← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

علمنا أن النبي ﷺ أسقط هذا الواجب وهو الأمر بالمعروف لأن الخطيب يخطب، وعلى العكس من ذلك لم يُسقط وجوب التحية والخطيب يخطب، كان هذا من القرائن القوية والقوية جداً على أن التحية لا تسقط ولا يجوز تركها بدعوى أنها مستحبة، لا، هذا شيء والشيء الآخر وهذا أمر هام أيضاً: أن التحية تُشْرع ويُؤْمر بها في كل الأوقات لا نستثني منها الأوقات المكروهة، ذلك لأن الصلاة المُطْلَقة صلاة النافلة والخطيب يوم الجمعة يخطب منهي عنها، فهو هذا الوقت ينبغي أن يُلْحَق بالأوقات الخمسة التي تفرع وقتان منها من الأوقات الثلاثة. لكن الفقهاء جروا على أن يجعلوا الأوقات أوقاتاً خمسة بالنسبة لأنها تتعلق بأوقات الصلاة، لكن الحقيقة أنه ينبغي أن يلحق بهذه الأوقات من حيث عدم جواز النفل المطلق فيه ومن حيث جواز بل وجوب صلاة التحية فيه ينبغي أن يلحق والفقيه يخطب يوم الجمعة؛ لأن النبي ﷺ قد أمر كما سمعت في قصة سُليك الغطفاني أن يصلي ركعتين والخطيب يخطب، بينما نهى أن تقول لصاحبك أنصت، فهذا يؤكد أمرين اثنين الأمر الأول أن تحية المسجد واجبة ليست مستحبة فقط، ثم تصلى في الأوقات المكروهة. «الهدى والنور/٦٥٢/ ٣٨: ١٩: ٠١»

стр. 597

الصلوات الخمس

стр. 598

مفهوم حديث: لا إلا أن تطوع الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١]. أما بعد .. فإن خيرَ الكلام كلام الله وخيرَ الهدي هدي محمد ﷺ ، وشَرَّ الأمور محدثاتُها، وكُلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وبعد -أيضاً-: فالسؤال الذي سمعتموه كلكم أو بعضكم من فضيلة الشيخ البنا، هو: هل أوتر رسول الله ﷺ حينما جمع بين المغرب والعشاء في المزدلفة جمع تأخير؟ الجواب: لم يُنقل عن النبي ﷺ أنه صلى أكثر من الجمع بين الفريضتين، وجمع التقصير. وقد ذكر الرُواة من أصحابه ﷺ أنه نام حتى أصبح. ففي ذلك إشعار قويّ على أن النبي ﷺ لم يزد في تلك الليلة بخاصة، على أداء الفريضتين: فريضة المغرب، وفريضة العشاء. وعلى ذلك فنستطيع أن نأخذ من هذه الرواية حُكْمَين اثنين: الحكم الأول: أنه إذا كان الله قد خَفَّف عن المسلمين الفريضة في

стр. 599

حالة السفر بعامة وفي حالة الجمع في المزدلفة بخاصة، خَفَّف عنهم الفريضة فجعلها ركعتين «صلاة العشاء» أما المغرب فكما تعلمون فركعاتها ثابتة، فمن باب أولى أن يُخَفِّف الله عن المسلمين المسافرين من التطوع. وقد ثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: «لو سَبَّحت لأتممت» لو سبحت -أي في السفر- لأتممت الفريضة. فإذا كان الله قد خَفَّف عن عباده من الفريضة، كما سمعتم ركعتين من الصلاة الرباعية، فكيف بنا ألَّا نخفف عن أنفسنا، فلا نُسَبِّح ولا نتطوع؛ لأن سنة النبي ﷺ جَرَت على عدم التطوع في السفر. ولا أعني هذا بصورة عامة، وإنما بَحْثُنا الآن بالنسبة للسنن الرواتب، وآكَدُها سنة الوتر، ثم سنة الفجر. ولا شك ولا ريب عند كل فقيه بالسنة، أن وضع الحَاج أحَسّ وأدق من أيّ وضع مسافر ما. فلا غرابة ولا عجب أن لا يتطوع النبي ﷺ بصلاة الوتر في تلك الليلة؛ تخفيفاً من الله عن عباده، هذا هو الحكم الأول الذي يُمْكِننا أن نستنبطه، وأن نفهمه من عدم ذكر أصحاب النبي ﷺ الذين نقلوا لنا صفة حجة النبي ﷺ بعامة، وما فعله في المزدلفة بخاصة. أما الحكم الثاني: فهو أن صلاة الوتر ليس فريضة، وإنما هو كما قال عليٌّ -رضي الله تعالى عنه- حينما سُئِل عن صلاة الوتر: أهو واجب كوجوب الصلوات الخمس؟ قال: «لا، وإنما هو سنة سَنَّها رسول الله ﷺ » - فترك الرسول ﷺ للوتر في تلك الليلة، إشعار قوي جداً بالفرق بين الوتر من حيث حكمه، وبين الفريضة. فالفريضة لا تَسْقُط مطلقاً، أما الوتر فقد تركه الرسول ﷺ في تلك الليلة. ففيه بيان للحكم الأول أولاً، ثم للحكم الآخر ثانياً، وهو أن الوتر سُنَّة وليس

стр. 600

بفريضة. وهناك أدلة أخرى تؤكد هذا الحكم الثاني، وهو سُنِّية الوتر، وليس أنه فرض أو واجب كما يقوله بعض الفقهاء المتقدمين، ومن يقلده من المتأخرين أن الوتر واجب. فلا هو فرض كفريضة الصلوات الخمس، ولا هو سنة كالسنن الرواتب، العشر ركعات المعروفة في كل يوم وليلة، هكذا يقول بعض الفقهاء المتقدمين، ومن اتبعهم. ولكن السُّنَّة أحق أن تُتَّبع، وبخاصة كما أشرت أخيراً، إلى أن هناك أدلةً أخرى على أن الوتر ليس من الفرائض. وحسبكم حديث الأعرابي الذي سأل النبي ﷺ عمّا فَرَض الله عليه في كل يوم وليلة. فكان جوابه ﵊ كما تعلمون: «خمس صلوات في كل يوم وليلة»، ولما سأل ذلك الأعرابي النبي ﷺ بقوله: هل عليّ غيرهن؟ قال: «لا إلا أن تطوع»، «إلا أن تطوع». إذاً: ما سوى الصلوات الخمس في كل يوم وليلة، وأرجو أن تُمْعنوا النظر في قولي هذا: في كل يوم وليلة. دل قوله ﵇ له: «لا، إلا أن تطوع» أنه لا يجب في كل يوم وليلة إلا تلك الصلوات الخمس. أرجو أن تتأملوا معي في هذا القيد، بما سيأتي بيانه توضيحاً ونصيحة للأمة. فلما سمع ذلك الأعرابي أو ذاك الرجل قول النبي ﷺ له: «لا، إلا أن تطوع»، قال: والله يا رسول الله لا أزيد عليهن ولا أنقص، فقال ﵊: «أفلح الرجل إن صدق، دخل الجنة إن صدق».

стр. 601

وقبل أن أعود إلى ذلك القيد، لا بد لي من التنبيه لأمر عَزَّ التنبيه عليه في بطون كتب الحديث فضلاً عن غيرها، فضلاً عن تنبيه الكثير من أهل العلم على ذاك الأمر المهم، ألا وهو في هذه الرواية «أفلح الرجل إن صدق»، زيادة: «وأبيه» «أفلح الرجل وأبيه إن صدق، دخل الجنة وأبيه إن صدق». فهذا الحَلْف من حيث علم الحديث هي رواية شاذة، أي: رواية ضعيفة، لا تصلح للحُجَّة، وإن كانت قد وردت في بعض طرق الحديث في الصحيح، ولكن الرواة الثقات تَنَكَّبوها، وتجنبوها، ولم يرووها؛ لأنها كانت لم تكن محفوظة عن النبي ﷺ . أعود إلى ذلك القيد، إن هذا الحديث: «إلا أن تطوع» يعني أنه لا يوجد شيء مفروض في كل يوم وليلة مع الصلوات الخمس فرضاً رتيباً مُنَظَّماً كما يُسن تلك العقيدة تلك العشر ركعات من السنن الرواتب، فلا ينافي ذلك. أنا أتعرض لهذا، لعلمي أن هناك بعض الإشكالات، وبعض الشُبُهَات يذكرها بعض الناس، إما كشبهة عارضة أو للدفاع عن مذهب لهم. ما حكم صلاة العيدين مثلاً، إن قيل بأنها فريضة أو واجبة وهما لفظان يُؤَدِّيان معنىً واحد؛ لأنه لا فرق شرعاً بين أن يقال: هذا فرض أو هذا واجب، هناك فقط فرق اصطلاحي في مذهب من المذاهب المُتَّبَعة، ولا يهمنا الاصطلاح، فإن الأمر كما قيل: إن لكل قوم أن يصطلحوا على ما شاؤوا. لكن أيّ اصطلاح لا يجوز أن يُتَّكَأ عليه وأن يُعْتَمد عليه في تأويل نصوص الشرع، سواءٌ ما كان منها في الكتاب أو في السنة. إذا عرفنا هذا فصلاة العيدين إن قيل بفرضيتهما أو بوجوبهما والمعنى واحد كما ذكرنا، فهل ينافي ذلك قول النبي ﷺ لذاك الأعرابي: «لا، إلا أن تطوع». كذلك إذا قيل بوجوب تحية المسجد، وهو الحق الذي لا يعارضه شيء من السنة؛ لقوله ﵊: «إذا دخل أحدكم المسجد، فليُصَلِّ ركعتين

стр. 602

ثم ليجلس»، وفي الرواية الأخرى تأكيداً للرواية الأولى: «فلا يجلس، حتى يصلي ركعتين». هذا أمره ﷺ ، والأمر يقتضي الوجوب، وبخاصة إذا اقترن معه شيء من الاهتمام بهذا الأمر، زائداً على الأمر نفسه. كما جاء في هذا الحديث، وهو في الصحيحين من حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁ أنه دخل المسجد النبوي يوماً، ورسول الله ﷺ جالس وحوله بعض أصحابه، فانضم أبو قتادة إلى هؤلاء الصحابة وجلس بينهم، يستمع الذكر يستمع الموعظة، وعند النبي ﷺ ، فلما رآه ﵊ قال له: «يا أبا قتادة أصليت؟ » قال: لا، قال: «قم فصل ركعتين». وأذكر مسبقاً: هذا غير الحديث الثاني، حديث أبي سليك الغطفاني، فقام ليصلي، وبهذه المناسبة، قال النبي ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد فليُصَلِّ ركعتين ثم ليجلس»، والرواية الأخرى كما ذكرنا: «فلا يجلس، حتى يصلي ركعتين». الشاهد: أن مع هذا الأمر الاهتمام بجلوس أبي قتادة قبل التحية، فلم يسكت ﵊ عنه؛ لعلمه بما عَلَّمنا به، ألا وهو: أن التحية تحية المسجد، أمر لا ينبغي أن يتساهل به المسلم؛ لذلك سأله: «صليت ركعتين؟ » قال: لا، قال: «قم فصل» ثم ذكر هذا الحديث. ثم يأتي تأكيد آخر، لكون هذا الأمر ليس للاستحباب، ولو كان استحباباً مؤكداً، وإنما هو للوجوب: حديث سليك الغطفاني لما جاء ورسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة فجلس، فقال له ﵊: «يا فلان، أصليت؟ »، قال: لا، قال: «قم فصل ركعتين»، ثم التفت إلى الجمهور من الجالسين المصغين لخطبة النبي ﷺ يخاطبهم جميعاً؛ دفعاً لشبهةٍ قد تقع وقد وقعت فعلاً، وذلك من تمام هذا الشرع المبارك حيث تَوَجّه ﵊ بذلك الخطاب العام فقال: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والخطيب يخطب فليصل ركعتين،

стр. 603

وليتجوز فيهما». خاطب الجالسين بهذا الخطاب، لدفع شبهة قد ترد، وقد وردت فعلاً وقيلت في بعض الكتب: إن هذا كان لعلةٍ، ما هي هذه العلة؟ قيل، وقيل، مرجعها إلى أن هذا الأمر الذي وُجِّه إلى سُلَيك الغطفاني، هو أمر خاص به. فأبطل ﵊ هذه الشبهة سَلَفاً؛ بتوجيهه الأمر للأمة كلها جميعها: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والخطيب يخطب فليصل ركعتين، وليتجوز فيهما»، أي: ليخففهما، ليخفف القراءة فيهما، وليس تخفيف الأركان التي لا تصح الصلاة إلا بها، هنا أمر آخر غير ذلك الأمر الآخر الذي سبق ذكره في حديث أبي قتادة مما يدل على اهتمام الشارع الحكيم بهذه التحية. أول ذلك أننا وجدنا النبي ﷺ قطع خطبته التي كان ماشياً فيها، حينما رأى مسلماً يجلس في المسجد قبل أن يصلي التحية. لكنه ﵊ من احتياطه ورأفته بأمته لم يأمره فوراً بأن يقوم؛ لاحتمال أن يكون قد صلى، فاستفهم منه: «أصليت» قال: لا، فأمره وقال له: «قُم فصلِّ ركعتين» هذا قطعه ﵇ للخطبة اهتمام آخر، يدل على أهمية تحية المسجد. الشيء الآخر: وهو لعله أهم من السابق، أننا نعلم جميعاً أنه لا يجوز لمن كان في المسجد يوم الجمعة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما واجبان، بدليل قوله ﵊: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصت؛ فقد لغوت» قولك: أنصت، فيمن يتكلم، والكلام والخطيب يخطب حرام، قولك له: أنصت، أمرك إياه بهذا المعروف منكر عند النبي ﷺ بصريح هذا الحديث. فإذاً: إذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قد سقط عمن كان في المسجد؛ ليتفرغ للإصغاء والاستماع للخطيب، فبماذا نُوَجِّه أمر النبي ﷺ لمن دخل المسجد يوم الجمعة أن يصلي ركعتين؟ هل يُمْكِن توجيه هذا الأمر، بأنه أمر بأمر

стр. 604

مستحب فقط، وهو لم يسمح لمن كان في المسجد أن ينقل نفسه عن الإنصات للإمام ولو بكلمة: أنصت. فكيف يأمر الداخل إلى المسجد بصلاة ركعتين؟ وفي ذلك انشغال بزمن أطول وأطول بكثير من قوله: لمن رآه يتكلم: أنصت. فَدَلَّ هذا وذاك وذاك، كل هذه المُلْحَقات بالأمر على أن تحية المسجد ليست سُنَّة مستحبة إن فعلها أثيب، وإن تركها لم يُعاقب، لا، وإنما تحية المسجد هو واجب من الواجبات. ولا أتورع أن أقول: فرض من الفرائض؛ لأننا ذكرنا مُقَدَّماً أنه لا فرق بين قولنا هذا فرض أو هذا واجب. إذا كان الأمر كذلك: فهل يتنافى القول بوجوب تحية المسجد مع قول الرسول ﷺ لذلك الأعرابي، أو لذاك الرجل: لا إلا أن تطوع؟ الجواب: لا تنافي؛ لأن المقصود بقوله ﵇: «إلا أن تطوع» مع الصلوات الخمس، كما هو الشأن بالنسبة للسنن الرواتب العشر ركعات، فكلما صلى المسلم فريضة من الفرائض، فَيُسَن في حقه أن يصلي ركعتين. أما التحية فهي لا تلزم كل مصلٍ، يصلي صلاة من الصلوات الخمس؛ لأنه قد لا يصلي في المسجد، قد لا يدخل المسجد. أي: إذا وُجِد السبب المقتضي للتحية صلاهما ولا بد، ألا وهو دخول المسجد. كذلك لا ينافي قوله ﵇: «إلا أن تطوع» القول وهو الراجح عند العلماء، بوجوب صلاة العيدين؛ لأن هاتين الصلاتين ليستا من الصلوات الخمس، التي تَتَكرر بدخول كل يوم، وإنما هما صلاتان مرتان في السنة، صلاة عيد الفطر، وصلاة عيد الأضحى. كذلك يقال: وعلى ذلك فقس، هل يُنَافي ما سبق من حديث الأعرابي، القول

стр. 605

بوجوب صلاة الكسوف أو صلاة الخسوف، لا ينافي ذلك، لماذا؟ لأنها تصلى لأمر عارض وهو كسوف الشمس، وقد أمر بذلك ﵊ في الحديث المُتَّفق عليه بين الشيخين، كما جاء عن ابن عباس وعن السيدة عائشة وعن جَمْع كثير من الصحابة، أن الشمس كسفت يوم وفاة إبراهيم ابن النبي ﵊ فقال الناس، أو بعض الناس بناءً على عادتهم في الجاهلية: «ما كسفت الشمس إلا لموت إبراهيم ابن النبي ﵊» فخطبهم ﷺ وقال لهم: «يا أيها الناس، إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فَصَلُّوا وتَصَدَّقوا وادعوا». فقد أمر ﵊ بصلاة الكسوف لهذه الظاهرة الإلهية، فلا ينافي القول بوجوبها، كما صَرَّح بذلك بعض أئمة الحديث، وأذكر منهم «أبا عوانة» في مسنده المعروف بـ «صحيح أبي عوانة» وهو المستخرج على صحيح مسلم فقال فيه: باب وجوب صلاة الكسوف. لا يُنَافي -أيضاً- القول بوجوب هذه الصلاة قول النبي ﷺ : «إلا أن تطوع»؛ لما ذكرته أكثر من مرة، أن المقصود «إلا أن تَطَّوع مع هذه الصلوات الخمس» فذلك لا ينافي أن يكون من المفروض شيء آخر، بمناسبةٍ تعرض للمسلم وليست هي في الأصل مفروضة عليه. لعل هذا من المناسب -أيضاً-، والشيء بالشيء يُذْكَر، قد جاء في الحديث الصحيح أنه لا تصلى فريضة في يوم مرتين، ولا يجوز للمسلم أن يصلي صلاة العشاء مرتين، هذا هو الأصل، ولو صلى مَرّة ثانية يكون قد تحدى وشاقّ الله ورسوله في قوله هذا ﵊: ألا يوجد هناك نصوص كثيرة، ليس نصاً واحداً، فيه الأمر بإعادة الصلاة التي كان قد صلاها المسلم؟ الجواب: نعم، وقلت والشيء بالشيء يذكر: نحن الآن على أبواب الحج، على أبواب أداء فريضة الحج، وقد جاء «في موطأ

стр. 606

مالك» وفي بعض السنن أن النبي ﷺ صلى صلاة الفجر في مسجد الخيف ... ولما سلم، وجد رجلين يُوحي وضعهما بأنهما لما يكونا من المصلين مع جماعة المسلمين، فناداهما النبي ﷺ وقال لهما: «أولستما مسلمين؟ »، قالا: بلى يا رسول الله، قال: «فما منعكما أن تصليا معنا؟ » قالا: يا رسول الله إنا كنا صلينا في رحالنا، فقال ﵊: «إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أتى مسجد الجماعة، فوجدهم يصلون، فليُصَلِّ معهم؛ فإنها تكون له نافلة». إذاً: هذا أمر بأن يعيدا تلك الصلاة، أو يعيدا تلك الصلاة التي كانوا صلياها في رحالهما، لماذا؟ لأن انفرادهما في المسجد عن جماعة المسلمين يُشْعِر الجماعة بأن هؤلاء ليسوا منهم. ولذلك: فلا يجوز للمسلم أن يقف مواقف التهم، وقد قيل: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يقف مواقف التهم». أقول: وقد قيل؛ لأُعطيكم إشعاراً بأن هذا ليس حديثاً نبوياً، وإن كان معناه معقولاً مقبولاً، لما استشهدت به قوله: بحديث مسجد الخيف هذا. فإذاً: إذا كان الإنسان قد صلى الفريضة في بيته أو في دكانه، ولكنه لم يصلها مع جماعة المسلمين في المسجد، ثم دخل المسجد والصلاة قائمة، فلا يجوز أن ينتحي ناحية من المسجد، بدعوى أنه كان قد صلى الفرض، وبخاصة إذا كان عنده شيء من الفقه بالحديث الأول: «لا صلاة في يوم مرتين» «لا فريضة في يوم مرتين»، وربما قال في نفسه: فأنا لا يجوز لي أن أصلي الفرض مرةً ثانية. نقول له: نعم هو كذلك، إلا إذا دخلت مسجد جماعة، ووجدتهم يصلون الفريضة التي صليتها أنت لوحدك. فحينذاك لا يشملك قوله ﵇ الأول: «لا صلاة في يوم مرتين» بل يُسْتَثنى منه هذه الحالة التي أنت فيها، حالة دخولك المسجد، وصلاة الجماعة قائمة.

стр. 607

فلا بد أن تَنْضَمّ إليها، فتكسب أولاً: فضيلة الجماعة التي هي بخمسٍ أو بسبعٍ وعشرين درجة، ثم تدفع عن نفسك التهمة التي قد تَلصق بك وأنت بريء من ذلك. هذا ما اقتضاه البحث، وقد أطلت عليكم، ولكن لعل في ذلك فائدة وذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين. «الهدى والنور/٣٧٥/ ٤٤: ٠٠: ٠٠» «الهدى والنور/٣٧٥/ ٢٤: ٢٩: ٠٠» لا يجوز الصلاة قبل دخول الوقت [قال رسول الله ﷺ ]: «الفجر فجران فجر يحرم فيه الطعام وتحل فيه الصلاة وفجر تحرم فيه الصلاة ويحل فيه الطعام». [قال الإمام]: قال ابن خزيمة: «في هذا الخبر دلالة على أن صلاة الفرض لا يجوز أداؤها قبل دخول وقتها». وقال: «فجر يحرم فيه الطعام» يريد على الصائم. «ويحل فيه الصلاة» يريد صلاة الصبح. «وفجر يحرم فيه الصلاة» يريد صلاة الصبح، إذا طلع الفجر الأول لم يحل أن يصلي في ذلك الوقت صلاة الصبح، لأن الفجر الأول يكون بالليل، ولم يرد أنه لا يجوز أن يتطوع بالصلاة بعد الفجر الأول. وقوله «ويحل فيه الطعام» يريد لمن يريد الصيام». قلت: ومن تراجم البيهقي لهذا الحديث قوله: «باب إعادة صلاة من افتتحها قبل طلوع الفجر الآخر».

стр. 608

السلسلة الصحيحة «٢/ ٣٠٨». كيف تكون مواقيت الصلوات في البلدان التي يطول فيها الليل أو النهار السؤال: في مدينة ليننجراد تأتي حوالي أربعة أشهر يكون فيه الليل طويل جداً، بحيث يصل إلى عشرين ساعة، والنهار يصل إلى أربع ساعات والعكس بالعكس، فكيف الصلاة؟ الشيخ: يُقَدِّرون أوقات الصلوات بالنسبة لأقرب بلد إليهم، تطلع عندهم الشمس وتغرب بصورة طبيعية. لكني أقول شيئاً: هذا الجواب إنما هو بالنسبة للبلد الذي لا يُتَصوّر فيه وجود أوقات خمسة، ولو كانت متقاربة، إذا كانت لا يمكن أن تتحقق هذه الأوقات الخمسة، فالجواب ما ذكرته آنفاً، يُقَدِّرون المواقيت الخمس، بالنسبة لأقرب بلد إليهم فيها الأوقات الخمسة. «الهدى والنور / ٥٧/ ١.: ٣١: .. »

стр. 609

صلاة الفجر وأحكامها

стр. 610

أول وآخر وقت صلاة الفجر (١) أول وقتها حين يطلع الفجر كما سبق في حديث أبي هريرة. و«إن الفجر ليس الذي يقول هكذا «وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض» ولكن الذي يقول هكذا «ووضع المسبحة على المسبحة ومد يديه». «مسلم ٣/ ١٢٩» و «خ» وزاد: عن يمينه وشماله. وكان ﷺ يصليها بغلس. «متفق عليه عن جابر». ولم يدخل بها في الإسفار إلا مرة واحدة قال أبو مسعود الأنصاري في حديث له: وصلى الصبح مرة بغلس ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها كانت صلاته بعد ذلك الغلس حتى مات لم يعد إلى أن يسفر. رواه أبو داود «٦٥» وطحا «١٠٤» والدارقطني «٩٣» وابن حبان في «صحيحه» كما في نصب الراية «٢٤٠» من طريق أسامة بن زيد الليثي أن ابن شهاب أخبره عن عروة: سمعت بشير بن أبي مسعود يقول: سمعت أبا مسعود به. وهذا إسناد حسن كما قال النووي «٣/ ٥٢» وقال الخطابي: «هو صحيح الإسناد». وأما ما أخرجه أحمد «٢/ ١٣٥ - ١٣٦» من طريق أبي شعبة الطحان جار الأعمش عن أبي الربيع قال: كنت مع ابن عمر ... فقلت له: إني أصلي معك الصبح ثم ألتفت فلا أرى وجه جليسي ثم أحيانا تسفر قال: كذا رأيت رسول الله ﷺ يصلي، وأحببت أن أصليها كما رأيت رسول الله ﷺ يصليها. فضعيف لا يقاومه وعلته أبو الربيع هذا قال الدارقطني: «مجهول». على أنه قد عارضه عن ابن عمر ما هو أقوى منه سندا فقال نهيك بن يريم: ثنا مغيث بن سمي قال: صليت مع عبد الله بن الزبير الصبح بغلس فلما سلم أقبلت على ابن عمر فقلت: ما هذه الصلاة؟ قال: هذه صلاتنا كانت مع رسول الله ﷺ

стр. 611

وأبي بكر وعمر فلما طعن عمر أسفر بها عثمان. أخرجه ابن ماجه «٢٢٩ - ٢٣٠» والطحاوي «١٠٤» عنه. وهذا سند صحيح كما في «الزوائد» وفي «المجموع» «٣/ ٥٣» قال الترمذي في «كتاب العلل»: قال البخاري: هذا حديث حسن. وكان أحيانا يخرج منها في الغلس كما قالت عائشة: كن نساء المؤمنات يشهدن مع النبي ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حتى يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس. وأحيانا يخرج منها في الإسفار حين يعرف الرجل وجه جليسه كما قال أبو برزة الأسلمي: وكان ﷺ ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه. [صحيح]. وهذا الإسفار هو المراد بقوله ﵊: «أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر» أي: اخرجوا منها في وقت الإسفار، وذلك بإطالة القراءة فيها، وهذا التأويل لا بد منه ليتفق قوله ﷺ هذا مع فعله الذي واظب عليه من الدخول فيها في وقت الغلس كما سبق، وهو الذي رجحه الحافظ ابن القيم في «إعلام الموقعين». وسبقه إلى ذلك الإمام الطحاوي من الحنفية وأطال في تقرير ذلك «١/ ١٠٤ - ١٠٩» وقال: «إنه قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد». وإن كان ما نقله عن الأئمة الثلاثة مخالفا لما هو المشهور عنهم في كتب المذهب من استحباب الابتداء بالإسفار وقد مال إلى هذا الجمع أيضا من متأخري الأحناف العلامة أبو الحسنات اللكنوي في «التعليق للمجد» «٤٢ - ٤٤». وأما الحديث المذكور فحديث صحيح لكنه اختلف في لفظه فرواه باللفظ

стр. 612

المذكور الترمذي «٢٨٩» والدارمي «٢٧٧ ت» والطحاوي «١٠٦» والطيالسي «١٢٩» كلهم عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود ابن لبيد عن رافع بن خديج به. وهذا سند حسن لولا عنعنة محمد بن إسحاق فإنه مدلس فيحتمل أنه سمعه بواسطة عن عاصم ويأتي ما يؤيد هذا الاحتمال. ورواه أبو داود «٦٩» وابن ماجه «٢٣٠» وأحمد «٤/ ١٤٠» كلهم عن سفيان ابن عيينة عن ابن عجلان عن عاصم به بلفظ: أصبحوا. بدل: أسفروا. وكذلك رواه ابن إسحاق عن ابن عجلان فقال أحمد «٣/ ٤٦٥»: ثنا يزيد قال: أنا محمد بن إسحاق قال: أنبأنا ابن عجلان به. وخالفهما عن ابن عجلان أبو خالد الأحمر فرواه عنه بلفظ: «أسفروا». أخرجه عنه أحمد «٤/ ١٤٢» وكذا يحيى بن سعيد عند النسائي وسفيان الثوري عند الطحاوي «١٠٥» وكذا الدارمي إلا أن هذا قال: «نوروا». وقد توبع عليه ابن عجلان فرواه زيد بن أسلم عن عاصم بن عمر لكن اختلف عليه فيه سندا ومتنا. أما السند فرواه أبو غسان: ثني زيد بن أسلم عن عاصم بن عمر عن محمود عن لبيد عن رجال من قومه من الأنصار أن رسول الله ﷺ قال ... فذكره. أخرجه النسائي. ورواه الليث بن سعد واسباط بن محمد أما الأول فقال: ثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عاصم بن رجال من قومه من الأنصار من أصحاب النبي ﷺ قالوا: قال رسول الله ﷺ . أخرجه الطحاوي «١٠٦». وأما الآخر فقال: ثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن محمود بن لبيد عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ ... أخرجه أحمد «٤/ ٢٤٣».

стр. 613

فأسقط الأول من السند محمود بن لبيد شيخ عاصم بن عمر وأسقط الآخر عاصم بن عمر شيخ زيد بن أسلم. وأما المتن فقال أبو غسان: «ما أسفرتم بالفجر» وقال الليث: «أصبحوا بالصبح فكلما أصبحتم بها» وقال أسباط: «أسفروا». وقد تابع هشاما عن زيد: حفص بن ميسرة مثل رواية الليث سندا ومتنا. رواه الطحاوي «١٠٥ - ١٠٦». وقد رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن محمود بن لبيد الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : «أسفروا ... » الحديث. وهذا اختلاف آخر لكن عبد الرحمن بن زيد ضعيف. ورواه شعبة عن أبي داود عن زيد بن أسقط عن محمود بن لبيد عن رافع ابن خديج مرفوعا به وأبو داود هذا هو نفيع الأعمى وهو متروك وقد كذبه ابن معين. وفيه اختلاف آخر على زيد بن أسلم ذكره في «نصب الراية» «١/ ٢٣٦» فراجعه فيه. وبالجملة فهذا اضطراب شديد في الحديث والصواب من حيث الإسناد رواية ابن عجلان عن عاصم بن عمر عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج وذلك لأمرين: لاتصالها ولموافقة رواية أبي غسان عن زيد بن أسلم لها متنا وسندا إلا ما فيها من إبهام من رواتها من الصحابة عنه ﷺ وليست بمخالفة فادحة كما لا يخفى، وإسنادها صحيح كما في «نصب الراية» «٢٣٨». وللحديث شواهد كثيرة لا تخلو أسانيدها من مقال، وقد خرجها الزيلعي وكذا الهيثمي في «المجمع» «١/ ٣١٥ - ٣١٧» فليراجعها من شاء وكلها بلفظ: «أسفروا» وبعضها: «نوروا». فهي في الجملة مؤيدة للفظ الذي رجحناه من حديث رافع وهو: أسفروا. ولكن قد علمت بما سلف أنه ليس المعنى: أسفروا ابتداء بل انتهاء إلا أنه يعكر على هذا المعنى ما خرجه ابن أبي حاتم في «العلل» «١/ ١٣٩ و

стр. 614

١٤٣ - ١٤٤» والطيالسي «١٢٩» وابن أبي شيبة وإسحاق بن راهوية في مسانيده والطبراني في «معجمه» من طريق إسماعيل بن إبراهيم المديني عن هرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ لبلال: «أسفر بصلاة الصبح حتى يرى القوم مواقع نبلهم». وهذا سند رجاله ثقات لكن ما أرى أن هرير بن عبد الرحمن هذا سمعه من جده رافع فإنما يروي عن أبيه عبد الرحمن وقد ذكر الحافظ في «التقريب» أنه من الطبقة الخامسة يعني الطبقة الصغرى من التابعين الذين رأوا الواحد والاثنين من الصحابة ولم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة كالأعمش. وعليه فالظاهر أن الحديث منقطع ولو صح لأمكن تأويله بمثل ما سبق في حديث رافع فيكون قوله: حتى يرى القوم مواقع نبلهم يعني: حين الفراغ منها لا الابتداء. وما أخرجه البخاري «٣/ ٤٢٧» م «٤/ ٧٦» د «١/ ٣٠٥» ن «٢/ ٤٧» حم «١/ ٤٢٦ و ٤٣٤» من حديث ابن مسعود قال: ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة إلا لميقاتها إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها. وفي رواية للبخاري «٣/ ٤٦٧» وأحمد «٤١٨ و ٤٤٩» عن عبد الرحمن بن يزيد قال: خرجت مع عبد الله ﵁ إلى مكة ثم قدمنا جمعا فصلى الصلاتين كل صلاة وحدها بأذان وإقامة والعشاء بينهما ثم صلى الفجر حين طلع الفجر قائل يقول: طلع الفجر. وقائل يقول: لم يطلع الفجر. ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان المغرب والعشاء فلا يقدم الناس جمعا حتى يعتموا وصلاة الفجر هذه الساعة». فهذه الرواية تبين أن قوله في الرواية الأولى: وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها ليس على ظاهره لقوله في هذه: ثم صلى الفجر حين طلع الفجر.

стр. 615

وهذا كقول جابر في حديثه الطويل: وصلى الفجر حين تبين له الفجر. أخرجه مسلم وغيره. فالمراد إذن أنه صلى الفجر قبل ميقاتها المعتاد أي: إنه غلس تغليسا شديدا يخالف التغليس المعتاد إلى حد أن بعضهم كان يشك بطلوع الفجر. ولذلك قال الحافظ في «الفتح» «٣/ ٤١٣»: «ولا حجة فيه لمن منع التغليس بصلاة الفجر، لأنه ثبت عن عائشة وغيرها كما تقدم التغليس بها، بل المراد هنا أنه كان إذا أتاه المؤذن بطلوع الفجر صلى ركعتي الفجر في بيته ثم خرج فصلى الصبح مع ذلك بغلس، وأما بمزدلفة فكان الناس مجتمعين والفجر نصب أعينهم، فبادروا بالصلاة أول ما بزغ حتى إن بعضهم كان لم يتبين له طلوعه كما في الرواية الثانية». [الثمر المستطاب «١/ ٧٩»]. آخر وقت صلاة الفجر السائل: الحد الأعلى، يعني أعلى وقت حتى صلاة الصبح، يعني لغاية طلوع الشمس، وإلا لبعد طلوع الشمس بقليل أو قبل بقليل؟ الشيخ: الجواب بالحديث الصحيح، قال ﵇: «من أدرك ركعة من صلاة الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الركعة» فإذا لم يُدْرك الركعة فقد فاتته الصلاة، ولا قضاء لها. «الهدى والنور / ١٨٧/ ٥٧: ٢٧: ٠٠» صفة الفجر الصادق [قال رسول الله ﷺ ]: «كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد، فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر».

стр. 616

[قال الإمام]: قوله: «ولا يهيدنكم»: أي: لا تنزعجوا للفجر المستطيل فتمتنعوا به عن السحور، فإنه الصبح الكاذب. وأصل «الهيد»: الحركة. «نهاية». واعلم أنه لا منافاة بين وصفه ﷺ لضوء الفجر الصادق بـ «الأحمر» ووصفه تعالى إياه بقوله: ﴿الخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ لأن المراد - والله أعلم - بياض مشوب بحمرة أو تارة يكون أبيض وتارة يكون أحمر، يختلف ذلك باختلاف الفصول والمطالع. وقد رأيت ذلك بنفسي مرارا من داري في «جبل هملان» جنوب شرق «عمان»، ومكنني ذلك من التأكد من صحة ما ذكره بعض الغيورين على تصحيح عبادة المسلمين، أن أذان الفجر في بعض البلاد العربية يرفع قبل الفجر الصادق بزمن يتراوح بين العشرين والثلاثين دقيقة، أي قبل الفجر الكاذب أيضا! وكثيرا ما سمعت إقامة صلاة الفجر من بعض المساجد مع طلوع الفجر الصادق، وهم يؤذنون قبلها بنحو نصف ساعة، وعلى ذلك فقد صلوا سنة الفجر قبل وقتها، وقد يستعجلون بأداء الفريضة أيضا قبل وقتها في شهر رمضان، كما سمعته من إذاعة دمشق وأنا أتسحر رمضان الماضي «١٤٠٦» وفي ذلك تضييق على الناس بالتعجيل بالإمساك عن الطعام وتعريض لصلاة الفجر للبطلان، وما ذلك إلا بسبب اعتمادهم على التوقيت الفلكي وإعراضهم عن التوقيت الشرعي: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ «فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر»، وهذه ذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين. السلسلة الصحيحة «٥/ ٥١ - ٥٢». وقت صلاة الفجر عن أنس قال: «سئل النبي ﷺ عن وقت صلاة الغداة؟ فصلى حين طلع الفجر، ثم أسفر بعد، ثم قال: «أين السائل عن وقت صلاة الغداة؟ ما بين هذين الوقتين». قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين وهو من أدلة القائلين بأن

стр. 617

الوقت الأفضل لصلاة الفجر إنما هو الغلس وعليه جرى الرسول ﷺ طيلة حياته كما ثبت في الأحاديث الصحيحة وإنما يستحب الخروج منها في الإسفار وهو المراد بقوله ﷺ : «أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر». وهو حديث صحيح أخرجه البزار وغيره عن أنس، وعاصم بن عمر بن قتادة عن جده وهو في «السنن» وغيرها من حديث رافع بن خديج، وهو مخرج في «المشكاة» «٦١٤» وفي «الإرواء» «٢٥٨». السلسلة الصحيحة «٣/ ١٠٩». الغلس والإسفار في صلاة الصبح «حديث: «كان يصلى الصبح بغلس». صحيح. وعن مغيث بن سمى قال: صليت مع عبد الله بن الزبير الصبح بغلس «وكان يسفر بها» فلما سلم أقبلت على ابن عمر، فقلت ماهذه الصلاة؟ قال: هذه صلاتنا كانت مع رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر، فلما طعن عمر، أسفر بها عثمان. أخرجه ابن ماجه «٦٧١» والطحاوى «١/ ١٠٤» والبيهقى «١/ ٤٥٦» والزيادة له وإسناده صحيح، إلا أنه يشكل فى الظاهر قوله: «أسفر بها عثمان» ; لأن التغليس قد ورد عن عثمان من طرق. فأخرج ابن أبى شيبة فى «المصنف» «١/ ١٢٦/١» بسند صحيح عن أبى سلمان قال: «خدمت الركب فى زمان عثمان فكان الناس يغلسون بالفجر». لكن أبو سلمان هذا واسمه يزيد بن عبد الملك قال الدارقطنى: «مجهول».وفى التقريب: «مقبول». يعنى عند المتابعة، وقد وجدتها، فأخرج ابن أبى شيبة بسند صحيح أيضا عن عبد الله بن إياس الحنفى عن أبيه قال: «كنا نصلى مع عثمان الفجر فننصرف وما يعرف بعضنا وجوه بعض». وعبد الله هذا وأبوه ترجمهما ابن أبى حاتم «١/ ١/٢٨٠، ٢/ ٨٢» ولم يذكر

стр. 618

فيهما جرحا ولا تعديلا، فهذه الطريق تقوى الطريق الأولى، وقد أشار الحافظ ابن عبد البر إلى تصحيح هذا الأثر عن عثمان رضى الله عنه، وهو ما نقله المؤلف ﵀ عنه أنه قال: «صح عن النبى ﷺ وأبى بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يغلسون». فإذا ثبت ذلك عن عثمان فالجمع بينه وبين إسفاره أن يحمل الإسفار على أول خلافته، فلما استقرت له الأمور رجع إلى التغليس الذى يعرفه من سنته ﷺ ، والله أعلم. «تنبيه»: الذى يبدو للباحث أن الانصراف من صلاة الفجر فى الغلس لم يكن من هديه ﷺ دائما، بل كان ينوع، فتارة ينصرف فى الغلس كما هو صريح حديث عائشة المتقدم، وتارة ينصرف حين تتميز الوجوه وتتعارف ويحضرنى الآن فى ذلك حديثان: الأول: حديث أبى برزة الأسلمى قال: «كان رسول الله ﷺ ينصرف من الصبح فينظر الرجل إلى وجه جليسه الذى يعرف فيعرفه».أخرجه الستة إلا الترمذى والبيهقى وأحمد وقد خرجته فى «صحيح أبى داود» «٤٢٦»، واخرجه أيضا ابن أبى شيبة «١/ ١٢٥/١» والطحاوى «١/ ١٠٥» والسراج «ق ٩٩/ ١» واللفظ له. الثانى: حديث أنس بن مالك، يرويه شعبة عن أبى صدقة مولى أنس ـ وأثنى عليه شعبة خيرا - قال: «سألت أنسا عن صلاة رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان رسول الله ﷺ يصلى الظهر إذا زالت الشمس، والعصر بين صلاتكم هاتين، والمغرب إذا غربت الشمس، والعشاء إذا غاب الشفق، والصبح إذا طلع الفجر إلى أن ينفسح البصر». أخرجه النسائى «١/ ٩٤ ـ ٩٥» وأحمد «٣/ ١٢٩، ١٦٩» والسياق له وإسناده صحيح رجاله رجال الشيخين غير أبى صدقة هذا واسمه توبة الأنصارى البصرى،

стр. 619

أورده ابن حبان في «الثقات» «١/ ٥» وسمى أباه كيسان الباهلى وقال: «روى عنه شعبة ومطيع بن راشد». قلت: وذكر فى الرواة عنه فى «التهذيب» أبا نعيم ووكيعا. وما أظن ذلك إلا وهما فإنهما لم يدركاه ولا غيره من التابعين. ورواية شعبة عنه توثيق له، لاسيما وقد أثنى عليه صراحة فى رواية أحمد. وهذه فائدة لا تجدها فى كتب الرجال. [إرواء الغليل تحت حديث رقم «٢٥٧»] عدم التفريق في التغليس والإسفار بصلاة الفجر بين الصيف والشتاء [روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «يا معاذ إذا كان في الشتاء فغلس بالفجر، وأطل القراءة قدر ما يطيق الناس ولا تملهم، وإذا كان الصيف فأسفر بالفجر، فإن الليل قصير، والناس ينامون، فأمهلهم حتى يداركوا». موضوع. [قال الإمام]: ومما يؤكد كذبه في هذا الحديث أنه خلاف ما جرى عليه رسول الله ﷺ من التغليس بصلاة الفجر دون تفريق بين الشتاء والصيف، كما تدل على ذلك الأحاديث الصحيحة فأكتفي بذكر واحد منها، وهو حديث أبي مسعود البدري «أن النبي ﷺ صلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، ولم يعد إلى أن يسفر». رواه أبو داود بسند حسن كما قال النووي وابن حبان في «صحيحه» «٢٧٣» وصححه الحاكم والخطابي والذهبي وغيرهم كما بينته في «صحيح أبي داود» «رقم ٤١٧». والعمل بهذا الحديث هو الذي عليه جماهير العلماء، من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، ومنهم الإمام أحمد أن التعجيل بصلاة الفجر أفضل، لكن ذكر ابن قدامة في «المقنع» «١/ ١٠٥» رواية أخرى عن الإمام أحمد: «إن أسفر المأمومون فالأفضل

стр. 620

الإسفار»، واحتج له في الشرح بحديث معاذ هذا، وعزاه لأبي سعيد الأموي في مغازيه! السلسلة الضعيفة «٢/ ٣٧١ - ٣٧٢». متى يؤَذن لصلاة الفجر السؤال: عندنا إخوة من السلفيين في الإسكندرية، يُؤَذِّنون الفجر أذانين، والأذان الذي هو المعتبر بعد ثلث ساعة من الأذان العادي، ويقولون: إن هناك الفجر الصادق والكاذب، فهذا طبعاً له خطورة من ناحية الصيام، ماذا ترون في هذه المسألة وما موقف بقية الجمهورية كلها من أنه إذا ثبت أن الفجر يُؤَخّر ثلث ساعة، فهم يُصَلُّون قبل الوقت على هذا الأذان؟ الشيخ: هذه مصيبة ألمت بكثير من الأقاليم الإسلامية مع الأسف، حيث أنهم يُحرمون [الأكل] للصائم قبل مجيء وقت التحريم، ويُصَلّون صلاة الفجر قبل دخول الوقت للصلاة، وهذا نحن لمسناه في هذه البلاد لمس اليد، وبخاصة أن داري -وهذا من فضل الله علي- مشرفة، فأنا أرى في كل صباح ومساء طلوع الشمس وغروبها، طلوع الفجر الصادق، فأجِد أنهم فعلاً يُصَلُّون قبل الوقت، أي: صلاة الفجر. وهذا من الأسباب التي تحملني أن آتي إلى هذا المسجد وأُصلي الفجر، لأني لا أجد في المساجد التي حولي إلا أنهم يُبَكِّرون بالصلاة. على الأقل لا يُصَلُّون السنة إلا قبل الفجر الصادق، هذا السنة على الأقل. والأمر ليس فقط في هذه البلاد، فقد علمت أن أحد إخواننا السلفيين في الكويت ألَّف رسالة، وهو يذكر فيها تماماً كما أذكر أنا هنا، كذلك ولعلك تسمع به إن كنت لا تعرفه شخصياً «الدكتور تقي الدين الهلالي» له رسالة يقول نفس الكلام في المغرب، وأنهم يُؤَذِّنون لصلاة الفجر قبل الوقت بنحو ثلث ساعة أو خمس

стр. 621

وعشرين دقيقة. كذلك علمت بواسطة الهاتف عن الطائف، فقد ورد لَديَّ سؤال من أحدهم يقول: بأنهم هنا يصلون صلاة الفجر على التوقيت الفلكي، وأن ذلك يُخَالف الوقت الشرعي تماماً كما نتحدث عن هنا وهناك. فأعود للإجابة عن سؤال إخواننا في الإسكندرية، فهم من حيث أنهم يُؤَذِّنون أذانين فقد أصابوا السنة. لكن ما أدري إذا كانوا دقيقين في أذانهم الثاني، هل هم يُؤَذِّنون حينما يبرق الفجر ويسطع وينتشر النور. فإن كانوا يفعلون ذلك فقد أحيوا سنةً أماتها جماهيرُ المسلمين. أما إن كانوا يُؤَذِّنون على الدوزنمات والتقاويم، فهذه لا تُعطي الوقت الشرعي أبداً، فيكونوا قد خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، أي: إن جمعوا بين الأذانين وهذا سنة لكن ما حَدَّدوا الوقت الشرعي للأذان الثاني. السؤال: بالنسبة لنا في القاهرة بهذه الصورة ستضيع عليَّ أنا صلاة الصبح جماعة؛ لأن جميع المساجد تقريباً تغلق أبوابها، ويكونوا انتهوا من الصلاة قبل فعلاً دخول الوقت الشرعي، أنا ماذا أفعل؟ الشيخ: أنت في هذه حال تُصّلِّي وراءهم تطوعاً، ثم تعود إلى دارك فَتُصَلي بأهلك فرضاً. السؤال: بالنسبة للحكم على صلاة الناس، يعني: السواد الأعظم من الناس يُصَلُّون قبل الوقت، الحكم على صلاة هؤلاء؟ الشيخ: طبعاً، هؤلاء لا يخفاك المسؤولية تقع على أهل العلم، فعلى من كان عنده علم أن يُبَلِّغ الناس، فمن بلغه الحكم ثم أعرض عنه فصلاتُه باطلة، ومن لم يبلغه الحكم فتعرِف أنه لا مسئولية والحالة هذه. «الهدى والنور / ٤٣/ ٤٦: ١٦: .. »

стр. 622

صلاة الفجر قبل وقتها لا يجوز إجماعًا وبيان وقتها المعتاد عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا لِمِيقَاتِهَا، إِلَّا صَلَاتَيْنِ: صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا». [قال الإمام]: يعني قبل وقتها المعتاد وإلا فصلاة الفجر قبل وقتها لا يجوز إجماعا ووقتها المعتاد هو صلاتها في غلس، ولكن مع تأخير يسير عن أول الوقت، ريثما يأتيه بلال يؤذنه بالصلاة، وأما في هذا اليوم فصلى الصبح حين طلع الفجر كما في رواية عن ابن مسعود في صحيح البخاري، يعني دون تأخير، ففيه بيان أنه في غير هذا اليوم كان يتأخر عن أول طلوع الفجر ولكن ليس فيه إطلاقاً أنه كان يتأخر إلى الإسفار، كيف وقد ثبت أنه ﷺ كان يصلى الصبح في الغلس كما تقدم برقم «٢٠٧» من حديث جابر، وفي الباب عن عائشة، ولكن المصنف ﵀ لم يورده. [التعليق على مختصر صحيح مسلم ص ١٩١] حكم صلاة الفجر بعد طلوع الشمس مداخلة: [رجل يشتكي للشيخ تأخره عن صلاة الفجر كسلاً حتى تطلع الشمس، وتقصيره في صلاة الجماعة]. الشيخ: أنت خُلقت من شان الشغل، وإلا خُلقت من شان العبادة؟ ! مداخلة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. الشيخ: هاه، بتَعْرِف وبتَحْرِف، ليش بقي؛ لذلك أنا هلا بوصيك بوصية، أنت وكل مسلم: عليك أنك تحرص على أداء الصلوات الخمس كلها، أولاً: كل صلاة في وقتها، وثانياً: في المسجد مع جماعة المسلمين. قلنا: إنه على كل مسلم أن يحافظ على أداء الصلوات الخمس، كل صلاة في

стр. 623

وقتها المشروع، ثم كل صلاة في المسجد مع جماعة المسلمين. ولا يجوز له بأي وجه من الوجوه أنه يعتذر بتركه لأداء الصلاة في المسجد بالشغل؛ لأن الشغل في هذيك الساعة ما هو فرض عليك. الله أعطاك في النهار اثني عشرة ساعة عشر ساعات، قال لك: اشتغل فيها الشغل الحلال اللِّي بتكسب فيها قوت يومك، لكن خَصِّص لي من هذه الساعات ساعة واحدة يعني: ستين دقيقة لخمس صلوات. فما فيه لأي إنسان عذر إنه يقول: أنا انشغلت فما صليت في المسجد مع الجماعة. ثاني واحدة: ما بيجوز السهر بعد صلاة العشاء، لازم تُصَلي العشاء في المسجد، وتروح على البيت، إذا من عادتك تتعشى تتعشى، وتحط رأسك وبتنام. إذا فعلت هكذا فأنا ضمين إنه ما تفوتك صلاة الفجر تصلي الساعة ست الساعة سبعة بعد طلوع الشمس. لكن مُصيبة الناس اليوم أنهم فتنتهم الدنيا بزخارفها، خاصة في العصر الحاضر، خاصة هذه المصيبة الكبرى التي دخلت في بيوت المسلمين ألا وهي التلفزيون. وجود التلفزيون اليوم من أشد المحرمات لو كنتم تعلمون، ويكفيك أنت وغيرك ليعرف من بيته إنه التلفزيون بيسهر النعسان، وبيأخذه؛ لأنه فيه شيء مغري. وَرَبُّنا خلق الإنسان في أحسن صورة، وأحسن استعداد عنده استعداد يعمل في النهار، عنده استعداد لينام في الليل. فإذا هو أَخَلَّ بهذا التنظيم الكوني الإلهي سوف تضطرب عليه الحياة، إذا سَهِر إلى نصف الليل هذا معناه خَسِر نفسه من راحته، من نومه ساعات، هذه الساعات

стр. 624

من أين بِدّه يعوضها على حساب صلاة الفجر، وعلى حساب الضحوة، ولذلك: نهى رسول الله ﷺ عن النوم قبل صلاة العشاء وعن السهر بعدها. نهى عن النوم قبل صلاة العشاء، لماذا؟ لأنه بيصحبها نومه، وما بيفيق إلى نصف الليل، وبنصف الليل بيكون راح وقت العشاء، ووقت العشاء لا يمتد كما يتوهم كثير من الناس إلى وقت الفجر، وإنما كما قال ﵇: «ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل». مداخلة: الساعة واحدة. الشيخ: لا، قد تكون الساعة واحدة، وقد تكون إثنا عشر، وقد تكون إحدى عشر ونصف، أنا حسب طول الليل وقصره. الشاهد: نهى رسول الله ﷺ عن النوم قبل صلاة العشاء، هذا حكم معقول المعنى في تعبير الفقهاء؛ لأنه لو سأل سائل: لماذا؟ لكي لا تفوته صلاة العشاء، على الأقل راح تفوته صلاة العشاء مع جماعة المسلمين، وحينئذ بيكون فاته الفريضة، ثم قال ﵇ في تمام الحديث «أنه نهى عن السهر بعد صلاة العشاء» كمان هو معقول المعنى، لماذا؟ لأنه السهر بعد صلاة العشاء بيساعد الساهر على عدم الاستيقاظ لأداء صلاة الفجر. فلو فرضنا: شوف النتيجة لو أن الآن زيد من الناس بيصلي العشاء في المسجد، وبيروح على البيت بيتعشى لقمتين ثلاثة ولا يثقل في الطعام، ثم من عادته أنه يستيقظ لصلاة الفجر؛ لأنه هذا راح يأخذ حظه من راحته من نومه، ليلة من الليالي كالعادة حط رأسه ونام بعد صلاة العشاء، سحب النومة إلى طلوع الشمس، هذا يقال له ساعتها صَلِّ؛ لقوله ﵇: «من نسي صلاةً أو نام عنها فليصلها حين يذكرها لا كفارة لها إلا ذلك»؛ لأنه هذا أخذ بالأسباب الشرعية، من عدم السهر بعد صلاة العشاء، واستعمل كل شيء وضعه في مكانه، لكن ليلة من الليالي سحب نومة إلى بعد طلوع الشمس، هذا معذور وساعة يستيقظ يصلي، وبيكون لو صلاها

стр. 625

كأنه صلاها في وقتها، هذا زيد من الناس، أما شخص آخر كما هو الغالب اليوم على كثير من الناس ما بينام إلا مثل صاحبنا آنفاً عشرة ونصف إحدى عشر، وقد كمان يسحبها إلى اثنا عشر، إيه هذا هو طبيعة الحال، ما بيقدر يستيقظ لصلاة الفجر، هذا إذا استيقظ بعد طلوع الشمس راحت عليه الصلاة، ولا بإمكانه أبداً أن يصليها. وهذا كله يعني: ضرورة المحافظة أولاً على أداء كل صلاة في وقتها وفي المسجد، وثانياً: أن نبتعد عن الأسباب التي تَصْرِفنا عن القيام بأداء الصلاة في وقتها، أظن وضح لك الجواب الآن إن شاء الله. مداخلة: ... جزاك الله خيراً يا شيخ. الشيخ: تفضل. مداخلة: أنت حكيت طبعاً صلاة العشاء، طبعاً لما أكون عندي عشر نفر وخمسة عشر ولد، وبعد صلاة العشاء أحط حالي وأنام، طيب أنا بدي [كذلك أنتبه] لصحتي وبدي آخذ حقي من الحياة من زوجتي يعني، أحط رأسي وأنام؟ ! الشيخ: أنت سامحك الله، أنا ما حكيت إنه ما لازم أن الزوج يلتفت لأولاده ولزوجته، أولاً: الأولاد الخمسة أو العشرة أو الخمسة عشر، هل هم منذ نعومة أظفارهم قام والداه ليس فقط رجل حتى الزوجة، قام والدا الأولاد هذول قلوا أو كثروا قاموا بوظيفة تربيتهم تربية إسلامية، أنا بقول لك آسفاً: لا، ومن هنا تأتي المشكلة. مثلاً: زيد من الناس اللِّي بده يحافظ على أداء الصلاة في وقتها، وبِدّه يصلي بعد العشاء على حسب النظام الشرعي، لما صلى العشاء في المسجد، أخذ أولاده الكبار معه إلى المسجد؟ الجواب: لا. ولذلك تجد المساجد اليوم خاوية على عروشها، إلا من الكهول، أما الشباب أولاد اثنا عشر ثلاثة عشر أربعة عشر خمسة عشر، بدأنا نحن في العصر الحاضر الآن نرى شيئاً من هذه الأنماط.

стр. 626

لكن مع الأسف بنشوف هؤلاء الشباب اللِّي الآن نراهم في المساجد ولم نكن نراهم فيما مضى من الزمان. هذا الاتجاه في حضورهم المساجد ليس سببهم هم الآباء، أكثر الآباء لا يهتمون بأبنائهم، السبب هو البيئة اللي عايشين فيها، والصحبة الصالحة بيتأثروا بها، وبينشطوا لحضور المساجد، أما الآباء فأكثرهم اللي بيصلوا ما بيهتموا بأولادهم، أنت بالغت ما شاء الله قلت عشرة خمسة عشر، كم ولد بِدّه يكون بلغ سن التكليف، إذا فتح باب البيت منطلقاً إلى المسجد، كم ولد لازم يكون ماشي معه. مداخلة: أقل شيء خمسة. الشيخ: نحن ما بنشوف هذا الشيء اليوم. فإذاً: هذا يُعْطِينا شيئاً مؤسفاً جداً، إنه هذا الوالد اللِّي عنده هذه البركة من الأولاد، هو مُقَصِّر منذ ما بدأ الولد الأول، جاء الولد الأول، لأنه لو بدأ هو بتربية الولد الأول، وصار مثلاً بيحافظ على الصلاة ابن تسعة ابن عشرة، وكلما نبغ يهتم بالصلاة في المسجد، أخوه الثاني بيلحق فيه والثالث بيلحق، وهكذا بيرتاح الوالد، إذا ما أحسن إنبات البذرة الأولى، هذا مش موجود اليوم مع الأسف، لذلك سبقهم المشكلة اللِّي أنت صَوَّرتها آنفاً. أنا يمكن أبعدك شوية عن الجواب مباشرة، لكن أنا بيهمني لفت النظر تماماً، أنا بقول لك: هذول الأولاد بيتعشوا، تعشوا وخلصوا ما هو المفروض فيهم، كل واحد يستلقي الفرش وينام، ليش؟ لأنه أبوه هيك مُسَوِّي، وأبوه بقى لما بِدُّه يتمتع بحلاله، فسوف يتمتع بحلاله في غرفته الخاصة مو بين أولاده، فهو بيأوي إلى فراشه هو وزوجته بعدما أووا الأولاد كلهم إلى فروشهم وسكن البيت ... وبعد ذلك هو بيتمتع بحلاله. مداخلة: بدها وقت. الشيخ: مهما كان الوقت، نحن ما بنقول صلينا عشاء ونمنا، لا، هذا الوقت

стр. 627

المهم يكون محدد مُقَنَّن. نحن بنحكي عن الوسائل اللِّي بتصرفنا عن طاعة الله وهو التلفزيون، أما تعال أنت يا ولد صليت؟ لا ما صليت. أنت توضيت؟ لا. هذه أمور لا بد منها، لكن هذه مهما أخذت من الزمان ما راح تأخذ نصف ساعة، ما راح تأخذ بالكثير بالكثير ساعة. مداخلة: بس العيال لا ينامون إلا بعد ساعتين ثلاثة. الشيخ: يا حبيبي لماذا لا ينامون؟ لأن الأصل ما هم مُربيين ما هم مؤدبين على الإسلام ما تؤاخذني، أبوه مش مُؤَدب أدب الإسلام، وفاقد الشيء لا يُعْطِيه، كل الجيل اللي شايفينه الآن. الشيخ: الآن يمكن تشهدوا جميعكم في أماكن مش موجودة قبل عشرين سنة صحيح أم لا؟ طيب! لكن لسه التربية ما بدأت تؤتي ثمارها، التربية على الإسلام الصحيح لسه ما بدأت تُؤتي ثمارها، ومن التربية ما أشرنا إليه آنفاً أنه نهى رسول الله ﷺ عن النوم قبل صلاة العشاء، وعن الحديث بعدها، هذه تربية إسلامية، تعرفونها؟ يمكن ما تعرفونها فكراً وعلماً، فكيف تعرفونها عملاً، ما بتعرفوها، من أين بِدّكم تتعلموا ما كان فيه في علم من السابق، هلا بدأ ينتشر شيء من العلم الصحيح بين الناس، من العلم المجهول علماً والمهجور عملاً، وهذا ما يستطيع أحد ينكره مع الأسف قوله ﵇: «مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفَرِّقوا بينهم في المضاجع». الآن كم وكم من الآباء ثم كم وكم من الأمهات يعتنون بأمر الولد بالصلاة لما بيبلغ سن السابعة؟ وبيستمروا على هذا الأمر ما بين مدة ومدة، لحتى الولد يخضع لهذا الأمر الكريم، فإذا ما خضع ثلاث سنوات، ودخلت حياته في سن العاشرة، حينئذٍ يُضْرب، وين فيه أب اليوم فضلاً عن أم بتضرب ولدها، لأنه صار عمره عشر سنوات وهو لا يصلي وينه هذا؟ لذلك علينا أن نعلم وأن نعمل بما نعلم، وإلا

стр. 628

كان العلم الذي لا نعمل به حجة علينا. «الهدى والنور /١٤٠/ ١٠: ٣٠: ٠٠» الرد على القول ببطلان صلاة الصبح إذا شرع المصلي فيها قبل طلوع الشمس وطلعت أثناء الصلاة وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر». وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس، فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح، قبل أن تطلع الشمس، فليتم صلاته». رواه البخاري. قال الألباني: الحديث حجة قاطعة على الحنفية الذين قالوا: تبطل صلاة الصبح بطلوع الشمس؛ لأنه دخل وقت النهي عن الصلاة بخلاف غروب الشمس. «مشكاة المصابيح ١/ ١٩١» إذا كان من عادة الأئمة تأخير الصلاة عن وقتها فعلى المسلم أن يصليها في الوقت في بيته ثم يصليها معهم وإذا كان من عادة الأئمة أن يؤخروا الصلاة عن وقتها المختار فعلى المسلم أن يصليها في الوقت في بيته ثم يصليها معهم متى صلوها وتكون له نافلة هذا الثانية. قال أبو ذر ﵁: قال لي رسول الله ﷺ : «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها» قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: «صل الصلاة لوقتها فإ أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة». [صحيح مسلم].

стр. 629

«فائدة»: ذكر النووي في «شرح مسلم» وفي المجموع «٣/ ٤٨» أن المراد بقوله في هذه الأحاديث: «يؤخرون الصلاة عن وقتها» أي: عن وقتها المختار لا عن جميع وقتها، فإن المنقول عن الأمراء المتقدمين والمتأخرين إنما هو تأخيرها عن وقتها المختار، ولم يؤخرها أحد منهم عن جميع (١) وقتها فوجب حمل هذه الأخبار على ما هو الواقع. ومعنى صل الصلاة لوقتها أي لأول وقتها. ثم قال: وفيه أن الإمام إذا أخرها عن أول وقتها يستحب للمأموم أن يصليها في أول الوقت منفردا ثم يصليها مع الإمام فيجمع فيصلي أول الوقت والجماعة، فلو أراد الاقتصار على أحدهما فهل الأفضل الاقتصار على فعلها منفردا في أول الوقت أم الاقتصار على فعلها جماعة في آخر الوقت؟ فيه خلاف مشهور قال: والمختار استحباب الانتظار إن لم يفحش التأخير. وقال شيخ الإسلام في «الاختيارات» «ص ١٩»: «وجمهور العلماء يرون تقديم الصلاة أفضل إلا إذا كان في التأخير مصلحة راجحة مثل المتيمم يؤخر ليصلي آخر الوقت بوضوء والمنفرد يؤخر حتى يصلي آخر الوقت مع جماعة». قلت والصواب: الذي تدل عليه الأحاديث ما ذكره النووي واختاره من استحباب الانتظار إذا لم يفحش التأخير. ولا ينافي ما سبق قوله ﷺ : «لا تصلوا صلاة في يوم مرتين» [إسناده صحيح]. لأنه إنما أراد به أن يصليهما كلتيهما على وجه الفرض كما قال ابن عبد البر. أو يكون من العام المخصوص بهذه الأحاديث وأمثالها ويأتي بعضها في محالها. وهذا أولى عندي مما قاله ابن عبد البر لأنه يلزم منه جواز إعادة كل صلاة صلاها مع الجماعة أن يصليها مرة أخرى منفردا متنفلا بها وما أعتقد أن عالما يعتقد ذلك. [الثمر المستطاب «١/ ٨٦»].

стр. 630

صحة صلاة الصبح بإدراك الركعة الأولى [قال رسول الله ﷺ ]: «إذا أدركت ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس، [فطلعت]، فصل إليها أخرى». [ترجمه الإمام بقوله: صحة صلاة الصبح بإدراك الركعة الأولى. ثم قال]: وبعد جمع طرق الحديث يتبين لكل ذي عينين أن الحديث صريح الدلالة في إبطال مذهب الحنفية القائلين بأن من طلعت عليه الشمس في صلاة الصبح بطلت ولو أدرك منها ركعة! وقد تفننوا في التفصي من هذه الأحاديث، تارة بإعلال ما يمكن إعلاله منها ولو بعلة غير قادحة، وتارة بتجاهل الطرق الصحيحة، كما فعل متعصب العصر الحاضر الشيخ الكوثري، وتارة بادعاء نسخها بأحاديث النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وتارة بتخصيصها بالصبيان ونحوهم كما فعل الطحاوي وجرى خلفه الكوثري. قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» «٢/ ٤٦» عقب الرواية الأولى: «ويؤخذ من هذا الرد على الطحاوي حيث خص الإدراك باحتلام الصبي وطهر الحائض وإسلام الكافر، ونحوها. وأراد بذلك نصرة مذهبه في أن من أدرك من الصبح ركعة تفسد صلاته لأنه لا يكملها إلا في وقت الكراهة. وهو مبني على أن الكراهة تتناول الفرض والنفل، وهي خلافية مشهورة. قال الترمذي: وبهذا يقول الشافعي وأحمد وإسحاق. وخالف أبو حنيفة فقال: من طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح بطلت صلاته. واحتج لذلك بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وادعى بعضهم أن أحاديث النهي ناسخة لهذا الحديث، وهي دعوى تحتاج إلى دليل، فإنه لا يصار إلى النسخ بالاحتمال، والجمع بين الحديثين ممكن بأن يحمل أحاديث النهي على ما لا سبب له من النوافل، ولا شك أن التخصيص أولى من ادعاء النسخ». السلسلة الصحيحة «٥/ ٦١٤ - ٦١٦».

стр. 631

المنافقون وصلاة الفجر مداخلة: هل حضر المنافقون صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ ؟ الشيخ: نعم. مداخلة: جزاك الله خيرًا. الشيخ: تعلمون جميعاً أن النفاق نفاقين اثنين: نفاق قلبي، ونفاق عملي، النفاق القلبي هو الكفر بِعَيْنِه، وهم الذين قال الله في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] هم الذين يُظْهِرُون الإسلام ويُبْطِنون الكفر. أما النفاق العملي فهو المسلمون حقاً، مؤمنون قلباً، ولكنهم يعملون بخلاف بعض الأحكام الإسلامية. فإذا عرفنا هذا التفصيل، وبخاصة ما يتعلق بالقسم الأول من المنافقين، وهم الذين يظهرون الإسلام ويُبْطنون الكفر، لا بد من أن نتصور أنهم كانوا يحضرون المساجد وصلاة الجماعة، وإلا كان ينفضح أمرُهم، وينكشف ما أَضْمَروه في أنفسهم من الكفر. ثم لا يخفاكم قول الرسول ﷺ في قصة عبد الله بن أُبَيّ، أنه لما مات أراد أن يصلي عليه، فوقف أمامه عمر بن الخطاب، وقال له: أَتُصَلِّي عليه وهو من المنافقين؟ فأجاب الرسول ﵇: «بأنه لم يُنْهَ» أي: من قبل، ثم نزل هناك آية في النهي عن الوقوف على قبر المنافقين وعلى الصلاة عليهم: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] نعم. فالقصد: أن مثل هذا كان -بلا شك- يحضر المساجد، ويوهم الناس بأنه مسلم مثلهم، لكن الله كَشَف عن كثيرين منهم وعن نفاقهم، ومع ذلك -

стр. 632

وهنا حكمة بالغة بالشريعة الإسلامية- أن النبي ﷺ عاملهم بما أظهروه، ولم يُعاملهم بما أبطنوا وأسَرُّوا؛ ولذلك صلى على هذا الإنسان، ثم لما نُهِي عن الصلاة على المنافقين، وكان عنده علم مسبق بمن هم من المنافقين لم يعد يصلي عليهم. ومن هنا: جاء قوله ﵇: «ليُذَادَن أقوام يوم القيامة عن حوضي، فأقول: يا رب أصحابي أصحابي، وفي رواية: أُصَيْحابي أُصَيْحَابي، فيقال له: إنك لا تدري ما أَحْدَثوا بعدك، إنهم لن يزالوا القهقرى، فأقول حينئذٍ: سُحْقاً سُحْقاً». خلاصة الجواب: أن هذا كان موجوداً، ولعَلّ النبي ﷺ حينما قال قَوْلته المشهورة في الصحيحين: «لقد هَمَمت أن آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم آمُر رجالاً فيحطبوا حطباً، ثم أُخَالف إلى أناس يدعون الصلاة مع الجماعة، فأُحَرِّق عليهم بيوتهم، والذي نفس محمد بيده لو يعلم أحدهم أن في المسجد مَرْمَاتين حسنتين لشهدها» يعني: صلاة العشاء. يمكن أن يكون هؤلاء المتخلفين من أولئك المنافقين، سواء القسم الأول أو القسم الآخر؛ ولذلك صح عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: «ما كنا نرى الذين يتخلفون عن صلاة الجماعة، إلا أنهم من المنافقين» نعم. مداخلة: إذاً: هل كانوا بدلالة هذا الحديث يَشْهدون صلاة الفجر؟ لأن السؤال هنا: هل كان المنافقون أو ثبت أن المنافقين يَحْضُرون صلاة الفجر؟ الشيخ: أنا أظن -بارك الله فيك- تعليقي على الحديث: «لقد هَمَمْت» هو جواب هذا الحديث نفسه، وإلا ترى هناك فرقاً بين هذا وذاك: أن الذين كانوا يتخلفون عن صلاة الجماعة يمكن يكونوا من القسم الأول أو من القسم الآخر؟ مداخلة: إذاً، لم يكونوا يحضروا الصلاة. الشيخ: لم يكونوا يحضرون صلاة الجماعة؟ مداخلة: نعم.

стр. 633

الشيخ: نعم. مداخلة: وأهمها صلاة الفجر. الشيخ: أي نعم. مداخلة: إذاً: لا نحكم على شخص يحضر معنا صلاة الفجر بالنفاق، مفهوم المخالفة؟ الشيخ: لا، هذا ما يقال؛ لأن فروع النفاق كثيرة، كما قال ﵇: «آية المنافق ثلاث: إذا حَدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»، ما نقول له منافق من هذه الحيثية، لكن قد يكون فيه حيثيات أخرى، فيقال فيه ما قال هو ﵇. «الهدى والنور /٧٣١/ ٤٩: ٥٠: ٠٠» نصيحة لمن يؤخر صلاة الفجر عن وقتها الشيخ: الإنسان رَبُّنا خلقه في أحسن تقويم لا شك، وقَدَّر له حاجةً إلى طعام إلى شراب، إلى راحة، إلى النوم، وكل إنسان يحتاج إلى ساعات من الراحة بالنوم، خاصة إذا كان شاباً وقد يحتاج إلى ساعات أكثر، فإذا سهر بعد صلاة العشاء ساعتين، فيعودهما على السهر وترك صلاة الفجر. فأنا أقول له: نَظِّم حياتك، نَظِّم ساعات راحتك ونومك، نم مبكراً، استيقظ مبكراً، حينئذٍ يتيسر لك أن تُصَلِّي صلاة الفجر، أولاً في وقتها وليس بعد طلوع الشمس. ثانياً: تصليها مع جماعة المسلمين كما هو الشأن في بقية الصلوات، كما تقدم في الجواب الأول. ثم نقول له: هذه الصلاة التي يُصَلِّيها بعد طلوع الشمس، لا قيمة لها إلا في

стр. 634

حالة واحدة، إذا اتَّبع السنة ونام مبكراً ثم غلبه النوم، واستيقظ بعد طلوع الشمس، فليُصَلِّها حين يذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك. أما أن يُغَيِّر نمط حياته، ويجعل حياته على خلاف الشرع، فيعتبر ذلك عذراً له، ينام في نصف الليل .. يسهر ويقوم في نصف النهار، ويقول: والله أنا لا أستطيع. نقول له: يا أخي نم في أول الليل، تستطيع أن تقوم في آخر الليل .. وهكذا. فهذه الصلاة التي يصليها دائماً وأبداً بعد طلوع الشمس، لا قيمة لها في الشرع أبداً. هل تجزئ هذه الصلاة وما يترتب عليها من إثم أم اعتُبر كافراً؟ أقول: هذه الصلاة لا تجزيه، أي: لا تبرأ ذمتُه بأدائه صلاة الفجر دائماً وأبداً بعد طلوع الشمس، إلا في الحالة التي ذكرتها آنفاً. وخلاصة ذلك أنه ينام بعد صلاة العشاء، فإذا غَلَبه النوم وما استيقظ إلا بعد طلوع الشمس، فلا مؤاخذة للنائم. لكن أن يظل في منهجه السابق ما يجوز ولا تجزيه هذه الصلاة. أم أنه يعتبر كافراً أم مقصر فقط؟ أقول: لا يعتبر كافراً إذا كان معترفاً بشرعية هذه الصلاة كل في وقتها، وضميره كما يقولون اليوم يؤنبه على تقصيره، فهذا لا يعتبر كافراً .. مداخلة: بخلاف المنهج. الشيخ: بخلاف المنهج. لا يعتبر كافراً وإنما يعتبر مقصراً أشد التقصير، وأخيراً: أدى فريضة الحج فهل تعتبر صحيحة؟ نقول: إذا كان قد أدى فريضة الحج بشروطها وبأركانها فهي صحيحة،

стр. 635

واضح؟ مداخلة: نعم. «الهدى والنور /٤٠٢/ ٢٠: ١١: ٠٠» «الهدى والنور /٤٠٢/ ٣٠: ١٥: ٠٠»
следующие страницы →