزمه حكمهم في الصلاة والإفطار والأضحية». وذكر معنى هذا ابن القيم ﵀ في «تهذيب السنن» «٣/ ٢١٤»، وقال: «وقيل: فيه الرد على من يقول إن من عرف طلوع القمر بتقدير حساب المنازل جاز له أن يصوم ويفطر، دون من لم يعلم، وقيل: إن الشاهد الواحد إذا رأى الهلال ولم يحكم القاضي بشهادته أنه لا يكون هذا له صوما، كما لم يكن للناس». وقال أبو الحسن السندي في «حاشيته على ابن ماجه» بعد أن ذكر حديث أبي هريرة عند الترمذي: «والظاهر أن معناه أن هذه الأمور ليس للآحاد فيها دخل، وليس لهم التفرد فيها، بل الأمر فيها إلى الإمام والجماعة، ويجب على الآحاد اتباعهم للإمام والجماعة، وعلى هذا، فإذا رأى أحد الهلال، ورد الإمام شهادته ينبغي أن لا يثبت في حقه شيء من هذه الأمور، ويجب عليه أن يتبع الجماعة في ذلك».
قلت: وهذا المعنى هو المتبادر من الحديث، ويؤيده احتجاج عائشة به على مسروق حين امتنع من صيام يوم عرفة خشية أن يكون يوم النحر، فبينت له أنه لا عبرة برأيه وأن عليه اتباع الجماعة فقالت: «النحر يوم ينحر الناس، والفطر يوم يفطر الناس».
قلت: وهذا هو اللائق بالشريعة السمحة التي من غاياتها تجميع الناس وتوحيد صفوفهم، وإبعادهم عن كل ما يفرق جمعهم من الآراء الفردية، فلا تعتبر الشريعة رأي الفرد - ولو كان صوابا في وجهة نظره - في عبادة جماعية كالصوم والتعبيد وصلاة الجماعة، ألا ترى أن الصحابة ﵃ كان يصلي بعضهم وراء بعض وفيهم من يرى أن مس المرأة والعضو وخروج الدم من نواقض الوضوء، ومنهم من لا يرى ذلك، ومنهم من يتم في السفر، ومنهم من يقصر، فلم يكن اختلافهم هذا وغيره ليمنعهم من الاجتماع في الصلاة وراء الإمام الواحد، والاعتداد بها، وذلك لعلمهم بأن التفرق في الدين شر من الاختلاف في بعض
стр. 4236
الآراء، ولقد بلغ الأمر ببعضهم في عدم الإعتداد بالرأي المخالف لرأى الإمام الأعظم في المجتمع الأكبر كمنى، إلى حد ترك العمل برأيه إطلاقا في ذلك المجتمع فرارا مما قد ينتج من الشر بسبب العمل برأيه، فروى أبو داود «١/ ٣٠٧» أن عثمان ﵁ صلى بمنى أربعا، فقال عبد الله بن مسعود منكرا عليه: صليت مع النبي ﷺ ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ومع عثمان صدرا من إمارته ثم أتمها، ثم تفرقت بكم الطرق فلوددت أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين، ثم إن ابن مسعود صلى أربعا! فقيل له: عبت على عثمان ثم صليت أربعا؟ ! قال: الخلاف شر. وسنده صحيح. وروى أحمد «٥/ ١٥٥» نحو هذا عن أبي ذر ﵃ أجمعين.
فليتأمل في هذا الحديث وفي الأثر المذكور أولئك الذين لا يزالون يتفرقون في صلواتهم، ولا يقتدون ببعض أئمة المساجد، وخاصة في صلاة الوتر في رمضان، بحجة كونهم على خلاف مذهبهم! وبعض أولئك الذين يدعون العلم بالفلك، ممن يصوم ويفطر وحده متقدما أو متأخرا عن جماعة المسلمين، معتدا برأيه وعلمه، غير مبال بالخروج عنهم، فليتأمل هؤلاء جميعا فيما ذكرناه من العلم، لعلهم يجدون شفاء لما في نفوسهم من جهل وغرور، فيكونوا صفا واحدا مع إخوانهم المسلمين فإن يد الله مع الجماعة.
السلسلة الصحيحة (١/ ١/ ٤٤٣ - ٤٤٥)
الصيام واختلاف المطالع
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
ومن «اختلاف المطالع»:
تحت هذا العنوان ذكر المؤلف ثلاثة مذاهب:
الأول: مذهب الجمهور أنه لا عبرة باختلاف المطالع لعموم قوله ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته».
متفق عليه وهو مخرج في «إرواء الغليل» ٩٠٢ من طرق عن أبي هريرة وغيره.
стр. 4237
الثاني: أن لكل بلد رؤيتهم ولا يلزمهم رؤية غيرهم ... واحتج لهم بحديث ابن عباس عند مسلم وغيره.
الثالث: لزوم أهل بلد الرؤية وما يتصل بها من الجهات التي على سمتها.
واختار المؤلف هذا المذهب الأخير معلقا عليه بقوله:
«هذا هو المشاهد ويتفق مع الواقع».
قلت: وهذا كلام عجيب غريب لأنه ان صح أنه مشاهد موافق للواقع فليس فيه أنه موافق للشرع أولا ولأن الجهات - كالمطالع - أمور نسبية ليس لها حدود مادية يمكن للناس أن يتبينوها ويقفوا عندها ثانيا.
وأنا - والله - لا أدري ما الذي حمل المؤلف على اختيار هذا الرأي الشاذ وأن يعرض عن الأخذ بعموم الحديث الصحيح وبخاصة أنه مذهب الجمهور كما ذكره هو نفسه وقد اختاره كثير من العلماء المحققين مثل شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى المجلد ٢٥ والشوكاني في «نيل الأوطار» وصديق حسن خان في «الروضة الندية» ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥ وغيره فهو الحق الذي لا يصح سواه ولا يعارضه حديث ابن عباس لأمور ذكرها الشوكاني ﵀ ولعل الأقوى أن يقال: إن حديث ابن عباس ورد فيمن صام على رؤية بلده ثم بلغه في أثناء رمضان أنهم رأوا الهلال في بلد آخر قبله بيوم ففي هذه الحالة يستمر في الصيام مع أهل بلده حتى يكملوا ثلاثين أو يروا هلالهم. وبذلك يزول الإشكال ويبقى حديث أبي هريرة وغيره على عمومه يشمل كل من بلغه رؤية الهلال من أي بلد أو إقليم من غير تحديد مسافة أصلا كما قال ابن تيمية في «الفتاوى» ٢٥/ ١٥٧ وهذا أمر متيسر اليوم للغاية كما هـ معلوم ولكنه يتطلب شيئا من اهتمام الدول الإسلامية حتى تجعله حقيقة واقعية إن شاء الله ﵎.
وإلى أن تجتمع الدول الإسلامية على ذلك فإني أرى على شعب كل دولة أن يصوم مع دولته ولا ينقسم على نفسه فيصوم بعضهم معها وبعضهم مع غيرها ممن تقدمت في صيامها أو تأخرت لما في ذلك من توسيع دائرة الخلاف في الشعب
стр. 4238
الواحد كما وقع في بعض الدول العربية منذ بضع سنين. والله المستعان.
[تمام المنة ص (٣٩٧)]
حكم من رأى الهلال وحده
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
ومن من رأى الهلال وحده:
وتحت هذا العنوان الجانبي قال: «واتفقت أئمة الفقه على أن من أبصر هلال الصوم وحده - أن يصوم».
فأقول: هذا ليس على إطلاقه بل فيه تفصيل ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في فتوى له فقال ٢٥/ ١١٤: «إذا رأى هلال الصوم وحده أو هلال الفطر وحده فهل عليه أن يصوم برؤية نفسه أو يفطر برؤية نفسه؟ أم لا يصوم ولا يفطر إلا مع الناس؟ على ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات عن أحمد».
ثم ذكرها والذي يهمنا ذكره منها ما وافق الحديث وهو قوله: «والثالث: يصوم مع الناس ويفطر مع الناس وهذا أظهر الأقوال لقول النبي ﷺ : «صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون». رواه الترمذي وقال: حسن غريب.
قال: وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس».
وهذا الحديث مخرج في «الصحيحة» ٢٢٤ و «الإرواء» ٩٠٥ من طرق عن أبي هريرة فمن شاء رجع إليها.
стр. 4239
ثم قال ابن تيمية ١١٧: «لكن من كان في مكان ليس فيه غيره إذا رآه صام فإنه ليس هناك غيره».
[تمام المنة ص (٣٩٩)]
الصيام مع مجتمع آخر، وكلمة حول اختلاف المطالع
مداخلة: يجوز الواحد يصوم مع مجتمع آخر غير المجتمع المحيط فيه؟
الشيخ: لا، لا يجوز.
مداخلة: يعني يصوم مع الناس الذي يعيش معهم، في المجتمع الذي يعيش معهم.
الشيخ: هو الأصل في هذه المسألة قوله ﵊: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» إلى آخر الحديث المعروف، وهذا يعني أن يصوم المسلمون كلهم جميعاً على رؤية بلد واحد، وأنه لا تأثير في الصيام باختلاف الأقاليم.
مداخلة: إذاً ما حكاية مطالع، وما مطالع الأخوة فيها.
الشيخ: هذا الذي نَرُده الآن، كلمة المطالع، أو قيد المطالع: قيد كانت توحيه ظروف المسلمين يومئذٍ، حيث لا يمكنهم أن يعلموا ما في الشرق وهم في الغرب، والعكس بالعكس.
فالأصل أن يصوم المسلمون جميعاً ببلد واحد.
يومئذٍ لم يكونوا مستطيعين لتنفيذ هذا الحكم الشرعي على أوسع مدى، والآن وجدت الوسائل المعروفة، لكن وجدت موانع مع الأسف.
مداخلة: غير دينية.
الشيخ: نعم، هذه الموانع الآن أصبحت هي في ملك الإنسان أن يُصَرِّفها، أصبحت في حكم اختلاف المطالع التي لم يكن في ملكهم أن يصرفوها، نعم.
لذلك وقع الاختلاف كنتيجة لهذا الاختلاف غير المفروض عليهم، إلا بسبب
стр. 4240
ذنوبهم.
وقع الاختلاف في الصيام كما كان شأنه في قديم الزمان، فنحن لا نرضى بطبيعة الحال على هذا التَفَرُّق في الوقت الذي نرضى ذاك التفرق، لأنه ليس في ملكهم وفي استطاعتهم الخلاص منه، وهذا كما نقول في المسائل الفقهية: إنه يجب التقارب والتفاهم فيها في حدود الاستطاعة.
مداخلة: نعم.
الشيخ: فما لم يستطاع لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، الآن مستطاع الصيام برؤية بلد واحد، لكن هذا ليس في -هنا الشاهد- ملك الأفراد وإنما هو في ملك الدول الحاكمة المسيطرة، إذ الأمر الواقع الآن كما هو الشأن في ذاك الزمان مع اختلاف العلة والسبب، فينبغي حينئذ أن يصوم كل بلد مع رؤيته.
وذلك من باب دفع المفسدة الكبرى بالصغرى، ما هي الصغرى هنا وما هي الكبرى؟
الصغرى أن كل دولة تصوم لوحدها كما هو الواقع، الكبرى: أن الدولة الواحدة والشعب الواحد يختلف على بعضه البعض، هذا ماذا؟ هذه كبرى، ولذلك: دفعاً للمفسدة الكبرى بالصغرى، يُقال لأهل البلد: لا تصوموا مع بلد آخر؛ لأنه سوف يكون فيه اختلاف، نحن كنا في منجى منه، حتى سوف يقع الخلاف في البيت الواحد، كما يقع -مثلاً- في أمور لابد منها بين سلفي وخلفي ... وإلى آخره، هذا واقع.
لكن هذا صام على السعودية بالتالي أبوه -مثلاً- صام مع البلد، هذا ما يجوز؛ لأن الصيام الذي صام مع السعودية ليس له دليل، ما دام يترتب من ورائه مفسدة كبرى، وضحت المسألة الآن؟
مداخلة: نفترض أنه لا يوجد مفسدة الواحد يصوم لحاله، لا يوجد أي كلام ولا مفسدة ولا شيء، هل ..
следующие страницы →