Полный текст (8 195 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.
стр. 5986
فإذاً: هذا قضى شهوته وهذا قضى شهوته، ذاك قضى شهوته وكتب له عليها أجر، والآخر: قضى شهوته كتب عليه وزر.
وبناءً على هذا التفريق بين نيةٍ والأخرى في العمل الواحد، فَصَّلَ بعض العلماء الكلام على الحديث السابق: «إنما الأعمال بالنيات» فضربوا بعض الأمثلة الموضِّحة في أهمية هذا النوع من الحديث، قالوا: لو أن رجلاً سَافَرَ ثم رجع إلى بلده، ودخل دارَه، وجامع أهله، وبطبيعة الحال الرجل المسافر يكون تائقاً لزوجته، لكن تَبَيَّن له بعد بأن هذه ليست الزوجة؛ لأمرٍ ما الزوجة ذهبت عند أهلها حَلّ محلها أختها أو امرأة أخرى إلى آخره، هناك يعني: وقع في الأمر الخطأ، لكن تَبَيَّن حينما جامعها في ظنه أنها حلاله، فهذا لا إثم عليه.
يقابله مثال آخر عكس هذا تماماً: رجل متزوج لكنه غير قانع بزوجته، فخرج ذات ليلة يبتغي قضاء شهوته مع بعض النساء، فلما دخل داراً كان يعرف أن هناك مومسات، فقدمت إليه امرأة طبعاً تحت أنوار خافتة قضى شهوته منها، وإذا بها هي زوجته؛ لأنه لما خرج من الدار لقضاء شهوته في الحرام، هي بدورها أيضاً خرجت تفتش عن مثل هذه الشهوة الحرام، فالتقى بها على غير معرفة، لكن هما زوجان، لكنهما آثمان، ولو أن أحدهما قضى شهوته من زوجته، وهي بالتالي قضت شهوتها من زوجها، لكن النية كانت في الحرام، فالأول مع أنه واقع غير حلاله، فهو غير آثم، والآخر: مع أنه واقع حلاله فهو آثم، لماذا؟ لقوله ﵇: «إنما الأعمال بالنيات».
فإذاً: رجلان يعلمان العلم الشرعي، أحدهما: مأجور والآخر: مأزور، وكلاهما لهما راتب، فيختلفان باختلاف النية.
ولذلك في اعتقادي أنه يجب أن يقترن مع هذا المشروع لفت النظر إلى هذه الحقيقة، وإلا بتكون القضية مساعدة على عدم الإخلاص في طاعة الله ، ومن ذلك تعليم الناس، ولكي يكون القائمون على هذا المشروع قد أحاطوا بالمشروع من الناحية الشرعية من جميع جوانبه، فكما أنهم يحسنون صنعاً حينما
стр. 5987
يسعون حيثياً في جمع هذه المساعدات؛ لتفريغ بعض الناس للتعليم أيَّ علم كان من العلوم الشرعية كما ذكرنا آنفاً، في الوقت نفسه يجب أن يتولوا توجيه هؤلاء المُعَلّمين إلى أن يخلصوا في تعليمهم لله رب العالمين، هذه ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين إن شاء الله.
مداخلة: شيخنا يعني: لو نُرْجِع البحث، المسألة من ناحية شرعية، أدلة على شرعية أخذ الأجر على التلاوة، والأدلة التي يعني: يظهر منها كما ذكرت، والشخص الذي أُهْدِي إليه قوس؟
الشيخ: لا تؤاخذني إذا قلت لك: لا أزال أسمع منك تكرر كلمة الأجر، فأنا أرجوا تعديلها؛ لأننا في صدد بيان أنه لا يجوز أخذ الأُجرة.
نحن نعلم من السيرة النبوية، أن المجاهدين تقسم عليهم الغنائم بطريقة مُقَنّنة معروفة في الشريعة، فلاشك أن هذه الغنائم التي تعطى لهم ليس أجراً لجهادهم في سبيل الله، وإنما هذا تعويض ومكافأة من الله على جهادهم في سبيل الله، ومع ذلك فالأمر فيه دِقَّة متناهية جداً.
قد جاء في صحيح مسلم أن المجاهد إذا غنم ذهب ثلثُ أجره، مع أنه لا يكون قاصداً في جهاده إلا وجه الله، فلأنه أُعطي هذا الكسب المادي، وهو لم يكن قاصداً له، وإلا يحبط عمله من أصله، يذهب ثلث أجره في الجهاد في سبيل الله ....
مداخلة: في على هذا حديث صحيح؟
الشيخ: الحديث في صحيح مسلم بهذا المعنى، أي نعم.
فنأخذ من هذا الحديث وأمثاله جواباً له شعبتان، من ناحية يجيز أخذ المال مقابل عبادة، إذا قام بها مخلصاً لوجه الله ، وقَدَّم إليه هذا المال، إما من الدولة الحاكم أو من ينوب منابه في القيام بهذه الواجبات.
ومن جهة أخرى: أخذ هذا المال قد يُقَلّل من ثواب عمله، ولو افترضنا في ذلك الإخلاص كله في طاعة ربه ﵎.
стр. 5988
فيضاف إلى ما سبق ذكره، أن الأصل في كل عمل يقوم به المسلم أنه جائز، وتحريمه يحتاج إلى نص خاص، ولا نجد في الشرع ما يحرم مثل هذا السعي في سبيل جمع الأموال؛ لتخصيص بعض الأفراد من المسلمين وتفريغهم للقيام ببعض الواجبات الدينية.
لهذا السبب: كان جرى عمل المسلمين حتى في القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية، فالقُضاة مثلاً والمفتون كلهم كانوا يعطون لهم لا نقول أجوراً وإنما رواتب، وكأنه هذا الراتب هو لما أشرنا إليه من المساعدة على التفريغ لهؤلاء الناس أن يقوموا بواجبهم بناءً على ما نشاهده من وقائع وتجارب، أنه مع الأسف بالنسبة لكثير من هؤلاء الأفراد الذين يفرغون لهذا العمل، أن إخلاصهم يأخذ يقل حتى ليكاد أن يضمحل.
لكن في هذه الحالة نحن لا نرى أن مثل هذا الواقع ينبغي أن يصرفنا عما قد نكون في صدد مساعدة هؤلاء الناس، على التفرغ لتعليم العلم الشرعي؛ لأننا نحن نقوم بواجبنا، وعليهم هم أن يقوموا بواجبهم، فإذا هم قصروا فما علينا نحن من مؤاخذة، لكن بالشرط السابق الذي ألمحت إليه، بأنه ينبغي تنبيههم على ضرورة الإخلاص لله في عملهم، هذا ما يحضرني جواباً على هذا السؤال الذي له شعبتان: شعبة جواز جمع الأموال في سبيل تفريغ بعض العلماء أو طلاب العلم في نشر العلم.
والشعبة الأخرى: هل يجوز لهؤلاء أن يأخذوا ذلك التعويض أو الراتب؟ نقول: نعم.
لكن لا يأخذونه أجراً، وإنما يأخذونه تعويضاً أو راتباً، هذا ما عندي والله أعلم.
(الهدى والنور / ١٧١/ ٤٩: ٠٢: ٠٠)
стр. 5989
أخذ الأجر على الأذان
السائل: بالنسبة للأجر على الأذان، الحمد لله إحنا كنا بنأخذ أجر رواتب، فلوس دنانير نأخذه يوم السابع والعشرين من الشهر، وإذا ما أخذناها لا بنأذن ولا بنداوم، يعني هيك أغلب الناس حمانا الله وإياك.
الشيخ: اللهم آمين.
السائل: فلو الشيخ يُبَيِّن لنا حكم أخذ هذه الرواتب والحالة هذه؟ علماً أنه بيخدم المسجد أيضاً؟ بيخدم المسجد بس يوم الثلاثاء، ما بيخدم المسجد؛ لأنها عطلة، إحنا نريد يعني ما يراه شيخنا حفظه الله.
الشيخ: أولاً: هناك خطأ لفظي يشترك فيه كل مؤذن أو موظف في الوزارة وزارة الأوقاف، ولو كان مخلصاً في وظيفته، فهو يشترك في خطأ مع غيره ممن هو قد لا يشاركهم في عدم الإخلاص، لكن يشاركهم في التعبير.
والإسلام من كماله وسعة دائرة فوائده، أنه جاء ليُصْلِح أيضاً ظواهر الناس وألفاظهم، وليس فقط بواطنهم وقلوبهم، جاءهم بكل خير، من ذلك قوله ﵇ «إياك وما يُعْتَذر منه» لا تكلمن بكلام تعتذر به عند الناس، «لا يقولن أحدكم خَبُثَت نفسي، ولكن لَقِست».
لقست وخبثت معناهما واحد، لكن لفظة الخبيث خبيثة، فصرف الرسول المسلمين أن يتلفظوا بهذا اللفظ، وأراد منهم أن يأتو بلفظة لطيفة تُؤَدّي نفس المعنى «لا يقولن أحدكم خَبُثت نفسي، ولكن لَقِست».
هذا يُؤْخذ منه أن الإنسان يجب أن يختار اللفظة والعبارة التي تُعَبِّر عمَّا ما في نيته تماماً، ولا يتكلم بكلام يقول والله أنا قصدت كذا، وهذا يقع كثيراً.
وإذا كان الأمر كذلك في الأمور العادية فكيف يكون الأمر في الأمور الدينية.
стр. 5990
ولا يجوز للمسلم أن يتلفظ بكلمة تتعلق بالله أو برسول الله ﷺ مما لا يجوز ولا ينبغي أن يقال، ولو أن نيته كانت حسنة.
هذه تَوْطِئَة لنقول: لا يجوز للمسلم أن يقول نحن نؤم الناس ونؤذِّن ونأخذ أجراً؛ لأن هذا يصدم الحديث السابق الذكر الذي أوصى به نَبِيُّنا عثمان بن أبي العاص حين قال له: «واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجرًا» فكيف يقول المسلم عن نفسه أنا آخذ على أذاني وعلى إمامتي أجرًا، الأصل أن يقال: ما حكم ما يأخذه الموظف في الدولة وظيفة شرعية كالإمامة والتأذين والخطابة ونحو ذلك، لنجيب على هذا فنقول: إذا أخذه على كونه أجراً، فهو إثم وهو سحت؛ لأنه لا يجوز للمسلم أن يأخذ على عبادةٍ يقوم بها أجراً عاجلاً من حطام الدنيا، وإنما يجب أن يبتغي بذلك وجه الله، كما قال الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
وقال ﵇: «بشّروا هذه الأمة بالرفعة والسناء والمجد والتمكين في الأرض، ومن عمل منهم عملاً للدنيا، فليس له في الآخرة من نصيب» فكل هؤلاء الموظفين في الوظائف الشرعية، يجب أن تكون نيتهم خالصة لوجه الله ، بعد هذا لا يهمهم إن جاءهم راتب من قِبَل الدولة، إذا هم لم يأخذوه أجراً.
السائل: رعاك الله.
الشيخ: ورعاك معي ومع الحاضرين جميعاً، لا ينبغي أن يأخذ ما يُرَتَّب له من راتب على أنه أجر، وإنما هو راتب فعلاً.
ونحن نعلم من التاريخ الإسلامي الأول، وبخاصة في عهد العمرين الأنورين عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، بأنهما حاولا أن يجعلا لكل مسلم كبيراً أو صغيرًا راتباً من الدولة، فالراتب من الدولة لا ينبغي أن يكون مقابل وظيفة يقوم بها الُمكَلف وإنما ينبغي أن يكون ... راتباً مجاناً، نستطيع أن نقول من قِبَل الدولة؛ وذلك ليعيش المسلمون في غنى عن الاهتمام بالدنيا، وينصرفوا للعمل بالآخرة.
стр. 5991
فإذاً: هنا نستطيع أن نقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» فمن أخذ هذا الراتب على أنه أجر فهو آثم، وهو ما يأخذه فهو سحت، ومن أخذه من باب الراتب والتعويض عما يفوته، فلا بأس من ذلك إن شاء الله ما دام أنه في قلبه مخلص في عبادته لله .
ولكن هنا لا بد من التنبيه على أمور تَدِقّ، ومن دقتها تخفى على بعض هؤلاء الموظفين في بعض الوظائف الدينية، من ذلك مثلاً أنني أرى بعض هؤلاء الموظفين لا يواظبون على أداء وظيفتهم في بعض الأيام، فأسأل فَأُجاب بأنه مُجَاز فأقول مجاز هذا في الوظائف الدولة غير أيش، غير الوظائف الدينية، شو مجاز؟
السائل: لا، والسبت كمان.
الشيخ: فهذا المجاز غلب عليه أحد شيئين وأحلاهما مر؛ المر أنه تأثر بعادة كل الموظفين، فالموظفين هذا الذي بالبنك وهذا الذي بالضرائب وهذا الذي بالجمارك وإلى آخره، هؤلاء لهم إيش؟ إجازات، فغلبت عليه هذه العادة عند الآخرين، فهو يقولها هكذا عفوًا.
الآخر: هذا مرّ لأنه يتعلق بالألفاظ التي أشرنا آنفاً، إلى أن الشارع الحكيم هَذَّبنا وأدّبنا وأحسن تأديبنا، ونهانا عن أن نتلفظ بشيء ما ينبغي أن نتلفظ به هذا مُرّ، والأَمَرّ أن يكون واقعاً يستسيغ هذه الإجازة، ومعنى ذلك أنه يستسيغ عدم القيام بالطاعة، هذا هو تفسير هذه الإجازة في العبادات الدينية، الذي يصلي بالناس إماماً له أجر من يصلي خلفه، إيش معنى قوله أنا مجاز ولا يصلي إماماً، والذي يُؤَذِّن وقد عرفتم فضائله، وهناك حديث يقول «من أذَّن لله سبع سنين» نسيت أيش الفضل الذي جاء في الحديث .. الشاهد: لا يجوز للموظف وظيفة دينية، أن يُنْعَش بالإجازة التي يعطيها الأوقاف له، ويتمتع بها وهو في غير حاجة لها، أريد أن أُقَيّد كلامي السابق، حتى لا يُفْهَم على إطلاقه، وقد يكون الرجل رب عائلة، ولا يتمكن بالقيام ببعض لوازم بيته أو أهل بيته إلا في وقت الإجازة، ما في مانع بذلك، ولولم يُجَز رسمياً ما في مانع أن يجيب عنه شخص يصلي بديلاً عنه أو يؤذن أو يخطب إلى
стр. 5992
آخره، لأن له عذراً شرعياً، وفي هذه الحالة ليس بحاجة إلى أن يأخذ إجازة نظامية أو روتينية كما يقولون، فهو ليس بحاجة يشعر أنه ليس بحاجة إليها، مع ذلك هو يتمتع بهذه الإجازة التي يتمتع بها كل الموظفين، فيجب أن يشعر هذا الموظف أنه ليس كسائر الموظفين، هذا الموظف إذا صح التعبير عند الله في وظيفة من الوظيفة الدينية، فكيف ينسى هذه الفضيلة، وهذه المنقبة ويتجاهلها ويقول أنا مجاز، هذه ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين.
السائل: شيخ، وزارة الأوقاف [توافق] أنه يقوم بالعمل، ولا يأخذ المقابل إذا كان له مصدر آخر يستطيع أن يعيش عليه.
الشيخ: فهمت عليك، إذا أخذه بالشرط السابق فهو له، وإن استغنى عنه فهو خير له، إلا في حالة واحدة، وهذه الحالة الواحدة مما استفدناه من حديث عمر ﵁، يقول عمر كان رسول الله ﷺ إذا جاءه مال أعطاني منه، فأقول يا رسول الله أعطه إلى من هو أولى به مني، فيقول الرسول ﵇ له: «يا عمر ما آتاك الله من مال ونفسك غير مُشْرِفة إليه فخذه».
(الهدى والنور / ١٩١/ ١٧: ٥٢: ٠٠)
(الهدى والنور / ١٩١/ ٢١: ٠٠: ٠١)
حكم إنابة الإمام غيره للصلاة بالناس وإعطائه شئ من الراتب
مداخلة: ذكرتم فيما سبق بارك الله فيكم بالنسبة لرواتب الإمامة والأذان أنهم يجوز لهم أن يأخذوا من الجعالة ..
الشيخ: أنا ما قلت: أما الراتب فلا، الراتب والجعالة تقريبًا بمعنى واحد، لا يجوز أن يأخذ ذلك أجرًا.
مداخلة: لكن الآن نرى الواقع يعني: يأخذون الأجر ثم ينيبون عنهم .. بالذات الأئمة ينيبون عنهم أناس يعطونهم شيء بسيط من الذي أخذوه، وهم يصلون بالناس وهؤلاء كأنهم يأخذون هكذا.
стр. 5993
الشيخ: هذا دليل أنهم يأخذون ما يأخذون أجرًا، وهذا من أبطل الأجور، فهذا لا يجوز بوجه من الوجوه إطلاقًا؛ لأنهم يأخذون راتبًا وجعالة مقابل القيام بأمر، لضبط الأمور بالنسبة للأمة الإسلامية، فإذا كان المرتب له راتب لا يقوم بواجبه وإنما ينيب عنه شخصًا ولا يعطيه ما يأخذه عنه فالذي يأخذه هو لا يقوم بواجبه فإنما هو حرام لا يجوز له ذلك.
(فتاوى جدة (٢٤) /٠٠: ٢٥: ٤٧)
أخذ الأُجرة على الإمامة والتأذين
الملقي: ما حكم أخذ الأجرة على الإمامة والتأذين، كالمكافأة من الدولة مُمَثَّلة بوزارة الأوقاف، مع أن هذا الإمام أو المؤذن متطوع في عمله هذا وله عمل رسمي آخر غيره؟ عندنا هناك في نظام، الموظف يستطيع أن يكون إماماً أو مؤذناً، فالدولة تعطيه مكافأة على إمامته، وعنده وظيفة ثانية يأخذ منها الراتب الرسمي؛ فحكم هذا؟
الشيخ: الوظيفة الثانية من الدولة؟
الملقي: من الدولة كذلك، نعم.
الشيخ: لكن نحن نعرف أنه الدول عامة لا تسمح بالجمع بين وظيفتين؛ فكيف هذا؟
الملقي: عندنا نظام هذا.
الشيخ: هات.
الملقي: فقط في الإمامة والتأذين.
الشيخ: آه، إكرامًا يعني للإمام.
الملقي: مكافأة، مكافأة يعطونها مقطوع راتب، مقطوع يسمى.
стр. 5994
الشيخ: لكن أنت ورد في سؤالك كما أتصور تناقض، من جهة تقول: أجراً هل يجوز، ومن جهة بتقول: مكافأة.
الملقي: نعم.
الشيخ: والأجر غير المكافأة.
الملقي: هو راتب شهري، لكن راتبه مقطوع يسمى.
الشيخ: هل فهمت عليّ؟
الملقي: أي نعم نعم نعم.
الشيخ: أنا قصد فقط التنبيه يعني والتذكير؟
الملقي: أي نعم.
الشيخ: طيب، سواءً كان الإمام موظفاً في وظيفة أخرى، أو كان متخصصاً للإمامة أو التأذين أو الخطابة؛ فلا يجوز لهؤلاء الموظفين وظيفة شرعية، أن يأخذوا ما يقدم لهم كما قلت أخيراً راتباً أو مكافأة، لا يجوز لهم أن يأخذوا ذلك أجراً؛ لأن الأعمال الشرعية من حيث أنه لا يجوز أن يقصد بها شيء من حطام الدنيا، ليست كالأعمال الدنيوية أو الصنائع المهنية التي يبتغي من ورائها الإنسان أجراً، فالأجر يؤخذ، الأجر المادي يؤخذ على عمل مادي محض، أما أن يؤخذ الأجر على طاعة أو عبادة يقوم بها المسلم يأخذها أجراً، هذا حرام عليه؛ لأنه ينافي كثيراً من النصوص الواردة في الكتاب والسنة، ومن أشهرها: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
فلا شك أن إمامة المسلمين في المساجد، والأذان في المساجد، والخطابة فيهم، وتعليمهم وإرشادهم أنه هذا فيه أجر كبير عند الله ، بشرط الإخلاص في ذلك كله لله ﵎.
فإذا ابتغى أحد هؤلاء الأجناس بعبادتهم، لا فرق بينهم وبين من يصلي لله ليأخذ أجراً على صلاته؛ لأنه ما قصد بصلاته وجه الله، فيضرب بها وجهه يوم الله،
стр. 5995
كذلك يقال عن كل العبادات منها ما ذكر من الإمامة والخطابة والتأذين، وكذلك التعليم للعلوم الشرعية.
وهو ولهذا ينبغي على كل من كان مكلفاً بشيء من هذه الوظائف الدينية، أو كان متطوعاً كما قلت في سؤالاً فإذا جاءه شيء فلا يأخذه على أنه حقٌ له أجرٌ، كما لو صنع أيَّ شيء من أمور الدنيا.
وهنا يردنا قوله ﵇ لعمر بن الخطاب كما جاء في الصحيح أن النبي ﷺ كان إذا جاءه مال خص عمر بن الخطاب بشيء منه، فيقول: يا رسول الله أعطه من هو أحق به مني، فيقول له ﵇: «يا عمر ما آتاك الله من مال فخذه» «ما آتاك الله من مال ونفسك غير مشرفة إليه، فخذه وتموله، فإنما هو رزق ساقه الله إليك» «ونفسك غير مشرفة إليه، فخذه وتموله، فإنما هو رزق ساقه الله إليك».
إذاً: كل من كان قائماً بأمرٍ ديني يبتغي من وراء ذلك المثوبة عند الله ، فجاءه شيء من مال فلا بأس أن يأخذه، لكن لا أجراً، وإنما هو كما قال ﵇ لعمر: «إنما هو رزق ساقه الله إليك».
وَوَجَّه في رواية أخرى إلى طريقةٍ قد يغفل عنها بعض ذوي النفوس الزكية الشريفة التي لا تطمع في مال الآخرين، فيتعفف ولا يأخذ ما جاءه من مال، فيقول الرسول ﵇ معلماً له؛ ليكون سبباً لكسب الثواب عند الله، بطريقة قبضه لهذا المال الذي جاءه دون إشراف نفس منه إليه، يقول له: «خُذْه وتَمَوّله وتصدق به»، فأنت إن كنت محتاجاً أنفقت على نفسك، وإن كنت غنياً صرفته إلى ناس فقراء ومساكين فيُكتب لك الأجر، هذا هو الجواب عَمّا سألت من الأسئلة.
(الهدى والنور/٧٥٤/ ٢٢: ٣٤: ٠٠)
حكم أخذ الأجرة على تعليم تفسير القرآني أو علم التجويد
السؤال بالنسبة لتحريم أخذ الأجرة على القرآن أو تعليم القرآن، فأريد أن
стр. 5996
أستوضح عن تعليم القرآن، هل يدخل في ذلك تفسير القرآن، تعليم تفسير القرآن أو تعليم تجويد القرآن؟
الشيخ: الجواب: كل العبادات لا يجوز أن يؤخذ عليها أجر، كل العبادات، منها ما جاء النص العام فيدخل في النص العام، كل عبادة وكل ما كان ديناً، كمثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
الآية الأولى صريحة الدلالة في الموضوع: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
أما الآية الأخرى فتحتاج إلى شيء من الشرح والبيان مما ذكره علماء التفسير، فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠]، قالوا: فالعمل الصالح هو الموافق للسنة، أي: فما كان مخالفاً للسنة فهو ليس عملاً صالحاً، وهذا قد جاء في أحاديث كثيرة تتراً عن النبي ﷺ ، كمثل قوله في الحديث المشهور والمعروف في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
والأحاديث في هذا المعنى معروفة إن شاء الله، فلا حاجة لإطالة الكلام بذكرها، فقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] أي: موافق للسنة، ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] أي: لا يطلب أجر تلك العبادة من غيره ﵎، والأحاديث التي تأمر بإخلاص النية في الطاعة والعبادة، هي أيضاً كثيرة ومشهورة.
فهذا النص القرآني بعد شرحه مع النص الأول، كلاهما نص عام على أن العبادة لا تكون عبادة إلا بشرطين اثنين:
الشرط الأول: أن يكون على وجه السنة.
стр. 5997
والشرط الثاني: أن يكون خالصاً لوجه الله ﵎، فهذه النصوص عامة تشمل كل عبادة.
أما بالنسبة للقرآن فهناك نصوص خاصة، من أشهرها وأصحها قوله ﵊: «تعاهدوا هذا القرآن، وتغنّوا به، قبل أن يأتي أقوام يتعجلونه ولا يتأجلونه»، يتعجلونه: أي: يطلبون أجره للعاجل، ولا يتأجلونه أي: لا يطلبون الآجل في الآخرة.
فلهذا كُلّه لا يجوز لمسلم أن يبتغي من وراء عبادة يقوم بها أجراً إلا من الله ﵎، وعلى هذا فليست القضية متعلقة بتلاوة قرآن فقط، وبصورة خاصة على الحالة التي وصل إليها بعض القراء اليوم، حيث صدق فيهم نبأ الرسول الكريم المذكور آنفاً: «قبل أن يأتي أقوام يتعجلونه ولا يتأجلونه»، فالمسألة أعم وأوسع من ذلك بكثير.
فلا فرق بين من يتلوا القرآن للتلاوة فقط ويأخذ أجراً، وبين من يعلم القرآن ويأخذ عليه أجراً، وبين من يفسر القرآن ويأخذ عليه أجراً، وبين من يعلم الحديث ويأخذ عليه أجراً، وبين من يؤم ويؤذن و .. و .. ويخدم المسجد، كل هذه عبادات لا يجوز لأي مسلم أن يبتغي من وراء ذلك أجراً إلا من عند الله ﵎.
إذا عُرِفت هذه الحقيقة، وهي حقيقة لا ينبغي أقول وكدت أن أقول: لا خلاف فيها، كدت أن أقول: لا خلاف فيها، ثم لم أقل؛ لأنني تذكرت خلافاً في جزئية واحدة، ألا وهي القرآن الكريم، فإن بعض المذاهب المتبعة اليوم، تقول: يجوز أخذ الأجر على القرآن، ولهم في ذلك حجة صحيحة رواية وليست صحيحة دراية؛ أما أنها صحيحة رواية فلأنها في صحيح البخاري، أما أنها ليست صحيحة دراية أي: لا يصح الاستدلال بهذه الرواية مع صحتها في .. الاحتجاج على ما يناقض تلك الأدلة القاطعة بخاصة وبعامة، أنه لا يجوز أخذ الأجر على أيِّ عبادة وبخاصة منها القرآن الكريم؛ ذلك الحديث هو قوله ﵊: «إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله» هذا الحديث في صحيح البخاري كما ذكرنا.
стр. 5998
وإنما قلنا: إنه لا يجوز الاستدلال به دراية مع صحته رواية؛ لأن لهذا الحديث مناسبة جاءت مقرونة مع الرواية نفسها، وهو في صحيح البخاري كما قلنا من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: «أنه كان في سرية مع جماعة من أصحاب النبي ﷺ ، فَمَرُّوا بقبيلة من القبائل العربية، فطلبوا منهم أن ينزلوا عليهم ضيوفاً فأبوا، فنزلوا بعيداً عنهم، فَقَدَّر الله ﵎ أن أرسل عقرباً فلدغت أمير الجماعة، فأرسل أحد أتباعه إلى هؤلاء الذين أرادوا أن ينزلوا عليهم فأبوا، فقال: انظروا لعلهم عندهم شيء؛ لأنهم من أهل الحضر، فجاء الرسول من قِبَل ذلك الأمير فعرض عليه أن يعالجه، ولكن اشترط عليه رؤوساً من الغنم -أنا نسيت الآن إما عشر وإما مائة- وهو رئيس قبيلة وغني، فقبل ذلك، فما كان منه إلا أن رقاه بالفاتحة، بعد أن مسح بالبصاق مكان اللدغ، فكأنما نشط من عقال، -هكذا يقول في الحديث- فأخذ الجُعْل وأتى به إلى النبي ﷺ ، محتاطاً لعله لا يجوز أن يستفيد منه، فقال له ﵊ -الحديث السابق- إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله».
فاختلف العلماء هنا، فالجمهور أخذ بالحديث مُفَسَّراً بالسبب، والشافعية أخذوا بالحديث دون ربطه بالسبب، وهذا هو السبب في الخلاف.
وينبغي أن يكون معلوماً لدى كل طالبٍ للعلم، أن من الضروري جداً لمن أراد التَفَقُّه ليس في السنة فقط، بل وفي القرآن أيضاً أن يعرف أسباب نزول الآيات وأسباب ورود الأحاديث؛ فقد ذكر علماء التفسير أن معرفة سبب نزول الآية، يساعد الباحث على معرفة نصف معنى الآية والنصف الثاني يؤخذ من علم اللغة وما يتعلق بها من معرفة الشريعة.
كذلك نقتبس من هذا فنقول: أيضاً كثير من الأحاديث لا يمكن فهمها فهماً صحيحاً إلا مع ربطها بأسباب ورودها، منها هذا الحديث، وهنا أحاديث كثيرة أيضاً لا يمكن أن تُفْهَم فهماً صحيحاً إلا بربط الرواية مع سببها، فحينما فصل الحديث: «إن أحقَّ ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله» عن سبب وروده أعطى الإباحة
стр. 5999
العامة: «إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله»، فسواء كان الأجر مقابل التلاوة أو كان مقابل تعليم القرآن أو تفسير القرآن وهكذا، فالحديث عام، ولكننا إذا ربطناه بسبب الورود تخصص هذا العموم بالوارد، وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء، وبخاصة منهم علماء الحنفية، حينما فسروا هذا الحديث: «أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله» في الرُّقية، فأضافوا هذه الجملة في الرقية أخذاً لها منهم من سبب ورود الحديث.
وهذا الأخذ لابد منه؛ لكيلا يصطدم التفسير إذا كان من النوع الأول بقواعد إسلامية عامة ذكرناها آنفاً من بعض الآيات وبعض الأحاديث، وهذا من القواعد الأصولية الفقهية، أنه إذا جاء نص سواء كان قرآناً أو كان سنة، فلا يجوز أن يؤخذ على عمومه إلا منظوراً إليه في حدود النصوص الأخرى التي قد تُقَيِّد دلالته فَتُخَصِّصه، هذه كقاعدة لا خلاف فيها عند علماء الفقه والحديث، بل علماء المسلمين جميعاً.
وإنما الخلاف ينشأ من سببين اثنين: إما ألاَّ يرد الحديث مطلقاً إلى بعضهم، أو أن يرد إليه مطلقاً، دون السبب الذي يوضح معناه كما نحن في هذا الحديث بالذات.
ولعله يحسن أن نضرب مثلاً آخر؛ لأن له علاقة بكثير مما يُثار اليوم ويجري النقاش حوله، ويستدل عليه بقوله ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، دون أن ينقص من أجورهم شيء» .. إلى آخر الحديث.
فإن جماهير العلماء اليوم وقبل اليوم ببضع قرون، يُفَسِّرون هذا الحديث تفسيراً على خلاف ما يدل عليه سبب وروده، فيقولون معنى الحديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة» أي: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، وعلى ذلك يضطرون أن يخصصوا عموم قوله ﵇ في الحديث السابق ذكره: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
стр. 6000
وكذلك يفعلون بالحديث الذي هو أوضح في الدلالة على عموم وشمول الذم لكل بدعة، ألا وهو قوله ﵊: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار»، فحينما وقعوا في تأويل الحديث السابق: «من سن سنة حسنة»، بمن ابتدع فالإسلام بدعة حسنة، اضطروا توفيقاً بين ذاك الحديث وهذا المفهوم للحديث ولا أقول: بين ذاك الحديث وهذا الحديث؛ لأنه في الحقيقة لا تنافر ولا تنافي بينهما، وإنما جاء التنافر والتنافي بين ذلك الحديث العام الذي لا إشكال فيه: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وبين الفهم الخاص لمن سن في الإسلام سنة حسنة أي: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، فقالوا: إذاً: قول: «كل بدعة ضلالة» من العام المخصوص، وحينئذ يكون معنى الحديث: ليس كل بدعة ضلالة، فما هو معنى الحديث إذاً الذي تأولوه بالبدعة؟
الحقيقة أننا نستطيع أن نفهم الحديث فهماً لا يتنافى مع العموم المذكور: «كل بدعة ضلالة» من نفس المتن أولاً، ثم نبتغي دعماً لهذا الفهم من سبب وروده ثانياً؛ ذلك لأن النبي ﷺ حينما قال في الحديث: «من سَنّ في الإسلام» وصفها في الطرف الأول من الحديث بالحسنة، وفي الطرف الثاني الذي استغنيت عن ذكره لشهرته بقوله: سنة سيئة، فإذاً: هذا الحديث يَدُلّنا أن في الإسلام سنة حسنة وفي الإسلام سنة سيئة، هنا يأتي السؤال: ما هو سبيل معرفة السنة الحسنة والسيئة السيئة، أهو العقل والرأي المحض، أم هو الشرع؟ ما أظن أن قائلاً يقول هو العقل والرأي، وإلا ألحق نفسه ولا أقول نلحقه بالمعتزلة، ألحق نفسه بالمعتزلة الذين يقولون بالتحسين والتقبيح العقليين، هؤلاء المعتزلة هم الذين عرفوا منذ أن ذروا قرنهم وأشعوا فتنتهم بقولهم: إن العقل هو الحكم، فما استحسنه العقل فهو الحسن، وما استقبحه العقل فهو القبيح، أما رد أهل السنة والجماعة بحق فإنما هو على نقيض من ذلك، الحسن: ما حَسّنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع.
إذاً: حينما قال ﵊: «من سَنّ في الإسلام سنة حسنة» أي: شرعاً: «ومن سن في الإسلام سنة سيئة» أي: شرعاً، فالشرع هو الحكم في أن نعرف أن هذه سنة حسنة وهذه سنة سيئة.
стр. 6001
إذا كان الأمر كذلك، حينئذٍ لم يبق مجال للقول بأن معنى الحديث: «من سَنّ في الإسلام سنة حسنة» بدعة حسنة، فنقول: هذه بدعة لكنها حسنة! ما يدريك أنها حسنة؟ إن جئت بالدليل الشرعي فعلى الرأس والعين، والتحسين ليس منك وإنما من الشرع، كذلك إن جئت بالدليل الشرعي على سوء تلك البدعة، فالشرع هو الذي حكم بأنها سيئة، وليس هو الرأي.
فهذا الحديث إذاً من نفس كلمة «حسنة» و «سيئة» نأخذ أنه لا يجوز تفسير الحديث بالبدعة الحسنة والبدعة السيئة التي مرجعها الرأي والعقل، ثم يندعم هذا الفهم الصحيح لهذا المتن الصحيح، بالعودة إلى سبب ورود الحديث -وهنا الشاهد- الحديث جاء في «صحيح مسلم» و «مسند الإمام أحمد» وغيرهما من دواوين السنة من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه قال: «كنا جلوساً عند النبي ﷺ ، فجاءه أعراب مجتابي النِّمار مُتَقَلِّدي السيوف عامتهم من مُضَر، بل كلهم من مضر، فلما رآهم رسول الله ﷺ تَمَعَّر وجهه أي: تَغَيَّرت ملامح وجهه ﵊ حزناً وأسفاً على فقرهم الذي دل عليه ظاهر أمرهم، فخطب في الصحابة وذكر قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]، ثم قال ﵊: تصدق رجل بدرهمه بديناره بصاع بُرّه بصاع شعيره»، تصدق هو فعل ماضي، لكن هذا من بلاغة اللغة العربية أي: ليتصدق، فأقام الفعل الماض مقام الفعل الأمر أي: إشارة إلى أنه ينبغي أن يقع ويصبح ماضياً، ليتصدق أحدكم بدرهمه بديناره بصاع بره بصاع شعيره، «وبعد أن انتهى ﵊ من خطبته، قام رجل ليعود وقد حمل بطرف ثوبه ما تيسر له من الصدقة من طعام أو دارهم أو دنانير وضعها بين يدي الرسول ﷺ ، فلما رأى أصحابُه الآخرون ماذا فعل صاحبهم، قام كل منهم ليعودوا بما تيسر لهم من الصدقة، قال جرير: فاجتمع أمام النبي ﷺ من الصدقة كأمثال الجبال، قال: فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ تَنَوَّر وجهه كأنه مذهبة»، قالوا في تفسير هذا التشبيه: «كأنه مذهبة» أي: كالفضة المطلية بالذهب، في
أول الأمر لما رآهم عليه
стр. 6002
الصلاة والسلام قال: تَمَعَّر وجهه أسفاً وحزناً، لكن لما استجاب أصحابه لموعظته له .. «فلما استجابوا له ﵊ تنور وجهه كأنه مذهبة، وقال: من سن في الإسلام سنة حسنة» .. إلى آخر الحديث.
الآن نقول: لا يصح بوجه من الوجوه أن يُفَسّر الحديث بالتفسير الأول: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة؛ لأننا سنقول: أين البدعة التي وقعت في هذه الحادثة، وقال ﵊ بمناسبتها: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة؟ لا نرى هناك شيئًا من هذا القبيل إطلاقاً، بل نجد أن النبي ﷺ خطبهم آمراً لهم بالصدقة مذكراً لهم بآية في القرآن الكريم كانت نزلت عليه مسبقاً وهي: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [المنافقون: ١٠] وأكد ذلك ببعض حديثه: «تصدق رجل بدرهمه بديناره بصاع بره بصاع شعيره».
إذاً: ليس هناك إلا الصدقة، والصدقة عبادة، تارة تكون فريضة وتارة تكون نافلة.
فإذًا: لا يجوز أن نقول: معنى الحديث من ابتدع؛ لأنه لم يقع هنا بدعة، ولكن لو رجعنا إلى لفظة: سَنَّ في اللغة العربية للمسنا منها شيئاً جديداً في هذه الحادثة، لكن ليست هي البدعة، الشيء الجديد هو قيام هذا الرجل أول كل شيء، وانطلاقه إلى داره ليعود بما تيسر له من صدقة، فأصحابه الآخرون فعلوا مثل فعله فسن لهم حسنة، لكن هو ما سن بدعة، سن لهم صدقة، والصدقة كانت مأمور بها من قبل كما ذكرت آنفاً، قد أكون أطلت قليلاً أو كثيراً، ولكن أرى أن هذا البيان لابد منه لكل طالب علم؛ ليفهم النصوص الشرعية فهماً صحيحاً؛ حتى لا يضرب بعضها ببعض، فقوله ﵊ الذي أخذ بظاهره بعض العلماء، فأباحوا أخذ الأجر على القرآن مطلقاً، لا يصح فهمه على هذا الإطلاق، بل ينبغي أن نربطه بالسبب وهو الرُّقية، فلا يكون حينذاك أخذ الأجر المنصوص في الحديث لمجرد تلاوة قرآن أو تعليمه، بل للرقية بالقرآن الكريم.
стр. 6003
ويؤكد هذا أخيراً ولعلي أكتفي بهذا الذي سأذكره: أن رجلاً علَّم صاحباً له في عهد النبي ﷺ القرآن فأهدى إليه قوساً، ولكنهم عوداً إلى حديث أبي سعيد، لماذا توقف أبو سعيد من الاستفادة من الأجر الذي أخذه من أمير القبيلة، وهذا الرجل الثاني لما أهديت له القوس توقف؟ حتى سأل الرسول ﵇ لماذا توقف هذا وذاك؟ لأنهم كانوا فقهاء حقاً، وكانوا يفهمون مثل الآية السابقة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] فأبو سعيد قرأ القرآن ورأوا أنها مقرونة بالرقية، وهذا الآخر عَلَّم صاحبه القرآن، فخشي أن يكون ذلك منافياً الإخلاص في عبادة الله ، فكان من ذلك أن أبا سعيد تَوَرَّع عن الانتفاع بالأجر الذي أخذه مقابل الرقية حتى قال له ﵇ ما سمعتم، أما هذا الرجل الثاني الذي عَلَّم صاحبه القرآن لما جاء إلى النبي ﷺ ، وذكر له بأنه علمه فأهدى إليه قوساً، قال: «إن أخذتها طُوِّقت بها ناراً يوم القيامة».
فإذاً: تعليم القرآن إذاً بهذا الحديث والحديث الآخر: «يتعجلونه ولا يتأجلونه» لا يجوز إطلاقاً.
إلى هنا أكتفي لما سبق من بيان، أن القرآن تعليماً وقراءة لا يجوز أخذ الأجر عليه ككل العبادات.
ولكن هنا ملاحظة لابد من ذكرها ولو بإيجاز: الأجر كما تعلمون حق مقابل عمل يقوم به الإنسان، هذا النوع من الأخذ المسمى لغة وشرعاً أجراً، هو الذي يَحْرُم شرعاً، ولكن إذا كان هناك نوع من المال يُعطى لمن يقوم ببعض، لنقول الآن بالعرف الحاضر الوظائف الدينية من قِبَل الدولة أو من قِبَل بعض الأثرياء والأغنياء وما أقلهم في هذا الزمان الذين يشعرون بأن عليهم أن يمدوا يد العون والمساعدة لبعض الفقراء، بل والأقوياء الذين تفرغوا لخدمة الإسلام بعمل ما، خدمةً للإسلام، فتعطي لهم الدولة، لا يجوز أولاً: للدولة أن تُسَمِّي هذا أجراً، ولا يجوز للآخذين لهذا الشيء أن يأخذوه أجراً، وإنما يأخذوه بمعنى آخر هو مثلاً الهبة أو الجعالة أو العطاء، كما كانوا في السلف الأول حينما كان الإسلام قوياً، وكان
стр. 6004
الجهاد في سبيل الله قائماً ومنشوراً وكانت المغانم تملأ خزائن الدولة، الدولة تُوَزِّع عطاءً على الناس حتى من لم يكن موظفاً منهم فيها، فهذا هو المخرج ممن كان إماماً أو مؤذناً أو خطيباً أو مدرساً في المدارس، وكان علمه علماً شرعياً دينياً لا يجوز له أن يأخذ عليه أجراً، عليه أن يأخذه بغير معنى الأجر؛ بما ذكرناه من الأدلة القاطعة، التي توجب على كل مسلم أن تكون عبادته خالصة لوجه الله ﵎.
(الهدى والنور/٦٥٦/ ٤٣: ٠٠: ٠٠)
(الهدى والنور/٦٥٦/ ١٣: ٣٢: ٠٠)
أخذ الأجرة لمدرسي القرآن الكريم والتربية الإسلامية
مداخلة: والله يا شيخ نحن أتينا نريد .. كل منا في نفسه أسئلة، ولعلي أبدأ بما يسر الله، السؤال الأول الذي في نفسي: عن أخذ الأجرة على تعليم القرآن بالنسبة لمدرسي التربية الإسلامية في هذا الزمن، ومن مواد التربية الإسلامية القرآن، فهل يجوز أخذ الأجر على هذا التدريس أم ما الصواب؟
الشيخ: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ومن الله ﵎ نستلهم التوفيق للصواب من القول والصالح من العمل.
فأقول: معلوم باتفاق العلماء، أنه لا يجوز أخذ الأجر على أيِّ نوع من أنواع العبادات المحضة، سواء كان القرآن أو الحديث أو الفقه أو أيَّ علم من علوم الشريعة، التي يَتَعَبّد المسلم بها ويتقرب إلى الله ﵎، والأدلة كثيرة ما أظن تخفى على أحد من طلاب العلم، ومن أشهرها قول ربنا ﵎ في القرآن الكريم: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وقوله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
стр. 6005
وقد ذكر علماء التفسير في هذه الآية، بأن العمل الصالح يُشترط فيه شرطان، أخذاً من هذه الآية الكريمة ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
الشرط الأول: أن يكون عمله على وفق السنة، فإذا كان مخالفاً لم يكن مقبولاً، ولو كان صاحبه مخلصاً فيه لله ، ومن الأدلة على ذلك: قوله ﵊: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
والشرط الثاني، وهذا هو بيت القصيد من هذا البحث: أن يكون مخلصاً في هذا العمل الذي وافق السنة.
فالإخلاص شرط في كل عبادة؛ حتى تكون مقبولةً عند الله ، والشرط الآخر أن تكون هذه العبادة موافقة للسنة وليست مخالفة لها.
فإذا اختل أحد هذين الشرطين لم يكن العمل صالحاً.
إذا كان هذا أمراً معروفاً، فحينئذٍ يُعرف الجواب عن ذاك السؤال، أنه لا يجوز أخذ الأُجْرة مطلقاً على أيِّ عمل يقوم به المسلم، ما دام هذا العمل عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله ، أو بعبارة قد تكون أدق: يفترض أن يكون أن يتقرب بهذا العمل إلى الله ﵎.
إذا كانت هذه القضية واضحة بَيِّنة في أذهان طلاب العلم، عُدْنَا إلى الجواب عن السؤال المطروح آنفاً باختصار: لا يجوز أخذ الأجر على تعليم القرآن، ولكن هنا شيء لا بد من لفت النظر إليه، ألا وهو: أن الأجر حينما يقال: أجر فهو حَقٌ يطلبه صاحب العمل من المعمول له والمقدم إليه، فبهذا المعنى لا يجوز أن يُؤْخذ أجر على تلاوة القرآن وتعليمه وسائر الأعمال التعبدية كما ذكرنا آنفاً.
إذا كان هذا كذلك، نقول: أما إذا قُدِّم مال ما من جهةٍ ما، سواءً كانت هذه الجهة حكومية أو من أيِّ فرد من أفراد الأمة، قُدِّم هذا المال راتباً أو هبة أو جعالة ولم يأخذه المعلم سواء كان كما قلنا آنفاً للقرآن أو للحديث أو نحو ذلك من العلوم،
стр. 6006
إذا أخذ ذلك ليس بمعنى الأجر أي أنه قام بعمل يستحق عليه شرعاً أجراً، وإنما أخذه بأنه قُدِّم إليه ممن قَدَّم هذا المال، فأخذه لا أجرة وإنما هبة .. جعالة .. راتباً .. ونحو ذلك من المعاني التي تُخالف معنى الأجر مقابل الشيء.
وفي اعتقادي أيضاً، أنه لا إشكال في هذا التفريق، فيما إذا رجعنا إلى مثل قوله ﵊: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» إلى آخر الحديث المعروف.
فالعمل الواحد يختلف حكمه باختلاف النية، فالنية لها علاقة كبيرة جداً في تصحيح العمل أو في إفساده.
ومن الأمثلة التي يذكرها بعض العلماء في شرح حديث النية: أن رجلاً ما يأتي شهوة وهي له حلال بل ويكون مأجوراً عليها، وآخر يأتي نفس الشهوة يكون مأزوراً تجاهها، والعمل واحد وإنما اختلفت النتيجة باختلاف النية.
فمن أوضح الأمثلة في ذلك هو النكاح والزنا، ففي كُلٍّ من هذين الأمرين يأتي الشخص شهوته ولكن في النكاح يكون مأجوراً وفي الزنا يكون مأزوراً، والعمل هو هو، ويضربون على ذلك مثلاً: فرجل أتى خطأً غير زوجته، وهو يظنها زوجته فلا وزر عليه في ذلك، والعكس بالعكس تماماً، في رجل أتى جامع زوجته وهو يظنها غريبة عنه، إنما أتاها لقضاء شهوته بالحرام، وبعد أن فرغ منها تَبَيَّن له أنها زوجته، فهو آثم مع أنه جامع زوجته وقضى وطره منها؛ ذلك لأن الأول كانت نيته أن يأتي زوجته لكنه أخطأ في الواقع، فلم يُصِبه شيء من الوزر، والعكس في المثال الثاني تماماً.
وتفصيل هاتين الصورتين ليس من الصعب لكل سامع أن يعرف حقيقة ذلك.
إذا عرفنا هذه الحقيقة، وهو أن العمل الواحد يختلف باختلاف النية، حينئذٍ يكون معالجة المسألة التي طرحتها بإصلاح النية، فمن كان وُكِّل إليه أمر تعليم الدين ورُتِّب له راتب أو معاش، فتصحيح هذا العمل يكون بأن لا يأخذ ما يُقَدَّم
стр. 6007
إليه بمعنى الأجر الذي يستحقه مقابل أي عمل دنيوي، وإنما يأخذه كما ذكرنا آنفاً من معاني الهبة أو الجعالة أو الراتب.
فالدولة مثلاً حينما تكون غنية وتكون متمسكة بالأحكام الشرعية وقائمة على تنفيذها، لها أن تُقَدِّم لكل فرد من أفراد المسلمين راتباً يكفيه عن السعي والضرب في الأرض؛ ليتفرغ لعبادة الله ، والقيام بما يجب عليه من تربية أهله وذويه ومن حوله.
فهذا هو جواب العمل الذي ينبغي أن يكون عليه القائمون بتعليم المسلمين، أيّ علم من العلوم الشرعية، هذا ما عندي جواباً عن ذاك السؤال.
مداخلة: جزاك الله خيراً يا شيخ، لكن هذه المعاني معنى [الأجر] والهبة تختلط أحياناً في نفس الإنسان، فيقوى أحدها فترة والآخر فترة، يشعر أحياناً أنه يأخذ هذا أجراً وأحياناً يشعر أنه يأخذه هبة.
الشيخ: المسألة بارك الله فيك هي ليست بالشعور، وإنما بتصحيح ما في القلوب.
فأنا قلت آنفاً: معالجة القضية هو: أن ينوي المسلم حينما يأخذ هذا المال، لا يأخذه أجراً؛ لأنه إن فعل ذلك أبطل عمله، كما ذكرنا آنفاً: أن هناك في قبول العمل ليكون صالحاً شرطين اثنين:
فالشرط الأول: هو الإخلاص لله ، فهذا أمر يتعلق بالعقيدة، وبما وقر في قلب هذا الإنسان الذي قُدِّم إليه هذا المال، أما هو يشعر بكذا ويشعر بكذا هذا أمر طبيعي جداً، فقد يقوم إنسان يصلي ركعتين لله فتتحول نفسه من الإخلاص في هذه العبادة إلى يتظاهر أمام الناس بأنه رجل صالح وهو بذلك يبطل هذه العبادة التي ليس لها علاقة بأخذ مادي إطلاقاً ولكن لما تصور ما في قلبه من النية في هذه العبادة التي كان المفروض فيها أن تكون خالصة لوجه الله أن يرائي الناس فيها فذلك إما أن يبطل عمله بالكلية وإما أن يقلل من أجر هذه العبادة على نسبة قوة الرياء فيها وضعف الرياء فيها.
стр. 6008
فالشعور الذي أنت ذكرته أمر واقع في نفوس كثير من الناس، لكن البحث الآن هو: كيف نجعل ما قد يُبْتَلى به بعض الناس، من الأخذ لمالٍ ما مقابل علم ما أو تعليم ما هو إصلاح هذه النية.
هذا هو الجواب.
(الهدى والنور /٣٣٦/ ١٠: ٣٨: ٠٠)
стр. 6009
التأمين
стр. 6010
حكم التأمين على النفس
مداخلة: رجل سافر في سيارة أجرة فسائق السيارة عمل حادثة، فقتل هذا الرجل الذي يقعد بجانب السائق، فطبعاً فرضوا عليَّ تأمين هذا الميت، يعني شركة تأمين تدفع لأولاد هذا الرجل الذي مات حوالي عشرين ألف جنيه، هل يحل لهم أن يأخذوا هذا المال؟
الشيخ: لا، هم يأخذون من القاتل خطأً الدية الشرعية إن حصلت لهم, أما أن يأخذوا المال من الشركة .. شركة التأمين، فهو مال قمار لا يجوز.
مداخلة: وإذا كان الرجل لا يستطيع أن يدفع الدية؟
الشيخ: الحكم هو هو، لكن حينما يكون المسلمون مسلمين حقاً؛ فهم يتعاونون معه لاسيما عصبته من آله، فعليهم أن يجمعوا ما يُبَرِئ ذمته ويدفع الدية التي يوجبها الشارع الحكيم عليه، فعدم وجود مثل هذه الدية، لا يُبَرِّر أخذ المال الحرام.
(الهدى والنور/٣٨٣/ ٠٠: ٣٤: ٠٠)
حكم التأمين
مداخلة: إذا يا شيخ علماء المسلمين اختلفوا في مسألة التأمين، منهم من أجازها، ومنهم من حرمها، ومنهم من أباحها، منهم من حدد أنواع حرام وأنواع حلال، فإذا تتفضل فضيلتك تعطينا رأيك في هذه المسألة، وجزاكم الله خيرًا.
الشيخ: التأمين بكل أنواعه، هو نوع من القمار الذي حدث في العصر الحاضر.
فلا يجوز أيَّ نوع من التأمينات، سواء كانت على السيارات أو على العقارات أو على الأشخاص، أو أيَّ شيء من أمور المادة؛ ذلك لأن التأمين بكل أنواعه ليس يقابله من المؤمّن عنده عمل يقوم به سوى الحظ واليانصيب.
стр. 6011
ولذلك فلا فرق بين ما يُسَمّى اليوم تأميناً، وبين ما يسمى نصيباً، وبين ما يسمى نصيباً خيرياً، وبين قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ﴾ [المائدة: ٩٠]، فالميسر هو القمار.
فربنا حينما حَرَّم الميسر وما أُلحق به من القمارات الحديثة، فذلك لأنه ليس قائماً على جُهْد وعلى تعبٍ يقوم به الإنسان الذي قد يتعرض للرِّبح وهو الغالب، وقد يتعرض للخسران وهو النادر بخلاف التأمين.
التأمين في الحقيقة، لو أنّ الإنسان تَجَرّد عن التأثُّر بما يسمع وما يحيط به من العادات هو شر قمار على وجه الأرض، شر مَيْسر على وجه الأرض لو كانوا يعلمون؛ ذلك لأن القِمَار أكبر مُقَامر مُعَرّض للخسارة، ولذلك تسمع عن مقامرين كبار بأنه ما بين عشية وضحاها خسر الملايين.
أما شركات التأمين فلا تخسر، ولو شركة واحدة خسرت لاضمحلت كل الشركات؛ ذلك لأنهم حينما يفرضون ضرائب مُعَّينة على المؤمنين لدى الشركة يكونون قد قاموا بحسابات دقيقة ودقيقة جداً، ويساعدهم في العصر الحاضر ويوفر عليهم كثيراً من الجهود التي كانوا يقومون بها سابقاً الجهاز المسمى اليوم بالكمبيوتر.
أي: شركة تأمين مثلاً على الحياة، لعلكم تعرفون جميعاً أنهم لا يؤمّنون حياة من بلغ مثلي من الكبر عتياً؛ لأنهم يعرفوا أن هذا على حافّة القبر، يعملون حسابات دقيقة، لكن بأنه أظن عندهم قاعدة ما دون الستين، لماذا هذا التحديد؛ لأنهم يعملون حسابات دقيقة ودقيقة جداً، أنه سيخسروا إذا كانوا سيقبلون أيضاً تأمين على حياة من جاوز الستين.
كذلك مثلاً من حساباتهم الدقيقة أنهم يعملوا حساب في كل بلدة، ما يمكن أن يقع من الحوادث في السيارات، وهذا ميسور جداً لديهم، ونفترض أنهم يعملوا
حسابًا أن ألف حادث مثلاً كل سنة، ويعملوا حسابًا أن كل سيارة كيف تكون إصابتها، هل هي إصابة بمعنى تَحَطَّمت جذرياً أو جانبياً .. إلى آخره.
стр. 6012
أخيراً جعلوا مجموع يطلع معهم، يريدون مليون دينار مثلاً، حتى إذا أُصيبوا في السيارات المؤمّنة، هم يعملوا حسابًا أنهم يُحَصِّلون من المشتركين مليون وربع، مليون وبالمائة عشرة من المليون يكفيهم رابحين، وهكذا.
ولذلك فالشركات لا تخسر، وهذا أمر واضح جداً حينما نتصور الصورة الآتية وما يُقابلها.
إنسان ما كاد يخرج بسيارته الجديدة من الشركة، إلا وتحطمت شَرَّ تحطيم وهي مؤمّنة ودفع أول قسط، عوضوها له، القسط ما مبلغه؟ لا أدري عشرين دينار ... دفعوا مقابل عشرين دينار يمكن عشرين ألف دينار ثمن السيارة الجديدة.
هل أحد من الناس مهما كان أبله قليل التفكير، يظن أن الشركة فعلاً هذه العشرين ألف دفعتها من جيبها وخسرت؟ !
لا، هذه العشرين الألف جاءتها من مؤمِّنين آخرين، يدفع كل سنة عشر سنوات عشرين سنة ولا يعمل أيَّ حادث، فهذا كله يتجمع لدى الشركة، فلما تأتيهم مثل الحادثة الأولى يدفعون مما توفّر عندهم من المشتركين الآخرين الذين لم يقع لهم أيُّ حادث، وبالنهاية يكون عندهم وفرة، هذا هو القمار، مقابل فقط كتابة وليس هناك عمل.
كان هناك قديماً نوع من التأمين مثلاً: باخرة تُشحن من ميناء إلى ميناء آخر في البحر، كان هناك قراصنة معروفين في البحر، فيُرسل مع السفينة حُرَّاس يكونون مستعدين للدفاع عن السفينة فيما إذا هوجمت سفينة من قراصنة البحر، هؤلاء يُدْفَع لهم أجر؛ لأنه مقابل عمل، وهذا ليس فيه شيء إطلاقاً.
أما التأمين المعروف اليوم، فأنا أتعجب من العلماء الذين أشرت إليهم أنهم فصّلوا بعضهم حرموا شيئاً وبعضهم أباحوا شيئاً .. وإلى آخره، وكلها داخلة تحت موضوع الميسر ألا وهو القمار.
стр. 6013
لذلك لا ننصح مسلماً أن يُؤَمِّن على شيء، سواء كان هذا الشيء سيارة أو كان عقاراً أو داراً أو نحو ذلك.
وهنا طبعاً يرد موضوع التأمين التي يُجْبَر عليه من الدولة، هذا ليس عليه مسؤولية؛ لأنه يعتبر هذه ضريبة كسائر الضرائب التي تفرضها الدولة، ولكن هنا ملاحظة لا بد من التذكير بها، وهي:
إذا دفع المؤمّن مضطراً من الدولة على سيارته، فأُصيبت سيارته بحادث وجاءت الشركة بناءً على الاتفاق تريد أن تُعَوِّض له الخسارة.
فهنا نحن نقول: إن كان ما دفعه يساوي ما ستعوضه الشركة أو يزيد فله ذلك، أما إن كان مثل الصورة الأولى التي فرضناها أنه اشترى سيارة جديدة، ولم يمش فيها إلا قليلاً، وتحطّمت شر تحطيم وهو لم يدفع إلا أول قسط، وعَوّضوها له، هذا حرام لا يجوز. هذا هو تفصيل المسألة.
(الهدى والنور/٤٢٠/ ٥٤: ٠٦: ٠٠)
التحايل على شركة التأمين لاستخراج مبالغ أكثر
السؤال: رجل سُرِقَ بيتُه في بلاد الكفار في أمريكا، وهذا البيت عليه تأمين، يعني: يأخذ مالاً مقابل هذه السرقة، لكن الشركة طلبت منه أن يضع كشفاً بالمسروقات؛ حتى تُعطيه ثمنها أو مقابلها، فهو أراد أن يزيد على هذا الكشف، فبدل من أن يكون عنده مثلاً غسالة يقول: غسالتين، أو شيئًا مثلاً، يزيد ويُضاعف، فهذا الشركة شكّت أو أرادت أن تتثبت، فسألت بعض الناس ولعل بعضاً من إخوانه أشقائه منهم، فهؤلاء الأشقاء ملتزمون بينما هو ليس ملتزماً، فيسألون هل يجوز لنا أن نشهد على هذا الباطل، فضلاً عن حكم التأمين الأصلي وما شابه ذلك؟ فجزاكم الله خيرًا؟
الشيخ: طبعاً لا يجوز للمؤمن أن يزيد في التقدير، فضلاً عن أنه لا يجوز لإخوانه أن يشهدوا على هذه الزيادة الباطلة؛ لقوله ﵇: «إني لا أشهد على
стр. 6014
جور»، إما أن التأمين في الأصل هو قمار، فهذه مصيبة عمت البلاد فلا يجوز التأمين مطلقاً، ولعل من آثار هذا التأمين المحرم أن يصل إلى مثل هذا التدليس، والإشهاد لبعض الناس على الكذب وعلى الزور.
مداخلة: أخي هذا بقول: كلهم يهود الذي يأخذون منا الأموال، شقيقي الغير ملتزم ويصلي فقط، يقول: هذه، كل هذه الأموال تذهب لليهود!
الشيخ: إذا كانت اليهود تأكل أموال الناس بالباطل، فهل نحن نتشبه بهم ونأكل أموال الناس بالباطل؟ ! ثم إذا كان يشهد هذه الشهادة فلماذا هو يساكنهم؟
مداخلة: صحيح
الشيخ: لماذا يعاشرهم، ويعيش في بلادهم؟ عليه وأمثاله من الملتزمين أن يلتزموا قول الرسول الكريم: «إني لا أشهد على جور».
(الهدى والنور /٤٣٩/ ٥٤: ٣٢: ٠٠)
حكم التأمين على السيارات
السائل: بالنسبة لحوادث السيارات.
الشيخ: نعم.
السائل: بالنسبة شيخنا لحوادث السيارات، عندما يعمل حادثًا مع سيارة ثانية، وطلع الحق عليه، مثلاً يكون مُؤَمِّن ضد الغير تأمين بيصلح للذي ضّربه مثلاً، هل يجوز هذا؟
الشيخ: نحن في مثل هذه المسألة نُجيب بما يأتي: إذا كان ما دفع من التأمين الشهري أو السنوي يبلغ قيمة التصليح، فيجوز؛ لأنه استعاد إليه ما دفعه بطريقة مجبر عليها، أما إذا كان أكثر فلا.
السائل: جزاك الله خيرًا.
стр. 6015
السائل: طيب، هل يجوز للإنسان مثلاً يروح يُؤَمِّن طبعاً التأمين إجباري، لكن كما سمعت الناس يأخذوا في الغالب الحد الأدنى، لعمل الواجب المفروض على الناس، فهل لي أنا أن أروح أؤمِّن بعمل الواجب أو المفروض، مثلاً شامل يصل قيمته مائتين دينار أو مئة دينار؟
الشيخ: نحن نجيز التأمين الذي لا بد منه، أما أكثر من ذلك فلا يجوز.
(الهدى والنور / ٥٦٣/ ١٨: ٠٩: ٠٠)
حكم التأمين الاضطراري لقائدي السيارات
مداخلة: هناك قائدي السيارات عندهم تأمين اضطراري ما تقود السيارة إلا به، وهو التأمين على حياة الآخرين، إذا صار حادث سيارة -لا سمح الله- ومات، فهذا لا يسمح لك بقيادة السيارة إلا أن تُؤَمِّن طيب، عندنا تأمين آخر الآن تأمين ضد الغير، لو حدث حادث سيارة وتضرَّر آخرون، إنسان له عقد وظائف، يعني يعمل، فأنت مُلزم بأن تكفله وتكفل معاشه طيلة حياته .. وإذا تضررت سيارته تصلحها.
الشيخ: أنت تقول للشركة وإلا لِمَن؟ من الكفيل الشركة أم صاحب السيارة؟
مداخلة: صاحب السيارة، هو الذي سيتكفل بهذا.
الشيخ: وكيف يتكفّل؟
مداخلة: إذا لم يُؤَمّن عند شركة التأمين.
الشيخ: إذا لم يُؤَمِّن؟
مداخلة: نعم، التأمين الإجباري الذي اتفقنا عليه، أما التأمين الآن ضد الغير، حدث حادث سيارة وتعطّل الرجل، إذا مات الدولة تدفع له؛ لأنك مُؤَمِّن، أما إذا تعطّل وكُسِر منه عضو أو تضررت سيارته، فأنت مُلزم بذلك، فهل هنا يصح التأمين؟
стр. 6016
الشيخ: لا، هو التأمين لا يجوز على أيِّ وجه، والصورة الأخيرة هي أقرب إلى الشرع كقتل الخطأ، يعني واحد دعس شخصاً في الطريق، وكان هو المخطئ فهو ضامن شرعاً، هذا أولى من المشاركة في التأمين الذي هو عين المُقامرة، أما ما اضطر إليه فَعُرِف الحكم من السابق.
مداخلة: هذا المضطرين له حسبنا الله فيه، أما الآخر؟
الشيخ: ما يجوز.
مداخلة: ما يجوز.
الشيخ: نعم.
(الهدى والنور /٦٢١/ ٥٢: ٢٩: ٠٠)
حكم أخذ الدية عن طريق التأمين الاجتماعي
مداخلة: سؤال وهو: أن رجلاً يسير بسيارته ودهس رجلاً يعني: في الطريق، فكما هو معلوم أن الدِّية تؤخذ من التأمين .. التأمين الاجتماعي وليس من الذي دهس وإنما التأمين الاجتماعي هو الذي يدفع عنه الدية، فما حكم أخذ هذه الدية من التأمين الاجتماعي؟ يعني: هذا هو السؤال الذي.
الشيخ: نعم، أنت تعني بارك الله فيك: أنت تعني بالتأمين الاجتماعي يعني: أي شركة من شركات التأمين؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: التي تُؤَمِّن على السيارات وعلى العقارات وعلى الحياة، ونحو ذلك؟ نحن نقول:
أولاً: إن هذا التأمين من حيث الواقع الذي ندريه، ينقسم إلى قسمين:
стр. 6017
أحدهما: إجباري والآخر: اختياري، فما كان إجبارياً فلا مسؤولية على المُؤَمِّن، كمثل تلك الضرائب التي تفرض على المسلمين، ولا أقول على المواطنين.
أما إذا كان اختيارياً فننصح كل مسلم أن لا يؤمن على أيِّ شيء مما يُؤَمَّن عليه عادةً، سواء كان مما ذكرت آنفاً أو غير ذلك، هذا أولاً، هذا وإن كان ليس له علاقة بالسؤال، ولكن لا بد من هذا البيان والتفصيل.
أما الجواب عن السؤال فنقول: إن كان المُؤَمَّن قد دفع تلك القيمة التي ستدفعها الشركة؛ لأن الذي أحدث الحادث كان يدفع الراتب المفروض عليه، إن كان قيمة الدية هو قد دفعها، فلا بأس أن يأخذها على حَدِّ قوله تعالى ولو بغير هذه المناسبة: ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ [يوسف: ٦٥].
أما إن كان الذي دفعه أقل من ذلك، فله الحق أن يستعيد هذا الذي دفعه فقط، وما سوى ذلك فعليه أن يدفعه من جيبه ومن كيسه، هذا هو الجواب عن تمام السؤال، غيره.
(الهدى والنور / ٦٣٥/ ٢٤: ٤٨: ٠٠)
التأمين الإجباري هل يجوز أخذه من قِبَل السائق إذا قتل أحدًا بالخطأ ؟
مداخلة: تعلمون أن التأمين إلزامي ضد الغير على الآليات، فالآن: إذا أصاب أحد السائقين شخصاً بأذى بسيارته، هل يأخذ مما تدفع شركات التأمين شيئاً؟
الشيخ: لصالحه ما يأخذ ..
مداخلة: لصالح غيره ..
الشيخ: لصالحه، بحيث أنه يستفيد لنفسه ما يأخذ، فإن خرج له بحكم هذا النظام من التأمين، فهو كالمال الذي كان أودعه في البنك وأعطوه ما يسمونه بالفائدة، فلا تحل له هذه الفائدة ولا بقرش واحد، وإنما يصرفه في المرافق العامة.
стр. 6018
كذلك أقول: المُؤَمِّن تأمينًا شاملاً فتحطمت سيارته، وكان قد دفع القسط الأول، فما ينبغي له أن يأخذ ثمن السيارة؛ لأنه مقامرة، فإن أخذ فيصرفه في المرافق العامة.
مداخلة: لو سمحت إتماماً للسؤال: الذين كانوا معه في السيارة مثلاً أُصيبوا بجراح، والتأمين يُرَتَّب لهم علاجًا، ومن مات يعطيه خمسة آلاف دينار، فهل يأخذوا أولئك القوم أو لا يأخذوا؟
الشيخ: نفس الجواب، ما في شيء جديد في الموضوع، لكن هنا ينظر إلى سائق السيارة، إن كان هو المتسبب فعليه هو ليس على الشركة.
مداخلة: إيضاح لسؤال الأخ في حادث سيارة والتأمين: إذا كان المتسبب الغير، وحصل ضرر له ولمن معه في السيارة فيختلف .. ؟
الشيخ: ما يختلف، على الغير أن يدفع الإرش أو الدية أو على حسب الواقع.
مداخلة: نعم، الغير يدفع، وبالتالي إذا الغير ما دفع التأمين يدفع عنه.
الشيخ: نحن لا نتعرف على التأمين.
مداخلة: نعرف الغير.
الشيخ: نعم فقط.
(الهدى والنور/٧٧٦/ ١٤: ٣٩: ٠٠)
(الهدى والنور/٧٧٦/ ٢٨: ٤٠: ٠٠)
(الهدى والنور/٧٧٦/ ٤٨: ٤٣: ٠٠)
حكم شركات التأمين
مداخلة: شركات التأمين أظنكم تعرفونها، يعني: ما قول الشيخ؟
الشيخ: لا يجوز طبعاً.
مداخلة: بإطلاقها.
стр. 6019
الشيخ: على إطلاقها.
(رحلة النور: ٠٤ ب/٠٠: ١٧: ٤٠)
حكم التأمين
مداخلة: [حكم التأمين]؟
الشيخ: أنا لا أشك بأن التأمين بكل صوره لا يجوز؛ لأنه نظم للمخاطرة والمقامرة، والمخاطرة والمقامرة هو الميسر بعينه الذي حرمه الله في كتابه في الآية المعروفة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] وتأيد ذلك ببعض الأحاديث الصحيحة منها قوله ﵊ كما في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «إن الله حرم على أمتي الخمر والميسر والكوبة، والكوبة الطبل».
ولا شك أن الميسر وإن شئت قلت المقامرة لها صور عديدة وبخاصة في العصر الحاضر حيث تعددت صوره وتنوعت أشكاله، وكما قيل:
تعددت الأسباب والموت واحد.
فكلها تلتقي فيما حرمه الله من الميسر، من ذلك ما يسمى اليوم باليانصيب، ومنه ما يسميه بعضهم: باليانصيب الخيري زعموا، فأسماء يغيرونها [للتغرير] بالناس البسطاء ولتضليلهم كما جاء في الحديث الصحيح: «ليكونن في أمتي أقوام يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها» ولذلك يقول أهل العلم: تغيير الأسماء لا يغير من حقائق المسميات، فالخمر خمر ما دامت أنها تسكر مهما تنوعت الأسماء التي يطلقونها عليها، ومن هذه الأسماء الخبيثة المشروبات الروحية.
إذا عرفنا القمار والميسر عدنا إلى ما يسمى اليوم بالتأمين على الحياة أو السيارة أو العقارات أو نحو ذلك، وكل ذلك مخاطرة ومقامرة لا تقوم على أسباب تتعاطاها شركات التأمين، وإنما هو اليانصيب، فمن المعلوم أن كثيراً من الذين يؤمنون على
стр. 6020
سياراتهم وبعض عقاراتهم ومخازن بضاعاتهم ونحو ذلك يمضي على بعضهم السنين الطويلة وهو يدفع في كل سنة المبلغ المرسوم مقابل لا شيء سوى التأمين، كالمؤمن على سيارته مثلاً، وهذا وقع من بعضهم كثيراً مما علمنا مضى عليه نحو ثلاثين سنة وهو يدفع فلم يقع له حادث مطلقاً، فهذه المبالغ التي دفعها لم يدفعها مقابل شيء إطلاقاً سوى اسم التأمين، وعلى العكس من ذلك قد يتفق أحياناً أن بعض المؤمنين أول قسط يدفعه على سيارته الجديدة مثلاً فتصاب السيارة بحادث فتحطم فتقدم الشركة لهذا المؤمن سيارة أختها جديدة مقابل ماذا؟ القسط الأول الذي دفعه.
يا ترى! أولاً: من أين جاءت الشركة بهذا المال الذي اشترت لهذا المؤمن سيارة جديدة.
وثانياً: مقابل ماذا دفعت قيمة هذه السيارة الجديدة مقابل قسط واحد، قد يكون مبلغ مائة أو ألف أو أكثر أو أقل ليس هذا هو المهم.
ومن الواضح جداً أن ثمن هذه السيارة التي اشتُرِيَت للمُؤَمِّن هي من أموال المشتركين الآخرين الذين أمَّنوا على سياراتهم ولم يقع لهم حادث، هذه هي المقامرة وهذه المخاطرة والشركات كما تعرفون جيداً وبخاصة بعد ارتفاع الكمبيوتر هذا الحاسب الدقيق ليتمكنوا من الحسابات الدقيقة جداً بحيث أن كل إقليم مثلاً يعملون الحسابات كم حادث يمكن أن يقع، وكم قيمة هذه الحوادث بالتقريب، فهم يضعون من الضرائب على المشتركين بقدر ما يعوضون هذه الحوادث إن وقعت على أعلى تقدير ثم تبقى لهم بقية هي المكاسب التي يأخذونها مقابل حبر على ورق ولا شيء وراء ذلك.
قد يحسن بهذه المناسبة أن نذكر بأن من هذا النوع بعض الجوائز التي تقدم لبعض الذين يشترون حاجات معينة، فقط يبيعون في بعض العلب الكراتين بطاقة مكتوب عليها مكافئة وجائزة بكذا، وأبسط شيء القوارير الشراب البيبسي أو ما شابه ذلك الذي يخرج له ماركة معينة من الداخل له كذا وكذا، هذه المكافئات يمكن أن تكون من نوع المقامرة أيضاً ويمكن أن تكون من نوع جعالة، والفرق بين
стр. 6021
هذا وذاك أن ننظر إلى هذه المكافئة هل خرجت من جيب الشركة الخاص بها أم أضيفت هذه الجوائز قيمتها على سعر تلك البضاعة فحينئذٍ هذه تكون مقامرة ومحرمة ولا شك؛ [لأنها لا تقوم] على تجارة، ولا على شيء إنما هو مجرد الحظ على حساب جيوب الشراة الآخرين الذين لم تخرج لهم هذه الجوائز، وبلا شك الشركة حينما تضع هذه الجوائز وعلى حساب الشارين وليس على حساب جيبها تعمل أيضاً حساب كم قيمة هذه المكافئات لنفترض ألف أو آلاف مؤلفة فهذا يقسم على ثمن البضاعة ويضاف عليها فيكون هذه إضافة على حساب الشارين وليس على حساب الشركة، وهنا يقال أيضاً كما قلنا من قبل:
تعددت الأسباب والموت واحد.
كل هذه الأسباب تؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل؛ ولذلك فأنا أعتقد أنه لا يجوز المشاركة في شركات التأمين ولا التعاون معها إلا ما اضطررتم إليه، فهناك نوع من التأمين على السيارة في بعض البلاد يرغم أصحابها على التأمين ما يسمى في بعض البلاد بالتأمين الجزئي، أما التأمين الكلي فيبقى على الاختيار، فمن اضطر إلى التأمين الجزئي فهي كالضرائب التي تفرض في بعض البلاد لا مناص للمخالفين أن يدفعوها وإلا تعطلت حياتهم لا يستطيعون مثلاً أن يبنوا كناً يأوون إليه؛ لأن هناك ضرائب مسقفات يسمونها .. وما أدري أشياء أخرى وأخرى، فما دام الإنسان ليس مخيراً لدفع نوع من هذه الضرائب فهذا هو مجبور على ذلك من قِبَل الدولة، فمن ذلك أيضاً يدفع التأمين الإجباري المتعلق بالسيارة، أما أن يشترك الإنسان باختياره فهذا لا يجوز لما تبين من الكلام السابق أنه قمار وميسر ولا يجوز ذلك لتحليل ذلك، ولا ينبغي أن نغتر بتسمية الأشياء بغير أسمائها الحقيقة.
هذا ما لدينا حول هذا السؤال.
(رحلة النور: ٠٥ ب ٠٠: ١٨: ١١)
стр. 6022
ما حكم أخذ مال التعويض في حالة الحوادث بين السيارات ؟
مداخلة: يا شيخ ما حكم أخذ مال التعويض في حالة الحوادث بين السيارات؟
الشيخ: ممن؟
مداخلة: يعني: متصادمان سيارتين وأحدهما مخطئ، فالذي يرتكب عليه الخطأ يطلب من المخطئ أن يدفع له مثلًا بتقرير من المرور.
الشيخ: ما في مانع.
(فتاوى رابغ (٧) /٠٠: ١٠: ١١)
حكم التأمين الشامل
مداخلة: بالنسبة لشراء السيارة شيخنا، البنك يشترط أنه السيارة تُؤَمَّن تأميناً شاملاً؛ حتى نحفظ حقه، هذا إذا تلفت السيارة، هذا يجوز شيخنا؟
الشيخ: التأمين الشامل لا يجوز.
(الهدى والنور / ١٣٣/ ٥٥: ٣٩: ٠٠)
التحايل على شركات التأمين بإدعاء تلف بضاعة وقبض التأمين عليها ثم بيعها
يسأل أحد الإخوة أنه يعمل في التجارة، وأحياناً يكون في الباخرة بضاعة وهذه البضاعة تُقَدَّر بثمن ملايين الدولارات، وصاحب البضاعة اللِّي هو يعني: مثلاً أوروبي أو أجنبي يتحايل على شركة التأمين، فيقول لشركة التأمين: بأن البضاعة قد سُرِقت من الباخرة ويقتنعون بكلامهم، ثم تأتي البضاعة إلى دبي مثلاً وتُباع بمقدار مليون؟
الشيخ: وأصل قيمتها كم؟
стр. 6023
مداخلة: ثمنها ثمان ملايين.
الشيخ: ثمان ملايين.
مداخلة: أي نعم، وتُباع بمليون.
الشيخ: كيف هذا؟
مداخلة: لأنه قبض من شركة التأمين ثمان ملايين ثمن البضاعة، وباعها كذلك بمليون، تسع ملايين أصبح أخذ صاحب البضاعة تسعة ملايين، بهذه الطريقة تباع ..
يعني: هل يجوز للتاجر المسلم أن يشتري هذه البضاعة المسروقة بطرق؟
الشيخ: طبعاً الجواب واضح أنه لا يجوز، لكن أنا أُريد أفهم القصة كواقع.
مداخلة: نعم.
الشيخ: كيف البضاعة الضخمة هذه، وشركة التأمين نعرف أنه يعني لا تقل فحصها، دقتها في سبيل مصلحتها عن عمل الجواسيس.
مداخلة: نعم.
الشيخ: كيف تقتنع بأنه هذه البضاعة مثلاً؟
مداخلة: والله هذا السائل يقول هذا، يسألني هذا السؤال قال: وأنا أنقل الثوابت.
الشيخ: طَيِّب.
مداخلة: أنا أنقل لك السؤال كما جاء، هل هذا جائز أم لا؟
الشيخ: أنا أقول: لا يجوز.
مداخلة: جزاك الله خير.
الشيخ: وإياك.
(الهدى والنور / ٣٥٥/ ٣٨: ١٨: ٠٠)
стр. 6024
الرشوة
стр. 6025
كفارة الرشوة
مداخلة: هل الرشوة لها كفارة؟
الشيخ: ليس لها الكفارة، لكن ما هو رأيك الرشوة ذنب أم ليس ذنب؟
مداخلة: ذنب.
الشيخ: ذنب كويس، والذنب اللّي له كفارة أهون، أم الذنب اللِّي ما له كفارة أهون أيهما أهون فيما ترى؟
مداخلة: الذنب اللّي له كفارة أهون؟
الشيخ: أحسنت، ليس لها كفارة.
مداخلة: إلا التوبة.
الشيخ: إلا التوبة.
(الهدى والنور /١٣٤/ ٣٥: ٠٦: ٠١)
هل الرشوة جائزة لجلب حق لا يُحَصَّل إلا بها ؟
سؤال: موضوع ما يسمى بالرشوة، قرأت بعض الفتاوى، إجازة إعطاء الرشوة إذا لا تُحَقِّق مضرة أو أخذ حق إنسان آخر، والبعض الآخر يقول: إن الرشوة حرام؛ لأنها أصلاً أتت بحكم عام ولم تخصص، ولم تُعَلِّل أنها حرام في حالة كذا وكذا؛ فتصبح مباحة إذا لم يصبح كذا وكذا، فأيُّ الرأيين أصوب؟
الشيخ: أنا في اعتقادي: إذا فهمنا معنى كلمة الرشوة في اللغة العربية، التي جاء بها الحديث النبوي، نأخذ الجواب بكل صراحة وبيان.
الرشوة هو إعطاء مال لإبطال حق أو إحقاق باطل، وانتهى الموضوع، هذا الاصطلاح الشرعي.
следующие страницы →