الناس بيعرفوا أن قراءة القرآن على طهارة كاملة هو الأفضل بلا شك ولا ريب. إذاً: قبل ما أجاوبك بَدِّي آخذ منك جواب، إذا أنت تعني بقولك: هل يجوز يعني هل يحرم؟ فالجواب: لا يحرم قراءة القرآن للجنب، لأن تحريم شيءٍ ما حرمه الله ولا رسوله حرام, ليه؟ نحن نُحَرِّم ونُحَلِّل من عندنا، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ [الشُّورى: ٢١].
لا، نحن أتباع رسول الله ﷺ ، إذا كان لا يوجد نص في سنة رسول الله ﷺ فضلاً عن كتاب الله بتحريم قراءة القرآن على الجنب.
فمن ذا الذي يتجرأ أن يُحَرِّم ما لم يحرمه الله, وهذه من طبيعة النصارى, قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِاليَوْمِ الآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٢٩] هم بيجيبوا من عندهم، لذلك اليوم البابا بيجب لهم أحكام جديدة، لأن عندهم في الإنجيل أن بطرس قال لهم: ما تعقده في الأرض, الله قال له -زعموا-: ما تعقده في الأرض يا بطرس يكون معقوداً في السماء, ولذلك دين النصارى كل يوم دين شكل على كيفهم, لكن نحن نقول: يُكره قراءة القرآن على الجُنُب كراهةً, التحريم ممنوع لأنه ما فيه نص, قد تقول أين النص في الكراهة؟ بنقول لك: لبيك، نأتيك بالنص على الفور.
هناك حديث في «سنن أبي داود» بالسند الصحيح أن النبي ﷺ قضى حاجته، ثم مر به رجل فقال: السلام عليك يا رسول الله، فابتدر الرسول الجدار وتَيَمَّم وقال: «وعليك السلام، إني كرهت أن أذكر الله إلا على طُهْرٍ».
أنتم ممكن تتساءلوا، وين كره أن يُذكر الله, السلام المؤمن المهيمن، هذا اسم من أسماء الله في القرآن الكريم.
وقد أكد ذلك رسولنا ﷺ في سنته حيث قال «السلام اسم من أسماء الله وضعه في الأرض، فأفشوه بينكم» فإذا عرفتم هذه الحقيقة، وتبين لكم أن النبي ﷺ كره أن يقول السلام عليكم إلا على طهارة، فماذا نقول بالنسبة للقرآن أليس
هذا أولى وأولى, لا شك ولا ريب في ذلك.
стр. 457
لكن الشدة لا تأتي بخير, أنت بِدَّك تحترم القرآن كلام الله، مجال الاحترام مفتوح، أبوابه على مصراعيه, لكن إياك والتنطع في الدين، لأن النبي الكريم قال: «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون»، فبحسبك أن تقول للناس: يا جماعة كلام الله ينبغي أن يُكَرَّم، وأن يعظم كما قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].
إذاً: لما نقول يكره ولا نقول يحرم أو لا يجوز, زيادة على هذا نقول تقول السيدة عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ يذكر الله في كل أحيانه» , إذا ليش احنا بنقول عكس ما قالت السيدة عائشة عن نبيها ونبي الجميع, وأنا أؤكد أنه لا يستطيع إنسان أن يلتزم القول بالتحريم مهما كان متعصباً للقول بالتحريم.
الآن: نسمع أن كثيراً من المُدَرِّسات في مدارس البنات بيتحرجوا لما بيجي درس القرآن، بيتحرجوا من تعليم البنات القرآن، ليش؟ لأنها بتكون حائض, بلغكم هذا الشيء، أو لا؟ وبالعكس بتكون بنت بالغة وراشدة بتقول المعلمة لواحدة حظها ونصيبها سَمِّعينا يابنت, تفهم هي شو قصتها؟ قصتها أنها حائض, شو بها الحائض, مُحَرَّم عليها تقرأ القرآن.
ياجماعة: الحائض هون كنا نتكلم عن الجنب، والآن بنحكي عن الحائض, الجنب نقدر نقول له تطهر.
ونقدر نقول له: إنك أنت بيكون إذا عشت جُنُباً كالجيفة عند الله لا تقربها الملائكة، ليش؟ لأنه باستطاعته أن يتطهر, لكن الحائض ماذا نفعل بها؟ الحائض لو تطهرت بمياه البحار كلها ما بتطهر، بتبقى حائض، وتجري عليها أحكام الحيض لا بتصلي، ولا بتصوم، ولا بيجامعها زوجها، ولا أيَّ شيء ولو اغتسلت -يعني- .. ما بيفيدها شيء إطلاقاً.
طيب، هذه ماذا نفعل بها؟ نُحَرِّم عليها تلاوة القرآن خمسة أيام، سبعة أيام، عشرة أيام، لأنه فيه قول قاله بعض الناس، لكن هذا القول يحتاج إلى دعم، ويحتاج إلى سند من كتاب الله أو من حديث رسول الله ﷺ وهذا لا وجود له إطلاقاً، بل
стр. 458
عرفتم -آنفاً- أن السيدة عائشة تقول عن زوجها، وهي أعرف الناس به: «كان يذكر الله على كل أحواله» , يذكر الله في اللغة الشرعية، غير لغتك أنت يا شيخ، لما ذكرت -آنفاً- أو يذكر الله أنك تقصد غير القرآن, أما اللغة الشرعية بيدخل فيها أول ما يدخل القرآن الكريم, لأن الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] أي القرآن الكريم.
السيدة عائشة لما بتتكلم بلغة نبيها وزوجها: يذكر الله، يعني كل الذكر بدون التفصيل اللَي احنا حكيناه مع بعضنا -آنفاً- وهذا معقول جداً, الآن باذكر لكم شيئاً فيه أدب في الإسلام، أن المسلم ما ينام جنباً بل يغتسل، وهنا فيه ثلاث مراتب:
الأفضل يغتسل, والله فيني برد وكسلان، وما أدري إيش؛ بيتوضأ وهي المرتبة الثانية, المرتبة الثالثة والأخيرة بيتيمّم, شاف إنه يرفع يخفف شيئاً من جنابته, هذا حكم شرعي, الغسل ثم الوضوء ثم التيمم, لكن هل يحرم أن ينام جنباً؟ نقول لا, ليه؟ لأن الرسول ﵇ كان أحياناً ينام ولا يغتسل إلا في الصبح، حتى في رمضان، كان يغتسل قبل الصبح بقليل.
إذا: هنا يرد البيان الذي له علاقة ببعض المسائل.
طيب، الرسول لما بيكون جنب وبينام جنباً ما بيقرأ القرآن؟ كان ﵇ لا ينام إلا بعد أن يقرأ سورة تبارك, وحَضّنا نحن أن نقرأ آية الكرسي, وقال: «من قرأ آيتين من آخر سورة البقرة فقد كفتاه» والشيء الكثير والكثير جداً من تلاوة المعوذات, وقل هو الله أحد, وقل أعوذ برب الفلق, وقل أعوذ برب الناس.
فإذا كان واحد جنب بنحَرِّم عليه يقرأ هذه الأوراد، وهي ورد كل ليلة عند الاضطجاع, ونقول يا جماعة: لا تُشَدِّدوا فَيُشِّدد الله عليكم, الله شدد على النصارى لأنهم ابتدعوا رهبانية ﴿ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِم﴾ , الشاهد: إذا أخذنا الإسلام بمجموعه، بنشوف أنه لا يمكن لمسلم أن يُطَبق حكم حرام على جنب, حرام على الحائض أن يقرأوا القرآن, لا.
стр. 459
بالنسبة للجنب، ذكرنا أن الأفضل أن يكون على طهارة كاملة, حتى لو ما بِدّه يقرأ شيء الأفضل أن يكون على طهارة كاملة, فإذا كان بده يقرأ هذا أولى وأولى, لكن نرجع للحائض, ماذا نفعل مع الحائض, نُحَرِّم عليها.
إذاً: ليس فقط أنه تتدبر القرآن، وتقرأه في أثناء النهار، في أثناء فراغها، تُنَوِّر شويه عن ظلمة قلبها, على الأقل لما تنام, ما نقول لها لا تقرئي آية الكرسي، وأنتم تعرفون أن آية الكرسي من يقرأها في تلك الليلة كان في حرز من الشيطان, ومن عجائب ما وقع في أول عهد النبوة والرسالة، أنه هذه نصيحة الشيطان, اللِّي قال فيه الرسول «صدقك وهو كذوب» تعرفون هذا الحديث؟ .
إذاً: هذه المرأة اللِّي بِدِّها تضع رأسها وتنام, هيك صُم بُكم, ما تقرأ شيئاً من آيات الله اللِّي بتتحصن بها, لا يا أخي تقرأ, وكذلك لها أن تدخل مسجد، وتسمع الموعظة والدرس، كمان هذا مربوط بهذا, لكن كمان المرأة بتكون جنب مثل الرجل، بتكون طاهر لكن جنب, يقال لها ما قيل للرجل: إنه تَطَهَّري أحسن لكِ وأشرف لكِ وأثوب لكِ .. إلى آخره.
لكن لما بتكون في حالة الحيض ما نستطيع أن نقول لها تطهري، لأن الله ما أمرها أن تتطهر, وأنتم تعرفون أنه يحرم عليها الصلاة، ويحرم عليها الصيام, من أين أخذنا تحريم الصلاة والصيام؟ من عندنا, لا, من شريعتنا كتاب وسنة.
طيب ياجماعة، هذا الصلاة وهذا الصيام حرام عليها من أين, حائض , طيب، من يجب لنا أنه حرام عليها تدخل المسجد, حرام عليها تقرأ القرآن, وأين النص اللِّي بيحرم عليها شيئاً مثلما حَرَّم عليها الصلاة والصيام, ثم شوفوا الفرق, أمرها بقضاء الصيام، ولم يأمرها بقضاء الصلاة, فالقضية مش من عقلنا نحن وهوانا, إنما هو اتباع تماماً.
وبهذه المناسبة تتمة للموضوع المتعلق بالحائض: لما حج النبي ﷺ حجة الوداع كان معه نساؤه التسع, لحِكْمَة يريدها الله، قَدَّر أن السيدة عائشة قبلما تدخل
стр. 460
مكة بمرحلة، وعند ما كانوا نازلين في مكان اسمه سرف حاضت, وهي مُحْرِمة بالعمرة، لأنها نوت التمتع بالعمرة إلى الحج, وكل نساء الرسول هكذا, دخل عليها الرسول ﵍ فوجدها تبكي, قال لها: مالك؟ أنفُستِ؟ قالت: نعم يا رسول الله, قال «هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاصنعي - هنا الشاهد فانتبهوا - فاصنعي ما يصنعُ الحاجُ غير أن لا تطوفي ولا تُصَلِّي» هذا المسجد كبير, ومنه هذه القطعة المباركة، وهي الكعبة، ما قال لها: لا تدخلي المسجد, قال لها: لا تطوفي ولا تصلي.
إذاً: معناه أذن لها بتلاوة القرآن، لأنه أيش بيسوي الحاج, بيقرأ القرآن، وبيصلي على الرسول وبيذكر ... إلى آخره, طيب, والحاج شو بيسوي؟ بيطوف حول الكعبة, أنتِ لا تطوفي حول الكعبة.
إذاً: أَذِن لها أن تدخل المسجد, الآن تقع مشاكل بسبب التشديد في الدين, بيدخل زوجته غصباً عن دينه, بقصد دينه شو اللّي فهمانه أنه حرام على المرأة الحائض تدخل المسجد بيدخلها, شو بيقول لك؟ بيقول لك إذا بِدّي أتركها بَرَّة بخاف أضيع عنها وتضيع عني, وهذا ممكن، لكن هون عليك، هاي الرسول قال لعائشة: ادخلي المسجد بس ما تطوفي, بس الطواف حرام عليكِ.
من العجائب التي تُذْكَر، ناس يُحَرِّمون على الحائض دخول المسجد، ويُجِيْزون لها السعي بين الصفا والمروة, فسُئلت أنا هذا السؤال, قلت: يا عجباً بتحرموا على المرأة الحائض تدخل المسجد، وبتجيزوا لها أن تسعى والمسعى جزء من المسجد, هذا شو بيدلنا؟ بيدلنا أن الناس رجعيين فعلاً, يعني بيحكوا بالمنطق القديم, أنا من فضل الله عليّ حَجّيت الحجة الأولى، والمسعى خارج المسجد ...
الواقع الآن أن المسجد الحرام الحمد لله صار وسيع جداً، وصار المسعى جزء لا يتجزء من المسجد الحرام, فلما بتقولوا يجوز لها السعي، وأنتم بتمنعوها من دخول المسجد وهي حائض.
خلاصة الكلام: أذن الرسول ﵇ للسيدة عائشة بأن تدخل المسجد,
стр. 461
وأن تقرأ القرآن، لكن حَرَّم عليها الصلاة وحرم عليها الطواف حول الكعبة, لذلك لا يجوز أن يطوف إنسان ذكراً كان أو أنثى إلا وهو على طهارة كاملة.
(الهدى والنور / ١٣١/ ٣٣: ٠٤: ٠٠)
الحائض وقراءة الأذكار
السائل: بالنسبة تبع الوضوء «إذا أصبح أحدكم»، «إذا بات أحدكم عقد الشيطان على قافيته بثلاث عُقَد» إلى نهايته، فأقول هنا ما فضل الحائض لهذا الحديث، فالحائض بالنسبة لها إذا قامت وذكرت الله انحلت عقدة، أما بالنسبة للوضوء والصلاة؟
الشيخ: هذا مو إشكال أخي، أولاً: هذا من حُجَجنا على الذين يُحَرِّمون على الحائض أن تتلو القرآن.
بل هذا الذي أنت ألمحت إليه، مما يؤكد أن المرأة حينما تضع جنبها للنوم، يجب أن تُعَوِّذ نفسها وتُحِيطها بشيء من الآيات الكريمة، وبخاصة ما كان ثابتاً منها في السنة، فقراءة -مثلاً- آية الكرسي، وقراءة سورة تبارك وسورة المزمل ونحو ذلك، مما ثبت أن الرسول ﵇ كان يقرؤها قبل أن ينام، سواء قبل أن يضطجع، أو بعد أن يضطجع، ومن أهم هذه السور المعوذتان.
فأنا في اعتقادي أن هذه المرأة الحائض إذا أتت بمثل هذه الأوراد، كان ذلك مُعِيْناً لها ألاّ يبول الشيطان في أذنها؛ لأنها داخلة في عموم قوله ﵎: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فما دامت أنها لا تستطيع شرعاً أن تتلبس بالصلاة، فعليها أن تتلبس بما يجوز لها من القراءة لما أشرنا إليه من السور أو الآيات غيره؟
(الهدى والنور/٣٢٤/ ٣٢: ٣٧: ٠٠)
(الهدى والنور/٣٢٤/ ٢٠: ٤١: ٠٠)
стр. 462
أحكام المستحاضة
стр. 463
لابد للمستحاضة من أن تتوضأ لكل صلاة
ولا بد للمستحاضة من أن تتوضأ لكل صلاة: عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة:
أن فاطمة بنت أبي حبيش أتت النبي ﷺ فقالت: إني أحيض الشهر والشهرين فقال رسول الله ﷺ : «إن ذلك ليس بحيض وإنما ذلك عرق فإذا أقبل الحيض فدعي الصلاة وإذا أدبر فاغتسلي لطهرك ثم توضئي عند كل صلاة».
طحا «٦١» عن أبي حنيفة عنه. وخ «١/ ٢٦٤ - ٢٦٥» وت «١/ ٢١٧ - ٢١٩» قط «٧٦» عن أبي معاوية عنه وقال ت: حسن صحيح وحب كما في «نصب الراية» «٢٠٣» عن أبي حمزة عنه.
ورواه م «١٨٠» د «٤٤» ن «٦٤» مج «٢١٤» مي «١٩٨» طحا «٦٢» قط «٧٦» حم «٤/ ٨٤» من طرق عن هشام به دون قوله: «ثم توضئي عند كل صلاة» وهو رواية «خ ت» ولذلك تكلم في هذه الزيادة بعضهم بأنها مدرجة ورد ذلك الحافظ في «الفتح» وقد جاءت من طريق أخرى عن عروة ابن الزبير عند مج «٢١٥» وطحا «٦١» وقط «٧٨» وحم «٦/ ٤٢ و ٢٠٤ و ٢٦٢» عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة. زاد ابن ماجه: ابن الزبير به نحوه بلفظ:
«وتوضئي لكل صلاة إن قطر الدم على الحصير» ورجاله رجال الشيخين ولكن أعل بالانقطاع بين حبيب وعروة. وله طريق أخرى عن فاطمة عن عثمان بن سعد الكاتب عن عبد الله بن أبي مليكة قال: حدثتني فاطمة بنت أبي حبيش قالت: أتيت عائشة ... الحديث. وفيه أنه ﷺ قال لعائشة:
«مري فاطمة بنت أبي حبيش فلتمسك كل شهر عدد أيام أقرائها ثم تغتسل وتحتشي وتستثفر وتنظف ثم تطهر عند كل صلاة وتصلي» ... الحديث أخرجه حم «٦/ ٤٦٤» وقط «٨٠» ومس «١٧٥» وقال: «حديث صحيح».
وعثمان بن سعد الكاتب بصري ثقة غزير الحديث يجمع حديثه. قلت: وضعفه
стр. 464
غير الحاكم. وفي «التقريب» أنه ضعيف. وفي الباب أحاديث أخرى تراجع في «نصب الراية».
وقد ذهب إلى وضوء المستحاضة لكل صلاة: الشافعي وأحمد وأبو ثور وغيرهم وقال ابو حنيفة وصاحباه: تتوضأ لوقت كل صلاة. وهذا مجاز حذف يحتاج إلى دليل. ولذلك رده الشوكاني «٢٤٠» تبعا للحافظ.
[الثمر المستطاب (١/ ٤٠)].
أمر المستحاضة بالغسل لكل صلاة على الاستحباب لا الوجوب
عن أسماء بنت عُمَيْس قالت: قلت: يا رسول الله! إن فاطمة بنت أبي حُبَيْش استحيضت منذ كذا وكذا؛ فلم تُصَل؟ فقال رسول الله ﷺ : «سبحان الله! إن هذا من الشيطان، لتجلسْ في مِرْكَنٍ؛ فإذا رأت صفرة فوق الماء؛ فلتغتسل للظهر والعصر غسلاً واحداً، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلاً واحداً، وتغتسل للفجر غسلاً واحداً، وتَوَضأُ فيما بين ذلك».
«قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم».
والأمر في هذا الحديث ليس للوجوب، بل للاستحباب.
صحيح سنن أبي داود (٢/ ٩١)
إنما تتوضأ المستحاضة لكل صلاة إذا رأت دمًا
عن عكرمة قال: إن أم حبيبة بنت جحش استحيضت، فأمرها النبي ﷺ أن تنتظر أيام أقرائها، ثم تغتسل وتصلِّي، فإن رأت شيئاً من ذلك توضأت وصلت.
«إسناده صحيح على شرط الشيخين».
[قال الإمام]:
стр. 465
«فائدة»: هذا الحديث كالمخصص أو المقيد لحديث عائشة المشار إليه في الباب قبله: أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة فإنه- بإطلاقه- يدل على أنها تتوضأ لكل صلاة؛ سواءً رأت الدم أو لم تره! وأما هذا الحديث؛ فإنه يدل على أن ذلك إنما يجب إذا رأت الدم، فدل على أن المستحاضة إذا لم تر الدم؛ تصلي بالوضوء الواحد ما شاءت من الصلوات، حتى ينتقض وضوؤها؛ سواءً بخروج الدم أو غيره من النواقض.
هذا هو المراد من الحديث، ولا يحتمل غيره من المعنى.
صحيح سنن أبي داود (٢/ ١١٢ - ١١٣)
стр. 466
أحكام النفاس
стр. 467
لا حد لأقل النفاس
واختلفوا في أقل النفاس على أقوال أقربها إلى الصواب أنه لا حد لأقله لقوله فيما سبق: «فإن رأت الطهر قبل ذلك». وهو قول الشافعي ومحمد وهو اختيار شيخ الإسلام «١٦» من «الاختيارات» وابن حزم «٢/ ٢٠٣».
[الثمر المستطاب (١/ ٥١)].
لا حد لأقل النفاس
[روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «إذا مضى للنفساء سبع، ثم رأت الطهر، فلتغتسل ولتصل». ضعيف.
[قال الإمام]:
وهذا الحديث وإن تبين أنه لم يثبت إسناده إلى النبي ﷺ ، فالعمل عليه عند أهل العلم، بل نقل الترمذي الإجماع على ذلك، فراجعه «١/ ٢٥٨» ولكن ينبغي أن لا يؤخذ بمفهو مه، فإنها إذا رأت الطهر قبل السبع اغتسلت وصلت أيضا، لأنه لا حد لأقل النفاس، على ما هو المعتمد عند أهل التحقيق.
السلسلة الضعيفة (٤/ ١٣٧).
أكثر النفاس
أكثره [أي النفاس] أربعون يومًا. قالت أم سلمة: كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله ﷺ أربعين يوما، وكنا نطلي وجوهنا بالورس «نبت أصفر يصبغ به» من الكلف «حمرة كدرة تعلو الوجه». د «٥٠» ت «٢٥٤» مي «٢٢٩» مج «٢٢٣» قط «٨٢» مس «١٧٥» حم «٤/ ٣٠٠، ٣٠٣، ٣٠٤، ٣٠٩» من طرق عن علي بن عبد الأعلى عن أبي سهل البصري عن مسة عنه.
ثم أخرجه د مس عن يونس بن رافع عن كثير بن زياد أبي سهل قال: حدثتني
стр. 468
مسة الأزدية قالت: حججت فدخلت على أم سلمة فقلت: يا أم المؤمنين إن سمرة بن جندب يأمر النساء يقضين صلاة الحيض فقالت: لا يقضين كانت المرأة من نساء النبي ﷺ تقعد في النفاس أربعين ليلة لا يأمرها النبي ﷺ بقضاء صلاة النفاس.
وقال الترمذي: «حديث غريب».
وأما الحاكم فقال: «صحيح». ووافقه الذهبي.
وهو مردود بقوله في ترجمة مسنة الأزدية هذه من «الميزان» - وقد ساق لها هذا الحديث -: «قال الدارقطني: لا يحتج بها».
قلت: لا يعرف لها إلا هذا الحديث. وقال الحافظ عنها في «التقريب»: «إنها مقبولة».
لكن الحديث له شواهد كثيرة لا ينزل بها عن مرتبة الحسن لغيره:
فمنها ما روى أبو بلال الأشعري: ثنا أبو شهاب عن هشام بن حسان عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «وقت للنفساء في نفاسهن أربعين يوما».
أخرجه قط «٨١» ومس «١٧٦» وقال: إن سلم من أبي بلال فإنه مرسل صحيح فإن الحسن لم يسمع من عثمان. وقال قط: أبو بلال الأشعري هذا ضعيف.
ومنها عن عائشة نحوه عند الدارقطني من طريق أبي بلال المذكور: ثنا حبان عن عطاء عن عبد الله بن أبي مليكة عنها. وقال: أبو بلال ضعيف وعطاء هو ابن عجلان متروك الحديث.
ومنها عن جابر قال: وقت رسول الله ﷺ للنفساء أربعين يوماً.
رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه أشعث بن سوار، وثقه ابن معين واختلف في الاحتجاج به كما في «المجمع» «٢٨١» وفي «التقريب»: هو ضعيف.
وفي الباب أحاديث أخرى سيأتي قريبا ذكرها وقد وجدت لها شاهدا قويا
стр. 469
موقوفا أخرجه الدارمي «١/ ٢٢٩ و ٢٣٠» من طريق أبي عوانة عن أبي بشر عن يوسف بن ماهك عن ابن عباس قال: «تنتظر النفساء أربعين يوما أو نحوها.
وهذا سند صحيح على شرط الستة وكذلك أخرجه البيهقي «١/ ٣٤١».
[الثمر المستطاب (١/ ٤٥)].
إن رأت النفساء الطهر قبل الأربعين فإنها تغتسل وتصلي
فإن رأت الطهر قبل ذلك فإنها تغتسل وتصلي. وفيه أحاديث يقوي بعضها بعضا: عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ وقت للنفساء أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك. مج «٢٢٤» قط «٨١» عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن سلام بن سلم عن حميد عنه. وقال قط: لم يروه عن حميد غير سلام هذا وهو سلام الطويل وهو ضعيف الحيدث. وأما قول صاحب «الزوائد» أن إسناده صحيح ورجاله ثقات وهذا خطأ منشأه عدم تتبع من خرج الحديث فراجع لذلك التلعيق على «المحلى» «٢/ ٢٠٦» وقد أخرجه ابن حزم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «تنتظر النفساء أربعين ليلة فإن رأت الطهر قبل ذلك فهي طاهر وإن جاوزت الأربعين فهي بمنزلة المستحاضة تغتسل وتصلي فإن غلبها الدم توضأت لكل صلاة» قط «٨١» مس «١٧٦» من طريق عمرو بن الحصين: ثنا محمد بن عبد الله بن علاثة عن عبدة بن أبي لبابة عن عبد الله بن باباه عنه. وقال قط: عمرو بن الحصين وابن علاثة ضعيفان متروكان.
عن معاذ بن جبل مرفوعا: «إذا مضى للنفساء سبع ثم رأت الطهر فلتغتسل ولتصل».
قط «٨٢» عن عبد السلام بن محمد الحمصي ولقبه سليم: ثنا بقية بن الوليد: أنا علي بن علي عن الأسود عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عنه به. قال سليم: فلقيت علي بن علي عن الأسود عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عنه مثله.
стр. 470
الأسود هو ابن ثعلبة شامي.
قلت: ورواه الحاكم «١/ ١٧٦» من هذا الوجه لكنه قال: ثنا بقية بن الوليد: أخبرني الأسود بن ثعلبة به.
فلا أدري أهكذا الرواية عنده أم سقط من نسختنا ذكر علي بن علي. ثم ليس عنده الإسناد الثاني ثم قال:
«وقد استشهد مسلم ببقية بن الوليد وأما الأسود بن ثعلبة فإنه شامي معروف» كذا قال ووافقه الذهبي مع أنه يقول في ترجمته من «الميزان»: «لا يعرف» قاله ابن المديني. وفي «التقريب»: «مجهول».
قال الشوكاني «١/ ٢٤٧»: «والأدلة الدالة على أن أكثر النفاس أربعون يوما متعاضدة بالسنة إلى حد الصلاحية والاعتبار فالمصير إليها متعين فالواجب على النفساء وقوف أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك كما دلت على ذلك الأحاديث السابقة».
وقال الترمذي «٢٥٨»:
«وقد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فإنها تغتسل وتصلي. فإذا رأت الدم بعد الأربعين فإن أكثر أهل العلم قالوا: لا تدع الصلاة بعد الأربعين وهو قول أكثر الفقهاء وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق».
قلت: وما ذكره عن الشافعي هو قول له وإلا فالمشهور المذكور في كتب أصحابه أن أكثر النفاس ستون يوما. وحكاه الترمذي عن عطاء بن أبي رباح والشعبي.
[الثمر المستطاب (١/ ٤٧)].
стр. 471
النفاس كالحيض في جميع ما يحل ويحرم
واعلم أن النفاس كالحيض في جميع ما يحل ويحرم ويكره ويندب وقد نقل الإجماع في ذلك الشوكاني «٢٤٨» عن «البحر». وقد أجمعوا أن الحائض لا تصلي فكذلك النفساء.
[الثمر المستطاب (١/ ٥٠)].
المرأة إذا أسقطت، فهل يُعَد الدم الذي ينزل منها دم نفاس أم لا ؟
مداخلة: بالنسبة للمرأة إذا أسقطت، فهل يُعَد الدم الذي يسيل منها دم نفاس أم لا؟
الشيخ: -طبعاً- هو دم نفاس، هو دم نفاس، ولا تطهر حتى ترى القصة البيضاء.
مداخلة: يعتبر دم نفاس.
الشيخ: نعم.
(الهدى والنور / ١٦٠/ ١٣: ٠٩: ٠٠)
الدم الذي ينزل بسبب إسقاط الجنين
مداخلة: [حكم الدم النازل] بسبب الإسقاط، وما حكم الدم الذي يكون قبيل الإسقاط ربما بيوم أو يومين؟
الشيخ: ما دام أسقطت فهي نفساء فلا تصوم ولا تصلي، أما قبل ذلك فالدم الذي يرى قبل الولادة وقبل العادة، فكلاهما لا يمنع المرأة من صلاة أو صيام.
(لقاءات المدينة لعام ١٤٠٨ هـ (٧) /٠٠: ٠٠: ٠٠)
стр. 472
ما حكم الدم الذي ينزل من المرأة قبل الوضع بفترة قليلة
مداخلة: ما حكم الدم الذي ينزل من المرأة قبل الوضع بفترة قليلة، هل هو من دم النفاس أم أنها استحاضة؟
الشيخ: استحاضة، دم النفاس بعد الولادة.
(أسئلة وفتاوى الإمارات - ١٠/ ٠٠: ١٣: ٣٣)
стр. 473
جامع تراث العلامة الألباني في الفقه
صَنَعَهُ
د. شادي بن محمد بن سالم آل نعمان
المجلد الثاني
[الصلاة وفضلها وحكم تاركها-كتاب الصلوات الخمس -كتاب السنن-كتاب أذكار الصلاة-كتاب الأذان والإقامة]
стр. 474
الصلاة وفضلها
стр. 475
الصلاة أحد الأركان الخمسة
هي أحد الأركان الخمسة: «بني الإسلام على خمس» ... الحديث «متفق عليه». وفيه حديث: «لا أزيد عليهن ولا أنقص».
[الثمر المستطاب «١/ ٥١»]
فرضت الصلاة أولا خمسين ثم جعلت خمسًا
وفرضت أولا خمسين ثم جعلت خمسا: أنس بن مالك: فرضت على النبي ﷺ الصلوات ليلة أسري به خمسين ثم نقصت حتى جعلت خمسين. ت «١/ ٤١٧» وصححه وحم «٣/ ١٦١»: ثنا عبد الرزاق: نا معمر عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك به. وهذا سند صحيح على شرط الشيخين وهو عندهما طرف من حديث الإسراء الطويل بنحوه.
[الثمر المستطاب «١/ ٥١»].
يجوز لولاة الأمر أن يقبلوا إسلام الكافر ولولم يرض بإقامة كل الصلوات الخمس
ويجوز لولاة الأمر أن يقبلوا إسلام الكافر ولولم يرض بإقامة كل الصلوات الخمس: نصر بن عاصم الليثي عن رجل منهم:
أنه أتى النبي ﷺ فأسلم على أنه لا يصلي إلا صلاتين فقبل ذلك منه. حم «٥/ ٢٤ - ٢٥ و ٣٦٣» من طريق شعبة عن قتادة عنه.
وهذا سند صحيح على شرط مسلم. وفيه أحاديث.
[الثمر المستطاب «١/ ٥١»]
стр. 476
فرضت الصلاة أولًا ركعتين ركعتين إلا المغرب ثم زيدت في الحضر إلا الصبح وتركت على ما هي عليه في السفر
وفرضت أولا ركعتين ركعتين إلا المغرب ثم زيدت في الحضر إلا الصبح وتركت على ما هي عليه في السفر قالت عائشة:
قد فرضت الصلاة ركعتين ركعتين بمكة فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب فإنها وتر النهار وصلاة الفجر لطول قراءتهما قال: وكان إذا سافر صلى الصلاة الأولى. حم «٦/ ٢٤١ و ٢٦٥» عن داود بن أبي هند عن الشعبي عنها. وهذا بسند صحيح على شرط مسلم. وله عنده «٦/ ٢٧٢» طريق أخرى عنها بنحوه وسنده حسن. وأصله في البخاري ومسلم مختصرا دون ذكر الصبح والمغرب. ولا يعارض هذا حديث ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة. مسلم «٢/ ١٤٣» وغيره فإن هذا إخبار عن ما استقر عليه الأمر.
[الثمر المستطاب «١/ ٥١»].
صلاح العمل وفساده بصلاح الصلاة وفسادها
[قال رسول الله ﷺ ]: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح له سائر عمله وإن فسدت فسد سائر عمله».
[ترجم له الإمام بقوله: صلاح العمل وفساده بصلاح الصلاة وفسادها].
السلسلة الصحيحة «٣/ ٣٤٣».
تكفير الصلوات الخمس للذنوب كلها
[قال رسول الله ﷺ ]:
стр. 477
«أرأيت لو كان بفناء أحدكم نهر يجري يغتسل منه كل يوم خمس مرات، ما كان يبقى من درنه؟ قالوا: لا شيء، قال: إن الصلوات تذهب الذنوب كما يذهب الماء الدرن».
ترجم له الإمام بقوله: تكفير الصلوات الخمس للذنوب كلها.
السلسلة الصحيحة «٤/ ١٥٠».
غفران الذنوب صغيرها وكبيرها للمحافظين على الصلوات الخمس والجمع
وعن أبى هريرة أيضاً ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارةٌ لما بينهن ما لم تغش الكبائر». «صحيح».
رواه مسلم والترمذي وغيرهما.
قال الألباني: أي ما لم يؤت، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في «شرح مسلم»: «معناه أن الذنوب كلها تغفر إلا الكبائر، فإنها لا تغفر، وليس المراد أن الذنوب تغفر ما لم تكن كبيرة، فإن كان لا يغفر شئ من الصغائر، فإن هذا وإن كان محتملاً فسياق الحديث يأباه».
قال القاضي عياض ﵀: هذا المذكور في الحديث من غفران الذنوب ما لم تؤت كبيرة هو مذهب أهل السنة، وأن الكبائر إنما تكفرها التوبة، أو رحمة الله تعالى وفضله، والله أعلم.
قلت: هذا الحصر ينافي الاستفهام التقريري في الحديث الذي قبله: «هل يبقى من درنه شيء؟ » كما هو ظاهر؛ فإنه لا يمكن تفسيره على أن المراد به الدرن الصغير، فلا يبقى منه شيء، وأما الدرن الكبير فيبقى كله كما هو، فإن تفسير الحديث بهذا ضرب له في الصدر، كما لا يخفى.
وفي الباب أحاديث أخرى لا يمكن تفسيرها بالحصر المذكور، كقوله ﷺ :
стр. 478
«من حج فلم يرفث ولم يفسق؛ رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه». وسيأتي إن شاء الله تعالى.
فالذي يبدو لي -والله أعلم- أن الله تعالى زاد في تفضله على عباده، فوعد المصلين بأن يغفر لهم الذنوب جميعاً، وفيها الكبائر، بعد أن كانت المغفرة تكفر بمجرد اجتناب الكبائر، فالفضل الإلهي يقتضي أن تكون للصلاة وغيرها من العبادات فضيلة أخرى تتميز بها على فضيلة اجتناب الكبائر، ولا يبدو أن ذلك يكون إلا بأن تكسر الكبائر، والله أعلم.
ولكن ينبغي على المصلين أن لا يغتروا، فإن الفضيلة المذكورة لا شك أنه لا يستحقها إلا من أقام الصلاة، وأتمها وأحسن أداءها كما أمر، وهذا صريح في حديث أبي أيوب المتقدم «٤ - طهارة/آخر الباب ٧»: «من توضأ كما أمر، وصلى كما أمر، غفر له ما تقدم من عمل».
وأنى لجماهير المصلين أن يحققوا الأمرين المذكورين، ليستحقوا مغفرة الله وفضله العظيم، فليس لنا إلا أن ندعو الله أن يعاملنا برحمته، وليس بما نستحقه من أعمالنا.
«التعليق على الترغيب والترهيب ١/ ١٨٨»
стр. 479
حكم تارك الصلاة
стр. 480
حديثُ الشفاعة
وأنَّها تشملُ تاركي الصلاةِ منَ المسلمين
[قال رسول الله ﷺ ]: «إذا خَلصَ المؤمنونَ من النار وأَمِنُوا؛ فوالذي نفسي بيده! ما مُجَادَلَةُ أحَدِكُم لصاحبِهِ في الحقِّ يكون له في الدنيا بأشدِّ من مجادلة المؤمنين لربِّهم في إخوانِهِمُ الذين أُدْخِلُوا النار. قال: يقولون: ربَّنا! إخوانُنَا كانوا يصلُّون معنا؛ ويصومون معنا؛ ويحُجُّون معنا؛ [ويُجاهدون معنا]؛ فأدخلتَهم النار. قال: فيقولُ: اذهَبُوا فأخرِجُوا من عَرَفْتُم منهم؛ فيأتُونهم؛ فَيَعْرفونَهُم بِصُورِهم؛ لا تأكلُ النار صُوَرَهُم؛ [لم تَغْشَ الوَجْهَ]؛ فَمِنْهم من أَخَذتْهُ النارُ إلى أنصافِ ساقَيْهِ؛ ومنهم من أخذته إلى كَعْبَيْه (١) [فَيُخرِجُونَ مِنْها بشراً كثيراً]؛ فيقولون: ربَّنا! قد أَخْرَجنا مَنْ أَمَرتنا. قال: ثم [يَعُودون فيتكلمون فـ] يقولُ: أَخْرِجُوا من كان في قلبهِ مِثقالُ دينارٍ من الإيمانِ. [فيُخرِجُون خلقاً كثيراً]، ثم [يقولون: ربَّنا! لم نَذَرْ فيها أحداً ممن أَمَرتَنا. ثم يقول: ارجعوا، فـ] من كان في قلبه وزنُ نصف دينارٍ [فأًخْرِجُوهُ. فيُخرِجونَ خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربَّنا! لم نَذَرْ فيها ممن أمرتنا ... ]؛ حتى يقول: أخرِجُوا من كان في قلبه مثقال ذَرَّةٍ. [فيخرجون خلقاً كثيراً]، قال أبو سعيد: فمن لم يُصّدِّقْ بهذا الحديث فليَقْرَأْ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] قال: فيقولون: ربنا! قد أَخْرَجْنا من أمرتنا؛ فلم يَبْقَ في النار أحدٌ فيه خيرٌ.
قال: ثم يقول الله: شفعَتِ الملائكة؛ وشَفَعَتِ الأنبياء؛ وشَفَعَ المؤمنون؛ وبَقِيَ أرحم الراحمين قال: فَيَقْبضُ قبضةً من النار -أو قال: قَبْضَتَينِ- ناساً لم يعملوا خيراً قَطُّ؛ قد احتَرَقُوا حتى صاروا حُمَماً. قال: فَيُؤْتَى بهم إلى ماء يُقالُ له: «الحياةُ»؛ فَيُصَبُّ عليهم؛ فَيَنْبُتُونَ كما تَنْبُتُ الحبَّةُ في حَمِيلِ السَّيلِ؛ [قد رَأَيْتُمُوها إلى جانب الصخرة؛ وإلى جانب الشجرة؛ فما كان إلى الشمس منها كان أخضر؛ وما كان منها إلى الظلِّ كان أبيض]؛ قال: فَيَخْرُجُونَ من أجسادِهِم مِثلَ
стр. 481
اللؤلؤِ؛ وفي أعناقهم الخاتمُ؛ «وفي رواية: الخواتِمُ»: عُتَقاءُ الله. قال: فيُقالُ لَهُمُ: ادخلوا الجنة؛ فما تمنَّيتمُ وَرَأيتُم من شيءٍ فهو لكُم [ومِثلُهُ مَعَهُ]. [فيقول أهل الجنة: هؤلاء عُتقاءُ الرحمن أَدْخَلَهُمُ الجنة بغيرِ عملٍ عَمِلُوهُ؛ ولا خيرٍ قَدَّمُوهُ]. قال: فيقولون: ربَّنا! أَعَطَيْتَنا ما لم تُعطِ أحداً من العالمين. قال: فيقول: فإن لكم عندي أفْضَلَ منه. فيقولون: ربَّنا! وما أَفْضَلُ من ذلكَ؟ [قال: ] فيقولُ: رِضائي عَنْكُم؛ فلا أَسْخَطُ عليكم أبداً».
[قال الإمام]:
أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» «١١/ ٤٠٩ - ٤١١»: أخبرنا معمر عن زيد ابن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره.
ومن طريق عبدالرزاق أخرجه أحمد «٣/ ٩٤»، والنسائي «٢/ ٢٧٠»، وابن ماجة «رقم ٦٠»، والترمذي «٢٥٩٨» - مختصراً- وابن خزيمة في «التوحيد» «ص ١٨٤، ٢٠١ و ٢١٢»؛ وابن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة رقم ٢٧٦» وتابعه محمد بن ثور عن معمر به؛ لم يسق لفظه؛ وإنما قال: بنحوه. يعني: حديث هشام بن سعد الآتي تخريجه.
أخرجه أبو عوانة.
وتابعه سعيد بن هلال عن زيد بن أسلم به أتم منه؛ وأوله: «هل تضارُّون في رؤية الشمس والقمر .. » الحديث بطوله. أخرجه البخاري «٧٤٣٩»، ومسلم «١/ ١١٤ - ١١٧»، وابن خزيمة أيضاً «ص ٢٠١» وابن حبان «٣٣٣ - الإحسان».
وحفص بن ميسرة عن زيد: أخرجه مسلم «١/ ١١٤ - ١١٧»، وكذا البخاري «٤٥٨١»؛ لكنه لم يسقه بتمامه؛ وكذا أبو عوانة «١/ ١٦٨ - ١٦٩». وهشام بن سعد عنه: أخرجه أبو عوانة «١/ ١٨١ - ١٨٣» بتمامه؛ وابن خزيمة «ص ٢٠٠»؛ والحاكم «٤/ ٥٨٢ - ٥٨٤» وصححه، وكذا مسلم «١/ ١١٧»؛ إلا أنه لم يسق لفظه، وإنما
стр. 482
أحال به على لفظ حديث حفص بن ميسرة نحوه. وتابع عطاء (١): سليمان بن عمرو بن عبيد العتواري- أحد بني ليث، وكان في حجر أبي سعيد- قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول ... فذكره نحوه مختصراً، وفيه الزيادة الثالثة.
أخرجه أحمد «٣/ ١١ - ١٢»، وابن خزيمة «ص ٢١١»، وابن أبي شيبة في «المصنف» «١٣/ ١٧٦/١٦٠٣٩»، وعنه ابن ماجه «٤٢٨٠»، وابن جرير في «التفسير» «١٦/ ٨٥»، ويحيى بن صاعد في «زوائد الزهد» «ص ٤٤٨/ ١٢٦٨»، والحاكم «٤/ ٥٨٥» وقال: «صحيح الإسناد على شرط مسلم»! وبيض له الذهبي، وإنما هو حسن فقط؛ لأن فيه محمد بن إسحاق، وقد صرح بالتحديث.
أقول- بعد تخريج الحديث هذا التخريج الذي قد لا تراه في مكان آخر، وبيان أنه متفق عليه بين الشيخين وغيرهما من أهل «الصحاح» و «السنن» و «المسانيد» -: فيه فوائد جمة عظيمة؛ منها شفاعة المؤمنين الصالحين في إخوانهم المصلين الذين أدخلوا النار بذنوبهم، ثم في غيرهم ممن هم دونهم على اختلاف قوة إيمانهم. ثم يتفضل الله ﵎ على من بقي في النار من المؤمنين، فيخرجهم من النار بغير عمل عملوه؛ ولا خير قدموه. ولقد توهم بعضهم أن المراد بالخير المنفي تجويز إخراج غير الموحدين من النار! قال الحافظ في «الفتح» «١٣/ ٤٢٩»:
«ورد ذلك بأن المراد بالخير المنفي ما زاد على أصل الإقرار بالشهادتين؛ كما تدل عليه بقية الأحاديث».
قلت: منها قوله ﷺ في حديث أنس الطويل في الشفاعة أيضاً: «فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع. فأقول: يا رب! ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله. فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله».
стр. 483
متفق عليه، وهو مخرج في «ظلال الجنة» «٢/ ٢٩٦/ رقم: ٨٢٨». وفي طريق أخرى عن أنس ﵁: « .. وفرغ الله من حساب الناس، وأدخل من بقي من أمتي النار، فيقول أهل النار: ما أغنى عنكم أنكم كنتم تعبدون الله لا تشركون بالله شيئاً؟ فيقول الجبار : فبعزتي لأعتقنهم من النار. فيرسل إليهم فيخرجون وقد امتحشوا، فيدخلون في نهر الحياة، فينبتون .. » الحديث.
أخرجه أحمد وغيره بسند صحيح، وهو مخرج في «الظلال» تحت الحديث «٨٤٤»، وله فيه شواهد «٨٤٢ - ٨٤٣»، وفي «الفتح» «١١/ ٤٥٥» شواهد أخرى. وفي الحديث رد على استنباط ابن أبي جمرة من قوله ﷺ فيه: «لم تغش الوجه»، ونحوه الحديث الآتي بعده: «إلا دارات الوجوه»: أن من كان مسلماً ولكنه كان لا يصلي لا يخرج؛ إذ لا علامة له! ولذلك تعقبه الحافظ بقوله «١١/ ٤٥٧»: «لكن يحمل على أنه يخرج في القبضة؛ لعموم قوله: «لم يعملوا خيراً قط»؛ وهو مذكور في حديث أبي سعيد الآتي في «التوحيد»، يعني هذا.
وقد فات الحافظ ﵀ أن في الحديث نَفْسِهِ تعقباً على ابن أبي جمرة من وجه آخر؛ وهو أن المؤمنين كما شفعهم الله في إخوانهم المصلين والصائمين وغيرهم في المرة الأولى، فأخرجوهم من النار بالعلامة، فلما شُفِّعوا في المرات الأخرى، وأخرجوا بشراً كثيراً؛ لم يكن فيهم مصلون بداهة، وإنما فيهم من الخير كل حسب إيمانه. وهذا ظاهر جداً لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى.
وعلى ذلك؛ فالحديث دليل قاطع على أن تارك الصلاة -إذا مات مسلماً يشهد أن لا إله إلا الله- لا يخلد في النار مع المشركين، ففيه دليل قوي جداً أنه داخل تحت مشيئة الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨] وقد روى الإمام أحمد في «مسنده» «٦/ ٢٤٠» حديثاً صريحاً في هذا من رواية عائشة ﵂ مرفوعاً بلفظ: «الدواوين عند الله ثلاثة .. » الحديث، وفيه: «فأما الديوان الذي لا يغفره الله؛ فالشرك بالله، قال الله : ﴿مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢].
стр. 484
وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً؛ فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه؛ من صوم يوم تركه؛ أو صلاة تركها؛ فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء .. «الحديث. وقد صححه الحاكم «٤/ ٥٧٦»، وهذا وإن كان غير مُسَلّمٍ عندي -لما بينته في «تخريج شرح الطحاوية» «رقم: ٣٨٤» - فإنه يشهد له هذا الحديث الصحيح: حديث الترجمة. فتنبه.
إذا عرفت ما سلف يا أخي المسلم! فإن عجبي حقاً لا يكاد ينتهي من إغفال جماهير المؤلفين الذين توسعوا في الكتابة في هذه المسألة الهامة؛ ألا وهي: هل يكفر تارك الصلاة كسلاً أم لا؟ لقد غفلوا جميعاً -فيما اطلعت- عن إيراد هذا الحديث الصحيح مع اتفاق الشيخين وغيرهما على صحته، لم يذكره من هو حجة له، ولم يجب عنه من هو حجة عليه، وبخاصة منهم الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، فإنه مع توسعه في سوق أدلة المختلفين في كتابه القيم: «الصلاة»، وجواب كل منهم عن أدلة مخالفه؛ فإنه لم يذكر هذا الحديث في أدلة المانعين من التكفير؛ إلا مختصراً اختصاراً مخلاً لا يظهر دلالته الصريحة على أن الشفاعة تشمل تارك الصلاة أيضاً، فقد قال ﵀: «وفي حديث الشفاعة: «يقول الله : وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله». وفيه: «فيخرج من النار من لم يعمل خيراً قط ... ».
قلت: وهذا السياق ملفق من حديثين؛ فالشطر الأول هو في آخر حديث أنس المتفق عليه؛ وقد سبق أن ذكرت «ص ١٣١» الطرف الأخير منه؛ والشطر الآخر هو في حديث الترجمة: «فيقبض قبضة من النار ناساً لم يعملوا لله خيراً قط ... ».
وأما أن اختصاره اختصار مخل؛ فهو واضح جداً إذا تذكرت أيها القارئ الكريم ما سبق أن استدركته على الحافظ «ص ١٣٢» متمماً به تعقيبه على ابن أبي جمرة؛ مما يدل على أن شفاعة المؤمنين كانت لغير المصلين في المرة الثانية وما بعدها؛ وأنهم أخرجوهم من النار؛ فهذا نص قاطع في المسألة؛ ينبغي أن يزول به النزاع في هذه المسألة بين أهل العلم الذين تجمعهم العقيدة الواحدة؛ التي منها: عدم تكفير
стр. 485
أهل الكبائر من الأمة المحمدية؛ وبخاصة في هذا الزمان الذي توسع فيهم بعض المنتمين إلى العلم في تكفير المسلمين؛ لإهمالهم القيام بما يجب عليهم عمله مع سلامة عقيدتهم؛ خلافاً للكفار الذين لا يصلون تديناً وعقيدة؛ والله يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِين، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون﴾ [القلم: ٣٥، ٣٦]؟ ! لما تقدم كنت أحب لابن القيم ﵀ أن لا يغفل ذكر هذا الحديث الصحيح كدليل صريح للمانعين من التكفير؛ وأن يجيب عنه إن كان لديه جواب؛ وبذلك يكون قد أعطى البحث والإنصاف للفريقين دون تحيز لفئة.
نعم؛ إنه لممّا يجب علي أن أنوه به أنه عقد فصلاً خاصاً «في الحكم بين الفريقين؛ وفصل الخطاب بين الطائفتين»؛ يساعد الباحث على تفهم نصوص الفريقين؛ فهماً صحيحاً؛ فإنه حقق فيه تحقيقاً رائعاً ما هو مسلم به عند العلماء؛ أنه ليس كل كفر يقع فيه المسلم يخرج به من الملة. فمن المفيد أن أقدم إلى القارئ فقرات أو خلاصات من كلامه تدل على مرامه؛ ثم أعقب عليه بما يلزم مما يلتقي مع هذا الحديث الصحيح؛ ويؤيد المذهب الرجيح.
لقد أفاد ﵀ أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود واعتقاد.
وأن كفر العمل ينقسم إلى ما يضاد الإيمان، وإلى ما لا يضاده، فالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه؛ يضاد الإيمان.
وأما الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة؛ فهو من الكفر العملي قطعاً.
«قلت: قد يكون ذلك من الكفر الاعتقادي أحياناً، وذلك إذا اقترن به ما يدل على فساد عقيدته؛ كاستهزائه بالصلاة والمصلين، وكإيثاره القتل على أن يصلي إذا دعاه الحاكم إليها، كما سيأتي، فتذكر هذا؛ فإنه مهم. ثم قال: » ولا يمكن أن يُنفى عنه اسم الكفر بعد أن أطلقه الله ورسوله عليه؛ ولكن هو كفر عمل لا كفر اعتقاد.
وقد نفى رسول الله ﷺ الإيمان عن الزاني، والسارق، وشارب الخمر، وعمن لا يأمن جاره بوائقه، وإذا نفى عنه اسم الإيمان؛ فهو كافر من جهة العمل، وانتفى
стр. 486
عنه كفر الجحود والاعتقاد.
«قلت: لكني أرى أنه لا يصح أن يطلق على أمثال هؤلاء لفظة الكفر؛ فيقال مثلاً: من زنى فقد كفر، فضلاً عن أنه لا يجوز أن يقال: فهو كافر، حتى على تارك الصلاة وعلى غيره ممن وصف في الحديث بالكفر، وقوفاً مع النص -ودفعاً لإيهام الوصف بالكفر الاعتقادي- ومن باب أولى أن لا يقال: كافر حلال الدم! قال بعد أن ذكر الحديث الصحيح: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»: ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية؛ كما لا يخرج الزاني والشارب من الملة، وإن زال عنه اسم الإيمان.
وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله، وبالإسلام والكفر ولوازمهما.
ثم ذكر الأثر المعروف عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون﴾ [المائدة: ٤٤]: ليس بالكفر الذي تذهبون إليه.
«قلت: زاد الحاكم: إنه ليس كفراً ينقل عن الملة، كفر دون كفر. وصححه هو «٢/ ٣١٣» والذهبي. وهذا قاصمة ظهر جماعة التكفير وأمثالهم من الغلاة. ثم قال ابن القيم ﵀»: والمقصود أن سلب الإيمان عن تارك الصلاة أولى من سلبه عن مرتكب الكبائر، وسلب اسم الإسلام عنه أولى من سلبه عمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده، فلا يسمى تارك الصلاة مسلماً ولا مؤمناً؛ وإن كان معه شعبة من شعب الإسلام والإيمان.
«قلت: نفي التسمية المذكورة عن تارك الصلاة فيه نظر؛ فقد سمى الله تعالى الفئة الباغية بالمؤمنة في الآية المعروفة: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ... ﴾ [الحجرات: ٩] مع قوله ﷺ في الحديث المتقدم: «وقتاله كفر»، فكما لم يلزم من وصف المسلم الباغي بالكفر نفي اسم المؤمن عنه فضلاً عن اسم المسلم، فكذلك تارك الصلاة؛ إلا إن كان يقصد بذلك أنه مسلم كامل، وذلك بعيد. قال»:
стр. 487
نعم، يبقى أن يقال: فهل ينفعه ما معه من الإيمان في عدم الخلود في النار؟ فيقال: ينفعه إن لم يكن المتروك شرطاً في صحة الباقي واعتباره، وإن كان المتروك شرطاً في اعتبار الباقي لم ينفعه.
فهل الصلاة شرط لصحة الإيمان؟ هذا سر المسألة. «قلت: ثم أشار إلى الأدلة التي كان ذكرها للفريق الأول المكفر، ثم قال: » وهي تدل على أنه لا يقبل من العبد شيء من أعماله إلا بفعل الصلاة.
«فأقول: يبدو لي جلياً أن ابن القيم ﵀ بعد بحثه القيم في التفريق بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي، وأن المسلم لا يخرج من الملة بكفر عملي؛ لم يستطع أن يحكم للفريق المكفر بترك الصلاة؛ مع الأدلة الكثيرة التي ساقها لهم؛ لأنها كلها لا تدل إلا على الكفر العملي. ولذلك لجأ أخيراً إلى أن يتساءل: هل ينفعه إيمانه؟ وهل الصلاة شرط لصحة الإيمان؟
وإن كل من تأمل في جوابه على هذا التساؤل يلاحظ أنه حاد عنه إلى القول بأن الأعمال الصالحة لا تقبل إلا بالصلاة، فأين الجواب عن كون الصلاة شرطاً لصحة الإيمان؟ أي: ليس فقط شرط كمال؛ فإن الأعمال الصالحة كلها شرط كمال عند أهل السنة؛ خلافاً للخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد أهل الكبائر في النار؛ مع تصريح الخوارج بتكفيرهم، فلو قال قائل بأن الصلاة شرط لصحة الإيمان، وأن تاركها مخلد في النار؛ فقد التقى مع الخوارج في بعض قولهم هذا، وأخطر من ذلك أنه خالف حديث الشفاعة هذا كما تقدم بيانه.
ولعل ابن القيم ﵀ بحيدته عن ذاك الجواب أراد أن يشعر القارئ بأهمية الصلاة في الإسلام من جهة؛ وأنه لا دليل على أنها شرط لصحة الإيمان من جهة أخرى.
وعليه؛ فتارك الصلاة كسلاً لا يكفر عنده إلا إذا اقترن مع تركه إياها ما يدل على أن كفره كفر اعتقادي، فهو في هذه الحالة فقط يكفر كفراً يخرج به من الملة؛ كما
стр. 488
تقدمت الإشارة بذلك مني. وهو ما يشعر به كلام ابن القيم في آخر هذا الفصل»؛ فإنه قال: «ومن العجب أن يقع الشك في كفر من أصر على تركها ودعي إلى فعلها على رؤوس الملأ، وهو يرى بارقة السيف على رأسه، ويشد للقتل، وعصبت عيناه، وقيل له: تصلي وإلا قتلناك؟ فيقول: اقتلوني ولا أصلي أبداً! » ..
قلت: وعلى مثل هذا المصر على الترك والامتناع عن الصلاة -مع تهديد الحاكم له بالقتل -يجب أن تحمل كل أدلة الفريق المكفر للتارك، وبذلك تجتمع أدلتهم مع أدلة المخالفين؛ ويلتقون على كلمة سواء: أن مجرد الترك لا يكفر؛ لأنه كفر عملي لا اعتقادي؛ كما تقدم عن ابن القيم، وهذا ما فعله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -أعني أنه حمل تلك الأدلة هذا الحمل- فقال في «مجموع الفتاوى» «٢٢/ ٤٨» -وقد سئل عن تارك الصلاة من غير عذر هل هو مسلم في تلك الحال؟ فأجاب ﵀ ببحث طويل ملئ علماً؛ لكن المهم منه الآن ما يتعلق منه بحديثنا هذا؛ فإنه بعد أن حكى أن تارك الصلاة يقتل عند جمهور العلماء: مالك والشافعي وأحمد؛ قال: «وإذا صبر حتى يقتل؛ فهل يقتل كافراً مرتداً؛ أو فاسقاً كفساق المسلمين؟ على قولين مشهورين حُكيا روايتين عن أحمد؛ فإن كان مقراً بالصلاة في الباطن معتقداً لوجوبها؛ يمتنع أن يصر على تركها حتى يقتل ولا يصلي، هذا لا يعرف من بني آدم وعادتهم، ولهذا لم يقع هذا قط في الإسلام، ولا يعرف أن أحداً يعتقد وجوبها، ويقال له: إن لم تصل وإلا قتلناك. وهو يصر على تركها مع إقراره بالوجوب، فهذا لم يقع قط في الإسلام».
ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل لم يكن في الباطن مقراً بوجوبها ولا ملتزماً بفعلها، فهذا كافر باتفاق المسلمين؛ كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا، ودلت عليه النصوص الصحيحة؛ كقوله ﷺ : «ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة». رواه مسلم ... فمن كان مصراً على تركها حتى يموت لا يسجد لله سجدة قط فهذا لا يكون قط مسلماً مقراً بوجوبها، فإن اعتقاد الوجوب، واعتقاد أن تاركها يستحق القتل؛ هذا داع تام إلى فعلها، والداعي مع القدرة يوجب وجود
стр. 489
المقدور، فإن كان قادراً ولم يصل قط؛ علم أن الداعي في حقه لم يوجد، والاعتقاد التام لعقاب التارك باعث على الفعل. لكن هذا قد يعارضه أحياناً أمور توجب تأخيرها، وترك بعض واجباتها، وتفويتها أحياناً. فأما من كان مصراً على تركها لا يصلي قط، ويموت على هذا الإصرار والترك؛ فهذا لا يكون مسلماً.
لكن أكثر الناس يصلون تارة، ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في «السنن»، حديث عبادة عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة؛ من حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عهد عند الله؛ إن شاء عذبه؛ وإن شاء غفر له» (١). فالمحافظ عليها: الذي يصليها في مواقيتها كما أمر الله تعالى.
والذي يؤخرها «الأصل: ليس يؤخرها» أحياناً عن وقتها، أو يترك واجباتها؛ فهذا تحت مشيئة الله تعالى. وقد يكون لهذا نوافل يكمل بها فرائضه كما جاء في الحديث (٢).
وعلى هذا المحمل يدل كلام الإمام أحمد أيضاً؛ الذي شهر عنه بعض أتباعه المتأخرين القول بتكفير تارك الصلاة دون تفصيل، وكلامه يدل على خلاف ذلك «بحيث لا يخالف هذا الحديث الصحيح، كيف وهو قد أخرجه في «مسنده» كما أخرج حديث عائشة بمعناه كما تقدم؟ ! فقد ذكر ابنه عبد الله في مسائله «٥٥» قال: «سألت أبي ﵀ عن ترك الصلاة متعمداً؟ قال: والذي يتركها لا يصليها، والذي يصليها في غير وقتها؛ أدعوه ثلاثاً؛ فإن صلى وإلا ضربت عنقه، هو عندي
стр. 490
بمنزلة المرتد .. ».
قلت: فهذا نص من الإمام أحمد بأنه لم يكفر بمجرد تركه للصلاة، وإنما بامتناعه من الصلاة مع علمه بأنه سيقتل إن لم يصل، فالسبب هو إيثاره القتل على الصلاة، فهو الذي دل على أن كفره كفر اعتقادي، فاستحق القتل.
ونحوه ما ذكره المجد ابن تيمية -جد شيخ الإسلام ابن تيمية- في كتابه «المحرر في الفقه الحنبلي» «ص ٦٢»: «ومن أخر صلاة تكاسلاً لا جحوداً أمر بها؛ فإن أصر حتى ضاق وقت الأخرى؛ وجب قتله».
قلت: فلم يكفر بالتأخير، وإنما بالإصرار المنبئ عن الجحود. ولذلك قال الإمام أبو جعفر الطحاوي ﵀ في «مشكل الآثار» في باب عقده في هذه المسألة، وحكى شيئاً من أدلة الفريقين، ثم اختار أنه لا يكفر؛ قال «٤/ ٢٢٨»: «والدليل على ذلك أنا نأمره أن يصلي، ولا نأمر كافراً أن يصلي، ولو كان بما كان منه كافراً لأمرناه بالإسلام؛ فإذا أسلم أمرناه بالصلاة؛ وفي تركنا لذلك وأمرنا إياه بالصلاة؛ ما قد دل على أنه من أهل الصلاة؛ ومن ذلك أمر النبي ﷺ الذي أفطر في رمضان يوماً متعمداً بالكفارة التي أمره بها وفيها الصيام؛ لا يكون الصيام إلا من المسلمين. ولما كان الرجل يكون مسلماً إذا أقر بالإسلام قبل أن يأتي بما يوجبه الإسلام من الصلوات الخمس؛ ومن صيام رمضان كان كذلك؛ ويكون كافراً بجحوده لذلك؛ ولا يكون كافراً بتركه إياه بغير جحود منه له؛ ولا يكون كافراً إلا من حيث كان مسلماً، وإسلامه كان بإقراره بالإسلام؛ فكذلك ردته لا تكون إلا بجحوده الإسلام».
قلت: وهذا فقه جيد، وكلام متين لا مرد له، وهو يلتقي تماماً مع ما تقدم من كلام الإمام أحمد ﵀ الدال على أنه لا يكفر بمجرد الترك؛ بل بامتناعه من الصلاة بعد دعائه إليها، وإن مما يؤكد ما حملت عليه كلام الإمام أحمد؛ ما جاء في كتاب «الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل» للشيخ علاء الدين المرداوي؛ قال ﵀ «١/ ٤٠٢» -كالشارح لقول
стр. 491
أحمد المتقدم آنفاً: «أدعوه ثلاثاً» -: «الداعي له هو الإمام أو نائبه، فلو ترك صلوات كثيرة قبل الدعاء لم يجب قتله، ولا يكفر على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم».
وممن اختار هذا المذهب أبو عبدالله بن بطة، كما ذكر ذلك الشيخ أبو الفرج عبدالرحمن بن قدامة المقدسي في كتابه «الشرح الكبير على المقنع» للإمام موفق الدين المقدسي «١/ ٣٨٥»، وزاد أنه أنكر قول من قال بكفره. قال أبو الفرج: «وهو قول أكثر الفقهاء؛ منهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي ... ». ثم استدل على ذلك بأحاديث كثيرة أكثرها عند ابن القيم، ومنها حديث عبادة المتقدم في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال عقبه: «ولو كان كافراً لم يدخله في المشيئة».
قلت: ويؤكد ذلك حديث الترجمة وحديث عائشة تأكيداً لا يدع لأحد شكاً أو شبهة، فلا تنسى. ثم قال أبو الفرج: «ولأن ذلك إجماع المسلمين؛ فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه، ولا مُنع ميراث مورِّثه، ولا فُرِّقَ بين زوجين لِتَرْكِ الصلاة من أحدهما -مع كثرة تاركي الصلاة- ولو كفر لثبتت هذه الأحكام، ولا نعلم خلافاً بين المسلمين أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها مع اختلافهم في المرتد (١). وأما الأحاديث المتقدمة «يعني: التي احتج بها المكفرون كحديث: «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة»؛ فهي على وجه التغليظ والتشبيه بالكفار لا على الحقيقة؛ كقوله ﷺ : «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» .. وأشباه هذه مما أريد به التشديد في الوعيد. قال شيخنا ﵀ «يعني: الموفق المقدسي»: وهذا أصوب القولين. والله أعلم».
قلت: ونقله الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب ﵏ في حاشيته على «المقنع» لابن قدامة «١/ ٩٥ - ٩٦» مقراً له.
ومع تصريح الإمام الشوكاني في «السيل الجرار» «١/ ٢٩٢» بتكفير تارك
стр. 492
الصلاة عمداً، وأنه يستحق القتل، ويجب على إمام المسلمين قتله؛ فقد بين في «نيل الأوطار» أنه لا يعني كفراً لا يغفر، فقال بعد أن حكى أقوال العلماء واختلافهم، وذكر شيئاً من أدلتهم «١/ ٢٥٤ - ٢٥٥»: والحق أنه كافر يقتل، أما كفره؛ فلأن الأحاديث صحت أن الشارع سمى تارك الصلاة بذلك الاسم «! » وجعل الحائل بين الرجل وبين جواز إطلاق هذا الاسم عليه هو الصلاة، فتركها مقتض لجواز الإطلاق.
ولا يلزمنا شيء من المعارضات التي أوردها الأولون؛ لأنا نقول: لا يمنع أن يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة واستحقاق الشفاعة؛ ككفر أهل القبلة ببعض الذنوب التي سماها الشارع كفراً. فلا مُلْجِئَ إلى التأويلات التي وقع الناس في مضيقها.
ولقد صدق ﵀. لكن ذهابه إلى جواز إطلاق اسم «الكافر» على تارك الصلاة؛ هو توسع غير محمود عندي، لأن الأحاديث التي أشار إليها ليس فيها الإطلاق المدعى، وإنما فيها: «فقد كفر»، وما أظن أن أحداً يستجيز له أن يشتق منه اسم فاعل فيقول فيه: «كافر»، إذن؛ لزمه أن يطلقه أيضاً على كل من قيل فيه: «كَفَر»؛ كالذي يحلف بغير الله، ومن قاتل مسلماً، أو تبرأ من نسب، ونحو ذلك مما جاء في الأحاديث.
نعم؛ لو صح ما رواه أبو يعلى وغيره عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ: «عُرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة؛ عليهن أسس الإسلام؛ من ترك واحدة منهن فهو بها كافر حلال الدم: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان».
أقول: لو صح هذا؛ لكان دليلاً واضحاً على جواز إطلاقه على تارك الصلاة، ولكنه لم يصح كما كنت بينته في «السلسلة الضعيفة» «٩٤».
والخلاصة؛ أن مجرد الترك لا يمكن أن يكون حجة لتكفير المسلم، وإنما هو فاسق، أمره إلى الله، إن شاء عذبه؛ وإن شاء غفر له، وحديث الترجمة نص صريح
стр. 493
في ذلك لا يسع مسلماً أن يرفضه.
وأن من دعي إلى الصلاة، وأنذر بالقتل؛ إن لم يستجب فقتل؛ فهو كافر يقيناً حلال الدم، لا يُصَلَّى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، فمن أطلق التكفير فهو مخطئ، ومن أطلق عدم التكفير فهو مخطئ، والصواب التفصيل.
فهذا الحق ليس به خفاءُ فدعني عن بنيات الطريق وبعد؛ فإن أخشى ما أخشاه أن يبادر بعض المتعصبين الجهلة إلى رد هذا الحديث الصحيح؛ لدلالته الصريحة على أن تارك الصلاة كسلاً مع الإيمان بوجوبها داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء؛ كما فعل بعضهم أخيراً بتاريخ «١٤٠٧ هـ»، فقد تعاون اثنان من طلاب العلم: أحدهما سعودي، والآخر مصري، فتعقباني في بعض الأحاديث من المئة الأولى من «سلسلة الأحاديث الصحيحة»؛ منها حديث حذيفة بن اليمان ﵁ المتقدم برقم «٨٧» ولفظه: «يَدْرُسُ الإسلام كما يَدْرُسُ وشْيُ الثوب حتى لا يُدرى ما صيام؛ ولا صلاة ولا نسك، ولا صدقة، ولَيُسْرَى على كتاب الله في ليلة؛ فلا يبقى منه آية، وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير، والعجوز؛ يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: «لا إله إلا الله»، فنحن نقولها».
قال صلة بن زفر لحذيفة: ما تغني عنهم «لا إله إلا الله» وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة؟ ! فأعرض عنه حذيفة، ثم رددها عليه ثلاثاً، كل ذلك يعرض عنه حذيفة. ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة! تنجيهم من النار «ثلاثاً».
قلت: فسوّدا في تضعيف هذا الحديث ثلاث صفحات كبار في الرد عليَّ لتصحيحي إياه، لم يجدا ما يتعلقان به لتضعيفه؛ إلا أنه من رواية أبي معاوية محمد بن خازم الضرير؛ بحجة أنه كان يرى الإرجاء! وأن الحديث موافق لبدعة الإرجاء! ! وهذا من الجهل البالغ، ولا مجال الآن لبيانه إلا مختصراً، فإن أبا معاوية مع كونه ثقة محتجاً به عند الشيخين؛ فإنه قد توبع من ثقة مثله، ثم إن الحديث لا صلة له
стр. 494
بالإرجاء مطلقاً، وهما إنما ادعيا ذلك لجهلهما بالعلم، وكيف يكون كذلك وقد صححه الحاكم والذهبي، وكذا ابن تيمية والعسقلاني والبوصيري؟ ! ولئن جاز في عقلهما أنهم كانوا في تصحيحهم إياه جميعاً مخطئين فهل وصل الأمر بهما أن يعتقدا بأنهم يصححون ما يؤيد الإرجاء؟ ! تالله إنها لإحدى الكبر؛ أن يتسلط على هذا العلم من لا يحسنه، وأن يضعف ما يصححه أهل العلم! وهذا الحديث الصحيح يستفاد منه؛ أن الجهل قد يبلغ ببعض الناس أنهم لا يعرفون من الإسلام إلا الشهادة، وهذا لا يعني أنهم يعرفون وجوب الصلاة وسائر الأركان ثم هم لا يقومون بها؛ كلا، ليس في الحديث شيء من ذلك، بل هم في ذلك ككثير من أهل البوادي والمسلمين حديثاً في بلاد الكفر لا يعرفون من الإسلام إلا الشهادتين، وقد يقع شيء من ذلك في بعض العواصم، فقد سألني أحدهم هاتفياً عن امرأة تزوجها، وكانت تصلي دون أن تغتسل من الجماع! وقريباً سألني إمام مسجد ينظر إلى نفسه أنه على شيء من العلم يسوغ له أن يخالف العلماء! سألني عن ابنه أنه كان يصلي جنباً بعد أن بلغ مبلغ الرجال واحتلم؛ لأنه كان لا يعلم وجوب الغسل من الجنابة! وقد قال ابن تيمية ﵀ في «مجموع الفتاوى» «٢٢/ ٤١»: «ومن علم أن محمداً رسول الله فآمن بذلك، ولم يعلم كثيراً مما جاء به؛ لم يعذبه الله على ما لم يبلغه؛ فإنه إذا لم يعذر على ترك الإيمان بعد البلوغ، فإنه [أن] لا يعذبه على بعض شرائطه إلا بعد البلوغ أولى وأحرى، وهذه سنة رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - المستفيضة عنه في أمثال ذلك».
ثم ذكر أمثلة طيبة؛ منها: المستحاضة؛ قالت: إني أستحاض حيضة شديدة تمنعني الصلاة والصوم؟ فأمرها بالصلاة زمن دوام الاستحاضة، ولم يأمرها بالقضاء.
قلت: وهذه المستحاضة هي فاطمة بنت أبي حبيش ﵂، وحديثها في «الصحيحين» وغيرهما، وهو مخرج في «صحيح أبي داود» «٢٨١».
ومثلها: أم حبيبة بنت جحش زوجة عبدالرحمن بن عوف، واستحيضت سبع سنين، وحديثها عند الشيخين أيضاً، وهو مخرج في «صحيح أبي داود»
стр. 495
أيضاً «٢٨٣».
وثمة ثالثة؛ وهي حمنة بنت جحش، وهي التي أشار إليها ابن تيمية؛ فإن في حديثها: «إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة؛ فما ترى فيها؛ قد منعتني الصلاة والصوم .. » الحديث. أخرجه أبو داود وغيره من أصحاب «السنن» بإسناد حسن، وصححه جمع، وهو مخرج في «صحيح أبي داود» «٢٩٣» و «الإرواء» «٨٨١».
هذا؛ وهناك نص آخر للإمام أحمد كان ينبغي أن يضم إلى ما سبق نقله عنه؛ لشديد ارتباطه به ودلالته أيضاً على أن تارك الصلاة لا يكفر بمجرد الترك، ولكن هكذا قُدِّر؛ قال عبد الله بن أحمد في «مسائله» «ص ٥٦/ ١٩٥»:
«سألت أبي عن رجل فرط في صلوات شهرين؟ فقال: يصلي ما كان في وقت يحضره ذكر تلك الصلوات؛ فلا يزال يصلي حتى يكون آخر وقت الصلاة التي ذكر فيها هذه الصلوات التي فرط فيها؛ فإنه يصلي هذه التي يخاف فوتها؛ ولا يضيع مرتين؛ ثم يعود فيصلي أيضاً حتى يخاف فوت الصلاة التي بعدها؛ إلا إن كثر عليه؛ ويكون ممن يطلب المعاش؛ ولا يقوى أن يأتي بها؛ فإنه يصلي حتى يحتاج إلى أن يطلب ما يقيمه من معاشه؛ ثم يعود إلى الصلاة؛ لا تجزئه صلاة وهو ذاكر الفرض المتقدم قبلها، فهو يعيدها أيضاً إذا ذكرها وهو في صلاة».
فانظر أيها القارئ الكريم! هل ترى في كلام الإمام أحمد هذا إلا ما يدل على ما سبق تحقيقه؛ أن المسلم لا يخرج من الإسلام بمجرد ترك الصلاة؛ بل صلوات شهرين متتابعين! بل وأذن له أن يؤجل قضاء بعضها لطلب المعاش.
وهذا عندي يدل على شيئين: أحدهما -وهو ما سبق-: أنه يبقى على إسلامه، ولو لم تبرأ ذمته بقضاء كل ما عليه من الفوائت.
والآخر: أن حكم القضاء دون حكم الأداء؛ لأنني لا أعتقد أن الإمام أحمد - بل ولا من هو دونه في العلم- يأذن بترك الصلاة حتى يخرج وقتها لعذر طلب المعاش. والله أعلم.