وإذا استرسلنا جئنا من الطابع إلى المُصَحِّح اليوم، إلى المؤلف، تظهر المسألة حينئذٍ أن هذه الناحية هي ناحية لا تتنافى أبداً مع الإخلاص لله في تأليف أي كتاب إسلامي.
حينئذٍ نأتي موضوع هذه المسألة، إذا جاز لهذا الطابع أن ينتفع بطبع هذا الكتاب مادياً، فكيف يجوز لطابع آخر أن يسرقه منه، وأن يستغل جهوده ويقول: هذا لي حلال.
لا شك أن هذا يُفتي بغير علم أولاً، وثانياً: يتبع هواه لمصلحته المادية.
فأنا أسأل الله أولاً أن ينفعنا ما يعلمنا وأن يزيدنا علماً، وأن يبعد الهوى عن أنفسنا؛ إنه سميع مجيب إن شاء الله.
مداخلة: شيخنا في تمام لهذه المسألة، تعليق هو بسيط، ونكتة بسيطة.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: أن الذي يفتي بجواز هذا، يضع على كتبه حقوق الطبع محفوظة.
مداخلة: [صورة مقاربة] تماماً لهذه المسألة بعض إخواننا الناشرين في مصر، هذا الشيء رأيته هناك لما سافرت هناك، يرى بعض الكتب التي شَحَّت طبعاتها وما أعيد طبعها، فيطبع منها مثلاً خمسين نسخة مائة نسخة، للإخوة طلاب العلم، ويربح ربحاً قليلاً يمشي شؤونه بها، فهل هذا كذاك أم يختلف عنه؟
الشيخ: لا، لا يختلف، ما دام يربح ما يختلف، لكن إذا طبعه لوجه الله هذا سبق الكلام عنه، لو طبع منه ألوفًا.
مداخلة: شيخنا، لو باع بسعر التكلفة، لكن هو ما ينفق عليها، سعر تكلفة الكتاب.
مداخلة: طالما أنه لا يربح بسعر التكلفة الشيخ قال جائز.
الشيخ: هو يقول بِدّه يُرجِع رأس ماله.
стр. 5952
مداخلة: نعم.
الشيخ: ليس هناك مانع.
(الهدى والنور / ٥٩٣/ ٣٨: ٤٥: ٠٠)
التكسب من وراء ريع الكتب
مداخلة: شيخ هناك سؤال فرعي، لكن وردت فيه الإجابات عرضاً أو جزء من إجابته، ولكن أحببت أن أسمعه مباشرة، وهو التكسب بالكتب، أو ليس أقول التكسب، يعني: ما حكم ريع الكتب يقرأها الإنسان ويؤلفها، هو ألفها قصده ابتغاء وجه الله ، وهذه القضية التي نسأل عنها أما غيرها فهذا شيء آخر.
الشيخ: نعم.
مداخلة: فهو إذا كان ألَّف كتاباً أو رسالة يبتغي بذلك وجه الله جل وعلا .. ؟
الشيخ: هو المسألة حقيقةً فيها دِقَّة متناهية؛ لأنه من المعلوم عند جميع العلماء، بل وطلاب العلم، أن الله لا يقبل من العمل الصالح إلا ما كان خالصاً لوجهه.
ومعلوم ما جاء في الكتاب والسنة مما يدور حول هذه المسألة الهامَّة، من ذلك مثلاً قوله ﵎: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
ولا شك ولا ريب أن طلب العلم هو كما جاء في بعض الأحاديث مؤكّداً لكونه من العبادات ومن العبادات التي تفوق في فضلها كثيراً من أنواع العبادات المَحْضَة، حيث قال ﵊: «فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع».
فإذاً: فالعلم لا يستفيد منه طالبه ولا ناشره، إلا إذا كان يبتغي من وراء ذلك وجه الله .
стр. 5953
وعلى ذلك فلا يجوز للمسلم أن يتقصد في تعليمه العلم الشرعي للناس كسباً مادياً، ومن أجل ذلك نجد في تراجم بعض حُفَّاظ الحديث، فضلاً عن بعض رواة الحديث، أنهم كانوا يُعَيِّرونهم بأنه كان يأخذ على تحديثه أجراً، ويقولون عن بعضهم إنه كان لا يقبل بالتحديث إلا مقابل حديث بدرهم أو درهمين.
يذكرون هذا في تراجم بعض المتقدمين وأنه حافظ وثقة وضابط وما شابه ذلك، لكن عيبه أنه كان لا يُحَدّث إلا مقابل أجر، ثم نجد بعض الحفاظ المتأخرين يدافعون عنه بـ «لعله كان فقيراً» كان محتاجاً .. إلى آخره.
فالذي لا شك ولا ريب فيه، أنه لا يجوز للمسلم أن يقصد بطلبه العلم ونشره للعلم شيئاً من حطام الدنيا.
لكن هنا وهنا الدقة، كتب الحديث التي الآن بدأ نشرها بطريقة التصوير بهذه الآلات العجيبة، هي نُسخت، ولا شك أن الذين كانوا ينسخون هذه الكتب أكثرهم كانوا ينسخونها بأجر يتفق صاحب الكتاب مع الناسخ.
ولذلك نجد بعض الكتب المخطوطة أو المُصَوَّرة من الخطوط المتعددة الأنواع والأشكال، السبب: أن الذي طلب النسخ وجد ناسخاً، واتفق معه على شيء، ثم لسبب أو آخر انتهى هذا الناسخ من النسخ، فتجد الخط اختلف فيما بعد، وهكذا ربما تجد في كتاب واحد وليس بالكتاب الكبير نحو ثلاثة أو أربعة خطوط، من ذلك مثلاً الكتاب الذي أظن وبهذه المناسبة هل علمتم بأن كتاب «الأنساب» لدمج (١) هذا، تم طبعه؟
مداخلة: تم.
الشيخ: تم نهائياً.
مداخلة: تم نهائي.
стр. 5954
الشيخ: كتاب «الأنساب للسمعاني» كان منذ سنين بدأ أحد الناشرين اللبنانيين الصوفيين وهو المعروف بدمج، هذا الكتاب أصله مصور في أوروبا، وعندي أنا صورة منه، تجد عديداً من الخطوط، وهو عبارة عن ثلاث مجلدات أجزاء ما هي بالكبيرة هكذا.
فالشاهد: الآن نسخ الكتاب، هذا هو غير العلم، فأخذ الأجر مقابل هذا النسخ ليس كأخذ الأجر مقابل التحديث بحديث مقابل درهم أو ما شابه ذلك.
فمادام دخل هنا عامل جديد وهو النسخ، ويلحق به الآن الطبع، ويلحق به الأصل وهو التأليف.
لكن هنا يقال: «إنما الأعمال بالنيات»، كما في الحديث المستفيض، هذا الذي ألف كتاباً من كتب العلم الشرعي، ولو كان تفسيراً أو حديثاً أو فقهاً، لابد من النظر على الباعث الأساسي الذي حمله ودفعه على هذا التأليف، إن كان يبتغي من وراء ذلك وجه الله ﵎ والأجر في الآخرة فهو ونيته، ولا يخدج في نيته حينذاك أن يأخذ مقابل نسخه وتأليفه أجراً.
لا فرق عندي إذاً: بين هذا المؤلف وبين ذاك الناسخ وهذا الطابع، علماً أن سلفنا الصالح ﵃ اختلفوا في أخذ الأُجْرَة بالنسبة لمن ينسخ المصحف، هل يجوز له أم لا؟
قولان: منهم من كره ذلك، ومنهم من أجاز ذلك، وفي هؤلاء من قال: إنه من أفضل الأعمال، وأنا أرى هذا الرأي الأخير؛ لأنه يُساعد على نشر كتاب الله تعالى، فهذا الذي يبدو لي بالنسبة لسؤالك وبارك الله فيك.
مداخلة: بارك الله فيكم وفي علمكم.
الشيخ: نعم.
(الهدى والنور / ٥٩٩/ ١١: ٣٠: ٠٠)
стр. 5955
حكم كسب الحجام
قال الحافظ في «الفتح»: «وذهب أحمد وجماعة إلى التفريق بين الحر والعبد؛ فكرهوا للحر الاحتراف بالحجامة، ويحرم عليه الإنفاق على نفسه منها، ويجوز الإنفاق على الرقيق والدواب منها، وأباحوها للعبد مطلقا، وعمدتهم حديث محيصة».
[قال الألباني]:
وهذا هو الحق، وكيف يصح حمل النهي على التنزيه؛ مع التصريح بأن كسب الحجام سحت كما تقدم؟ !
التعليقات الرضية «٢/ ٤٤٦»
أجرة الحجامة
مداخلة: السؤال الأول: بالنسبة للحجامة وأجرها، في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ نهى عن أُجرة الحجامة وقال: «كسب الحجام خبيث». وفي حديث آخر أن النبي ﷺ أعطى أجرةً للحجَّام، فهل واحد يشتغل بالحجامة وما يأخذ أُجرة وإلا كيف؟
الشيخ: نحن لا نقول حرام، نحن نقول كما قال الرسول ﷺ خبيث.
مداخلة: طيب، الله قال: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: فالله حَرَّم الخبائث؟
الشيخ: ما هي الخبائث المحرمة في الآية؟
مداخلة: يعني هنا نقيس.
стр. 5956
الشيخ: ما هي المحرمات المذكورة في الآية؟
مداخلة: والله نسيت.
الشيخ: نسيتها، إذا كنت نسيتها لا يجوز تدخل في جحر الضب.
مداخلة: طيب.
الشيخ: الآية المقصود فيها الأشياء المأكولات الحيوانات المأكولة، أما المكاسب فبيانها في الشرع من السنة، فالرسول ﷺ قال إن كسب الحجام خبيث، وهو أعطى الحَجَّام، فإذا أنت احتجمت فاقتد بالرسول ﷺ وأعط، أما الحجام فما ينبغي أن يأخذ أُجره.
مداخلة: يعني الحجام لا يطلب؟
الشيخ: لا يطلب ولا يأخذ.
مداخلة: كيف النبي ﷺ أعطاه وأخذ.
الشيخ: الله يهديك، قلت لك إذا احتجمت فأعط، وإذا كنت حجاماً فلا تأخذ، الرسول ﷺ يُعطِ؛ لأنه ليس كل عطاء يكون بالمقابل، لا يجوز إعطاؤه لمن لا يستحق، فالرسول ﷺ كان يأتيه الرجل ويسأله ولا يجوز له السؤال، فيعطيه ﵇ وحينما ينصرف يقول «إنما يتأبطها ناراً» فيقال له، لماذا تعطيه يا رسول الله؟ ! قال: يسألونني ويأبى الله عليّ البخل.
فالإعطاء إذاً في حالات يجوز بل قد يجب، لكن لا يجوز الأخذ، هل تصورت هذه الصورة؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: كذلك فيما نحن فيه.
مداخلة: يعني الحجام، إذا كان واحد حجام فلا ينبغي له أن يأخذ؟
стр. 5957
الشيخ: أي نعم.
(الهدى والنور/٦٦٤/ ٢٢: ٢٠: ٠٠)
(الهدى والنور/٦٦٤/ ٤٢: ٣٦: ٠٠)
حكم إعادة السلعة بعد الاستفادة من منفعتها
مداخلة: بشتري أي شيء قلم تلفزيون فيديو كمبيوتر أي شيء على الإطلاق يعني، أي شيء تشتريه يحق لك أن تعيد نفس الشيء بدون أعطال، كما اشتريته ترده وتأخذ الثمن الذي دفعته؟
الشيخ: طيب، هذول الذين يبيعون هكذا ماذا يستفيدون؟
مداخلة: والله لا أدري، هذا نظام البيع في أمريكا، في شيء تستطيع أن تعيده .. خلال مُدَّة مُعَيّنة شهر ثلاثة أشهر ستة أشهر، تستطيع أن تُجَرِّبه في هذه الفترة، فإن لم يعجبك أو لأي سببٍ من الأسباب، أحياناً يسألوا عن السبب، عن سبب الإرجاع وأحياناً لا يسألوا، وغالب الأحيان لا يسألوا؛ لأنهم يعتبروا هذا تَدُخّلاً في خصوصيات الناس.
الشيخ: فإذا سألوا وأجيبوا بجواب لم يرتضوه؟
مداخلة: لا يُعيدون.
الشيخ: لا يعيدون.
مداخلة: نعم، مثلاً: إذا اشتريت جهاز هاتف، وقلت لهم معطل، فإذا وجدوا أن العطل من الأصل، لم يتعطل بسبب المستخدم أو المشتري فيعيدوه ويعطوك الأموال، أما إذا اكتشفوا أن العطل حدث بعد عملية الشراء، فلا يعيدوه.
الشيخ: الآن صار الأمر معقولاً.
стр. 5958
مداخلة: نعم، أو إذا مثلاً قلت إنه لا يناسبني، فهذه لا يناسبني عامة وعائمة ليس لها معنى محدد، فهم في هذا الحين يقول طيب، أعطنا الجهاز أوأعطنا الغرض نُعطيك الأموال كاملةً غير منقوصة.
الشيخ: عجيب، طيب، فما هو السؤال.
مداخلة: السؤال هو أن عندنا برامج كمبيوتر تُخَزّن على أشرطة، بعض الإخوة يشتري هذه الأشرطة، مكتوب عليها بالإنجليزي حقوق الطبع والنسخ محفوظة، الإخوة يشتروا هذا البرنامج ويدفعوا ثمنه كاملاً، وعندهم الخيار إذا شاؤوا أن يُبقوا هذا البرنامج أو يرجعوه، هم يشتروا هذا البرنامج فينسخوه، ويعيدوه كما اشتروه من المحل، ويقولوا هذا لم يناسبنا أو هذا لم يعجبنا، أو إنه صعب أو إنه دون ما أريد .. إلى آخر، ذلك من الأسباب، قد يختلف .. وقد يكذب، وقد لا يكذب، يستخدم التورية يقول ما أعجبني، ما ناسبني، فبكل أدب وبكل صمت يعيدوا له الأموال، ويأخذوا هذا الشريط، عملية النسخ مع أنه مكتوب على الشريط حقوق الطبع محفوظة، عملية نسخ الشريط، أولاً شراء الشريط، نسخه، إعادته إلى المحل، أخذ الأموال بعد النسخ .. يعني نتكلم بكلمات فقهية، يعني أنت اشتريت العين والمنفعة، أخذت المنفعة أو نسخت المنفعة .. لم يتضرر إطلاقاً، لم يحصل للشريط أي ضرر، أو أي نقص وتعيد الشريط كما كان كما اشتريته تماماً، إلا أنك تستفيد من منفعة الشريط وتُخَزّنه على جهاز الحاسب، فوضح السؤال لحضرتك.
الشيخ: جداً.
مداخلة: فما هو حكم الشرع في هذا؟
الشيخ: يا أخي! هذا بلا شك مع الأسف كانت أخلاق الكفار فصارت أخلاق المسلمين، الرسول ﷺ أدّبنا وأحسن تأديبنا، وعَلّمنا وأحسن تعليمنا، وكان مما علمنا أن قال: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».
فلو أن مسلماً اشترى ذلك الشريط المكتوب عليه أنه لا يجوز نسخه، لو اشتراه ولم يعده، ولكنه استنسخ منه نسخاً وأخذ يُتاجر بها، هذا لا يجوز، فما بالك فبعد أن
стр. 5959
استنسخ منها نسخة أعاد الأصل منسوخًا منه، مُدّعياً نحو ما ذكرت من الكذب الصريح المكشوف، أو من التورية التي لا تجوز، ولا أتصور إلا أن يكون اقترن معها شيء من الكذب الصريح.
المهم أن هذه خيانة، لا يجوز للمسلم أن يقع في مثلها، ولكن مع الأسف الشديد، لقد سبق بعض المسلمين اليهود الذين منهم صدرت القاعدة المادية الجافة، وهي التي تقول: الغاية تبرر الوسيلة، فهؤلاء يُبررون أفعالهم، بأن فيه منفعة باستنساخ نسخة من ذلك الشريط وما أضررنا بالشريط، لكنهم يتجاهلون -ولا أظن أنهم يجهلون- أن الضرر أصاب صاحب الشريط؛ لأنه ما سَجَّل إلا وقد كلفه ذلك مبالغ طائلة، كما هو شأن بعض الناشرين الذين يطبعون كتاباً في مجلد أو أكثر، فقد كلفهم ذلك مادة، حيث صفوا الأحرف وصوروا و .. إلى آخره ونشروا، فيأتي الآخر ويأخذ ذلك لقمة سائغة، فيطبع الكتاب دون استئذان من المؤلف أو الناشر، هذا غدر وخيانة لا تجوز بالمسلم، وحسبك الحديث السابق: «أَدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك».
هذا الرجل باعك هذا الشريط على أساس ما تخونه، على أساس ما تستنسخ منه نسخة، فهذا الذي فعل فقد خان، ولا يجوز هذا في الإسلام البتة.
ولذلك فإذا كان عندك من المسلمين المتغربين عن بلدهم وعن إسلامهم ربما، انصحهم أن يقلعوا عن مثل هذه الاختلاسات.
مداخلة: إذا كان البائع نفسه، لا أقول يظن وإنما يعتقد أن من يشتري الشريط ثم يعيده قد يستنسخ منه.
الشيخ: الظن لا يكفي في هذا، ما دامت النسخة مطبوع عليها ما ذكرت آنفاً.
(الهدى والنور/٦٦٤/ ٥٤: ٣٠: ٠٠)
стр. 5960
هل يجوز سرقة ابن الزوج لمال زوجة الأب ؟ !
مداخلة: نعم .. سرقة ابن الزوج من مال الزوجة العاملة جائز؟
الشيخ: لا يجوز.
(الهدى والنور / ٦٩٤/ ٠٥: ٤٤: ٠٠)
حكم بيع (الإيشارب)
مداخلة: جزاك الله خيراً، شيخنا بارك الله فيكم يقول السائل: ما حكم من يبيع الإيشارب - الذي يوضع على الرأس يا شيخ - مع العلم أن الإيشارب بيعه للنساء اللواتي يخرجن فيه كاسيات عاريات، وكذلك الملابس الأخرى، وهو يرى المرأة التي تشتريه كاسية عارية؟
الشيخ: أظن جواب هذا السؤال يُفْهَم مما سبق بوضوح، ولكن قد يتطلب الأمر شيئاً من التوضيح .. الشيء الذي يباع كالإيشارب الوارد في السؤال، قد يستعمل فيما هو مباح، وقد يستعمل فيما هو محرم، فهنا يُنْظَر إلى الأمر بمنظارين اثنين:
الأول: إذا كان الغالب على استعمال المبيوع هذا، سواءً كان إيشارب أو غيره .. إذا كان الغالب على استعماله فيما حرم الله فبيعه حرام، وإذا كان الغالب استعماله فيما أباح الله فبيعه حلال، هذا المنظار الأول.
المنظار الثاني: ينظر إلى المبيوع له .. إلى الشخص الذي يباع له بنفس النظام السابق .. إذا كان يغلب على البائع أن هذا الشاري لهذه الحاجة، سيستعملها فيما حُرِّم فبيعه إياه حرام وإلا فحلال.
لا بد من هذا التفصيل حتى ما يكون الإنسان واقعاً فيما حرم الله باسم أنه حلال، أو على العكس تماماً.
(الهدى والنور /٧٣٣/ ٢٨: ٤١: ٠٠)
стр. 5961
ما موقفنا من المنكرات التي نراها في الأسواق
مداخلة: عند الذهاب إلى السوق واحد يرى كثيرًا من المنكرات، فما هو موقفنا منها هل ننكر عليهم؟
الشيخ: الجواب معروف عندك: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».
مداخلة: فإن استطاع الواحد أن ينكر بلسانه وهو ذاهب إلى السوق لشراء بعض الحاجيات، هل ينكر كل ما من يقابل ..
الشيخ: مكانك رواح! هو الجواب نفسه: من رأى منكم منكرًا فليغيره .. فإن يستطع .. إلى آخره، فهل يستطيع كلما رأى منكرًا؟ إما يستطيع أو لا يستطيع، فالجواب هو هو.
(فتاوى رابغ (٢) /٠٠: ٠٠: ٠٠)
أهل مكة أعلم بالموازين وأهل المدينة بالمكاييل
«حديث ابن عمر أن النبى ﷺ قال: «المكيال مكيال أهل المدينة, والوزن وزن أهل مكة» رواه أبو داود والنسائى. صحيح.
ومما يؤيد ما سبق من الترجيح أن المعروف أن أهل مكة أهل تجارة فهم بالموازين أخبر, بخلاف أهل المدينة, فهم أهل نخيل وتمر, فهم للكيل أحوج وبه أعرف.
والله أعلم.
[إرواء الغليل تحت حديث رقم «١٣٤٢»]
стр. 5962
هل يصح بيع المُسَلَّم فيه قبل قبضه أو الاعتياض عنه
[قال صديق خان]:
في «المنهاج»: «ولا يصح بيع المسلم فيه قبل قبضه، ولا الاعتياض عنه».
[فعلق الألباني]:
قلت: الظاهر جوازه؛ لأنه الأصل، والحديث المذكور ضعيف؛ فلا حجة فيه؛ على أنه لو صح لم يتناول محل النزاع، كما قال ابن القيم؛ لأنه لم يصرف المسلم فيه غيره، وإنما عاوض عن دين السلم بغيره، فأين المسلم فيه من رأس المسلم؟
وهذا اختيار القاضي أبي يعلى، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، قال:
«وهو الصحيح؛ فإن هذا عوض مستقر في الذمة، فجازت المعاوضة عليه؛ كسائر الديون من القرض وغيره - قال-؛ وهو مذهب الشافعي»؛ انظر «التهذيب» «٤/ ١١٧ - ١١٨».
التعليقات الرضية (٢/ ٤٢٩)
стр. 5963
اليانصيب
стр. 5964
حكم ما يسمى باليانصيب الخيري وحكم وضع الجوائز على شراء البضائع
مداخلة: بعض الناس يقول: إن هذه الورقة اليا نصيب ندفعها للفقراء، ومقابل هذا الدفع يأخذ سند قبض، يعني: هذه الورقة تعتبر سند قبض، فهل هذا الكلام صحيح؟
الشيخ: يسمونها بغير اسمها، اليانصيب الخيري، سبحان الله!
الرسول ﵇ أخبر عن أشياء نلمسها لمس اليد، قال: «ليكونن في أمتي أقوام يشربون الخمر يُسَمُّونها بغير اسمها» ثم اتسع الخرق على الراقع فأصبح كثير من المحرمات يسمونها بغير اسمها، وهذا أمر مشاهد، وابتلوا بها حتى الصالحين من المسلمين حتى أهل العلم، ما تكاد تسمع اليوم كلمة ربا؛ لأنه حَلَّ محلها كلمة الفائدة، البنك الفلاني أتوا بفائدة بالمائة خمسة، البنك الفلاني أتوا بالمائة اثنين ونصف، ما أحد يقول منهم يأخذ ربا، هؤلاء أهل العلم، فماذا نقول عمن دونهم.
لذلك: اتقوا الله، لا تستبدلوا الكلمات الشرعية بكلمات جاءتنا من الكفر، من بلاد الكفر من بلاد الضلال الذين وصفهم الله بحقٍّ في قوله في القرآن الكريم: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [التوبة: ٢٩].
فنحن تأثرنا بهؤلاء، فأصبحنا نسمي الأشياء بأسمائها غير الشرعية، فالربا نسميه فائدة، والرقص نسميه بالفنون الجميلة، والفن أيضاً إلخ.
كذلك نسمي القِمَار باليانصيب الخيري، هذا قمار، حظك ونصيبك يدخل خسر مليون ربح واحد مليون، مليون شخص اشتركوا كلهم خسروا، ما دفعوا سوى الذي أخذ مجموعة الأرباح هذه، هذا هو القمار نفسه، لكن من أجل تسليكه على الناس يسمونه باليانصيب الخيري، وانطلى الأمر على الناس.
стр. 5965
سؤال: السؤال نفسه مثلما ذكره بعض الإخوان، يعني: كان عنده بضاعة يريد يُرَوِّج هذه البضاعة، الذي أخذ علبة الحليب عليها مبلغ كذا جائزة، .... هل هذا يجوز؟
الشيخ: هذا له تفصيل، يساووها بالببسي وغيرها نفس الشيء.
هذه الحقيقة لها أنا ما أدري هم ماذا يفعلون، لكن من الناحية الشرعية أتصورها على وجهٍ من الوجهين: لو فرضنا هذا الببسي مثلاً كان يباع بقرش، فلمّا قرَّروا الجماعة جعل اليانصيب كما يقولون، أضافوا ربع قرش ثُمن قرش الذي هو إلى أصل الثمن الذي كانوا يبيعوه من قبل، من شان بهذه الإضافة يشتروا الجائزة، ويحطوها في قارورة أو اثنتين أو ثلاثة، بمعنى: ثَمَن الجائزة ما خرجت من كيسهم، وإنما خرجت من كيس الزبائن، فهذا يكون ربًا؛ لأنه [جمعوا من] عشرة آلاف شخص قيمة الجائزة باسم اليانصيب، أما لو فرضنا القضية بالعكس، تاجر له نظام، يربح من الحاجة التي هو يتاجر فيها بالمائة خمسة، قرّر في سبيل ترويج بضاعته وتجارته هذه أنه يُنَزِّل من الربح بدل بالمائة من الخمسة بالمائة أربعة، ووفر من كل قطعة مثلاً قرشًا، مجموع القروش التي تجمعت عنده، اشترى فيها حاجة وجعل يا نصيب حولها، هذه تسمى في لغة الشرع جعالة، لأنه بهذه الطريقة ما أخذوا زيادة من المتعاملين معهم، وإنما من كيسهم.
(الهدى والنور /٥٤/ ١٣: ٣٦: .. )
стр. 5966
الجمارك
стр. 5967
إعطاء مبلغ مالي لمسؤول الجمارك مقابل عدم أخذ جمارك على البضاعة
مداخلة: كما هو معروف عند دخول مطار من مطارات المملكة، يعني: في بعضها تأخذ جمارك فلو أعطي رجل الجمارك مبلغًا بسيطًا حتى لا يأخذ مني الجمارك على بضاعتي، فما هو الحكم؟
الشيخ: لا شك أن في الشريعة الإسلامية، هذا المكوس إنما هى ضرائب جائرة طبعاً، وهي من ضمن القوانين الجائرة في هذا الزمان.
إذا تَمَكَّن المسلم من التَخَلُّص منها بطريقة لا يلحق الدعوة أو الدعاة شيئاً من اللوم والمؤاخذة والتهمة لدينهم، فلا بأس في ذلك.
أما أن يَرْشي الموظف في الجمارك رشوة، في سبيل أن يتخلص من المفسدة التي هي أكبر قيمة من الرشوة، فهذا لا نراه جائزاً؛ لأن في ذلك تعليماً لهؤلاء الموظفين على ارتكاب ما حرَّم الله.
هذا واضح: إذا تَمَكَّن من الخلاص من الجمارك بدون رشوة، وبدون أن يُصاب المسلم بطعن في دينه وعرضه، فهذا جائز.
أما أن يأتي برشوة فكما تعلمون «لعن الله الراشي المرتشي».
(الهدى والنور / ٨٢/ ٣٣: ٢.: .. )
حكم إعطاء هدية لمسؤول الجمارك لكي يتهرب التاجر من دفعها
مداخلة: [التاجر يعطي مسؤول الجمرك هدايا حتى لا يأخذوا جمارك على البضائع فما حكم ذلك؟ ].
стр. 5968
الشيخ: الرجال عامل له رشوة، يعني؟
مداخلة: نعم نفس المعنى.
الشيخ: يعني: ما خرجنا من موضوع الرشوة.
مداخلة: نفس المعنى، لكنه بحيلة أخرى.
الشيخ: إنما الأعمال بالنيات كل الدروب على الطاحون، ما بيجوز يا أبو عاصم نُعَوِّد أنفسنا ونعود شعبنا على الرشوة ومخالفة الأحكام، وإن كانت القضية تختلف.
نحن قلنا بالنسبة للأمن ونظام البناء هذا لمصلحة الشعب، لكن فرض المُكُوس والضرائب يعني: فيه فرق كبير جداً، القوانين هذه التي تحدَّثنا عن بعضها كقوانين الأبنية، هذه ما بتخالفها الشريعة بل بتؤيدها، والرسول ﵇ كأنه وضع أصلاً لمثل هذا النظام حين قال: «إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع» فهذا نوع من التنظيم، الرسول قاله في زمانه، الشاهد، لكن فرض المكوس والضرائب التي لا تُفْرَض إلا على الكفار، فهذا النظام غير إسلامي بلا شك.
أنا عم بقول: إذا استطاع المسلم أن يتخلص من نوع من أنواع الظلم كهذا، بطريقة ما بيترتب من ورائها ضرر بجانب من الجوانب الأخرى، ما فيه حينذاك مانع، وتختلف المسألة في هذه الصورة عن تلك الصور تمام الاختلاف.
يعني: نقول بصراحة: زيد من الناس يريد أن يرشي بدون لَف ودوران، يريد أن يرشي موظفًا إيه الجمرك؛ لكي يُمَرّر بضاعة يجوز بيعها وشراؤها ونقلها وإدخالها وإخراجها شرعاً، لكن قانون المكوس يحول بينه وبين ذلك.
فأنا بقول: إذا كان هذا الإدخال بهذه الطريقة، لا يُمكن أن يمس دين هذا الإنسان، كأن يكون مثلاً يمثل أهل العلم، أهل الصلاح، أهل التقوى، فإذا ما
стр. 5969
انكشف أمره بتنصب أيش الشتيمة، ليس على الراشي وإنما على أهل الدين، أنتوا هيك، أنتوا كذا أنتو كذا إلى آخره في هذه الحالة هذه.
مداخلة: ما يجوز
(الهدى والنور /١٣٤/ ١٢: ٠٥٣: ٠٠)
هل الجمارك من المكوس المحرمة
مداخلة: حديث: «لا يدخل الجنة صاحب مكس» أولاً صحة الحديث، ثانياً موضوع المكس، كل هذا والإشارة إلى الجمارك التي تؤخذ الآن بأنها مكوس وأصل المكس، وإن كان ينطبق على المكوس المأخوذ الآن ..
الشيخ: أما الحديث فإسناده ضعيف، لكن هناك في ذم المكس ما يغنينا عن الحديث الضعيف، تذكرون معي حديث الغامدية التي زنت فرجمها النبي ﷺ ، ولعل بعض الناس أساؤوا القول فيها فقال ﵊: «لقد تابت توبة لو تابها أهل المدينة لوسعتهم» كما في رواية، وفي الرواية الأخرى: «لو تابها صاحب مكس لغفر له».
ففي هذا الحديث ذم الماكس، طبعاً المكس هي الضريبة، والمُكُوس هي الضرائب، ولا يُشْرَع في الإسلام حينما يكون إسلاماً مُطَبَّقاً ونظاماً مُحْكَماً، ليس نظاماً اسماً ليس مقروناً بالعمل، حينذاك سيجد المسلمون في شريعتهم ما يُغْنِيهم عن ضرائبهم ومكوسهم، ولكن مع الأسف الشديد صدق في عامّة حُكَّام المسلمين ولا أخص الحكام فقط بالذكر بل أَعُم معهم المحكومين، إنهم أعرضوا عن الحكم بما شرع الله، ولولا ذاك كان في شرع الله ما يغنيهم عما يُعْرف اليوم بالنُظُم والقوانين الغربية، منذ بضعة أيام قليلة كنا في جمع وجاءت المناسبة للتحدث عن البدعة، وهي كما تعلمون إن شاء الله جميعاً كلها ضلالة بنص حديث النبي ﷺ ، فَجَرَّنا البحث فيها إلى لفت النظر إلى أن هناك للبدعة خاصة أصولاً يجب أن يعرفها كل طالب علم، كما يجب أن يعرف أصول الفقه، وأن عدم الجمع بين هذين
стр. 5970
الأصلين أصول الفقه وأصول البدعة، يجعل الفقيه الأول يقع في الخطأ إن لم أقل الخطر، وكذلك العكس من كان عالماً بأصول البدعة، ولم يكن عالماً بأصول الفقه، كذلك يكون كالأول يقع في الخطأ إن لم أقل في الخطر.
والبحث ذاك كان طويلاً، ولا أُريد أن أشغل هذه الجلسة بإعادة ذلك البحث، ولكني أريد أن أتوصل إلى أنني تحدثت عن ما يعرف عند الفقهاء بالمصالح المرسلة.
وأقول متحفظاً: حينما أقول الفقهاء فلا أعني عامتهم؛ لأن المسألة فيها اختلاف، من أشهر الفقهاء الذين يقولون بالأخذ بالمصالح المرسلة هم المالكية، ثم يتلوهم الحنابلة.
والشاهد: أن هذه المصالح المرسلة هي قاعدة في الشريعة هامة جداً؛ لأنها تُساعد على استخراج أحكام جديدة لحوادث حديثة، لكن -وهنا الشاهد- من لم يضبط قاعدة الأصلين المذكورين آنفاً: أصول الفقه وأصول البدعة، ربما وقع أيضاً في الخطأ أو الخطر.
المصلحة المرسلة هي تشمل الحوادث والأسباب التي تَجِدّ مع الزمن، ويمكن أن يتوصل بها المسلم وبخاصة الحاكم إلى تحقيق مصالح للمسلمين، فهل هذه الوسائل التي يتحقق بها مصالح المسلمين هي تدخل بعامة أي: كلها في قاعدة المصالح المرسلة؟
الجواب: لا، لابد من التفصيل.
وصل بنا الكلام إلى أن المصالح المرسلة، وهي الأسباب الحادثة التي يُمكن أن يوصل بها أو بشيء منها فائدة ومصلحة للأمة، أن هذه القاعدة وهي المصالح المرسلة، لا يجوز الأخذ بها على إطلاقها، بل لابد من التفصيل، وهو كالتالي:
أولاً: يجب النظر في هذا السبب الحادث، هل كان المقتضي للأخذ به موجوداً في عهده ﷺ أم لا؟ فإن كان موجوداً ويظهر أنه لو طُبِّق حصل منه فائدة، ومع
стр. 5971
ذلك فالرسول ﵊ لم يأخذ بهذا السبب، حينذاك لا يجوز للمسلمين أن يأخذوا به بدعوى أن فيه مصلحة للأمة، وهذا أمر واضح؛ لأنه لو كانت هذه المصلحة شرعية كان قد جاء بها من نزل عليه الشرع كاملاً، كما قال ﵊: «ما تركت شيئاً يُقَرِّبكم إلى الله إلا وأمرتكم به» الحديث.
ومثاله: من الأمثلة المعروفة في كتب الفقه، ومثال آخر نذكره مما حدث في زمننا هذا: أما ما هو معروف في كتب الفقه، ومُنَبّه عليه على أنه لا يُشرع؛ للسبب الذي ذكرته آنفاً وهو أن النبي ﷺ ما أخذ به، ألا وهو الأذان لغير الصلوات الخمس، صلاة العيدين مثلاً تعلمون جميعاً أنه لا يؤذن لها، ولو أننا أردنا أن نُحَكِّم تلك العقول التي جعلت الإسلام لباً وقشراً لقالت: إن فيه فائدة، الأذان يوم العيد فيه فائدة، لأن الناس يكونون عادة غافلين عن هذا الوقت، وبخاصة أولئك الناس الذين يَهرعون أو يُهرعون إلى زيارة القبور في الصباح الباكر، يحملون معهم الأغصان الخضراء بزعمهم، فينتهي الكثير منهم عن أداء فريضة صلاة العيد، فلو أنه كان هناك أذان لَنُبِّهوا أحسن تنبيه، فماذا كان موقف الفقهاء جميعهم تجاه هذا الأذان؟
لقد أجمعوا والحمد لله على ما قَلّ ما يجمعوا على مثله وهو أنه بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
وليس الأذان لم يكن مشروعاً في ذلك العهد الأول وفي العهود التالية حتى اليوم والحمد لله باتفاق الفقهاء على بدعية الأذان، ولكن لم يكن أيضاً في العهد الأول الأنور ما يقوم مقام الأذان وهو كلمة الصلاة: الصلاة جامعة، أيضاً هذا لم يكن في عهد الرسول ﵇.
ومثل صلاة العيدين بل هو أهم منها، حيث يكون الناس إما في غفلتهم وانغماسهم في أعمالهم ودنياهم .. كذلك الأذان لبعض الصلوات التي تُشْرَع لمناسبة يكون الناس فيها في غفلتهم يعمهون، إما أن يكونوا في بيعهم وشرائهم وتجارتهم، أو يكونون غارقين في نومهم، أعني بذلك صلاة الكسوف والخسوف، إذا كسفت
стр. 5972
الشمس في النهار فَقَلَّ من ينتبه لهذا الكسوف، إذا خسفت القمر أو خسف القمر كما هو نص القرآن الكريم في الليل، فأكثر الناس نائمون، فلو كان الدِّين بالرأي وبالعقل، لكان هنا وقت تشريع ما تقتضيه المصلحة المرسلة؛ لإيقاظ الناس من نومهم لصلاة الخسوف، وتنبيه الناس من غفلتهم في النهار لِيَتَوجَّهوا إلى المسجد ويصلون صلاة الكسوف أو الخسوف، مع ذلك حتى اليوم لا أحد والحمد لله من علماء المسلمين يرى شرعية الأذان لهذه الصلوات، ما هو السبب؟
السبب هو ما ذكرتُه آنفاً: كان المقتضي لتشريع مثل هذه الوسيلة ألا وهي وسيلة الأذان قائماً في عهده ﵊، ومع ذلك فما سَنّ ذلك في المسلمين.
فتسنينا حينئذٍ هو ابتداع في الدين، هذا القسم الأول من المصلحة المرسلة أنه لا يُشرع الأخذ بهذه المصلحة، ما دام أن المقتضي للأخذ بما يُحَقّقها كان قائماً في عهده ﵊.
أما إذا لم يكن المقتضي قائماً في عهده ﷺ ، فهنا قد يتبادر إلى الذهن أن الأخذ بها مصلحة مشروعة، وليس الأمر أيضاً على هذا الإطلاق، بل على التفصيل التالي: هذا السبب أو كانت هذه الوسيلة التي إذا أخذ بها في زمن ما وحققت مصلحة للأمة، كان الموجب للأخذ بها هو تقصير المسلمين في القيام بشريعة الله ولو في بعض جوانبها، فحينئذٍ يكون الأخذ بهذه الوسيلة أيضاً كالوسيلة الأولى بدعة ضلالة، فلم يبق إلا القسم الثاني وهو الثالث، وهو ألاَّ يكون الدافع على الأخذ بهذه الوسيلة هو تقصير المسلمين، فحينذاك يُشْرَع الأخذ في هذه الوسيلة، ما دام أنها تُحَقِّق مصلحة شرعية.
تذكَّرت شيئاً أُنسيته ﴿وَمَا أَنسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ قلت في تضاعيف كلامي: إنني سأضرب للحالة الأولى مثلين اثنين، مثل قديم عالجه العلماء وهو الأذان لصلاة العيدين، ومثل حالي، فأُنسيت أن أذكر المثل الحالي وهو عملي في زماننا اليوم، حيث تعلمون أن أكثر المساجد مُدَّت فيها خطوط بدعوى تسوية
стр. 5973
الصفوف، هذا الخط مثال أيضاً واقعي للوسيلة التي تُحَقِّق مصلحة، فهل هذه من القسم الأول أم الثاني أم الثالث؟
أنا أقول: وضع الخط في المساجد العامة، هو كالأذان لصلاة العيدين وصلاة الاستسقاء والكسوف والخسوف، لا يُشرع، والسبب أنه مد الخط أمر مُيَسّر ولا يتخصص بهذا الزمن، لأنه ليس كاستعمال السيارة والطيّارة مما أخذ من جهود العلماء سنين طويلة حتى وصلوا إليها، فلا يجوز مد الخط في المسجد لهذا السبب: أولاً: أن الرسول ما شرعه وكان ميسراً له تسنينه، ثانياً: أن الاعتماد على الخطوط والخيوط الممدودة في المساجد، سواء كانت خطاً من خيط أو خطاً منسوجاً في البساط، فهو على كل حال خط، لو كان هذا مشروعاً لأخذ بالوسيلة البدهية وهو مد الخيوط كما يفعلون في أكثر المساجد، فهذا لا يُشرع لما ذكرته آنفاً في الأذان لهذه الصلوات، ولكن هناك شيء آخر ومهم جداً، وهو أن تمرين الناس وتعويدهم على أن يسووا الصفوف على الخط معنى ذلك أنهم إذا صلوا في مكان ليس فيه خط اضطربت صفوفهم ولن تستوي.
ونحن نعلم يقيناً أن النبي ﷺ كان يهتم كثيراً وكثيراً جداً في الأمر بتسوية الصفوف، ويبني على تنفيذ مثل هذا الأمر صلاح قلوب الأمة، وهذا أمر عظيم جداً، حيث كان ﵊ مما يقوله حينما يأمرهم بتسوية الصفوف: «لتُسوون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم» ولا شك أن أولئك المأمورين من أصحاب النبي الكريم، كانوا يتجاوبون مع الأمر الصادر منه ﵊ ويُسَوّون صفوفهم، فكيف كانوا يسوون صفوفهم .. على الخط، على الخيط؟ لا، كانوا يُسَوّون صفوفهم على خط وَهْمي، هم يحققونه ويجعلونه حقيقة واقعة، فيستوي صفهم وكما لو كان على الخيط، إن سمعتم بهذا التعبير، تسمعون يا أستاذ بهذا التعبير أم ما كنت معنا؟
مداخلة: أنا معكم.
الشيخ: تسمع بهذا التعبير.
стр. 5974
مداخلة: أي نعم.
الشيخ: طيب، لماذا؟ لأنهم كانوا يهتمون بتنفيذ أمر الرسول ﵇، ورسول الله ﷺ ما يسر لهم هذا الأمر الصعب تحقيقه فعلاً، كما يفعل اليوم بعض الأئمة أئمة المساجد أو بعض المسؤولين في وزارة الأوقاف، ما أدري من المسؤول حقيقةً عن هذه البدعة، لأن هذه بدعة يجب أن تكون بدعة ضلالة بإجماع الأمة، بما فيهم أولئك الذين يُقسمون البدعة إلى أقسام خمسة، لأن هؤلاء قد قالوا في البدعة الضلالة، إنها التي تخالف السنة، ولا شك أن مَدّ هذا الخط يخالف السنة، بدليل أننا إذا خرجنا إلى العراء لنصلي صلاة العيدين حسب السنة التي كان يخرج فيها إلى الصحراء أو نصلي صلاة الاستسقاء تجد الصفوف يعني شيء يدمي له الفؤاد تماماً، لا يُحْسِن الناس تسوية صفوفهم إطلاقاً، وبخاصة إذا كان الصف طويلاً مديداً على عرض الساحة التي اجتمعوا فيها للصلاة، لا يحسنون لماذا؟
لأنهم لم يتدربوا على تسوية الصف في المسجد ذو الجدران الأربعة، الذي يكون طوله مثلاً عشرة أمتار أو عشرين مترًا أو أكثر أو أقل، ولذلك فتكون تمرين الناس على تسوية الصف على الخيط صَدٌّ لهم على أن يعتادوا على هذه التسوية، دون التسوية التي كان يعتادها أصحاب الرسول ﷺ يوم كان يأمرهم في الحديث السابق، ومن مثل قوله ﵊: «سَوّوا صفوفكم؛ فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة» أو كما في بعض الروايات: «من حُسن الصلاة».
إذاً: مد الخط اليوم صحيح يُحَقِّق مصلحة لهؤلاء المصطفين في المسجد، ولكن المصلحة الكبرى تضيع بها، ولذلك لا تُشْرَع هذه الوسيلة، وإن كانت تُحَقِّق مصلحةً.
أعود لأضرب مثلاً للوسيلة التي يَحْسُن أن نجعلها للنوع الثاني من المصالح المرسلة، وهي التي وجد السبب، ولكن الدافع إلى إيجاده هو تقصير المسلمين بالقيام ببعض أحكام الدين، مثاله وهنا الشاهد .. أين أبو محمد. جزاك الله خيرًا طولت بالك علينا كثير، لأن بعد هذه المقدمة كلها سيأتي الجواب عن سؤالك.
стр. 5975
مداخلة: نسينا السؤال.
الشيخ: هنا يأتي البحث في الضرائب وفي المكوس، فأقول الآن ما هو المُسَوِّغ لتشريع إذا صح التعبير أيضاً ولنقل: إلى التقنين وفرض ضرائب على الأمة، ما هو الدافع؟
هو حاجة الدولة إلى أن يكون في خزينتها مال وفيرٌ لتقوم بمصالح الأمة، علماً كما نقول دائماً وأبداً، وكما قلنا في تلك الجلسة التي أشرنا لكم إليها آنفاً، وما تحدثنا بما وقع فيها من التفصيل حول البدعة، وإنما تسلسلت بالكلام حتى وصلتُ إلى هذه النقطة وهي المصالح المرسلة، فنقول: إن هذه الضرائب توضع لمصلحة الأمة ... وإن كان في هذه المصالح مفاسد لابد من التنبيه عليها.
فإن كثيراً من هذه الأموال التي تُجْمَع باسم الضرائب وباسم تحقيق مصلحة للأمة، تُصرف فيما فيه مَضَرَّة للأمة، لكن لا ينبغي أن نشتط في الحمل على هذا الصرف، فلابد أن قسطاً كبيراً من هذه الضرائب تُصرف فعلاً في مصلحة الأمة، كتعبيد الطرق وتمديد الجسور ونحو ذلك، لكن ما هو السبب الذي تدفع الحكومات الإسلامية على فرض الضرائب؟
السبب هو إهمالهم للقيام بكثير من الأحكام الشرعية، أول ما يتبادر إلى الذهن أن الحكومات الإسلامية كلها أو على الأقل جُلّها، لم تجعل نظام الزكاة نظاماً مفروضاً في حكمهم ونظامهم، وبذلك خسرت الخزينة الملايين المملينة من الأموال التي كان باستطاعتها أن تجمعها بطريقة شرعية.
فإذاً: خسرت الدولة هنا ولا شك أموال كثيرة، كيف يُعَوِّضون هذه الخسارة بفرض ما ليس فرضاً، بل وما لا يكون جائزاً في الإسلام ألا وهي المكوس.
وهناك سبب آخر ومهم جداً جداً، ولكنه لا يبدوا لكثير من أذهان الناس أنه واضح، وأن له صلة وثقى بما نحن في صدده، أنه من الأسباب الشرعية لتكثير مال الدولة ليس كنظام الزكاة، لكنه في اعتقادي قد يكون أعظم من نظام الزكاة في بعض الأزمان، ويقيناً هو أعظم من نظام الزكاة لو طُبِّق في هذا الزمان، ما هو؟
стр. 5976
الجهاد في سبيل الله، أقول: إن هذه الوسيلة لا ترتبط بداهة في الذهن أن لها صلة بهذا الموضوع، لكني أُذَكِّركم بحديث أول الجلسة، طرقتُ موضوع التشبه والجلوس على هذه المقاعد التي تجعل الإنسان يتكبر وهو لا يعرف التَكَبُّر، فيجلس هكذا متعنتراً إذا صح التعبير أيضاً.
فالمقصود ذكرت لكم في أول الجلسة بمناسبة التَشَبُّه والنهي عنه: «ومن تشبه بقوم فهو منهم» هذا طرف من الحديث الذي جاءت المناسبة الآن لأتلوه على مسامعكم بكماله وتمامه.
قال ﵊: «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يُعْبد الله وحده لا شريك له، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي» هل هذا الرزق يعنيه ﵇ هو رزقه، لا، هو يعني رزق أمته، «وجُعِل رزقي تحت ظل رُمحي، وجُعِل الذُّل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم» «بعثت بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم».
«وجُعل الذل والصغار على من خالف أمري» لِمَ؟ جاء بيان ذلك في قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. «وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري»؛ لأنهم إما أن يكونوا أهل ذمة فهم يدفعون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، وهذا من الأسباب القوية لإملاء خزينة الدولة بالمال الحلال لا بالمكوس المحرمة، وإن كانوا أهل حرب فذلك أغنى للمسلمين؛ لأنهم سيكسبون أموالهم ويسترقون رجالهم ونساءهم وصبيانهم، وكل هذه المكاسب بكل أنواعها هي مال للمسلمين يغنون بذلك.
стр. 5977
ولهذا لعلكم قرأتم في بعض التواريخ أنه حصل في زمن عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه، ما كاد يتحقق في زمنه نبوءة النبي ﷺ أنه يأتي زمان يخرج الغنيّ بزكاته فلا يجد من يأخذه، لأن المسلمين صاروا كلهم أغنياء.
إذاً: هذا مثال للسبب الذي يؤخذ به ويُحقّق مصلحة إسلامية، لكن الذي دفع إلى هذا إلى الأخذ بهذا السبب في الوقت الذي يحقق مصلحة إسلامية وهي غنى الدولة، هو سبب تقصير المسلمين في تطبيق شريعة رب العالمين.
أما السبب عن النوع الثالث.
مداخلة: النوع الثاني من البدع.
الشيخ: من البدع أيضاً غير مشروع؛ لأنه مخالفة للسنة، أما السبب الثالث الذي وُجِد المقتضي وليسوا مسؤولين عنه.
أي: لم يكن السبب هو تقصيرهم في تطبيق جوانب من دينهم، فهو الذي يبحثه «الإمام الشاطبي ﵀» في كتابه العظيم «الاعتصام» لأنه يتحدث هناك بتفصيل عن المصلحة المرسلة، فيذكر أن من المصالح المرسلة أن الكفار إذا هاجموا ديار المسلمين، ولم يكن في خزينة الدولة من المال المجموع بالطرق المشروعة ما يكفي لرد اعتداء هؤلاء الكفار، فحينئذٍ يجوز للحاكم المسلم أن يفرض فريضةً على أغنياء المسلمين وليس على فقرائهم، وهذه أيضاً فارقة عظيمة بين الضريبة التي يفرضها الحاكم المسلم، حينما يوجد السبب الشرعي لفرضها وبين المكوس التي تُفْرَض اليوم، فهي لا تميز بين غني وفقير.
ففي هذه الحالة، حالة غزو الكفار لبعض البلاد الإسلامية، يجب على الحاكم أن يجمع من أموال أغنياء المسلمين ما به يتقوى على رد اعتداء المعتدي، هذا ما يتعلق بالجواب عن المكوس.
(الهدى والنور /٤٨٠/ ٣٠: ١٤: ٠٠)
стр. 5978
حكم العمل في دائرة الجمارك
السائل: ما حكم العمل في دائرة الجمارك؟
الشيخ: بيقولوا في سوريا ابعد عن الشر وغنِّي له، ابعد عن الشر ما استطعت؛ لأن الرسول يقول «من حام حول الحمى، يوشك أن يقع فيه».
(الهدى والنور /٥٨٢/ ٠٦: ٣١: ٠٠)
البضائع التي تصادرها الجمارك هل يجوز شراؤها وبيعها ؟
مداخلة: هنا يسأل السائل أن الجمارك تقوم بمصادرة بضائع كثيرة لمن يخالف قوانينها المعمول بها، فهل يجوز شراء هذه البضائع ثم بيعها؟
الشيخ: هذه البضائع تصادرها الجمارك ثم تبيعها؟
مداخلة: أي على المزاد.
الشيخ: ما نعلم جواز ذلك؛ لأن المكوس هذه غير مشروعة.
(أسئلة وفتاوى الإمارات - ٣/ ٠٠: ٢٠: ١٤)
حكم إعطاء رشوة للتهرب من الجمارك
مداخلة: بعضهم الآن في البلاد الإسلامية وغير الإسلامية يأخذون ما يسمى بالإتاوة ويسمى حديثًا الجمركة وغيره، فبعضهم يقولون: أنه إذا كان التاجر مثلًا جاءته ضرورة بأن يعطي مثلًا .. يعني: ألزم بأن تؤخذ بضاعته أو يعطي ما يسمى .. هم يقولون: ليست رشوة وإنما يعطي مالًا حتى ينقذ بضاعته، أي: حقه؛ لأنه يعني: إسلاميًا وشرعًا، هو يجوز أن يتاجر تجارة حرة: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] فهل هذا إذا كان صحيحًا على إطلاقه بمعنى: أن يتوسع الإنسان في ذلك، فكلما أراد أن يتاجر مثلًا يعطي مالًا لهؤلاء الجمارك فهمت سؤالي؟
стр. 5979
الشيخ: مما لا شك فيه أنه ما يسمى اليوم من الجمارك وهي الضرائب هذه ليست مشروعة، والأمر لا يحتاج إلى بحث، ولكن هنا شيئان:
الشيء الأول: أن المسلم إذا كان له حق عند بعض الناس .. حق مقطوع بأحقيته، وليس حقًا نسبيًا، ولكن اقترن مع هذا الحق المقطوع به من صاحبه، أن المحتجز له ظالم باغ معتد لا يخرج هذا الحق ... لا يمكن الوصول إلى هذا الحق إلا بطريق إعطاء مال، حينذاك نعتقد أن تقديم هذا المال من صاحب الحق إلى المحتجز له الظالم جائز لصاحب المال أن يعطي هذا وليس في حقه رشوة، إنما ذاك الظالم إذا طلبه ليفلت الحق لصاحبه فهو بالنسبة إليه حرام ورشوة، هذه الصورة واضحة أعتقد؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: في المنطلق لفهم مثل هذه القضية إنما هو من ملاحظتنا لمعنى الرشوة، فإن الرشوة إنما هي إعطاء مال لإبطال حق أو إحقاق باطل، فالصورة التي ذكرناها آنفًا ليس فيها شيء من هذا، وإنما هو الوصول إلى الحق المهضوم، هذا ليس رشوة بالنسبة لمعطيه، وإنما هي رشوة بالنسبة للآخذ، واضح هنا؟
مداخلة: واضح.
الشيخ: طيب! نأتي الآن إلى معالجة المشكلة القائمة في بعض النظم القوانين ومنها الجمارك التي تفرض على بضائع المسلمين، فيعاملون فيها كما لو كانوا من غير المسلمين، ... فهذه بلا شك كما ذكرت آنفًا ليست من الأمور المشروعة، ولكن هنا يخرج الموضوع عن المثال السابق، فليس هناك حق محتجز عند شخص يريد صاحب هذا الحق أن يصل إليه بطريق إعطاء الرشوة هي للآخذ رشوة وللمعطي ليست برشوة، فالقضية هنا ليست كذلك، وإنما القضية هي للخلاص من هذا النظام الظالم.
فهناك موظف كما وصفتم وعددتم الصور وكلها تدور حول نقطة تختلف تمامًا عن النقطة السابقة، وهي: إعطاء الموظفين رشاوى من أجل مخالفتهم للنظام
стр. 5980
القائم، نحن لا نقر هذا النظام القائم بخصوص هذه الجزئية، فلا نريد أن نطلق الكلام على عواهنه فقد يكون هناك نظم الإسلام لا يخالفها ... مثل نظام السير مثلًا ونحو ذلك، فقيدت الكلام فأقول: حينما نفتح باب إعطاء الرشاوى لهؤلاء الموظفين لكي نستعمل حريتنا في التجارة على خلاف النظام الموضوع فهنا فالقضية تخرج عما ذكرته آنفًا إلى قضية تعويد الموظفين على قبض الرشاوى وليس للوصول إلى حق مهضوم وإنما إلى حق موهوب قد يصل إليه وقد لا يصل إليه ..
هناك صور أخرى: قد يدخل أحدهم ببضاعة ما إلى بلده بطريق عمرته مثلًا الرجوع من العمرة أو الحج، فهناك الجمارك تفرض الضريبة المعروفة عندهم، هذه طبعًا من الصورة تختلف عن بعض الصور التي ذكرتموها آنفًا اختلافًا ظاهرًا، فهنا يرد سؤال أيضًا مطروح: هل يجوز للمسلم أن يخبئ هذه البضاعة ويمررها إلى بلده حتى لا يطلع عليها الموظف هناك ويفرض عليه جمارك أو ضرائب، هذه الصورة نحن نقول: إذا كان الإنسان الذي يريد إمرار هذه الحاجة من أهل العلم أو الدين بحيث أنه إذا اكتشف أمره واكتشف تخبئته لتلك الحاجة قد يمس الدين بسببه، فحينذاك نرى من باب سد الذريعة لا ينبغي له أن يتعاطى التخبئة هذه.
وإذا كان الرجل من عامة الناس بحيث لا يمس الإسلام بسبب مخالفته فلا مانع إذا فعل ذلك من باب الخلاص من الظلم الذي سيصيبه فيما إذا اكتشفوا خبيئته.
هذا ما عندي من الرد.
(فتاوى جدة (٢٧) /٠٠: ٠٦: ٣٤)
стр. 5981
أخذ أجرة على القُرَب
стр. 5982
التَوَظُّف لتعليم القرآن، وكذا الإمامة وأشباهها
السائل: ما هو حكم التوظف لتعليم القرآن، وكذا الإمامة وأشباهها؟
الشيخ: لا يجوز للمسلم أن يطلب مثل هذه الوظيفة, فإذا طُلب منه، وكان أهلاً للوظيفة، جاز له أن يعمل فيها، شريطة أن لا يبتغي من وراء توظُّفه فيها أجراً غير أجر الآخرة, وما يأتيه من راتب لا يأخذه أجرة؛ لأن ذلك يبطل عمله لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البيِّنة: ٥].
فأن يطلب المسلم الوظيفة من هذه الوظائف الدينية، فذلك مما يُبْطِل أجره ..
السائل: والإمام والمؤذن ... كلهم سواء؟
الشيخ: الجواب سبق بوضوح، ومع ذلك سنجيبك حسب سؤالك.
الإمام والمؤذن والخطيب والمدرس وكل وظيفة دينية، لا يجوز للمسلم أن يأخذ عليها أجراً؛ لأن الأجر إنما يُبتغى من الله ، لكن يأخذ ما يأخذه راتباً وليس أجراً, راتب وظفته الدولة له، فيأخذه بحق انصرافه للقيام بهذه الوظيفة.
لكن لا يجوز أن ينوي في نفسه أن هذا أجر لقيامه بهذه الوظيفة, لأن هذه الوظيفة وظيفة عبادة وطاعة.
ولذلك جاء في الحديث الصحيح، أن وفد ثقيف لما وفدوا إلى النبي ﷺ لاحظ الرسول ﵇ وبعض الصحابة في بعض أفراد هذا الوفد واستعداداً واهتماماً بالدين.
كان من هؤلاء، الصحابي الجليل عثمان بن أبي العاص الثقفي، فقال له الرسول ﵇: «أنت إمامهم واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذِّنا لا يأخذ على أذانه أجراً».
وأظنكم تعلمون جميعاً أن الأذان شعيرة من شعائر الإسلام، والمؤذن كما قال ﵇ «المؤذنون يوم القيامة أطول الناس أعناقاً» لذلك؛ هذا المؤذن لا يجوز أن يقصد بأذانه المادة والأجر الدنيوي؛ لأنه إن فعل ذلك أذهب عنه الأجر
стр. 5983
الأُخروي، كما قال تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] العمل الصالح هو ما كان على وفق السنة، ثم يبتغي من وراء ذلك الأجر عند الله، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
فهذا المؤذن أو ذاك الإمام اذا ابتغى من وراء وظيفته هذه غير وجه الله فقد حبط عمله، ولذلك قال ﵇ في الحديث الصحيح «بَشِّر هذه الأمة بالرِّفعة والسناء والمجد والتمكين في الأرض، ومن عمل منهم عملا للدنيا فليس له في الآخرة من نصيب».
(الهدى والنور / ١٣٠/ ٢٣: ٤١: ٠٠)
حكم أخذ الأجر على تعليم الأولاد القرآن وعلومه وتحفيظه
مداخلة: الأجر على تعليم الأولاد القرآن وعلومه وتحفيظه لو ذكرت دليلاً في هذا الأمر جزاك الله خيرًا.
وإضافةً إلى السؤال في جمعية إحياء التراث، ننوي دعوة المحسنين لدعم رواتب مُحَفِّظين القرآن خارج الكويت، ونُعيِّن نصيبًا مثلاً أكفل محفظ أو معلم للقرآن بمبلغ عشرين دينار شهرياً، ثم ندعوا نتصل بالجمعيات الإسلامية في الخارج، ونحدد لهم هذا الأمر، وهم بالتالي يتعاقدون معه أو محفظين أو معلمين على هذا الأمر، في خلاف في الساحة؟
الشيخ: لا أعتقد أن في هذا الأمر إشكالاً من الناحية الشرعية، وإن كان هذا الواجب هو من واجبات الدولة.
لكن مع الأسف الدول الإسلامية اليوم، أو بعبارة قد تكون أدق: أكثر الدول الإسلامية لا تعطي هذا الجانب العناية اللائقة به، فإذا قام بذلك بعض الأفراد من
المسلمين، فإنما هو واجبٌ كفائيٌ يسقطونه عن رقاب الأمة، فهم يشكرون على ذلك، ولهم الجزاء الأوفى عند الله ﵎.
стр. 5984
فأقول: قيام بعض الأفراد من المسلمين بهذا العمل فهو عمل جليل، يسقطون به واجباً عن الدولة، وجمع التبرعات لهذا الصدد هو من باب قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢].
لكن الحقيقة التي ينبغي الدندنة حولها، ولفت نظر أفراد المسلمين إليها وبخاصة منهم: هؤلاء الذين سَيُرَتَّب لهم هذه الرواتب، أن يجعلوا عملهم خالصاً لله؛ حتى نخلص من مشكلة أخذ الأجر، لإنه لكثرة ما يتردد مثل ذاك السؤال: هل يجوز أخذ الأجر على تعليم القرآن وعلى إمامة الناس التأذين ونحو ذلك؟ أشعر شعوراً قوياً جداً، بأن الناس لا يُفَرِّقون بين ما يسمى أجراً، وبين ما يسمى راتباً أو تعويضاً.
وهذا التفريق أمر جوهري جداً؛ لأنه تختلف النتائج اختلافاً جذرياً بين أن يأخذ أجراً على عبادة، وبين أن يأخذ تعويضاً أو مكافأة أو نحو ذلك.
وقد يتوهم بعض الناس بأن المسألة شكلية، ما هو الفرق سميته أجر وإلا سميته مكافأة أو جعالة أو تعويضاً أو راتباً أو نحو ذلك، لا، الفرق كبير وكبير جداً، كالفرق بين من يخرج مجاهداً في سبيل الله يبتغي الشهادة في سبيل الله، وبين آخر يخرج للجهاد، ولكنه يصنع للكسب المادي.
ولذلك جاء الحديث المشهور الصحيح الذي افتتح الإمام البخاري الصحيح به: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه».
يذكر شُرَّاح الحديث، أن سبب هذا الحديث أن رجلاً خرج مع الرسول ﵇ للجهاد في سبيل الله في الظاهر، ولكن نيته كانت لعله يحظى بامرأة في تلك البلاد التي كانت الهِمَّة متوجهة لغزوها، وهي تعرف بأُمِّ قيس، فهو خرج للجهاد لعله يحظى بهذه المرأة، وصار ذلك معروفاً عند علماء الحديث بحديث مهاجر أم
стр. 5985
قيس، يعني: هذا هاجر بقصد الحصول على تلك المرأة، ولم يخلص النية في الهجرة أو في الجهاد في سبيل الله فسمي بمهاجر أم قيس.
قلت: لأن علماء الحديث يذكرون هذه المناسبة، وإن كانت هذه المناسبة لا يصح إسنادها على طريقة علماء الحديث، بخلاف أصل الحديث فهو واضح وثابت ثبوتاً يقينياً؛ لأن إسنادهم أولاً صحيح لا غبار عليه، وثانياً: لأن الأمة بأجمعها تَلَقَّت هذا الحديث بالقبول؛ حتى قال بعض العلماء كالنووي وغيره: هذا الحديث ثلث الإسلام؛ لأن الأعمال كلها تقوم على هذا الإخلاص الذي تضمن الحديث الحض عليه، «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ... » إلى آخر الحديث.
ولذلك ينبغي لفت نظر هؤلاء المعلمين الذين يساعَدُون بمثل هذه المساعدات، التي تُجْمَع من كثير من المحسنين، ألاَّ يعتبروا ذلك أجراً فيُحْبَط عملهم، وإنما هذا يعتبر جُعْلاً راتباً مكافأة مساعدة إلى آخره.
ولاشك أن العمل الواحد يختلف حكمه شرعاً باختلاف النية، ولذلك فلا ينبغي للمسلم أن يستصغر هذا التفريق بين أن يأخذ هذا المال أجراً، وبين أن يأخذه تعويضاً أو مساعدة، لا ينبغي أن يستصغر هذا التفريق؛ لأنه تفريق جوهري؛ ذلك لأنه من الثابت أن العمل الواحد يختلف أمره باختلاف النية.
ومن الأدلة على ذلك: الحديث الصحيح الذي فيه أن النبي ﷺ قال للفقراء حينما شكوا أمرهم إليه، وكانوا يغبطون الأغنياء على ما يقومون به من صدقات، مع مشاركتهم للفقراء في العبادات في الصلاة والصيام، لكنهم يتفوقون عليهم بالصدقات، فأجابهم ﵇ في القصة المعروفة بقوله: «إن لكم في كل تسبيحة صدقة، وفي كل تحميدة صدقة، وفي كل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة» هنا الشاهد. «قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدُنا شهوته وله عليها أجر؟ قال: نعم. أرأيتم إن وضعها في حرام، أليس يكون عليه وزر؟ قال: بلى. قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال يكون له عليها أجر».
стр. 5986
فإذاً: هذا قضى شهوته وهذا قضى شهوته، ذاك قضى شهوته وكتب له عليها أجر، والآخر: قضى شهوته كتب عليه وزر.
وبناءً على هذا التفريق بين نيةٍ والأخرى في العمل الواحد، فَصَّلَ بعض العلماء الكلام على الحديث السابق: «إنما الأعمال بالنيات» فضربوا بعض الأمثلة الموضِّحة في أهمية هذا النوع من الحديث، قالوا: لو أن رجلاً سَافَرَ ثم رجع إلى بلده، ودخل دارَه، وجامع أهله، وبطبيعة الحال الرجل المسافر يكون تائقاً لزوجته، لكن تَبَيَّن له بعد بأن هذه ليست الزوجة؛ لأمرٍ ما الزوجة ذهبت عند أهلها حَلّ محلها أختها أو امرأة أخرى إلى آخره، هناك يعني: وقع في الأمر الخطأ، لكن تَبَيَّن حينما جامعها في ظنه أنها حلاله، فهذا لا إثم عليه.
يقابله مثال آخر عكس هذا تماماً: رجل متزوج لكنه غير قانع بزوجته، فخرج ذات ليلة يبتغي قضاء شهوته مع بعض النساء، فلما دخل داراً كان يعرف أن هناك مومسات، فقدمت إليه امرأة طبعاً تحت أنوار خافتة قضى شهوته منها، وإذا بها هي زوجته؛ لأنه لما خرج من الدار لقضاء شهوته في الحرام، هي بدورها أيضاً خرجت تفتش عن مثل هذه الشهوة الحرام، فالتقى بها على غير معرفة، لكن هما زوجان، لكنهما آثمان، ولو أن أحدهما قضى شهوته من زوجته، وهي بالتالي قضت شهوتها من زوجها، لكن النية كانت في الحرام، فالأول مع أنه واقع غير حلاله، فهو غير آثم، والآخر: مع أنه واقع حلاله فهو آثم، لماذا؟ لقوله ﵇: «إنما الأعمال بالنيات».
فإذاً: رجلان يعلمان العلم الشرعي، أحدهما: مأجور والآخر: مأزور، وكلاهما لهما راتب، فيختلفان باختلاف النية.
ولذلك في اعتقادي أنه يجب أن يقترن مع هذا المشروع لفت النظر إلى هذه الحقيقة، وإلا بتكون القضية مساعدة على عدم الإخلاص في طاعة الله ، ومن ذلك تعليم الناس، ولكي يكون القائمون على هذا المشروع قد أحاطوا بالمشروع من الناحية الشرعية من جميع جوانبه، فكما أنهم يحسنون صنعاً حينما
стр. 5987
يسعون حيثياً في جمع هذه المساعدات؛ لتفريغ بعض الناس للتعليم أيَّ علم كان من العلوم الشرعية كما ذكرنا آنفاً، في الوقت نفسه يجب أن يتولوا توجيه هؤلاء المُعَلّمين إلى أن يخلصوا في تعليمهم لله رب العالمين، هذه ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين إن شاء الله.
مداخلة: شيخنا يعني: لو نُرْجِع البحث، المسألة من ناحية شرعية، أدلة على شرعية أخذ الأجر على التلاوة، والأدلة التي يعني: يظهر منها كما ذكرت، والشخص الذي أُهْدِي إليه قوس؟
الشيخ: لا تؤاخذني إذا قلت لك: لا أزال أسمع منك تكرر كلمة الأجر، فأنا أرجوا تعديلها؛ لأننا في صدد بيان أنه لا يجوز أخذ الأُجرة.
نحن نعلم من السيرة النبوية، أن المجاهدين تقسم عليهم الغنائم بطريقة مُقَنّنة معروفة في الشريعة، فلاشك أن هذه الغنائم التي تعطى لهم ليس أجراً لجهادهم في سبيل الله، وإنما هذا تعويض ومكافأة من الله على جهادهم في سبيل الله، ومع ذلك فالأمر فيه دِقَّة متناهية جداً.
قد جاء في صحيح مسلم أن المجاهد إذا غنم ذهب ثلثُ أجره، مع أنه لا يكون قاصداً في جهاده إلا وجه الله، فلأنه أُعطي هذا الكسب المادي، وهو لم يكن قاصداً له، وإلا يحبط عمله من أصله، يذهب ثلث أجره في الجهاد في سبيل الله ....
مداخلة: في على هذا حديث صحيح؟
الشيخ: الحديث في صحيح مسلم بهذا المعنى، أي نعم.
فنأخذ من هذا الحديث وأمثاله جواباً له شعبتان، من ناحية يجيز أخذ المال مقابل عبادة، إذا قام بها مخلصاً لوجه الله ، وقَدَّم إليه هذا المال، إما من الدولة الحاكم أو من ينوب منابه في القيام بهذه الواجبات.
ومن جهة أخرى: أخذ هذا المال قد يُقَلّل من ثواب عمله، ولو افترضنا في ذلك الإخلاص كله في طاعة ربه ﵎.
стр. 5988
فيضاف إلى ما سبق ذكره، أن الأصل في كل عمل يقوم به المسلم أنه جائز، وتحريمه يحتاج إلى نص خاص، ولا نجد في الشرع ما يحرم مثل هذا السعي في سبيل جمع الأموال؛ لتخصيص بعض الأفراد من المسلمين وتفريغهم للقيام ببعض الواجبات الدينية.
لهذا السبب: كان جرى عمل المسلمين حتى في القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية، فالقُضاة مثلاً والمفتون كلهم كانوا يعطون لهم لا نقول أجوراً وإنما رواتب، وكأنه هذا الراتب هو لما أشرنا إليه من المساعدة على التفريغ لهؤلاء الناس أن يقوموا بواجبهم بناءً على ما نشاهده من وقائع وتجارب، أنه مع الأسف بالنسبة لكثير من هؤلاء الأفراد الذين يفرغون لهذا العمل، أن إخلاصهم يأخذ يقل حتى ليكاد أن يضمحل.
لكن في هذه الحالة نحن لا نرى أن مثل هذا الواقع ينبغي أن يصرفنا عما قد نكون في صدد مساعدة هؤلاء الناس، على التفرغ لتعليم العلم الشرعي؛ لأننا نحن نقوم بواجبنا، وعليهم هم أن يقوموا بواجبهم، فإذا هم قصروا فما علينا نحن من مؤاخذة، لكن بالشرط السابق الذي ألمحت إليه، بأنه ينبغي تنبيههم على ضرورة الإخلاص لله في عملهم، هذا ما يحضرني جواباً على هذا السؤال الذي له شعبتان: شعبة جواز جمع الأموال في سبيل تفريغ بعض العلماء أو طلاب العلم في نشر العلم.
والشعبة الأخرى: هل يجوز لهؤلاء أن يأخذوا ذلك التعويض أو الراتب؟ نقول: نعم.
لكن لا يأخذونه أجراً، وإنما يأخذونه تعويضاً أو راتباً، هذا ما عندي والله أعلم.
(الهدى والنور / ١٧١/ ٤٩: ٠٢: ٠٠)
стр. 5989
أخذ الأجر على الأذان
السائل: بالنسبة للأجر على الأذان، الحمد لله إحنا كنا بنأخذ أجر رواتب، فلوس دنانير نأخذه يوم السابع والعشرين من الشهر، وإذا ما أخذناها لا بنأذن ولا بنداوم، يعني هيك أغلب الناس حمانا الله وإياك.
الشيخ: اللهم آمين.
السائل: فلو الشيخ يُبَيِّن لنا حكم أخذ هذه الرواتب والحالة هذه؟ علماً أنه بيخدم المسجد أيضاً؟ بيخدم المسجد بس يوم الثلاثاء، ما بيخدم المسجد؛ لأنها عطلة، إحنا نريد يعني ما يراه شيخنا حفظه الله.
الشيخ: أولاً: هناك خطأ لفظي يشترك فيه كل مؤذن أو موظف في الوزارة وزارة الأوقاف، ولو كان مخلصاً في وظيفته، فهو يشترك في خطأ مع غيره ممن هو قد لا يشاركهم في عدم الإخلاص، لكن يشاركهم في التعبير.
والإسلام من كماله وسعة دائرة فوائده، أنه جاء ليُصْلِح أيضاً ظواهر الناس وألفاظهم، وليس فقط بواطنهم وقلوبهم، جاءهم بكل خير، من ذلك قوله ﵇ «إياك وما يُعْتَذر منه» لا تكلمن بكلام تعتذر به عند الناس، «لا يقولن أحدكم خَبُثَت نفسي، ولكن لَقِست».
لقست وخبثت معناهما واحد، لكن لفظة الخبيث خبيثة، فصرف الرسول المسلمين أن يتلفظوا بهذا اللفظ، وأراد منهم أن يأتو بلفظة لطيفة تُؤَدّي نفس المعنى «لا يقولن أحدكم خَبُثت نفسي، ولكن لَقِست».
هذا يُؤْخذ منه أن الإنسان يجب أن يختار اللفظة والعبارة التي تُعَبِّر عمَّا ما في نيته تماماً، ولا يتكلم بكلام يقول والله أنا قصدت كذا، وهذا يقع كثيراً.
وإذا كان الأمر كذلك في الأمور العادية فكيف يكون الأمر في الأمور الدينية.
стр. 5990
ولا يجوز للمسلم أن يتلفظ بكلمة تتعلق بالله أو برسول الله ﷺ مما لا يجوز ولا ينبغي أن يقال، ولو أن نيته كانت حسنة.
هذه تَوْطِئَة لنقول: لا يجوز للمسلم أن يقول نحن نؤم الناس ونؤذِّن ونأخذ أجراً؛ لأن هذا يصدم الحديث السابق الذكر الذي أوصى به نَبِيُّنا عثمان بن أبي العاص حين قال له: «واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجرًا» فكيف يقول المسلم عن نفسه أنا آخذ على أذاني وعلى إمامتي أجرًا، الأصل أن يقال: ما حكم ما يأخذه الموظف في الدولة وظيفة شرعية كالإمامة والتأذين والخطابة ونحو ذلك، لنجيب على هذا فنقول: إذا أخذه على كونه أجراً، فهو إثم وهو سحت؛ لأنه لا يجوز للمسلم أن يأخذ على عبادةٍ يقوم بها أجراً عاجلاً من حطام الدنيا، وإنما يجب أن يبتغي بذلك وجه الله، كما قال الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
وقال ﵇: «بشّروا هذه الأمة بالرفعة والسناء والمجد والتمكين في الأرض، ومن عمل منهم عملاً للدنيا، فليس له في الآخرة من نصيب» فكل هؤلاء الموظفين في الوظائف الشرعية، يجب أن تكون نيتهم خالصة لوجه الله ، بعد هذا لا يهمهم إن جاءهم راتب من قِبَل الدولة، إذا هم لم يأخذوه أجراً.
السائل: رعاك الله.
الشيخ: ورعاك معي ومع الحاضرين جميعاً، لا ينبغي أن يأخذ ما يُرَتَّب له من راتب على أنه أجر، وإنما هو راتب فعلاً.
ونحن نعلم من التاريخ الإسلامي الأول، وبخاصة في عهد العمرين الأنورين عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، بأنهما حاولا أن يجعلا لكل مسلم كبيراً أو صغيرًا راتباً من الدولة، فالراتب من الدولة لا ينبغي أن يكون مقابل وظيفة يقوم بها الُمكَلف وإنما ينبغي أن يكون ... راتباً مجاناً، نستطيع أن نقول من قِبَل الدولة؛ وذلك ليعيش المسلمون في غنى عن الاهتمام بالدنيا، وينصرفوا للعمل بالآخرة.