أحمد المتقدم آنفاً: «أدعوه ثلاثاً» -: «الداعي له هو الإمام أو نائبه، فلو ترك صلوات كثيرة قبل الدعاء لم يجب قتله، ولا يكفر على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم».
وممن اختار هذا المذهب أبو عبدالله بن بطة، كما ذكر ذلك الشيخ أبو الفرج عبدالرحمن بن قدامة المقدسي في كتابه «الشرح الكبير على المقنع» للإمام موفق الدين المقدسي «١/ ٣٨٥»، وزاد أنه أنكر قول من قال بكفره. قال أبو الفرج: «وهو قول أكثر الفقهاء؛ منهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي ... ». ثم استدل على ذلك بأحاديث كثيرة أكثرها عند ابن القيم، ومنها حديث عبادة المتقدم في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال عقبه: «ولو كان كافراً لم يدخله في المشيئة».
قلت: ويؤكد ذلك حديث الترجمة وحديث عائشة تأكيداً لا يدع لأحد شكاً أو شبهة، فلا تنسى. ثم قال أبو الفرج: «ولأن ذلك إجماع المسلمين؛ فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه، ولا مُنع ميراث مورِّثه، ولا فُرِّقَ بين زوجين لِتَرْكِ الصلاة من أحدهما -مع كثرة تاركي الصلاة- ولو كفر لثبتت هذه الأحكام، ولا نعلم خلافاً بين المسلمين أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها مع اختلافهم في المرتد (١). وأما الأحاديث المتقدمة «يعني: التي احتج بها المكفرون كحديث: «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة»؛ فهي على وجه التغليظ والتشبيه بالكفار لا على الحقيقة؛ كقوله ﷺ : «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» .. وأشباه هذه مما أريد به التشديد في الوعيد. قال شيخنا ﵀ «يعني: الموفق المقدسي»: وهذا أصوب القولين. والله أعلم».
قلت: ونقله الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب ﵏ في حاشيته على «المقنع» لابن قدامة «١/ ٩٥ - ٩٦» مقراً له.
ومع تصريح الإمام الشوكاني في «السيل الجرار» «١/ ٢٩٢» بتكفير تارك
стр. 492
الصلاة عمداً، وأنه يستحق القتل، ويجب على إمام المسلمين قتله؛ فقد بين في «نيل الأوطار» أنه لا يعني كفراً لا يغفر، فقال بعد أن حكى أقوال العلماء واختلافهم، وذكر شيئاً من أدلتهم «١/ ٢٥٤ - ٢٥٥»: والحق أنه كافر يقتل، أما كفره؛ فلأن الأحاديث صحت أن الشارع سمى تارك الصلاة بذلك الاسم «! » وجعل الحائل بين الرجل وبين جواز إطلاق هذا الاسم عليه هو الصلاة، فتركها مقتض لجواز الإطلاق.
ولا يلزمنا شيء من المعارضات التي أوردها الأولون؛ لأنا نقول: لا يمنع أن يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة واستحقاق الشفاعة؛ ككفر أهل القبلة ببعض الذنوب التي سماها الشارع كفراً. فلا مُلْجِئَ إلى التأويلات التي وقع الناس في مضيقها.
ولقد صدق ﵀. لكن ذهابه إلى جواز إطلاق اسم «الكافر» على تارك الصلاة؛ هو توسع غير محمود عندي، لأن الأحاديث التي أشار إليها ليس فيها الإطلاق المدعى، وإنما فيها: «فقد كفر»، وما أظن أن أحداً يستجيز له أن يشتق منه اسم فاعل فيقول فيه: «كافر»، إذن؛ لزمه أن يطلقه أيضاً على كل من قيل فيه: «كَفَر»؛ كالذي يحلف بغير الله، ومن قاتل مسلماً، أو تبرأ من نسب، ونحو ذلك مما جاء في الأحاديث.
نعم؛ لو صح ما رواه أبو يعلى وغيره عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ: «عُرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة؛ عليهن أسس الإسلام؛ من ترك واحدة منهن فهو بها كافر حلال الدم: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان».
أقول: لو صح هذا؛ لكان دليلاً واضحاً على جواز إطلاقه على تارك الصلاة، ولكنه لم يصح كما كنت بينته في «السلسلة الضعيفة» «٩٤».
والخلاصة؛ أن مجرد الترك لا يمكن أن يكون حجة لتكفير المسلم، وإنما هو فاسق، أمره إلى الله، إن شاء عذبه؛ وإن شاء غفر له، وحديث الترجمة نص صريح
стр. 493
في ذلك لا يسع مسلماً أن يرفضه.
وأن من دعي إلى الصلاة، وأنذر بالقتل؛ إن لم يستجب فقتل؛ فهو كافر يقيناً حلال الدم، لا يُصَلَّى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، فمن أطلق التكفير فهو مخطئ، ومن أطلق عدم التكفير فهو مخطئ، والصواب التفصيل.
فهذا الحق ليس به خفاءُ فدعني عن بنيات الطريق وبعد؛ فإن أخشى ما أخشاه أن يبادر بعض المتعصبين الجهلة إلى رد هذا الحديث الصحيح؛ لدلالته الصريحة على أن تارك الصلاة كسلاً مع الإيمان بوجوبها داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء؛ كما فعل بعضهم أخيراً بتاريخ «١٤٠٧ هـ»، فقد تعاون اثنان من طلاب العلم: أحدهما سعودي، والآخر مصري، فتعقباني في بعض الأحاديث من المئة الأولى من «سلسلة الأحاديث الصحيحة»؛ منها حديث حذيفة بن اليمان ﵁ المتقدم برقم «٨٧» ولفظه: «يَدْرُسُ الإسلام كما يَدْرُسُ وشْيُ الثوب حتى لا يُدرى ما صيام؛ ولا صلاة ولا نسك، ولا صدقة، ولَيُسْرَى على كتاب الله في ليلة؛ فلا يبقى منه آية، وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير، والعجوز؛ يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: «لا إله إلا الله»، فنحن نقولها».
قال صلة بن زفر لحذيفة: ما تغني عنهم «لا إله إلا الله» وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة؟ ! فأعرض عنه حذيفة، ثم رددها عليه ثلاثاً، كل ذلك يعرض عنه حذيفة. ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة! تنجيهم من النار «ثلاثاً».
قلت: فسوّدا في تضعيف هذا الحديث ثلاث صفحات كبار في الرد عليَّ لتصحيحي إياه، لم يجدا ما يتعلقان به لتضعيفه؛ إلا أنه من رواية أبي معاوية محمد بن خازم الضرير؛ بحجة أنه كان يرى الإرجاء! وأن الحديث موافق لبدعة الإرجاء! ! وهذا من الجهل البالغ، ولا مجال الآن لبيانه إلا مختصراً، فإن أبا معاوية مع كونه ثقة محتجاً به عند الشيخين؛ فإنه قد توبع من ثقة مثله، ثم إن الحديث لا صلة له
стр. 494
بالإرجاء مطلقاً، وهما إنما ادعيا ذلك لجهلهما بالعلم، وكيف يكون كذلك وقد صححه الحاكم والذهبي، وكذا ابن تيمية والعسقلاني والبوصيري؟ ! ولئن جاز في عقلهما أنهم كانوا في تصحيحهم إياه جميعاً مخطئين فهل وصل الأمر بهما أن يعتقدا بأنهم يصححون ما يؤيد الإرجاء؟ ! تالله إنها لإحدى الكبر؛ أن يتسلط على هذا العلم من لا يحسنه، وأن يضعف ما يصححه أهل العلم! وهذا الحديث الصحيح يستفاد منه؛ أن الجهل قد يبلغ ببعض الناس أنهم لا يعرفون من الإسلام إلا الشهادة، وهذا لا يعني أنهم يعرفون وجوب الصلاة وسائر الأركان ثم هم لا يقومون بها؛ كلا، ليس في الحديث شيء من ذلك، بل هم في ذلك ككثير من أهل البوادي والمسلمين حديثاً في بلاد الكفر لا يعرفون من الإسلام إلا الشهادتين، وقد يقع شيء من ذلك في بعض العواصم، فقد سألني أحدهم هاتفياً عن امرأة تزوجها، وكانت تصلي دون أن تغتسل من الجماع! وقريباً سألني إمام مسجد ينظر إلى نفسه أنه على شيء من العلم يسوغ له أن يخالف العلماء! سألني عن ابنه أنه كان يصلي جنباً بعد أن بلغ مبلغ الرجال واحتلم؛ لأنه كان لا يعلم وجوب الغسل من الجنابة! وقد قال ابن تيمية ﵀ في «مجموع الفتاوى» «٢٢/ ٤١»: «ومن علم أن محمداً رسول الله فآمن بذلك، ولم يعلم كثيراً مما جاء به؛ لم يعذبه الله على ما لم يبلغه؛ فإنه إذا لم يعذر على ترك الإيمان بعد البلوغ، فإنه [أن] لا يعذبه على بعض شرائطه إلا بعد البلوغ أولى وأحرى، وهذه سنة رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - المستفيضة عنه في أمثال ذلك».
ثم ذكر أمثلة طيبة؛ منها: المستحاضة؛ قالت: إني أستحاض حيضة شديدة تمنعني الصلاة والصوم؟ فأمرها بالصلاة زمن دوام الاستحاضة، ولم يأمرها بالقضاء.
قلت: وهذه المستحاضة هي فاطمة بنت أبي حبيش ﵂، وحديثها في «الصحيحين» وغيرهما، وهو مخرج في «صحيح أبي داود» «٢٨١».
ومثلها: أم حبيبة بنت جحش زوجة عبدالرحمن بن عوف، واستحيضت سبع سنين، وحديثها عند الشيخين أيضاً، وهو مخرج في «صحيح أبي داود»
стр. 495
أيضاً «٢٨٣».
وثمة ثالثة؛ وهي حمنة بنت جحش، وهي التي أشار إليها ابن تيمية؛ فإن في حديثها: «إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة؛ فما ترى فيها؛ قد منعتني الصلاة والصوم .. » الحديث. أخرجه أبو داود وغيره من أصحاب «السنن» بإسناد حسن، وصححه جمع، وهو مخرج في «صحيح أبي داود» «٢٩٣» و «الإرواء» «٨٨١».
هذا؛ وهناك نص آخر للإمام أحمد كان ينبغي أن يضم إلى ما سبق نقله عنه؛ لشديد ارتباطه به ودلالته أيضاً على أن تارك الصلاة لا يكفر بمجرد الترك، ولكن هكذا قُدِّر؛ قال عبد الله بن أحمد في «مسائله» «ص ٥٦/ ١٩٥»:
«سألت أبي عن رجل فرط في صلوات شهرين؟ فقال: يصلي ما كان في وقت يحضره ذكر تلك الصلوات؛ فلا يزال يصلي حتى يكون آخر وقت الصلاة التي ذكر فيها هذه الصلوات التي فرط فيها؛ فإنه يصلي هذه التي يخاف فوتها؛ ولا يضيع مرتين؛ ثم يعود فيصلي أيضاً حتى يخاف فوت الصلاة التي بعدها؛ إلا إن كثر عليه؛ ويكون ممن يطلب المعاش؛ ولا يقوى أن يأتي بها؛ فإنه يصلي حتى يحتاج إلى أن يطلب ما يقيمه من معاشه؛ ثم يعود إلى الصلاة؛ لا تجزئه صلاة وهو ذاكر الفرض المتقدم قبلها، فهو يعيدها أيضاً إذا ذكرها وهو في صلاة».
فانظر أيها القارئ الكريم! هل ترى في كلام الإمام أحمد هذا إلا ما يدل على ما سبق تحقيقه؛ أن المسلم لا يخرج من الإسلام بمجرد ترك الصلاة؛ بل صلوات شهرين متتابعين! بل وأذن له أن يؤجل قضاء بعضها لطلب المعاش.
وهذا عندي يدل على شيئين: أحدهما -وهو ما سبق-: أنه يبقى على إسلامه، ولو لم تبرأ ذمته بقضاء كل ما عليه من الفوائت.
والآخر: أن حكم القضاء دون حكم الأداء؛ لأنني لا أعتقد أن الإمام أحمد - بل ولا من هو دونه في العلم- يأذن بترك الصلاة حتى يخرج وقتها لعذر طلب المعاش. والله أعلم.
стр. 496
واعلم أخي المسلم! أن هذه الرواية عن الإمام أحمد -وما في معناها- هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه كل مسلم لذات نفسه أولاً؛ ولخصوص الإمام أحمد.
ثانياً؛ لقوله ﵀: «إذا صح الحديث فهو مذهبي»؛ وبخاصة أن الأقوال الأخرى المروية عنه على خلاف ما تقدم مضطربة جداً؛ كما تراها في كتاب «الإنصاف» «١٠/ ٣٢٧ - ٣٢٨» وغيره من الكتب المعتمدة؛ ومع اضطرابها؛ فليس في شيء منها التصريح بأن المسلم يكفر بمجرد ترك الصلاة؛ وإذ الأمر كذلك؛ فيجب حمل الروايات المطلقة عنه على الروايات المقيدة والمبنية لمراده ﵀؛ وهي ما تقدم نقله عن ابنه عبد الله.
ولو فرضنا أن هناك رواية صريحة عنه في التكفير بمجرد الترك؛ وجب تركها والتمسك بالروايات الأخرى؛ لموافقتها لهذا الحديث الصحيح الصريح في خروج تارك الصلاة من النار بإيمانه ولو مقدار ذرة. وبهذا صرح كثير من كبار علماء الحنابلة المحققين؛ كابن قدامة المقدسي -كما تقدم في نقل أبي الفرج عنه- ونص كلام ابن قدامة: «وإن ترك شيئاً من العبادات الخمس تهاوناً؛ لم يكفر».
كذا في كتابه «المقنع»، ونحوه في «المغني» «٢/ ٢٩٨ - ٣٠٢» في بحث طويل له؛ ذكر الخلاف فيه وأدلة كل فريق؛ ثم انتهى إلى هذا الذي في «المقنع»؛ وهو الحق الذي لاريب فيه؛ وعليه مؤلف «الشرح الكبير» و «الإنصاف» كما تقدم وإذا عرفت الصحيح من قول أحمد؛ فلا يرد عليه ما ذكره السبكي في ترجمة الإمام الشافعي؛ من «طبقات الشافعية الكبرى» «١/ ٢٢٠»، قال: «حكي أن أحمد ناظر الشافعي في تارك الصلاة؛ فقال له الشافعي: يا أحمد! تقول: إنه يكفر؟ قال: نعم. قال: إذا كان كافراً فبم يسلم؟ قال: يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. قال: فالرجل مستديم لهذا القول لم يتركه! ! قال: يسلم بأن يصلي. قال: صلاة الكافر لا تصح ولا يحكم بالإسلام بها. فانقطع أحمد وسكت».
فأقول: لا يرد هذا على أحمد ﵀ لأمرين:
стр. 497
أحدهما: أن الحكاية لا تثبت، وقد أشار إلى ذلك السبكي ﵀ بتصديره إياها بقوله: «حُكي»، فهي منقطعة. والآخر: أنه ذكر بناءً على القول بأن أحمد يكفر المسلم بمجرد ترك الصلاة؛ وهذا لم يثبت عنه كما تقدم بيانه؛ وإنما يرد هذا على بعض المشايخ الذين لا يزالون يقولون بالتكفير بمجرد الترك! وأملي أنهم سيرجعون عنه بعد أن يقفوا على هذا الحديث الصحيح؛ وعلى قول أحمد وغيره من كبار أئمة الحنابلة الموافق له؛ فإنه لا يجوز تكفير المسلم الموحد بعمل يصدر منه؛ حتى يتبين منه أنه جاحد ولو بعض ما شرع الله؛ كالذي يدعى إلى الصلاة فإن استجاب وإلا قتل كما تقدم. ويعجبني بهذه المناسبة ما نقله الحافظ في «الفتح» «١٢/ ٣٠٠» عن الغزالي أنه قال:
«والذي ينبغي الاحتراز منه: التكفير؛ ما وجد إليه سبيلاً، فإن استباحة دماء المسلمين المقرِّين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم لمسلم واحد».
هذا؛ وقد بلغني أن بعضهم لما أُوِقف على هذا الحديث؛ شك في دلالته على نجاة المسلم التارك للصلاة من الخلود في النار مع الكفار، وزعم أنه ليس له ذكر في كل الدفعات التي أخرجت من النار. وهذه مكابرة عجيبة تذكرنا بمكابرة متعصبة المذاهب في رد دلالات النصوص انتصاراً للمذهب، فإن الحديث صريح في أن الدفعة الأولى شملت المصلين بعلامة أن النار لم تأكل وجوههم، فما بعدها من الدفعات ليس فيها مصلون بداهة، فإن لم ينفع مثل هذا بعض المقلدين الجامدين؛ فليس لنا إلا أن نقول: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِين﴾.
«تنبيه»: ابن قدامة ﵀ من جملة الذين فاتهم الاستدلال بهذا الحديث الصحيح للمذهب الصحيح في عدم تكفير تارك الصلاة كسلاً. لكن العجيب أنه ذكر حديثاً آخر لو صح لكان قاطعاً للخلاف؛ لأن فيه أن مولى للأنصار مات وكان يصلي ويدع، ومع ذلك أمر ﷺ بغسله والصلاة عليه ودفنه، وهو وإن كان قد سكت عنه؛ فإنه قد أحسن بذكره مع إسناده من رواية الخلال، الأمر الذي مكنني
стр. 498
من دراسته والحكم عليه بما يستحق من الضعف والنكارة، ولذلك أودعته في الكتاب الآخر: «الضعيفة» «٦٠٣٦».
بعد كتابة ما تقدم بأيام أطلعني بعض إخواني على كتاب بعنوان هام: «فتح من العزيز الغفار بإثبات أن تارك الصلاة ليس من الكفار» تأليف عطاء بن عبد اللطيف بن أحمد، ففرحت به فرحاً كبيراً، وازداد سروري حينما قرأته، وتصفحت بعض فصوله، وتبين لي أسلوبه العلمي وطريقته في معالجة الأدلة المختلفة التي منها -بل هي أهمها- تخريج الأحاديث وتتبع طرقها وشواهدها، وتمييز صحيحها من ضعيفها؛ ليتسنى له بعد ذلك إسقاط ما لا يجوز الاشتغال به لضعفه، والاعتماد على ما ثبت منها، ثم الاستدلال به أو الجواب عنه، وهذا ما صنعه الأخ المؤلف جزاه الله خيراً؛ خلافاً لبعض المؤلفين الذي يحشرون كل ما يؤيدهم دون أن يتحروا الصحيح فقط؛ كما فعل الذين ردوا علي في مسألة وجه المرأة من المؤلفين في ذلك من السعوديين والمصريين وغيرهم. أما هذا الأخ «عطاء»؛ فقد سلك المنهج العلمي في الرد على المكفرين؛ فتتبع أدلتهم، وذكر ما لها وما عليها، ثم ذكر الأدلة المخالفة لها على المنهج نفسه، ووفق بينها وبين ما يخالفها بأسلوب رصين متين، وإن كان يصحبه أحياناً شيء من التساهل في التصحيح باعتبار الشواهد، ثم التكلف في التوفيق بينه وبين الأحاديث الصحيحة الدالة على عدم كفر تارك الصلاة؛ كما فعل في حديث أبي الدرداء في الصلاة: «فمن تركها فقد خرج من الملة». فإنه بعد أن تكلم عليه وبين ضعف إسناده؛ عاد فقواه بشواهده، وهي في الحقيقة شواهد قاصرة لا تنهض لتقوية هذا الحديث، ثم أغرب فتأول الخروج المذكور فيه بأنه خروج دون الخروج! ! وله غير ذلك من التساهل والتأويل؛ كالحديث المخرج في «الضعيفة» «٦٠٣٧».
والحق؛ أن كتابه نافع جداً في بابه؛ فقد جمع كل ما يتعلق به سلباً أو إيجاباً، قبولاً أو رفضاً؛ دون تعصب ظاهر منه لأحد أو على أحد، وأحسن ما فيه الفصل الأول من الباب الثاني؛ وهو كما قال: «في ذكر أدلة خاصة تدل على أن تارك الصلاة لا
стр. 499
يخرج من الملة»! وعدد أدلته المشار إليها «١٢» دليلاً، ولقد ظننت حين قرأت هذا العنوان في مقدمة كتابه أن منها حديث الشفاعة هذا؛ لأنه قاطع للنزاع كما سبق بيانه، ولكنه -مع الأسف- قد فاته كما فات غيره من المتقدمين على ما سلف ذكره.
غير أنه لابد لي من التنويه بدليل من أدلته لأهميته وغفلة المكفرين عنه؛ ألا وهو قوله ﷺ : «إن للإسلام صُوىً ومناراً كمنار الطريق .. » الحديث، وفيه ذكر التوحيد، والصلاة وغيرها من الأركان الخمسة المعروفة والواجبات، ثم قال ﷺ : «فمن انتقص مِنْهُنَّ شيئاً؛ فهو سهم من الإسلام تركه؛ ومن تركهن؛ فقد نبذ الإسلام وراءه».
وقد خرجه المومى إليه تخريجاً جيداً، وتتبع طرقه؛ وبين أن بعضه صحيح الإسناد، ثم بين دلالته الصريحة على عدم خروج تارك الصلاة من الملة. فراجعه وراجع الكتاب كله؛ إن كان عندك شك في المسألة.
وقد كنت خرجته قديماً برقم «٣٣٣» منذ أكثر من ثلاثين سنة، واستفاد هو منه -كما هو شأن المتأخر مع المتقدم- ولكنه لم يشر إلى ذلك أدنى إشارة، ولقد كان يحسن به ذلك؛ ولا سيما أنه خصني بالنقد في بعض الأحاديث، وذلك مما لا يضرني البتة؛ بل إنه لينفعني أصاب أم أخطأ، وليس الآن مجال تفصيل القول في ذلك.
والخلاصة؛ أن حديثنا هذا حديث الشفاعة حديث عظيم، ومن ذلك دلالته القاطعة على أن تارك الصلاة -مع إيمانه بوجوبها- لا يخرج من الملة، وأنه لا يخلد في النار مع الكفرة الفجرة.
ولذلك؛ فإني أرجو مخلصاً كل من وقف على هذا الحديث وغيره مما في معناه أن يتراجع عن تكفير المسلمين التاركين للصلاة مع إيمانهم بها، والموحدين لله ﵎؛ فإن تكفير المسلم أمر خطير جداً كما تقدم. وعليهم فقط أن يذكروا بعظمة منزلة الصلاة في الإسلام بما جاء في ذلك في الكتاب والأحاديث النبوية، والآثار السلفية الصحيحة، فإن الحكم قد خرج -مع الأسف- من أيدي العلماء، فهم
стр. 500
لذلك لا يستطيعون أن ينفذوا حكم الكفر والقتل في تارك واحد للصلاة؛ بله جمع من التاركين؛ ولو في دولتهم فضلاً عن الدول الإسلامية الأخرى! فإن قتل التارك للصلاة بعد دعوته إليها إنما كان لحكمة ظاهرة، وهو لعله يتوب إذا كان مؤمناً بها، فإذا آثر القتل عليها؛ دل ذلك على أن تركه كان عن جحد، فيموت -والحالة هذه- كافراً؛ كما تقدم عن ابن تيمية، فامتناعه منها في هذه الحالة دليل عملي على خروجه من الملة. وهذا مما لا سبيل إلى تحقيقه اليوم مع الأسف، فليقنع العلماء -إذن من الوجهة النظرية- على ما عليه جمهور أئمة المسلمين؛ بعدم تكفير تارك الصلاة مع إيمانه بها، وقد قدمنا الدليل القاطع على ذلك من السنة الصحيحة؛ فلا عذر لأحد بعد ذلك ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ [النور: ٦٣].
ثم طَبَعْتُ هذا البحث في رسالة خاصة بعنوان «حكم تارك الصلاة» فنفع الله بها من شاء من عباده، واستنكر بعض المؤلفين ما فيه من الحكم: أن تارك الصلاة كسلاً -مع إيمانه بها- ليس بكافر؛ لمخالفته إياه عقيدة، فهو بهذا الاعتبار مخالف له؛ وهو عمل قلبي؛ والله ضمن أن لا يضيعه؛ كما قال أبو سعيد في الحديث هذا: فمن لم يصدق بهذا الحديث؛ فليقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ... ﴾.
وبالنظر إلى تركه الصلاة فهو مشابه للكفار عملاً؛ الذين يتحسرون يوم القيامة؛ فيقولون وهم في سقر: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّين، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِين﴾ [المدثر: ٤٣، ٤٤] فكفره كفر عملي؛ لأنه عمل عمل الكفار؛ فهو كالتارك للزكاة؛ وقد صح الحديث أيضاً أن مانع الزكاة يعذب يوم القيامة بماله الذي كان منعه، ثم يساق إما إلى الجنة وإما إلى النار، ولكن المؤلف المشار إليه -هدانا الله وإياه- تأول هذا الحديث كما تأول حديث المانع للزكاة تأويلاً عطل دلالته الصريحة على ما ذهبنا إليه من الفرق بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي؛ مع أنه قد صح هذا عن ابن عباس وبعض تلامذته، وجرى عليه من بعدهم من أتباع السلف؛ كابن القيم وشيخه؛ كما
стр. 501
تقدم في هذا البحث؛ ومع ذلك لم يعرج عليه المومى إليه مطلقاً ولو لرده؛ ولا سبيل له إليه! والله يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِين، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون﴾ [القلم: ٣٥، ٣٦] وكذلك صرف المؤلف المذكور نظره عن حديث: «إن للإسلام صوى .. » الصريح في التفريق بين: «من ترك سهماً؛ فهو سهم من الإسلام تركه»؛ وبين «من ترك الأسهم كلها؛ فقد نبذ الإسلام كله»؛ فلم يتعرض له بجواب. ولا أستبعد أن يحاول تأويله أو تضعيفه؛ كما فعل بغيره من الأحاديث الصحيحة.
وبالجملة؛ فمجال الرد عليه واسع جداً، ولا أدري متى تسنح لي الفرصة للرد عليه، وبيان ما يؤخذ عليها فقهاً وحديثاً؟ وإن كنت أشكر له أدبه ولطفه وتبجيله لكاتب هذه الأحرف، ودفاعه عن عقيدة أهل الحديث في أن الإيمان يزيد وينقص؛ وإن كان قد اقترن به أحياناً شيء من الغلو والمخالفة؛ والاتهام بالإرجاء؛ مع أنه يعلم أنني أخالفهم مخالفة جذرية؛ فأقول: الإيمان يزيد وينقص؛ وإن الأعمال الصالحة من الإيمان، وإنه يجوز الاستثناء فيه؛ خلافاً للمرجئة، ومع ذلك رماني أكثر من مرة بالإرجاء! فقلب بذلك وصية النبي ﷺ : «وأتبع السيئة الحسنة تمحها .. »! فقلت: ما أشبه اليوم بالبارحة! فقد قال رجل لابن المبارك: «ما تقول فيمن يزني ويشرب الخمر؛ أمؤمن هو؟ قال: لا أخرجه من الإيمان. فقال الرجل: على كبر السن صرت مرجئاً! فقال له ابن المبارك: إن المرجئة لا تقبلني! أنا أقول: الإيمان يزيد وينقص. والمرجئة لا تقول ذلك. والمرجئة تقول: حسناتنا متقبلة. وأنا لا أعلم تُقبلت مني حسنة؟ وما أحوجك إلى أن تأخذ سبورة فتجالس العلماء». رواه ابن راهويه في «مسنده» «٣/ ٦٧٠ - ٦٧١».
قلت: ووجه المشابهة بين الاتهامين الظالمين هو الإشراك بالقول مع المرجئة في بعض ما يقوله المرجئة؛ أنا بقولي بعدم تكفير تارك الصلاة كسلاً؛ وابن المبارك في عدم تكفير مرتكب الكبيرة ولو أردت أن أقابله بالمثل لرميته بالخروج؛ لأن الخوارج يكفرون تارك الصلاة وبقية الأركان الأربعة! و ﴿أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ
стр. 502
مِنَ الْجَاهِلِين﴾.
«السلسلة الصحيحة» «٧/ ١/١٢٧ - ١٥٤».
باب منه
[قال رسول الله ﷺ ]:
«يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: «لا إله إلا الله» فنحن نقولها».
[قال الإمام]:
هذا وفي الحديث فائدة فقهية هامة، وهي أن شهادة أن لا إله إلا الله تنجي قائلها من الخلود في النار يوم القيامة، ولو كان لا يقوم بشيء من أركان الإسلام الخمسة الأخرى كالصلاة وغيرها، ومن المعلوم أن العلماء اختلفوا في حكم تارك الصلاة خاصة، مع إيمانه بمشروعيتها، فالجمهور على أنه لا يكفر بذلك، بل يفسق وذهب أحمد إلى أنه يكفر وأنه يقتل ردة، لا حداًّ، وقد صح عن الصحابة أنهم كانوا لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. رواه الترمذي والحاكم، وأنا أرى أن الصواب رأي الجمهور، وأن ما ورد عن الصحابة ليس نصا على أنهم كانوا يريدون بـ «الكفر» هنا الكفر الذي يخلد صاحبه في النار ولا يحتمل أن يغفره الله له، كيف ذلك وهذا حذيفة بن اليمان -وهو من كبار أولئك الصحابة- يرد على صلة بن زفر وهو يكاد يفهم الأمر على نحو فهم أحمد له، فيقول: «ما تغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة .... » فيجيبه حذيفة بعد إعراضه عنه: «يا صلة تنجيهم من النار. ثلاثاً».
فهذا نص من حذيفة ﵁ على أن تارك الصلاة، ومثلها بقية الأركان
стр. 503
ليس بكافر، بل هو مسلم ناج من الخلود في النار يوم القيامة، فاحفظ هذا فإنه قد لا تجده في غير هذا المكان.
وفي الحديث المرفوع ما يشهد له، ولعلنا نذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. ثم وقفت على «الفتاوى الحديثية» «٨٤/ ٢» للحافظ السخاوي، فرأيته يقول بعد أن ساق بعض الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة وهي مشهورة معروفة: «ولكن كل هذا إنما يحمل على ظاهره في حق تاركها جاحداً لوجودها مع كونه ممن نشأ بين المسلمين، لأنه يكون حينئذ كافراً مرتداًّ بإجماع المسلمين، فإن رجع إلى الإسلام قبل منه، وإلا قتل، وأما من تركها بلا عذر، بل تكاسلاً مع اعتقاد وجوبها، فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه لا يكفر، وأنه -على الصحيح أيضاً- بعد إخراج الصلاة الواحدة عن وقتها الضروري، كأن يترك الظهر مثلا حتى تغرب الشمس أو المغرب حتى يطلع الفجر- يستتاب كما يستتاب المرتد، ثم يقتل إن لم يتب، ويغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، مع إجراء سائر أحكام المسلمين عليه، ويؤول إطلاق الكفر عليه لكونه شارك الكافر في بعض أحكامه. وهو وجوب العمل، جمعا بين هذه النصوص وبين ما صح أيضاً عنهصأنه قال: «خمس صلوات كتبهن الله -» فذكر الحديث. وفيه: «إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له» وقال أيضا: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة» إلى غير ذلك. ولهذا لم يزل المسلمون يرثون تارك الصلاة ويورثونه ولو كان كافرا لم يغفر له، ولم يرث ولم يورث».
وقد ذكر نحو هذا الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله في «حاشيته على المقنع» «١/ ٩٥ - ٩٦» وختم البحث بقوله: «ولأن ذلك إجماع المسلمين، فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة، ترك تغسيله والصلاة عليه، ولا منع ميراث موروثه مع كثرة تاركي الصلاة، ولو كفر لثبتت هذه الأحكام، وأما الأحاديث المتقدمة، فهي على وجه التغليظ والتشبيه بالكفار لا على الحقيقة، كقوله ﵊: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»، وقوله «من حلف بغير
стр. 504
الله فقد أشرك» وغير ذلك. قال الموفق: «وهذا أصوب القولين».
أقول: نقلت هذا النص من «الحاشية» المذكورة، ليعلم بعض متعصبة الحنابلة، أن الذي ذهبت إليه، ليس رأيا لنا تفردنا به دون أهل العلم، بل هو مذهب جمهورهم، والمحققين من علماء الحنابلة أنفسهم، كالموفق هذا، وهو ابن قدامة المقدسي، وغيره، ففي ذلك حجة كافية على أولئك المتعصبة، تحملهم إن شاء الله تعالى، على ترك غلوائهم، والاعتدال في حكمهم.
بيد أن هنا دقيقة، قل من رأيته تنبه لها، أو نبه عليها، فوجب الكشف عنها وبيانها.
فأقول: إن التارك للصلاة كسلاً إنما يصح الحكم بإسلامه، ما دام لا يوجد هناك ما يكشف عن مكنون قلبه، أو يدل عليه، ومات على ذلك، قبل أن يستتاب كما هو الواقع في هذا الزمان، أما لو خير بين القتل والتوبة بالرجوع إلى المحافظة على الصلاة، فاختار القتل عليها، فقتل، فهو في هذه الحالة يموت كافرا، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا تجري عليه أحكامهم، خلافا لما سبق عن السخاوي لأنه لا يعقل -لو كان غير جاحد لها في قلبه- أن يختار القتل عليها، هذا أمر مستحيل، معروف بالضرورة من طبيعة الإنسان، لا يحتاج إثباته إلى برهان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في «مجموعة الفتاوى» «٢/ ٤٨»: «ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل، لم يكن في الباطن مقراًّ بوجوبها ولا ملتزما بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين، كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا، ودلت عليه النصوص الصحيحة .... فمن كان مصراًّ على تركها حتى يموت، لا يسجد لله سجدة قط، فهذا لا يكون قط مسلماً مقرا بوجوبها، فإن اعتقاد الوجوب واعتقاد أن تاركها يستحق القتل، هذا داع تام إلى فعلها، والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإذا كان قادراً ولم يفعل قط، علم أن الداعي في حقه لم يوجد».
стр. 505
قلت: هذا منتهى التحقيق في هذه المسألة، والله ولي التوفيق.
[الصحيحة «١/ ١/١٧١، ١٧٥ - ١٧٨»].
باب منه
[قال رسول الله ﷺ ]:
«إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار أمر الله الملائكة أن يخرجوا من يعبد الله فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود فيخرجون من النار فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود» رواه البخاري ومسلم.
[قال الإمام]:
فيه أن عصاة المصلين لا يخلدون في النار، وكذلك لو كان الموحد تاركًا للصلاة كسلاً فإنه لا يخلد.
«صفة الصلاة» «ص ١٤٩».
باب منه
سؤال: بالنسبة جزاك الله خير لتارك الصلاة: الآن كثير من أهل العلم بعضهم يقول: هو كافر وبعضهم يقول: هو فاسق، فما حكمه في هذه المسألة وهل هو كفر دون كفر أو كفر يخرج من الملة؟
الشيخ: نحن ذكرنا هذه المسألة في سلسلة الأحاديث الصحيحة وذكرنا بأن من ترك الصلاة عامداً متعمداً جاحداً لها فهو كفر بإجماع الأمة، أما من تركها كسلاً معترفاً بوجوبها ويتمنى من الله أن يهديه وأن يوفقه للصلاة فهذا ليس بكافر كفراً يرتد به ويخرج به من الملة؛ لأن الكفر الذي يخرج به صاحبه من الملة مَقَرُّهُ القلب فإذا كان هذا التارك للصلاة مؤمناً في قلبه معترفاً بما فرض الله عليه من فرائض لكنه يعرف بأن الشيطان والنفس الأمارة بالسوء والتجارة وإلى آخره لا
стр. 506
شك أن هذا التعلل مردود عليه، ولكن يشفع له أن لا يُكفَّر ما دام أنه يؤمن بما شرع الله ﵎.
والعلماء والمحققون كابن تيمية وابن القيم الجوزية وغيره قد وضعوا قاعدة عامة ألا وهي التفريق بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي، فمن وقع في الكفر الاعتقادي فهو الذي ارتد عن الدين، أما من وقع في الكفر العملي فهذا لا يحكم بردته وإنما بفسقه وفجوره، فتارك الصلاة هكذا لا يحكم بأنه كافر إلا إذا جحد ذلك جحداً فحينئذٍ يكفر؛ ولذلك كان مذهب جماهير العلماء عدم تكفير تارك الصلاة إلا مع الجحد، وهذه رواية عن الإمام أحمد نفسه فهو وافق فيه جماهير الأئمة على أن الترك إن كان ليس عن جحد فهو فسق وليس كفر.
مداخلة: طيب! بالنسبة للحديث بارك الله فيك: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» يا ليت تشرح الحديث؟
الشيخ: هو بارك الله فيك! ليس هذا هو أول حديث يقال فيه من فعل كذا فقد كفر، عندكم الحديث المشهور: «من حلف بغير الله فقد أشرك، كفر» ألا نقول نحن من قال: «وحياة أبي» إنه ارتد عن دينه.
وأنتم تعلمون مثلاً حديث عمر بن الخطاب في صحيح البخاري لما سمعه الرسول ﵇ يحلف بأبيه فقال ﵇: «لا تحلفوا بآبائكم من كان منكم حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت» (١) وفي حديث ابنه عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف بغير الله فقد أشرك» (٢) وفي رواية أخرى: فقد كفر، فلا يلزم من مجيء لفظة من فعل كذا فقد كفر أي: أنه كفر كفر ردة وإنما له معان كثيرة، منها مثلاً: كفر أي أشرف على الكفر .. كفر كفراً عملياً ونحو ذلك من المعاني التي يضطر إليها أهل العلم بالتوفيق بين النصوص: «من ترك الصلاة فقد كفر» نقول: «من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة» .. من قال: «لا إله إلا الله نفعته
стр. 507
يوماً من دهره» كما جاء في حديث البزار وغيره، «أيما عبد أبق من مولاة فقد كفر» (١) هذه الألفاظ كثيرة وكثيرة جداً فقد كفر فقد كفر ولا يوجد حديث يُفَسَّر هكذا على ظاهره إذا جاء بلفظ فقد كفر.
هذا الحديث حديث: «من ترك الصلاة فقد كفر» يعامل نفس المعاملة التي تعامل بها الأحاديث الأخرى التي تشترك مع حديث الصلاة في لفظة «فقد كفر»، فهنا تأتي تآويل كثيرة لهذا النص فكثير من الأحاديث مثلاً: «لا يدخل الجنة قتات» (٢) .. «لا يدخل الجنة نمام» هل معنى ذلك أنه كفر بسبب نميمته؟ الجواب: إن كان يستحل ذلك بقلبه فقد حرمت عليه الجنة .. إن كان يعترف بتحريم ذلك ويعترف بأنه مخطئ وأنه مذنب ومجرم؛ فهو أمره إلى الله كما قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
فترك الصلاة هو فعل يعرض صاحبه أن يموت والعياذ على غير الإيمان، وترك الصلاة هو من شيم الكفار الذين لا يصلون .. لا يؤتون الزكاة ولا يصلون، فالمسلم إذا لم يصل فقد شابه الكفار، فكفره هنا كفر عملي والأحاديث كثيرة وكثيرة جداً التي لا بد من تأويلها، مثلاً: قال ﵊ في حجة الوداع وقد خطب فيهم أمر جرير بن عبد الله البجلي أن يستنصت الناس، فقال ﵇: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» ..
ومثل قوله ﵇: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» فإذا قتل مسلم مسلماً أو قاتله فهل هذا يرتد عن دينه؟ الجواب: لا؛ لأن الله قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] فاعتبر كلاًّ من الطائفتين الباغية والمبغي عليها من المؤمنين مع أن الرسول يقول في الحديث السابق: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» فبماذا يفسر هنا الكفر؟ كفر دون كفر .. كفر عملي .. وهكذا أيضاً أحاديث
стр. 508
الصلاة التي فيها التصريح بأن من ترك الصلاة فقد كفر، إما أن يقال أشرف على الكفر الاعتقادي .. أشرف أن يموت على غير ملة الإسلام، أو أنه كفر كفراً عملياً، هذا التأويل لا بد منه حتى لا نضرب أحاديث الرسول ﵇ بعضها ببعض.
«الهدى والنور» «٨١/ ٢٩: ٢٥: ٠٠»
باب منه
سؤال: ما حكم تارك الصلاة وهو موحد ويعرف حدود الله وقد ألهته الدنيا عن ذكر ربه، ومات على ذلك وما حكم تارك الصلاة خوفاً من حاكم ظالم ولا يصلي إلا عندما يصبح بأمان ومات على ذلك؟
الشيخ: يصلي خوفاً من الحاكم الظالم وحين لا يكون في أمان لا يصلي؟
مداخلة: هو تارك للصلاة خوفاً من الحاكم الظالم ولا يصلي إلا إذا أمن الحاكم؟
الشيخ: كيف تارك الصلاة خوفاً من الحاكم؟
مداخلة: لا يصلي خوفاً من الحكام، هو تارك للصلاة إذا علموا أنه يصلي يؤذونه.
الشيخ: هم كفار يعني؟
مداخلة: والأول هو موحد يعرف حدود الله وقد ألهته الدنيا عن ذكر ربه؟
الشيخ: والثاني أيش الفرق بينه وبين الأول يعني غير موحد؟
مداخلة: الثاني يعني نفس الشيء لكن ترك الصلاة خوفاً من الحاكم؟
الشيخ: المهم أن المسلم إذا كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حقاً ولكنه يرتكب كثيراً من المعاصي الكبائر والصغائر كأكل الربا والزنا ونحو ذلك، ومن ذلك تركه للصلاة، فهو إن فعل كل ذلك جحداً بحكم الله فيها فهو
стр. 509
كافر مرتد، فمن جحد مثلاً شرعية الصلاة فهو كافر، من جحد تحريم الربا والزنا والسرقة وغير ذلك من المعاصي فهو كافر؛ لأن هذا الجحد يتعلق بالقلب وهو الكفر الاعتقادي فحينئذ مثل هذا لا يكون مسلماً إطلاقاً.
وعلى العكس من ذلك من كان مؤمناً بالله ورسوله وكل ما جاء عنهما ولكنه يواقع شيئاً من تلك الكبائر فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وحينئذ فالصورتان تُعَالجان بهذا الجواب: الكفر الذي يساوي الخروج عن الملة هو الكفر الاعتقادي، أما إذا كان هناك كفر عملي كترك الصلاة فهذا لا يخرج صاحبه عن الملة؛ لأنه مؤمن بشرعيتها؛ فلا يكفر إلا إذا جحد شرعيتها.
«الهدى والنور» «٩٧/ ٠٩: ٢٣: ٠٠»
باب منه
[سئل الشيخ عمن يصلي الفجر بعد طلوع الشمس، ثم قال السائل]:
فهذه الصلاة التي يصليها دائماً وأبداً بعد طلوع الشمس لا قيمة لها في الشرع أبداً.
هل تجزي هذه الصلاة وما يترتب عليها من إثم أم يعتبر كافراً؟
الشيخ: أقول: هذه الصلاة لا تجزيه، أي: لا تبرأ ذمته بأدائه صلاة الفجر دائماً وأبداً بعد طلوع الشمس إلا في الحالة التي ذكرتها آنفاً.
وخلاصة ذلك أنه ينام بعد صلاة العشاء، فإذا غلبه النوم وما استيقظ إلا بعد الشمس، فلا مؤاخذة نائم.
لكن أن يظل في منهجه السابق ما يجوز ولا تجزئه هذه الصلاة.
أما أنه يعتبر كافراً أم مقصراً فقط؟
أقول: لا يعتبر كافراً إذا كان معترفاً بشرعية هذه الصلاة كل في وقتها، وضميره
стр. 510
كما يقولون اليوم يؤنبه على تقصيره، فهذا لا يعتبر كافراً ..
مداخلة: بخلاف المنهج.
الشيخ: بخلاف المنهج.
لا يعتبر كافراً وإنما يعتبر مقصراً أشد التقصير، وأخيراً: أدى فريضة الحج فهل تعتبر صحيحة؟
نقول: إذا كان قد أدى فريضة الحج بشروطها وبأركانها فهي صحيحة، واضح؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: وهل تجوز أم لا؟ الجواب: نعم.
مداخلة: ...
الشيخ: هو يصلي أو لا يصلي؟
مداخلة: بعد التوبة؟
الشيخ: نعم.
مداخلة: مكث ثلاث سنوات يصلي.
الشيخ: يصلي، طيب ما اغتسل؟
مداخلة: نعم، بعدما رجع إلى الله صار له ثلاث سنوات يقول ما أغتسل، جاهلاً فيه.
الشيخ: كل هذه السنين.
مداخلة: نعم يغتسل، ولكن اغتسال الرجوع إلى الله مثل مثلاً المسيحيين لما يدخل الإسلام يغتسل
стр. 511
الشيخ: هل كان كافراً؟
مداخلة: لا.
الشيخ: هو كان ضالاً.
مداخلة: ضالاً تاركاً للصلاة وسائر العبادات.
الشيخ: إذاً: ليس كافراً، عندما كان تاركاً للصلاة كان مؤمناً بها كما قلنا في المرة الأولى.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب هذا ليس كافراً، ولذلك لا يجب أن يغتسل، كما يجب على الكافر إذا أسلم أن يغتسل، لكن هو لما مثلاً تاب إلى الله توبة نصوحة، وفاجأته أول صلاة، فإن كان جنباً مثلاً فعليه أن يغتسل، وإن كان محدثاً حدثاً أصغر عليه أن يتوضأ.
لا بد أنه فعل هذا وهذا، أما اغتسال لأنه ارتد، هذا إنما يجب على قول من يقول من مشايخكم في هذه البلاد، أن تارك الصلاة كسلاً كافر مرتد عن دينه، وهذا ليس صواباً.
ولذلك فهو ضال؛ أسلم منذ ثلاث سنوات، لا يجب عليه إلا ما فعله، أن يغتسل غسل الجنابة عند اللزوم، وأن يتوضأ لكل صلاة، ونسأل الله أن يثبتنا وإياكم جميعاً.
«الهدى والنور» «٤٠٢/ ٢٠: ١١: ٠٠»
باب منه
السؤال: حكم تارك الصلاة قطعياً؟
الشيخ: حكم تارك الصلاة إن كان تركها كسلاً وهو يؤمن بشرعيتها فهو
стр. 512
مسلم فاسق، أما إذا كان ينكر شرعيتها فهو كافر مرتد عن دينه.
«الهدى والنور» «٤٣٧/ ٢٨: ١٤: ٠٠»
باب منه
السؤال: ما حكم تارك الصلاة، وماذا يفعل من كان أبوه أو أخوه أو ابنه تارك لصلاته؟
الجواب: بالنسبة للشطر الأول:
تارك الصلاة له حالتان: إما أن يتركها كسلاً وإما أن يتركها جحداً لشرعيتها، فإن تركها كسلاً فجمهور العلماء أيضاً على أنه لا يكفر، ومذهب أحمد في رواية عنه تخالف الرواية الأخرى التي توافقه توافق الجمهور، يقول بأنه يكفر بترك الصلاة ولو كسلاً، لكن الرواية التي رجحها كبار فقهاء الحنابلة كابن قدامة المقدسي في المغني وغيره، رجحوا روايته الأخرى الموافقة لرواية الجمهور وهي أن تارك الصلاة كسلاً يفسق ولا يكفر، أما إن تركها جحداً لشرعيتها، فهذا كافر بالإجماع.
لكن هنا صورة لا بد من التنبيه إليها؛ لأنها تذكر في فروع الجمهور الذين لا يكفرون تارك الصلاة؛ لأنه تركها كسلاً، فما جزاء تارك الصلاة كسلاً.
هناك مذهبان: مذهب أبي حنيفة أنه يحبس حتى يتوب، ومذهب الإمام الشافعي وغيره أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
الخطأ أن تمام الجواب فإن لم يتب قتل، قالوا: وغسل وصلي عليه ودفن في مقابر المسلمين، هذا خطأ.
مداخلة: .. كفر ..
الشيخ: لا، هم ما يقولون كفر.
مداخلة: قتل حدًّا.
стр. 513
الشيخ: لا في دقة هنا، ما يأتي بيانه وتجاوباً مع قول أهل العلم الذي أخل به أكثر طلاب العلم في هذا الزمان، من بركة العلم أن يعزى كل قول لقائلهن فأنا استفدت ما يأتي من كلام ابن تيمية لم يسبقه إليه أحداً إطلاقاً.
يقول: من عرض على النطع -على القتل- وهو تارك صلاة، قيل له: إما أن تتوب وتصلي وإلا قتلناك فآثر القتل على الصلاة، هذا يموت كافراً؛ لأنه لا يتصور أن يكون يدين الله بشرعية الصلاة وأمامه القتل ويعاند ويختار القتل على الصلاة، هذا مستحيل، لذلك فهذا قول خطأ يا أبا عبد الرحمن، هذا القول خطأ، لا يقتل حداً مثل هذا الرجل.
مداخلة: هم يقولون ..
الشيخ: سامحك الله، وأنا أقول ماذا؟ أنا أقول إنما يقولون قول باطل لا يجوز.
إذاً: تارك الصلاة كسلاً لا يحكم عليه بالكفر، لكن يستتاب فإن تاب فبها.
فما الفرق بين القولين الذي يحكم بالكفر والذي يقول لا، ليس بكافر، تارك الصلاة كافر طلقت زوجته بانت منه، فلا بد أن يعقد من جديد ويجدد إيمانه من جديد، أما الذي يقول تارك الصلاة كسلاً لا يكفر لا يترتب عليه هذه الأمور الأخرى، لكن إذا ما جيء به أمام القاضي الشرعي، وقيل له: صل وإلا قتلناك، فآثر القتل على الصلاة هذا يموت كافراً، لا يتصور أن يكون إلا عقائدياً كما يقولون اليوم، لا يرى الصلاة، فهذا يموت كافراً.
«الهدى والنور» «٦٤٢/ ٠٠: ٢٧: ٢١»
باب حكم من ترك الصلاة عنادًا واستكبارًا
عن أبي الدرداء ﵁ قال: «لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له».
رواه ابن عبد البر وغيره موقوفاً.
стр. 514
«صحيح موقوف».
وقال ابن أبي شيبة قال النبي ﷺ : «من ترك الصلاة فقد كفر».
وقال محمد بن نصر المروزي: سمعت إسحاق يقول: «صح عن النبي ﷺ أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي ﷺ أن تارك الصلاة عمداً من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر».
[قال الإمام]:
قلت: وزاد ابن عبد البر في التمهيد «٤/ ٢٢٦» عن إسحاق: إذا أبي من قضائها وقال: لا أصلي. ففي قوله هذا ما يشعر أنه لا يصلي عناداً واستكباراً عن الخضوع لله بها، فهو في هذه الحالة ونحوها كافر. وليس كذلك من يقول مثلاً في هذا الزمان الذي عطلت فيها إقامة الحدود الشرعية -حين ينكر عليه ترك الصلاة قال-: الله يتوب علي، والله يعلم أنه صادق فيما يقول ... فليس الكفر هو لمجرد الترك، بل ما اقترن به من العمل الدال على الكفر القلبي، فعليه تحمل أحاديث الباب وآثاره. والله أعلم.
«التعليق على الترغيب والترهيب» «١/ ٢٥٩».
باب نقاش حول حكم تارك الصلاة
السائل: سؤال على أساس نحن نعلم بأن من ينكر شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة يعني تذاكرنا بهذا الكلام عند كثير من المشايخ الله يجزيهم خيراً، ولكن الله يجزيك الخير تفصل لنا، واحد ينكر شيء معلوم من الدين بالضرورة نزل من الله سلطان بأنه كافر من فعل ذلك، مثلاً: آتي لحديث صحيح رواه مثلاً البخاري ومسلم بين الرجل والكفر ترك الصلاة، ومن تركها فقد كفر، وأيضاً ورد بأن البعث واجب الإيمان به وورد بأنه مثلاً أحاديث متواترة عن عذاب القبر أو المسيح الدجال كذا .. إلخ، طيب أحد أنكر شيئاً من هذه المعلومات بالضرورة، ما حكمه،
стр. 515
وكيف نتعامل معه، ألا يكفر بهذا الكلام.
الشيخ: أنت حشرت أموراً اعتقادية بأمور عملية، مثلاً: إنكار البعث والنشور قرنت معها ترك الصلاة، وأنت تعرف أن ترك الصلاة عمل يقترن به نية، أما البعث فهو مجرد إيمان وقر في القلب أو خرج من القلب، فالأحكام أحكام العبادات والمعاملات لا يمكن أن تقرن مع الغيبيات، فالآن حدد كلامك حتى يتضح لك الجواب، هل أنت في موضوع الإيمانيات والغيبيات كالبعث والنشور ونحو ذلك، أم أنت في العمليات كالصلاة والزكاة ونحو ذلك؟
السائل: حددت السؤال يا شيخ، قلت: معلومات من الدين بالضرورة، أمور معلومة من الدين بالضرورة.
الشيخ: معلوم من الدين بالضرورة الصلاة مثلاً معلوم من الدين بالضرورة، هل سؤالك أنه أنكرها أم تركها؟
السائل: تركها.
الشيخ: وما أنكرها؟
السائل: وما أنكرها.
الشيخ: طيب، فالمعلوم من الدين بالضرورة العلماء يسوقوه في مساق الغيبيات أم الأحكام؟
السائل: نريد منك التفصيل.
الشيخ: العلماء لما يقولوا العبارة يقصدون بمن أنكر شيئاً معلوم من الدين بالضرورة فهو كافر، «من أنكر»، ليس من ترك العمل، فيجب أن تفرق.
السائل: ورد بالنص يا شيخ: من تركها.
الشيخ: يجب أن تفرق الله يهديك، الآن نحن نبحث في اصطلاح العلماء ومن هو الكافر عندهم، ما نبحث بخصوص تارك الصلاة، هذه لها حجرة لوحدها،
стр. 516
بحث لوحده، فمن أنكر شيئاً معلوم من الدين بالضرورة، هو الذي يكفره العلماء، أما من ترك شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة وهو يؤمن أنه من الدين بالضرورة فهذا لا يدخل في قاعدة من أنكر شيئاً من الدين بالضرورة فقد كفر لأنه لا ينكر، يعني: الآن أنت جئت بمثال الصلاة، لأنه موضوع الساعة، ومشايخ السعودية دائماً يدندنون حول القضية هذه، اترك الآن مؤقتاً موضوع الصلاة، وخذ الذي لا يصوم، هل هو أنكر شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة؟
السائل: لا.
الشيخ: طيب، هل هو كافر وهو لا يصوم؟
السائل: لا.
الشيخ: طيب.
السائل: ما ورد هنا نص يا شيخ.
الشيخ: لا تقل يا أخي ما ورد.
السائل: ورد نص بأنه يكفر تارك الصلاة.
الشيخ: الله يهديك اصبر.
السائل: تفضل.
الشيخ: الآن نحن نزيل عراقيل؛ لكي لا يقع الإنسان في سوء الفهم، منها: أن نعلم ماذا يعني العلماء بمن أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، فالصيام هي من الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، الصيام، فمن أنكر شرعية الصيام كمن أنكر شرعية الصلاة، كلاهما كافر، بل من أنكر ما هو دون ذلك من أنكر مثلاً تحريم الخمر فهو كافر، والأمثلة بالعشرات إن لم نقل بالمئات والألوف.
إذاً: الآن واضح لك ما المقصود من قاعدة المعلوم من الدين بالضرورة، لكني أنا أظن ما هو هذا أنت موضوعك، بس اختلط عليك شعبان في رمضان،
стр. 517
موضوعك أن تارك الصلاة جاء فيه نص من ترك الصلاة فقد كفر، ولذلك هذا ظهر منكم أكثر من مرة خاصة لما أتيت لك بمثال الصيام، قلت: ما جاء فيمن ترك الصيام، أنا أقول الآن: إذاً موضوعك: ما حكم من ترك الصلاة؟
السائل: أيضاً أنا أقصد الأمور الأخرى جزاك الله خير أنت فصلت لي سؤالي.
الشيخ: إذاً انتهينا منها.
السائل: نعم انتهينا منها.
الشيخ: طيب نحن في الصلاة الآن.
السائل: الآن تارك الصلاة نعم جزاك الله خيراً.
الشيخ: فمن ترك الصلاة فقد كفر، ألا تتصور معي أن كل تارك للصلاة يمكن أن يتوفر فيه أمران اثنان، ويمكن ألا يتوفر فيه الاثنان وإنما شيء واحد، فرب تارك للصلاة لا يصلي، هذا شيء، الشيء الثاني لا يرى شرعية الصلاة، هو يقول لك كما نسمع من بعض الشباب: بلا صلاة بلا صيام، هذا كان في وقت مضى وانقضى، الآن المدنية والرقي والرياضة كل هذا يغنينا عن مثل هذه التمارين، هذا يختلف عن الأول، الأول لا يصلي فعلاً، لكنه يؤمن بشرعية الصلاة، وإذا قلت له: يا أخي لماذا لا تصلي؟ يقول: الله يتوب علينا، هذا مؤمن أم كافر؟
السائل: شيخ، قلت لك ورد فيه نصاً.
الشيخ: كافر؟ .
السائل: كافر.
الشيخ: لا تحيد عن الجواب، كافر؟
السائل: كافر.
الشيخ: لا، مؤمن.
стр. 518
السائل: ترك الصلاة يا شيخ.
الشيخ: الله يهديك الله يهديك، أنت بتقول لي تارك الصلاة هل أنبأتني بشيء مجهول عندي، أنا أقول لك: هو تارك صلاة، أنت تقول لي: تارك صلاة. الله يهديك. قل آمين.
السائل: آمين.
الشيخ: الرجلين كلاهما تارك للصلاة، أحدهما تارك للصلاة ويؤمن بشرعيتها وأتيت لك بمثال واقعي، إذا قيل له يقول: الله يتوب علينا، الآخر يقول: بلا صلاة بلا صيام، فهذا تارك للصلاة ومنكر لشرعية الصلاة، هل هما سواء؟
الآن ما أظنك تقول سواء.
السائل: قد يكون كفراً دون كفر يا شيخ.
الشيخ: .... يخوِّف يخوِّف.
السائل: يا شيخ فيه منافق في الدرك الأسفل من النار ومنافق ..
الشيخ: الله يهدينا وإياك قل آمين.
السائل: آمين اللهم آمين.
الشيخ: هؤلاء الاثنين مثل بعض؟
السائل: قد يكون هذا في الدرك الأسفل من النار وذلك ..
الشيخ: هؤلاء الاثنين مثل بعض؟
السائل: لا.
الشيخ: الحمد لله، ... ليس مثل بعض، ما الفرق؟
السائل: هذا أنكرها يعني أنكر مشروعيتها وذلك تركها فقط.
стр. 519
الشيخ: هذا لا يقابل أنكر الله يهديك، ذلك تركها فقط تركها واستوى مع الآخر الذي في الترك، لكن اذكر لي نقطة الخلاف بينهما ...
السائل: هذا تركها جحوداً بشرعيتها، وذلك تركها مؤمناً بشرعيتها.
الشيخ: هذه جاءت منك، احفظ ما قلت الآن، ما هو.
السائل: حافظ حافظ، قلت: أن هذا أنكرها.
الشيخ: نقطة الفرق.
السائل: الجحود وعدم الجحود.
الشيخ: لا.
السائل: جحود وإيمان بالشرعية.
الشيخ: الجحود يقابله الإيمان.
السائل: شيخنا أرجع وأقول: أن هناك ورد نص.
الشيخ: الله يهديك.
السائل: آمين.
الشيخ: أنا عارف ما تريد أن تقول، لكن نريد أن نمشي خطوة خطوة، هذا مؤمن وذاك كافر، ذاك أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة فهو كافر كفر ردة، هذا الآخر كفر بتركه الصلاة فعلاً، لكنه آمن بشرعيتها، فهو يجمع بين إيمان وبين ترك لما يؤمن به، صح؟
طيب، قال ﵊: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» ماذا تقول بهذا الحديث؟ «لا إيمان لمن لا أمانة له» أنت حطيت أمانة عند زيد من الناس ورجعت بعد مدة طلبتها منه أنكرها، كافر أم مؤمن؟
السائل: أي سماء تضلني وأي أرض تقلني، ما أعلم والله لا إيمان غَيْرَ كُفْر.
стр. 520
الشيخ: إذاً فأنت خضت ..
السائل: لا إيمان، غير كفر.
الشيخ: نعم؟
السائل: لا إيمان لما يقول: لا إيمان قد تكون غير كفر، «لا إيمان لمن لا أمانة له» غير من تركها.
الشيخ: الله يهديك.
السائل: آمين.
الشيخ: أنت لا تشعر الآن أنك تتكلم بغير علم؟
السائل: أنا لست عالماً، أستفتيك يا شيخ.
الشيخ: أنا أسألك: أنت تقرر لا تستفيد، فأنا أسألك: هذا الحديث ما رأيك؟ قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له» فأنكر الأمانة فهل هو كفر؟
السائل: نقول كما قال الرسول ﷺ : لا إيمان له. لا أعلم ..
الشيخ: أرأيت كيف تجادل، من أجل هذا قلت لصاحبك: هذا يخوف، ليست تخوف يعني بعلمك، لا، العكس تماماً، أنت تجادل بالباطل، وربك يقول لك: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] أنت تقول: لا أعلم، أما أن تتكلم هكذا بأوهامك التي أنت عايش فيها لأنه عندك شيء من العلم، هذا لا يجوز في دين الله أبداً، ما معنى: «ولا دين لمن لا عهد له»؟
السائل: قلت لك: هذا لا أعلم تفصيله يا شيخ.
الشيخ: قلت، طيب كذلك أنت لا تعلم ما معنى: «بين الكفر وبين الرجل ترك الصلاة» لا تعلم، لأنك لم تحط بالأدلة التي تتعلق بموضوع الكفر العملي والكفر الاعتقادي، الآية المعروفة اليوم التي يطرحها المعروفون قديماً بجماعة الهجرة
стр. 521
والتكفير، والمعروفون اليوم باسم الجهاد أو المجاهدين في مصر أو غيره، أو جماعة الجهاد اسمهم: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ما رأيك في إنسان حكم بحكم خالف فيه الشرع كَفَرَ؟
السائل: الحاكم يعني؟
الشيخ: أنا أسألك سؤالاً أنت أجب عنه.
السائل: أعد السؤال إذا ممكن.
الشيخ: الله يهديك.
السائل: آمين.
الشيخ: اسمع، ما رأيك في رجل حكم في حكومة في قضية بخلاف ما أنزل الله، أكفر؟
السائل: ما أستطيع أحكم في هذا، إن كان حاكماً.
الشيخ: أنا أسألك الآن: وأنت مكلف أن تحكم؟
السائل: كيف يعني، يعني: بالنسبة لي أحكم على تارك الصلاة مثلاً؟ أنا لا أفهم السؤال.
الشيخ: الله يهديك، أنت قلت: ما أستطيع أن أحكم.
السائل: أنا سألتك الحاكم.
الشيخ: أنت سألتني؟
السائل: نعم سألتك الحاكم.
الشيخ: الله يهديك أنا السائل: رجل حكم بحكومة على خلاف حكم الله أكفر؟ أنا السائل، أنت عليك الجواب، تقول: كفر، ما كفر، لا أدري.
السائل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
стр. 522
الشيخ: لا تجاوب.
السائل: أنا أقول لك: نعم الآية تقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
الشيخ: يا أخي أنا عارف الآية أنا تلوتها على مسامعك ترجع بنفس القضية السابقة ... أن هذا تارك الصلاة وأنا سألتك عن تارك الصلاة الله يهديك.
السائل: لا أقول يعني: نفس الآية ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] يعني: يكفر بصريح الآية يكفر نعم.
الشيخ: الله يهديك، أنا أسألك عن الآية تلوتها أنا على مسامعك وبنيت عليها هذا السؤال: رجل حكم في قضية ما بخلاف ما أنزل الله أكفر؟ الآية.
السائل: أنا لم أستوعب سؤالك.
الشيخ: لن تستطيع أن تستوعبه، تعرف لماذا؟ لأنك ليست بهذا المستوى، لازم تعرف حالك.
السائل: معليش يا شيخ.
الشيخ: لا أنت معليش، فهمت، أنت فهمت السؤال؟
السائل: أنا أسألك إن كنت تقصد ..
الشيخ: أنا أسألك: فهمت السؤال قل لي نعم أو لا.
السائل: لا ما فهمت.
الشيخ: سبحان الله، ما سمعتك مرة تقول إيه أو لا، إلا تلف وتدور، هل فهمت السؤال؟
السائل: لا ما فهمته.
الشيخ: إذاً: كيف تجاوب عنه.
стр. 523
السائل: قلت لك: ما استوعبت سؤالك.
الشيخ: الله أكبر.
السائل: قلت يا شيخ: ما استوعبت سؤالك.
الشيخ: قلت؛ ألست أنت قرأت علي الآية وقلت لي: كفر، أنت أم غيرك؟
السائل: نعم قلت، ومن لم يحكم بما أنزل الله.
الشيخ: إذاً: ما التناقض هذا، التناقض كله يأتي من الحرارة التي ليست قائمة على علم، أعيد عليك: هل فهمت السؤال؟
السائل: لا.
الشيخ: كيف تجيب إذاً؟
السائل: فهمت ..
الشيخ: الآن أطور السؤال: رجل حكم في حكومتين بغير ما أنزل الله هل هناك فرق بين هذا الثاني والأول؟
السائل: كلهم ما حكم بما أنزل الله، لا.
الشيخ: ما فيه فرق؟
السائل: لا.
الشيخ: هل هناك قاض لا يمكن أن يحكم ولو مرة في زمانه بغير ما أنزل الله؟
السائل: لا.
الشيخ: إذاً: كلهم كفار.
السائل: لا نستطيع أن نحكم بكفرهم يا شيخ.
الشيخ: الآن أنت استطعت، الآن أنت حكمت، لأنك ما فرقت بين رجلين،
стр. 524
لأنه ظننت أنك ستفرق، كنت أريد أوصلك إلى عند أبو رقيبة، هذا الذي يعترف أن الإسلام مضى وانقضى والصيام هذا والضحايا والأموال لازم ندخرها، فأنت ما تفرق بين إنسان حكم مرة واحدة بخلاف ما أنزل الله اتبع هوى اتبع شهوة خاف من ضرر .. إلخ، فتقول: أن هذا كفر، وبين إنسان ثاني أعاد القضية ثاني مرة ويقول لك: هو دائماً يحكم بغير ما أنزل الله، ما تفرق بين الأمثلة كلها؟
السائل: لا، أفرق.
الشيخ: تفرق؟
السائل: أفرق نعم.
الشيخ: طيب، خلينا نأخذ الرقم الأصغر، ما الفرق بين رقم واحد ورقم اثنين؟
السائل: رقم واحد ورقم اثنين كأنه أخطأ، مرة واحدة تقول في عمره مثلاً لم يحكم بغير ما أنزل الله.
الشيخ: تعيد علي كلامي، جزاك الله خير، أنا أسألك ما الفرق؟
السائل: الأول أخطأ وذاك ..
الشيخ: ما الفرق بالنسبة لكفر وما كفر؟
السائل: هذا مقر بالحكم بما أنزل الله، وأخطأ في تنفيذه، وذاك لا يقر به إطلاقاً.
الشيخ: من قال لك، أنا هكذا قلت لك، الله يهديك، يا الله يا سيدي، فيه عندكم سؤال ضروري. تفضل (١).
«الهدى والنور» «٤٩١/ ٥١: ٣٦: ٠٠»
стр. 525
تحقيق أقوال بعض الصحابة
ومن بعدهم في حكم ترك الصلاة
[قال المنذري: قد ذهب جماعة من الصحابة ومن بعدهم إلى تكفير من ترك الصلاة متعمداً لتركها، حتى يخرج جميع وقتها، منهم: عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، ومعاذ بن جبل، وجابر بن عبد الله، وأبو الدرداء ﵃، ومن غير الصحابة أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن المبارك، والنخعي، والحكم بن عتيبة، وأيوب السختياني، وأبو داود الطيالسي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب وغيرهم رحمهم الله تعالى.
[فعلق الإمام قائلاً]:
في ذكر المؤلف بعض هؤلاء الصحابة وغيرهم في جملة من قال بكفر تارك الصلاة نظر لا يتسع المجال لتفصيل القول في ذلك وبيانه، لكن اذكر منهم على سبيل المثال عمر بن الخطاب وعبد الله بن العباس؛ فإنه لم يصح ذلك عنهما، فانظر التعليق على هذين الأثرين في «ص ٢٥، ٢٥٩» [من صحيح الترغيب والترهيب] و «سلسلة الأحاديث الضعيفة» «٥٦٥٠».
ونحو ذلك ذكره فيهم أحمد بن حنبل، وهذا وإن كان يذكره بعض الحنابلة المتأخرين، فإنه لا يصح عند محققيهم، فقد ذهب كثير منهم إلى عدم تكفيره إلا بالجحد ونحوه، كمثل ابن بطة ... ، وكذا شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه البار ابن قيم الجوزية، ومن سار على منوالهم، كالشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ جميعاً، كيف ولا وقد صح عن إمام السنة أنه سئل عن ترك الصلاة متعمداً، فقال: « ... والذي يتركها لا يصليها، والذي يصليها في غير وقتها؛ أَدْعُوْهُ ثلاثاً فإن صلى وإلا ضربت عنقه، هو عندي بمنزلة المرتد ... » ونحوه كلام المجد ابن تيمية، وحفيده ابن تيمية، وكثير من محققي الحنابلة، ومنهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب،
стр. 526
كما تراه محققاً مفصلاً في كتابي «حكم تارك الصلاة».
«التعليق على الترغيب والترهيب» «١/ ٢٦٣».
توجيه كلام عبد الله بن شقيق في تارك الصلاة
عن عبد الله بن شقيق العقيلي ﵁ قال:
«كان أصحاب محمدصلا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة».
«صحيح موقوف».
[قال الإمام]:
هذا ونحوه محمول على المعاند المستكبر الممتنع عن أدائها ولو أنذر بالقتل. كما قال ابن تيمية وابن القيم، انظر رسالتي «حكم تارك الصلاة».
«التعليق على الترغيب والترهيب» «١/ ٢٥٦»
هل يحكم على من لا يصلي بالكفر وبالتالي مقاطعته؟ وبيان متى تكون المقاطعة وسيلة تأديبية
السائل: شيخنا! ما قولك في قوله تعال: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... ﴾ «المجادلة: ٢٢» إلخ الآية، فيه نعرف أن ترك الصلاة كفر، ممكن الآباء أو الأبناء أو الإخوان تاركين الصلاة، هل نعتبرهم ممن يحادون الله ورسوله، وهل مطلوب منا ألا نوادهم إذا كنا مؤمنين بالله؟
الشيخ: الآية كيف تقول؟
السائل: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ «المجادلة: ٢٢».
الشيخ: يجب أن نقف عند قوله تعالى: ﴿يحادون الله ورسوله﴾ ماذا نفهم منها؟
стр. 527
السائل: مفهومي أنا الصحيح أنا لست شيخًا أنا محاسِب، أنا رجل مالي يعني؛ مطلوب وضع نفسه في حد ووضع الرسول والله في حد آخر، إن كان بإعلان الكفر، أو بارتكابه المعاصي، فيه أمور كثيرة جداً.
الشيخ: لا، بس فيه عندنا هنا بدي أنت نظرك لشي أنت ما دام تقول: أنا محاسب، معناها تُعَرِّفُني أنك لست عالماً على الأقل بعلم التفسير، صحيح هذا؟
السائل: صحيح بس أقرأ التفسير وأتعلم.
الشيخ: حينئذٍ ينبغي أن يعلم كل منا كما أنه لا يجوز للعالم بالفقه أو الحديث أو التفسير أن يعتدي على صنعة الدكتور تيسير وهو طبابة لأنه أنا جاهل بالطب، فأنا أستمد منه المعرفة التي خصه الله بها، فكذلك هو بدوره لا يعتدي على غيره من أهل العلم إن كان محدثاً فما يأتي يفتأت عليه ويقول: هذا حديث صحيح وغير صحيح وضعيف .. إلخ، لأن هذا ليس من اختصاصه، كما أني أنا مسؤول أن أسأل أهل العلم، فهو أيضاً مسئول أن يسأل أهل العلم، كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] كذلك لا يجوز لعامة المسلمين أن يفسروا القرآن بما يبدوا لكل واحد منهم، وإنما كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] أو الآية الأولى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] معليش أنا ما أعتب عليك أنك سألت، لا، لكن أقول: ما ينبغي لك ولأمثالك أن يكوِّنوا رأياً في فهم آية إلا بعد أن يسألوا أهل العلم، فهنا الذين يحادون الله ورسوله المقصود بهم المشركون، فلا يقصد به الولد الذي ضربت به مثلاً أنه تارك صلاة.
مداخلة: الولد أنا ما أقصد طفل، ما أقصد طفل أنا.
الشيخ: لا لا، أنا أقصد معك، أي تارك الصلاة أنا أقول الذي تقصده أنت، الولد ما قصدت الولد الصغير أنت ذكرتني الآن بحديث، والشيء بالشيء يذكر، جاء رجل إلى النبي ﷺ ، قال: يا رسول الله! أركبني، يعني: يريد دابة تحمله أمامه سفر، قال للمختص بالإركاب: أركبه يا فلان ولد الناقة، قال: يا رسول الله! «وهل
стр. 528
يحملني ولد الناقة»، قال له: وهل الناقة إلا ولد الناقة. فكلمة ولد في اللغة العربية لا تعني معناها صبي غير بالغ.
مداخلة: الشائع حالياً.
الشيخ: معليش ما معليش، يمكن أنا غلب علي الفقه الحديثي في هذا، فأنا قلت الولد يعني: ولد الابن، ولو كان مكلفاً، وإنما المقصود هنا الذين يحادون الله يعني: يعادونه ويعلنون عداءه، فلا ينبغي للمسلم أن يوادد ويحابب هؤلاء، فما فيه إشكال، أما إذا كان هناك والد ابتلي بولد أعيد كلمة ولد، ولنقل الآن توضيحاً: ولد بالغ مكلف بأنه لا يصلي، فما ينبغي أن يعاديه، لكن ينبغي أن يناصحه، وأن يلتزم دائماً توجيهه وتذكيره، ولا يكون كما يفعل اليوم الآباء يتركون الأبناء كما يقولون: يرخوا لهم الحبل على الغارب، ويتركوهم يشرقوا ويغربوا، ويمشوا على كيفهم، ويروحوا سينما وما يأتون إلا نصف الليل .. إلخ، هذا لا ينبغي، كما أنه ليس هذا معناه أنه يعادونه ويحاربونه ...
[فالواجب] أن يعتني بالولد، وأن يسعى دائماً لتوجيهه، كما تعلمون من قوله تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] والآية الأخرى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] ما معناها: صلِّ، وهذا الأمر أيضاً لا تقل: أنا أمرته ما فيه فائدة، لا.
مداخلة: الصبر عليها على الصلاة ليس على التربية.
الشيخ: الصبر على الصلاة طبعاً، ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] فالشاهد أن الأمر ينبغي أن يتكرر من الوالد لابنه، حتى يشعر بأنه الولد هذا تأثر بنصيحة والديه، لكن لا ينبغي معاداته.
السائل: لم أقصد هذا، قد يكون قريب أو صديق.
الشيخ: معليش، إذا الابن بارك الله فيك فمن باب أولى الآخرون ...
стр. 529
السائل: من شوية الأخ سأل سؤال عن العمة، أقرت منكر فتم مقاطعتها.
الشيخ: لا، هذا شيء آخر، أنت لا تسأل بارك الله فيك عن المقاطعة، أنت تسأل عن الآية المواددة والمحاببة، المقاطعة وسيلة في الإسلام تأديبية، المقاطعة في الإسلام وسيلة تأديبية، أنا قلت للرجل: نعم ما فعلت فعلاً، لأن ربنا يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] فإذا الابن زنا والأم أقرته على الزنا وما أنكرته، والولد هذا ما أدري ماذا سيكون بالنسبة لها، قلت: عمتك آه؛ فأقرها أيضاً، معناها سيصيب المسلمين ما أصاب اليهود، ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩] فالمقاطعة هي وسيلة تربوية شرعها الرسول ﵇، مع خيرة من خيرة أصحاب الرسول ﵇، وهم الثلاثة الذين خلفوا (١) تعرف هذه القصة يمكن في القرآن الكريم.
حيث أعلن الرسول ﵇ أنه سيتوجه للغزو وللجهاد، فثلاثة منهم تأخروا وانشغلوا، وفعلاً تخلفوا، وأحدهم اسمعه كعب بن مالك، كان من خيرة أصحاب الرسول ﵇، بعد أن رجع الرسول من الغزوة ندم على ما فعل، وهو كل يوم يقول: اليوم أروح اليوم أروح، وشغل، فلما رجع الرسول ﵇ وجاء المتخلفون وفيهم كثير من المنافقون، كل واحد يقدم العذر، والرسول يقبل العذر، يقول هو عن نفسه هذا: لما جئت إلى الرسول ﵇ قال له: والله يا رسول الله إني لأعلم أنني أوتيت نطقاً وكلاماً، أنني أستطيع أن أقول كما قال الآخرون، ولكنني أخشى أن أقول خلاف الواقع فيفضحني الله ﵎، فأقر الرجل أنه تخلف، فأمر زوجته بأن تذهب إلى دار أهلها، وأمر الصحابة بأن يقاطعوه هو واثنين آخرين ممن تخلفوا، وهكذا خمسين يوماً، ويحكي هذا الرجل كعب بن مالك الحالة النفسية التي أصيب بها كما عبر الله : ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: ١١٨] يعني: كان يهم أن يصعد إلى جبل ويلقي نفسه، كلما رأى شخص: السلام عليكم، السلام عليكم؛ لا أحد يرد السلام؛ لأن الرسول أمر
стр. 530
بالمقاطعة، فكانت هذه المقاطعة سبب لتزكية نفوس هؤلاء، وندموا على ما فعلوا للتخلف عن رسول الله ﷺ ، حتى أنزل الله التوبة عليهم، فالمقاطعة أمر مشهور مرغوب في الواقع، ولكن فيها دقة فيجب أن توضع في مكانها.
والناس أيضاً هنا ككثير من المسائل ما بين إفراط وتفريط، اسم المقاطعة اليوم لا ذكر لها على ألسنة الخطباء والمدرسين، لماذا؟ لأني أنا أقول في كثير من الأحيان لما أسأل يقول: يا أخي إذا تُقاطع الناس كلها معناها تنزوي على رأس جبل ولا تخالط الناس، لكن بدك تصبر، لكن لما يكون العلاقة بين شخص وشخص قريبه فهنا المقاطعة يكون لها تأثير، أما مقاطعة الناس كلها هذا لا يمكن، لذلك قال ﵇: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم».
«الهدى والنور» «٢٦١/ ٤١: ٠٠: ٠٠»
باب خطورة القول بتكفير تارك الصلاة
سؤال: قلتم في بعض مجالسكم أن الخطأ في مسألة تكفير تارك الصلاة مفتاح لباب من أبواب الضلال، نرجو أن تفصلوا لنا القول في هذه المسألة؟
الجواب: تفصيل هذه المسألة هو ما تكلمنا عنه مراراً وتكراراً: التفريق بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي؛ لأن تارك الصلاة له حالتان: إما أن يؤمن بها بشرعيتها، وإما أن يجحد شرعيتها، ففي الحالة الثانية هذه فهو كافر بإجماع المسلمين، وكذلك كل من جحد أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، من جحد الصيام مثلاً فهو كافر، الحج إلى آخر ما هناك من أمور معروفة عن المسلمين جميعاً أنها من ضروريات الدين، فهذا لا خلاف فيه، من جحد شرعية الصلاة فهو كافر، لكن إذا كان هناك رجل لا يجحد الصلاة، يعترف بشرعيتها، ولكن من حيث العمل هو لا يقوم بها، لا يصلي، فربما لا يصلي مطلقاً، وربما يصلي تارة وتارة، ففي هذه الحالة إذا قلنا: هذا رجل كفر ما يصدق عليه هذا الكلام بإطلاقه؛ لأن الكفر