ابن تيمية وابن القيم الجوزية رحمهم الله تعالى، وكان الواجب أن يحتجوا في ذلك ليس بالمصلحة المدعاة وإنما لأن السنة هكذا كانت في عهد الرسول ﵇ وفي عهد أبي بكر وشطرًا من خلافة عمر، كان الطلاق بلفظ الثلاث طلقة واحدة، ثم رأى عمر أن ينفذها عليهم ثلاثًا عقوبة لهم؛ لأنهم خالفوا السنة، سنة الطلاق؛ لأن الله يقول: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أي: في كل طلقة إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، فالذي يجمع الطلقات الثلاث قد حرم على نفسه هذه الفسحة التي شرعها الله لعباده في قوله: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ولذلك قال عمر: فلو أننا نفذناها عليه ثلاثًا ففعل ﵁ ذلك وكان هذا اجتهاد منه لا يخطأ في زمانه.
(فتاوى جدة - ٢/ ٠٠: ٥١: ٢٥)
стр. 5532
الطلاق البدعي
стр. 5533
هل الطلاق البدعي يقع
عن أبي الزبير: أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل ابن عمر- وأبو الزبير يسمع- قال: كيف ترى في رجل طَلقَ امرأته حائضاً؟ قال: طَلقَ عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمر رسول الله ﷺ ؛ فقال: إن عبد الله بن عمر طَلَّق امرأته وهي حائض؟ قال عبد الله: فردَّها علي ولم يَرَهَا شيئاً، وقال: «إذا طَهُرَتْ؛ فليطلَق أو ليُمْسِكْ».
قال ابن عمر: وقرأ النبي ﷺ : «﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ في قُبُلِ عِدتهِن».
«قلت: إسناده صحيح، رجاله رجال «الصحيح». وأخرجه مسلم وابن الجارود. وصححه الحافظ، وذكر عن العلماء أن معنى: فردها عليَّ ولم يرها شيئاً ... أي: مستقيماً؛ لكونها لم تقع على السنة، وليس معناه أن الطلاق لم يقع؛ بدليل الرواية المتقدمة المصرحة بأن ابن عمر اعتدَّ بها، وصح مرفوعاً: أنها واحدة».
(صحيح سنن أبي داود (٦/ ٣٩٠ - ٣٩١»
من طلق امرأته حائضا
«روى أبو داود بسند صحيح أن ابن عمر سئل: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضاً، فقص على السائل قصته حين طلق امرأته وهي حائض، وأن رسول الله ﷺ ردها عليه ولم يرها شيئاً». صحيح.
стр. 5534
ولكن قوله: «ولم ير شيئاً» ليس نصاً في أنه لم يرها طلاقاً، بل المعنى لم يرها صواباً كما قال الشافعي ﵀، وهذا التأويل لا بد منه لثبوت قوله ﷺ في هذه الطلقة: «هي واحدة» وثبوت اعتداد ابن عمر بها، من طرق عدة صحيحة عنه، استقصيتها في المصدر السابق، فليراجع فإنه مهم جداً.
(غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام) (ص ١٣٢)
стр. 5535
طلاق الغضبان والسكران
стр. 5536
فقه حديث لا طلاق في إغلاق
السؤال: حديث: «لا طلاق في إغلاق» أرجو فقه هذا الحديث؟
الشيخ: فقه هذا الحديث: أن الزوج إذا طلق في حالة نفسية غير طبيعية غير جامع أفكاره، غير ناظر لعاقبة أمره، وإنما هي ثورة غضبية، غضب على زوجته بحق أو بباطل ليس مهم، فطلقها.
في هذه الحالة الغضبية، فهذا الطلاق غير واقع شرعاً.
الإغلاق في تفسير الفقهاء له معنيان، يلتقي أحدهما مع الآخر في نقطة واحدة وهي: عدم تحقق الإرادة الحرة، إذا صح هذا التعبير.
أحد المعنيين ما ذكرته آنفاً: الإغلاق هو الغضب، الذي يغلق على صاحبه طريقة التفكير السليم.
المعنى الآخر: هو الإكراه، الإنسان يكره على التطليق ولا يريده، وهذا يقع كثيراً من بعض الناس آباء الزوجات الذين يسموهم أعمام، الأنساب هؤلاء يغضب على صهره، وربما يكون مخطئاً في غضبته، فيأتي ويهدده ويقول له: تطلق بنتي أو أقتلك هذه الساعة، تفضل أنت طالق، طلقها، هو طلقها، لكن هذا الطلاق ما كان برغبة وبإرادة منه، هذا الطلاق غير واقع.
مع ذلك يوجد حتى اليوم، من يفتي من بعض أتباع المذاهب أن طلاق المكره واقع، هذا خلاف عموم الشرع كله بصورة عامة، وخلاف هذا الحديث بصورة خاصة: «لا طلاق في إغلاق».
والله قد حكى عن كليم الله موسى، أنه فعل فعلاً لو فعله الماسك لنفسه المدرك لعاقبة تصرفه لكفر؛ لأنه ألقى الألواح، وضرب بها الأرض، مثل إنسان يأخذ المصحف الكريم ويضرب به الأرض، هذا لو فعله عامداً متعمداً كفر،
стр. 5537
لأنه إهانة لكلام الله عزوجل، وموسى ألقى الألواح التي فيها التوراة، متى؟ لما أبلغ بأن قومه اتخذوا العجل من بعده، عبدوه من دون الله ﵎.
فهذه الثورة الغضبية منعته أن يفكر في عاقبة ما فعل، فضرب الأرض بالألواح هذه التي فيها الصحف صحف إبراهيم وموسى.
إذا كان هذا كليم الله يفعل مثل هذا، فماذا نقول بعامة الناس، خاصة بالناس الذين ما فيه عندهم جلد وما عندهم صبر.
وأخيراً: يأتينا حديث في الصحيحين من حديث أبي بكرة الثقفي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان» ترى لو قضى بين اثنين في قضية ما أعطى لزيد ما لبكر، ولو فلساً واحداً هل ينفذ قضاؤه في حالة الغضب؟
الجواب: لا؛ لأن الرسول قال: «لا يقضي» لا يجوز أن يقضي فقضى، فحكم قضائه غير نافذ، فما بالكم بمن يخرب بيته وييتم أطفاله، في ثورة غضبية يقول لزوجته: روحي أنت طالق، هذا من باب أولى أن لا يكون نافذاً، لذلك قال ﵇: «لا طلاق في إغلاق».
(الهدى والنور/٢٨٩/ ٢٠: ٣٤: ٠٠)
حكم طلاق الغضبان
مداخلة: رجل صار نفور بينه وبين زوجته، فقال لها: أنت طالق، لا يوجد في نيته الطلاق، لكن كان غضباناً وزعلاناً، فما حكم الشرع في هذا الطلاق؟
الشيخ: الطلاق لما يكون صريح، لاينظر إلى النية، عرفت كيف؟
مداخلة: أي نعم.
الشيخ: لما واحد يقول لامرأته: أنت طالق، هنا لا ينظر للنية، لكن ينظر لأمور أخرى.
стр. 5538
منها: أن يكون مالكاً رشده، ما يكون غضبان، أنت وضعت صفة وهي صفة الغضب، فإذا كان الغضب تحقق فذلك يغني عن قولك عنه أنه ما كان قاصد الطلاق؛ لأن هذا الطلاق صريح، عرفت كيف؟
مداخلة: يعني: لو كان ناوي يطلق هذا هو الطلاق الصريح.
الشيخ: لا، الطلاق الصريح هو أن يقول لزوجته: أنت طالق، وإن كان يمزح فهذا طلاق صريح، ولا يقبل قوله ما كان قاصد الطلاق، لكن إذا كان صحيح غضبان فهذا عذر، فشوف بقي شو وضع هذا الإنسان؟
مداخلة: كان غضبان يا شيخنا.
الشيخ: إذا كان غضبان ما في طلاق.
مداخلة: طيب، ماذا يترتب عليه يا شيخنا؟
الشيخ: ما يترتب عليه شيء، لا هو ولا زوجته.
مداخلة: يعني: هو وزوجته؟
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: أما إطعام عشرة مساكين.
الشيخ: لا، ذاك يمين.
مداخلة: أي نعم نعم.
الشيخ: هذا إذا قال: علي الطلاق إن ذهبت إلى مكان كذا، ..... هذا يمين عليه كفارة يمين، أما أنت الصورة التي تحكيها غير هذه.
مداخلة: صحيح يا شيخنا.
الشيخ: إيه.
(الهدى والنور / ٧٥ / .. : ٢٨: ١.)
стр. 5539
حكم طلاق الغضبان
مداخلة: رجل طلق امرأته وهو غضبان، فما هو الحكم؟
الشيخ: إذا كان صادقًا في قوله أنه طلق وهو غضبان فهو يدين ولا تطلق زوجته منه لقوله ﵊: «لا طلاق في إغلاق» وقد فسر العلماء الإغلاق في هذا الحديث بتفسيرين اثنين أحدهما: الإكراه، والآخر: هو الغضب الذي يمنع صاحبه من التفكير السليم، والمعنى الثاني لا يبعد أن يكون مرادًا من هذا الحديث؛ لأن مثل قوله ﵊: «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان» يؤيد عدم وقوع طلاق الغضبان؛ لأن الحديث الثاني: «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان» يعني: أن القاضي إذا حكم في حكومة ما مهما كان حكمه لا قيمة له من حيث الناحية المادية فحكمه لا ينفذ إذا كان صدر منه حالة غضبه.
فمن باب أولى أن لا يقع طلاق الغضبان الذي فيه خراب بيت أنشأه بحكم الشرع بإشهاد وإذن ولي الأمر، فلا يكون هدم هذا البيت بكلمة تصدر ممن بناه في حالة غضبه، فلا بد أن يكون مريدًا لذلك، كما يشعرنا بذلك قوله ﵎: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] فالعزم لا يقترن مع الغضب، فالغضب يمنع التفكير وجمع العزم والهمة على تنفيذ أمر ما، لذلك كان القول الراجح: أن طلاق الغضبان لا يقع، ولابن قيم الجوزية ﵀ رسالة خاصة في هذه المسألة أظن اسمها: إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان.
(فتاوى جدة (٢٦ ب) /٠٠: ٠٣: ٣٣)
الطلاق في حالة الغضب بقصد التأديب
السائل: بالنسبة للمطلق إذا طلق زوجته طلاقاً ما كان في وعى تمام، لكن كان في غضب لا يصل حد الغضب عنده حد الإغلاق، لكن ايش يقصد هذا الطلاق التأديبي، فهل يقع الطلاق في هذا الشيء أم لا؟
стр. 5540
الشيخ: يبدو من سؤالك أن في طلاق هذا المطلق شيئين:
الشيء الأول: -على حد تعبيرك- أن الطلاق لم يصل إلى حد الإغلاق.
والشيء الأخر: أنه لم يكن قاصداً للطلاق، وإنما كان قاصداً لتخويف المرأة بالطلاق، كذلك؟
السائل: نعم؟
الشيخ: هنا شيئان:
الشيء الأول: ما الذي تفهمه من الإغلاق، حتى نتميز من كلامك إن سالب أو موجب، فما هو الطلاق طلاق الإغلاق فيما تفهم أنت؟
السائل: في، أفهم الخروج عن الحد الاعتيادي في مسألة الغضب، يعني أنه لا يشعر عندما يتكلم، أو ما يفهم معنى ما يقول هذا ... المفهوم.
الشيخ: يعني معناها أن هذا صار مجنوناً، يعني لا يعي ما يقول تريد كذلك، ليس الأمر كذلك.
الإغلاق هو الغضب، الغضب الذي ما سيطر على الغضبان منعه من التفكير السليم.
الإغلاق هنا لا يعني شيئاً أكثر من الغضب، كما قال ﵊ بالحديث الصحيح: «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان»، ذلك لأن الغضب يطور طبيعة الإنسان، فيحول بينه وبين التفكير السليم، ثم هذا الغضب ينافي العزم المذكور في الآية الكريمة ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧].
فكل مُطَلِّق يريد أن يطلق طلاقاً شرعياً، فلا بد أن يتحقق في نفسه في قلبه العزم على الطلاق، وليس يصدر منه الطلاق كثورة آنية، إنما كما يقال اليوم: عن سابق تصوير وتصميم، فمن عزم وجمع الفكرة على أن يطلق زوجه، فهذا هو الطلاق، أما إذا أثير وأغضب، ثم طلق فهذا هو طلاق الغضبان، الذي أراده
стр. 5541
الرسول ﵊ في الحديث المعروف في السنن: «لا طلاق في إغلاق» هذا أولاً.
ثانياً: ينبغي أن نعرف في هذا المطلق الذي تقول إنه كان غضباناً، لكن لم يصل به الغضب إلى الإغلاق، تقول مع ذلك كان يقصد إرهابها وتخويفها، فماذا كان شأنه.
السائل: قال أنت طالق.
الشيخ: في شأنه، قال لها أنتي طالق، هكذا.
السائل: نعم.
الشيخ: مش يعني يمين بالطلاق، أو ما شابه ذلك.
السائل: لا، لا، ما قال.
الشيخ: قال لها أنتِ طالق؟ .
السائل: أنتِ طالق.
الشيخ: انظر الآن هنا الطلاق عند العلماء قسمان، طلاق صريح وطلاق كناية.
فالطلاق الصريح لا يجدي فيه ولا ينفع [معه] قصده، فإذا طلق طلاقاً صريحاً، لا يقبل منه أنه كان يريد تخويفها وإرهابها.
بخلاف طلاق الكناية، فهنا يقبل تأويله أن يقول مثلاً روحي ما بدي إياك اذهبي إلى اهلك ونحو ذلك، هذا طلاق غير صريح، فهنا هو يدين ويقبل نيته، وإن قال: أنا ما أردت تطليقها، يقبل منه أما إذا قال لها: أنت طالق لا يقبل منه.
السائل: والغضب ما يجزي عنه يعني يمنع ..
الشيخ: نحن الآن في النقطة الثانية.
النقطة الأولى: زعمتُ بأنني انتهيت منها.
стр. 5542
الآن نحن في النقطة الثانية، الطلاق قسمان طلاق صريح وطلاق كناية، الطلاق الصريح لا يقبل فيه قصد المطلق لغير الطلاق.
أما طلاق الكناية فهنا يقبل منه قصده فيتأول كلامه، واضح هذا؟
السائل: نعم
الشيخ: يبدو أنه لا بد من العودة إلى طلاق الغضبان، طلاق الغضبان، لا يستطيع أي إنسان أن يحكم على زيد أن يطلق بأنه كان غضبان أو لا، وإنما هو يحكم بنفسه على نفسه، فإذا قال هو: أنا كنت غضبان فقبل منه هذا، ولا بد من شاهد يشهد بأنه فعلاً كان غضبان.
ولكن ليس عندنا ميزان مثل الترمومتر لنقيس نسبة الغضب فيه، هل وصل إلى حد يمنعه من التفكير السليم أو لم يصل، لا يوجد شيء من هذا القبيل إطلاقاً.
ولذلك فيكتفي منه إذا قال: إني كنتُ غضبان، فحينئذٍ لا ينفذ طلاقه؛ للحديث السابق: «لا طلاق في إغلاق».
ولكن هنا شيءٌ أخير، وهو نعتقد نحن خلافاً لجمهور العلماء واتباعاً للسنة الصحيحة، أن الرجل إذا عزم الطلاق، لا أقول الآن إذا طلق، وإنما أعبر بعبارة أدق، فأقول: إذا عزم الطلاق، فلابد من أن يشهد عليه شاهدين عدلين، فإذا لم يفعل فالطلاق موقوف عن التنفيذ حتى يُشْهِد، أي: إن لم يشهد فلا طلاق، واضح، وبهذا ينتهي الجواب عن ذك السؤال.
(الهدى والنور /٥٨٢/ ٤٣: ٠٠: ٠٠)
طلاق السكران
السائل: طيب يا شيخ، بالنسبة لطلاق السكران؟
стр. 5543
الشيخ: طلاق السكران يَنْفُذ؛ لأنه يعتبر جانياً بنفسه على نفسه، كالهازل بل هو بالطلاق أولى من الهازل؛ لأن الذي يهزل هو طلاقه واقع، والذي يسكر بتعاطي الخمر فهو اشد إثماً من الهازل بالطلاق.
فإذا كان الهازل بالطلاق ينفذ طلاقه، فمن الأولى أن ينفذ طلاق السكران، خلافاً لمن يقول بأن هذا ليس مالكاً لإرادته؛ لأن الجواب أنه كان مالكاً فأفقدها، أي بسعيه وكسبه.
(الهدى والنور /٥٨٢/ ٠٦: ٠٩: ٠٠)
الإشهاد في الطلاق
السائل: طيب يا الشيخ ... مسألة أن كثيراً من الناس مثلاً يطلق الزوجة، لكن بدون علم المحكمة، ثم يراجع ثم يطلقها وكذا وكذا.
فبعض المشايخ لا يثبت الطلاق، يعني إلا طلاق المحاكم أو طلاق القاضي، حتى وان طلقها عشر مرات ولم يشهد على هذا الطلاق، فيقولون انه الطلاق عفواً يشهد القاضي، وليس جماعة المسلمين أو إمام المسلمين.
هاهنا الطلاق، يعني يقع بدون إشهاد القاضي أم لا؟
الشيخ: إذا اشهد شاهدان عدلان كما قلنا، فالطلاق وقع، سواءً وصل أمره إلى القاضي أم لم يصل.
وبخاصة أن القضاء اليوم، ليس كما ينبغي من حيث التمسك بالأحكام الشرعية.
أما تكراراً لما مضى، إذا طلق ولم يُشْهِد ففعلاً هذا الطلاق غير واقع، حتى يرفع إلى القاضي ويوقعه، ولكن تسجيل الطلاق ليس شرطاً لوقوع الطلاق.
(الهدى والنور /٥٨٢/ ٠٦: ٠٩: ٠٠)
стр. 5544
شروط الطلاق
مداخلة: أريد أن أسالك بخصوص الطلاق؟
الشيخ: نعم.
مداخلة: هناك مجال أن تشرح لي قليلاً عن الطلاق، متى يقع وشروطه؟
الشيخ: الطلاق ينقسم إلى قسمين: سني وبدعي.
السني: هو الذي تتوفر فيه الشروط كلها، فإذا توفرت هذه الشروط كان الطلاق نافذاً، وإذا اختل شرط من هذه الشروط، لم يكن واقعاً عند بعض العلماء، وكثير منهم يوقعونه.
أول شرط: أن يكون قاصداً للطلاق، أي كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، والعزم كما لعلك تعلم هو الإصرار على تنفيذ الشيء، فإذا طلق دون أن يعزم ودون أن يخطط ودون أن يفكر، وإنما هي ساعة غضب، فطلاق الغضبان لا يقع بنص قوله ﵇: «لا طلاق في إغلاق»، لكن كما قلت لك مقدماً: كثير من العلماء يوقعون هذا الطلاق.
ولذلك فلا ينبغي للمسلم أن يتورط ويطلق في حالة الغضب؛ لأنه ربما يصل هذا الطلاق إلى مسامع بعض المسئولين فيفرقون بين المرء وزوجه.
مداخلة: جزاك الله خيراً يا شيخ هذا الأول.
الشيخ: الشيء الثاني: أن يطلق في حالة الطهر، وليس في حالة الحيض؛ لأن الطلاق في حالة الحيض منهي عنه.
ولا يكفي هذا، أي: إذا طلق في حالة الطهر وليس في حالة الحيض، فيشترط أن لا يكون في حالة تطليقه في الطهر مسبوقاً بطلاق في حالة الحيض.
مداخلة: لم أفهمها يا شيخ.
стр. 5545
الشيخ: إن شاء الله تفهم علي.
مداخلة: إن شاء الله.
الشيخ: بمعنى: لو أن رجلاً قال لزوجته وهي في حالة الطهر: روحي أنتِ طالق، ولكن كان قبل ذلك أوقع عليها طلاقاً وهي حائض، فهمت إلى هنا؟
مداخلة: نعم، فهمت الصورة.
الشيخ: فكونه طلقها في حالة الحيض، يمنع شرعاً أن يطلقها في حالة الطهر الذي جاء بعد الحيض.
ومعنى هذا عملياً أن هذا الرجل الذي طلق في حالة الحيض، يجب أن لا يطلق في حالة الطهر الذي يلي الحيض، ثم إذا حاضت الحيضة الثانية، بطبيعة الحال لا يجوز أن يطلقها إلا إذا جاء الطهر الثاني.
مداخلة: أي نعم، فهمت الآن.
الشيخ: كذلك مثلاً من جملة الشروط بالطلاق السني، أن لا يجمع طلقتين أو ثلاث بطلقة واحدة، أن لا يقول مثلاً لزوجته: طلقتك ثلاثاً، هذا طلاق بدعي.
وأخيراً نقول: إن الطلاق السني يجب الإشهاد عليه، كما أشهد على النكاح وهو بناء بالنسبة للطلاق وهذا هدم، فبالأولى أنه ينبغي أنه إذا طلق أن يشهد على طلاقه شاهدي عدل، هذا مما يحضرني.
مداخلة: جزاك الله خيراً.
بالنسبة لمن طلق بدون إشهاد، ماذا تقول في هذه الصورة؟ .
الشيخ: سبق القول هذا طلاق بدعي مخالف للسنة.
مداخلة: من ... شهادته تسمح قبل الطلاق بعد الطلاق أثناء الطلاق.
الشيخ: إذا طلق ثم أشهد.
стр. 5546
مداخلة: يقع الطلاق.
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: إذا توفرت الشروط الأخرى؟
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: جزاك الله خيراً.
الشيخ: وإياك.
مداخلة: بارك الله فيك.
الشيخ: وفيك بارك.
مداخلة: منذ قليل سألتك عن الطلاق، وأعلمتني أن طلاق الحائض منهي عنه؟
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: فهل يقع؟
الشيخ: قلت لك، بعض العلماء يوقعون الطلاق المخالف للسنة، وبعضهم لا يوقعه، هذا قدمت لك، لكن كان سؤالك عن الطلاق كيف يكون.
مداخلة: الآن سؤال الثاني.
السؤال: سآتيك الآن بالجواب، فأنا أجبتك عن الطلاق السني والطلاق البدعي المخالف للطلاق السني.
أما هذا السؤال الثاني، فحدد الآن سؤالك بالضبط حتى أجيبك عليه؟
مداخلة: رجل طلق زوجته في حال حيضها وأشهد على ذلك، ثم طلقها وللأسف في طهرها، هذه هي الصورة.
стр. 5547
الشيخ: أقول إذا كان هذا المطلق لم يرفع طلاقه إلى قاض شرعي، وإنما لأول مرة يرفع طلاقه إلى عالم بالشرع، فهو ينفذ ما أفتي به، فإذا نفذ ما أفتي به وقع الطلاق أو لم يقع الطلاق حسب الفتوى.
مداخلة: نعم.
الشيخ: فهمت هذه الصورة؟
مداخلة: أنا أستفتيك.
الشيخ: أنا إذا تسألني أقول طلاق الحائض يقع. وانتهى الأمر.
(الهدى والنور / ٥٩٤/ ٥٤: ٢٣: ٠٠)
(الهدى والنور / ٥٩٤/ ٥٠: ١٧: ٠٠)
هل يحق للرجل تطليق زوجته طلقة لا رجعة فيها من أول طلقة ؟
السؤال: هل يحق للزوج إذا كان عنده نيه أن يطلق زوجته لا رجعة فيها من أول طلقة وخلاص؟
الشيخ: يتركها حتى تنقضي عدتها، حرمت عليه إلا بعقد جديد، هذا هو الطريق، أما يجمع عليها ثلاث طلقات ما يجوز.
مداخلة: هو يريد أن يطلقها طلقة واحدة ولا يريد أن يعود مرة ثانية، خلاص خرجت من نفسه أبدياً.
الشيخ: الله يهديك، قلت لك.
مداخلة: قلت لي؟
الشيخ: نعم.
مداخلة: غير هكذا لا يوجد.
стр. 5548
الشيخ: ماذا تريد غير هذا، يطلقها طلقة واحدة، ويدعها حتى تنقضي عدتها، فتحرم عليه كأي امرأة أخرى.
مداخلة: يعني لا بد من انتهاء مدة الحيض؟
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: وهل يحق له أن يخرجها من بيته؟
الشيخ: لا.
مداخلة: لازم تبقى في بيته؟
الشيخ: أي نعم، لأن ربنا قال: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، مهما كان الرجل معاند أو لنقل مصر على تطليق زوجته لسبب أو آخر، فقد يبدو له خلاف الرأي السابق، ولذلك ربنا حكيم عليم.
مداخلة: ﷻ .
الشيخ: نعم.
(الهدى والنور / ٥٩٤/ ٥٤: ٢٣: ٠٠)
стр. 5549
يمين الطلاق
стр. 5550
متى يكون ليمين الطلاق حكم اليمين ومتى يكون له حكم الطلاق ؟
الشيخ: لكن (١) لو طورنا السؤال إلى صورة أخرى: رجل يكتشف أن زوجته فيها انحراف خُلُقي وأنها تغافله وتتصل مع بعض شباب المحلة، فأثار تصرفها في نفسه ريبة حولها، فَحَذّرها ونهاها مرة بعد مرة، وكرة بعد كرة دون فائدة.
أخيراً يأس منها، وقال لها: علي الطلاق إذا شفتك ثاني مرة رحتي لبيت فلان مثلاً.
هنا يغلب على الظن أقول يغلب؛ لأنه ممكن يكون بنفس المعنى الأول، لكن واقعة هذه غير تلك.
هذه القضية لها علاقة بالعرض والشرف، ممكن نتصور هنا أنه كان يريد أن يطلقها للخلاص من انحرافها الخلقي.
فإذاً: هنا لا نقول أنه هذا حكمه حكم اليمين وكفارته كفارة يمين، وإنما هو طلاق؛ لأنه قسم بالطلاق فعلاً.
لكن ينبغي أن نلاحظ مع هذا شروط الطلاق الأخرى، التي منها الإشهاد فيما نعتقد أنه من السنة فإذا أشهد وقع الطلاق وإلا فلا، لكن هذا لا يكون فيه كفارة في إطار ... من جانب آخر من جانب في شدة، من جانب في تيسير، التيسير للحالف ما يترتب عليه كفارة؛ لأنه ما قصد يمين، لكن بيترتب عليه تطليق زوجته، لكن بشرط أن يكون أنه أشهد أتى من يوجب الإشهاد، وبشرط مثلا أن تكون طاهراً عند من يوجب الطهارة، فلا يجوز مثلا الطلاق عنده لامرأة هي في حالة الحيض، فمن يشترط أن تكون طاهرا في هذه الحالة أيضا يشترط هذا الشرط ..
стр. 5551
المداخلة: إذا كان لمسها ولم تكن طاهرة ووقع الطلاق، فهل يمضي الطلاق، والا إذا كان مخالفاً يكون بدعياً أنه لا يتم الطلاق؟
الشيخ: فهذا ما أشرت إليه، المسألة فيها خلاف بين العلماء، بالنسبة للحائض يقع الطلاق بالنسبة للحائظ نعم، لكن الذي لم يشهد لم يقع الطلاق حتى يشهد، يظل معلقا بالإشهاد فإذا أشهد نفذ وإلا فلا.
المداخلة: [الإشهاد كيف يكون]؟
الشيخ: مثل الزواج.
المداخلة: ما المقصود بالإشهاد مثل الزواج.
الشيخ: معروف شو المقصود بالإشهاد يعني زواج.
المداخلة: عدد حاضر [من] الناس.
الشيخ: شاهد حقيقي.
المداخلة: مش حضور أحد الناس بالقول يعني.
الشيخ: نعم.
المداخلة: مش حضور أحد الناس بالقول.
الشيخ: لا يقول إنه اشهد علي طلقت زوجتي.
المداخلة: وإن لم يشهد لا يأثم بعدم إنفاذ الطلاق؟
الشيخ: لا ماذا لعله يؤجر.
المداخلة: لعله يؤجر؟
الشيخ: آه.
المداخلة: بس الآن أنت بتقول أن الحائض يقع عليها.
الشيخ: أي نعم.
стр. 5552
المداخلة: آخر مرة انفتحت السيرة، أنا فهمت من كلامك أنها إذا كانت حائضة لا يقع، وإذا كانت طاهرة، وجامعها لا يقع حتى تطهر.
الشيخ: لا فهمت خطأ، نحن يومئذ كنا نتكلم عن الطلاق السني والطلاق البدعي، ما كنا نتكلم عن الذي يقع والذي لا يقع.
الطلاق السني يشترط فيه أن تكون طاهراً، وأن تكون في طهر لم يجامعها فيه، لكن لم يسبق بطلاق وقع في الحيض، هذا كله في بيان الطلاق السني والطلاق البدعي، لكن هل هناك طلاق بدعي يقع أو لا يوجد؟
الجواب: نعم، إذا طلقها وهي حائض، فهذا الطلاق محرم بدعي، لكنه يقع.
المداخلة: تطلق مرته.
الشيخ: آه، تطلق مرته، إذا توفرت طبعاً الشروط الأخرى، يعني يعني مثلا لو طلقها وهي طاهر، عفواً وهي حائض، لكن ذكرنا آنفا أنه ما أشهد لا يقع، فاللِّي كنت أنت تشير إليه في كلامك السابق هو.
(الهدى والنور / ١٧/ ٤٥: ٤٨: .. )
الحلف بالطلاق المعلق بوصف أو فعل معين
السؤال: رجل حلف على زوجته بالطلاق إذا خرجت من منزلها أثناء سفره، وخرجت من المنزل، فهل تعتبر طالق، مع العلم أنها تبين أنها لم تكن طلاق، بل أراد أن يخوفها؟
الشيخ: مثل هذا الحلف بالطلاق، لا يعتبر طلاقاً ولو وقع المعلق به، وهو كما هنا في السؤال، إذا خرجت فهي طالق، ما دام أن هذا الذي حلف بالطلاق لا يقصد طلاق المرأة، وإنما يقصد منعها من ذلك الفعل، وهو الخروج من الدار في غيبته كما جاء في السؤال.
الطلاق كالنكاح لا يمكن أن يقع أي منهما إلا بالعزم والقصد، وهنا لم يكن
стр. 5553
قصد، وإنما كان القصد موجهاً إلى منع المرأة من الخروج، ولم يكن قصده أن يطلقها إذا خرجت رغم أنفه، فلا طلاق والحالة هذه.
(الهدى والنور / ٩٣/ ٥٩: ٦.: .. )
الحلف بالطلاق
السائل: ما حكم في من تفوه الحلف بالطلاق، وهو لا ينوي الطلاق عند الحلف؟
الشيخ: يمين، عليه كفارة يمين.
السائل: عليه كفارة يمين.
الشيخ: أي نعم.
السائل: ولكن اعتاد فضيلة الشيخ، هذه اليمين اعتادها عادة.
الشيخ: عليه كفارة يمين.
السائل: عليه كفارة يمين، لا يقع عليه الطلاق.
الشيخ: لا يقع.
السائل: نعم، جزاكم الله خيراً.
(الهدى والنور ٤٣١/ ٠٠: ٤١: ٥٣)
يمين الطلاق إذا أريد به المنع من فعل شئ
السائل: يا شيخنا العزيز، إحنا حلفنا يميناً فقلنا للمرأة «أنت طالق بالثلاث إذا عَمَلْتُ ها الشيء، وعملناه طبعاً»، طبعاً مش أني أطلقها، طبعاً القصد أني أمنع نفسي عن شيء، فقلت لها أنت طالق بالثلاث إذا عملته وعملته، فشو رأيك بالشغلة يا سيدنا الشيخ؟
стр. 5554
الشيخ: يعني أنت حلفت عليها، حلفت عليها أن لا تعمل ذلك الشيء.
السائل: أنا الذي عملت مش هي.
الشيخ: أنت حلفت على نفسك.
السائل: حلفت حتى أمنع نفسي عن شيء.
الشيخ: وكنت تقصد الطلاق، وإلا تقصد منع نفسك.
السائل: أمنع نفسي عن شيء.
الشيخ: عليك كفارة اليمين.
السائل: عليَّ كفارة يمين؟
الشيخ: يعني تطعم عشرة مساكين، واضح.
السائل: واضح يا سيدي الشيخ.
الشيخ: طيب، غيره عندك شيء؟
السائل: أنا لما سألت الشيخ، قال لي ممكن تكون طلقة أولى.
الشيخ: مليح الذي ما قال لك ثلاثة.
السائل: نعم.
الشيخ: مليح الذي ما قال لك ثلاث طلقات، لأنك أنت ذكرت ثلاث طلقات، المهم أنك ما قصدت الطلاق، وإنما قصدت أن تمنع نفسك من عملٍ ما، ولما عملت هذا العمل وقع عليك اليمين، فعليك كفارة اليمين.
السائل: طبعاً، صيغة الكلام أنا قلت: علي الطلاق بالثلاثة يعني ..
الشيخ: خلاص يا أخي، فهمت الجواب وإلا لا؟
السائل: نعم، فهمت الجواب.
(الهدى والنور /٤٤٢/ ٣٩: ٢٦: ٠٠)
стр. 5555
الحلف بالطلاق هل يعتبر طلاقاً
مداخلة: سؤال يقول: يريد التفصيل الأخ السائل في قول الرجل: علي الطلاق كذا وكذا لأفعلن كذا وكذا، فهل هو طلاق أم يمين؟ وماذا يترتب على هذا اللفظ الذي يقوله الرجل لامرأته؟
الشيخ: الراجح من أقوال العلماء: أن الحلف بالطلاق ليس طلاقاً؛ لأنه لا يقصد به إلا ما يقصد باليمين أولاً، ثم ما يقصد بالنذر ثانياً.
لو قال الإنسان: علي أن أصوم في كل شهر يوماً أو أكثر أو أقل ليس مهما، ثم لسبب أو آخر بدا له أن يتحلل من هذا النذر، فكفارته كفارة يمين.
فقوله: علي أن أذبح كذا أو أصوم كذا أو أتصدق كذا، هذا نذر، وهذا حديث صحيح، وكفارة النذر كفارة اليمين.
كذلك الرجل الحالف بالطلاق إذا حلف بالطلاق، وهو يعني ما يعني بالحلف بالله ثم لم يطلق والحمد لله، فإنما عليه أن يكفر وليس هناك طلاق؛ لأن الطلاق من شروطه المنصوص عليها في الشرع الإسلامي، وهذه الشروط من مزايا الطلاق الشرعي، حيث مع الأسف الشديد أهمل غالب هذه الشروط ولم يعمل بها، فأصبح نظام الطلاق في الإسلام مفسدة ومعرة، بينما هو نظام لحل مشكلة قد تستعصي معالجتها بين الزوجين أولاً، ثم بين المحاكمين.
ثانياً، فشرع الطلاق لحل المشكلة القائمة بين الزوجين التي لا سبيل إلى حلها، أما ورجل يحلف بالطلاق وهو ليس في خاطره وفي باله، بل ولو كان ذلك كله في باله، ولكنه لم يعزم على الطلاق، وإنما حلف يقصد بحلفه ما يقصد عادة بيمينه، حلف على زوجته ألا تفعل كذا، أي: لا يريد منها أن تفعل هذا الشيء، حلف عليها أن تفعل كذا، فهو يريد أن يرغمها أن تفعل كذا، فلم تفعل، فإذاً هو حنث في حلفه بالطلاق.
فإذاً هو حنث في حلفه بالطلاق، حينئذ يقع عليه كفارة اليمين.
стр. 5556
وهنا سؤال من عادة الناس أن يطرحوه ويعبرون اليوم أنه يطرح نفسه، تعبير عصري ما نعرفه قديماً، المقصود مفهوم منه، وهو: كلنا يعلم قول النبي ﷺ : «من حلف بغير الله فقد أشرك»، والحديث الآخر: «لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت»، فما بالكم تعتبرون هذا اليمين بالطلاق يميناً، ثم توجبون الكفارة عليه ككفارة اليمين بالله ؟
هذا سؤال الحقيقة يرد كثيراً، وجوابه: أن الحلف بالمعنويات لا يدخل في المحظور المذكور في ذينك الحديثين: «من حلف بالله فقد أشرك» أي: من الذوات، أما إذا حلف بمعنى فهذا لا يكون شركاً؛ لأن هذا المعنى لم يقع، ويبدو أنه لن يقع في العالم كله أنه عُبد معنى قائم في ذهنٍ ما أنه عُبد من دون الله ﵎، إنما الأشياء التي عبدت هي أجسام مواد قائمة بذاتها، قد تكون بشراً .. قد يكون قمراً .. قد يكون شمساً .. إلى آخره.
من أجل ذلك فرق بعض العلماء المحققين، وعلى رأسهم «شيخ الإسلام ابن تيمية» ﵀، فذهب أولاً إلى أن الحلف بالطلاق ليس طلاقاً، وثانياً: أنه يجب عليه كفارة اليمين؛ لأنه قصد به ما يقصد باليمين، ولأنه ليس شركاً بالله .
هذا جواب السؤال المتعلق فيما سبق.
مداخلة: لو قال رجل لامرأته: تحرمي علي إذا انتقلنا من هذه الدار ولم ينتقل، فما هو ..
الشيخ: نفس الجواب، بارك الله فيكم نفس الجواب، هذا يمين وكفارته كفارة يمين، حلف عليها ألا تخرج فخرجت .. حلف عليها ألا تدخل فما دخلت .. كل هذا داخل في باب الحلف بالطلاق ليس طلاقاً وإنما هو يمين، فإذا حنث فيه كفارته كفارة اليمين.
(الهدى والنور /٧٣١/ ٢٤: ٢٦: .. )
(الهدى والنور /٧٣١/ ٥٢: ٣١: .. )
стр. 5557
من حلف بالطلاق ألا يجامع امرأته ثم أراد مجامعتها
مداخلة: ما حكم رجل حلف على زوجته وقال: عليَّ الطلاق لا أقربك، أي: لا يُجامعها، وفي نفس الجلسة قال لها: أُقسم بالله لا أجامعك.
الشيخ: وبعدين جامعها؟
مداخلة: أو لسه يا أستاذ ينتظر، ينتظر أستاذي.
الشيخ: ينتظر يعني: بِدُّه يجامعها.
مداخلة: إيه نعم.
الشيخ: إذاً: مثل لو كان جامعها، مثله عليه كفارة يمين.
مداخلة: فقط يا شيخي.
الشيخ: إطعام عشرة مساكين.
مداخلة: جزاك الله خيرًا.
الشيخ: وإياك.
(الهدى والنور / ١٣٢/ ١٠: ٥٤: ٠٠)
стр. 5558
تعليق الطلاق
стр. 5559
قول الرجل لامرأته: إن فعلت كذا فأنت طالق
مداخلة: بالنسبة لشيخ الإسلام ابن تيمية، يرى أن قول المرء لامرأته: إن فعلت كذا فأنت طالق فهذا يمين، وكذلك قوله: علي الطلاق وما إلى ذلك من الصور، فما وجه تسمية هذه الصيغة يميناً مع أنها لا تحتوي على القسم، إنما هي الشرطية فقط؟
الشيخ: الذي أراه أن شيخ الإسلام عامل الطلاق المشروط أو المعلق بالشرط معاملة النية؛ لأن الذي يُطَلِّق مشروطاً بشرط يقصد بهذا الطلاق ما يقصد بالحلف بالطلاق، وهو أن يمنع نفسه من أن يعمل عملاً ما، أو يحمل نفسه على عملٍ ما.
وهذه المسألة في الحقيقة تعود إلى ما ذكرناه آنفاً من قوله ﵇: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى».
ولذلك: فمراعاة مني للنية في مثل هذا الطلاق المشروط بشرط أو المعلق على شرط، أقول: ليس كل طلاق معلق بشرط يمكن إجراؤه مجرى الحلف بالطلاق؛ لأنه نستطيع أن نتصور في بعض المواقف، أن الإنسان حينما يطلق طلاقاً معلقاً بشرط أنه يعني إيقاع الطلاق.
فرق كبير جداً بين من يقول لزوجته .. جاء مثلاً .. أو أدخلت إلى بيتك أخاك أو أباك أو أحد من أقاربك فأنت طالق، فهنا نتصور تماماً أنه لا يقصد الطلاق، وإنما يقصد به منع هذه المرأة أن تتصرف تصرفاً لا يرضاه هو، فهذا طلاق كالحلف بالطلاق؛ لأن المقصود منه أن يمنع الزوجة أن تعمل عملاً ما.
والصور طبعاً يمكن تعدادها وتصويرها بصور شتى.
يهمنا الآن الصورة المعاكسة لهذه، والتي يمكن أن نلحقها بالطلاق، وليس بالحلف الطلاق، كرجل مثلاً رأى زوجته يوماً ما -لا سمح الله- في موقف مشبوه غريب فقال لها: إن رأيتك مرة أخرى تتكلمين مع جارك أو مع فلان فأنتِ طالق.
стр. 5560
فهو هنا نتصور أنه لا يقصد فقط مجرد منع المرأة؛ بل لأن القضية تتعلق بالعرض، فهو إذا رآها فعلاً وقعت مرة أخرى في نفس المحظور الأول، فحينئذ نتصور أنه كان يعني الطلاق ولا يعني فقط منع المرأة من أن تقع في مثل تلك المخالفة؛ لأن هنا كانت النية نية الطلاق، ولم تكن النية نية الحلف بالطلاق أو بالحلف المشروع وهو باسم من أسماء الله ﵎.
(الهدى والنور /٣٣٦/ ٠٦: ٥٢: ٠٠)
الطلاق المعلق بوصف أو المشروط
مداخلة: إذا الزوج قال لزوجته أمر: إذا فعلت هذا الأمر فأنت طالق، وهو يقصد هذا الشيء، فهل يقع هذا الطلاق؟
الشيخ: يقصد الطلاق؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: الطلاق يقع بالشرط السابق أن يشهد.
مداخلة: أن يشهد؟
الشيخ: نعم.
مداخلة: طيب، بالنسبة للطلاق كيف يقع ثلاث مرات، كيف الحالة تكون؟
الشيخ: يعني طلقها ثلاث مرات؟
مداخلة: كيف تكون هذه الطلقة الثالثة كيف؟
الشيخ: ما فهمت عليك قولك كيف، ماذا تعني؟
مداخلة: يعني الطلاق، هل تكون هذه الطلقات كلها في نفس العدة، أم تكون بغير العدة هذه؟
стр. 5561
الشيخ: الآن وضح سؤالك، أين سؤالك الأول من السؤال الأخير، الطلاق الشرعي كل طلقة تحتاج إلى عدة، فإذا قاربت انتهاء العدة طلقها تطليقة ثانية، وهكذا فلا يجوز جمع الطلقات الثلاث في عدة واحدة.
مداخلة: نعم.
الشيخ: واضح؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب!
مداخلة: أنا سمعت لك شريطاً والذي فهمت من الشريط، تقول في مثلاً في هذه العدة، إذا طلقها مرتين ورجعها في هذه تكون طلقة واحدة، هل هذا صحيح؟
الشيخ: نعم .. نعم إذا جمع الطلقات الثلاث في عدة واحدة ليس الثنتين، يعتبر ذلك كله طلقة واحدة.
(الهدى والنور/٦٦٤/ ٢٤: ١٨: ٠٠)
الطلاق المعلق بوصف أو عمل
الملقي: سؤالي الفقهي يا شيخنا: رجل طلق زوجته طلاقاً معلقاً، بأن يقول مثلاً: هي طالق إذا خرجت من البيت فلم تخرج، ثم ندم فأراد أن يتحلل من هذا الذي وقع فيه، فهل يجوز له الرجوع، علماً بأنها التزمت في البداية، أم أن هذا اللفظ يبقى مستمراً حتى وإن رجع هو، وبارك الله فيكم.
الشيخ: أنت تقول بأنها لم تخرج.
الملقي: لم تخرج.
الشيخ: والطلاق المعلق كان معلقاً بخروجها؟
الملقي: نعم
стр. 5562
الشيخ: فأنا الذي يبدو لي أنه قصد ليس خروجاً إلى الأبد، وإنما بمناسبة من المناسبات.
الملقي: نعم.
الشيخ: فبهذه المناسبة هي لم تخرج، فلم يبق هناك طلاق معلق.
الملقي: نعم.
الشيخ: لم يبق هناك طلاق.
الملقي: إذاً: ينقضي هذا؟
الشيخ: أي نعم.
(الهدى والنور /٦٧٤/ ٢٦: ٣٩: ٠٠)
قال رجل لزوجته: علي الطلاق منك لا تذهبي إلى مكان ما، ما الحكم إذا ذهبت الزوجة علمًا بأن النية وردت مع اللفظ يقينًا
مداخلة: يسأل السائل فيقول: قال رجل لزوجته: علي الطلاق منك لا تذهبي إلى مكان ما، ما الحكم إذا ذهبت الزوجة علمًا بأن النية وردت مع اللفظ يقينًا.
الشيخ: هو قال: علي الطلاق بك؟
مداخلة: علي الطلاق منك.
الشيخ: هذا علي الطلاق هو يمين بالطلاق، واليمين بالطلاق ليس طلاقًا إلا إذا كان يقصد الطلاق، حينئذ يقع الطلاق؛ لأنه إنما الأعمال بالنيات، ولكن ينبغي أن نذكر هنا بأمر هام قلما يذكر به الناس:
أن الطلاق الشرعي له شروط، ولذلك جعل العلماء الطلاق قسمين:
طلاق سني، وطلاق بدعي: فالطلاق السني واضح أنه يوافق السنة والطلاق
стр. 5563
البدعي هو المخالف للسنة، واتفقوا جميعًا على أن الطلاق البدعي لا يجوز للمسلم أن يلجأ إليه وأن يتلفظ به، وإن كانوا اختلفوا في وقوع هذا الطلاق البدعي، منهم من قال: لا يقع، ومنهم من قال: يقع والأمر يحتاج إلى تفصيل، وليس هذا أوانه، لكن أريد أن أقول: إن من شروط الطلاق السني هو الإشهاد، كل من يريد أن يطلق فالسنة أن يشهد.
(أسئلة وفتاوى الإمارات - ٥/ ٠٠: ٥٦: ٣١)
стр. 5564
مسائل متفرقة في الطلاق
стр. 5565
الأسباب الشرعية الموجبة للطلاق
مداخلة: بالنسبة للطلاق .. ما هي الأسباب الشرعية الموجبة للطلاق؟
الشيخ: الأسباب الشرعية الموجبة للطلاق: هو قصد الرجل قبل كل شيء للطلاق، فإذا كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧].
فإذا نوى الطلاق، وتلفظ به، وأشهد على ذلك بعض الناس، نفذ الطلاق.
ولكن هناك طلاق سني وطلاق بدعي، والطلاق السني هو الواجب والطلاق البدعي هو المحرم.
ومن الطلاق السني الذي يقابله الطلاق البدعي، أن يطلقها وهي طاهر غير حائض، وطهر لم يمسها فيه، فإذا طلقها وهي حائض فهو آثم، وإذا طلقها وهي طاهر وقد جامعها فيه فهو آثم.
فينبغي أن يلاحظ الطلاق السني حتى لا يكون آثماً عند الله.
مداخلة: الآن خلاف بسيط بين أهلي وأهل العروس، أنا كاتب كتاب، لكن بدون دخول، والوالدة مُصِرَّة أن أطلق، وعلماً ليس هناك سبب شرعي يبيح الطلاق .. بسبب خلاف على أمور بسيطة جداً تافهة جهاز وحفلة وغيره، ما رأي الشرع بهذه القصة، هل أطيع والدتي أطلق أوما أطلق؟
الشيخ: والدتك ملتزمة؟
مداخلة: تصلي لكن ليست ملتزمة الالتزام كامل.
الشيخ: وأنت متعلق بالبنت؟
مداخلة: الحمد لله.
الشيخ: لا تطلقها.
стр. 5566
مداخلة: لا أطلقها؟
الشيخ: لا.
مداخلة: الوالدة تقول لي: إما أنا وإما هي؟
الشيخ: أنت تعرف القضية، نحن نعطيك الحكم الشرعي، أما كيف أنت تقدر تعيش إما هي وإما أنت، هذا أنت الذي تحكم، لك أن تحتفظ بها، ولك أن لا تطيع أمك في طلاقها، أما هل أنت تصبر على فراق الأم من أجل المحافظة على الزوجة أم لا! هذا ماذا سأقول لك؟ تستطيع أو لا تستطيع؟ هذا أمر راجع إليك، أما من الناحية الشرعية فلك ألاّ تطيعها في تطليق زوجتك.
(الهدى والنور / ٧٩/ ٢٩: .. : ١.)
جواز الطلاق دون تدخل القاضي
عن عمر مرفوعًا: «كان طلق حفصة، ثم راجعها».
[ترجم له الإمام بقوله: جواز الطلاق دون تدخل القاضي.
ثم قال]:
فائدة: دل الحديث على جواز تطليق الرجل لزوجته ولو أنها كانت صوامة قوامة ولا يكون ذلك بطبيعة الحال إلا لعدم تمازجها وتطاوعها معه، وقد يكون هناك أمور داخلية لا يمكن لغيرها الاطلاع عليها، ولذلك، فإن ربط الطلاق بموافقة القاضي من أسوأ وأسخف ما يسمع به في هذا الزمان! الذي يلهج به كثير من حكامه وقضاته وخطبائه بحديث: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» وهو حديث ضعيف كما بينته في غير ما موضع مثل «إرواء الغليل» «رقم ٢٠٤٠».
(السلسلة الصحيحة (٥/ ٨١).
стр. 5567
حكم طلاق الهازل
قال الألباني عن القول بوقوع طلاق الهازل:
وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام في «إبطال التحليل» في بحث له في ذلك طويل نفيس، احتج فيه بالأحاديث والآثار والاعتبار؛ فراجعه «ص ٤٦ - ٥٨».
(التعليقات الرضية (٢/ ٢٤٠).
حكم فسخ النكاح لعدم قدرة الزوج على النفقة
[رجح صديق خان في الروضة الندية فسخ النكاح إذا لم يقدر الزوج على النفقة وقال]:
وأما التفريق بين المعسر وبين امرأته؛ فأقول: إذا كانت المرأة مثلا جائعة، أو عارية في الحالة الراهنة؛ فهي في ضرار، والله - تعالى - يقول: ﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ﴾، وهي أيضا غير معاشرة بالمعروف، والله يقول: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وهي أيضا غير ممسكة بمعروف، والله يقول: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾؛ بل هي ممسكة ضرارا، والله يقول: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾، والنبي ﷺ يقول: «لا ضرر ولا ضرار».
[فعلق الألباني بقوله]:
قلت: ولكنها [أي الأدلة] لا تشمل موضع الخلاف؛ لأنها أوامر من الله - تعالى -، وقد علمنا من لطفه - تعالى - بعباده؛ أنه لا يأمر ولا يكلف من لا يستطيع، فهي موجهة إلى المستطيع القادر، فكيف يستدل بها على العاجز المعسر؟ «ولذلك لما سأل النبي ﷺ معاوية بن حيدة: ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال ﷺ : «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت ... » الحديث؛ أخرجه أبو داود «١/ ٣٣٤»، وابن ماجه «١/ ٥٦٨»، وأحمد «٥/ ٣» بسند صحيح، وأخرجه ابن حبان في «صحيحه»؛ كما في «الترغيب» «٣/ ٧٣».
стр. 5568
فمفهوم قوله ﵇ «إذا طعمت ... ، إذا اكتسيت ... »: أنه إن لم يجد ما يطعم ويكتسي؛ فلا حق لها عليه، فبم يفسخ إذن بينهما؟
ولذلك؛ فإني أرى خلاف ما ذهب إليه الشارح تبعا للشوكاني «٦/ ٢٥٧ - ٢٧٧»، وهو ما رواه غير واحد عن الحسن؛ في الرجل يعجز عن نفقة امرأته؟ قال: تواسيه، وتتقي الله ، وتصبر، وينفق عليها ما استطاع.
وهو مذهب ابن حزم في «المحلى» «١٠/ ١٠٩»؛ ويؤيده ما تقدم من قوله ﷺ : «إنما هن عوان عندكم ... »؛ قال الشوكاني: «أي: حكمهن حكم الأسرى؛ لأن العاني: الأسير، والأسير لا يملك لنفسه خلاصا من دون رضا الذي هو في أسره؛ فهكذا النساء.
ويؤيد هذا حديث: «الطلاق لمن أمسك بالساق»؛ فليس للزوجة تخليص نفسها من تحت زوجها؛ إلا إذا دل الدليل على ذلك».
قلت: وقد علمت مما تقدم أن دليل الفسخ بالإعسار غير قوي؛ فلا يصلح لاستثناء هذه المسألة من الحديث؛ فتأمل «
وخلاصة القول؛ أنني لا أرى التفريق ﴿بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ لإعساره؛ بل على الحاكم أن يأمر - بالإنفاق عليها - ولي أمرها بعد زوجها، فإن لم يكن لها؛ فالسلطان أو من يقوم مقام وليها، فهو ينفق عليها من بيت مال المسلمين، حتى يوسر زوجها، والله يقول: ﴿سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾.
(التعليقات الرضية (٢/ ٢٥٩)
طلاق الحائض
«عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهى حائض فسأل عمر النبى ﷺ عن ذلك فقال له: «مره فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء
стр. 5569
أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التى أمر الله أن يطلق لها النساء» متفق عليه. صحيح.
وجملة القول: أن الحديث مع صحته وكثرة طرقه , فقد اضطرب الرواة عنه فى طلقته الأولى فى الحيض هل اعتد بها أم لا؟ فانقسموا إلى قسمين: الأول: من روى عنه الإعتداد بها , وهم حسب الطرق المتقدمة: الطريق الأولى: نافع.
ثبت ذلك عنه من قوله وإخباره , وعنه عن ابن عمر مرفوعا إلى النبى ﷺ أنه جعلها واحدة.
الطريق الثانية: سالم بن عبد الله بن عمر , وفيها قول ابن عمر أنها حسبت عليه.
الثالثة: يونس بن جبير , وهى كالتى قبلها.
الرابعة: أنس بن سيرين , وفيها مثل ذلك , وفى رواية عنه: أنه اعتد بها , وفى أخرى رفع ذلك إلى النبى ﷺ , ولكن إسناد هذه ضعيف كما سبق بيانه خلافا للحافظ.
الخامسة: سعيد بن جبير , وفيها قول ابن عمر أنها حسبت عليه.
الحادية عشر: الشعبى عنه رفعه إلى النبى ﷺ .
والقسم الآخر: الذين رووا عنه عدم الاعتداد بها , وهم حسب الطرق أيضا: الخامسة: سعيد بن جبير عنه قال: «فرد النبى ﷺ ذلك على».
السادسة: أبو الزبير عنه مرفوعا: «فردها على ولم يرها شيئا».
وطريق ثالثة أوردناها فى التى قبلها: عبد الله بن مالك الهمدانى عنه مرفوعا «ليس ذلك بشئ»
فإذا نظر المتأمل فى طرق هذين القسمين وفى ألفاظهما تبين له بوضوح لا غموض فيه أرجحية القسم الأول على الآخر , وذلك لوجهين: الأول: كثرة
стр. 5570
الطرق, فإنها ستة , ثلاث منها مرفوعة , وثلاث أخرى موقوفة , واثنتان من الثلاث الأولى صحيحة , والأخرى ضعيفة , وأما القسم الآخر , فكل طرقه ثلاث, اثنتان منها صحيحة أيضا والأخرى ضعيفة , فتقابلت المرفوعات فى القسمين قوة وضعفا.
وبقى فى القسم الأول الموقوفات الثلاث فضلة , يترجح بها على القسم الآخر , لاسيما وهى فى حكم المرفوع لأن معناها أن عبد الله بن عمر عمل بما فى المرفوع , فلا شك أن ذلك مما يعطى المرفوع قوة على قوة كما هو ظاهر.
والوجه الآخر: قوة دلالة القسم الأول على المراد دلالة صريحة لا تقبل التأويل , بخلاف القسم الآخر فهو ممكن التأويل بمثل قول الإمام الشافعى «ولم يرها شيئا» أى صوابا.
وليس نصا فى أنه لم يرها طلاقا , بخلاف القسم الأول فهو نص فى أنه رآها طلاقا فوجب تقديمه على القسم الآخر , وقد اعترف ابن القيم رحمه بهذا , لكنه شك فى صحة المرفوع من هذا القسم فقال: «٤/ ٥٠»: » وأما قوله فى حديث ابن وهب عن ابن أبى ذئب فى آخره: » وهى واحدة «فلعمر الله , لو كانت هذه اللفظة من كلام رسول الله ﷺ ما قدمنا عليها شيئا ولصرنا إليها بأول وهلة , ولكن لا ندرى أقالها ابن وهب من عنده , أم ابن أبى ذئب أو نافع , فلا يجوز أن يضاف إلى رسول الله ﷺ ما لا يتيقن أنه من كلامه , ويشهد به عليه , ونرتب عليه الأحكام , ويقال: هذا من عند الله بالوهم والاحتمال».
قلت: وفى هذا الكلام صواب وخطأ:
أما الصواب , واعترافه بكون هذه اللفظة نص فى المسألة يجب التسليم بها والمصير إليها لو صحت.
وأما الخطأ , فهو تشككه فى صحتها , ورده لها بدعوى أنه لا يدرى أقالها ابن وهب من عنده ....