Полный текст (8 195 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
فإذاً: إن صح عن أحد من الصحابة القول بأنه كفر، فيجب علينا أن نفسره كما قال ابن عباس ﵁ في تأويله لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] قال: «كفر دون كفر» ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ليس كفروا.
كلمة كَفَر ألطف من كافر؛ لأن كفر فعل ماض أي: صدر منه كفر، أما كافر فهو اسم فاعل، فإذا حاكم ما أو أمير ما عدل يوماً ما تقول عنه إنه عادل؛ لكون سائر حياته الظلم، وتستطيع أن تقول عنه إنه عَدَل والعكس بالعكس إذا كان عادلاً، لكنه في حكومة ما في قضية ما ظَلَم فتقول: إنه ظَلَم، فلا يجوز أن تقول عن الأول الظالم، والذي عَدَل مرة إنه عادل، كما أن العكس أيضاً لا يجوز، أي: الذي من عادته الظلم لكنه في حكومة ما .. في قضية ما .. عدل فنقول عنه عادل! لا، نقول بالنسبة لمن كان يعدل لكنه ظلم: ظلم، لا نقول: ظالم؛ لأنه ليس من صفته أنه يظلم، والعكس بالعكس كما تبين لكم.
فإذا كان ترجمان القرآن ﵁ يفسر ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] بأنه كفر دون كفر.
فإذا جاء نص في الكتاب أو في السنة في جنس ما أو في شخص ما بأنه كفر، فيُمكن أن يكون من باب تفسير ابن عباس لقوله تعالى ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] أي: كُفر دون كُفر.
وإذا جاء الحديث، حديث الشفاعة في الصحيحين صريحاً في أن من كان تاركاً للصلاة، بل ومن لم يعمل خيراً قط يخرج من النار، فما ينبغي أن نقول عنه: إنه كافر بالمعنى الذي يتبادر إلى ذهن السامع، أي: إنه مخلد في النار.
هذه هي من شؤم أخذ الآثار التي تُروى عن السلف، دون بحث وتحقيق، وفي قضايا هامة جداً، كمثل تكفير المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله.
وهذه الشهادة التي قال فيها رسول الله ﷺ : «من قال: لا إله إلا الله نفعته
стр. 562
يوماً من دهره» أي: لم يخلد في النار.
وتأكد ذلك بالحديث السابق أن الله يخرج بشفاعته .. برحمته وهو أرحم الراحمين: «من لم يعمل خيراً قط».
وقد جاءت هذه العبارة أو جاءت شفاعة رب العالمين، إذا صح هذا التعبير بالنسبة إليه في الصحيحين، كما أشرت آنفاً: بعد أن يُشَفِّع ربنا المؤمنين الذين دخلوا الجنة مع السابقين الأولين فقالوا: «يا ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا، ويَحُجُّون معنا، ويُجاهدون معنا لا نراهم معنا .. أدخلتهم النار، فيقول الله : أخرجوهم، فيخرجون كل من صار فحماً في النار إلا دائرة الوجه» حيث لا تمس النار وجه المصلي، فيعرفون المصلين من وجوههم.
وفي بعض الأحاديث الأخرى، وهذه مشهورة معروفة لديكم .. يعرفون من آثار السجود، فيُخْرجون خلقاً كثيراً من المصلين والصائمين والمجاهدين ونحوهم، يقولون: «يا ربنا! أخرجنا من أمرتنا، فيقول الله : «أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان» فيُخرِجون خلقاً كثيراً، فيقولون: ربنا أَخْرِجنا من أمرتنا بإخراجه، فيقول الله : «أخرجوا من كان في قلبه وزن نصف دينار .. » وأخيراً باختصار: «من كان في قلبه ذرة من إيمان» في كل مرة يُخْرِجون خلقاً كثيراً، يقول في الحديث.
الحمد لله، كل هذه الوجبات يخرجهم ربنا بواسطة الشفعاء المؤمنين، الوجبة الأولى: المصلين، ترى الوجبة الثانية والثالثة: هؤلاء ليس فيهم المصلين؛ لأن تارك الصلاة لمجرد الترك لا يكفر كُفْراً يخرج به من الملة، ولا يَشْمَله قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
ويؤكد ذلك قوله ﵊ بعد أن يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة، يقول الله: «شفعت الملائكة والأنبياء والمؤمنون، ولم يبق إلا شفاعة أرحم الرحمين» فيقول: «أخرجوا من لم يعمل خيراً قط».
стр. 563
فمثل هذا الحديث حينئذٍ يوجب علينا أن نُجْري عملية تصفية على هذه الآثار التي تُرْوَى عن السلف في تكفير تارك الصلاة، فما كان منها غير ثابت استرحنا منها، ولا نُوْجِد تعارضاً بينها وبين الأحاديث الدالة على أن تارك الصلاة تركاً غير مقرون بالجحد إنه لا يكفر، ولا يرتد عن الدين، وما كان منها ثابتاً تأولناه كما نتأول الأحاديث المرفوعة التي تُرْوَى عن النبي ﷺ ، والتي يتبادر إلى الذهن أول ما يتبادر أنه ليس مُسْلِماً.
كالحديث المعروف مثلاً في صحيح مسلم وغيره: «من ترك الصلاة فقد كفر» فلا بد حينذاك من تأويل هذا الصحيح من المرفوع كذاك الصحيح من الموقوف، تأويلاً يتفق مع النص الصريح الذي ذكرناه آنفاً، حيث يُخْرَج من النار غير المصلين أيضاً.
هذه كلمة بمناسبة أن الآثار أيضاً ينبغي تحري الصحة فيها في كثير من الأحيان.
«الهدى والنور /٣٥٠/ ٠٥: ٤٨: ٠٠»
«الهدى والنور /٣٥١/ ٤٥: ٠٠: ٠٠»
حكم تارك الصلاة
مداخلة: شخص تارك الصلاة ما حكمه؟
الشيخ: لاشك أن الصلاة هي الركن الثاني من الإسلام، كما قال ﵊: «أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم عند الله ﵎».
فإقامة الصلاة هي من مصداق قول المسلم: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ لأنه حين يصلي فإنما يثبت بذلك أنه عبد بحق مطيع لله الآمر بالصلاة في
стр. 564
غير ما آية، كمثل الآية: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
ومطيع للنبي ﷺ الذي بالغ في الحض على المحافظة على الصلاة، حتى قال ﵊: «بين الكفر» وفي لفظ: «بين الشرك والرجل ترك الصلاة، فمن ترك الصلاة فقد كفر».
هنا لابد من أن نقف قليلاً عند لفظة: «فقد كفر» ما هو المقصود منها؟ «فقد كفر» هل يعني أن المسلم الذي يشهد من قرارة قلبه بأن الله واحد لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، إذا ترك الصلاة فقد ارتد عن دينه، هل هذا هو المقصود من هذا الحديث؟
الجواب: تارةً يكون مقصوداً هذا المعنى من الحديث، وتارة يكون المقصود معنىً آخر.
وليس هذا المعنى الآخر بالأمر السهل، وإنما هو خطير أيضاً، قد يؤدي بصاحبه إلى المعنى الأول، ما هو المعنى الأول؟ «من ترك الصلاة فقد كفر» إن جحدها، إن جحد شرعيتها، إن قال كما يقول بعض الشباب الذين رُبُّوا تربية غير إسلامية، ولو كانوا في عقر دارهم، لماذا الصلاة؟ ولماذا الوضوء؟ ولماذا الغسل؟ هذه الأمور شرعت في الجاهلية، شرعت لقوم ما يعرفون النظافة، ولا يعرفون الطهارة، عاشوا في القذارات وعاشوا مع البعران والأزبال ونحو ذلك، أما الآن ما شاء الله المدنية الحمامات في كل دار والدش للماء كله ميسر، فما في داعي لمثل هذه الطهارة من جهة، وما في داعي لمثل هذه الحركات، فالحركات الرياضية تغني الشعوب اليوم عن هذه الحركات البدنية التي شرع في زمن مضى وانقضى.
هؤلاء الشباب الذين قد يدور في أذهانهم هذه المعاني الكافرة، وقد يتجرأ بعضهم فيتلفظوا بها بألسنتهم، هؤلاء هم المقصودين مباشرة بقوله ﵇: «فقد كفر» أي: ارتد عن دينه.
стр. 565
أما المعنى الثاني: «فقد كفر» أي: قارب الكفر، وأشرف عليه إذا كان يؤمن بشريعة الصلاة، ويدين الله أي: يعبده بأن يعتقد بما شرع له من الصلاة، ولكن لسان حاله أحياناً، ولسان حاله دائماً يقول: الله يتوب عليَّ، قوله: الله يتوب عليَّ معناها: أنه معترف بذنبه مع ربه، معترف بأن هذه الصلاة يجب أن يؤديها، وليست كما قال الفريق الأول: هذا زمان مضى وانقضى، لا هذا يعترف بهذه الشرعية، لكنه مُقَصِّر في الإتيان بها، هذا لا يكفر كفراً يخرج به عن الملة، ولكن يخشى مع مضي الزمان أن يموت كافراً، لماذا؟ نحن اليوم نسمع كلمة في العلاقة بالأشياء المادية مثلاً: الصيانة ما معنى الصيانة؟ صيانة البَرَّادات الثلاجات السيارات، إلى آخره، السيارة ماشية ماشي حالها، لكن تريد صيانة، كل سفرة مثلاً طويلة أو كل سنة أو أو إلى آخره، وإذا لم يفعل هذه الصيانة كان مصير السيارة؟ أن تموت وتتلف.
وهكذا القلب الذي هو الموتور الذي يحيى به هذا الإنسان، أيضاً هذا القلب هو بحاجة إلى صيانة، لكن أكثر الناس لا يعلمون.
يقول الرسول ﵊ في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث النعمان بن بشير ﵄ النعمان بن بشير صحابي ابن ماذا؟ صحابي، هذا النعمان بن بشير هو الذي مات في الحرب التي أشرنا إليها هذه، ذهب المغيرة إلى الهرمزان وتكلم معه بذاك الكلام الذي فيه عِزَّة الإسلام، كان هو قائد جيش المسلمين يومئذ، فقال لهم: إن أنا مت فيكون القائد فلان، وإن مات ففلان إلى آخره.
ولما هجم الجيش بعضهم على بعض وقع شهيداً، فرآه أحدهم فوضع رمحاً، ووضع عليه علماً مميزاً حتى يجدوه بسهولة، فوجدوه قد مات وقد طعن عشرات الطعنات.
هذا النعمان يروي عن نبينا ﵊ أنه قال: «إن الحلال بَيِّن والحرام بَيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه، وإن لكل ملك حمى، وإن حمى الله محارمه، ومن حام حول الحمى
стр. 566
يوشك أن يقع فيه» هذا الذي لا يصلي حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، تمام الحديث: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب».
هذه المضغة بالتعبير المادي بحاجة إلى صيانة، ليس فقط السيارة والبَرَّاد والثلاجة إلى آخره، هذا أولى وأولى أن يُصَان؛ لأنه كما أن القلب الذي نعرفه نحن عبارة عن مضغة، وأنه يمرض ويصح، فالأطباء دائماً وأبداً يحرصون كل الحرص أن يظل قلب الإنسان سليماً حتى يعيش سليماً، خاصة بالنسبة للشيوخ المُسِنِّين مثلي أنا؛ لأنه إن كان قلبه مريضاً فسرعان ما ساء بسبب تركه للصيانة، سيصبح ماذا؟ عدماً.
هذا القلب المادي الذي يُعْنَى به الأطباء الماديين عناية تامة جداً، أكثر من أي مكان من البدن؛ لأن البدن لا يستطيع أن يعيش إلا بهذا القلب، مهما فقد من عضوٍ، إلا هذا القلب إذا فقده فقد نفسه تماماً.
هذه العناية المادية بالقلب، يجب أن يُعْنَى بهذا القلب عناية أسمى وأسمى، وأعلا من عناية الأطباء الماديين بهذا القلب حتى يسلم، وحتى لا يُعَرِّض نفسه لما قال ﵇ في الحديث السابق: «من ترك الصلاة فقد كفر» أي: عَرَّض نفسه للكفر.
هذا إذا آمن بشريعة الصلاة، أما إذا قال بلا صلاة بلا كذا، فهذا مصيرُه النار يُحشر مع فرعون وهامان والكفار جميعاً، في الدرك الأسفل من النار، هذا من أهمية الصلاة في الإسلام.
ولذلك فمن كان مبتلى، من كان مبتلى من الشباب، بل ومن الكهول أيضاً مع الأسف الشديد، من كان مبتلى بالصلاة، بتركها أو التهاون بها، فعليه أن يذكر هذه الحقيقة، وأن يحافظ على أداء الصلوات في أوقاتها.
وليس هذا فقط، وأرجو أن تنتبهوا ليس هذا فقط، بل وأن يصلوها في المساجد؛ لأن الله يقول في صريح القرآن الكريم: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾
стр. 567
[البقرة: ٤٣] أول الأمر، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ثاني أمر، ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] ثالث أمر.
هذا الأمر الثالث ليس تكراراً للأمر الأول، لو حذفنا ما بينهما وآتوا الزكاة ماذا سيصير المعنى ﴿وأقيموا الصلاة واركعوا مع الراكعين﴾ هذا تكرار؟ حاشا لله.
كلام الله لا مثل له في البلاغة والفصاحة، وكونه من جوامع الكلم كلمة قليلة تُعطي معاني كثيرة جداً.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ليس معناها: أدوها، انتبهوا ليس معنى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أدوها فقط، وإنما معنى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: أحسنوا أداءها، إقامة الشيء هو: تقويمه «وإجلاسه».
لو أراد الله أن يأمر فقط بالصلاة سيقول لك: أدُّوا الصلاة، لكنه قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: أحسنوا أداء الصلاة إذا صليتم، ثم أمر بأمر ثان في آخر الآية: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] الراكعين جمع.
أي: اجعلوا ما أُمرتم به من إقامة الصلاة مع الراكعين في المساجد.
«الهدى والنور / ١٩٣/ ٣١: ٤٩: ٠٠»
حكم تارك الصلاة
السؤال: حكم تارك الصلاة قطعياً؟
الشيخ: حكم تارك الصلاة: إن كان تركها كَسَلاً وهو يؤمن بشرعيتها، فهو مسلم فاسق، أما إذا كان يُنكر شرعيتها فهو كافر مرتد عن دينه.
«الهدى والنور/٤٣٧/ ٢٨: ١٤: ٠٠»
стр. 568
حكم تارك الصلاة
مداخلة: شيخنا، بسألك بالنسبة لقضية الاستدلالات، من قال بحكم تارك الصلاة في رسالة «حكم تارك الصلاة» لفضيلة الشيخ صالح العثيمين، الرجل يذهب مذهب إنه تارك الصلاة كافر، وله استدلالات كثيرة، مثل قوله تعالى عن المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] يقول: إن مفهوم الآية: أنهم إذا لم يفعلوا ذلك، فليس إخواناً لنا، ولا تنتفي الأُخُوَّة الدينية بالمعاصي وإن عَظُمَت، ولكن تنتفي عند الخروج عن الإسلام.
الشيخ: لكن لا يقول: إنه إذا صلى ولم يُخرج الزكاة، لا يكون مسلماً وإنما يكفر بذلك.
مداخلة: نعم. يا شيخ نحن بنسأل على قضية القول بأنه كفر دون كفر؟
الشيخ: هو لا يقول بهذا الله يهديك.
مداخلة: لا. أنا عارف هو لا يقول، لكن أنا اللِّي عرفت أنه ...
الشيخ: الله يهديك أنت بتجيب الدليل تبعه، فحَبَّيت أُلفت نظرك أنه ليس فيه دليل؛ لأنه لا يقول في تارك الزكاة مثلما ما قال في تارك الصلاة.
فأنت ما اكتفيت أنك حكيت رأيه، وإنما حكيت رأيه ودليله، فحَبَّيت أُلفت نظرك إنه هذا ليس دليلاً له؛ لأن الآية شملت الزكاة مع الصلاة.
مداخلة: صحيح.
الشيخ: طيب! الآن شو سؤالك؟
مداخلة: ... سؤالي، سؤالي: كيف يا شيخ حكمنا على هذا الرجل تارك الصلاة، ليس جاحداً لها ولكن تكاسلاً؟
الشيخ: هذا فاسق، وليس بكافر.
стр. 569
مداخلة: الدليل شيخنا!
الشيخ: الدليل: «أنه من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة» والدليل: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن أدَّاها وأحسن أداءها، وأتم ركوعها وسجودها وخشوعها، كان له عند الله أن يُدْخِلَه الجنة، ومن لم يُؤَدِّها ولم يُتِم ركوعها وسجودها وخشوعها، لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له».
ولو كان كافراً ما غفر له؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
مداخلة: جزاك الله خيراً شيخنا!
الشيخ: وإياك.
مداخلة: لكن ممكن أفهم منك هذه القضية اللِّي أسمعها كثيراً وأنا ما فهمتُها اللي هي يقول، لكنه كفر دون كفر، كيف ... كفر دون كفر؟
الشيخ: يعني: قال ﵇: «سِبَاب المسلم فسوق وقتاله كفر» وقال في القرآن الكريم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩].
فهؤلاء اللِّي قاتلوا وهم بغاة، حَكَم رب العالمين بأنهم طائفة من المؤمنين، وفي الحديث يقول: «وقتالُه كفر».
فإذاً: هذا كفر دون كفر الرِّدة، فمن فعل شيئاً من هذا هو من أفعال الكفار، ولكنه يخالف الكفار في عقائدهم، فقد فعل فعلهم، ولم يعتقد عقيدتهم.
فهو من حيث الفعل مُلْحَق بهم، ومن حيث العقيدة مُخَالف لهم، هذا معنى قولهم: «كفر دون كفر».
مداخلة: يعني: هو القول صحيح؟
الشيخ: بلا شك.
стр. 570
مداخلة: يا شيخ! ممكن نُسَمِّيها تسميات يعني: نُقَسِّمها تقسيم، أنه مثل ما قلت أنت كفر ردة، والكفر الثاني أيش؟
الشيخ: كفر عملي.
مداخلة: كفر عملي.
الشيخ: نعم.
مداخلة: وفيه تقسيم ثالث أم هؤلاء الاثنين فقط؟
الشيخ: هؤلاء اثنين، هو تقسيمين: فيه كفر عملي وفيه كفر اعتقادي، وفيه كفر قلبي، وفيه كفر لفظي.
مداخلة: نعم.
الشيخ: نعم.
مداخلة: جزاك الله خيراً شيخنا.
الشيخ: وإياك.
«الهدى والنور/٣٢٣/ ٤٦: ٥٣: ٠٠»
الرد على من احتج بهذا الحديث على تكفير تارك الصلاة
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: أوصاني خليلي رسول الله ﷺ بسبع خصالٍ فقال: لا تشركوا بالله شيئاً، وإن قُطعتم أو حرقتم، أو صلبتم، ولا تتركوا الصلاة، متعمدين، فمن تركها متعمدا فقد خرج من الملة، ولا تركبوا المعصية، فإنها سخط الله، ولا تشربوا الخمر، فإنها رأس الخطايا كلها الحديث. رواه الطبراني، ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة بإسنادين لا بأس بهما. «ضعيف»
قال الألباني: قلت إنما هو إسناد واحد. وفيه عندهما سلمة بن شريح، قال الذهبي: لا يعرف، وهو مخرج في «الضعيفة» «٥٩٩١» وفيه الرد على من احتج
стр. 571
بالحديث من تكفير تارك الصلاة كسلاً.
«الترغيب والترهيب ١/ ٢٥٥»
ما ثبت عن السلف من القول بكفر تارك الصلاة محمول على المستكبر والمعاند
وعن عبد الله بن شقيقٍ العقيلي ﵁ قال: كان أصحاب محمدٍ ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفرٌ؛ غير الصلاة. رواه الترمذي. «صحيح موقوف»
قال الألباني: وهذا نحوه محمول على المعاند المستكبر الممتنع من أدائها ولو أنذر بالقتل، كما قال ابن تيمية وابن القيم، انظر رسالتي «حكم تارك الصلاة».
«الترغيب والترهيب ١/ ٢٥٦»
إنما يكفر تارك الصلاة إذا كان معاندًا مستكبراً
وعن أبي الدرداء ﵁ قال: لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له. رواه ابن عبد البر وغيره موقوفاً. «صحيح موقوف»
وقال ابن أبى شيبة: قال النبي ﷺ : من ترك الصلاة فقد كفر.
وقال محمد بن نصر المروزىُّ سمعت إسحاق يقول: صح عن النبي ﷺ : أن تارك الصلاة كافرٌ، وكذلك كان رأى أهل العلم من لدن النبي ﷺ : أن تارك الصلاة عمداً من غير عُذرٍ حتى يذهب وقتها كافرٌ.
وروى عن حماد بن زيدٍ عن أيوب ﵁ قال: «ترك الصلاة كفر لا يُختلف فيه».
قال الألباني: وقلت: وزاد ابن عبد البر في «التمهيد» «٤/ ٢٢٦» عن إسحاق: «إذا أبى من فضائلها وقال: لا أصلي» ففي قوله هذا ما يشعر أنه لا يصلي عناداً
стр. 572
واستكباراً عن الخضوع لله بها، فهو في هذه الحالة ونحوها كافر، وليس كذلك من يقول مثلاً في هذا الزمان الذي عطلت فيها إقامة الحدود الشرعية، حين ينكر عليه ترك الصلاة قال: الله يتوب علي، والله يعلم أنه صادق فيما يقول، فمثله لو أنذر بالقتل إن أبى، فليس الكفر هو لمجرد الترك، بل ما اقترن به من العمل الدال على الكفر القلبي، فعليه تحمل أحاديث الباب وآثاره، والله أعلم.
«الترغيب والترهيب ١/ ٢٥٩»
стр. 573
من أحكام تارك الصلاة
стр. 574
تارك الصلاة يقتل
وتاركها يقتل:
«أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ... » الحديث «متفق عليه» «سيكون عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برئ عنقه ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع» فقالوا: ألا نقاتلهم؟ قال: «لا ما صلوا» «م». «أليس يصلي؟ » قال: بلى ولا صلاة له. قال ﵇: «أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم» مالك «١/ ١٨٥» مرسلاً بسند صحيح ووصله الشافعي وأحمد في «مسنديهما».
وله شاهد من حديث أنس في البراني وأبي يعلى والبزار في «المجمع» «١/ ٢٩٦» وآخر عن أبي هريرة «د ٢/ ٣٠٥».
[الثمر المستطاب «١/ ٥٤»].
المرأة التي لا يصلي زوجها
السؤال: رجل متزوج هو لا يصلي وزوجته تصلي، .. ثلاث سنوات وهو غافل عن ذكر الله، ماذا تفعل؟
الشيخ: ... هل أنت ثابت على قولك أنه لا يصلي، أم تعني غافل عن ذكر الله، الغفلة عن ذكر الله كلمة شاملة مَطَّاطة، رُبَّ إنسان يصلي الفرض، ولا يذكر الله إلا قليلا، إلا في هذه الصلاة، هذا غافل عن ذكر الله، لكن ليس غافل عن الصلاة.
مداخلة: عن الصلاة أيضاً.
الشيخ: فإذاً: اكتفي بقولك إنه تارك للصلاة؛ لأنك عرفت أهمية الصلاة مما ذُكر آنفاً.
فإذا كان الزوج تاركاً للصلاة ومستمر على ذلك كما تذكر، فللمرأة أن تطلب
стр. 575
مفارقته من الحاكم الشرعي، وهو يجبره أولاً بحكم إمارته وولايته عليه أن يحافظ على الصلاة، فإن استمر على تركها فَرَّق بينه وبينها رغم أنفه.
«الهدى والنور / ٩٣/ ١٠: ١٩: .. »
مؤاكلة ومشاربة تارك الصلاة
السؤال: لي أخ لا يصلي، فهل يجوز أن آكل معه وأشرب؟
الشيخ: هو أكبر منك أم أصغر؟
مداخلة: أكبر مني.
الشيخ: وبلغ سِنَّ التكليف؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: فأنت إذا ما أكلت معه وما شربت معه، من أين تأكل وتشرب؟
مداخلة: من الأكل الذي يأكل فيه.
الشيخ: إذا فرضنا وقلنا لك: لا تأكل معه ولا تشرب معه، من أين تأكل وتشرب، ما دام هو أكبر منك؟
مداخلة: آكل يعني لوحدي.
الشيخ: يعني لوحدك، خارج البيت أم داخل البيت؟
مداخلة: داخل البيت.
الشيخ: لك أبٌ؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: لك أم؟
مداخلة: نعم.
стр. 576
الشيخ: يصلون إن شاء الله.
مداخلة: نعم.
الشيخ: هل تأكل معهم؟
مداخلة: إي نعم.
الشيخ: وأخوك هذا الذي ما يصلي ما يأكل معهم؟
مداخلة: .. يأكل معانا.
الشيخ: أنت إذا تركت أخاك، معنى ذلك تركت أباك وأمك.
ففي هذه الصورة لا يجوز لك أن تقول أنا أترك أخي؛ لأنك إن تركت أخاك تركت أباك وأمك.
لكن أنت إذا كان عندك شيء من العلم وشيء من النصيحة، وتحسن توجيهك إلى أخيك، وبخاصة أنه أكبر منك، فتفعل ذلك بالتي هي أحسن، وليس بالشِدَّة والغلظة.
«الهدى والنور / ٩٣/ ٣٢: ٤٣: .. »
ميراث تارك الصلاة
السؤال: مات رجل وهو لا يصلي، وله ميراث، فهل يقسم هذا الميراث على أبنائه؟
الجواب: هذا الكلام يمكن الجواب عليه على ضوء الجواب السابق، عن سؤال الأخ هناك عن تارك الصلاة، وهل اختلف الصحابة في كفر تارك الصلاة.
وباختصار يكون الجواب تلخيصاً للجواب السابق: إن كان هذا رجل عُرِفَ بأنه كان يجحد الصلاة ويستهزئ بالمصلين، فهو كافر ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يُوَرث.
стр. 577
أما إن كان معروفاً بإيمانه بالصلاة، واعترافه بها، ولكنه كان فعلاً لا يصلي إما دائماً، وإما أحياناً يصلي وأحياناً لا يصلي، فهذا ترثه ورثته، والحالة هذه.
«الهدى والنور / ٩٣/ ٥٣: ٤٩: .. »
رد السلام على تارك الصلاة
السائل: مثلا واحد تارك الصلاة يمر عليك ويقول: السلام عليكم، هل ترد السلام عليه؟
الشيخ: نعم ترد السلام، لكن إذا صاحبته وَعَظْتَه.
«الهدى والنور /٩٧/ ٣٠: ٥١: .. »
الذي لا يصلي، لكنه يصوم ويُزَكّي
السائل: الذي لا يصلي لكنه يصوم ويزكي، فهل يسقط عنه هذان الفرضان؟
الشيخ: نعم، يسقط عنه، بمعنى أنه ليس هذا الذي يصوم ويُزَكّي وفي الوقت نفسه لا يصلي، ليس مثل ذاك الذي لا يصلي، ولا يصوم، ولا يُزكي؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].
ولكن يُخْشَى على هذا الذي يصوم ويُزَكِّي، وفي الوقت نفسه لا يصلي، أن لا يستفيد من صيامه ومن زكاته؛ لقوله ﵊: «أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن تَمَّت، فقد أفلح وأنجح، وإن نقصت فقد خاب وخسر».
إذا: حنانيك بعض الشر أهون من بعض، الذي لا يصلي، ويصوم ويُزَكِّي، خير من الذي لا يصلي ولا يصوم ولا يزكي.
«الهدى والنور /٤٣٩/ ٤٢: ١٥: ٠٠»
стр. 578
ماذا يلزم زوجة تارك الصلاة
السؤال: يسأل السائل فيقول: امرأة محافظة على الصلوات الخمس، ولكن زوجها لا يصلي كسلاً، فهل يجوز لها طلب الطلاق، وما هو موقفها وموقف زوجها من بعضهما؟
الشيخ: أما أنه يجوز لها، فذلك من باب التساهل، لأني أقول: يجب عليها.
يجب عليها أن تطلب مفارقة زوجها التارك للصلاة؛ لأن هذا التارك للصلاة يَدُور أمره بين أن يكون كافراً مرتداً عن دينه، فهو في هذه الحالة لا إشكال عند أحد إطلاقاً أنه لا يجوز لها أن تبقى تحت عصمته؛ لأنه لا يجوز للمرأة المسلمة أن تعيش في كَنَف كافر، حتى ولو كان من أهل الكتاب.
أي: أن الله أباح للرجال المسلمين أن يتزوجوا من النساء الكتابيات، وحَرَّم على المسلمات أن يتزوجن باليهود أو بالنصارى، ولا شك أن من كان مرتداً عن دينه، فهو شر من اليهود والنصارى، هذا على قول من يقول بكفر تارك الصلاة.
لكن وإن كان هذا القول عندنا مرجوحاً والراجح أن تارك الصلاة لابد فيه من التفصيل، إن كان تركه للصلاة كسلاً، أي: هو يؤمن بها بفرضيتها، وهي تعرف أنه مُقَصِّر مع شارعها وهو ربنا ﵎، فهذا جمع بين إيمان في قلبه وكفر في عمله.
فحينئذٍ: يكون كفره في تركه للصلاة كفراً عملياً، وليس كفراً اعتقادياً، هذا رأينا وقد فَصَّلناه مراراً وتكراراً.
فأقول: حتى على هذا القول الراجح، لا يجوز للمرأة المسلمة أن ترضى أن تعيش مع هذا الزوج التارك للصلاة، لماذا؟ لأنه فاسق، هذا في أقل الأحوال.
ومن آثار ذلك: أن هذا الفسق مع الزمن المديد الطويل، إن لم يكن في الزمن القريب، سيُؤَثِّر عليها، ويجعلُها تتساهل بكثير من أحكام دينها، وبخاصة فيما إذا
стр. 579
رزق أولاداً ذكوراً أو إناثاً.
فحينئذٍ: ستسري عدوى هذا الفاسق إلى الأولاد؛ ولذلك فيجب على المرأة التي ابتُليت بزوج فاسق تارك للصلاة أو شارب للخمر أو مرتكب للزنا، في أي حالة من هذه الأحوال التي يستحق بها الزوج حكم الفاسق شرعاً، فيجب عليها أن تطلب مفارقة هذا الزوج الفاسق، مهما كانت ظروفها، هذا الذي ندين الله به.
السائل: نحن متفقين كما سمعنا منك أن تارك الصلاة لا يكون كافر كفراً اعتقادياً، إنما يكون كافراً كفراً عملياً، ولا يُخرجه من الملة.
طيب، الذي أقوله في هذه الآية ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ .. إلخ﴾ في الآخر قال: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
هنا دخل جهنم، هل دخول هذا جهنم دخولاً مُخَلداً أم غير مخلد؟
الشيخ: أنت خرجت عن الموضوع، خلِّ بالك ما تخرج عن الخط، لأنه ما كان أصل سؤالك أنه مخلد أو ليس مخلد، امسك المسألة من أولها ليس من آخرها.
يا أخي: المُشَاققة مثل الكفر، إما أن تكون عملية واعتقادية، أو عملية دون اعتقادية، فكل واحد حسب مشاققته يأخذ جزاءه الموعود به في آخر الآية.
مثله قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] واحد ما حج أليس كما اتفقنا إن شاء الله ما نرجع على أعقابِنا، أليس اتفقنا أن تارك الصيام والحج كتارك الصلاة؟
السائل: نعم.
الشيخ: طيب، ما حكم تارك الحج؟
السائل: نفس حكم تارك الصلاة والزكاة.
الشيخ: طيب، على التفصيل السابق؟
السائل: نعم.
стр. 580
الشيخ: طيب، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧].
فهذا الذي ما حج، الآية تُعْطِينا إشارة أنه كفر، والله غني عن العالمين، لو كفر الناس كلهم كما جاء في الحديث القدسي: «يا عبادي لو أن أَوَّلَكم وآخركم وإنسكم وجِنَّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أَوَّلكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه».
فهنا الآية ما قالت؟ ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧].
هذا الذي لم يحج له حالتان مثل تارك الصلاة، ما حج كَسَلاً، ما حج انشغالاً بالدنيا، لكن يعترف أنه فرض عليه يحج، ويلوم نفسه، ولو قيل: لماذا يا أخي لا تحج؟ الله يتوب علينا، الله ييسر لنا .. إلخ.
أما ذاك الكافر يقول: يا أخي هذه موضة قديمة .. إلخ.
هذا مُخَلَّد في النار ذلك غير مخلد في النار، كذلك المُشَاقِق للرسول فعقابه يتناسب معه، إن كانت المشاققة عن عقيدة فهو مُخَلَّد في النار، وضح الجواب؟
السائل: نعم بارك الله فيك.
الشيخ: الحمد لله.
السائل: صح في الأثر: أنه من ترك أو فات وقت تارك الصلاة، لا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانيا.
الشيخ: لا، ليس بالنسبة للصلاة هذا، هذا أُثر عن عمر بن الخطاب، وروي مرفوعاً إلى الرسول ﵇ في سنن الترمذي، ولا يصح مرفوعاً، وإنما جاء موقوفاً على عمر بن الخطاب، ماذا تريد منه؟
стр. 581
السائل: إذا صح الأثر، توافق هذا إذا كان يصح.
الشيخ: لا تُفَرِّق بين الصلاة والحج، لا تُفَرِّق بينهما، نحن الآن ما نفرق إن كان هذا الأثر في الصلاة أو في الحج، وأنت أيضاً لا تُفَرِّق إن كان في الصلاة أو في الحج.
الحج من أركان الإسلام والصلاة من أركان الإسلام، فمن أَخلَّ بركن من أركان الإسلام فهو على شفا حفرة من النار، لكن في فرق بين من ينكر الشرعية فهو ملحد كافر مُخَلَّد في النار، وبين من يعترف بالشرعية، لكن لهى في الدنيا والشيطان أغراه .. إلخ.
السائل: يعني شيخنا، الآن نفهم من ذلك أن النكران للحكم أو للفريضة التي فرضها الله عليه؟
الشيخ: أي نعم.
السائل: نكران أو عدم نكران.
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: نصوص تارك الصلاة شديدة جداً ... وأيضاً النصوص التي فيها تكفير: «من ترك الصلاة فقد كفر».
الشيخ: نعم.
مداخلة: «الفرق بين الكفر والشرك ترك الصلاة» كما قال ﷺ ، نصوص عامة ما جاء تخصيص للكفر هذا.
الشيخ: يا أخي، هذا كلام المشايخ الذين يُكَفِّرون تارك الصلاة، لكن نحن نرى أنه لا يجوز أخذ حكم في مسألة مُعَيَّنة، من طائفة من الأحاديث وهناك أحاديث أخرى.
أنا أضرب لك مثلاً بين يدي المسألة: إذا سمعت قوله ﵊: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» ماذا تقول على المسلم الذي يُقاتِل أخاه المسلم؟
стр. 582
تقول عنه كفر أم لا؟ تقول مخلد في النار؟
مداخلة: ما أعرف.
الشيخ: «من ترك الصلاة فقد كفر» كفر صدق رسول الله، تقول مخلد في النار؟ قل: الله أعلم.
أما أنا أقول: الله أعلم في كل شيء، لكن لا يجوز للمسلم أن يقول في شيء أعلمه الله به الله أعلم؛ لأنه في هذه الحالة يُنْكِر نعمة الله عليه، ربنا قال للرسول: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] كان يعلم الرسول ﵇ شيئاً قبل الوحي؟ لا، لكن ما شاء الله ربنا أعطاه من العلوم ما لم يعط أحداً من العالمين، فإذا سئل عن شيء الله أنبأه به، هل يقول: الله أعلم، وإذا سئل عن شيء لم يُوْحَ به إليه يقول: لا أدري حتى يسأل جبريل، وسؤال بعض الناس له عن خير البقاع وعن شر البقاع، أحسن مثال فيما نحن فيه حتى سأل جبريل، نزل جبريل قال له: «خير البقاع المساجد، وشر البقاع الأسواق».
فالآن ضربنا مثلاً: «سِبَاب المسلم فسوق وقتاله كفر» أعظم من ذلك خطبته ﵊، لأَني أُريد أَتَسَلْسَل معك في الحديث، حتى آتي إلى الصلاة، كيف أنه تأتي أحاديث فيها ترهيب شديد جداً عن أمر ما، مع ذلك لا تعني الكفر الذي يُخَلَّد صاحبُه في النار.
ولذلك فأنا أعجبني منك جداً حينما قلت: الله أعلم، لأنك فعلاً لا تعلم، لكن أنا بفضل الله ما أقول هنا: الله أعلم. أقول غير شيء الله أعلم ويكفينا، أشياء كثيرة جداً ما نعرفها نقول: الله أعلم.
قال ﵇ في حجة والوداع، في الخطبة التي يُضرب فيها المثل في عظمتها وعظمة أحكامها وو .. إلخ، منها أنه ﵊ قال لجرير بن عبد الله البجلي: «استنصت لي الناس» هذا أمر نادر أمر هذا، يعني: معناها هيئ هذا الشعب كله الذي واقف في عرفات، أن يستمع لما سأُلقي عليه من الوحي، «استنصت لي
стр. 583
الناس» فقال ﵇: «يا أيها الناس! لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» لا ترجعوا بعدي كفاراً.
فتقاتُل المسلمون أولاً وفيما بعد وأخيراً وو .. إلخ، الآن وما العهد عنكم ببعيد، تقاتل المسلمون، هل هؤلاء كفار؟ قل: الله أعلم وحُقَّ لك ذلك، أم عندك علم إن شاء الله؟
السائل: مما علمنا أنه فيهم المؤمن وفيهم الكافر ... الفئتين.
الشيخ: هذا جواب سياسي.
السائل: الصحيح أنه وقع في الجيش منهم مشرك كافر، وفيهم المسلم المؤمن، ومن يصلي ويقيم شرع الله .
وأما الفئة الثانية علمنا عنهم فيهم الملحد الكافر أو المشرك، وفيهم المسلم الذي هو من البلاد العربية.
الشيخ: في قتالات سابقة، فيه ناس اسمهم خوارج تعرفوهم، فهؤلاء قُوتلوا من قبل الخليفة الراشد، هل كانوا كفاراً؟
السائل: الخوارج؟
الشيخ: أيوه، قل الله أعلم أحسن لك.
لقد سُئل هذا السؤال من قاتلهم، من هو؟ علي: أكفارٌ هم؟ قال: «من الكفر فَرُّوا».
وأنا أشهد «من الكفر فروا» شُبِّه لهم، قالوا: حَكَّمت الرجال، ضلوا ضلالاً بعيداً، الشاهد: أتيت لك مثالين، والأحاديث كثيرة جداً من فعل كذا فقد كفر، حتى العبد إذا أبق عن سيده فقد كفر، العبد كفر! نرجع إلى القتال.
إذا نحن نظرنا إلى هذه الأحاديث ظاهرها أنه كافر، لكن ربنا قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا
стр. 584
الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩].
هذه الفئة الباغية حُكِمَ عليها بالإيمان مع أنها باغية، فإذاً: يجتمع المقاتلة مع الإيمان، ويجتمع إيمان وكفر في آن واحد.
إذاً: نأخذ من هذا وهذا كله النتيجة التالية: وهي أنه لا ينبغي أن نتسرع إلى إطلاق التكفير المُخْرِج عن الملة، والمُخَلِّد في النار، لمجرد أننا سمعنا حديثاً أو أحاديث، تصف إنساناً أصله مسلم بأنه كفر بعمل ما، لا نقول هذا الكلام أبداً.
ذلك لأن كلمة كفر عَرَفْناها في الاستعمال الشرعي أنها لا تعني الردة.
إذاً: متى تعني الرِّدة؟ القضية لها علاقة بما وَقَر في القلب، ما وقر في القلب فرب الناس أجمعين يعلم لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، أما نحن البشر فليس لنا إلا الظاهر.
فإذا سمعنا رجلاً يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وبخاصة إذا رأيناه يصلي أحياناً ولو على وجه الترقيع، ولو يوم الجمعة مثلاً، والعجيب أنه يصوم رمضان أيضاً.
طَيِّب، هذا اجتمع فيه إيمان وهذا الإيمان هو الذي دفعه إلى الشهادتين وإلى الصلاة أحياناً وصيام شهر رمضان .. إلخ.
ما الذي دفعنا أن نقول: هذا إيمانه شهادته لم تنفعه، صيامه لم ينفعه، صلاته ولو في بعض الأحيان لم تنفعه، بمجرد ما ترك صلاة واحدة .. [هذا] والذي لا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله هما سواء؛ لأنه ترك صلاة أو خمس صلوات أو عشرة أو أكثر، هذا ظلم، وهذا بغي، والله لا يحب الظالمين.
والبحث هذا الحقيقة طويل الذيل، في الأخير هذا الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، هذا عنده إيمان أم ما عنده إيمان؟ عنده إيمان بلا شك، ياتُرَى هذا الإيمان ولو ذرة ينفعه يوم الآخرة أم لا ينفعه؟ الأحاديث المتعلقة بأحاديث الشفاعة صريحة جداً: «أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان»
стр. 585
بعدين حبة قال: حبة خردل، بعدين قال: ذرة من إيمان أخرجوه من النار، وبعدين أنا وجدت أحاديث صحيحة، إخواننا أنا أَطْلَعْتهم عليها، أن المؤمنين الصالحين يشفعون في المؤمنين العصاة، فيأتون ويُخرجون طائفة من النار، يقولون: يا ربنا أخرج من كان يحج معنا ويصلي معنا، فيؤذن لهم بوجبة ثانية يخرجونهم من النار فيخرجون، هكذا ثلاث مرات.
إذاً: الوجبة الأولى كان فيها المصلون، الوجبة الثانية ما كان فيها المصلون، فهذا نص في حديث الشفاعة يشمل أيضاً الذين كانوا لا يصلون، فهو نص قاطع في الموضوع، غير النواحي الفقهية الدقيقة، التي قد يشترك بعض الناس معنا في فهمها والبعض الآخر قد لا يشترك معنا في فهمها.
أما قضية الشفاعة أنه أول وجبة يُخْرِجونهم كانوا يصلون معهم ويحجون، لكن لهم ذنوب دخلوا بسببها النار فيشفعون فيهم، ووجبة ثانية ووجبة ثالثة، طبعاً! هؤلاء ليس فيهم مصلون؛ لأن المصلون خرجوا في الوجبة الأولى، هذا هو العدل الإلهي ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة: ٨].
فإذاً: مسلم ما أنكر شيئاً من الدين فربنا غفور رحيم، والحمد لله رب العالمين.
مداخلة: جزاك الله خيراً، بارك الله فيك الآية: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].
الشيخ: نعم، في نفس الآية، أنت الآن تُدَنْدِن حول تارك الصلاة، أليس كذلك؟
مداخلة: ترك، أي ترك الصلاة والزكاة.
الشيخ: ما جاوبتني.
مداخلة: الموضوع ... حول الصلاة.
стр. 586
الشيخ: هذا هو الجواب، بارك الله فيك، هكذا بِدِّي إياك يا وليد، هل تعلم أحداً من علماء المسلمين سَوَّى بين الصلاة، من حيث التكفير الذي يُرَادف الإخراج عن الملة، بين تارك الصلاة وتارك الزكاة وتارك الصيام وتارك الحج، فكلهم سواء من حيث أن كل واحد من هؤلاء لم يصل، أو صلى ولم يزك، أو صلى وزكى، ما صام رمضان، أو صلى وزكى وصام رمضان وما حج إلى بيت الله الحرام، فيكون كافراً مرتداً عن دينه؟
مداخلة: ما أعرف.
الشيخ: ما تعرف، جميل جداً، هل تعرف أحداً سَوَّى بين تارك الصلاة وتارك الزكاة والحج؟ نحن أخرجنا عفواً تارك الصلاة والصيام والزكاة أخرجنا آنفاً الحج، الآن هؤلاء الثلاثة هل تعلم أحداً سوى بينها؟
مداخلة: لا أعلم.
الشيخ: لا تعلم، هل تعلم أحداً كَفَّر بترك الصلاة؟
مداخلة: بترك الصلاة.
الشيخ: نعم، قل أعلم لا تخاف لا تخاف.
مداخلة: ... اختلفوا.
الشيخ: ماعليش مش مهم، الآية ماذا تقول: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].
فالآية تُسَوِّي بين الصلاة والزكاة، وأنت تُفَرِّق مع المُفَرِّقين، صح؟ قل: صح.
مداخلة: صح.
الشيخ: إذاً: هل في الآية دليل على أن تارك الصلاة [كافر]؟ هنا المشايخ يقعوا في حيص بيص، إن قالوا: إن الآية دليل على أن تارك الصلاة كافر، يقال لهم: إذاً: تارك الزكاة كافر، فإن قالوا: تارك الزكاة ليس بكافر فيقال: أيضاً تارك الصلاة ليس
стр. 587
بكافر.
لأن الآية واحدة، ومذكور فيها الصنفان تارك الصلاة وتارك الزكاة.
مداخلة: بارك الله فيك.
الشيخ: وفيك بارك.
مداخلة: فإن أراد أحد التَمَلُّص وقال: نحن استدللنا بهذه الآية على تكفير تارك الصلاة لأدلة أخرى، وكل هذا تملص.
الشيخ: لا، ماعليش، نحن نمشي مع الشيخ هنا، نقول له: هات الأدلة الأخرى، وخسرت الدليل الأول.
مداخلة: إذاً: الدليل هذا ساقط الاستدلال به.
الشيخ: وهذا المقصود به.
مداخلة: [طيب أدلتهم الأخرى]؟
الشيخ: أدلة أخرى، ما فيه غير من ترك الصلاة فقد كفر، وأعطيناك أدلة أخرى فيها كفر، من فعل كذا فقد كفر، من فعل كذا فقد كفر.
مداخلة: لكن ليس كُفر خُروج من الملة.
الشيخ: نعم، هو هذا، بعدين عندنا حديث: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن أَدَّاها وأحسن أداءها وأتم ركوعها وسجودها وخشوعها، كان له عند الله عهد أن يُدْخِله الجنة، ومن لم يفعل فليس له عند الله عهد، إن شاء عَذَّبه وإن شاء غفر له» والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
«الهدى والنور /٤٥١/ ٠٤: ٢٠: ٠٠».
«الهدى والنور / ٤٩٦/ ١٨: ١٦: ٠٠»
стр. 588
حكم زواج المرأة بدون إذن وليها إذا كان وليها يريد أن يزوجها من رجل تارك للصلاة
السائل: والد تارك للصلاة، ويريد إجبار بنته الملتزمة للدين أيضاً على الزواج أيضاً من رجل تارك صلاة، فقامت البنت بمعصية والدها وخرجت من البيت، وتزوجت رجل بموافقة وليّ أمر المسلمين في تلك المنطقة من رجل ملتزم، فما حكم هذا الزواج؟
الشيخ: كيف كان ولي أمر المسلمين ولي لها، إذا عرفنا الصورة ممكن؟
السائل: الصورة في بريطانيا يا شيخنا.
الشيخ: ولي أمر المسلمين في بريطانيا.
السائل: هناك أُمَراء يا شيخنا في مناطق في بريطانيا، يقوم بالإشراف على شؤون المسلمين من ناحية المراكز الإسلامية عقود زواج، ومثل هذه الأمور فتزوجت عن طريق هذا الرجل، ورفضت الزواج عن طريق والدها تارك الصلاة من رجل تارك صلاة.
الشيخ: هذا الرفض نحن نستحبه ونوجبه، لكن تبقى المشكلة الأخرى أن تتزوج بدون إذن وليها، والرسول ﵇: «فإن اشتجروا، فالسلطان ولي من لا ولي له».
فحينئذٍ نحن نريد أن ننظر ولي المسلمين الذي عَبَّرت أنت، وراح الذهن يدور أين هذا ولي المسلمين في أي بلد، وإذا هو في بريطانيا فهذول بقي هنا اللِّي ناصبين أنفسهم أمراء في اعتقادك علماء؟
السائل: طلاب علم، يا شيخ.
الشيخ: أنا في هذه الحالة أقول: يجب على الفتاة المسلمة أن تسأل من تَثِق بعلمه، تعرض قصتها على ذاك العالم، سواء كان في الشرق أو في الغرب، وما هو
стр. 589
الحل عندك: والدي يريد أن أتزوج رجل كافر أو على الأقل فاسق، وقد خطبني شخص مُتدين ملتزم إلى آخره فماذا أفعل؟
فهذا العالم الذي هو عالم وهو من أُولى الأمر بنص القران الكريم، يمكن أن يُبِيح لها أن تتزوج، أنا أخشى من هؤلاء الذي أنت عَبَّرت عنهم بهذه الكلمة الضخمة أولاً، ثم نزلت قليلاً بأنهم أمراء، وهؤلاء أمراء نَصَّبوا أنفسهم فما أحد نَصَّبَهم، وهذه يترتب من ورائها مفاسد وفتن.
وأنا على مثل اليقين أنهم يتكلمون في كثير من المسائل تقع لهم هناك بغير علم؛ لأنهم كما قلت طلاب علم وماذا محصلين من العلم، يمكن آخذ شهادة بكالوريا أو آخذ شهادة دكتوراة في بعض العلوم، ثم جلس هناك في بلاد الغربة وبلاد الكفر، يُوَسّع معلوماته قليلاً.
فالمهم: يعني المسألة تحتاج إلى تَحَفُّظ يعني، وتورع وعدم تسرع، في أنه خلصنا من مشكلة نقع في مشكلة أخرى كما يقال، كنا تحت المطر صرنا تحت المزراب، الوالد يأمرها بأن تتزوج بكافر أو فاسق لا يجوز لها أن تطيعه، لكن لا يجوز لها هي أيضاً أن تُزَوِّج نفسها بنفسها.
يجب أن ترفع الأمر إلى حاكم مسلم، وهذا الحاكم هو الذي يُزَوِّجها وهؤلاء ليسوا حكاماً.
السائل: لو استكتبوا لك شيخنا، يكتبوا لك، حتى تكتب لهم الجواب إن شاء الله.
الشيخ: لا، أنا لست من هؤلاء، يكتبوا للذي يحكموا ويقضوا بين الناس، أنا ممكن أن أُفتي أما أنا لا أقضي.
«الهدى والنور/٥٤٢/ ٠٤: ٣٥: ٠٠»
стр. 590
ما يفعل من يدعو ابنه للصلاة وابنه لا يطيعه
السائل: ما حكم رجل ابنه تارك الصلاة، ويدعوه للصلاة ولكن لا فائدة؟
الشيخ: ما عمره؟
السائل: كبير.
الشيخ: كم هو عمره؟
السائل: يعني بالغ الثمانية عشر.
الشيخ: هذا أكيد أبوه لما كان عمره بدل الثمانية عشر ثمانية ما أمره بالصلاة؛ لأن أبوه يمكن كان ما يصلي والله أعلم، أو كان يصلي لكن كان مُقَصِّراً في تطبيق الأمر النبوي الكريم «مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفَرِّقوا بينهم بالمضاجع».
أنا لا أكاد أتصور أباً وأماً يقومان على تنشئة الولد وتربيته، سواء كان ذكراً أو أنثى، في حدود الأحكام الشرعية، منها أن يأمروه بالصلاة وهم من سبع بالتي هي أحسن، أبوه يروح الجامع يأخذه معه يتعود على الصلاة يتعود على الوضوء على الطهارة إلى آخره، يبلغ السن العاشرة وهو لا يُصَلِّي، يشتغل الضرب به ولا تأخذه الأب والأم في ولده رأفة ولا رحمه، لماذا؟ لأن الشرع أمره بذلك، فإذا ما بلغ هذا الولد سن الرجال، سَنّ التكليف، أصبح ما يمشي فيه الحال أمر ونهي، لماذا؛ لأنه من قبل لم يؤمر ولم يُنه، ولذلك فنحن نَصُبّ اللومَ كل اللوم على الآباء الذين يشكون من أولادهم بعد أن يبلغوا سن التكليف، حيث لا أمر للوالد عليه أي من ناحية شرعية، أما من حيث التواضع يجب حينئذٍ يقال المثل العربي القديم: في الصيف ضيَّعت اللبن، الآن بعد أن بلغ هذا السن ثمانية عشر سنة، والله إذا ضربته سيضربك، إذا قتلته يقتلك، ولذلك أنت شاعر بهذا فما تعمل شيء إلا لا حول ولا قوة إلا بالله، إلا أن تشكو الأمر إلى من تثق به من أصدقائك ولا فائدة، لماذا كان هذا الولد مثل الشتلة الغضة الطرية زرعتها، وبدأت ماذا تميل شرقاً غرباً شمالاً
стр. 591
جنوباً، وأنت تريد أن تنشأ قائمةً على سوقها مستقيمة، فتركتها وأهملتها، بينما كل ما شفتها جية شوية هيك تجيبها هيك وهكذا، حتى تستقيم على الجادة كما تريد، حينئذٍ يطيب لك أن تنظر إليها، وأن تتمتع بها سواء بالنظر إليها أو بأكل ثمارها، أما بعد ما بلغت سن الاستقرار يميناً أو يساراً نحو ذلك، ماذا سنفعل بهذه الشجرة، خلاص في الصيف ضَيَّعت اللبن.
المُهم من ابتلي بمثل هذا الولد إن كان قام بواجب الأمر بالصلاة والضرب على الصلاة كما أمر الرسول ﵇، فهو غير مؤاخذ عند الله ، ثم له مثل نوح ﵇ وابنه هذا عَقَّه وقال له: اركب معنا، قال: ساوي إلى جبل يعصمني من الماء.
الخلاصة: سيكون هو معذور، والمهم هو يكون خَلص حاله من مخالفة الشرع، أما إذا كان هو في الحقيقة كما أعتقد، هو الذي قَصّر وهو سبب ضلال الولد وعصيانه وعدم استجابته لأمر أبوه بالصلاة بعد ما بلغ هذا السن سن الثمانية عشر، هذا الذي ينبغي.
وأخيراً: ليس له إلا أن يدعو الله له أن يهديه سواء السبيل.
«الهدى والنور/٥٤٢/ ٠٦: ٤٧: ٠٠»
لا تجب الصلاة على الصبي حتى يبلغ
ولا تجب الصلاة على الصبي حتى يبلغ:
«رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يعقل» «د ن ت مي مج مس حم ٦/ ١٠٠ - ٠١٠١ و ١٠١» وهو بمجموع طرقه وشواهده صحيح ويراجع في «نصب الراية» «٤/ ١٦١ - ١٦٥» و «التلخيص» «٢/ ٩٥ - ٩٦» و «مفتاح كنوز السنة» «ص ١٥٢».
[الثمر المستطاب «١/ ٥٤»].
стр. 592
يجب على ولي الأمر أن يأمر الصبي بالصلاة إذا بلغ السبع سنين وأن يضربه إذا بلغ العاشرة
ولكن يجب على ولي الأمر أن يأمره بالصلاة إذا بلغ السبع سنين وأن يضربه إذا بلغ العاشرة:
«مروا صبيانكم بالصلاة لسبع سنين واضربوهم عليها لعشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع» وهو حديث حسن أو صحيح بطريقيه. انظر «نقد التاج» «رقم ٨٠» وبه قال الشافعية: مجموع «٢/ ١١» وإليه ذهب الشوكاني «١/ ٢٦٠».
[الثمر المستطاب «١/ ٥٤»].
стр. 593
كتاب الصلوات الخمس ومواقيتها وأحكامها
стр. 594
هل حديث: «أفلح إن صدق» يستدل به على عدم وجوب أي صلاة سوى الصلوات الخمس
مداخلة: .. الفقهاء المفتين، يعني يستدلون بالحديث «أفلح إن صدق» في تجاوز كثير من الأحاديث التي فيها من الأوامر الشرعية والنبوية ما يوجب التطبيق، لأن الأصل في الأوامر الوجوب، فيستدلون على حديث «أفلح إن صدق» بالمندوبية، أو مندوبية ذلك الفعل، ولا شك أن كثيراً من العلماء من يرد على هذا الأمر بقوله أن هذا الذي أفلح إن صدق وقال له ﷺ ذلك، إنه ما انتهى إليه من الأوامر، وكذلك بأن الدين قد اكتمل بأوامر أخرى، فيجب على من علمها أن يطبقها وتكون بحكم الواجب وليس بحكم المندوب كما ذهبوا، فماذا تُعلِّقون عليه؟
الشيخ: مثاله؟
مداخلة: مثلاً يا شيخ، السنة تحية المسجد، يقولون تحية المسجد عندما واحد يدخل مندوبة لأنها وإن وردت بصيغة الأمر، فالنبي ﷺ قد قال لهذا القائل الذي أتى بالفرائض المعلومة وهو لم يزد على ذلك .. وهكذا في مسائل أخرى لا أستطيع أن أحصرها الآن.
الشيخ: أنا لا أعتقد أن عالماً يقول ما نقلت آنفاً، من أن النبي ﷺ علم ذلك السائل كل ما فرض الله عليه في تلك الجلسة، وحينئذ يبقى الاستدلال بهذا الحديث من أوهى الاستدلالات.
أما لو فرضنا العكس أن النبي ﷺ علمه ما يجب وجوباً عينياً في حياة المسلم فنقول بالنسبة لهذا المثال بالذات وهو تحية المسجد، فتحية المسجد إنما تجب على من دخل المسجد أولاً، وليس على من دخل المُصَلَّى أو غيره من أمكنة الصلاة أولاً.
وثانياً: إنما تجب التحية ليس على من دخل المسجد فقط، وإنما وجلس فيه، فلو دخل ولم يجلس فليس عليه تحية، دخل وخرج، ليس عليه تحية، بغض النظر أن
стр. 595
الأمر هنا للوجوب وهذا يحتاج إلى بحث، لعلي أتعرض له لأنه في اعتقادي مهم جداً، بغض النظر أن هذا الأمر للوجوب أو للاستحباب، فإنما هذا الأمر أُمر به من دخل المسجد ويريد الجلوس، أما إذا كان لا يريد الجلوس، فغير وارد عليه هذا الأمر؛ لأن للحديث روايتين اثنتين، الرواية الأولى: «إذا دخل أحدكم المسجد فليُصلِّ ركعتين ثم ليجلس» الرواية الأخرى: «فلا يجلس حتى يصلي ركعتين».
إذاً: إذا كان لا يريد الجلوس لأمر ما كهؤلاء العمال والذين يترددون إلى المسجد لأمر ما، وليس للجلوس فيه، فهؤلاء لا يَنْصَبُّ عليهم الأمر المذكور في الحديث، يؤكد هذا حديث أبي قتادة الأنصاري حينما دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس، وحوله بعض أصحابه فجلس، فقال له: «يا فلان أصليت ركعتين»؟ قال: لا، قال: «قم فصَلِّ ركعتين» ثم قال ﵇ الحديث المذكور آنفاً.
وقصة أبي قتادة هذه هي غير قصة سُلَيْك الغطفاني وقصة سليك التي سنذكرها تؤكد أن الأمر المذكور في حديث صلاة التحية في المسجد يؤكد أنه للوجوب وليس للاستحباب، ذلك لأن حديث سُلَيْك كما في صحيح البخاري ومسلم أنه دخل يوم جمعة ورسول الله ﷺ يخطب فجلس، قال له ﵇: «يا فلان أصليت قبل أن تجلس»؟ قال: «قم فصل ركعتين»، ثم تَوَجَّه إلى عامة الجالسين في المسجد وقال: «إذا دخل أحدكم المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب فليصَلِّ ركعتين وليتجوز فيهما». «فليصل لله ركعتين وليتجوز فيهما».
هذا الحديث يؤكد أن تحية المسجد واجبة، ليس أمراً مستحباً فقط.
ووجه الاستدلال لهذا الحديث بأن نتذكر حديثاً آخر ألا وهو قوله ﵊: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغوت».
وكُل مُتَفَقِّه في الشرع يعلم أن قول القائل لمن يتكلم يوم الجمعة والخطيب يخطب «أنصت» إنما هو أمر بالمعروف، وأيضاً نعلم أن الأمر بالمعروف واجب، فإذا
стр. 596
علمنا أن النبي ﷺ أسقط هذا الواجب وهو الأمر بالمعروف لأن الخطيب يخطب، وعلى العكس من ذلك لم يُسقط وجوب التحية والخطيب يخطب، كان هذا من القرائن القوية والقوية جداً على أن التحية لا تسقط ولا يجوز تركها بدعوى أنها مستحبة، لا، هذا شيء والشيء الآخر وهذا أمر هام أيضاً: أن التحية تُشْرع ويُؤْمر بها في كل الأوقات لا نستثني منها الأوقات المكروهة، ذلك لأن الصلاة المُطْلَقة صلاة النافلة والخطيب يوم الجمعة يخطب منهي عنها، فهو هذا الوقت ينبغي أن يُلْحَق بالأوقات الخمسة التي تفرع وقتان منها من الأوقات الثلاثة.
لكن الفقهاء جروا على أن يجعلوا الأوقات أوقاتاً خمسة بالنسبة لأنها تتعلق بأوقات الصلاة، لكن الحقيقة أنه ينبغي أن يلحق بهذه الأوقات من حيث عدم جواز النفل المطلق فيه ومن حيث جواز بل وجوب صلاة التحية فيه ينبغي أن يلحق والفقيه يخطب يوم الجمعة؛ لأن النبي ﷺ قد أمر كما سمعت في قصة سُليك الغطفاني أن يصلي ركعتين والخطيب يخطب، بينما نهى أن تقول لصاحبك أنصت، فهذا يؤكد أمرين اثنين الأمر الأول أن تحية المسجد واجبة ليست مستحبة فقط، ثم تصلى في الأوقات المكروهة.
«الهدى والنور/٦٥٢/ ٣٨: ١٩: ٠١»
стр. 597
الصلوات الخمس
стр. 598
مفهوم حديث: لا إلا أن تطوع
الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١].
أما بعد ..
فإن خيرَ الكلام كلام الله وخيرَ الهدي هدي محمد ﷺ ، وشَرَّ الأمور محدثاتُها، وكُلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وبعد -أيضاً-: فالسؤال الذي سمعتموه كلكم أو بعضكم من فضيلة الشيخ البنا، هو: هل أوتر رسول الله ﷺ حينما جمع بين المغرب والعشاء في المزدلفة جمع تأخير؟
الجواب: لم يُنقل عن النبي ﷺ أنه صلى أكثر من الجمع بين الفريضتين، وجمع التقصير.
وقد ذكر الرُواة من أصحابه ﷺ أنه نام حتى أصبح.
ففي ذلك إشعار قويّ على أن النبي ﷺ لم يزد في تلك الليلة بخاصة، على أداء الفريضتين: فريضة المغرب، وفريضة العشاء.
وعلى ذلك فنستطيع أن نأخذ من هذه الرواية حُكْمَين اثنين:
الحكم الأول: أنه إذا كان الله قد خَفَّف عن المسلمين الفريضة في
стр. 599
حالة السفر بعامة وفي حالة الجمع في المزدلفة بخاصة، خَفَّف عنهم الفريضة فجعلها ركعتين «صلاة العشاء» أما المغرب فكما تعلمون فركعاتها ثابتة، فمن باب أولى أن يُخَفِّف الله عن المسلمين المسافرين من التطوع.
وقد ثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: «لو سَبَّحت لأتممت» لو سبحت -أي في السفر- لأتممت الفريضة.
فإذا كان الله قد خَفَّف عن عباده من الفريضة، كما سمعتم ركعتين من الصلاة الرباعية، فكيف بنا ألَّا نخفف عن أنفسنا، فلا نُسَبِّح ولا نتطوع؛ لأن سنة النبي ﷺ جَرَت على عدم التطوع في السفر.
ولا أعني هذا بصورة عامة، وإنما بَحْثُنا الآن بالنسبة للسنن الرواتب، وآكَدُها سنة الوتر، ثم سنة الفجر.
ولا شك ولا ريب عند كل فقيه بالسنة، أن وضع الحَاج أحَسّ وأدق من أيّ وضع مسافر ما.
فلا غرابة ولا عجب أن لا يتطوع النبي ﷺ بصلاة الوتر في تلك الليلة؛ تخفيفاً من الله عن عباده، هذا هو الحكم الأول الذي يُمْكِننا أن نستنبطه، وأن نفهمه من عدم ذكر أصحاب النبي ﷺ الذين نقلوا لنا صفة حجة النبي ﷺ بعامة، وما فعله في المزدلفة بخاصة.
أما الحكم الثاني: فهو أن صلاة الوتر ليس فريضة، وإنما هو كما قال عليٌّ -رضي الله تعالى عنه- حينما سُئِل عن صلاة الوتر: أهو واجب كوجوب الصلوات الخمس؟ قال: «لا، وإنما هو سنة سَنَّها رسول الله ﷺ » - فترك الرسول ﷺ للوتر في تلك الليلة، إشعار قوي جداً بالفرق بين الوتر من حيث حكمه، وبين الفريضة.
فالفريضة لا تَسْقُط مطلقاً، أما الوتر فقد تركه الرسول ﷺ في تلك الليلة.
ففيه بيان للحكم الأول أولاً، ثم للحكم الآخر ثانياً، وهو أن الوتر سُنَّة وليس
стр. 600
بفريضة.
وهناك أدلة أخرى تؤكد هذا الحكم الثاني، وهو سُنِّية الوتر، وليس أنه فرض أو واجب كما يقوله بعض الفقهاء المتقدمين، ومن يقلده من المتأخرين أن الوتر واجب.
فلا هو فرض كفريضة الصلوات الخمس، ولا هو سنة كالسنن الرواتب، العشر ركعات المعروفة في كل يوم وليلة، هكذا يقول بعض الفقهاء المتقدمين، ومن اتبعهم.
ولكن السُّنَّة أحق أن تُتَّبع، وبخاصة كما أشرت أخيراً، إلى أن هناك أدلةً أخرى على أن الوتر ليس من الفرائض.
وحسبكم حديث الأعرابي الذي سأل النبي ﷺ عمّا فَرَض الله عليه في كل يوم وليلة.
فكان جوابه ﵊ كما تعلمون: «خمس صلوات في كل يوم وليلة»، ولما سأل ذلك الأعرابي النبي ﷺ بقوله: هل عليّ غيرهن؟ قال: «لا إلا أن تطوع»، «إلا أن تطوع».
إذاً: ما سوى الصلوات الخمس في كل يوم وليلة، وأرجو أن تُمْعنوا النظر في قولي هذا: في كل يوم وليلة.
دل قوله ﵇ له: «لا، إلا أن تطوع» أنه لا يجب في كل يوم وليلة إلا تلك الصلوات الخمس.
أرجو أن تتأملوا معي في هذا القيد، بما سيأتي بيانه توضيحاً ونصيحة للأمة.
فلما سمع ذلك الأعرابي أو ذاك الرجل قول النبي ﷺ له: «لا، إلا أن تطوع»، قال: والله يا رسول الله لا أزيد عليهن ولا أنقص، فقال ﵊: «أفلح الرجل إن صدق، دخل الجنة إن صدق».
следующие страницы →