Полный текст (8 195 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.
стр. 5846
وفي حديث آخر أشد رهبة من الحديث الأول، ألا وهو قول ﵊: «لَيُّ الواجد يُحِل عرضه وعقوبته».
«لي» هو المماطلة نفسُها، في الحديث الأول: «مطل الغني ظلم».
الحديث الثاني: «لَيُّ الواجد» أي: مماطلة الواحد للوفاء «يُحِل عرضه وعقوبته».
والمقصود من قوله: «يُحِل عرضه» أي: النيل منه والطعن فيه، والتشهير به، وهو أن يقال: فلان ظلمني، فلان يُماطلني، وهو ليس عاجزاً عن الوفاء، بل هو قادر عليه، فيجوز للمظلوم المُماطل أن ينال من عرض المُماطل الواجد، أي أن يُشَهِّر به، وليس هذا من الغيبة المُحرّمة في شيء.
وعندما قلت: ليس هذا من الغيبة المُحرّمة؛ لأن هناك غيبة جائزة، لكن مع ذلك فهي حساسة ودقيقة، وليس كل إنسان يستطيع أن يُفَرِّق بين هذه الغيبة الجائزة وبين الغيبة المحرمة التي التحريم هو الأصل فيها، كما هو معلوم في الحديث الصحيح ألا وهو قوله ﵇: «الغيبة ذِكْرُك أخاك بما يكره» قال يا رسول الله: أرأيت إن كان فيه ما قلت؟ قال: «إن كان فيه ما قلت فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته».
فهذا هو الأصل في الغيبة، وهي ذكرك أخاك بما يكره، أنها حرام كما هو صريح الحديث والآية المعروفة: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢].
ولكن كما يقول الفقهاء في كثير من المسائل: ما من عام إلا وقد خُصّ.
فالأصل والعموم في الغيبة هو التحريم، لكن لها مستثنيات، من هذه المستثنيات ما ذكرناه آنفاً بالنسبة للدائن الذي يُماطله المدين بعد حلول الأجل مع وجود الوفاء لديه، ولكنه يصرف ما له -لا نقول فيما لا يجوز- ولكن على الأقل فيما
стр. 5847
لا يجب، بينما هذا واجب عليه أن يُؤديه، فلا يقوم بهذا الواجب، بينما يقوم بالأمور بالمستحبة إن كانت مستحبة، وأحسن أحوالها أن تكون جائزة ومباحة.
فالدليل الذي حمل العلماء على أن يُخَصِّصوا الغيبة المحرمة بأمور أخرى، تُجيز الاستغابة مع أنها مكروهة عند المستغاب، نصوص كثيرة من الكتاب والسنة، فالآية الكريمة تقول: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨].
فإذاً: هذا المظلوم يجوز له أن يجهر بالقول السيئ بالنسبة للظالم.
وهناك أحاديث كثيرة جداً، استنبط منها الفقهاء ستة أجناس من الغيبة التي يصدق فيها أن المُسْتَغاب يكرهها، ولكن لا يَصْدُق فيها أنها غيبة محرمة، فقال أحد الفقهاء الشعراء:
القدح ليس بغيبة في ستة ... مُتَظَلّم ومُعَرِّف ومُحَذّر
ومجاهر فسقاً ومستفتٍ ومن طلب الإعانة في إزالة منكر
هذه ستة أشياء.
أتيناكم بالآية والحديث: «لَيُّ الواجد يُحِل عرضه وعقوبته».
وقبل أن نستطرد كثيراً عن هذا الحديث الذي كنا فيه، فقد يتساءل بعض الحاضرين: قد فهمنا مقصود النبي ﷺ ، من قوله: «يُحِل عرضه» فماذا يعني بقوله: «وعقوبته»؟
الجواب: أن العقوبة هنا تعود إلى الحاكم، إلى القاضي الشرعي، إذا رفع المظلوم شكواه على ذلك الظالم إلى القاضي، فاستدعاه وعرف منه أنه مماطل، أي: واجد مماطل غير معسور، بل هو ميسور، فهذا يعاقبه على مماطلته وتقصيره في الوفاء بحق أخيه.
إذاً: «لَيُّ الواجد يُحِل عرضه» بالنسبة للدائن.
стр. 5848
«وعقوبته» بالنسبة للحاكم.
نعود إلى الخصال الست التي استُثْنِيت من الغيبة المُحرّمة، كان أولها المتظلم، وفيها هذا النص القرآني، والحديث النبوي، وهناك حديث آخر، وهو من روائع أساليب الرسول ﵇ في تربية المسلم الذي انحرف عن سواء السبيل، فقد روى الإمام البخاري في كتابه: «الأدب المفرد» من حديث أبي هريرة ﵁: «أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ يشكو جاراً له قائلاً: يا رسول الله! جاري ظلمني. قال: فاجعل متاع دارك في الطريق». فأخرج عفش الدار وألقاه في الطريق.
ولا شك أن هذا العمل مما يُلْفت الأنظار، كلما مَرَّ شخص أو أشخاص مالك هنا؟ فيقول: جاري ظلمني. فيقولون: قاتله الله .. لعنه الله .. كلما مرَّ شخص أو أشخاص أو طائفة من الناس: ما بالك؟ فيقول: جاري ظلمني. فيسبُّوه: قاتله الله .. لعنه الله .. والظالم يسمع، فما كان منه إلا أن انطلق إلى النبي ﷺ ليقول له: يا رسول الله! مُر جاري بأن يُعيد متاعه إلى داره، فقد لعنني الناس، فقال ﵊: «لقد لعنك من في السماء قبل أن يلعنك من في الأرض».
فهذا من الأحاديث التي يستدل بها العلماء على جواز استغابة الظالم.
أولاً: المظلوم شكاه إلى الرسول ﷺ ، وقال له: جاري ظلمني، ولا شك أن هذه غيبة بالنسبة للتعريف العام غيبة؛ «ذِكْرُك أخاك بما يكره»، وهو يكره أنه يقال عنه إنه ظالم، لكن النبي ﷺ الذي جاء بالشرع لإصلاح ما فسد من الناس، لا يدع القاعدة العامة التي وُضِعَت لإصلاح الناس لتعود مفسدة لإفساد الناس، وإنما وضع لها قيودًا وحدودًا وشروطًا، وهذا الوضع يكون ببيانه ﵇، بفعله وبقوله، فنجد الرسول ﵇ في هذه الحادثة، لم يكن موقفه تجاه الشاكي المظلوم يقول له كما قد يفعل بعض المتنطعين الجاهلين من الناس، يقول له: اسكت يا أخي هذه غيبة؛ لأن الرسول قال: «الغيبة ذِكْرُك أخاك بما يكره».
وهذا الورع البارد اليوم، متمثل في كثير من المعاملات المتعلقة ببعض الناس في صور شتى مختلفة، قد يأتي الرجل مثلاً إلى شخص صديق لزيد من الناس، الرجل
стр. 5849
يريد أن يشارك زيداً المذكور، فيأتي إلى صاحبه يسأله: أنا يا أخي أريد أن أشارك زيداً هذا، فماذا تعرف عنه؟ أنا أريد أن أدخل على بصيرة في هذه المشاركة، ماذا تعرف عنه؟ هو قد يكون يعرف عنه كل شر، لكن يظن المسكين لجهله بشريعة نبيه أنه إذا ذكر ما فيه فقد استغابه، انطلاقاً منه من الحديث الذي يسمعه بكل مناسبة، وهو والحمد لله حديث صحيحة، ولكن لا يُشْرح شرحاً صحيحاً، فيكون الجواب: أن يكتم الحقيقة وأن يصارح بخلاف ذلك، فيقول: يا أخي كل الناس خير وبركة. فما يسع هذا الإنسان المُسْتَنْصَح إلا أن يشاركه، وبعد زمن يتبين أن ذلك الذي استنصحه ما نصحه، مع العلم أن النبي ﷺ قد أَكَّد وجوب النصيحة على المسلمين في الحديث المعروف من حديث تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم».
الشاهد هنا: والحديث يأخذ شرحاً طويلاً قوله: «وعامتهم» من المسلمين، يجب على كل مسلم أن ينصحهم.
فزيد هذا حينما جاءه المُسْتَنْصَح يسأله: أنا أُريد أن أشارك فلاناً، فكان عليه أن يُبَيِّن كل سوء يعرفه عنه، ليس بقصد التشفي والانتقام منه، وإنما بقصد النصيحة والبيان، ولذلك فيجب أن نفهم هذا الموضوع فهماً جيداً، ومخصصاً بهذه الأنواع الستة: أولها: مُتَظلّم.
الثاني: ومعرف.
وهذا له أمثلة من السيرة ومن واقع المسلمين في كل زمان ومكان.
جاءت السنة أن امرأة فاضلة من الصحابيات العالمات اسمها: فاطمة، كان زوجها طلقها طلقتين، ثم سافر عنها لعملٍ، فأرسل إليها إلى وكيله بطلقته الثالثة، فجاء الوكيل إليها يُخْبِرها بأن زوجها قد طَلّقها الطلقة الثالثة، فبانت منه بينونة كبرى، وعلى ذلك طلب منها أن تخرج من داره، دار الزوج المُطَلِّق، فهي طالبت
стр. 5850
بحق السكن وحق النفقة كما هو قائم في النُّظُم والقوانين ... فقال لها وهو وكيل: ليس لك سُكْنَى ولا نفقة. قالت: فتجنبته وانطلقت ...
اسمها فاطمة بنت قيس؛ والمشهور عند الصحابة فاطمتان، هم كُثُر، لكن المشهور اثنتان، إحداهم هذه فاطمة بنت قيس، وأخرى اسمها فاطمة بنت أبي حبيش، وأنا لما بدأت وأنا أسرد قصتها الأولى وقفت خشيت أن يختلط عليّ إحداهما بالأخرى، فاكتفيت بأن أقول فاطمة، ثم استرددت حافظتي وذاكرتي، فتذكرت أنها فاطمة بنت قيس، وفاطمة بنت أبي حبيش يحسن أن يعرفها الرجال قبل النساء، وإن كانت قصتها تتعلق بالنساء وليس بالرجال.
الشيخ: الشاهد، فجاءت فاطمة بنت قيس إلى النبي ﷺ ، فذكرت له ما سمعت من وكيل زوجها «لا شيء لها» فقال ﵊: «لا نفقة لكِ ولا سُكْنَى»؛ لماذا؟ لأنها مطلقة الطلقة الثالثة.
وعلى ذلك أمرها ﵊ بأن تخرج من الدار؛ لأنها محتلة له، أما النفقات فهي غير واردة لها، فما بيدها شيء، أما المسكن ففي يدها، فأمرها أن تخرج من دار زوجها، ليستلم الدار وكيل الزوج، وقال لها: «اذهبي إلى دار أُمِّ شريك» أُمّ شريك صحابية، ثم قال مُعَقِّباً على قوله لها: «اذهبي إلى دار أُمِّ شريك» فبادر وقال ﵇: «لا، لا تذهبي إليها؛ فإنها دار يقصدها المهاجرون من الرجال، فأخشى أن يقع منك خمارك فيرون منك ما لا ترضين، اذهبي إلى دار عمرو بن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى إذا وقع خمارك عن رأسك لا يراك، فإذا قضيتِ عدتك فلا تفوتيني بنفسك» ما معنى الكلام العربي الجميل؟
حين تنقضي العِدّة تعالي إلى عندي، فذهبت إلى عند الضرير عمرو بن أم مكتوم، هذا هو الصحيح في اسمه، ويقال فيه: عبد الله بن أُمّ مكتوم في رواية، لكن الصحيح أنه عمرو بن أم مكتوم، وهو الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس: ١ - ٤] .. إلى آخر الآيات.
стр. 5851
انقضت عُدَّتُها ثم جاءت إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! انقضت عدتي، وقد خطبني فلان وفلان .. خطبني أبو جهم بالميم، وليس أبو جهل ذاك قتيل وخبيث، خطبني أبو جهم ومعاوية بن أبي سفيان، هي تعرض عليه ﷺ هذين الخاطبين لترى رأيه فيهما ليرى رأيه فيهما، فماذا كان قوله ﵇؟ لم يكن قوله كقول ذلك الإنسان: كل الناس خير وبركة. وإنما ذكر عيب كلٍ منهما بالنسبة للواقع وهو السؤال.
قال ﵇: «أما أبو جهم فرجل لا يضع العصا عن عاتقه». في تفسير هذه الجملة النبوية قولان:
أحدهما: أنه ضَرَّاب للنساء.
والآخر: أنه كثير الأسفار؛ لأن العرب حينما يسافرون يضعون العصا على العاتق، واِلمزْود على الخلف ويتم ماشيًا.
على كل حال هذه العبارة كناية عن أحد المعنيين، وكل منهما عيب في الرجل لا ترضاه الزوجة أو المرأة المخطوبة، هذا وصفه ﵇ للخاطب الأول وهو أبو جهم، وصفه بهذا الوصف المُنَفِّر للمرأة منه.
ثم قال ﵇: «وأما معاوية فرجل صعلوك» صعلوك: يعني فقير، لا جاه له، لا مال له .. إلى آخره.
ماذا كان موقف المرأة تجاه هذا الوصف؟ لا رغبت لا في هذا ولا في هذا، الجهال اليوم يقولوا: قطع من نصيبها. هذا هو الجهل بعينه.
لكنها قالت بعدما رأى منها الإنزواء والانحراف عنهم عرض عليها أسامة بن زيد، فرضيت به، قالت: فاغتبطت به. يعني: انبسطت معه.
الشاهد: قوله عن أحدهما أنه ضَرّاب للنساء غيبة. وعن الآخر: أنه صعلوك فقير لا قيمة له غيبة.
لكن هذه الغيبة مُغْتَفرة، بل واجبة في سبيل نصح المرأة.
стр. 5852
ومن هنا يجب أن نفهم خطأ الذين لا ينصحون المستنصحين، الذين يكونون مثلاً بحاجة إلى خطبة امرأة أو فتاة، فيأتي إلى جارها بالجنب، يقول له: يا أخي أنا أريد أن أخطب فلانة لي أو لابني أو كذا .. ما رأيك فيها؟
نفس الجواب التقليدي في بعض البلاد: كل الناس فيهم خير وبركة، وهو يعرف فيها أنها شاردة البصر، وأنها تخرج من الدار، وأنها لا تصلح للخاطب المسلم الصالح. لماذا لا ينصح؟ غيبة، نقطع بنصيبها يا أخي. لا يجوز.
فقال العلماء:
القدح ليس يغيبة في ستة متظلم ومعرف ...
أتينا بالمثال من الحديث والمثال من الواقع.
فلانة والله كويسة، لكنها لا تصلي، والله بتصلي لكنها تخرج متبرجة، والله كل شيء فيها خير لكن موظفة .. وإلى آخره.
هذا يجب كله أن يُشْرَح للخاطب المستنصح وإلا يكون غَشّه وما نصحه.
«ومحذر» هذه الصورة لها واقعان متباينان أشد التباين:
من ينبغي التحذير منه لا يُحَذرون عنه، ومن ينبغي أن يصاحب إياك وإياه. والحر تكفيه الإشارة.
يعني مثلاً: قد يرى شخص رجلاً يصاحب غلاماً صبيح الوجه رشيق القامة، ويعرف عن هذا الغلام شيئًا من التَأنُّث أو التخنث، والذي يصاحبه رجل وليس بالرجل المعروف بِحُسْن السيرة والاستقامة والصلاح والتقوى، وهناك في الحارة من يعرف حقيقة هذا وهذا، فالواجب أن ينصح هذا الغلام وأن يقول: لا تصاحبن هذا الرجل الذي رأيتك تمشي معه.
هذه صورة ممكن أنتم تبسطوا منها صور شتى وكثيرة جداً.
أما الصورة المعاكسة حيث لا يجوز التحذير: فلا، يا أخي لا تمشِ معه؟
стр. 5853
لماذا يا أخي هذا رجل صالح ومصلي؟
والله هو مثلما تقول، بس هذا وهابي، وإياك واحذر منه.
هذا الثالث: «ومحذر»
الرابع: «ومجاهر فسقاً».
يجهر بالمعصية، لا يخش الله ولا يستحي من عباد الله، هذا ليس له غيبة، ولكني أُذَكِّر والذكرى تنفع المؤمنين، أن هذا الفاسق حينما يُراد استغابته، فليس يجوز أن يستغيبه المستغيب تفشيشاً وإرواء لغليل غيظه، وإنما نصيحةً للناس وتعريفاً للناس به.
فهذا الفاسق يجوز استغابته، ليس اندفاعاً أو انطلاقاً من حديث مشهور ضعيف السند لا تقوم به حجة ألا وهو: «ليس لفاسق غيبة».
هذا من الأحاديث التي لا يصح نسبتها إلى النبي ﷺ ، وإن كان معناه صحيحاً.
ويُشْبِه هذا الحديث من الناحيتين الضعف في السند والصحة في المعنى، حديث آخر موجود في «الجامع الصغير»: «أترعون عن ذكر الفاجر بما فيه، اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس»
«أترعون» أي: أتتورعون. يعني: ورعاً باردًا.
والأمثلة السابقة كلها عليه.
«أترعون عن ذكر الفاجر بما فيه، اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس»
أي: استغابة الفاسق الفاجر ليس هو تفشيش خلق، وإنما لتحذير الناس منه وبس، فهو داخل أيضاً في باب النصيحة.
قد يقال: ما دام الحديث الأول ضعيف السند، والثاني شرحه. فما الحجة الصحيحة بأن غيبة الفاسق جائزة.
стр. 5854
نقول: حديث الإمام البخاري في صحيحه، عن السيدة عائشة ﵂، قالت: استأذن رجل في الدخول على النبي ﷺ ، فقال: «ائذنوا له بئس أخو العشيرة هو».
هذه غيبة أم ليست غيبة؟
مداخلة: غيبة.
الشيخ: غيبة؛ لأن ذاك في الخارج والرسول في الداخل، ويذكره بلا شك بما يكره، لكن هذا ليس داخلاً في النص العام.
«ائذنوا له بئس أخو العشيرة هو» فلما دخل إلى النبي ﷺ هَشَّ إليه وبَشَّ، وجلس ما جلس ثم خرج. وكانت السيدة عائشة ﵂ تُراقب الحال، لما انصرف الرجل قالت: «يا رسول الله! لما استأذن قلت: «ائذنوا له بئس أخو العشيرة هو».
فلما دخل هششت له وبششت، قال: «يا عائشة! إن شر الناس منزلةً عند الله يوم القيامة، من يتقيه الناس مخافة شره». فهذا هو الفاجر.
فالرسول ﷺ تعريفاً للناس به، قال: «بئس أخو العشيرة هو» لكن هو كان رئيس عشيرة وتحت يده بعض ضعفاء المؤمنين، فلو أن الرسول ﷺ ما أحسن استقباله ومعاملته، بل أغلظ عليه القول؛ لانقلب هذا الرئيس الفاجر ضرراً على أصحاب الرسول الضعفاء الذين هم من عشيرة الرجل، ولذلك قال ﵇ وهذا من أسلوبه في الكلام، ما قال بئس الرجل هو، قال: «بئس أخو العشيرة هو» له عشيرة، له طائفة من الناس هو عليهم رأس، وتحته طائفة من المؤمنين الطيبين، فترفق به الرسول ﵇ حينما استقبله، ولكنه ما كتم حقيقة أمره أمام السامعين بقوله الأول: «بئس أخو العشيرة هو» ذلك؛ ليصبح دليلاً للعلماء والفقهاء الذين سيقتدون به ﵇، أنه يجوز استغابة الفاجر بقصد تحذير الناس.
стр. 5855
قال: ومستفت.
المستفتي: هذه قضايا تقع كثيراً، وكثيراً جداً في كل زمان ومكان، مما وقع في عهد الرسول ﵇، جاءت هند امرأة أبي سفيان فقالت: «يا رسول الله! إن زوجي رجل شحيح».
بخيل، هنا الغيبة، الرجل غائب والزوجة تستغيبه، أي: تتكلم كلام في غيبته يكرهه.
«أفآخذ من ماله ما يكفيني أنا وأولادي؟ »
هل كان موقف الرسول مثل موقف هؤلاء المُتَوَرِّعين الباردين: اسكتي يا حرمة هذه استغابة لزوجك، لا يجوز.
وإنما أصغى إليها وسكت عن قولها، وأعطاها جواب سؤالها، فقال لها: «خذي من ماله ما يكفيك أنت وولدك بالمعروف».
إذاً: سكت الرسول ﵇ عن هذه الغيبة؛ لأن المستغيبة مستفتية تُريد أن تعرف حكم الله بالنسبة لهذه الحال التي هي مع زوجها، فالزوج يبخل عليها، ولا يُقَدِّم لها ما يجب عليه لها، ولأولادها من النفقة، فهي تشعر أنها بحاجة أن تأخذ من ماله، ولكنها لا تُريد أن تُقْدِم على أخذ هذا المال إلا بعد السؤال للرسول ﵇، ومعرفة الحكم الشرعي في ذلك، وهذا من ورع الصحابيات وخوفهن من الله ، وأنهم لا يقدمون على شيء إلا بعد سؤال أهل العلم.
فالرسول ﷺ قال لها: «خذي أنت وولدك من ماله» بشرط ما يكفي.
أي: ليس معنى ذلك أن تأخذي مثلما تشائين، وتتصرفي كأن المال مالُك، لا، إنما خذي أنت وولدك ما يكفيك من ماله بالمعروف.
فالشاهد: هذا الحديث هو من جملة الأدلة على النوع الخامس الذي ذكره الفقيه الشاعر في بيته وهو قوله: ومستفت.
والسادس: ومن طلب الإعانة في إزالة منكر.
стр. 5856
قواعد الشريعة العامة التي منها قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
ومثله قوله ﵇: «مثل القائم على حدود الله والمُدّهن فيها، كمثل قوم ركبوا سفينة، فكانت طائفة في أعلاها، وطائفة في أدناها، تكاد هؤلاء الذين هم في أدناها يصعدون إلى أعلاها ليستقوا الماء» يعني فيه نوع من المشقة واللبكة.
«فقالوا: لو أننا حفرنا في قاع السفينة حُفْرةً واستقينا الماء مباشرة، فقال ﵇: فإذا أخذوا بأيديهم نجوا وأنجوا، وإذا لم يفعلوا أو تركوهم وشأنهم، أُهلكوا وهَلكوا».
«مثل القائم على حدود الله» يعني: الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر.
«والمُدّهم فيها كمثل قوم ركبوا في سفينة ... » إلى آخره.
فإذا كان هناك مثلاً محلة نظيفة من أماكن يرتادها الفساق والفجار، كالبارات والسينماهات والخمّارات ونحو ذلك، ثم بلغ أحدهم خبرًا بأن هناك شخص يريد أن يفتتح محلاً يبيع فيها ما لا يجوز شرعاً، كالخمر مثلاً ونحو ذلك، أو يريد أن يفتح دار سينما كما يقولون، في قرية لا تعرف هذه الملاهي كلها، وعلى ذلك فقس.
لكن هذا الرجل الذي بلغه الخبر، لا يستطيع أن يحول وحده بينه وبين ذلك الظالم، الذي عزم على أن يفتتح ذلك المكان المُحَرَّم، فيأتي إلى زيد وبكر وعمرو، ويحكي أن فلانًا يريد أن يفعل كذا وكذا.
هذا بلا شك هو النوع الأخير من الغيبة، وهو التعاون: «ومن طلب الإعانة في إزالة منكر»؛ لأنهم إن تركوا هذا الإنسان غرق هو وغَرِق السُّكان.
فبهذه الأشياء الستة يجوز للمسلم أن يستغيب أحياناً، إذا كان أولاً: ليس قصده الطعن في الرجل، وإنما قصده النُّصح للمسلم أو للمسلمين، فهذه قاعدة يجب أن نعرفها جيداً.
(الهدى والنور / ٢٧٨/ ٣٨: ٠٠: ٠٠)
стр. 5857
رجل يجب عليه سداد دينه في أوقات متفرقة، فما حكم أن يُفرض عليه دفع الدين كاملاً في أول موعد في حالة تأخره عن الدفع كعقوبة له
السؤال: استخدموا الآن في إثبات الدين الكمبيالات والشيكات، وقانوناً ...
مثلاً: يحق للإنسان أنه إذا استحقت وهناك كمبيالات بتواريخ معيَّنة، كأن يكون هناك كمبيال مثلاً بتاريخ ٣٠/ ١/ ... وواحدة بتاريخ ٣٠/ ٢ وهكذا، القانون ينص على أنه إذا جاء موعد الأولى وما سددت يستحق الجميع الباقي، يكون المال كله مُسْتَحَقّ في تاريخ الأولى، وبناء على ذلك يحق لك أنك تحجز على فلان المديون على محله أو تقاضيه أو ما شابه، هل هذا الفعل جائز؟
الشيخ: لا، ما يجوز على إطلاقه، فيجب أن يرفع الأمر، أمر هذا المتقاعس عن القيام بواجب الوفاء إلى الحُكَّام، فإن كان مُقَصّراً فممكن أن يفرض هو العقوبة التي يراها أنها تُصْلحه، أما أن يصبح نظاماً مطَّرداً فهذا لا يجوز طبعاً؛ لأن لكل حالة لَبُوسها.
(الهدى والنور / ٢٧٨/ ١٤: ٥٢: ٠٠)
رد القرض بعملة غير التي اقترض بها
سؤال: في مسألة القرض، كذلك أراد أنه يقترض من إنسان فاقترض منه المبلغ بالدينار مثلاً على أن يَرُدّه بالدولار، واشترط عليه المقرض هذا. هل هذا الشرط صحيح؟
الشيخ: لا؛ لأنه قد يكون يرتفع وينخفض، إنما لابد أن يرد له الدينار بقُوّته الشرائية يوم استقرضه.
مداخلة: ممكن هذا؟
стр. 5858
الشيخ: كيف يعني ممكن، تقصد يعني واقعياً وإلا شرعياً؟
مداخلة: شرعياً.
الشيخ: وهذا الواجب كيف لا، «خيركم خيركم قضاء، وأنا خيركم قضاء».
مداخلة: لكنه مشروط.
الشيخ: لو أنك أقرضتني مائة دينار قبل سنة, واليوم المائة دينار يساوي خمسين ديناراً، الخمسين دينار لا أشتري ما كنت أشتريه بمائة دينار اليوم من القمح والشعير واللبن وأشياء ضرورية من ضروريات الحياة، فضلاً عن غيرها، فلا يجوز لي أن أكون شكلياً ظاهرياً، فأوفيك مائة دينار وأقول لك: يا أخي أنا هذا الذي استقرضته منك، وهذا هو أنقده لك نقداً.
مداخلة: بس ما الضابط؟
الشيخ: الضابط هو: «خيركم خيركم قضاء، وأنا خيركم قضاء» «من أحسن إليكم فكافئوه، فإن لم تستطيعوا أن تكافئوه، فادعوا له حتى تعلم أن قد كافأتموه».
فهذا الذي أقرض إليك مائة دينار أحسن أم أساء؟ أحسن، أنت عندما وفيته في وقت انخفاض قيمة الدينار مائة دينار، أحسنت إليه أم أسأت؟
مداخلة: أسات.
الشيخ: هذا هو.
مداخلة: يجب أنه يُقَيّم بالذهب ..
مداخلة: إذاً: يكون على الوجوب وليس على الاستحباب.
الشيخ: لا، ليس على الاستحباب.
مداخلة: طيب، ولو أنه قَيّمه له بالدولار مثلاً؟ عند الأداء فقط مثلما يفعل بعض الناس.
стр. 5859
الشيخ: إذا عند الأداء تُعْطِيه من الدولارات ما يساوي قيمة مائة دينار شرائية يوم استلمها منه.
مداخلة: إذا كان اختلاف بالعملة؟
الشيخ: بالعملة نعم يكون بس. قلنا حينذاك إذا كان في التجارة ما يجوز، ولكن لوفاء الدين نعم يجوز.
مداخلة: تعبير هو التحريم أو الاجتناب؟
الشيخ: كل الدروب على الطاحون، فاجتنبوه، فهو محرم عليكم، كلاهما سواء ما في فرق.
(الهدى والنور/٢٨٥/ ٠٠: ٥٧: ٠٠)
مدين ينكر أن عليه مالاً للدائن فإذا تيسر لمن يدعي المال -الدائن- أن يختلس المال من المدعى عليه بغير إذنه فهل يحق له ذلك ؟
السائل: واحد من الإمارات كلفني بهذا السؤال، وهو كالآتي: -
ذهب هو وأخ له إلى بيت أحد أقاربه، فهذا أخوه غير ملتزم، فسرق أخوة غير الملتزم من بيت هذا الرجل قطعه من الذهب، كانت موضوعه على الطاولة، فلما ذهب إلى البيت عرف بأمر أخويه، فأخذها منه، وطبعاً تكلم معه بكلام يليق في هذا الأخ الغير الملتزم، ويسأل أنه هو نفسه هذا الشخص بِدُّه من الشخص المسروق من بيته مال، والشخص المسروق من بيته هذا قطعة الذهب، منكر هذا المال، لهذا الشخص وقطعة الذهب مع هذا الرجل، بقي لها عامين اثنين معه، فمش عارف كيف يتصرف، يبيعها ويأخذ ماله ويرجع له باقي المال إن زاد منها مال، بأسلوب أو بآخر، أو يرجع له هذه الإسورة لبيته أو يعني يصبر ويحتسب عند الله، بماله الذي أنكره صاحب البيت هذا؟
стр. 5860
الشيخ: اختلط عليّ بعض الأمر، فا لمسروق ماله.
السائل: لا يعرف من سرق.
الشيخ: إذاً: من الذي أتكلم معه كلاماً يليق به؟
السائل: اثنين إخوان ذهبوا لبيت قريب لهم، فأخ يصلي ونحسبه على خير، والأخ الثاني لا يصلي وعاده له عادات سيئة، من هذه العادات السيئة أنه وجد قطعة ذهب على الطاولة محطوطة في بيت هذا القريب، أخذها، لما ذهبوا للبيت.
الشيخ: أخذها بعلم أخويه؟
السائل: لا، أخوه ما يعرف، هما بالبيت.
الشيخ: مع أنه كانوا مع بعض؟
السائل: نعم، هما كانوا مع بعض، لما ذهبوا إلى البيت، فالجماعة طبعاً صاروا يدوروا على قطعة الذهب، عرف أن أخوه الذي أخذها ولأخيه عهد بالسرقات، فتوصَّل أن أخوه الذي أخذها، فأخذها منه، وكلّمه كلامًا بيليق فيه طبعاً، والأخ هذا الذي لا يصلي، في له مصاري.
الشيخ: أللي أخذ القطع الذهب من السارق من أخوة السارق؟
السائل: نعم.
الشيخ: له عند صاحب الذهب دين مثلاً.
السائل: نعم، وهذا الرجل منكر الدين الذي يريده منه هذا الرجل، فيقول هذا الرجل، هل أنا أبيع قطعة الذهب هذه وآخذ حقي منها، وأُرجع له الباقي بأسلوب
أو بآخر يوصلوا، وإلا أُرجع له قطعة الذهب ببيته أزوره، أَحُطُّها في أيِّ مكان وأخرج واحتسب أجري عند الله، في هذا المال إللي منكروه هذا الرجل؟
الشيخ: نورد نحن عادة أمام مثل هذا الجواب قوله عليه الصلات والسلام، «أَدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تَخُن من خانك»، السارق أخو الدائن؟
стр. 5861
السائل: نعم.
الشيخ: لوكأن السارق نفسه، بِدّه مثل ذلك الحق الذي ذكرته عن أخيه، بيسرق هذه القطعة الذهبية، بدعوى أنه له حق عند المسروق منه وهو منكر له، لا يجوز له أن يقابل إنكار المسروق منه بسرقة ماله؛ لأن هذا خلاف الحديث، المذكور آنفاً، «أَدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».
الواقع هنا السارق ليس هو الدائن، وإنما أخو هذا السارق، فهو تَكَلَّم كما قلت بما يليق بالسارق، ولكن أخشى أن يقع في مثل ما وقع السارق، لأنه إذا سرق سارقاً مالاً ما أو بضاعةً ما كما يقع الآن في الكويت، مع الأسف وصار هناك سوق نافقة في بغداد والكويت ربما، تُباع الحاجات بأبخس الأثمان، إذا عرف أن حاجةً ما هي مسروقة، فاشتراها إنسان بثمن، فيكون هو شريك السارق، إذا ما عرف أن هذا المال مسروق، فهنا هذا مثال، أو هذه الصورة تنطبق تماماً على هذا الأخ الذي أنَّب أخاه السارق على سرقته، ثم هو أخذ ما سرق لقمة سائغة، فهو شريكه في السرقة، والحالة هذه ولا يُشرع له ولا يُبَرِّر له سرقته، أن له حقاً عند المسروق منه، لا يشفع له هذا كما قلنا إنه لو كان السارق الأول له حق فما يجوز أن يصل إلى الحق المهضوم، بطريقه مخالفه للشريعة؛ لأنه الغاية لا تُبَرِّر الوسيلة، هذه قاعدة ليست قاعدة مسلمة، وإنما هي قاعدة كافره، هذا شيء، وهذا كله يقال فيما لو كان عند الرجل الثاني، الذي أخذ القطعة الذهبية من أخيه، لو كان عنده دليل شرعي، أن فلانًا بِدّه منه حق، لكن ما هي إلا مجرد دعوى منه، ولو أننا فتحنا مثل هذا الباب، كل ما واحد ادّعى أن له حقًا عند فلان وهو بيلف ويدور عليه، وبيأخذ الحق بتمامه وبدون زيادة، لكن خِلسة منه، إذا اضطربت الأمور تماماً، لأنه نحن نعلم أنه ليس مجرد ما يَدَّعي إنسان على زيد من الناس، أنه له حقاً عليه ثبت هذا الحق، صح.
السائل: نعم.
الشيخ: لا بد من إقامة البرهان والدليل، إتيان بشهود كما هو معلوم، هنا لا يوجد شيء من ذلك سوى أنه يَدَّعي، قد يكون هذه الدعوى إما تكون في أحسن
стр. 5862
احتمالات هو وارد، ويمكن هذاك دفع على الحق، أو يكون الحق الذي يَدّعيه أقل بكثير مما يَدّعي إلى آخره.
فلهذا فلا يجوز لهذا الأخ أن يفعل ما كان قادماً عليه، وعليه أن يُعيد هذه القطعة الذهبية، إلى المسروق منه، وأن يُذكّره بأني عاملتك بما عاملتني به، اتقاء لمخالفة الشريعة، ويذكر له هذا الحديث، ولعل في هذا التذكير تحريك له، بأنه يُقَدِّم إليه حقَّه المهضوم.
السائل: ولكنه يخشى المشاكل، فيقول إني أن أردت أن أُعيدها له بطريقة طيبه تكون حتى ما يعني يشك فيني أنا.
الشيخ: معليش معليش بأي طريقة، المهم أن يرجع الحق إلى أهله، واختيار الطريق هذا أمر ضروري.
السائل: طيب يا شيخ، ما هي الطريقه الشرعية لأخذ المال المُنْكر، الواقع بيد هذا الرجل؟
الشيخ: ما في غير إقامة الدعوى عند من يحكم بما أنزل الله، بالشرع.
السائل: وإن لم يحكم له بالشرع ووقع بيد هذا الدائن.
الشيخ: ما رجعنا لنفس الموضوع.
السائل: لا وقع بيده بأسلوب شرعي، مش بأسلوب سرقة.
الشيخ: كيف؟
السائل: يعني مثلاً إنسان استدان من إنسان عشرة دنانير، وهذا الإنسان بعد مُدّه أنكر العشرة الدنانير، ووقع في يد هذا الإنسان الدائن مبلغًا لهذا الإنسان، أو أكثر منه، فهل يأخذ حَقّه، ويُرجع له الحق الثاني؟
الشيخ: هي هي، بارك الله فيك، «أدِّي الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تَخُن من خانك»، ها العشر الدنانير إللي وقعوا في يد الدائن المهضوم والمُنْكَر حَقُّه، ماشي
стр. 5863
افترض أن ماله حق عند ذاك الرجل، فماذا يجب عليه، لما وقعت هذه العشر الدنانير في يده.
السائل: ظاهر الحديث أنه يُرجعها له.
الشيخ: هذا هو.
(الهدى والنور/٤٢٨/ ١٠: ٠٧: ٠٠)
(الهدى والنور/٤٢٨/ ٢٠: ١٥: ٠٠)
القرض من الحكومة الأمريكية هل يجب الوفاء به ؟
الشيخ: الدَّين من الحكومة الأمريكية، إذا اقترض الإنسان من الحكومة الأمريكية
يجب الوفاء أكثر من الوفاء للحكومة الإسلامية، واضح الجواب.
السائل: نعم.
(الهدى والنور / ٥٦٣/ ٤٤: ٠٨: ٠٠)
стр. 5864
الأعيان المنهي عن بيعها
стр. 5865
ثمن الكلب والسنور
السؤال: في حديث النبي ﷺ نهى عن ثمن الهر، فهل المقصود إذا قتل الهر؟
الجواب: لا، عن شرائه، كما نهى عن شراء الكلب.
السؤال: نعم، وجاء في حديث النبي ﷺ : «إلا كلب ماشية أو زرع أو طير».
الهر إذا كان يتخلص من الجرذان ويُخْرِجها، فهل يا تُرى يشارك الكلب في الاستثناء؟
الجواب: أنا لا أستحضر الآن، فهل أنت مستحضر أن هذا الحديث صحيح؟
السؤال: نهى عن ثمن ..
الجواب: الهر.
السؤال: نعم، وجاء السنور أيضاً.
الجواب: كيف؟ عفواً .. لكن تعرف أنه صحيح؟
السؤال: نعم.
الجواب: تعال لنرى هنا في «صحيح الجامع» و «ضعيف الجامع».
السؤال: في أبي داود يا شيخ، نعم.
الجواب: ما يكون صحيح لمجرد كونه في أبي داود!
السؤال: لا، أنت صححته عفواً.
الجواب: نعم، هذا المقصود.
السؤال: نعم، نعم.
الجواب: فهنا يتبين، المهم: إذا صَحَّ الحديث، فالمقصود النهي عن بيعه وعن شرائه، أما ما تفرع من هذا السؤال من السؤال الثاني حديث الكلب هو استثناء «إلا
стр. 5866
كلب صيد أو ماشية» من حيث عدم جواز الاقتناء، ليس مهم يا أخي قل لي صحيح وإلا لا؟
مداخلة: صحيح يا شيخنا.
الشيخ: هاه ما هو لفظه.
مداخلة: نعم «نهى عن ثمن الكلب وثمن السنور».
الجواب: طيب، السؤال الثاني: «إلا كلب صيد أو ماشية»، هذا النهي مستثنى من .. هذا الاستثناء مستثنى من النهي عن اقتناء الكلب، فقولك: هل يقاس الهر على الكلب غير وارد؟ لأنه «إلا كلب صيد أو ماشية» استثناء، استثناء من ماذا؟ من الاقتناء، والهر ليس كالكلب من حيث الحيثية، لأنك تعلم فيما أظن أن اقتناء الهر أو السنور يجوز بأدلة كثيرة، منها قوله ﵊ «إنها من الطوافين والطوافات» والكلب ليس كذلك.
فإذاً: أُريد إما أن نُصَحِّح السؤال أو أن نُلغي السؤال. أين وصل بنا الحديث؟
مداخلة: الهر والكلب.
الجواب: نعم، ماذا تريد أتلغي السؤال أو عَدَّلته؟
السؤال: نعم، أنا أقول لك يا شيخ في الواقع.
الجواب: وأنا أسمع لك.
السؤال: نعم، جاء بالفقه أن ما فيه نفع جاز بيعه، فكان هناك بعض الآراء والشروح التي تقول: إنه بما أن الفائدة موجودة في الهر لقتل الجرذان وغيرها، ولا يمكن إلا يعني بالقتل، فيُحْمَل النهي عن ثمن الهر، أنه فقط إذا قتل ليس في شرائه للتخلص من الجرذان، فهذا الذي فهمته وقرأته.
ولكن الآن بد لي من كلامك على أن القضية لا ترتبط بالكلب؛ لأن القضية ليست قضية النفع وإنما من باب الاقتناء، أي نعم.
стр. 5867
الجواب: وأنا أُوَضِّح لك أن الذي ذكرته عن بعض كتب الفقه خطأ.
السؤال: نعم.
الجواب: لأن الكلب يختلف عن الهر، لا يمكن للصياد مثلاً أن يستعين على الصيد بأيّ كلب، وإنما بكلب مُعَلّم، كما في إشارة بنفس الآية: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤].
السؤال: مكلبين.
الجواب: نعم، كذلك كلب الحراسة ليس أي كلب تأخذه من الطريق وتضعه في الحراسة.
أما السنور أو الهر فهو بطبيعته بسجيته، يصطاد الفئران ويلحقها وكذلك الحشرات ونحو ذلك، فلا يستوي الهر مع الكلب من هذه الحيثية، واضح؟
السؤال: نعم.
الجواب: يتفرع من التفريق بين كلبٍ وآخر، شيئان اثنان: أحدهما منصوص عليه بنص صريح، معلوم أنه من اقتنى كلباً غير كلب ماشية أو ضارية، نقص من أجره كل يوم قيراط، والقيراط مثل جبل أحد، جاء في بعض الأحاديث «إلا كلب صيد أو ماشية»، وفي بعض الروايات: «أو زرع»، أي نعم.
هنا وقع الخلاف: هل الكلب المستثنى من النهي، هل يجوز بيعه وشراؤه أم لا؟
لا شك أنه يجوز بيعه وشراؤه للمعنى الذي أشرت إليه مما نقلته عن الفقهاء، لكن الهر ليس كذلك، واضح؟
السؤال: نعم.
الجواب: إذاً: حينما يصح الحديث «نهى عن ثمن الهر» ينبغي أن يبقى على إطلاقه، أما الكلب فَيُقَيَّد في غير كلب الصيد والحراسة ونحو ذلك، واضح؟
السؤال: نعم، واضح.
стр. 5868
الجواب: تفضل.
(الهدى والنور /٢٠٩/ ١٥: ١٥: ٠٠)
(الهدى والنور /٢٠٩/ ٢٥: ١٦: ٠٠)
حرمة بيع الكلاب عدا كلب الصيد
عن جابر مرفوعًا: «نهى عن ثمن الكلب والسنور».
[روي الحديث] بلفظ: «نهى عن ثمن السنور والكلب، إلا كلب الصيد». أخرجه النسائي «٢/ ١٩٦» وقال عقبه: «ليس هو بصحيح». قلت: كأن النسائي يعني زيادة «كلب الصيد»، لتفرد حماد بن سلمة، ومخالفته للطرق المتقدمة ولغيرها مما يأتي، وللأحاديث الأخرى المحرمة لثمن الكلب تحريما مطلقا، مثل حديث أبي مسعود البدري، وهو مخرج في «الإرواء» «١٢٩١». لكن معنى الاستثناء صحيح دراية، للأحاديث الصحيحة التي تبيح اقتناء كلب الصيد، وما كان كذلك حل بيعه، وحل ثمنه كسائر الأشياء المباحة كما حققه الإمام أبو جعفر الطحاوي في «شرح المعاني» «٢/ ٢٢٥ - ٢٢٩»، فراجعه فإنه مهم، ولعله من أجل ذلك سكت - أعني الطحاوي - عن حديث حماد هذا، وقد رواه بإسناده عنه، ولا أراه جيدا، لأنه لا تلازم بين ثبوت الحديث دراية وثبوته رواية، فقد ينفك أحدهما عن الآخر، كمثل هذا، فإنه لم يثبت مبناه، ولكنه ثبت معناه بدليل خارج عنه، وعلى العكس من ذلك، فقد يكون الحديث صحيحا إسناده لا شك في ثبوته عن النبي ﷺ ، لكن يكون منسوخا كحديث: «إنما الماء من الماء».
السلسلة الصحيحة (٦/ ٢/ ١١٥٦).
تحريم بيع الخمر
[قال رسول الله ﷺ ]: «إن الله تعالى حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء، فلا يشرب ولا يبع».
стр. 5869
[ترجم له الإمام بقوله: تحريم الخمر وبيعها].
السلسلة الصحيحة (٥/ ٤٥٩).
تعريف الماء الذي نهى النبي ﷺ عن بيعه
عن إياس بن عبد الله المزني مرفوعًا:
«نهى رسول الله ﷺ عن بيع الماء». [صحيح]
[قال الإمام]:
لا شك أنه الماء المشاع الذي لا مالك له كمياه البحار والأنهار، بخلاف الماء الذي استنبطه صاحبه من أرضه بالآلة والحفر، أو من أرض موات أحياها بكده وجهده، ويشمل بعمومه ماء الفحل أيضًا.
صحيح موارد الظمآن (١/ ٤٥٨)
стр. 5870
نسبة الربح
стр. 5871
هل للربح نسبة معينة في الشرع
مداخلة: أحد الإخوة يسأل عن السؤال السابق: هل للربح نسبة في الإسلام؟
الشيخ: لم يأت في السنة تحديد الربح في أيِّ بضاعة، وذلك من كمال الإسلام؛ لأن بضاعة ما الواقع يفرض أن يكون الربح قليلاً، لِمَ؟ لأن الصرف من هذه البضاعة كثير مثل السكر والرز والطحين ونحو ذلك، كل يوم الناس يشتروا منه الناس كلهم أطنان.
لكن هناك أشياء لا يُبَاع منها ربما في الشهر إلا قطعة، قطعتين إلى آخره، فليس من الحكمة أن يوضع ربح لهذه المادة كذاك الربح للمادة الأولى.
لكن كُلّ ما يقال في مثل هذا السؤال أنه لا يجوز للبائع أن يغرر بالشاري، وأن يوهمه بأن الربح الذي يطلبه منه كما يقول بعض الناس من التجار .. يعني لتَّات يكذب، يقول: أنت رأس المال ما دفعت، رأس المال ما دفعت وهو كذاب، فهذا الأسلوب لا يجوز.
أما هو يعلم أن رأس المال مثلاً مائة، فيطلب مائة وعشرة ويطلب مائة وعشرين، لكنه لا يُغَرِّر بالشاري ولا يقول: غيرك دفع أكثر من هذا وما بعت، كلمات كثيرة معروفة.
فله أن يربح ما يشاء؛ لأنه إن كان طماعاً فسينكشف، سينكشف حينما يأتي زبون عنده أول مرة وثاني مرة، فلا بد فيما بعد أنه يتبين أنه كان يتحكم فيه بالسعر، ويأخذ منه سعراً أكثر من غيره، وحينئذٍ ستكسد بضاعته؛ لأن طبيعة الناس أن يُقْبِلوا على الشراء من التاجر الذي يبيع بأرخص الأثمان.
(الهدى والنور /٣٠٥/ ٤٨: ٤٩: ٠٠)
стр. 5872
حكم بيع التاجر للسلعة بغير تسعير الدولة
مداخلة: الشيخ الكريم مسألة أن في العراق يجري اتفاق بين المواطن وبين الدولة على بيع سلع مخصوصة بسعر محدد، على أن يبيعها بهذا السعر، ثم يريد المواطن الزيادة على البيع المقرر، هل في ذلك إثم؟
الشيخ: هذا ليس أمر جديد بالنسبة للنُظُم القائمة اليوم، أظنكم تعلمون جميعاً أن الأصل في بيع الحاجات أنه لا يجوز التسعير فيه، كما جاء في الحديث الصحيح لما طلبوا منه ﵊ التسعير قال: «المُسَعِّر الله».
وعلى هذا جرى العالم الإسلامي كله طيلة القرون الماضية، ثم ظهر نظام التسعير الإجباري بسبب النظام القائم في بلاد الكفر.
ولعل هذا بسبب أنه كان هناك شيء من الإجحاف، بالنسبة للذين يشترون الحوائج وليس هناك وازع شخصي؛ لأنهم كفار، فكان القانون الوضعي يوجب عليهم فعلاً أن يفرض على الشعب التسعير، فجرت الدول الإسلامية اسماً على هذا النظام الأوروبي، فسلكوا سبيل تسعير كثير من الحاجيات.
الفقه الإسلامي يُفَرّق، فيقول: الأصل عدم فرض التسعير على الشعب، إلا في ظروف معينة.
أي: إذا كانت هناك ظروف طارئة، توجب على الحاكم المسلم أن يراعي فيها مصلحة المسلمين، فحينئذٍ: الحاكم المسلم له أن يفرض نظام التسعير على الحاجيات الضرورية.
لكن أين هذا النظام الإسلامي في هذه الحكومات القائمة اليوم مع الأسف الشديد، فالآن هذا النظام عندكم هل هو طارئ أم كان من قبل، فإن كان موجوداً من قبل كما هو موجود في كثير من البلاد، حينذاك الجواب ينبغي أن ينطلق من القاعدة السابقة، الأصل عدم التسعير إلا لظروف طارئة.
стр. 5873
فإن فُرِض أن الذين وضعوا هذه التسعيرة راعوا في ذلك مصلحة الشعب، فيجب نحن أن نتلزم التسعير مراعاة للمصلحة، وليس تَمَسُّكاً بالنظام والقانون الحاكم.
أما إذا كانت المصلحة على خلاف ذلك، فبدهي جداً أنه لا يجب التزام هذا التسعير، وأنه بالتالي يجوز مخالفته.
وخلاصة الكلام، أنا لا أستطيع أن أقول: يجوز أو لا يجوز، لأني لست مُلِمًّا بالباعث على هذا التسعير.
ولكني أُعَلِّق القول بالجواز أو بعدم الجواز على تحقق مصلحة التسعير أو لا، فإن كانت المصلحة تتحقق بالتسعير وجب التزامه وإلا فلا.
(الهدى والنور/٤٧٢/ ٣٩: ١٥: ٠٠)
حكم اتفاق التجار على رفع الأسعار
مداخلة: طيب يا شيخ بالنسبة .. أن يتفق بعض من التجار على بيع السلعة بحيث تكون قيمة السلعة خمسة ريالات، ويتفقون جميعًا على بيعها بخمسين ريال، فما الحكم في ذلك؟
الشيخ: الاتفاق هذا لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ قال: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم بعض» فلا يجوز الاتفاق على رفع الأسعار، بل لا يجوز الاتفاق من الدولة على توحيد الأسعار إلا في ظروف معينة، وإلا فقد جاء في الحديث الصحيح: «أن بعض الصحابة قالوا: يا رسول الله! سعر لنا، قال: إن الله هو المسعر» فما بالك إذا اتفق الناس من التجار أن يستغلوا الناس ويغالوا في أسعار بضائعهم؟ !
(فتاوى رابغ (٢) /٠٠: ٥٩: ٠٥)
стр. 5874
حكم تحديد الربح
الشيخ: ليس هناك في الشرع ما يأمر التاجر بأن ربحًا مقننًا محدودًا، فلذلك فأي تاجر له أن يربح ما يشاء في حدود عدم الإجحاف في حق الناس المحتاجين لشراء بضائع منهم، فأنا قلت آنفًا: بأن التسعير من الدولة هو غير جائز إلا في ظروف معينة، من هذه الظروف: إذا تسلط الجشع على التجار، وظهر أنهم يسببون في رفع الأسعار، ففي هذه الحالة يمكن للدولة أن تتدخل وأن تفرض ربحًا محدودًا معقولًا، أما في الظروف العادية فليس لأحد أن يسعر، وليس هناك ربحًا محدد؛ لأن تحديد الربح لا يعقل أبدًا أن يفرض بأن البضائع التي تباع ليس من المعقول أن يحرز نسبة الربح المئوية، فهناك شيء يباع كل يوم بالأطنان، وهناك شيء لا يباع إلا في الشهر شيء أو شيئين كالحاجات كالخضر والفواكه وإلى آخره، هذه تباع كل يوم بالقناطير المقنطرة، أما مثلًا تجارة ونحو ذلك فهذا لا اعتبار بهذه الكثرة، ولذلك لا يؤخذ ليوضع مبدأ تحديد السعر فإن الله هو المسعر، لكن المسلم عليه أن يتقي الله وأن يكون رحيمًا بالمؤمنين ولا يغالي في الأسعار.
من أجل ذلك حرم الشارع الحكيم الاحتكار؛ لأن الاحتكار يساعد المحتكر على المغالاة في سعرها كسعر الاحتكار المحرم، أما حينما لا يكون هناك احتكار وتكون البضاعة مشاعة لجميع الناس يشترونها ويبيعونها فليس هناك سعر للربح محدد.
هذا ما عندي.
(فتاوى رابغ (٣) /٠٠: ٠٠: ٠٠)
стр. 5875
ليس معنى القول بأن الربح ليس محدودًا التوسع في وضع أرباح تثقل كاهل المشترين
الشيخ: الإنسان لما يقول: حكم الشرع والله الربح ليس محدودًا، ليس معناه أن الإنسان يُشَلّح الناس تشليحًا؛ لأنه سوف ينشلح هو، لما يريد هو يرفع نسبة الربح سوف يفقر هو.
لكن الشرع لَمَّا ما حدد الربح؛ لأنه تجارة ممكن تطلع ممكن تنزل، ثم الربح تعرف يختلف بالنسبة للشيء المباع، الشيء المباع إذا كان كل يوم الإنسان بحاجة إليه، بطبيعة الحال يكون ربحه قليل، وعلى العكس بالعكس تماماً، وهذا شيء معروف اقتصادياً، ومن الحكمة البالغة أنه ما فرض نسبة مُعَيّنة في الربح، كما يقول بعض الناس ينقلوا عن بعض المشايخ أن له الثلث فقط، ما فيه شيء في الإسلام هكذا إطلاقاً، وليس معقول في الواقع أن يكون هذا التحديد، لأنه رب إنسان عنده شيء يعتبر من الآثار القديمة، هذا ممكن يربح أضعاف مضاعفة، أدى الثمن أضعاف مضاعفة، وبالعكس الملح بضاعة متيسرة إلخ، يشكو التجار من الرز مثلاً، يشكو أنهم لا يربحون لهم إلا ربع دينار أو نصف دينار، أو لا يربحون.
فالشيء الذي يُسْتَهلك بكثرة بطبيعة الحال يكون ربحه أقل، فلما يقال: إن الربح غير محدود ليس معناه أن الإنسان ينطلق ويضع من الأرباح ما لا تطيق الناس؛ لأنه سوف ترجع الخسارة عليه في الحقيقة، لأنهم سوف يتركوه ويُفَتِّشوا عن غيره، أي نعم.
(الهدى والنور /١٤٧/ ٢٧: ٠٠: ٠٠)
حكم التسعير
مداخلة: الآن نعود إلى الأسئلة: يسأل عن حديث: «المسعر هو الله» يعني: هل هو صحيح؟
стр. 5876
الشيخ: نعم الحديث هذا صحيح، أي: الأصل عدم التسعير؛ لأن الله هو المُسَعِّر كما جاء في الحديث الصحيح في تمامه.
ومعنى هذا: أن تكون حرية البيع والشراء قائمة على ساق وقدم، ولا يجوز للحاكم المسلم حقاً أن يتدخل في السوق العام؛ ذلك لأن المجتمع الإسلامي يُقاد بنظام فيه .. ويُرَبَّى فيه وسيلتان اثنتان، إحداهما: تربية نابعة من قلب المؤمن فهو يتقي الله ولا يخالف أحكام دينه، والتربية ناشئة من الحاكم المسلم الذي المفروض فيه أنه يتحسس أحوال المسلمين، أو يتعرف على أحوالهم، ثم إذا وجد فيهم انحرافاً قَوَّمهم تارةً بلسانه وتارة بصوته وتارةً أخرى بسوطه، حسب الواقع الذي هو يطلع عليه أولاً، ثم يرى أن المصلحة الشرعية تقتضي نوعاً من تلك الوسيلة التي أشرت إليها آنفاً.
على هذا: البيع والشراء ينبغي أن يكون مطلقاً من الحاكم، ليس هناك قيد أو شرط؛ لأن ما جاء الله به على لسان نبيه ﷺ من قيود وشروط، هي كافية لتقويم المجتمع الإسلامي أن يمشي سوياً على صراط مستقيم.
لا بد أن بعض هؤلاء الأفراد الذين يعيشون تحت حكم هذا الحاكم المسلم .. المسلم حقاً قد يشذون ويخرجون عن الجَادَّة وعن الصراط المستقيم ولو في بعض الأحكام، هنا يتدخل الحاكم المسلم، ويَصْدُق فيه الأثر المروي عن عثمان بن عفان والله أعلم بصحته؛ لأننا نعتبره حكمة: «إن الله يَزِعّ - أي: يمنع - ويُرَبِّي بالسلطان، ما لا يزع بالقرآن» لأن القرآن إنما يُربي الناس المؤمنين فعلاً وحقاً، أما الذين في قلوبهم مرض أو زغل أو ضعف أو ما شابه ذلك، فهذا إنما يتولى تربيتهم السلطان.
هذا التسعير إنما منع منه شرعاً؛ هو لأجل أن الناس ينطلقون كما قلنا بوازع من قبلهم، مثلاً: قال ﵊: «لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق بعضهم من بعض» أي: البيع .. التسعير على حسب ما يرى صاحب البضاعة.
стр. 5877
وأنتم تعلمون النظام ما يُسمى بالنظام الاقتصادي خاضع للعرض وللطلب، فلا يجوز حد سعر معين لبضاعة ما؛ لأن بضاعة عن بضاعة تختلف وحاجة عن حاجة تختلف إلى آخره.
ولكن إذا فسد مجتمعٌ ما وخرج عن هذه الوسيلة الأولى .. التربية بالأحكام الشرعية خرجوا عنها، ولم يعودوا يلتزمونها أي: ويحكمون بمقتضى أحكام الإسلام، حينئذٍ للحاكم المسلم أن يُسَعِّر تسعيراً، ليس نابعاً من حكم شخص أو شخصين فقط، وليس لهم معرفة أولاً: بأحكام الإسلام، وثانياً: بنظام الاقتصاد في الإسلام، وثالثاً: بواقع حاجات هذا المجتمع الإسلامي.
وإنما ينبغي أن يكون هناك لجنة أو هيئة أو وزارة تجمع من كل الاختصاصات من أهل العلم، حينئذٍ هؤلاء يدرسون الوضع، فيُسَعِّرون أشياء ويطلقون أشياء على ما هو الأصل.
ولكن هذا لا ينبغي أن يكون نظاماً مستمراً، كما الشأن في بلاد الكفر .. تسعير على طول الخط، لماذا؟ هنا يبدو لكم السر في القسم الأول من التربية الإسلامية: هم ليس عندهم أحكام شرعية يلتزمونها .. ليس عندهم وازع نفسي وقلبي هي التي توجههم الوجهة الصحيحة؛ ولذلك أصبح نظامهم في التسعير بطريقة مستمرة دائماً وأبداً.
الحاكم المسلم كما قلنا في بعض الأحكام السابقة في الجلسة السابقة، أيضاً أن الأصل في كذا وكذا، لكن يجوز أحياناً الخروج عن هذا الأصل بمصلحة، كذلك نقول في التسعير: المُسَعّر هو الله، سبب هذا الحديث لعلي ما ذكرته آنفاً قالوا: «سعر لنا يا رسول الله، قال: الله المسعر» سعر لنا .. وهو الحاكم، قال: «المسعر هو الله» أي: الأصل أن التسعير ينبغي أن يكون هكذا من الله ، حسبما يرزق العباد كثرةً وقلةً وإلى آخره.
أما الحاكم المسلم، فلا يجوز أن يصير إلى التسعير إلا لظروف خاصة معينة وبهيئة علمية تجمع ذوي الاختصاصات المختلفة، نعم.
стр. 5878
مداخلة: وأظن عليه شيخنا! يُشرع أن يسمى عبد المسعر ..
الشيخ: نعم، نعم بالنسبة للاسم، نعم، إن الله هو المسعر.
مداخلة: نعم، حقيقةً؛ لأن هذا حتى يسمع الإخوان؛ لأن كثيرًا من التُّجار يخالفون عن تسعيرة الدولة، الدولة مثلاً تُسَعِّر هذه السلعة بدينار فالتاجر؛ لأنه يرى بأن هذا لا يُوَفِّي معه على رأيه يعني .. فيبيع السلعة هذه بدينار وخمسة قروش مثلاً، فطبعاً، لا شك أن هذا الخروج والمخالفة عن التسعيرة، لا شك أنه يُعَرِّضه للمسؤولية .. مسؤولية العقوبة، والعقوبة هنا تكون عقوبة صارمة أحياناً، قد لا يُعوض ما يدفعه لهذه المخالفة، أو بسبب هذه المخالفة من سنة .. لذا يا شيخنا أن هذه .. نعم.
الشيخ: أنا أقول: التسعير الذي يجب اتِّباعه عرفتم شرطه ولا أعيده، ولكن كما قلت بالنسبة للحاكم: إن عليه أن يراعي مصلحة الشعب الذي يحكمه ..
كذلك أقول بالنسبة للمحكوم، عليه أيضاً أن يراعي مصلحة نفسه، فإن كانت مصلحة نفسه تستوجب عليه أن لا يبيع بسعر التسعيرة الحكومية فله ذلك، لكن ينبغي أن يكون كذاك الحاكم، أي: هو لا يخرج عن النص: «إن الله هو المسعر» إلا لمصلحة، هذه المصلحة يراعي فيها مصلحة الشعب.
الآن هذا الفرد من أفراد الشعب، يرى كما جاء في السؤال السابق أنه إذا باع بثمن التسعيرة هو يتضرر، يا ترى! هو صادق في هذا القول؟ إن كان صادقاً فأقول أيضاً: يراعي هو مصلحته لكن ترى! هل مصلحته بأن يبيع بأكثر من التسعيرة دفعاً للضرر الناشئ من التزامه للتسعيرة، أم المصلحة تكون بأن لا يقع في تلك العقوبة .. هنا ينبغي أن يسدد وأن يقارب، هذا إذا كان صادقاً في قوله، وقد يكون الأمر ليس كذلك.
أي: مثلاً إنه يربح في كيلو من بضاعة كذا مثلاً .. يربح حسب بيعه الحر عشرة قروش أو عشر دنانير، هذا ليس مهم الموضوع، لكن الدولة سعرت أنه يربح دينار أو قرش مثلاً، فهو إذا يربح في هذا ليس يخسر، لكن هو يعتبر عدم ربحه العشرة
стр. 5879
مقام الخمسة اعتبرها خسارة ويقول: أنا لا يناسبني هذه التسعيرة؛ لأنه سيلحقني ضرر، ما هو الضرر هنا؟ ليس الخسارة وإنما خسارة الشيء من الربح، هذا ليس خسارة هذا ربح!
أنا في اعتقادي لعله أولى بأيِّ بائع وبأيِّ تاجر أن يبيع ولو ما كان هناك تسعير جبري، أن يبيع بسعر أقل؛ لأن هذا نابع من القناعة .. القناعة في الربح، والقناعة كنز لا تفنى كما جاء في الحديث الضعيف سنده، والمعقول معناه ومتنه، إذاً: أعطيتك الجواب إن شاء الله؟
مداخلة: الحديث أيّ كتاب موجود؟
الشيخ: ما هو هذا؟
مداخلة: «المسعر هو الله».
الشيخ: موجود في «سنن أبي داود» و «مسند الإمام أحمد» وغيره، والشيخ هنا يقول أيضاً: والترمذي، لكن أتبعها بقوله الله أعلم.
(الهدى والنور /٧٣٢/ ٢١: ١٨: ٠٠)
(الهدى والنور /٧٣٢/ ٣٥: ٢٥: ٠٠)
стр. 5880
الأصناف الربوية
стр. 5881
الأصناف الربوية
مداخلة: النبي ﷺ قال في السنة المطهرة «الذهب بالذهب والفضة بالفضة» إلى آخر الحديث، وذكر أصنافاً ستة.
وقد شاع في هذه الأيام بيع التمر والبر والشعير والملح ديناً، هذا شاع كثيراً، فهل هذا يدخل في الربا؟ أم أن هناك ترخيصاً؟ كذلك الشق الثاني من السؤال: هل الربا محصور على هذه الأصناف فقط، أم أنه يتعدى إلى غيرها؟ وجزاكم الله خيرًا.
الشيخ: طبعاً الجواب بإيجاز؛ لأني أخشى قبل أن نسمع انتقاداً من غيري أنا، أن نُنْتَقد أنا والسائل حيث لم يكن السؤال مطروحاً، أكذلك؟ طيب.
ولكن نُجيب إذاً بإيجاز: لا يبدو لي بالنسبة للسؤال الأول، أن هناك شيء من الربا؛ لأننا نعلم أن النبي ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي على آصع أو صيعان من تمر.
أما الجواب عن السؤال الثاني: فمعلوم اختلاف العلماء قديماً في حديث الربويات الست.
فالجمهور على أنه يُلْحَق بها أشباهُها، خلافاً لابن حزم ومن جرى مجراه ممن اقتنع بالوقوف على ظاهر الحديث وعدم الزيادة بشيء على هذه الأصناف الست.
نحن تَرَجَّح لدينا ما ذهب إليه الجمهور، لا لأني جمهوري؛ وإنما لأن الدليل الذي رأيته في صحيح البخاري وفي غيره، ألزمني بأن أكون مع الجمهور هنا، ألا وهو قوله ﵇: «وكذلك الكيل والوزن».
هذه الجملة التي ثبتت في صحيح البخاري، أشارت إشارةً لطيفةً يفقهها أهل العلم ومنهم استفدنا هذا الرأي وما ابتدعنا، أن العلة في الربويات هو ما كان كيلاً أو وزناً، وما لم يكن كذلك، فليس من الربويات في شيء، مهما تفاضلت صنف على صنف.
(الهدى والنور /٣٠٥/ ٤٠: ١٩: ٠٠)
(الهدى والنور /٣٠٥/ ٠٧: ٢١: ٠٠)
стр. 5882
بيع الأصناف الربوية بعضها ببعض
السائل: قرأت في «صحيح الجامع الصغير» عدة أحاديث للرسول ﷺ : «الذهب بالذهب والفضة بالفضة» وقرأت في البارح حديث رقم ثلاثة ألف وأربعمائة واثنين وعشرين أمور فيه: الدينار بالدينار، والدرهم وبالدرهم، المقصود بالدينار يعني هو دينار الذهب أم دينار آخر، أرجو البيان بارك الله فيك.
الشيخ: هو بلا شك في الحديث المقصود فيه الدينار الذهب والآن مع الأسف من جملة فساد النظم القائمة في بعض البلاد أنهم استعاضوا عن العملة الذهبية بالعملة الورقية وليتهم استعاضوا عن العملة الذهبية بالعملة الوَرِقِية وليس بالعملة الوَرَقية، وهذا يعود بنا للبحث فيما سبق آنفا هذه العملات الورقية ليس لها قيمة ذاتية لكن سُمِّيت بعض العملات بدينار وبعض العملات بريال وبعضها بالليرة نحو ذلك وهذه أمور اصطلاحية، فالظاهر أن الدينار حينما سُمِّي ديناراً كان المقصود بهذه التسمية أنها تساوي ديناراً ذهبياً، لكن تطورت الظروف والأحوال الاقتصادية حتى أصبح الدينار يساوي أقل بكثير من قيمته الحقيقية لذلك فالدينار المذكور في الحديث يجب أن يُقَوَّم دائماً بالنظر إلى انخفاض قيمة الدينار الورقي وارتفاعه نحن منذ سنين قريبة كنا نعرف أن الدينار الأردني بنحو ثلاثين دينار أردني أن نشتري ليرة ذهبية إما ليرة ذهبية كما يقولون قديماً وهذا أصبح عند الشباب اليوم مجهولاً ليرة ذهبية رشادية أو ليرة ذهبية انجليزية هذه عملات أصبحت الآن مفقودة.
الآن إذا أردت أن تشتري ليرة من هذه الليرات الذهبية وربما تحتاج إلى خمسين ستين دينار أو أكثر قد إيش؟ سبعة وخمسين ديناراً الآن يساوي ديناراً ذهبياً من هنا تختلف أو يختلف نصاب الزكاة فحينما يكون دينار الذهب رخيصاً إذا الإنسان مالك تقريباً على قد هذا الزمان من كان عنده أربعمائة دينار أردني فهو مالك
стр. 5883
للنصاب يعني نحو عشر جنيهات ذهبية رشادية الآن تريد أن تحوي أضعاف هذا المقدار حتى تكون مالكاً للنصاب لماذا لأنه نزلت قيمة العملة الورقية.
خلاصة الكلام: الدينار في الحديث هو الدينار الذهب بالعملة الورقية صعوداً وهبوطاً.
(الهدى والنور/٥٤١/ ٥٨: ٤٣: ٠٠)
هل تلحق بأصول الربويات (الذهب والفضة ... ) غيرها
[قال صديق خان]:
الحاصل: أنه لم يرد دليل تقوم به الحجة على إلحاق ما عدا الأجناس المنصوص عليها بها.
[فعلق الألباني]:
قد ذكرنا فيما تقدم حديثين تقوم الحجة بكل منهما إذا انفرد، فكيف إذا اجتمعا؟ !
وقد أفادا أن العلة هي الوزن والكيل؛ وفيها كفاية، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية في «الاختيارات»، فقال «ص ٧٥»: «والعلة في تحريم ربا الفضل؛ الكيل أو الوزن مع الطعم؛ وهو رواية عن أحمد».
[قال جامعه]:
قصد بالحديثين:
حديث عبادة وأنس، أن النبي ﷺ قال: «ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعا واحدا، وما كيل فمثل ذلك؛ فإذا اختلف النوعان فلا بأس به». [حسن لغيره].
حديث ابن عمر في «الصحيحين»، قال: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة: أن يبيع الرجل ثمر حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا، وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا،
стр. 5884
وإن كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام؛ نهى عن ذلك كله.
التعليقات الرضية (٢/ ٣٩٤)
الذهب الذي يحرم بيع بعضه ببعض
[قال الإمام]:
فائدة: قال في «الفتح» «٤/ ٣٠٢»: «ويدخل في الذهب جميع أصنافه؛ من مضروب ومنقوش، وجيد ورديء، وصحيح ومكسر، وحلي، وتبر خالص ومغشوش.
ونقل النووحي - تبعا لغيره في ذلك - الإجماع».
التعليقات الرضية (٢/ ٣٩٤)
стр. 5885
بيع ما ليس عنده
следующие страницы →