الشيخ: إذا كان لديه فقراء فيجوز، كما أنه يجوز أن يُوَكِّل غيره بأن يُخرج الزكاة في بلده الأصيل.
(الهدى والنور / ٦٩٤/ ١٦: ٣٥: ٠٠)
هل يخرج الإنسان المغترب زكاة الفطر على نفسه، أم يتولى هذه الفريضة ولي أمره في بلده ؟
السائل: هل يخرج الإنسان المغترب زكاة الفطر على نفسه، أم يتولى هذه الفريضة ولي أمره في بلده؟
الشيخ: أم يتولى، أيش؟
السائل: ولي أمره.
الشيخ: ولي أمره، ليش هو لا يجب عليه، هو لا يجب عليه الصدقة؟
السائل: يجب عليه.
الشيخ: إذاً: ليه ولي الأمر، وَضِّح الصورة يا أخي؟
السائل: ولي الأمر يتولى.
الشيخ: من هو ولي الأمر، الأب تعني؟
السائل: نعم.
الشيخ: طيب، وهو يعيش مع أبيه؟
السائل: لا، هو مغترب عن أبيه، أبيه في مصر هو موجود هنا في الأردن؟
الشيخ: الله يهديك، فَصِّل بارك الله فيك، إذاً: الولد مكلف، الولد مكلف بصدقة الفطر؟
السائل: مكلف، نعم.
стр. 4657
الشيخ: طيب، وهو يعيش لوحده وليس في كَنَف أبيه، نعم فالسؤال الآن هل يجوز يخرج صدقة أم يخرجه وليه الذي هو أبوه؟
السائل: نعم السؤال هذا.
الشيخ: لا، يتولى إخراج الصدقة هو نفسه، لأنه مكلف.
السائل: جزك الله خيرًا.
الشيخ: وإياكم.
(الهدى والنور / ٥٦٣/ ٠٨: ٥٠: ٠٠)
صدقة الفطر، أو كفارة اليمين، هل يجوز إخراجها دجاجاً أو طعاماً مطبوخاً
السؤال: صدقة الفطر أو كفارة اليمين، هل يجوز إخراجها دجاجاً أو طعاماً مطبوخاً؟
الشيخ: في اعتقادي ما دام أنه طعام يجوز، لكن ينبغي أن يكون من طعام المكفِّر، ينبغي أن يلاحظ أنه من طعام المُكَفِّر، يعني: ليس فقط المقصود هو إشباع المسكين بهذه الكفارة، وإنما إشباع ومن نوعية الطعام الذي يأكل منه المُكَفِّر.
مداخلة: ويدخل في ذلك صدقة الفطر؟
الشيخ: صدقة الفطر لا يجوز كما تعلم.
مداخلة: هو السائل يعني سؤاله: كان عن الاثنين صدقة الفطر وكفارة اليمين.
الشيخ: أما صدقة الفطر، فلا يجوز إخراج البديل إطلاقاً، وإنما في حالة واحدة حينما لا يكون الأطعمة المنصوص عليها في الحديث، لا يكون له وجود في بلد ما، أو له وجود ولكن ليس من طعام البلد، فيُقَدِّم ما يقابل هذه الأنواع المنصوص عليها، مما هو من طعام البلد، أي نعم، كالرز -مثلاً- والسكر ونحو ذلك.
стр. 4658
ففي هذه الحالة ممكن إخراج الطعام الذي يصح أن يكون بديلاً عن الطعام المنصوص عليه، ويُلاحظ في هذا البديل أنه ينبغي أن يكون قوتاً مُدَّخراً، بحيث أنه إذا توفر عند الفقراء كمية ضخمة من هذا القوت، لا يضطر إلى أن يصرفه، وإنما يَدَّخره زاداً لأهله في المستقبل، أي نعم.
يُلاحظ هذا في نوعية الأطعمة التي نُص عليها الحديث، أنها من المدخرات، لذلك: إذا كان وجد المقتضي بالاستبدال، فيجب أن يكون البديل طعاماً وقوتاً مدخراً.
(الهدى والنور / ١٣٢/ ٣٥: ٠٠: ٠١)
هل يُشرع إخراج زكاة الفطر لباسًا ؟
مداخلة: يا شيخ: هل ثبت في السيرة أن معاذ بن جبل وَزَّع زكاة الفطر في أحد الأمصار أو البلدان.
الشيخ: قلنا ماذا؟
مداخلة: معاذ بن جبل ﵁ وزع زكاة الفطر في مصر من الأمصار، أو بلد من البلدان، لباسًا أو ألبسة، هل ثبت ذلك.
الشيخ: لا، أنا ما أعرف هذا بالنسبة لزكاة الفطر، وإنما هي الزكاة السنوية.
مداخلة: المال.
الشيخ: أي نعم، لعلكم تذكرون، هذا زكاة المال، هذا الذي في ذهني، لأنه أنا صرت شيخاً كبيراً، ومن عرف نفسه فقد عرف ربه، كما جاء في الحديث الذي لا أصل له.
(الهدى والنور /٧٢٢/ ٢٧: ٤٣: ٠٠)
стр. 4659
زكاة الفطر هل يشرع فيها إخراج القيمة النقدية ؟
مداخلة: ... بنهاية شهر رمضان يكثر الجدل حول زكاة الفطر، ففي ناس يجدون من السهل أنهم يخرجونها نقداً، وهناك بعض الأئمة يقولون لازم تخرج من غالب قوت الناس قمحاً أو رزاً ... ، فما الرأي؟
الشيخ: لا شك أن الأولين مخطئون، الذين يقولون بجواز إخراج صدقة الفطر نُقُوداً فهم مخطئون؛ لأنهم يخالفون نص حديث الرسول ﵇ الذي يرويه الشيخان في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: «فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من أقط»، فعيَّن الرسول ﵇ هذا الفريضة التي فرضها الرسول ﵇ ائتماراً بأمر ربه إليه ليس نقوداً، وإنما هو طعام مما يقتاته أهل البلاد في ذلك الزمان، ومعنى هذا الحديث أن المقصود به ليس هو الترفيه عن الناس الفقراء والمساكين يلبسوا الجديد والنظيف، و ... إلى آخره، وإنما هو إغناؤهم من الطعام والشراب في ذاك اليوم، وفيما يليه من الأيام بعد العيد، وحين أقول بعد العيد، فإنما أعني أن يوم الفطر هو العيد، أما اليوم الثاني والثالث فليسوا من العيد في شيء إطلاقاً، فعيد الفطر هو يوم واحد، وعيد الأضحى أربعة أيام.
فالمقصود بصرف صدقة الفطر من هذا الطعام المعهود في تلك الأيام، هو إغناء الفقراء والمساكين في اليوم الأول من عيد الفطر، ثم ما بعد ذلك من أيام طالت أو قصرت، فحينما يأتي إنسان ويقول: لا، نخرج القيمة، هذا أنفع للفقير، هذا يخطئ مرتين، المرة الأولى: أنه خالف النص، والقضية تعبدية، هذا أقل ما يقال، لكن الناحية الثانية خطيرة جداً؛ لأنها تعني أن الشارع الحكيم ألا وهو رب العالمين حينما أوحى إلى نبيه الكريم أن يفرض على الأمة إطعام صاع من هذه الأطعمة، لم يدر هو ولم يعرف مصلحة الفقراء والمساكين، كما عرف هؤلاء الذين يزعمون بأن إخراج القيمة أفضل.
стр. 4660
لو كان إخراج القيمة أفضل لكان هو الأصل، وكان الإطعام هو البدل؛ لأن الذي يملك النقود يعرف أن يتصرف بها حسب حاجته، إن كان بحاجة إلى طعام اشترى طعامًا، إن كان بحاجة إلى شراب اشترى الشراب، إن كان بحاجة إلى ثياب اشترى ثيابًا، فلماذا عدل الشارع عن فرض القيمة، أو فرض دراهم أو دنانير إلى فرض ما هو طعام.
إذاً: له غاية، ولذلك حدَّد المفروض، ألا وهو الطعام من هذه الأنواع المنصوصة في هذا الحديث وفي غيره.
فانحراف بعض الناس عن تطبيق النص إلى البديل الذي هو النقد، هذا اتهام للشارع؛ لأنه لم يُحْسِن التشريع، لأن تشريعهم هم أفضل وأنفع للفقير، هذا لو قصده كفر به، لكنهم لا يقصدون هذا الشيء، ولكنهم يغفلون، فيتكلمون بكلام هو عين الخطأ.
إذاً: لا يجوز إلا إخراج ما نص عليه الشارع الحكيم، وهو الطعام على كل حال.
وهنا ملاحظة لا بد من ذكرها: لقد فرض الشارع أنواعاً من هذه الأطعمة؛ لأنها كانت هي المعروفة في عهد النبوة والرسالة، لكن اليوم وُجدت أطعمة نابت مناب تلك كالأطعمة، فاليوم لا يوجد من يأكل الشعير، بل ولا يوجد من يأكل القمح والحب؛ لأنه الحب يتطلب شيئاً آخر وهو أن يوجد هناك الطاحونة .. الجاروشة، ويتطلب إن وجد مع الجاروشة تنور صغير أو كبير كما هو لا يزال موجوداً في بعض القرى، فلما هذه الأطعمة أصبحت في حكم المتروك المهجور، فيجب حينئذ أن نخرج البديل من الطعام وليس النقود؛ لأننا حينما نخرج البديل من الطعام صرنا مع الشرع فيما شرع من أنواع الطعام المعروف في ذلك الزمان، أما حينما نقول نخرج البديل وهو النقود ورد علينا أن الشارع الحكيم ما أحسن التشريع؛ لأننا نقطع جميعاً على أن النقود هي أوسع استعمالاً من نوعين من الطعام، لكن لما رأينا الشارع الحكيم فرض طعاماً ووجدنا هذا الطعام غير ماشي اليوم، حينئذ لازم نحط طعام بديله، -مثلاً- الرز أي بيت يستغني عن أكل الرز، لا فقير
стр. 4661
ولا غني.
إذاً: نطلع بدل القمح الرز، أو نطلع السكر -مثلاً- أو ... أو نحو ذلك، مما هو طعام.
يوجد في بعض الأحاديث: الأقط، والأقط هو الذي تسمونه أنتم هنا الجميد.
مداخلة: اللبن.
الشيخ: اللبن المجمد، نعم. ممكن الإنسان يطلع من هذا الطعام، لكن حقيقة بالنسبة لنا في سوريا في العواصم غير معروف الجميد، لكن في كثير من القرى معروف، فإذا أخرج الإنسان جميداً لبعض الفقراء والمساكين ماشي الحال تماماً، بس هذا يحتاج إلى شيء من المعرفة، أن هذا الإنسان يستعمل الجميد والاّ لأ، لأن الذي أراه أنه يَنْدر استعماله.
كذلك منصوص في بعض الأحاديث التمر، لكن أعتقد أن التمر في هذه البلاد لا يكثر استعماله كما يستعمل في السعودية -مثلاً- فهناك طعام ومغذي، وربما يُقيتهم ويغنيهم عن كثير من الأطعمة.
المهم: الواجب ابتداءً وأصالةً إخراج شيء من هذه الأنواع المنصوصة في نفس الحديث، ولا يخرج إلى طعام آخر كبديل عنه، إلا إذا كان لا يوجد حوله فقراء ومساكين يأكلون من هذا الطعام الذي هو -مثلاً- كما قلنا: الأقط الجميد أو التمر.
كذلك الزبيب مثلاً، الزبيب عندنا يؤكل، لكن ليس طعاماً يُدّخر ويقتاتون به، فالأحسن فيما نعتقد -والله أعلم- هو إخراج الرز ونحو ذلك ..
(الهدى والنور /٢٧٤/ ١٨: ٥٥: ٠٠)
رد قول من أجاز إخراج زكاة الفطر مالاً
مداخلة: بالنسبة للذين يُجَوِّزون إخراج صدقة الفطر مالاً، فيقولون بأن
стр. 4662
الإمام أبا حنيفة ﵀ أجاز ذلك.
علماً: أن ذلك يُخالف صريح أحاديث النبي ﵊، فماذا يقال لهم، يعني؟ يقولون: إن الإمام كمان حجة، الإمام أبو حنيفة ﵀ حجة، وهذا يؤخذ منه يعني، فماذا نقول لهؤلاء؟
الشيخ: نقول لهؤلاء: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
هي المشكلة مع هؤلاء الناس أنهم لا يعرفون قيمة الكتاب والسنة، وأقل ما أقول: لا يعرفون قدر الكتاب والسنة، كما يعرفون قدر الأئمة، ثم هم ينظرون إلى مذاهب الأئمة الأربعة كشرائع أربعة، فيجوز للمسلم أن يأخذ من أيّ شريعة من هذه الشرائع الأربع أو من أي مذهب من هذه المذاهب الأربعة.
ولذلك: فأمثال هؤلاء بحاجة إلى محاضرة يلقيها الإنسان عليهم، ويُفَهِّمُهُم ما هو الدين، هل الدين قال فلان وفلان؟ أو الدين كما قال ابن القيم ﵀:
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتمويه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهةً ... بين الرسول وبين رأي فقيه
كلا ولا جحد الصفات ونفيها ... حذراً من التعطيل والتشبيه
فالشاهد: يجب أن يفهم هؤلاء أن الأمر يعود في كل مسألة اختلف فيها العلماء والفقهاء إلى ما قال الله وإلى ما قال رسول الله ﷺ .
ثم يتبع ذلك بأن نقول: هناك أحاديث تقول بأن النبي ﷺ : «فرض صدقة الفطر صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط أو صاعاً من زبيب» وحديث آخر من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ «فرض صدقة الفطر طُهْرَةً للصائم، وطعمة للمساكين» فالمقصود بهذه الصدقة هو الإطعام بنص هذا الحديث، فوجه نظرهم إلى هذا الحديث وذاك الحديث:
стр. 4663
الحديث الأول: يُفَصِّل نوع الطعام الذي فُرِضَ فيه صدقة الفطر، والحديث الثاني: يُلْفت النظر إلى الحكمة من شرعية صدقة الفطر، فهي لها شعبتان، هذه الحكمة لها شعبتان إحداهما تتعلق بالمُزَكِّي، والأخرى تتعلق بالفقير.
فبالنسبة للحكمة الأولى تقول: «طهرة للصائم» هذه الصدقة طهرة للصائم، وبالنسبة للأخرى «طُعْمَة للمساكين» فأنت لما تعطيه نقداً ما أطعمته.
وكما يتوهم كثير من الناس، وقريباً جرى بيني وبين أحدهم نقاش، يقول مستحسناً مقدماً الرأي والعقل على النقل، يقول: نحن إذا أعطينا الفقير المال فهو يتوسع فيه يشتري ثيابًا لأهله، لأطفاله، لكذا إلى آخره. فنحن قلنا له: يا أخي! المقصود من هذه الصدقة، ليس ما هو المقصود من الصدقة، من الزكاة السنوية التي تجب بشروطها المعروفة منها النصاب كما ذكرنا آنفاً، فينبغي أن يُخْرَج إما من الذهب وإما من الفضة، هنا ليس الأمر كذلك لأنه ليس المقصود التَوْسِعة العامة في كل شيء على الفقير، وإنما المقصود توسعة خاصة وهي في الطعام، وليست هذه التوسعة خاصة يوم العيد لأنه يوم واحد، وإنما توسعة أيضاً لما بعد أيام العيد، وهذا هو الذي يقع حينما يتوفر عند الفقراء والمساكين آصع من هذا الطعام الذي فرضه رب العالمين على لسان نبيه الكريم فيصبح غنياً نوعاً ما شهورًا، وربما أكثر من ذلك على حسب ما ربنا أرشد إليه من الصدقات.
هذه الصدقة ليس المقصود بها إلاّ التوسعة على الفقراء في إطعامهم فقط، ولذلك إذا فهمنا هؤلاء وكان عندهم استعداد أن يَتَجَرّدوا من شيئين: أولاً: العصبية المذهبية، لأنه يقول لك: أنا مذهبي حنفي .. إلى آخره فهذا من الصعب أن نُجَرِّده من هذه العصبية المذهبية، إلا بالمتابعة والملاحقة وبالتي هي أحسن، كمان نريد نجرده من اتباع الهوى، لأن كثيراً من الناس لا يكونون حنفيي المذهب، وإنما يرون برأيهم وبعقلهم أن مذهب أبي حنيفة أنسب في هذا العصر، فيتركوا مذهبهم لمذهب من يخالفونه .... إلا في هذه المسألة فيأخذون برأي الإمام أبي حنيفة؛ لأنه وجد هوىً في نفوسهم.
стр. 4664
فإذاً: نحن علينا أن نُرَبِّي الناس أولاً: عن التجرد عن التعصب المذهبي، وثانياً: عن اتباع الهوى، لأن اتباع الهوى مضلة. نعم.
(الهدى والنور / ٣١٧/ ٠٧: ٣٧: ٠٠)
стр. 4665
متفرقات في أحكام الزكاة
стр. 4666
مشروعية تفريق المرء لزكاته بنفسه
«قال عثمان رضى الله عنه: «هذا شهر زكاتكم, فمن كان عليه دين فليقضه ثم يزكى بقية ماله». صحيح.
تنبيه: استدل المصنف بهذا الأثر والذى بعده على أنه يسن أن يفرق الزكاةَ صاحبُها ليتيقَّن وصولها إلى مستحقِّها, وليس فيهما دلالة صريحة على ذلك, فالأولى الاستدلال بما رواه البيهقى «٤/ ١١٤» فى «باب الرجل يتولى تفرقه زكاة ماله الباطنة بنفسه» عن أبى سعيد المقبرى قال: «جئت عمر بن الخطاب رضى الله عنه بمائتى درهم, قلت: يا أمير المؤمنين هذا زكاة مالى, قال: وقد عتقت يا كيسان؟ قال: قلت: نعم, قال: اذهب بها أنت فاقسمها». وكذا رواه أبو عبيد «١٨٠٥».
قلت: وإسناده حسن.
ويشهد لذلك الحديث المتفق عليه: «سبعة يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل ... ورجل تصدق بيمينه حتى ما تعلم شماله ما أنفقت يمينه».
[إرواء الغليل تحت حديث رقم (٨٥٠)]
لا زكاة على غير المؤمن
[قال رسول الله ﷺ ]: «على المؤمنين في صدقة الثمار - أو مال العقار - عشر ما سقت العين وما سقت السماء، وعلى ما يسقى بالغرب نصف العشر».
[ترجم له الإمام بقوله: لا زكاة على غير المؤمن ثم قال]:
قال البيهقي: «وفيه كالدلالة على أنها لا تؤخذ من أهل الذمة». قلت: وكيف تؤخذ منهم وهم على شركهم وضلالهم، فالزكاة لا تزكيهم وإنما تزكي المؤمن المزكي من درن الشرك كما قال تعالى: «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم». فهذه الآية تدل دلالة ظاهرة على أن الزكاة إنما
стр. 4667
تؤخذ من المؤمنين، لكن الحديث أصرح منها دلالة على ذلك ... وإن من يدرس السيرة النبوية، وتاريخ الخلفاء الراشدين وغيرهم من خلفاء المسلمين وملوكهم يعلم يقينا أنهم لم يكونوا يأخذون الزكاة من غير المسلمين من المواطنين، وإنما كانوا يأخذون منهم الجزية كما ينص عليها الكتاب والسنة. فمن المؤسف أن ينحرف بعض المتفقهة عن سبيل المؤمنين باسم الإصلاح تارة. والعدالة الاجتماعية تارة، فينكروا ما ثبت في الكتاب والسنة وجرى عليه عمل المسلمين بطرق من التأويل أشبه ما تكون بتأويلات الباطنيين من جهة، ومن جهة أخرى يثبتون، ما لم يكونوا يعرفون، بل ما جاء النص بنفيه. والأمثلة على ذلك كثيرة، وحسبنا الآن هذه المسألة التي دل عليها هذا الحديث وكذا الآية الكريمة، فقد قرأنا وسمعنا أن بعض الشيوخ اليوم يقولون: بجواز أن تأخذ الدولة الزكاة من أغنياء جميع المواطنين على اختلاف أديانهم مؤمنهم وكافرهم، ثم توزع على فقرائهم دون أي تفريق، ولقد سمعت منذ أسابيع معنى هذا من أحد كبار مشايخ الأزهر في ندوة تلفزيونية كان يتكلم فيها عن الضمان الاجتماعي في الإسلام، ومما ذكره أن الاتحاد القومي في القاهرة سيقوم بجمع الزكاة من جميع أغنياء المواطنين. وتوزيعها على فقرائهم! فقام أحد الحاضرين أمامه في الندوة وسأله عن المستند في جواز ذلك فقال: لما عقدنا جلسات الحلقات الاجتماعية اتخذنا في بعض جلساتها قرارا بجواز ذلك اعتمادا على مذهب من المذاهب الإسلامية وهو المذهب الشيعي. وأنا أظن أنه يعني المذهب الزيدي.
وهنا موضع العبرة، لقد أعرض هذا الشيخ ومن رافقه في تلك الجلسة عن دلالة الكتاب والسنة واتفاق السلف على أن الزكاة خاصة بالمؤمنين، واعتمد في خلافهم على المذهب الزيدي! وهل يدري القارئ الكريم ما هو السبب في ذلك؟ ليس هو إلا موافقة بعض الحكام على سياستهم الاجتماعية والاقتصادية، وليتها كانت على منهج إسلامي إذن لهان الأمر بعض الشيء في هذا الخطأ الجزئي ولكنه منهج غير إسلامي، بل هو قائم على تقليد بعض الأوربيين الذين لا دين لهم! والإعراض عن الاستفادة من شريعة الله تعالى التي أنزلها على قلب محمد ﷺ لتكون نورا وهداية للناس في كل زمان ومكان، فإلى الله المشتكى من علماء السوء
стр. 4668
والرسوم الذين يؤيدون الحكام الجائرين بفتاويهم المنحرفة عن جادة الإسلام، وسبيل المسلمين، والله يقول: «ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا».
السلسلة الصحيحة (١/ ١/ ٢٧١ - ٢٧٣).
التحايل على الزكاة
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
قوله في التعليق: «لو باع النصاب في أثناء الحول أو أبدله بغير جنسه انقطع حول الزكاة واستأنف حولا آخر».
قلت: ينبغي أن يقيد هذا بما إذا وقع ذلك اتفاقا لا لقصد الخلاص من الزكاة كما يروى عن بعض الحنفية أنه كان إذا قارب انتهاء حول النصاب وهب المال لزوجته حتى إذا انتهى الحول استرده منها لأن العود بالهدية جائز عندهم على تفصيل فيه فمن احتال هذه الحيلة - التي يسميها بعضهم حيلة شرعية - فإني أرى أن يؤخذ منه الزكاة وشطر ماله على حديث بهز بن حكيم المذكور في الكتاب فإن المحتال أولى بهذا الجزاء من الممتنع دون حيلة فتأمل.
وراجع ما سيأتي في الكتاب تحت عنوان: «الفرار من الزكاة».
[تمام المنة ص «٣٥٩»]
متاع البيت لا زكاة عليه اتفاقا
قال الإمام: متاع البيت لا زكاة عليه اتفاقا.
[تمام المنة ص «٣٦٣»]
стр. 4669
إخراج القيمة في الزكاة بدل العين
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
قوله تحت عنوان: دفع القيمة بدل العين: «وقد روى البخاري معلقا بصيغة الجزم أن معاذا قال لأهل اليمن: ايتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي ﷺ بالمدينة».
قلت: في هذا الكلام إشعار بأن الأثر المذكور عن معاذ صحيح وليس كذلك فإنما علقه البخاري هكذا: «قال طاوس: قال معاذ ... » وهذا منقطع بين طاوس ومعاذ قال الحافظ في شرحه:
«هذا التعليق صحيح الإسناد إلى طاوس لكن طاوس لم يسمع من معاذ فهو منقطع فلا يغتر بقول من قال: «ذكره البخاري بالتعليق الجازم فهو صحيح عنده» لأن ذلك لا يفيد إلا الصحة إلى من علق عنه وأما باقي الإسناد فلا؟ إلا أن إيراده له في معرض الاحتجاج به يقتضي قوته عنده».
ثم لو صح هذا الأثر لم يدل على قول أبي حنيفة أنه لا فرق بين القيمة والعين بل يدل لقول من يجوز إخراج القيمة مراعاة لمصلحة الفقراء والتيسير على الأغنياء وهو اختيار ابن تيمية قال في «الاختيارات»:
«ويجوز إخراج القيمة في الزكاة لعدم العدول عن الحاجة والمصلحة مثل.
أن يبيع ثمرة بستانه أو زرعه فهنا إخراج عشر الدراهم يجزئه ولا يكلف أن يشتري تمرا أو حنطة فإنه قد ساوى الفقير بنفسه وقد نص أحمد على جواز ذلك ومثل أن تجب عليه شاة في الإبل وليس عنده شاة فإخراج القيمة كاف ولا يكلف السفر لشراء شاة أو أن يكون المستحقون طلبوا القيمة لكونها أنفع لهم فهذا جائز».
[تمام المنة ص «٣٧٩»]
стр. 4670
من الذي يقوم بجمع الزكاة وتوزيعها ؟
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
قوله تحت عنوان: من الذي يقوم بتوزيع الزكاة؟ : «كان رسول الله ﷺ يبعث نوابه ليجمعوا الصدقات ويوزعها على المستحقين وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك لا فرق بين الأموال الظاهرة والباطنة فلما جاء عثمان سار على هذا النهج زمنا إلا أنه لما رأى كثرة الأموال الباطنة ووجد أن في تتبعها حرجا على الأمة وفي تفتيشها ضررا بأربابها فوض أداء زكاتها إلى أصحاب الأموال».
قلت: فيه ملاحظات:
الأولى: لم أجد في السنة أن النبي ﷺ كان يبعث من يجمع الصدقات من الأموال الباطنة وهي عروض التجارة والذهب والفضة والركاز كما ذكر المؤلف نفسه ولا وجدت أحدا من المحدثين ذكر ذلك بل صرح ابن القيم بنفي ذلك بل إنه نفى أن يكون البعث المذكور في الكتاب في الأموال الظاهرة على عمومه حيث قال في «الزاد»:
«كان ﷺ يبعث سعاته إلى البوادي ولم يكن يبعثهم إلى القرى ولم يكن من هديه ﷺ أن يبعث سعاته إلا إلى أهل الأموال الظاهرة من المواشي والزروع والثمار».
ولو صح ما ذكره المؤلف لكان دليلا من السنة على وجوب الزكاة على عروض التجارة. فتأمل.
وقال أبو عبيد رقم ١٦٤٤:
«سنة الصامت خاصة أن يكون الناس فيه مؤتمنين عليه».
ثانيا: لم أجده كذلك عن الخلفاء الثلالة بل روى أبو عبيد رقم ١٨٠٥ والبيهقي ٤/ ١١٤ عن أبي سعيد المقبري قال:
«أتيت عمر بن الخطاب فقلت: يا أمير المؤمنين! هذه زكاة مالي - قال: وأتيته
стр. 4671
بمائتي درهم - فقال: أعتقت يا كيسان؟ فقلت: نعم فقال: فاذهب بها أنت فاقسمها». إسناده جيد.
فهذا عمر ﵁ قد أولج تفريق الزكاة إلى صاحبها خلافا لما نقله المؤلف عنه وقد ترجم البيهقي لهذا الأثر بـ «باب الرجل يتولى تفرقة زكاة ماله الباطنة بنفسه».
ثالثا: ما نقله عن عثمان أنه سار على ذلك النهج ... الخ لم أجد له أصلا في شيء من كتب الآثار ولا ذكره أحد من أئمة الحديث فيما علمت.
والظاهر أن المؤلف نقله - وكذا ما قبله - من بعض كتب الفقه أو غيرها التي لا تتحرى الثابت مما يروى.
والله أعلم.
[تمام المنة ص «٣٨٢»]
стр. 4672
جامع تراث العلامة الألباني في الفقه
صَنَعَهُ
د. شادي بن محمد بن سالم آل نعمان
المجلد الحادي عشر
[كتاب الحج]
стр. 4673
حجة النبي ﷺ
стр. 4674
وجوب انعكاس أثر الحج على حياة الحجيج وأهمية الابتعاد عن المعاصي فيه (١)
إن كثيرا من الحجاج إذا أحرموا بالحج لا يشعرون أبدا أنهم تلبسوا بعبادة تفرض عليهم الابتعاد عما حرم الله تعالى من المحرمات عليهم خاصة وعلى كل مسلم عامة، وكذا تراهم يحجون ويفرغون منه ولم يتغير شيء من سلوكهم المنحرف قبل الحج، وذلك دليل عملي منهم على أن حجهم ليس كاملا إن لم نقل: ليس مقبولا، ولذلك فإن على كل حاج أن يتذكر هذا وأن يحرص جهد طاقته أن لا يقع فيما حرم الله عليه من الفسق والمعاصي، فإن الله ﵎ يقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
وقال رسول الله ﷺ : «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه» أخرجه الشيخان. والرفث: هو الجماع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وليس في المحظورات ما يفسد الحج إلا جنس الرفث فلهذا ميز بينه وبين الفسوق، وأما سائر المحظورات كاللباس والطيب فإنه وإن كان يأثم بها فلا تفسد الحج عند أحد من الأئمة المشهورين» وهو يشير في آخر كلامه إلى أن هناك من العلماء من يقول بفساد الحج بأي معصية يرتكبها الحاج، فمن هؤلاء الإمام ابن حزم ﵀ فإنه يقول: «وكل من تعمد معصية أي معصية كانت وهو ذاكر لحجه مذ أن يتم طوافه بالبيت للإفاضة ويرمي الجمرة فقد بطل حجه ... » واحتج بالآية السابقة فراجعه في كتابه «المحلى» «٧/ ١٨٦» فإنه مهم. ومما سبق يتبين أن المعصية من الحاج إما أن تفسد عليه حجه على قول ابن حزم، وإما أن يأثم بها، ولكن هذا الإثم ليس كما لو صدر من غير الحاج بل هو أخطر بكثير، فإن من آثاره أن لا يرجع من ذنوبه كما ولدته أمه كما صرح بذلك الحديث
стр. 4675
المتقدم. فبذلك يكون كما لو خسر حجته لأنه لم يحصل على الثمرة منها وهي مغفرة الله تعالى فالله المستعان.
[حجة النبي ﷺ ص ٥]
بعض المعاصي التي يجب على الحاج الابتعاد عنها
لا بد لي من أن أحذر من بعض المعاصي التي يكثر ابتلاء الناس بها، ويحرمون بالحج ولا يشعرون إطلاقا بأن عليهم الإقلاع عنها ذلك لجهلهم وغلبة الغفلة عليهم وتقليدهم لآبائهم:
١ - الشرك بالله : فإن من أكبر المصائب التي أصيب بها بعض المسلمين جهلهم بحقيقة الشرك الذي هو من أكبر الكبائر ومن صفته أنه يحبط الأعمال: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ - محمد: ٦٥. فقد رأينا كثيرا من الحجاج يقعون في الشرك وهم في بيت الله الحرام وفي مسجد النبي ﵊، يتركون دعاء الله والاستغاثة به إلى الاستعانة بالأنبياء بالصالحين ويحلفون بهم ويدعونهم من دون الله ، والله يقول: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير﴾ - فاطر: ١٤. والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا، وفي هذه كفاية لمن فتح قلبه للهداية. إذ ليس الغرض الآن البحث العلمي في هذه المسألة وإنما هو التذكير فقط. فليت شعري ماذا يستفيد هؤلاء من حجهم إلى بيت الله الحرام إذا كانوا يصرون على مثل هذا الشرك ويغيرون اسمه فيسمونه: توسلا تشفعا وواسطة، أليس هذه الواسطة هي التي ادعاها المشركون من قبل، يبررون بها شركهم وعبادتهم لغيره ﵎: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ - الزمر: ٣ فيا أيها الحاج قبل أن تعزم على الحج يجب عليك وجوبا عينيا أن تبادر إلى معرفة التوحيد الخالص وما ينافيه من الشرك وذلك بدراسة كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فإن من تمسك بهما نجا ومن حاد عنهما ضل، والله المستعان.
стр. 4676
٢ - التزين بحلق اللحية: وهذه المعصية من أكثر المعاصي شيوعا بين المسلمين في هذا العصر بسبب استيلاء الكفار على أكثر بلادهم ونقلهم هذه المعصية إليها وتقليد المسلمين لهم فيها مع نهيه ﷺ إياهم عن ذلك صراحة في قوله ﵊: «خالفوا المشركين احفوا الشوارب وأوفوا اللحى» رواه شيخان، وفي حديث آخر: «وخالفوا أهل الكتاب». وفي هذه القبيحة عدة مخالفات:
الأولى: مخالفة أمره ﷺ الصريح بالإعفاء.
الثانية: التشبه بالكفار.
الثالثة: تغيير خلق الله الذي فيه طاعة الشيطان في قوله كما حكى الله تعالى ذلك عنه: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾.
الرابعة: التشبه بالنساء وقد لعن رسول الله ﷺ من فعل ذلك. وانظر تفصيل هذا الإجمال في كتابنا «آداب الزفاف في السنة المطهرة» «ص ١٢٦ - ١٣١».
وإن من المشاهدات التي يراها الحريص على دينه أن جماهير من الحجاج يكونون قد وفروا لحاهم بسبب إحرامهم فإذا تحللوا منه فبدل أن يحلقوا رؤوسهم كما ندب إليه رسول الله ﷺ حلقوا لحاهم التي أمرهم ﷺ بإعفائها، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
٣ - تختم الرجال بالذهب: لقد رأينا كثيرا من الحجاج قد تزينوا بخاتم الذهب ولدى البحث معهم في ذلك تبين أنهم على ثلاثة أنواع: بعضهم لا يعلم تحريمه ولذلك كان يسارع إلى نزعه بعد أن نذكر له شيئا من النصوص المحرمة كحديث: «نهى ﷺ عن خاتم الذهب» متفق عليه. وقوله ﷺ : «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده؟ » رواه مسلم.
وبعضهم على علم بالتحريم ولكنه متبع لهواه فهذا لا حيلة لنا فيه إلا أن يهديه الله. وبعضهم يعترف بالتحريم ولكن يعتذر بعذر هو كما يقال أقبح من ذنب فيقول: إنه خاتم الخطبة. ولا يدري المسكين أنه بذلك يجمع بين معصيتين: مخالفة
стр. 4677
نهيه ﷺ الصريح كما تقدم وتشبه بالكفار، لأن خاتم الخطبة لم يكن معروفا عند المسلمين إلى ما قبل هذا العصر ثم سرت هذه العادة إليهم من تقاليد النصارى, وقد فصلت القول في هذه المسألة في «آداب الزفاف» أيضا «ص ١٣١ - ١٣٨» وبينت فيه أن النهي المذكور يشمل النساء أيضا خلافا للجمهور فراجع «ص ١٣٩ - ١٦٧» فإنه مهم جدا.
[حجة النبي ﷺ ص ٦]
أهمية دراسة مناسك الحج على ضوء الكتاب والسنة الصحيحة لمن أراد الحج
ننصح لكل من أراد الحج أن يدرس مناسك الحج على ضوء الكتاب والسنة قبل أن يباشر أعمال الحج ليكون تاما مقبولا عند الله ﵎.
[حجة النبي ﷺ ص ١٠]
وجوب التمتع
المناسك قد وقع فيها من الخلاف - مع الأسف - ما وقع في سائر العبادات من ذلك، مثلا: هل الأفضل أن ينوي في حجه التمتع أم القران أم الإفراد؟ على ثلاثة مذاهب، والذي نراه من ذلك إنما هو التمتع فقط كما هو مذهب الإمام أحمد وغيره بل ذهب بعض العلماء المحققين إلى وجوبه إذا لم يسق معه الهدي منهم ابن حزم وابن القيم تبعا لابن عباس وغيره من السلف، وتجد تفصيل القول في ذلك في كتاب «المحلى» و «زاد المعاد» وغيرهما، ولست أريد الآن الخوض في هذه المسألة بتفصيل وإنما أريد أن أذكر بكلمة قصيرة تنفع إن شاء الله تعالى من كان مخلصا وغايته اتباع الحق وليس تقليد الآباء أو المذهب فأقول: لا شك أن الحج كان في أول استئنافه ﷺ إياه جائزا بأنواعه الثلاثة المتقدمة وكذلك كان أصحابه ﷺ -
стр. 4678
منهم المتمتع ومنهم القارن ومنهم المفرد لأنه ﷺ خيرهم في ذلك كما في حديث عائشة ﵂: «خرجنا مع رسول الله ﷺ فقال: من أرد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل ومن أراد أن يهل بحج فليهل ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل ... » الحديث رواه مسلم.
وكان هذا التخيير في أول إحرامهم عند الشجرة (١) كما في رواية لأحمد «٦/ ٢٤٥» ولكن النبي ﷺ لم يستمر على هذا التخيير بل نقلهم إلى ما هو أفضل وهو التمتع دون أن يعزم بذلك عليهم أو يأمرهم به وذلك في مناسبات شتى في طريقهم إلى مكة، فمن ذلك حينما وصلوا إلى «سرف» وهو موضع قريب من التنعيم وهو من مكة على نحو عشرة أميال فقالت عائشة في رواية عنها: « ... فنزلنا سرف فقال النبي ﷺ لأصحابه: من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدي فلا، قالت: فالآخذ بها والتارك لها من أصحابه [ممن لم يكن معه هدي] ... » الحديث متفق عليه والزيادة لمسلم. ومن ذلك لما وصل ﷺ إلى «ذي طوى» وهو موضع قريب من مكة وبات بها فلما صلى الصبح قال لهم: «من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها عمرة» أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس، ولكنا رأيناه ﷺ لما دخل مكة وطاف هو وأصحابه طواف القدوم لم يدعهم على الحكم السابق وهو الأفضلية بل نقلهم إلى حكم جديد وهو الوجوب فإنه أمر من كان لم يسق الهدي منهم أن يفسخ الحج إلى عمرة ويتحلل فقالت عائشة ﵂: «خرجنا مع النبي ﷺ ولا نرى إلا أنه الحج، فلما قدمنا مكة تطوفنا بالبيت فأمر النبي ﷺ من لم يكن ساق الهدي أن يحل قالت: فحل من لم يكن ساق الهدي ونساؤه لم يسقن فأحللن ... » الحديث متفق عليه. وعن ابن عباس نحوه بلفظ: «فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله أي الحل؟ قال: الحل كله» متفق عليه. وفي حديث جابر نحوه وأوضح منه كما يأتي فقرة «٣٣ - ٤٥».
стр. 4679
قلت: فمن تأمل في هذه الأحاديث الصحيحة تبين له بيانا لا يشوبه ريب أن التخيير الوارد فيها إنما كان منه ﷺ لإعداد النفوس وتهيئتها لتقبل حكم جديد قد يصعب ولو على البعض تقبله بسهولة لأول وهلة ألا وهو الأمر بفسخ الحج إلى العمرة لا سيما وقد كانوا في الجاهلية - كما هو ثابت في «الصحيحين» - يرون أن العمرة لا تجوز في أشهر الحج وهذا الرأي وإن كان رسول الله ﷺ قد أبطله باعتماره ﷺ ثلاث مرات في ثلاث سنوات كلها في شهر ذي القعدة فهذا وحده وإن كان كافيا في إبطال تلك البدعة الجاهلية، فإنه ولا قرينة هنا، بل لا يكفي - والله أعلم - لإعداد النفوس لتقبل الحكم الجديد، فلذلك مهد له ﷺ بتخييرهم بين الحج والعمرة مع بيان ما هو الأفضل لهم ثم أتبع ذلك بالأمر الجازم بفسخ الحج إلى العمرة كما تقدم.
فإذا عرفنا ذلك فهذا الأمر للوجوب قطعا ويدل على ذلك الأمور التالية:
الأول: أن الأصل فيه الوجوب إلا لقرينة ولا قرينة هنا بل والقرينة هنا تؤكده وهي الأمر التالي وهو:
الثاني: أنه ﷺ لما أمرهم تعاظم عندهم كما تقدم آنفا، ولو لم يكن للوجوب لم يتعاظموه، ألم تر أنه ﷺ قد أمرهم من قبل ثلاث مرات أمر تخيير ومع ذلك لم يتعاظموه، فدل على أنهم فهموا من الأمر الوجوب وهو المقصود.
الثالث: أن في رواية في حديث عائشة ﵂ قالت: « ... فدخل علي وهو غضبان فقلت: من أغضبك يا رسول الله؟ أدخله الله النار. قال: أوما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون -قال الحكم كأنهم يترددون- أحسب ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي معي حتى أشتريه ثم أحل كما حلوا». رواه مسلم والبيهقي وأحمد «٦/ ١٧٥». ففي غضبه ﷺ دليل واضح على أن أمره كان للوجوب لا سيما وأن غضبه ﷺ إنما كان لترددهم لا من أجل امتناعهم من تنفيذ الأمر وحاشاهم من ذلك، ولذلك حلوا جميعا إلا من كان معه هدي كما يأتي في الفقرة «٤٤».
стр. 4680
الرابع: قوله ﷺ : لما سألوه عن الفسخ الذي أمرهم به: «ألعامنا هذا أم لأبد الأبد؟ » فشبك ﷺ أصابعه واحدة في أخرى وقال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة لا بل لأبد أبد لا بل لأبد أبد». كما يأتي في الفقرة «٢٤».
فهذا نص صريح على أن العمرة أصبحت جزءا من الحج لا يتجزأ وأن هذا الحكم ليس خاصا بالصحابة كما يظن البعض بل هو مستمر إلى الأبد. (١).
خامسا: أن الأمر لو لم يكن للوجوب لكفى أن ينفذه بعض الصحابة فكيف وقد رأينا رسول الله ﷺ لا يكتفي بأمر الناس بالفسخ أمرا عاما، فهو تارة يأمر بذلك ابنته فاطمة ﵂ كما يأتي «فقرة ٤٨»، وتارة يأمر به أزواجه كما في «الصحيحين» عن ابن عمر: أن النبي ﷺ أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع، قالت حفصة: فقلت: ما يمنعك أن تحل؟ قال: «إني لبدت رأسي ... » الحديث. ولما جاء أبو موسى من اليمن حاجا قال له ﷺ : «بم أهللت»؟ قال: أهللت بإهلال النبي ﷺ . قال: هل سقت من الهدي؟ قال: لا. قال: «فطف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل ... » الحديث.
فهل هذا الحرص الشديد من النبي ﷺ على تبليغ أمره بالفسخ إلى كل مكلف لا يدل على الوجوب؟ اللهم إن الوجوب ليثبت بأدنى من هذا. ولوضوح هذه الأدلة الدالة على وجوب الفسخ بله التمتع لم يسع المخالفين لها إلا التسليم بدلالتها، ثم اختلفوا في الإجابة عنها فبعضهم ادعى خصوصية ذلك بالصحابة وقد عرفت بطلان ذلك مما سبق.
وبعضهم ادعى نسخه ولكنهم لم يستطيعوا أن يذكروا ولو دليلا واحدا يحسن ذكره والرد عليه اللهم إلا نهي عمر ﵁ وكذا عثمان وابن الزبير كما في «الصحيحين» وغيرهما.
والجواب من وجوه:
стр. 4681
الأول: أن الذين يحتجون بهذا النهي عن المتعة لا يقولون به لأن من مذهبهم جوازها فما كان جوابهم عنه فهو جوابنا.
الثاني: أن هذا النهي قد أنكره جماعة من أصحاب النبي ﷺ منهم: علي وعمران بن حصين وابن عباس وغيرهم.
الثالث: أنه رأي مخالف للكتاب فضلا عن السنة قال الله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ البقرة: ١٩٦. وقد أشار إلى هذا المعنى عمران بن حصين ﵁ بقوله: «قال: تمتعنا مع رسول الله ﷺ ولم ينزل فيه القرآن «وفي رواية: نزلت آية المتعة في كتاب الله - يعني متعة الحج - وأمرنا بها رسول الله ﷺ حتى مات» قال رجل برأيه بعد ما شاء». رواه مسلم.
وقد صرح عمر ﵁ بمشروعية التمتع وأن نهيه عنه أو كراهته له إنما هو رأي رآه لعلة بدت له فقال: «قد علمت أن النبي ﷺ قد فعله وأصحابه ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن (١) في الأراك (٢) ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم» رواه مسلم وأحمد.
ومن الأمور التي تستلفت نظر الباحث أن هذه العلة التي اعتمدها عمر ﵁ في كراهته التمتع هي عينها التي تذرع بها الصحابة الذين لم يبادروا إلى تنفيذ أمره ﷺ بالفسخ في ترك المبادرة فقالوا: «خرجنا حجاجا لا نريد إلا الحج حتى إذا لم يكن بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال أمرنا أن نفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني من النساء ... » انظر الفقرة «٤٠» وقد رد النبي ﷺ ذلك بقوله: «أبالله تعلموني أيها الناس؟ قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم، افعلوا ما آمركم به فإني لولا هديي لحللت كما تحلون» «فقرة ٤٢». فهذا يبين لنا عمر ﵁ لو استحضر حين كرة للناس التمتع قول الصحابة هذا الذي هو مثل قوله،
стр. 4682
وتذكر معه رد النبي ﷺ عليهم، لما كره ذلك ونهى الناس عنه. وفي هذا دليل على أن الصحابي الجليل قد تخفى عليه سنة من سنن رسول الله ﷺ أو قول من أقواله فيجتهد برأيه فيخطئ وهو مع ذلك مأجور غير مأزور والعصمة لله وحده ثم لرسوله. وقد يقول قائل: إن ما ذكرته من الأدلة على وجوب التمتع وعلى رد ما يخالفه واضح مقبول ولكن يشكل عليه ما يذكره البعض أن الخلفاء الراشدين جميعا كانوا يفردون الحج فكيف التوفيق بين هذا وبين ما ذكرت؟
والجواب: أنه سبق أن بينا أن التمتع إنما يجب على من لم يسق الهدي، وأما من ساق الهدي فلا يجب عليه ذلك، بل لا يجوز له وإنما عليه أن يقرن وهو الأفضل أو يفرد، فيحتمل أن ما ذكر عن الخلفاء من الإفراد إنما هو لأنهم كانوا ساقوا الهدي. وحينئذ فلا منافاة والحمد لله.
وخلاصة القول: أن على كل من أراد الحج أن يأتي إحرامه بالعمرة ثم يتحلل منها بعد فراغه من السعي بين الصفا والمروة بقص شعره. وفي اليوم الثامن من ذي الحجة يحرم بالحج، فمن كان لبى بالقران أو الحج المفرد فعليه أن يفسخ ذلك بالعمرة إطاعة لنبيه ﷺ والله يقول: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ - النساء: ٨٠، وعلى المتمتع بعد ذلك أن يقدم هديا يوم النحر أو في أيام التشريق وهو من تمام النسك وهو دم شكران وليس دم جبران وهو - كما قال ابن القيم - بمنزلة الأضحية للمقيم وهو من تمام عبادة هذا اليوم، فالنسك المشتمل على الدم بمنزلة العيد المشتمل على الأضحية وهو من أفضل الأعمال فقد جاء من طرق أن النبي ﷺ سئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: «العج والثج» وصححه ابن خزيمة والحاكم والذهبي وحسنه المنذري، والعج: رفع الصوت بالتلبية. والثج: إراقة دم الهدي. وعليه أن يأكل من هديه كما فعل رسول الله ﷺ على ما يأتي بيانه «فقرة ٩٠» ولقوله فيما يذبح من الهدي في منى ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير﴾ - الحج: ٢٨ وقد اتصلنا بكثير من الحجاج فعرفنا منهم أنهم مع كونهم يعلمون أن التمتع أفضل من الإفراد فكانوا يفردون ثم يأتون بالعمرة بعد الحج من التنعيم وذلك لئلا يلزمهم الهدي.
وفي هذا من المخالفة للشارع الحكيم والاحتيال على شرعه ما لا يخفى فساده فإن الله بحكمته شرع العمرة قبل الحج وهم يعكسون ذلك، وأوجب على المتمتع
стр. 4683
هديا وهم يفرون منه، وليس ذلك من عمل المتقين، ثم هم يطمعون أن يتقبل الله حجهم وأن يغفر ذنبهم هيهات هيهات ف ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِين﴾ - المائدة: ٢٧، وليس من البخلاء المحتالين.
فكن أيها الحاج متقيا لربك متبعا لسنة نبيك في مناسكك عسى أن ترجع من ذنوبك كيوم ولدتك أمك.
[حجة النبي ﷺ ص ١٠ - ٢١]
التحذير من ترك البيات في منى ليلة عرفة والبيات في مزدلفة
ثالثا: واحذر يا أخي أن تدع البيات في منى ليلة عرفة وكذا البيات في المزدلفة ليلة النحر فذلك من هدي نبيك ﷺ ، لا سيما في البيات في المزدلفة حتى الصبح ركن من أركان الحج على الراجح من أقوال أهل العلم. ولا تغتر بما يزخرف لك من القول بعض من يسمون بـ «المطوفين» فإنهم لا هم لهم إلا قبض الفلوس وتقليل العمل الذي أخذوا عليه الأجر كافيا وافيا على أدائه بتمامه، وسواء عليهم بعد ذلك أتم حجك أم نقص، أتبعت سنة نبيك أم خالفت؟
[حجة النبي ﷺ ص ٢٠]
تحذير الحجيج من المرور بين يدي المصلين
واحذر أيضا يا أخي [الحاج] من أن تمر بين يدي أحد من المصلين في المسجد الحرام وفي غيره من المساجد لقوله ﷺ : «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه». قال الراوي: لا أدري قال: أربعين يوما أو شهرا أو سنة. رواه الشيخان في «صحيحيهما». وكما لا يجوز لك هذا فلا يجوز لك أيضا أن تصلي إلى غير سترة بل عليك أن تصلي إلى أي شيء يمنع الناس من المرور بين يديك. فإن أراد أحد أن يجتاز بينك وبين سترتك فعليك أن تمنعه. وفي ذلك أحاديث وآثار أذكر بعضها:
стр. 4684
١ - «إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ولا يبالي من مر من وراء ذلك».
٢ - إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفع في نحره وليدرأ ما استطاع فإن أبى فليقاتل فإنما هو شيطان» (١).
٣ - قال يحيى بن كثير: «رأيت أنس بن مالك دخل المسجد الحرام فركز شيئا أو هيأ شيئا يصلي إليه». رواه ابن سعد «٧/ ١٨» بسند صحيح.
٤ - عن صالح بن كيسان قال:
«رأيت ابن عمر يصلي في الكعبة ولا يدع أحدا يمر بين يديه». رواه أبو زرعة الرازي في «تاريخ دمشق» «٩١/ ١» «٢» وكذا ابن عساكر في «تاريخ دمشق» «٨/ ١٠٦ / ٢» بسند صحيح. ففي الحديث الأول إيجاب اتخاذ السترة وأنه إذا فعل ذلك فلا يضره من مر وراءها.
стр. 4685
وفي الحديث الثاني: إيجاب دفع المار بين يدي المصلي إذا كان يصلي إلى السترة وتحريم المرور عمدا وأن فاعل ذلك شيطان. وليت شعري ما هو الكسب الذي يعود به الحاج إذا رجع وقد استحق هذا الاسم: «الشيطان»؟ والحديثان وما في معناهما مطلقان لا يختصان بمسجد دون مسجد ولا بمكان دوم مكان فهما يشملان المسجد الحرام والمسجد النبوي من باب أولى، لأن هذه الأحاديث إنما قالها ﷺ في مسجده فهو المراد بها أصالة والمساجد الأخرى تبعا. والأثران المذكوران نصان صريحان على أن المسجد الحرام داخل في تلك الأحاديث، فما يقال من بعض المطوفين وغيرهم أن المسجد المكي والمسجد النبوي مستثنيان من النهي لا أصل له في السنة ولا عن أحد من الصحابة، اللهم سوى حديث واحد روي في المسجد المكي لا يصح إسناده ولا دلالة فيه على الدعوى كما سيأتي بيانه في «بدع الحج» «الفقرة ١٢٤».
[حجة النبي ﷺ ص ٢١]
أهمية اغتنام أهل العلم لموسم الحج في تعليم الحجاج وبيان الجدل المذموم في الحج
على أهل العلم والفضل أن يغتنموا فرصة التقائهم بالحجاج في المسجد الحرام وغيره من المواطن المقدسة فيعلِّموهم ما يلزم من مناسك الحج وأحكامه على وفق الكتابة السنة، وأن لا يشغلهم ذلك عن الدعوة إلى أصل الإسلام الذي من أجله بعثت الرسل وأنزلت الكتب ألا وهو التوحيد، فإن أكثر من لقيناهم حتى ممن ينتمي إلى العلم وجدناهم في جهل بالغ بحقيقة التوحيد وما ينافيه من الشركيات والوثنيات، كما أنهم في غفلة تامة عن ضرورة رجوع المسلمين على اختلاف مذاهبهم وكثرة أحزابهم إلى العمل الثابت في الكتاب والسنة في العقائد والأحكام والمعاملات والأخلاق والسياسة والاقتصاد وغير ذلك من شؤون الحياة، وأن أي صوت يرتفع وأي إصلاح يزعم على غير هذا الأصل القويم والصراط المستقيم
стр. 4686
فسوف لا يجني المسلمون منه إلا ذلا وضعفا والواقع أكبر شاهد على ذلك والله المستعان. وقد تتطلب الدعوة إلى ما سبق شيئا قليلا أو كثيرا من الجدال بالتي هي أحسن كما قال الله : ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ - النحل: ١٢٥. فلا يصدنك عن ذلك معارضة الجهلة بقوله تعالى: « ... فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج» - البقرة: ١٩٦.
فإن الجدال المنهي عنه في الحج هو كالفسق المنهي عنه في غير الحج أيضا وهو الجدال بالباطل وهو غير الجدال المأمور به في آية الدعوة قال ابن حزم ﵀ «٧/ ١٩٦»: «والجدال قسمان: قسم واجب وحق وقسم في باطل فالذي في الحق واجب في الإحرام وغير الإحرام قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ ومن جادل في طلب حق به فقد دعا إلى سبيل ربه تعالى وسعى في إظهار الحق والمنع من الباطل، وهكذا كل من جادل في حق لغيره أو لله تعالى، والجدال بالباطل وفي الباطل عمدا ذاكرا لإحرامه مبطل للإحرام وللحج لقوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهذا كله على أن «الجدال» في الآية بمعنى المخاصمة والملاحاة حتى تغضب صاحبك. وقد ذهب إلى هذا المعنى جماعة من السلف وعزاه ابن قدامة في «المغني» «٣/ ٢٩٦» إلى الجمهور ورجحه. وهناك في تفسيره قول آخر: وهو المجادلة في وقت الحج ومناسكه واختاره ابن جرير ثم ابن تيمية في «مجموعة الرسائل الكبرى» «٢/ ٣٦١» وعلى هذا فالآية غير واردة فيما نحن فيه أصلا. والله أعلم. ومع ذلك فإنه ينبغي أن يلاحظ الداعية أنه إذا تبين له أنه لا جدوى من المجادلة مع المخالف له لتعصبه لرأيه وأنه إذا صابره على الجدل فلربما ترتب عليه ما لا يجوز، فمن الخير له حينئذ أن يدع الجدال معه لقوله ﷺ : «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا». رواه أبو داود بسند حسن عن أبي أمامة وللترمذي نحوه من حديث أنس وحسنه وفقنا الله والمسلمين لمعرفة سنة نبيه ﷺ واتباع هديه.
[حجة النبي ﷺ ص ٢٣ - ٢٥]
стр. 4687
أمور يتحرج منها الحجاج وهي جائزة
هذه الأمور يتحرج منها بعض الحجاج وهي جائزة:
١ - الاغتسال لغير احتلام ودلك الرأس، ففي «الصحيحين» وغيرهما عن عبد الله بن حنين عن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء فقال عبد الله بن عباس: يغسل المحرم رأسه. وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه. فأرسلني عبد الله بن العباس إلى أبي أيوب الأنصاري أسأله عن ذلك فوجدته يغتسل بين القرنين وهو يستتر بثوب، فسلمت عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله بن حنين أرسلني إليك عبد الله بن العباس أسألك كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسه ثم قال لإنسان يصب عليه: اصبب فصب على رأسه ثم حرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، وقال: هكذا رأيته ﷺ يفعل. زاد مسلم: «فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبدا».
وروى البيهقي بسند صحيح عن ابن عباس قال: «ربما قال لي عمر بن الخطاب ﵁: تعال أباقيك في الماء أينا أطول نفسا ونحن محرمون». وعن عبد الله بن عمر «أن عاصم بن عمر وعبد الرحمن بن زيد وقعا في البحر يتمالقان «يتغاطسان» يغيب أحدهما رأس صاحبه وعمر ينظر إليهما فلم ينكر ذلك عليهما».
٢ - حك الرأس ولو سقط بعض الشعر، وحديث أبي أيوب المتقدم آنفا دليل عليه وروى مالك «١/ ٣٥٨ / ٩٢» عن أم علقمة بن أبي علقمة أنها قالت: سمعت عائشة زوج النبي ﷺ تُسأل عن المحرم: أيحك جسده؟ فقالت: "نعم، فليحكه وليشدد، ولو ربطت يداي ولم أجد إلا رجلي لحككت". وسنده حسن في الشواهد
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «المجموعة الكبرى» «٢/ ٣٦٨»: وله أن يحك بدنه إذا حكه وكذلك إذا اغتسل وسقط شيء من شعره بذلك لم يضره».
стр. 4688
٣ - الاحتجام ولو بحلق الشعر مكان الحجم لحديث ابن بحينة ﵁ قال: «احتجم النبي ﷺ وهو محرم بـ «لحي جمل» - موضع بطريق مكة - في وسط رأسه». متفق عليه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مناسكه» «٢/ ٣٣٨»: «وله أن يحك بدنه إذا حكه ويحتجم فى رأسه وغير رأسه وإن احتاج أن يحلق شعرا لذلك جاز فإنه قد ثبت في «ثم ساق هذا الحديث ثم قال» ولا يمكن ذلك إلا مع حلق بعض الشعر، وكذلك إذا اغتسل وسقط شيء من شعره بذلك لم يضره وإن تيقن أنه انقطع بالغسل» وهذا مذهب الحنابلة كما في «المغني» «٣/ ٣٠٦» ولكنه قال: «وعليه الفدية». وبه قال مالك وغيره. ورده ابن حزم بقوله: «٧/ ٢٥٧» عقب هذا الحديث: «لم يخبر ﵇ أن في ذلك غرامة ولا فدية، ولو وجبت لما أغفل ذلك وكان ﵇ كثير الشعر أفرع (١) وإنما نهينا عن حلق الرأس في الإحرام».
٤ - شم الريحان وطرح الظفر إذا انكسر. قال ابن عباس ﵁: «المحرم يدخل الحمام، وينزع ضرسه، ويشم الريحان، وإذا انكسر ظفره طرحه، ويقول: أميطوا عنكم الأذى فإن الله لا يصنع بأذاكم شيئا»
رواه البيهقي «٥/ ٦٢ - ٦٣» بسند صحيح. وإلى هذا ذهب ابن حزم «٧/ ٢٤٦». وروى مالك عن محمد بن عبد الله بن أبي مريم أنه سأل سعيد بن المسيب عن ظفر له انكسر وهو محرم؟ فقال سعيد: اقطعه.
٥ - الاستظلال بالخيمة أو المظلة «الشمسية» وفي السيارة، ورفع سقفها من بعض الطوائف تشدد وتنطع في الدين ولم يأذن به رب العالمين. فقد صح أن النبي ﷺ أمر بنصب القبة له بـ «نمرة» ثم نزل بها كما سيأتي في الكتاب فقرة «٥٧ - ٥٨». وعن أم الحصين ﵂ قالت: «حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالا وأحدهما آخذ بخطام ناقته والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة». وأما ما روى البيهقي عن نافع قال: «أبصر بن عمر رضي
стр. 4689
الله عنه رجلا على بعيره وهو محرم قد استظل بينه وبين الشمس فقال له: ضح لمن أحرمت له». وفي رواية من طريق أخرى أنه رأى عبد الله بن أبي ربيعة جعل على وسط راحلته عودا وجعل ثوبا يستظل به من الشمس وهو محرم فلقيه ابن عمر فنهاه».
قلت: فلعل ابن عمر ﵁ لم يبلغه حديث أم الحصين المذكور وإلا فما أنكره هو عين ما فعله رسول الله ﷺ ، ولذلك قال البيهقي: «هذا موقوف وحديث أم الحصين صحيح». يعني فهو أولى بالأخذ به. وترجم له بقوله: «باب المحرم يستظل بما شاء ما لم يمس رأسه» (١).
٦ - وله أن يشد المنطقة والحزام على إزاره، وله أن يعقده عند الحاجة، وأن يتختم، وأن يلبس ساعة اليد، ويضع النظارة لعدم النهي عن ذلك، وورود بعض الآثار بجواز شيء من ذلك. فعن عائشة ﵂ أنها سئلت عن الهميان للمحرم؟ فقالت: وما بأس؟ ليستوثق من نفقته. وسنده صحيح. وعن عطاء: يتختم - يعني المحرم - ويلبس الهميان. رواه البخاري تعليقا.
قلت: ولا يخفى أن الساعة والنظارة في معنى الخاتم والمنطقة مع عدم ورود ما ينهى عنهما ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ مريم: ٦٤ ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾.
[حجة النبي ﷺ ص ٢٦ - ٣١]
стр. 4690
حجة النبي ﷺ من رواية جابر ﵁ (١) والتذييل عليها بما ورد في روايات غيره
قال جابر ﵁:
١ - إن رسول الله ﷺ مكث [بالمدينة: ن شا جا حم] تسع سنين لم يحج (٢).
٢ - ثم أذن في الناس في العاشرة: أن رسول الله ﷺ حاج [هذا العام: ن جا حم].
٣ - فقدم المدينة بشر كثير «وفي رواية: فلم يبق أحد يقدرأن يأتي راكبا أو راجلا إلا قدم: ي ن» [فتدارك الناس (٣) ليخرجوا معه: ن شا] كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله.
٤ - [وقال جابر ﵁: سمعت - قال الراوي: أحسبه رفع إلى النبي ﷺ «وفي رواية قال: خطبنا رسول الله ﷺ : مج» (٤) فقال: «مهل أهل المدينة من ذي الحليفة (٥)، و [مهل أهل] الطريق الآخر الجحفة (٦)، ومهل أهل العراق من ذات عرق (٧)
ومهل أهل نجد من قرن، ومهل أهل اليمن من يلملم» (١): نخ مج شا طي هق حم].
٥ - [قال فخرج رسول الله ﷺ : د ت مج هق حم] [لخمس بقين من ذي القعدة أو أربع: ن جا هق] (٢).
٦ - [وساق هديا: ن] (٣)
стр. 4693
٧ - فخرجنا معه [معنا النساء والولدان: م نخ] (١)
٨ - حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد ابن أبي بكر.
٩ - فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟
١٠ - [ف] قال: اغتسلي واستثفري (٢) بثوب وأحرمي.
١١ - فصلى رسول الله ﷺ في المسجد [وهو صامت: ن] (٣)
стр. 4694
الإحرام: (١)
١٢ - ثم ركب القصواء (٢) حتى إذا استوت به ناقته على البيداء [أهل (٣)
بالحج «وفي رواية: أفرد الحج: مج سع» هو وأصحابه: مج]
١٣ - [قال جابر: د مج هق]: فنظرت إلى مد بصري [من: دمي مج جا] بين يديه من راكب وماش (٤) وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه
стр. 4695
مثل ذلك ورسول الله ﷺ بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملنا به (١).
١٤ - فأهل بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
١٥ - وأهل الناس بهذا الذي يهلون به «وفي رواية: ولبى الناس [والناس يزيدون: جا حم]: جا هق حم» [لبيك ذا المعارج لبيك ذا الفواضل: د حم هق] فلم يرد رسول الله ﷺ عليهم شيئا منه (٢).