Полный текст (8 195 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.
стр. 4271
الشيخ: ما شاء الله، تريد من هذا العجوز أن يحفظ لك كل هذه الأسئلة، وبعد ذلك أنا الإمام البخاري الذي كان جالس في مجلس وألقى عليه سؤال عن حديث وإسناده، وهذا الإسناد بحديث ثاني، وتعرفون القصة، لا، لسنا كذلك، فبارك الله فيك، اسأل السؤال وخذ الجواب، واسأل السؤال وخذ الجواب، ولا تكلفنا شَطَطاً. نعم.
مداخلة: أعيد السؤال الأول: ما حكم صيام من صام يوم العيد معتقداً أنه من رمضان؟
الشيخ: إذا كان هذا الصيام ناشئاً عن اجتهاد وعلم منه، وليس كما لو لم يكن كذلك، فلا إثم عليه؛ لأنه يكون مجتهداً فهو على كل حال مأجور، أما المنهي عن الصيام هو الذي يعلم أن اليوم عيد، ومع ذلك هو يصومه، فهذا الذي يَتَوجَّه إليه النهي المعروف بعكس هذا الذي أنت تضرب به مثلاً، لكن أو لعل هذا في سؤالك هذا. ما هو سؤالك الثاني.
مداخلة: صنيع هذا الإنسان قد يفتح باباً واسعاً من الشر على الناس، ويصبح كل واحد مجتهداً، ويقول بأني أنا رأيت، فيجتمع الناس، ربما ادعى هذا الإنسان عشرات بل مئات، ... هو هذا الهلال أو هذا القمر، فهنا تكون مصيبة اختلاف الأمة في عبادة من العبادات، والرسول ﷺ كما هو معروف: «الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطرون» فإذا كان انقسمت الأمة في صيامها، في بلادها، كل بلد أو مجموعة من البلاد صامت واختلف صيامها عن البلد الآخر أو البلدان الأخرى، فنقول إن هذا محتمل؛ لأنهم جماعة، أما أن يكون هناك أناس أفراد يقومون بمثل هذا العمل، هذا يفتح باباً من الشر ويوجد اختلافاً كبير بين الناس في البلد الواحد، وطبعاً، نحن نقول هذا إذا تَعَدَّدت الرؤية أو اختلفت الرؤية كما يقول بعض الفقهاء، وصامت بعض البلاد برؤية هذا البلد، وتبعها بلد آخر أو بلدان أخرى.
المهم: انقسم المسلمون في صيامين، فهذا نقول مقبول بعض الشيء، أما في البلد الواحد أن يختلفوا، هذه مشكلة كبيرة حقيقةً.
стр. 4272
الشيخ: هو لا شك -بارك الله فيك- لكن الحصيلة أنه مخطئ، حصيلة هذا الكلام أن هذا الرجل مخطئ، ونحن قد قلنا إنه مخطئ، لكننا نُفَرِّق بين مخطئ له نوع من الاجتهاد، وبين آخر يعلم أن هذا يوم عيد، ومع ذلك يريد أن يتقرب إلى الله بصيام هذا اليوم، فهذا لا يؤجر بل عليه أكبر وِزْرٌ، أما الشخص المسؤول عنه، ونحن شخصياً لا نعرفه، فقلنا إذا اجتهد ذلك الاجتهاد، وادَّعى أن هذا اليوم هو يوم صوم وليس يوم عيد، فأنا أعتقد أنه لا إثم عليه بل يؤجر على اجتهاده الذي أخطأ فيه، وأظن أن في بعض أسئلته التي سردها آنفاً، وطلبنا منه أن يوجه سؤالاً سؤالاً لنجيبه عن كل سؤال مباشرة، ما يتعلق بما تطرقتم إليه في جوابكم ألا وهو قوله ﵇: «الفطر يوم يفطر الناس، والصوم يوم يصوم الناس».
وهذا هو الذي نحن نعتمد عليه في تخطئة هذا الرجل؛ لأنه ركب رأيه واجتهاده، وخالف ما عليه عامة المسلمين في هذا البلد، ولولا ذلك لم نقل إنه أخطأ تماماً كما نفعل نحن اليوم، واليوم كنا نتحدث إننا نرى الشمس قد غربت، ونحن صائمون فنفطر بينما الجماهير لا يزالون صائمين حتى يسمعوا الأذان.
فالمسألة فيما يتعلق بالصيام تخالف هذه تماماً؛ لأن الرسول قال: «لصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس» أي: دخولاً في رمضان وخروجاً منه، فإذا كان باجتهاد ما ولو أنه أخطأ فلا يستوي مثلاً مع الذي يقول: والله أنا أعلم أن اليوم عيد لكن أريد صيامه، فلا بد من التفريق بين هذا وبين ذاك، فنحن حكمنا على الرجل الأول بأنه أخطأ لأنه خالف المسلمين في صيامهم ولو كانوا مخطئين؛ لأن هذا الخطأ انكشف فيما بعد، ثم هذا الانكشاف ليس مقطوعاً به، لكن هو يرى مثل هذا الرأي، فقلنا ما قلناه -آنفاً- بالنسبة إليه، فهو مخطئ، لكن لاعتبار اجتهاده فنقول فإنه مأجور أجرًا واحداً، فماذا كان في أسئلتك؟
مداخلة: السؤال الآخر فيمن اعتقد: بعد انتهاء العيد ما صام العيد وأفطر مع الناس، ولكن اعتقد أن يوم العيد بالفعل من رمضان بعد أن راقب -مثلاً- القمر في خلال شهر شوال، وكذلك لسؤاله بعض المتخصصين وغيرهم في ذلك، تأكد
стр. 4273
عنده أو رُجِّح عنده أن اليوم ذاك من رمضان، فهل يجب عليه القضاء، إذا ترجح عليه ذلك؟
الشيخ: أظن أن هذا يُؤْخَذ جوابه مما سبق، لا يجب عليه القضاء إذا كان صام تسعاً وعشرين، إذا صام المسلمون تسعاً وعشرين فلا يجب عليه القضاء، أما لو فرضنا أنهم صاموا ثمانية وعشرين، فلا شك أنه لا بد من قضاء يوم واحد.
مداخلة: في بعض الشباب المتحمسين في مصر، صاموا مع السعودية وأفطروا مع السعودية؟
الشيخ: أين؟
مداخلة: في مصر، فَعَيَّدُوا ...
الشيخ: قبل أن يُعَيِّد المصريون؟
مداخلة: فحدث مشكلة هناك، وأدت إلى قتال وقتل؛ والآن مجموعة كبيرة في السجون.
الشيخ: الله أكبر.
مداخلة: قتل بعض الأفراد وصدام مع الشرطة؛ لأن بعضهم صلوا العيد والناس صائمون، فحدثت فتنة عظيمة هذه السنة، واستُغِلَّت من وسائل الإعلام ومن غيرها، هذا مما يحدث ..
الشيخ: نحن نفتي في هذه القضية: أن كل بلدي يجب أن يصوم بصيام أهل البلد؛ لأننا نقول على الرغم من أن الراجح عندنا قوله ﵇: «صوموا لرؤيته» وأن هذا خطاب مُوَجَّه للأمة كلها، وأننا لا نقيم وزناً تبعاً لكثير من أهل العلم لاختلاف المطالع؛ لأن اختلاف المطالع هذه قضية أولاً جغرافية، والإسلام لا يحض المسلمين على أن يحكموا في عبادتهم علماً من هذه العلوم، كما أشار إلى ذلك بقوله ﵇ في الحديث المعروف: «نحن أُمَّة أُمِّية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا» تسعاً وعشرين .. ثلاثين.
стр. 4274
فمع اعتقادنا بأنه يجب على العالم الإسلامي أن يصوموا برؤية بلد واحد، ولكن مع الأسف الحكومات الإسلامية متفرقة أشد التفرق، وهذا الحكم من ذاك التفرق، فلريثما يجتمع المسلمون بُحُكَّامهم على تطبيق هذا الحديث على عمومه وشموله، فأنا أقول وطالما سئلنا مثل هذا السؤال خاصة من الجزائر؛ لأن الجزائر أيضاً انقسمت كما ذكرت عن المصريين، المصريون قَلَّما يتصلون بنا، والسبب واضح جداً؛ لأن عندهم مشايخ وعلماء كثيرين، فهم يكتفون بسؤالهم، أما الجزائر فكما علمت ليس عندهم علماء، الشاهد فنحن قلنا لهم من باب دفع المفسدة الكبرى بالصغرى، قلنا أخف الشرين أن يصوم أهل البلد الواحد مع إعلان المسؤولين الصيام في بلدهم؛ لأنه يكفينا اختلاف الشعوب العربية، فلا نريد أن نزيد اختلافاً على اختلاف، وهو اختلاف الشعب الواحد نفسه، وقد ينقسم إلى ثلاثة أقسام ..
مداخلة: أهل البيت.
الشيخ: وأهل البيت كما قلت، وفعلاً هذا ذكرني بأن بعض الجزائريين، أخبروني نفس الخبر في بيت واحد ..
مداخلة: ... ما شاء الله.
الشيخ: المهم، فهذا جوابي أنا من باب دفع الشر الأكبر بالشر الأصغر، نأمر أهل البلد الواحد أن يصوموا مع بلدهم، ولا ينقسموا: ناسًا مع السعودية، ناسًا مع مصر، ناس مع سوريا .. إلى آخره. الآن تفضل.
مداخلة: إنما أردت قضية بحثها الشيخ محمد بن إبراهيم، أو موقف أعجبني كثيراً، ذَكَّرنا بكلام الشيخ حفظه الله عندما قال: إن الدول العربية لم تتوحد في موضوع الرؤية، ولم تتوحد فيما هو أهم من ذلك، جامعة الدول العربية أيام الشيخ محمد بن إبراهيم قَرَّروا في لجنة، عندهم لجنة شرعية أو إسلامية بحث مطالع الأَهِلَّة، وفيما يتعلق بالأَهِلَّة، وجمع الفلكيين مع أصحاب الرؤية والعلماء الشرعيين لبحث المسألة، فأَعَدُّوا مذكرةً وأرسلوها لسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀، وقالوا هذه من أجل توحيد الرؤية في البلاد العربية، وهذا منطلق من أهداف جامعة
стр. 4275
الدول العربية؛ أنها جامعة وتجمع العرب، فلا بد أن تجمع الناس على رؤية واحدة يدفع الخلاف، فكتب الشيخ كلامًا يُكْتب كما قلنا بماء الذهب، لكن مُلَخَّصُه، قال: إن أول هدف يجب أن تبحثه جامعة الدول العربية، أن يتوحد العالم العربي على لا إله إلا الله وعلى عقيدة التوحيد، فإذا استطاعت أن تُوَحِّد الدول العربية والعالم العربي على عقيدة التوحيد ونبذ الشرك، تأتي فيما بعد ذلك من مسائل، أما قضية اختلاف المطالع أو غيرها، فهذه مسألة قديمة وأنتم تنشغلون بالفروع عن الأصول، فأُعيد إليكم المعاملة بكاملها للنظر فيها.
مداخلة: ... جزاك الله خيرًا، يحصل في دول الكفر، سألونا كثيراً هناك، وجدنا الإخوة المغاربة في هولندا يتبعون المغرب، والأتراك تبعوا,.
الشيخ: تركيا.
مداخلة: والفرق كان يومين فالمشكلة هناك عويصة جداً، في بعض الإخوة في ايندهوفن حدثونا أنه بألمانيا ... أنه كادت تحدث فتنة في بداية هذا النظام، البعض قال نستأنس بالحسابات الفلكية وما شابه ذلك، وحصل كثيراً من النقاشات وصار أخذ وعطاء في الموضوع إلى أن [تم] حسمها قالوا هذه السنة نصوم برؤية الهلال ونتبع بعض البلدان، فما هو الحل؟
الشيخ: الدكتور الهواري طَلَّع بيانًا بهذا الخصوص.
مداخلة: الدكتور الهواري ...
الشيخ: نحن قلنا: على كل بلد إسلامي، وعلى كل جماعة مسلمة، ولو في بلاد الكفر: أن يصوموا مع أول بلد مسلم يُعلن إثبات هلال رمضان، وبذلك يزول الخلاف.
مداخلة: بالنسبة للإفطار.
الشيخ: كذلك، البلد الذي يدخلون معه في الصيام، يخرجون معه من الصيام.
(الهدى والنور / ٥٩٩/ ١٢: ٠٧: ٠٠)
стр. 4276
طول النهار
стр. 4277
البلدان التي يطول فيها النهار
مداخلة: المسلمون في السويد في دولة أوروبية، في رمضان الفطر عندهم ثلاث ساعات فقط، يعني تغيب الشمس الساعة العاشرة، وتُشرق في واحدة.
الشيخ: وين؟
مداخلة: في السويد.
الشيخ: في السويد، نعم.
مداخلة: نعم هناك المسلمون ..
الشيخ: نعم .. نعم معروف.
مداخلة: ثلاث ساعات فقط يفطرون، وواحد وعشرين ساعة يصومون؛ فوجدوا مشقة.
كما نقل لي أحد الأخوة أنه أفتاهم البعض بأن يصوموا ويفطروا على ميقات الحرم المكي، فالفتوى هذه يعني ..
الشيخ: ما نرى .. ما نرى هذه الفتوى صواباً، لأنا نعكس الموضوع، فنقول: سيأتيه فصل ينعكس الأمر معهم، فيصومون ثلاث ساعات، أو قريباً من ذلك، ويفطرون بقية الأربعة والعشرين ساعة، واضح؟
مداخلة: ما أظن هذا يعني ..
الشيخ: ما أنت دارس شيئًا بما يسمى بالجغرافيا؟
مداخلة: نعم يعني ..
الشيخ: أنت ما تعرف أن الشمس يعني، في القطب الشمالي تغيب نصف سنة على طول فلا يرونها، والنصف الثاني يبقى على العكس من ذلك تماماً، تعرف هذا وإلا لا؟
стр. 4278
مداخلة: أنا بضاعتي في الجغرافيا [ضعيفة] يا شيخ.
الشيخ: أعرف هذا، هذا أمر معروف.
مداخلة: نعم.
الشيخ: وبين هذا وهذا فصول في تلك البلاد، يعني من كان في القطبين فيمر عليه الليل نصف السنة، وفي المقابل نهار نصف السنة، هذا يأتي سؤال: هنا ماذا يفعلون؟
لكن الذين هم دونهم وأقرب إلينا إلى خط الاستواء، هؤلاء كلما اقتربوا إلينا كلما اعتدل الوقت معهم، تعرف خط الاستواء أن الليل والنهار متساوي تماماً؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: نعم، لكن كلما علا أو دنا -نزل- يختلف الأمر تماماً، فيأتي وقت في تلك البلاد مقابل العشرين ساعة أو الإحدى وعشرين ساعة، هذه التي يصوموها، ويقابلهم ثلاث ساعات إفطار، سيأتي بعد نصف سنة تقريباً العكس تماماً.
ولذلك فنحن نقول لهم: حسابكم الدهر فيما سيأتي، ولا نفتيهم بأن يصوموا بالنسبة لجوارهم؛ لأن هؤلاء يسبق عليهم الآيات ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
بخلاف الذين قلنا لك عنهم في القطب الشمالي لا يرون شمساً مطلقاً، لا صبح ولا عشاء ولا أيّ شيء، فهؤلاء يُقَدِّرون تقديراً كما جاء التصريح بذلك في حديث الدجال الصحيح الذي فيه أن النبي ﷺ لما أخبر أصحابه بأن الدجال يخرج في كم يوم؟ ثلاثين يومًا وإلا أربعين يومًا؟
مداخلة: أربعين.
مداخلة: أربعين يومًا.
الشيخ: أربعين يومًا، فيوم من أيامه طوله طول سنة، واليوم الآخر طوله طول
стр. 4279
شهر، والثالث طوله طول أسبوع، وبقية أيامه كأيامكم هذه؟ جاء السؤال كيف يكون الصلاة؟ قال: فاقدروا لها قدرها.
إذاً: تقدير هذه السنة الطويلة، يريدون أن يُقَدِّروا المسلمين، حسب ماذا؟ ما كان معهوداً عندهم.
الآن في وجود الساعات من المُيَسَّر جداً أنهم يقدروا لو فرضنا أن المسلمين أصابهم ليل دامس طيلة السنة، فاختلف الليل والنهار، وهذا يقع كما قلنا آنفاً في القطبين الشمالي والجنوبي؛ فهذا لا بد له من تقدير.
أما كل بلد يرى الشمس تطلع وتغرب، وما يترتب من وراء ذلك من الفجر فهؤلاء لا بد أن يصوموا ولو طال مدة الصيام عليهم، وربنا يقول في القرآن الكريم: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] ما شاء الله لنا العنت، والحمد لله.
لكن إذا وقع في بعض البلاد مثل هذه الصورة فسيأتيهم الراحة المضاعفة مقابل تلك المشقة الزائدة، هذا هو جوابي وهو الصواب، إن شاء الله.
(الهدى والنور / ٢٣٧/ ١٤: ٠٦: ٠٠)
البلاد التي يطول فيها النهار أكثر من عشرين ساعة هل يُقال إنهم يصومون مع أقرب بلد لهم يعتدل فيها الليل مع النهار
مداخلة: [بعض] البلاد [يكون النهار] أكثر من عشرين ساعة، فبعضهم يقول: يجوز أن يصوم على أقرب [أقرب بلد لهم]؟
الشيخ: لماذا يقولون هكذا؟
مداخلة: يأخذ بحديث الدجال [مقدار اليوم آخر الزمان].
الشيخ: وهل يدل الحديث ..
مداخلة: قياسًا.
стр. 4280
الشيخ: قياس ماذا على ماذا؟ ..
خيرًا من هذا أن تسأل: ما هو الرأي في هذه المسألة؟ تمهيدًا للوصول إلى الرأي الراجح الذي سأقول: هل من المستطاع لمن كان صيامه عشرين ساعة، هل ذلك من المستطاع أم غير مستطاع؟ هذا أولًا، وثانيًا: عندهم طلوع فجر، وغروب شمس أم لا؟ ألاحظ لا ... ما دام تقول: عشرين ساعة ... !
لو كان السؤال: ما حكم من يستمر النهار ستة أشهر كما هو موجود في بعض البلاد، وبعد أن تمضي هذه الستة أشهر يقوم مقامها ماذا؟ ليل ستة أشهر، حينئذ يأتي ما أشرت إليه من القياس على أربعين يومًا من أيام الدجال، يوم طوله كسنة، ويوم طوله كشهر، وسائر أيامه كأيامكم هذه، طيب! لكن هنا سؤالك قال، ما أدري عن قصد أم عن سهو: ... على ذاك التركي! إن كان ليس عن سهو فلا يرد الاستدلال بحديث الدجال هنا؛ لأنه يوجد طلوع فجر وغروب شمس، كل ما يمكن إيراده بهذه المناسبة: هو هل يستطيع المكلفون بالصيام أن يصوموا عشرين ساعة؟ ! الجواب في اعتقادي: يستطيعون، وهذا جواب عام، لكن خذ بعضهم ما يستطيع، فالآن نتكلم عن الذين يستطيعون:
هؤلاء لا يجوز أن يفتوا بأنهم يصومون على ساعات أقرب بلد إليهم، على أن هذه القضية تختلف من بلد إلى أخرى، ليس لها ضابط .. لكن قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] هي قاعدة محكمة غير منسوخة، فإذا كان الصيام في بعض البلاد ستة عشر ساعة، وفي بعض أخرى أقل، فما يختلف الحكم من حيث وجوب الصيام بسبب كثرة الساعات أو قلتها، فالضابط هنا أن يقال: إذا كانوا يرون الفجر طلوعًا فيمسكون عن الطعام، ويرون الشمس غروبًا فيفطرون، فهذا هو واجبهم.
ولا يقال هنا ما قد يتبادر للذهن: هذا فيما يشبه الظلم وحاشا؛ لأننا سنقول: أنهم سيستخرجون الحساب في الأيام الأخرى، حيث سيكون بدل الصيام عشرين ساعة يمكن يصوم عشر ساعات كما هو شأن الفصول كلها يعني، فإذًا الحكم: من استطاع
стр. 4281
وجب عليه الصيام، فلا يجوز أن ينظروا إلى بلد آخر يستوون هم معهم في طلوع الفجر وفي غروب الشمس، وأنا أعتقد بتجربة خاصة من جهة أن الإنسان عنده من القدرة والطاقة إذا كان متجاوبًا مع أحكام الشريعة أن يصوم الليل والنهار وليس فقط يصوم عشرين ساعة ويفطر أربع ساعات، لا يتبع الليل والنهار، بل هَمَّ بعض أصحاب النبي ﷺ أن يواصلوا في صيام الليل بالنهار، فنهاهم الرسول ﵇ فقالوا: يا رسول الله! إنك لتواصل، فقال: «ني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني».
فما دام أنه كان هناك أناس يصومون صيام غير شرعي وهو مواصلة الليل بالنهار، فبالأولى أن يستطيعوا هذا الصيام فيما إذا كان بلدهم بحكم الشرع يوجب عليهم أن يمسكوا عن الطعام عند طلوع الفجر وأن يفطروا عند غروب الشمس هذا ممكن، وقمت أنا بنفسي لأنكم ربما قرأتم في بعض كتبي أنني أنا صمت أربعين يومًا عن أي شيء اسمه طعام وعن أي شيء اسمه شراب إلا قطرات من ماء، تعلمون جميعًا بالنسبة لتجربة كل الأفراد أن من أكل كثيرًا شرب كثيرًا، ومن جاع ولم يأكل لا يتوق إلى الماء إلا ما ندر جدًا للمحافظة فقط على نفسه، وهكذا أنا كنت في هذه الأربعين يومًا لم يدخل جوفي إلا قليل من الماء جدًا جدًا، فكيف لا أستطيع أن أصوم ... خاصة على طريقة الإفطار التي بلينا بها اليوم، يعني: ما نخسره في النهار نضعه ... في الإفطار، فلذلك أرى خطأً فاحشًا في هذه الصورة التي فيها طلوع فجر وغروب شمس أن نحول على بلد أخرى.
أما في الصورة الأخرى التي لا نهار فيها ولا ليل .. وهذا موجود في القطب الشمالي كثيرًا، فهنا يقال: يصومون على أقرب بلد ممكن أن يقال هذا، ويمكن أن نأخذ من حديث: «يقدرون قدر ذلك» كما جاء في الحديث بالنسبة للصلوات .. لأنهم يرون النهار طويلًا طويلًا جدًا نصف سنة، ويرون الليل طويلًا طويلًا جدًا نصف سنة أخرى، فيمكن أن يقال: هؤلاء [يقدرون] الوسط مثلًا، فيصومون اثنا عشر ساعة فقط، فهذا ممكن أن يقال فيه التقدير ... على الوجه المعروف أو على هذا الوجه الجديد، أما ما دام هناك طلوع وغروب فلا يجوز.
(فتاوى جدة (٣) /٠٠: ٥٣: ٤٧)
стр. 4282
الصيام في الدول التي لا ليل فيها أو يقصر فيها الليل
سؤال: الفطر من غياب الشمس حتى بزوغ الفجر حوالي خمس ساعات في بلد أجنبي في السويد كيف يرى سيدي الشيخ توقيتات الصيام؟
الشيخ: الأمر سهل، أولاً: يجب النظر في تلك البلدة هل فيها غروب شمس، كما يبدو الجواب نعم.
طيب، هل فيها ظهور الشفق الأحمر ما أدري، فإن كان هناك الشفق يظهر في تلك البلدة فلا يختلف الحكم عن أي بلد آخر الِّلي فيه الليل أطول من خمس ساعات، المهم أن الوقت يوقت بغروب الشمس بالنسبة للمغرب، وبغروب الشفق الأحمر بالنسبة للعشاء، المسألة هنا لا إشكال فيها إن شاء الله.
[أما] إذا افترضنا كما نسمع أيضا، وذُكِر آنفاً: أنه بعض البلاد يستمر الشمس طالعة شهورًا يعني وكذلك الليل فَيُقَدَّر تقديرًا، وذلك بالنظر إلى أقرب البلاد المجاورة لتلك البلدة التي يستمر فيها الشمس أو الليل وفيها ليل ونهار.
فحينذاك يُقَدَّر تقديرًا، يعني مثلا أقرب بلدة كم يستمر وقت الغروب غروب الشمس، إلى أن يطلع الشفق الأحمر، نفترض مثلا ساعة أو ساعتين أو أقل على ذلك يتعامل أهل البلدة التي فيها نهار شهور طويلة أو ليل شهور عديدة.
وهكذا فالمسألة إذًا سهلة، تعود إلى تقدير أهل البلاد الساكنين فيها، بالقياس إلى بلاد المجاورين لها.
لكن في صورةٍ ممكن أن تُعالج، بل ضروري أن تعالج، وهو أنه قد يكون النهار واضح والليل متميز في بلدة من تلك البلاد التي أنت تسأل عنها، مع الفارق الكبير بين طول الليل وطول النهار.
فنقول مثلا: نفترض مع المبالغة أو بدون مبالغة، يكون النهار عشرين ساعة مش هكذا أنت تريد الموضوع؟ طيب، ويكون الليل أربع ساعات، هل يصومون
стр. 4283
عشرين ساعة؟
الجواب: ما دام أنهم يرون الفجر ويرون غروب الشمس، فلا بد لهم من الصيام، ولو كثرت الساعات وبلغت العشرين أو قريبا من ذلك.
ولكن لا يخفى أن أيَّ حكم شرعي، إنما هو في حدود «اتقوا الله ما استطعتم».
فمن كان يستطيع أن يصوم في تلك البلاد عشرين ساعة، ما دام اليوم بعد طلوع الفجر يبلغ هذه الساعات، فلا بد لهم من الصيام.
وأنا في اعتقادي أن الأمر هناك سهل؛ لأن الصعوبة إنما تُتَصَوّر بالنسبة للبلاد الحارة التي يتعرض فيها الإنسان الصائم إلى الشرب من الماء.
أما في البلاد الباردة فالصيام الطويل لهذه الساعات الكثيرة، ليس صعبا كما أتصور أنا الموضوع.
مع ذلك فنحن نضع القاعدة: فمن لا يستطيع أن يصوم فحكمه أحد الأمرين.
إما أن نُلحقه بالشيخ العجوز الفاني الذي لا يستطيع أن يصوم ولو في البلاد المعتدلة، مع هذا يُكَفِّر عن كل يوم إطعام مسكين.
وإما أن يستطيع أن يستغل الوقت الذي ينقلب طول النهار إلى نهار قصير فيَسْهُل عليه الصيام، فيقضي يومئذٍ ما فاته من الصيام، شأنه في ذلك شأن المريض الذي يُرْجَى شفاؤه، وليس المريض الميؤوس شفاؤه، فالمريض الميئوس شفاؤه يُلحق بالشيخ العاجز الفاني، فيُكَفِّر عن كل يوم إطعام مسكين، أما المريض الذي يرجى شفاؤه فهو كما قال تعالى ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
فهؤلاء الناس الذين يعيشون في ذلك الوقت الطويل نهاره، وفي رمضان، منهم من يستطيع ومنهم من لا يستطيع أن يصوم أداءً.
فالذي لا يستطيع أن يصوم أداءً يصوم قضاءً إن استطاع، وإلا فحكمه حكم العاجز الذي يُكَفِّر عن كل يوم إطعام مسكين.
(الهدى والنور /١٨/ ٣٥: ٣٧: .. )
стр. 4284
أحكام الإفطار والإمساك وتوقيتهما
стр. 4285
مراقبة غروب الشمس لتعجيل الإفطار
«كان إذا كان صائما أمر رجلا فأوفى على نشز، فإذا قال: قد غابت الشمس أفطر».
[ترجم له الإمام بقوله: مراقبة غروب الشمس لتعجيل الإفطار. ثم قال]:
قوله: «نشز» أي: مرتفع من الأرض.
قلت: وفي الحديث اهتمامه ﷺ بالتعجيل بالإفطار بعد أن يتأكد ﷺ من غروب الشمس، فيأمر من يعلو مكانا مرتفعا، فيخبره بغروب الشمس ليفطر ﷺ ، وما ذلك منه إلا تحقيقا منه لقوله ﷺ : «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». متفق عليه، وهو مخرج في «الإرواء» «٩١٧».
وإن من المؤسف حقا أننا نرى الناس اليوم، قد خالفوا السنة، فإن الكثيرين منهم يرون غروب الشمس بأعينهم، ومع ذلك لا يفطرون حتى يسمعوا أذان البلد، جاهلين: أولا: أنه لا يؤذن فيه على رؤية الغروب، وإنما على التوقيت الفلكي. وثانيا: أن البلد الواحد قد يختلف الغروب فيه من موضع إلى آخر بسبب الجبال والوديان، فرأينا ناسا لا يفطرون وقد رأوا الغروب! وآخرين يفطرون والشمس بادية لم تغرب لأنهم سمعوا الأذان! والله المستعان!
السلسلة الصحيحة (٥/ ١١٨).
سنية الإفطار على الرطب وترك الناس لهذه السنة
عن أنس مرفوعًا: «كان يفطر على رطبات قبل أن يصلي فإن لم يكن رطبات فعلى تمرات فإن لم يكن حسا حسوات من ماء».
[قال الإمام]: والغرض من ذكري للحديث مع الإيجاز في التخريج إنما هو التذكير بهذه السنة التي أهملها أكثر الصائمين، وبخاصة في الدعوات العامة التي يهيأ فيها ما لذ وطاب من الطعام والشراب، أما الرطب أو التمر على الأقل فليس له
стр. 4286
ذكر. وأنكر من ذلك، إهمالهم الإفطار على حسوات من ماء، فطوبى لمن كان من ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَاب﴾ [الزُّمَر: ١٨].
السلسلة الصحيحة (٦/ ٢/ ٨٢١).
على الصائم أن يفطر بلقيمات ثم يقوم للصلاة ثم يرجع للعشاء بدون إسراف
[روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «ثلاثة ليس عليهم حساب فيما طعموا إذا كان حلالا: الصائم، والمتسحر، والمرابط في سبيل الله». موضوع.
[قال الإمام]: ولعل من آثار هذا الحديث السيئة ما عليه حال المسلمين اليوم، فإنهم إذا جلسوا في رمضان للإفطار لا يعرف أحدهم أن يقوم عن الطعام إلا قبيل العشاء لكثرة ما يلتهم من أنواع الأطعمة والأشربة والفواكه والحلوى! كيف لا والحديث يقول: إنه من الثلاثة الذين لا حساب عليهم فيما طعموا! فجمعوا بسبب ذلك بين الإسراف المنهي عنه في الكتاب والسنة، وبين تأخير صلاة المغرب المنهي عنه في قوله ﷺ : «لا تزال أمتي بخير أو على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم «صححه الحاكم ووافقه الذهبي وهو كما قالا، فإن له طرقا وشواهد أشرت إليها في «صحيح سنن أبي داود» «رقم ٤٤٤». نعم جاء الحض على تعجيل الفطر أيضا في أحاديث كثيرة منها قوله ﷺ : «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». فيجب العمل بالحديثين بصورة لا يلزم منها تعطيل أحدهما من أجل الآخر، وذلك بالمبادرة إلى الإفطار على لقيمات يسكن بها جوعه ثم يقوم إلى الصلاة، ثم إن شاء عاد إلى الطعام حتى يقضي حاجته منه، وقد جاء شيء من هذا في السنة العملية فقال أنس: «كان رسول الله ﷺ يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن
لم تكن رطبات فتمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء». رواه أبو داود
стр. 4287
والترمذي وحسنه. وهو في «صحيح أبي داود» برقم «٢٠٤٠» وما قبله متفق عليه، وهو مخرج في «الإرواء» «٨٩٩».
السلسلة الضعيفة (٢/ ٩٢ - ٩٣).
مشروعية البدء بالعَشَاء قبل صلاة المغرب للصائم
[قال رسول الله ﷺ ]: «إذا أقيمتِ الصّلاةُ وأحدُكم صائمٌ؛ فليبدَأ بالعَشَاءِ قبلَ صلاةِ المغربِ، ولا تَعجَلُوا عن عَشائكم».
[تكلم الإمام على زيادة «وأحدكم صائم» في الحديث وقواها، ثم قال]:
يضاف إلى ما سبق أن هذه الزيادة: «وأحدكم صائم» لا تنافي الروايات الأخرى، لأنها بإطلاقها وشمولها تشمل الصائم وغيره؛ كما هو ظاهر، بل الصائم هو أولى بهذه الرخص من غير الصائم، كما هو ظاهر. والله أعلم.
السلسلة الصحيحة (٧/ ٣/ ١٦٩٣).
إذا طلع الفجر وفي فم الصائم طعام
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
ومن مباحات الصيام
قوله تحت هذا العنوان: « ... فإذا طلع الفجر وفي فمه طعام وجب عليه أن يلفظه ... ».
قلت: هذا تقليد لبعض الكتب الفقهية وهو مما لا دليل عليه في السنة المحمدية بل هو مخالف لقوله ﷺ : «إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه».
أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه هو والذهبي وأخرجه ابن حزم وزاد:
стр. 4288
«قال عمار يعني: ابن أبي عمار راويه عن أبي هريرة: وكانوا يؤذنون إذا بزغ الفجر».
قال حماد يعني: ابن سلمة عن هشام بن عروة: كان أبي يفتي بهذا.
وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وله شواهد ذكرتها في «التعليقات الجياد» ثم في «الصحيحة» ١٣٩٤.
وفيه دليل على أن من طلع عليه الفجر وإناء الطعام أو الشراب على يده أنه يجوز له أن لا يضعه حتى يأخذ حاجته منه فهذه الصورة مستثناة من الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فلا تعارض بينها وما في معناها من الأحاديث وبين هذا الحديث ولا إجماع يعارضه بل ذهب جماعة من الصحابة وغيرهم إلى أكثر مما أفاده الحديث وهو جواز السحور إلى أن يتضح الفجر وينتشر البياض في الطرق راجع الفتح ٤/ ١٠٩ - ١١٠.
لأن من فوائد هذا الحديث إبطال بدعة الإمساك قبل الفجر بنحو ربع ساعة؟ لأنهم إنما يفعلون ذلك خشية أن يدركهم أذان الفجر وهم يتسحرون ولو علموا هذه الرخصة لما وقعوا في تلك البدعة. فتأمل.
[تمام المنة ص (٤١٧)]
جواز استمرار الأكل مع دخول وقت الفجر إذا كان قد ابتدأ الأكل قبل الوقت
كَانَ يَتَسَحَّرُ، فَجَاءَهُ بِلَالٌ فَقَالَ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَسَكَتَ فَلَمْ يرْجعْ شَيْئاً، «وفي رواية: فَثَبَتَ كما هو يأكلُ، ثم أتاه فقال: الصلاةَ [وهو] على حالِه». فَرَجَعَ بِلَالٌ [الثالثة] فَقَالَ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ [والله] أَصْبَحْتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : رَحِمَ اللَّهُ بِلَالاً، لَوْلَا بِلَالٌ، لَرَجَوْتُ أَنْ يُرَخَّصَ لَنَا إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ». ضعيف.
[قال الإمام]: وأنا أرى أن الجواز إذا كان المقصود به ابتداء الأكل بعد طلوع
стр. 4289
الفجر الصادق، فليس عليه دليل صحيح صريح، وأنه على افتراض ثبوته، فآية: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ وحديث: «حتى يؤذن ابن أم مكتوم»، يكفي في إثبات النسخ. أما أن كان المقصود جواز الاستمرار في الأكل وقد ابتدأه قبل طلوع الفجر، فهو جائز لصريح قوله ﷺ : «إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه».وهو حديث صحيح، مخرج في بعض كتبي منها «الصحيحة» «١٣٩٤»، وكان يفتي به عروة بن الزبير. فراجع له من أجل الناحية الفقهية كتابي «تمام المنة» «ص ٤١٧ - ٤١٨». فالحديث هذا ليس منسوخاً، لأنه خاص في الصورة المذكورة، فهو مبين للآية والحديث المقرون معها. فتنبه!
السلسلة الضعيفة (١٣/ ٢/ ١٠١٨ - ١٠١٩)
من وجب عليه الصوم نهارًا يجزيه النية من النهار حين الوجوب
[قال رسول الله ﷺ ]: «أذن في قومك أو في الناس يوم عاشوراء: من [كان] أكل فليصم بقية يومه [إلى الليل]، ومن لم يكن أكل فليصم».
[ذكر الإمام من فوائد الحديث]:
والأخرى: أن من وجب عليه الصوم نهارا، كالمجنون يفيق، والصبي يحتلم، والكافر يسلم، وكمن بلغه الخبر بأن هلال رمضان رؤي البارحة، فهؤلاء يجزيهم النية من النهار حين الوجوب، ولو بعد أن أكلوا أو شربوا، فتكون هذه الحالة مستثناة من عموم قوله ﷺ : «من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له»، وهو حديث صحيح كما حققته في «صحيح أبي داود» «٢١١٨». وإلى هذا الذي أفاده حديث الترجمة ذهب ابن حزم وابن تيمية والشوكاني وغيرهم من المحققين. فإن قيل: الحديث ورد في صوم عاشوراء والدعوى أعم. قلت: نعم، وذلك بجامع الاشتراك في الفريضة، ألست ترى أن الحنفية استدلوا به على جواز صوم رمضان بنية من النهار، مع إمكان النية في الليل
стр. 4290
طبقا لحديث أبي داود، فالاستدلال به لما قلنا أولى كما لا يخفى على أولي النهى. ولذلك قال المحقق أبو الحسن السندي في حاشيته على «ابن ماجه» «١/ ٥٢٨ - ٥٢٩» ما مختصره: «الأحاديث دالة على أن صوم يوم عاشوراء كان فرضا، من جملتها هذا الحديث، فإن هذا الاهتمام يقتضي الافتراض. نعم الافتراض منسوخ بالاتفاق وشهادة الأحاديث على النسخ. واستدل به على جواز صوم الفرض بنية من النهار، لا يقال صوم عاشوراء منسوخ فلا يصح الاستدلال به. لأنا نقول: دل الحديث على شيئين: أحدهما: وجوب صوم عاشوراء. والثاني: أن الصوم واجب في يوم بنية من نهار، والمنسوخ هو الأول، ولا يلزم من نسخه نسخ الثاني، ولا دليل على نسخه أيضا. بقي فيه بحث: وهو أن الحديث يقتضي أن وجوب الصوم عليهم ما كان معلوما من الليل، وإنما علم من النهار، وحينئذ صار اعتبار النية من النهار في حقهم ضروريا، كما إذا شهد الشهود بالهلال يوم الشك، فلا يلزم جواز الصوم بنية من النهار بلا ضرورة» أهـ. قلت: وهذا هو الحق الذي به تجتمع النصوص، وهو خلاصة ما قال ابن حزم ﵀ في «المحلى» «٦/ ١٦٦» وقال عقبه: «وبه قال جماعة من السلف كما روينا من طريق ...
عبد الكريم الجزري أن قوما شهدوا على الهلال بعد ما أصبح الناس، فقال عمر بن عبد العزيز: من أكل فليمسك عن الطعام، ومن لم يأكل فليصم بقية يومه». قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» «٣/ ٦٩» وسنده صحيح على شرط الشيخين. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال في «الاختيارات العلمية» «٤/ ٦٣ - الكردي»: «ويصح صوم الفرض بنية النهار إذا لم يعلم وجوبه بالليل، كما إذا قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار، فإنه يتم بقية يومه ولا يلزمه قضاء وإن كان أكل» وتبعه على ذلك المحقق ابن القيم، والشوكاني، فمن شاء زيادة بيان وتفصيل فليراجع «مجموع الفتاوى» لابن تيمية «٢٥/ ١٠٩ و ١١٧ - ١١٨» و «زاد المعاد» لابن القيم «١/ ٢٣٥» و «تهذيب السنن» له «٣/ ٣٢٨» و «نيل الأوطار» للشوكاني «٤/ ١٦٧». وإذا تبين ما ذكرنا، فإنه تزول مشكلة كبرى من مشاكل المسلمين اليوم، ألا وهي اختلافهم في إثبات هلال رمضان بسبب اختلاف المطالع، فإن من المعلوم أن الهلال حين يرى في مكان فليس من الممكن أن يرى في كل مكان، كما إذا رؤي في المغرب فإنه لا يمكن أن يرى في المشرق، وإذا كان الراجح عند العلماء أن حديث
стр. 4291
«صوموا لرؤيته ... » إنما هو على عمومه، وأنه لا يصح تقييده باختلاف المطالع، لأن هذه المطالع غير محدودة ولا معينة، لا شرعا ولا قدرا، فالتقييد بمثله لا يصح، وبناء على ذلك فمن الممكن اليوم تبليغ الرؤية إلى كل البلاد الإسلامية بواسطة الإذاعة ونحوها، وحينئذ فعلى كل من بلغته الرؤية أن يصوم، ولو بلغته قبل غروب الشمس بقليل، ولا قضاء عليه، لأنه قد قام بالواجب في حدود
استطاعته، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، والأمر بالقضاء لم يثبت كما سبقت الإشارة إليه، ونرى أن من الواجب على الحكومات الإسلامية أن يوحدوا يوم صيامهم ويوم فطرهم، كما يوحدون يوم حجهم، ولريثما يتفقون على ذلك، فلا نرى لشعوبهم أن يتفرقوا بينهم، فبعضهم يصوم مع دولته، وبعضهم مع الدولة الأخرى، وذلك من باب درء المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى كما هو مقرر في علم الأصول. والله تعالى ولي التوفيق.
السلسلة الصحيحة (٦/ ١/ ٢٥١ - ٢٥٤).
الإمساك عن الطعام قبل صلاة الصبح بدعة
[قال رسول الله ﷺ ]: «إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه».
[ترجم له الإمام بقوله]: الإمساك عن الطعام قبل صلاة الصبح بدعة.
السلسلة الصحيحة (٣/ ٣٨١).
من شؤم الاعتماد في الأذان على التوقيت الفلكي لا الشرعي الإخلال بوقت الإفطار
[قال رسول الله ﷺ ]: «ثم انطلقَا بي؛ فإذا أنا بقوم معلّقينَ بعَراقِيبهم، مشقّقة
стр. 4292
أشداقُهم، تسيلُ أشداقُهم دماً، قال، قلتُ: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يفطرون قبل تَحِلَّةِ صومِهم».
[قال الإمام]: «تنبيه»: قلت في تعليقي على «صحيح موارد الظمآن» ما نصه: «أقول: هذه عقوبة من صام ثم أفطر عمداً قبل حلول وقت الإفطار، فكيف يكون حال من لا يصوم أصلاً؟ ! نسأل الله السلامة والعافية في الدنيا والآخرة»، وذكرت هناك ما مفاده أن من شؤم الاعتماد على المؤذنين الذين يؤذنون على التوقيت الفلكي المذكور في «الروزنامات»؛ أن بعض الناس سيفطر قبل الوقت؛ فإن بعضهم يؤذن قبل الوقت، وبعضهم بعد الوقت، وهذا أمر شاهدناه بأعيننا، وسمعناه بآذاننا، فعلى المسلمين أن يحافظوا على الأذان الشرعي الذي يختلف وقته من بلد إلى بلد آخر، وأن يؤدوا العبادات في مواقيتها الشرعية! .
السلسلة الصحيحة (٧/ ٣/ ١٦٧١ - ١٦٧٢).
في حالة تأخير أذان المغرب عن الوقت الشرعي هل يفطر الإنسان قبل الأذان؟ وهل يعلن بهذا؟ وهل يحضر صلاة الجماعة ؟
السؤال: يعني الدعوة السلفية في هذا الزمان دعوة حق، وهي التي ما ثبت عن النبي ﷺ ؟
الجواب: نعم، لكن كلمة «في هذا الزمان» لا محل لها من الإعراب.
مداخلة: مسحوبة.
الشيخ: مسحوبة، نعم.
السؤال: قضية الإفطار قبل الأذان المعهود، فهذه قضية نحن مؤمنين فيها ومصدقين أن الإفطار قبل الأذان سنة، حسب رؤية الشمس وغيابها؟
الشيخ: لا تقل الإفطار قبل الأذان سنة.
стр. 4293
مداخلة: ما هو بالنسبة للأذان حسب ..
الشيخ: أنا أعرف ما قصدك، لكن أقول لك: لا تقل هكذا.
مداخلة: طيب، جزاك الله خيرًا.
الشيخ: لأن القصد في القلب، ما هو كل واحد يسمع كلامك يفهم مقامك، نعم.
مداخلة: نعم، جزاك الله خيرًا.
الشيخ: نعم.
السؤال: فنحن يصير عندنا مشاكل في المساجد، فبعض الإخوان تطبيقاً لهذه السنة نقعد في المسجد أو في حلقة، ويفطروا -طبعاً- قبل أذان وزارة الأوقاف، وبالتالي حصل بعض المشاكل بين الإخوة والناس، هذا ما حصل حقيقةً.
فهل هذا الكلام يعني، هذه السنة نطبقها ونُصِرُّ على تطبيقها في المساجد، أم تنصحنا -مثلاً- أنه يعني نفطر في بيوتنا ونذهب إلى المسجد لنصلي معهم.
فإذا كان الجواب على هذا السؤال أنه نعم نفطر، لماذا ننتظر مع الإمام حتى نصلي معه جماعة، ما دام وقت الغروب حان وأفطر قبل الجماعة، لماذا ينتظر معهم حتى يصلي معهم الجماعة، سؤالين مع بعض؟
الجواب: يعني أفهم من سؤالك الثاني أنه لا يصلي مع الجماعة.
مداخلة: يعني هو أفطر.
الجواب: قل لي: هذا الفهم صحيح وإلا ما هو صحيح؟
مداخلة: يعني يصلي قبلهم.
الجواب: يعني أي سائل لما يسأل سؤالاً فيه شيء من الطول، ولا أقول أن فيه شيئًا من الاضطراب، هذا الطول بحاجة إلى اقتصار، أولاً: بالنسبة لي كمسؤول يُوَجَّه إليه السؤال، أريد أن أعرف هل فهمت أنا السؤال وإلا لا.
стр. 4294
مداخلة: فهمته، سؤالي يعني فهمته، المعنى أنك فهمت السؤال.
الجواب: لكن أنا ما تأكدت أني فهمت، متى أتأكد لما تقول لي: نعم، هذا الذي فهمته هو أنا قصدته.
مداخلة: نعم، هذا المقصود.
الجواب: هذا الجواب.
مداخلة: الله يجزيك الخير.
الجواب: طيب، أنا يا أخي الذي أقوله أنه الحقيقة عندنا معشر المسلمين جميعاً وبخاصة السلفيين، عندنا شيئان: الأول: الدعوة، ولنقل الدين، لكن نقول الدعوة، لأنه ليس كل من يتدين بدين الإسلام يدعو إلى الإسلام، هناك كثير من الناس حتى من الخواص لا يبالون بالناس، ولا يدعون الناس ولا ينصحونهم ولا .. ولا .. إلى آخره.
ولذلك: أنا أُعَلِّل هذه الأخطاء التي نحاول تصحيحها والإعوجاجات التي نحاول تقويمها، ما السبب؟ مع أنه فيه أشياء منها كثيرة متفق عليها لا خلاف فيها، السبب هو أن أهل الدين والعلم به لا يبينوه للناس ولا يدعونهم، تركوهم هكذا سبهللاً.
أذكر على سبيل المثال، ما معنى انتشال الأكل، والأخذ والإعطاء باليد اليسرى بين الناس، وهذه لا تحتاج إلى جهد، إذا قلنا للناس: قوموا يا ناس صلوا بالليل والناس نيام، والله هذا يريد جهاد الأبطال، لكن خذ باليمين ولا تأخذ بالشمال، وأعط باليمين لا تعط بالشمال، كل باليمين لا تأكل بالشمال، هذا سهل إن كان هذا وإلا هذا، ما هو سبب انتشار المخالفين للشريعة؟
سببها عدم نصح الناس لهؤلاء الجهلة، سكوت أهل العلم، هل يعرفوا على الأقل تقليداً إذا فرضنا لا يقرؤوا السنة لا يقرؤوا قول الرسول ﵊: «كل باليمين واشرب باليمين، ولا تأكل بالشمال ولا تشرب بالشمال، فإن الشيطان يأكل بالشمال ويشرب بالشمال».
стр. 4295
افرض أنهم ما قرؤوا الحديث، لكن كتب الفقه كلها طافحة، بأنه لا يجوز الأكل بالشمال والشرب بالشمال، ما معنى أن المسلمين يعيشون إلى أربعة عشر قرنًا من الإسلام، والعادات هذه تمشي كأنها في بلاد الكفار.
الجهل مسؤولية على أهل العلم بهذه الحقيقة على الأقل، فالشاهد عندنا الدعوة شيء، والأسلوب إلى الدعوة شيء آخر.
أنا أريد من كل مسلم أولاً، ومن إخواننا السلفيين خاصة ثانياً، أن يفرقوا بين الأمرين، لأن الدعوة هي مقصودة بالذات، يعني يجب على كل مسلم أن يعرف كيف يصلي كيف يصوم كيف يفطر كيف .. كيف إلى آخره.
لكن لا يجب عليه أن يدعو؛ لأن الدعوة فرض كفاية، أما العلم والتَدَيُّن به فرض عين.
إذا كانت هذه الحقيقة معروفة لدينا، فلا يجب أن نهتم بالشيء الثاني الذي هو الأسلوب في الدعوة، قلنا: عندنا دعوة وعندنا أسلوب في الدعوة، أسلوب الدعوة معروف، القرآن الكريم صراحة، ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] لكن الدعوة قبل الأسلوب.
ولا نستطيع أن نفترض في كل الناس، في كل أصحاب الدعوة لا نستطيع نتصور أبداً أنهم بنسبة واحدة في حسن الأسلوب وحسن الدعوة إلى الله ﵎، هذا أمر مستحيل.
فيجب أن نصب اهتمامنا على الأمر الأول وهو الدعوة، الأمر الثاني كما يجب على من كان عنده حُسْن أسلوب في الدعوة أن يتلطف في دعوته للناس إلى دعوته، كذلك ينبغي لهذا الداعية أن يتلطف مع إخوانه الذين يسيئون للأسلوب في الدعوة، واضح أظن الكلام.
مداخلة: واضح.
الشيخ: نعم، لماذا؟ لأننا يجب أن نُفَرِّق بين الدعوة وأسلوبها، الدعوة فرض
стр. 4296
عين على كل مسلم أن يتبناها، لكن ليس فرض عين على كل مسلم أن يكون داعية، ثم لو كان داعية لا نستطيع نتصور أن الأساليب متفقة، وأن الأسلوب يمكن تعليمه وتلقينه للناس جميعاً، هذا لا يمكن.
فينبغي أن نتلطف مع عامة الناس في دعوتهم إلى دعوتنا السلفية، ومع إخواننا السلفيين الذين يسيؤون إلى الدعوة السلفية، أيضاً هذا يجب أن أتلطف به.
بعد هذه المقدمة، أرجع إلى صلب الموضوع، ولعله سؤالك الأول بالنسبة لما ثبت لدينا -يقيناً- أن الأذان في هذا البلد يؤذن إما قبل الوقت أو بعد الوقت، أنت عَرَّجت على الأذان الذي يؤذن به بعد الوقت بنحو عشر دقائق.
والأَوْلَى عندي معالجة أمر آخر: الذين يؤذنون قبل الوقت بنصف ساعة تقريباً، يتراوح في اختلاف الفصول بين ثلث ساعة إلى نصف ساعة، ويبطلون صلاة المصلين في كثير من المساجد، حيث يصلون صلاة الفجر قبل الفجر الصادق.
المهم الآن: يجب أن نفرق بين الدعوة وبين أسلوب الدعوة، يختلف الأمر اختلافاً كثيراً، بين إنسان يعيش في مسجد جَوُّه سلفي وبين مسجد آخر جوه خلفي، يجب أن يفرق بين مسجد وآخر، كما أنه يجب أن يفرق بين إعتنائه بالإفطار الشرعي بين أناس وآخرين.
أناس -مثلاً- من إخوانك عندهم مبدأ التمسك بالسنة، لا يوجد مانع، بل يجب أنك تفطر أمامهم بعد دخول وقت الإفطار، لغروب الشمس، وقبل الأذان الذي يؤذنون اليوم بناءً على التوقيت الفلكي، أما إذا كنت في جماعة لم يسمعوا بدعوة الكتاب والسنة أو الدعوة السلفية، فهؤلاء ينبغي على الداعية حقاً أن يفكر طويلاً كيف يثير هذه المسألة.
أنا أقول لكم شخصياً عن نفسي وبعض إخواننا، في رمضان أنا أرى الشمس تغرب من داري لأنها مرتفعة، فأفطر، ثم أسمع الأذان فأنزل أصلي مع الجماعة، فأنا أجمع بين فضيلتين: فضيلة التعجيل بالإفطار التي قالها الرسول ﵊ في الحديث المعروف: «لا تزال أمتي بخير ما عَجَّلوا الفطر»، كما أن هناك
стр. 4297
حديث آخر يحض على تعجيل أداء صلاة المغرب، «لا تزال أمتي بخير ما لم يؤخروا صلاة المغرب إلى اشتباك النجوم».
ولذلك كانت السنة العملية أن النبي ﷺ كان يفطر على تمرات أو على جرعة من ماء، ثم يصلي المغرب، فيُعَجِّل بالأمرين: جمعاً بين الفضيلتين.
فأنا أقول شخصياً: نفطر في البيت وأنزل أصلي في المسجد، لكن لا يجوز كتمان هذه السنة كما كان الأمر قبل هذه الأيام الأخيرة، لا أحد عنده خبر إطلاقاً بأن المؤذن يؤذن بعد غروب الشمس بعشر دقائق، لا أحد عنده خبر إطلاقاً أن المؤذنين لصلاة الفجر يؤذنون قبل الوقت بنصف ساعة، وأن أكثر المساجد كانت تصلي صلاة الفجر قبل وقتها.
فإذا عرف أهل العلم الحكم الشرعي وكتموه، كان كتمانهم للعلم مصيبة عليهم في الدنيا والآخرة.
الله -كما نعلم جميعاً- أخذ العهد والميثاق من أهل العلم أن يُبَيِّنوه للناس ولا يكتمونه، كما هو في القرآن الكريم وكما قال ﵇: «من كتم علماً أُلْجِم يوم القيامة بلجام من نار».
إذاً: المسألة تحتاج إلى حكمة، لكن كما قال ربنا في القرآن الكريم: ﴿ومَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيم﴾ [فُصِّلَت: ٣٥].
(الهدى والنور /٢٠٣/ ٥٦: ٤٠: ٠٠)
(الهدى والنور /٢٠٣/ ٢٠: ٥٥: ٠٠)
الإنكار على من يعتمد على التوقيت الفلكي في الإفطار
الشيخ: أنا أريد الآن بهذه المناسبة إخواننا الذي يقيمون في هذه الأرض المشرفة المطلة على غروب الشمس، وربما -أيضاً- على طلوع الفجر وعلى شروق الشمس:
стр. 4298
أن يُراعوا التوقيت الشرعي، ولا يراعوا التوقيت الفلكي، الآن الساعة السادسة تماماً فنستطيع أن نقول: إنه قد حل الإفطار بغروب الشمس، والساعة السادسة تماماً، انتظروا الآن الأذان سيمضي ربع ساعة من الوقت، وقد تسمعونه وقد لا تسمعونه إلا بعد الربع.
مداخلة: طيب شيخنا، لعل الواحد الآن يقول: هذا جبل أمامنا ما يزال يوجد في الخلف، يعني لعظمة الجبل يكون يوجد دور وبيوت، فالذين على رأس الجبل ما زالت الشمس لم تغرب عندهم ..
الشيخ: نعم، والذي بعد ألف كيلو متر، ماذا يفعلون؟
مداخلة: نفس الشيء.
الشيخ: نفس الشيء، وكما تعلمون الأرض كروية ..
اليوم اتَّصل شخص صباحاً نحو الساعة الثامنة فَرَدَّت عليه زوجتي وقالت: الأسئلة من فضلك بعد صلاة العشاء، يقول: أنا أولاً: أتكلم من أمريكا، وثانياً: لا يتيسر لي الاتصال في هذا الوقت الذي أنت تشيرون إليه، فمعذرة وعنده سؤال .. عفواً: أنا قلت في الساعة الثامنة ولأكون دقيقاً قبل ذلك، يقول: الآن الوقت عندنا الفجر .. نحن وقتنا مضى على الفجر ساعات؛ فبسبب اختلاف المطالع وكروية الأرض، فكلما سار الإنسان إلى الغرب كلما تأخر وكلما سار إلى الشرق كلما تقدم؛ ولذلك فلكل أرض مطلعها مشرقها ومغربها.
وهنا تستطيعون أن تتمثلوا وأن تفهموا جيداً ذلك الحديث الذي جاء في الصحيحين -وأهل المدن لا يتيسر لهم أن يفهموه فهماً عملياً- ذلك هو قوله ﵊: «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس؛ فقد أفطر الصائم» الآن انظروا! هنا أنور من هنا؛ ذلك لأن النهار يدبر من هاهنا والليل يقبل من هاهنا، فرسول الله ﷺ وَقَّت وقت الإفطار للصائم، وسواء كان هذا في رمضان أو في غير رمضان، وَوَقَّت المغرب بغروب الشمس، وباجتماع ثلاث صور أو صفات، وهي قوله ﵇: «إذا أقبل الليل من هاهنا» انظروا
стр. 4299
الآن كيف يُقْبل سواد الليل من هاهنا .. «وأدبر النهار من هاهنا» أيضاً: الضوء .. ضوء النهار يدبر ويولي من هاهنا .. «وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم».
هنا يرد شبهة -خاصة في بعض المدن- يقولون: الاحتياط جيد، نقول: الاحتياط غير الوسوسة، وغير تَعَمُّد مخالفة الشريعة .. الشرع جاء على لسانه ﵊ قوله الصحيح الصريح: «لا تزال أمتي بخير ما عَجَّلوا الفطر» جاء في حديث في صحيح البخاري: «أن النبي ﷺ كان في سفر، لما غربت الشمس أمر أحد أصحابه أن يؤذن وأن يُهَيئ الإفطار فقال رجل: يا رسول الله! النهار، قال: انزل واجْذَح» أي: هيئ الإفطار، فأفطر الرسول ﵇ مجرد أن غربت الشمس؛ حتى قال الراوي: لو أن أحدنا ركب ناقته لرأى الشمس، يعني: لو ارتفع قليلاً لرأى الشمس.
فإذاً هنا: الاحتياط ضد الشرع .. خلاف الشرع ..
المهم: أن يتأكد المسلم من غروب الشمس بطريقة أو بأخرى، وأقوى هذه الطرق هي الرؤية العينية، وبعدها الخبر الصحيح ممن رأى الشمس.
أما الآن فلا شيء من ذلك إطلاقاً إلا التوقيت الفلكي، وهذا التوقيت الفلكي كرؤية الهلال الفلكية كلاهما يخالف الشريعة الإسلامية.
فكما لا يجوز الدخول أو إثبات هلال رمضان بعلم الفلك إلا بالرؤية العينية، كذلك لا يجوز إثبات وقت الإفطار أو أيَّ وقت من الأوقات الخمسة إلا بالرؤية البصرية هذه؛ ذلك حكم الله، وتلك حدود الله فلا تعتدوها.
مداخلة: طيب شيخنا! أين هنا موضع .. يعني: ما يدور في أذهان بعض إخواننا القاعدة التي أشرتم إليها قبل قليل: «درء المفاسد مُقَدَّم على جلب المصالح» .. أن بعض الناس يعني: اعتادوا على غير ذلك .. يعني: الخروج عن المألوف شيء صعب، فمُصَادّة هؤلاء مباشرة كما سأل بعض الإخوة، يعني: كيف تنصحون هؤلاء؟
الشيخ: بنشر العلم الصحيح، واهتبال الفرص كهذه الفرصة.
стр. 4300
مداخلة: حديث الذي ركب على الناقة أين نجده؟
الشيخ: في البخاري.
مداخلة: يعني: .... رأس الجبل ..
الشيخ: نعم؟
مداخلة: شخص في واد اتصل للذي في رأس الجبل وبينهم عشرة أمتار ..
الشيخ: .. مثلاً: السادسة كما قلنا يتأخر دقيقة أو دقيقتين؛ لأن تَنَقُّل الوقت لا يزيد على الدقيقة، فإذا أفطرنا أمس على غروب الشمس الساعة السادسة واليوم مثلاً يوجد غمام هناك فالساعة السادسة ودقيقة أو دقيقتين نفطر، أما الآن ما الذي يؤخر الناس عن الإفطار؟ حتى يسمعوا الأذان، هذا الأذان على أيِّ أساس يؤذن؟ على التوقيت الفلكي، ونحن شاهدنا بأعيننا وقائع متنافرة تماماً .. مرةً كنا في ناعور منذ سنتين أو أكثر ولأول مرة نرى الشمس تغرب مع الأذان، الذي يسموه الموحد، في سنة أخرى ونحن ندخل المسجد في الناعور والأذن يؤذن أي الموحد، وما زالت الشمس لم تغرب نراها بأعيننا، هذا من شؤم التوقيت الفلكي؛ لأن هذا التوقيت لا يُراعي الفوارق ..
ومن العجب أن الذين وضعوا الروزناما هذه ينبهون بضرورة مراعاة الفوارق هذه، لكن من الذي يراعيها؟ الخاصة لا يراعونها فما بال العامة؟ ! وهذه صورتين متنافرتين تماماً في قرية.
فإذاً: يجب إعادة الأذان الشرعي، وهو أن يكون لكل مسجد أذانه، وأن يكون المؤذن ليس موظفاً فقط كأي موظف في أي دائرة؛ بل أن يكون عنده شيء من الفقه بالمواقيت متى يؤذن أذان الفجر .. متى يؤذن أذان الظهر .. متى يؤذن العصر .. متى يؤذن المغرب .. وهكذا العشاء؟ !
مع الأسف! المؤذنون اليوم لا يفقهون شيئاً من هذه الأحكام؛ لأنه ذُلِّلَ لهم الأمر بزعمهم على التوقيت الفلكي وانتهى الأمر، بينما يختلف كما يقولون: الأرض تختلف بالشبر في التوقيت تختلف كذلك، فمن كان في الوادي تغرب الشمس عنه قبل أن تغرب عمن كان في رأس الجبل، فيا تُرى! هل ينتظر من كان في الوادي خبر
стр. 4301
وأذان من كان على رأس الجبل، أو العكس؟ لا، لِكُلٍ وقته الذي حَدَّده الشرع له.
(الهدى والنور / ٣١٩/ ٣٠: ٢١: ٠٠)
كلمة حول عدم انضباط التوقيت الفلكي للمغرب ومن ثَمَّ الإفطار على هذا التوقيت
مداخلة: هل يصح إفطار المسلم مع غياب قرص الشمس، وهل ذلك صحيح، وما حكم من يُفْطر إذا غاب قرص الشمس؟
الشيخ: هنا مسألة يجهلها كثير من الناس؛ والسبب ابتعاد أهل العلم وطلاب العلم عن تطبيق ما علموه من الشرع، ألا وهو: قد جاء في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال مشيراً إلى الشرق: «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم».
إذا أقبل الليل من هاهنا من المشرق، وأدبر النهار من هاهنا من المغرب، وغربت الشمس أي: لم تعد تظهر الشمس، فقد أفطر الصائم يعني: صار في وقت الإفطار .. دخل في وقت حِلّ الفطر، هذا شيء، وإذا حَلَّ إفطار الصائم بسبب غروب الشمس وجبت صلاة المغرب؛ لأنه ليس لكل من هذين الأمرين وقت يختلف عن الآخر .. في الوقت الذي تجوز فيه صلاة المغرب يجوز فيه الإفطار العكس بالعكس تماماً.
الشيء الثاني الذي ينبغي أن نكون على ذكر منه: قوله ﵊: «لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر» هناك حديث آخر يقول: «لا تزال أمتي بخير ما صلوا صلاة المغرب قبل أن تشتبك النجوم».
إذاً: هنا أمران قد يبدو لبعض الناس أنهما متعارضان، وأنه لا بد من الإخلال بأحدهما على حساب الآخر، والأمر ليس كذلك، وبيانه: في سنة النبي ﷺ العملية، هذا النبي ﷺ الذي أمر بالأمرين كليهما .. أمر بالتعجيل بالإفطار وأمر بالتعجيل
стр. 4302
بصلاة المغرب، هو نَفَذّ هذين الأمرين تنفيذاً رائعاً وسهلاً جداً، ذلك ما ثبت عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: «أن النبي ﷺ كان إذا غربت الشمس أفطر على تمرات وجعلها وتراً، فإن لم يجد فعلى جرعات من ماء، ثم يصلي».
إذاً: استطاع أن يجمع بين الأمرين: التعجيل بالإفطار والتعجيل بالصلاة، وهكذا يجب على المحبين لرسول الله ﷺ حُبًّا صادقاً كما أشار ربنا إلى ذلك في الآية الكريمة المعروفة: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فمحبة رسول الله ﷺ إنما تتحقق باتباع سنته سواء كانت هذه السنة فرضاً أو نفلاً، كل ذلك سنة النبي ﷺ .
فإذا كان النبي ﵊ يُعَجِّل بالإفطار ويعجل بأداء صلاة المغرب فالسنة في تنفيذ الأمرين على عجل معاً، ثم هناك حديث آخر يُوَضِّح مبلغ اهتمام النبي ﷺ بالتعجيل بالإفطار.
جاء في صحيح البخاري أن النبي ﷺ كان في سفر فغربت الشمس فقال ﵊ لأحد أصحابه: «اجدح لنا اجدح لنا» أي: هيئ لنا الإفطار من السويق، «قال له: يا رسول الله أمامك نهار» يعني: ضوء النهار في المغرب لا يزال واضحاً، وإن كانت الشمس قد غربت فعلاً، فأكد النبي ﵇ عليه أمره السابق: «اجدح لنا» ثلاث مرات، في كل مرة يقول الرجل: أمامك نهار، والنبي ﷺ يكرر عليه أمره، قال الراوي: «فأفطرنا، حتى لو أن أحدنا ركب على ناقته لرأى الشمس» تَصَوّروا الآن هنا المبالغة في التعجيل بالإفطار، من هنا غربت الشمس .. من هنا رسول الله ﷺ يأمر بإحضار ما يفطر عليه، ومن لا يعلم وكلهم لا يعلمون إلا ما علمهم الرسول ﵇، وهذا أمر بدهي جداً.
وهذا يتكرر اليوم مع الأسف .. هه ما زال الضوء يبين؛ لأنهم لا يعلمون السنة، كذلك الرجل .. ذلك الرجل كان معذوراً؛ لأنه لم يكن رسول الله ﷺ قد بيَّن لهم من قبل التعجيل الفعلي العملي وهو أن تغرب الشمس من هنا وأن يباشر الإفطار من هنا؛ ولذلك قال: «يا رسول الله! أمامك نهار» فما بالاه وإنما قال له ثلاث
стр. 4303
مرات: «اجدح لنا».
فما بال المسلمين اليوم يقولون: لم يؤذن، وأنتم ترون الشمس قد سقطت في الأفق، وقد غربت وتجدون النبي ﷺ يأمر بالتعجيل بالإفطار أولاً، ثم يحث ذلك الصحابي على التعجيل بتقديم ما يفطر عليه، ولو أنه ما زال ضوء النهار واضحًا لم يذهب بكليته.
إذاً: هنا أمران يجب أن نلاحظهما وأن نطبقهما، التعجيل بالإفطار والتعجيل بصلاة المغرب، لا نؤخر أحدهما على حساب الآخر.
أما الأذان اليوم، فنحن نأسف أن الأذان في البلاد الإسلامية كُلِّها إلا ما ندر جداً جداً، لا يؤذنون على التوقيت الشرعي؛ وإنما يؤذنون على التوقيت الفلكي .. التوقيت الفلكي لا يرى اختلاف المطالع .. لا يرى اختلاف الأراضي في البلدة الواحدة .. فعندنا نحن مثلاً في عمان وما أدري الوضع عندكم هنا في معرفة السطحية .. بلدكم كأنه سهل، أما عمان تعرفونها جيداً فهي مختلفة الأراضي اختلافاً جداً جداً كثيراً، فهناك الجبال وهناك الهضاب وهناك السهول وهناك الوديان، فلا يصح أن يكون الأذان المُوَحّد يشمل كل هذه الأماكن، لا، ونحن قد شاهدنا بأعيننا الاختلافات الواضحة جداً فيما يتعلق ليس فقط بغروب الشمس بل وبطلوع الفجر وبأذان الظهر والمغرب، بل وكل الأوقات، وبقية الأوقات الخمسة.
والذي يهمني الآن ما يتعلق بغروب الشمس، أنتم تعلمون أن هناك في عمان أذان موحد يعني: يؤذن في مكان ويُذاع هذا من كل المساجد سواءً كان المسجد على قمة جبل أو كان رأس هضبة أو في سهل أو في واد، أذان واحد، فرأينا الاختلافات الكثيرة جداً.
أنا أعيش على جبل يعرف بجبل هملان، وبيتي وداري تطل على الشرق والغرب، فأرى طلوع الفجر الصادق وطلوع الشمس، وأرى غروب الشمس، وبحثنا الآن في الغروب .. تغرب الشمس والأذان بعد الغروب بثمان أو عشر دقائق، كما الشأن عندكم هنا، الأذان الموحد بعد غروب الشمس أراه بعيني بثمان
стр. 4304
دقائق أو عشر دقائق.
ذهبنا في بعض المرات إلى قرية تسمى بالناعور، في الطريق إلى بيت القدس كما تعلمون، فرأيت ظاهرتين متباينتين تماماً، كنا مرة ننتظر غروب الشمس في شهر رمضان عند أحد الإخوان هناك .. لأول مرة أسمع الأذان المُوَحّد مع غروب الشمس هناك في الناعور، لكن في سنة أخرى وأنا أدخل إلى المسجد لصلاة المغرب هذا الأذان الموحد يرفع صوته بمكبر الصوت على مِئْذَنة المسجد والشمس أمامه لم تغرب.
فإذاً: هؤلاء الذين سمعوا هذا الأذان أفطروا، بل وصلوا، لكن صلاتهم قبل الوقت، بينما من كان في المنطقة الأخرى التي كنت فيها في السنة الماضية يصلي في الوقت تماماً ويفطر في الوقت تماماً، لماذا؟ لاختلاف الأراضي انخفاضاً وارتفاعاً.
وحدثني أحد أئمة مسجد صهيب، هو في طريق الذاهب إلى الدوار السابع، قال هو أيضاً رأى بعينه ما رأيت أنا في الناعور، الأذان يؤذن في مسجده والشمس لَمَّا تغرب بعد.
إذاً: هذا الأذان الموحد أولاً، ثم الأذان الفلكي ثانياً، هذا خطأ يعرض صلاة المصلين للبطلان، وقد يُعَرِّض صومهم أيضاً كما سمعتم آنفاً في مسجد الناعور أيضاً للبطلان، فلا بد من مراعاة اختلاف الأماكن.
ومن العجب أن الذين وضعوا الرزناما هذه الفلكية، يعلمون هذه الحقيقة من اختلاف الأماكن فيقولون: مع مراعاة الفوارق، من الذي يراعيها؟
إذا كان المؤذن الذي شرع بإعلام الناس الغافلين البعيدين عن رؤية الشمس طلوعاً وخروجاً وغروباً إلى آخره كُلِّف هؤلاء المؤذنون وجعلوا أمانة على الأذان، إذا هم يؤذنون بناءً على الرزناما وقد عرفنا وعرف الجميع اختلاف الأماكن تماماً، لا فرق عندي بين من يصلي على الأذان الموحد مع اختلاف الأراضي، وبين من يصلي على أذان مكة، أذنوا في مكة! مكة بعيد .. طيب يا أخي بعيد أو قريب، المهم اختلاف المطالع الذي في الشرق تغرب الشمس عنه قبل الذي في الغرب .. الذي في الوادي تغرب الشمس عنه قبل الذي في قمة الجبل وهكذا؛ ولذلك رأيتم آنفاً بأن
стр. 4305
ذلك الصحابي قال: إن الرسول ﵇ لما أفطر لو ركب أحدنا على الجمل لرأى الشمس طالعة.
إذاً: بالنسبة لمن كان على قمة هضبة .. لا أقول: جبل، الشمس ما غربت بالنسبة إليه، لكن بالنسبة لمن كان في السهل فقد غربت عنه، فهذا له غروب، وذاك الذي على الهضبة له غروب، وذاك الذي على الجبل له غروب وهكذا.
ولذلك فالدين النصيحة والذكرى تنفع المؤمنين .. لا يجوز التزام التوقيت الفلكي؛ لأن التوقيت الفلكي يأخذ الخط المستقيم، خط البحر الذي لا انخفاض ولا طلوع ولا نزول فيه إطلاقاً، وهذا لا يجوز في الشرع؛ ولذلك فمن رأى منكم طلوع الفجر قبل أذان الفجر فله أن يمسك عن الطعام وأن يباشر الصلاة، أما إذا سمع الأذان ولم ير طلوع الفجر فلا يجوز له أن يصلي، ويجوز له أن يستمر في سحوره؛ لأن الرسول ﵇ كان يقول وبهذا الحديث أُنْهي الجواب عن هذا السؤال وإن طال الكلام؛ لأن هذه مسألة مع الأسف الشديد أكثر الناس عنها غافلون ولها جاهلون، قال ﵊: «لا يغرنكم أذان بلال، فإنما يؤذن بليل، فكلوا واشربوا، حتى يؤذن ابن أم مكتوم».
هنا سؤال: متى كان يؤذن ابن أم مكتوم وكان رجلاً ضريراً؟
كان يصعد على ظهر المسجد، فينتظر المارة في أزقة المدينة، إذا بدا لهم الفجر ساطعاً من الشمال إلى الجنوب، قيل له: أصبحت أصبحت فيؤذن.
يقول الرسول ﵇: «لا يَغرنَّكم أذان بلال فإنما يؤذن بليل» جاء في رواية صحيحة: «لِيُقَوِّم النائم، وليتسحر المتسحر على أذان بلال» يؤذن بليل «فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، وكان لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت» وكان رجلا ضريراً، انظروا الآن كم في المسألة يُسْر أولاً: المؤذن لا يرى طلوع الفجر وإنما يعتمد على المارة الذين يرون طلوع الفجر، فإذا قالوا له: أصبحت يعني: دخل وقت الفجر يقول: الله أكبر الله أكبر ..
هكذا كان الأمر في عهد الرسول ﵇ إلى عهود قريبة جداً، كان في كل
стр. 4306
مسجد مؤذن يعلم المواقيت الشرعية، وكان هناك في بعض المساجد إلى اليوم .. في دمشق لا أدري هنا موجود أو لا؟ ما يسمى بالمِزْوَلة هي عبارة عن آلة يتمكن بها المؤذن أن يعرف وقت دخول الظهر ووقت دخول العصر، أما بقية الأوقات فهي تشاهد من عامة الناس كما رأيتم آنفاً في الحديث الصحيح، المَارّة يقولون للمؤذن: أصبحت أصبحت، أما وقت الظهر يحتاج إلى علم خاص .. وقت العصر يحتاج إلى علم خاص، هذا العلم كانوا قديماً بطريقة مبسطة جداً فطرية: ينصب شاخص هكذا عمود .. عصا .. تُغْرَز على الأرض فيلاحظ عندما تطلع الشمس من المشرق هذا الشاخص يضرب الظل ..
إلى المغرب، وكلما ارتفعت الشمس كلما تقاصر هذا الظل ويتقاصر ويتقاصر، فيما يسمى بخط الاستواء، هناك هذا الظل يصبح يركب الشخص ظله أو الظل شاخصه، أي يغيب لا يرى هذا الظل إطلاقاً، أين؟ في خط الاستواء، هنا تصبح وقت الكراهة شرعاً، فإذا بدأ الظل من جانب آخر دخل وقت الظهر، أما هنا في بلادنا يختلف الأمر؛ لأن الشمس حينما تطلع لا تستوي على رؤوسنا في أي فصل من الفصول الأربعة، وإنما تكون مائلة إلى الجنوب قليلاً أو كثيراً، أكثر ما تكون مائلة في فصل الشتاء، وأكثر ما تكون قائمة في فصل الصيف، ولكن بالنسبة إلينا هذا الشاخص ظِلّه لا يغيب إطلاقاً عنه.
الشاهد: فالمؤذن الذي يعرف التوقيت الشرعي، يُراعي ظل هذا الشاخص قَصُر قَصُر قصر حتى يراه بعينه كأنه وقف، لم يعد يتقاصر ولم يعد يتطاول هذا وقت الكراهة شرعاً، وهذا أكثر الناس لا يعلمونه بل أقول لكم آسفاً: أكثر المؤذنين، بل مؤذنين اليوم لا يعرفون هذا الحكم الشرعي مطلقاً، فإذا وقف الظل ولم يعد يرى يتقاصر، كما كان من قبل يتقاصر ولا يبدأ يتطاول كما سيتطاول فيما بعد، حينما يقف بالنسبة للعين المجردة هذا هو وقت الكراهة، فإذا طار قليلاً زال وقت الكراهة ودخل وقت الظهر، وهذا يختلف باختلاف الفصول.
هذه وظيفة المؤذنين؛ ولذلك كانوا يضعون أمام المؤذنين وعلى الجدر مزولة
стр. 4307
يرون الشمس فيها تميل حتى يصير ظل الشاخص، وقف هذا وقت الكراهة لا تصح فيه الصلاة، فإذا طال دخل وقت الظهر.
وقت العصر شرعاً: إذا صار ظل الشاخص مثله، زائد فيء الزوال، وهذا يحتاج إلى تفصيل آخر وأخشى أن يَمَلَّ الكثيرون منكم من هذا العلم الذي يُسمى بالعلم الجاف، علم جاف؛ لأنه علم الفقه علم الشرع، وهكذا لما وصلنا إلى هذه المصيبة أن نُسَمِّي الشرعي بالعلم الجاف اعتمدنا على العلم الفلكي المُبَسّط المُسَهّل: الشمس تطلع والظهر يؤذن كذا .. مع أنه كما ذكرنا يختلف من مكان إلى آخر.
الخلاصة: الفجر عندنا في عمان .. أنا الآن في عمان أرى الفجر يتأخر عن الآذان الموحد خمساً وعشرين دقيقة، وأسمع الإقامة من المساجد التي حولي في وقت طلوع الفجر الصادق، أي: الذين صلوا سنة الفجر صلوها قبل الوقت والحمد لله يدركون صلاة الفرض مع الإقامة حينما يطلع الفجر الصادق، هذه أمور يجب على أئمة المساجد ومؤذني المساجد، ولِأَقُل كلمةً صريحة: غير الرسميين، ما معنى: غير الرسميين؟ يعني: المتطوعين الذين يؤمون الناس تقرباً إلى الله .. يؤذنون للناس ليكونوا كما قال ﵊: «المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة» ليحظوا بمثل هذه الفضيلة .. يؤذنون لله لا لأداء وظيفة، لا يختلف هذا الموظف عن أي موظف من وظائف الدولة.
هذا ما لزم بيانه في هذه المسألة.
(الهدى والنور / ٦٩٣/ ٥٧: ٠٢: ٠٠)
إذا أَذَّن المُؤذن لصلاة الفجر وفي يد المسلم طعام
مداخلة: إذا أَذَّن المؤذن لصلاة الفجر وفي يد المسلم طعام، فهل يأكله أم يمتنع عن أكله؟ - يقصد الفجر الصادق-.
الشيخ: استدركتَ ما كان في نفسي استدراكه، لكن لا بأس من ذكر ما كان في
стр. 4308
نفسي: أردت أن أقول: إذا كان هو هذا الأذان اليوم، فليأكل وليَشْبَع ما شاء له الشبع، أما والسؤال استُدرك أخيراً فقيل: يعني: الفجر الصادق، الجواب حينئذٍ في قوله ﵊: «إذا سمع أحدُكم النداء والإناء على يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه».
وهذا النداء هو النداء الذي ذكرناه آنفاً في حديث عمرو ابن أم مكتوم، اسمه اختُلف في اسمه منهم من يقول: اسمه عمرو، ومنهم من يقول: اسمه عبد الله، «والصواب الأول: عمرو ابن أم مكتوم»، ماذا قال الرسول في حديثه؟ «فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم».
إذا أكلت واكتفيت رأساً ضع الكأس أو الفنجان الذي بيدك، أما إذا لم تكتف فهذا الحديث الذي ذكرناه -آنفاً- يُعطي لك فُسْحة ومجالاً أن تظل تشرب منه أو تأكل منه حتى تأخذ منه حاجتك .. أعيد الحديث: «إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه».
فإذاً: يأكل الإنسان ولا بأس وإذا رأى الفجر الصادق بعينه، ما دام لم يكن قد أخذ حاجته من طعامه وشرابه ..
مداخلة: لو كان في يده صحن ...
الشيخ: أنا أعني ما أقول؛ لذلك قلت: طعام أو شراب، نعم.
مداخلة: لأُبَيّن للإخوة صحن أو كأس ماء، يعني: كان بيده، طيب! لو لم يكن في يده كان على الأرض؟
الشيخ: هذه ظاهرية .. سواءً كان في يده أو طاولته أو في أرضه، العلة مذكورة في الحديث: «حتى يقضي حاجته منه» والحمد لله.
مداخلة: لما يشبع يعني.
الشيخ: هو هذا يقضي حاجته منه، نعم.
(الهدى والنور / ٦٩٣/ ٣٩: ٣٥: ٠٠)
стр. 4309
المؤذن هل يبدأ بالإفطار أم بالأذان ؟
مداخلة: [المؤذن] المفروض أنه يفطر أولاً ثم يؤذن؟
الشيخ: ما فيه عندنا هذا التدقيق الدقيق في هذه المسألة، أيُّهما فعل جاز.
مداخلة: هل يجوز أن يَظَلّ صائمًا بعد الوقت؟
الشيخ: كما يجوز أن يؤذن في أول الوقت، يجوز أن يفطر في أول الوقت، فسواء قدَّم أو أخَّر، ما فيه عندنا تمييز أحدهما عن الآخر بحيث نقول: أفطر ثم أذن، أو نقول: أذن ثم أفطر.
(الهدى والنور / ٢٥٧/ ٠٩: ٤٥: ٠٠)
стр. 4310
السحور
следующие страницы →