← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

المنافقون وصلاة الفجر مداخلة: هل حضر المنافقون صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ ؟ الشيخ: نعم. مداخلة: جزاك الله خيرًا. الشيخ: تعلمون جميعاً أن النفاق نفاقين اثنين: نفاق قلبي، ونفاق عملي، النفاق القلبي هو الكفر بِعَيْنِه، وهم الذين قال الله في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] هم الذين يُظْهِرُون الإسلام ويُبْطِنون الكفر. أما النفاق العملي فهو المسلمون حقاً، مؤمنون قلباً، ولكنهم يعملون بخلاف بعض الأحكام الإسلامية. فإذا عرفنا هذا التفصيل، وبخاصة ما يتعلق بالقسم الأول من المنافقين، وهم الذين يظهرون الإسلام ويُبْطنون الكفر، لا بد من أن نتصور أنهم كانوا يحضرون المساجد وصلاة الجماعة، وإلا كان ينفضح أمرُهم، وينكشف ما أَضْمَروه في أنفسهم من الكفر. ثم لا يخفاكم قول الرسول ﷺ في قصة عبد الله بن أُبَيّ، أنه لما مات أراد أن يصلي عليه، فوقف أمامه عمر بن الخطاب، وقال له: أَتُصَلِّي عليه وهو من المنافقين؟ فأجاب الرسول ﵇: «بأنه لم يُنْهَ» أي: من قبل، ثم نزل هناك آية في النهي عن الوقوف على قبر المنافقين وعلى الصلاة عليهم: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] نعم. فالقصد: أن مثل هذا كان -بلا شك- يحضر المساجد، ويوهم الناس بأنه مسلم مثلهم، لكن الله كَشَف عن كثيرين منهم وعن نفاقهم، ومع ذلك -

стр. 632

وهنا حكمة بالغة بالشريعة الإسلامية- أن النبي ﷺ عاملهم بما أظهروه، ولم يُعاملهم بما أبطنوا وأسَرُّوا؛ ولذلك صلى على هذا الإنسان، ثم لما نُهِي عن الصلاة على المنافقين، وكان عنده علم مسبق بمن هم من المنافقين لم يعد يصلي عليهم. ومن هنا: جاء قوله ﵇: «ليُذَادَن أقوام يوم القيامة عن حوضي، فأقول: يا رب أصحابي أصحابي، وفي رواية: أُصَيْحابي أُصَيْحَابي، فيقال له: إنك لا تدري ما أَحْدَثوا بعدك، إنهم لن يزالوا القهقرى، فأقول حينئذٍ: سُحْقاً سُحْقاً». خلاصة الجواب: أن هذا كان موجوداً، ولعَلّ النبي ﷺ حينما قال قَوْلته المشهورة في الصحيحين: «لقد هَمَمت أن آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم آمُر رجالاً فيحطبوا حطباً، ثم أُخَالف إلى أناس يدعون الصلاة مع الجماعة، فأُحَرِّق عليهم بيوتهم، والذي نفس محمد بيده لو يعلم أحدهم أن في المسجد مَرْمَاتين حسنتين لشهدها» يعني: صلاة العشاء. يمكن أن يكون هؤلاء المتخلفين من أولئك المنافقين، سواء القسم الأول أو القسم الآخر؛ ولذلك صح عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: «ما كنا نرى الذين يتخلفون عن صلاة الجماعة، إلا أنهم من المنافقين» نعم. مداخلة: إذاً: هل كانوا بدلالة هذا الحديث يَشْهدون صلاة الفجر؟ لأن السؤال هنا: هل كان المنافقون أو ثبت أن المنافقين يَحْضُرون صلاة الفجر؟ الشيخ: أنا أظن -بارك الله فيك- تعليقي على الحديث: «لقد هَمَمْت» هو جواب هذا الحديث نفسه، وإلا ترى هناك فرقاً بين هذا وذاك: أن الذين كانوا يتخلفون عن صلاة الجماعة يمكن يكونوا من القسم الأول أو من القسم الآخر؟ مداخلة: إذاً، لم يكونوا يحضروا الصلاة. الشيخ: لم يكونوا يحضرون صلاة الجماعة؟ مداخلة: نعم.

стр. 633

الشيخ: نعم. مداخلة: وأهمها صلاة الفجر. الشيخ: أي نعم. مداخلة: إذاً: لا نحكم على شخص يحضر معنا صلاة الفجر بالنفاق، مفهوم المخالفة؟ الشيخ: لا، هذا ما يقال؛ لأن فروع النفاق كثيرة، كما قال ﵇: «آية المنافق ثلاث: إذا حَدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»، ما نقول له منافق من هذه الحيثية، لكن قد يكون فيه حيثيات أخرى، فيقال فيه ما قال هو ﵇. «الهدى والنور /٧٣١/ ٤٩: ٥٠: ٠٠» نصيحة لمن يؤخر صلاة الفجر عن وقتها الشيخ: الإنسان رَبُّنا خلقه في أحسن تقويم لا شك، وقَدَّر له حاجةً إلى طعام إلى شراب، إلى راحة، إلى النوم، وكل إنسان يحتاج إلى ساعات من الراحة بالنوم، خاصة إذا كان شاباً وقد يحتاج إلى ساعات أكثر، فإذا سهر بعد صلاة العشاء ساعتين، فيعودهما على السهر وترك صلاة الفجر. فأنا أقول له: نَظِّم حياتك، نَظِّم ساعات راحتك ونومك، نم مبكراً، استيقظ مبكراً، حينئذٍ يتيسر لك أن تُصَلِّي صلاة الفجر، أولاً في وقتها وليس بعد طلوع الشمس. ثانياً: تصليها مع جماعة المسلمين كما هو الشأن في بقية الصلوات، كما تقدم في الجواب الأول. ثم نقول له: هذه الصلاة التي يُصَلِّيها بعد طلوع الشمس، لا قيمة لها إلا في

стр. 634

حالة واحدة، إذا اتَّبع السنة ونام مبكراً ثم غلبه النوم، واستيقظ بعد طلوع الشمس، فليُصَلِّها حين يذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك. أما أن يُغَيِّر نمط حياته، ويجعل حياته على خلاف الشرع، فيعتبر ذلك عذراً له، ينام في نصف الليل .. يسهر ويقوم في نصف النهار، ويقول: والله أنا لا أستطيع. نقول له: يا أخي نم في أول الليل، تستطيع أن تقوم في آخر الليل .. وهكذا. فهذه الصلاة التي يصليها دائماً وأبداً بعد طلوع الشمس، لا قيمة لها في الشرع أبداً. هل تجزئ هذه الصلاة وما يترتب عليها من إثم أم اعتُبر كافراً؟ أقول: هذه الصلاة لا تجزيه، أي: لا تبرأ ذمتُه بأدائه صلاة الفجر دائماً وأبداً بعد طلوع الشمس، إلا في الحالة التي ذكرتها آنفاً. وخلاصة ذلك أنه ينام بعد صلاة العشاء، فإذا غَلَبه النوم وما استيقظ إلا بعد طلوع الشمس، فلا مؤاخذة للنائم. لكن أن يظل في منهجه السابق ما يجوز ولا تجزيه هذه الصلاة. أم أنه يعتبر كافراً أم مقصر فقط؟ أقول: لا يعتبر كافراً إذا كان معترفاً بشرعية هذه الصلاة كل في وقتها، وضميره كما يقولون اليوم يؤنبه على تقصيره، فهذا لا يعتبر كافراً .. مداخلة: بخلاف المنهج. الشيخ: بخلاف المنهج. لا يعتبر كافراً وإنما يعتبر مقصراً أشد التقصير، وأخيراً: أدى فريضة الحج فهل تعتبر صحيحة؟ نقول: إذا كان قد أدى فريضة الحج بشروطها وبأركانها فهي صحيحة،

стр. 635

واضح؟ مداخلة: نعم. «الهدى والنور /٤٠٢/ ٢٠: ١١: ٠٠» «الهدى والنور /٤٠٢/ ٣٠: ١٥: ٠٠»

стр. 636

صلاة الظهر وأحكامها

стр. 637

أول وقت الظهر وآخره أول صلاة الظهر حين تزول الشمس وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر. وهذا قطعة من حديث لأبي هريرة ﵁ مرفوعا بلفظ: «إن للصلاة أولا وآخرا، وإن أول وقت صلاة الظهر حين تزول الشمس، وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر، وإن أول وقت صلاة العصر حين يدخل وقتها، وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس، وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق، وإن أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الأفق، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل، وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس». أخرجه الترمذي «١/ ٢٨٣ - ٢٨٤» والطحاوي «١/ ٨٩ و ٩٣» والدارقطني «٩٧» والبيهقي «١/ ٣٧٥ - ٣٧٦» وأحمد «٢/ ٢٣٢» وابن حزم في «المحلى» «٣/ ١٦٨» كلهم من طريق محمد بن فضيل عن الأعمش عن أبي صالح عنه وهذا سند صحيح على شرط الشيخين وقد صححه ابن حزم وقد أعله البخاري وغيره بأن الصواب أنه مرسل ورد ذلك ابن حزم وغيره فأصاب ولا سيما أن له شاهدا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن وقت الصلوات فقال: «وقت صلاة الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول، ووقت صلاة الظهر إذا زالت الشمس عن بطن السماء ما لم يحضر العصر، ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس ويسقط قرنها الأول، ووقت صلاة المغرب إذا غابت الشمس ما لم يسقط الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل». رواه مسلم «٢/ ١٠٥» واللفظ له وأبو داود «١/ ٦٤» ون «٩٠ - ٩١» والطحاوي «٩٠ و ٩٣» وأحمد «٢/ ٢١٠ و ٢١٣ و ٢٢٣» عن قتادة عن أبي أيوب عنه. ورواه ابن حزم «٣/ ١٦٦» والطيالسي «٢٩٧». [الثمر المستطاب «١/ ٥٥»].

стр. 638

استحباب تأخير صلاة الظهر في الحر ويستحب تأخيرها في الحر: عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ إذا كان الحر أبرد بالصلاة وإذا كان البرد عجل. ن «٨٧»: أخبرنا عبيد الله بن سعيد قال: ثنا أبو سعيد مولى بني هاشم قال: ثنا خالد بن دينار أبو خلدة قال: سمعت: أنس بن مالك به. وهذا سند صحيح على شرط البخاري. وقال ﵊: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم» «الجماعة». وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق. - وسواء ذلك لمن قصد المسجد البعيد عنه أو القريب منه لحديث أبي ذر في الإبراد في السفر وهم مجتمعون. انظر الترمذي «٢٩٦». [الثمر المستطاب «١/ ٥٧»]. الجمع بين صلاة النبي ﷺ الظهر بالهاجرة وبين أمره بالإبراد بها «كنا نصلي مع رسول الله ﷺ صلاة الظهر بالهاجرة فقال لنا: أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم». ضعيف بهذا السياق. [قال الإمام]: وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة عندي، لتفرد الضعيف به، وعدم وجود شاهد معتبر له. ثم إن الكلام عليه إنما هو بالنظر لوروده بهذا السياق الذي يدل على أن صلاته ﷺ بالهاجرة منسوخ بقوله: أبردوا .. وهو ظاهر الدلالة على ذلك، وبه احتج الطحاوي وغيره على النسخ فإذا تبين ضعفه سقط الاحتجاج به، وأما إذا نظرنا إلى الحديث نظرة أخرى وهي أنه تضمن أمرين اثنين: صلاته ﷺ بالهاجرة، وأمره بالإبراد، دون أن نربط بينهما بهذا السياق الذي يمنع من فعل أي الأمرين ويضطرنا إلى القول بالنسخ. أقول إذا نظرنا إليه هذه النظرة فالحديث صحيح، أما الأمر الأول فقد ورد من حديث جابر قال: «كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة». أخرجه البخاري «٢/ ٣٣» ومسلم «٢/ ١١٩»

стр. 639

وغيرهما. وأما الأمر بالإبراد. فقد ورد في «الصحيحين» وغيرهما من طرق عن أبي هريرة وعن أبي سعيد أيضا، وابن عمر، فإذا عرف هذا، فقد اختلف العلماء في الجمع بين الأمرين، فذهب الطحاوي وغيره إلا أن الأول منسوخ، وقد عرفت ضعف دليله، وذهب الجمهور إلى أن الأمر بالإبراد أمر استحباب، فيجوز التعجيل به، والإبراد أفضل، وذهب بعض الأئمة إلى تخصيص ذلك بالجماعة دون المنفرد، وبما إذا كانوا ينتابون مسجدا من بعد، فلوكانوا مجتمعين، أو كانوا يمشون في كن فالأفضل في حقهم التعجيل، والحق التسوية، وأنه لا فرق بين جماعة وجماعة، ولا بينهما وبين الفرد، فالكل يستحب لهم الإبراد، لأن التأذي بالحر الذي يتسبب عنه ذهاب الخشوع، يستوي فيه المنفرد وغيره كما قال الشوكاني «١/ ٢٦٥». وأما تخصيص ذلك بالبلد الحار، فهو الظاهر من التعليل في قوله «فإن شدة الحر من فيح جهنم». ويشهد له من فعله ﷺ حديث أنس قال: «كان رسول الله ﷺ إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة». أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» «١١٦٢» والنسائي «١/ ٨٧» والطحاوي «١/ ١١١»، وله عنده شاهد من حديث أبي مسعود بسند حسن. «تنبيه»: قال الحافظ في «التلخيص» في تخريج حديث المغيرة: «وفي رواية للخلال: وكان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ الإبراد». وتلقى هذا عنه الشوكاني في «نيل الأوطار» «١/ ٢٦٥» دون أن يعزوه إليه كما هو الغالب عليه من عادته! ثم بنى على ذلك قوله في الصفحة التي قبل المشار إليها: «فرواية الخلال من أعظم الأدلة الدالة على النسخ». قلت: لكن الظاهر مما نقله الحافظ العراقي عن الخلال فيما سبق ذكره في هذا البحث أن هذه الرواية ليست من حديث المغيرة، وإنما هي من قول الإمام أحمد ﵀، وقد صرح بهذا الحافظ في «الفتح» «٢/ ١٣» فقال: «ونقل الخلال عن أحمد أنه قال: هذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ». وكذا قال الصنعاني في «العدة» «٢/ ٤٨٥» دون أن يعزوه للحافظ أيضاً. السلسلة الضعيفة «٢/ ٣٦٤ - ٣٦٥».

стр. 640

وقت الظهر بين الشتاء والصيف وعن ابن مسعود، قال: كان قدر صلاة رسول الله ﷺ الظهر في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام، وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام. رواه أبو داود والنسائي. قال الألباني معلقاً على هذا الحديث: أي قدر تأخير الصلاة عن الزوال ما يظهر فيه قدر ثلاثة أقدام للظل، أي يصير كل ظل إنسان ثلاثة أقدام من أقدامه، فيعتبر قدم كل إنسان بالنظر إلى ظله، والمراد: أن يبلغ مجموع الظل الأصلي والزائد هذا المبلغ، لا أن يصير الزائد هذا القدر، ويعتبر الأصلي سوى ذلك، فهذا قد يكون لزيادة الظل الأصلي كما في أيام الشتاء، وقد يكون لزيادة الظل الزائد بسبب الإبراد، كما في أيام الصيف، كذا حققه السندي على النسائي. «التعليق على مشكاة المصابيح ١/ ١٨٧»

стр. 641

صلاة العصر وأحكامها

стр. 642

أول وقت العصر وآخره وأول وقت صلاة العصر حين يصير ظل كل شيء مثله: عن جابر: «أن النبي ﷺ جاءه جبريل فقال: قم فصله فصلى الظهر حين زالت الشمس، ثم جاءه العصر فقال: قم فصله: فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، أو قال: صار ظله مثله، ثم جاءه المغرب فقال: قم فصله، فصلى حين وجبت الشمس، ثم جاءه العشاء فقال: قم فصله، فصلى حين غاب الشفق، ثم جاءه الفجر فقال: قم فصله، فصلى حين برق الفجر أو قال: حين سطع الفجر، ثم جاءه من الغد للظهر فقال: قم فصله فصلى الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم جاءه للعصر فقال: قم فصله فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، ثم جاءه للمغرب «المغرب» وقتا واحدا لم يزل عنه، ثم جاءه للعشاء «العشاء» حين ذهب نصف الليل أو قال: ثلث الليل فصلى العشاء، ثم جاءه للفجر حين أسفر جدا فقال: قم فصله فصلى الفجر، ثم قال: ما بين هذين وقت» [صحيح]. وهذا القول هو مذهب الجمهور ورواية أبي حنيفة في الطحاوي «٩٥». وآخر وقتها حين تصفر الشمس ويسقط قرنها الأول كما في حديث أبي هريرة وابن عمرو السابقين ولما يدل على ذلك قوله ﵊: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» «متفق عليه» وهو مذهب الجمهور كما في «النيل» «٢/ ٢٦٧» وممن قال بذلك أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن رحمهم اله كما في الطحاوي «٩٠». وأما قول الشوكاني: وقال أبو حنيفة: آخره الاصفرار فلعله رواية عن أبي حنيفة. ولكن لا يجوز تأخيرها إلى الاصفرار قبل الغروب إلا لعذر قال ﵊: «تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله إلا قليلا» «رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه» وقد نقل الترمذي «٣٠٠» القول بكراهة تأخيرها عن عبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق. وهو قول ابن حزم «٣/ ١٦٤». [الثمر المستطاب «١/ ٥٧»].

стр. 643

صلاة العصر هي الصلاة الوسطى وهي [أي العصر] الصلاة الوسطى. قال ﵇ يوم الأحزاب: «ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» «متفق عليه». ولمسلم وأحمد وأبي داود: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر». وفي معناه أحاديث كثيرة صحيحة، وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم. قاله الترمذي «١/ ٣٤٢». [الثمر المستطاب «١/ ٥٩»]. فضل وقت العصر [قال رسول الله ﷺ ]: «ثلاثةٌ لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظُرُ إليهم، ولا يزكِّيهم، ولهم عذاب أليم: رجل على فضلِ ماء بالفلاة؛ يمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع رجلاً بسلعة بعد العصر، فحلف له بالله: لأَخَذَها بكذا وكذا، فصدّقه، وهو على غير ذلك، ورجلٌ بايع إماماً؛ لا يُبايعُهُ إلا لدنيا؛ فإن أعطاه منها وفى، وإن لم يعطه منها لم يَفِ». [قال الإمام]: «فائدة»: قال الإمام البغوي في «شرح السنة» «١٠/ ١٤٣»: «قيل: إنما خص: «بعد العصر» بالذكر؛ لأن الله قد عظم شأن هذا الوقت، فقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]؛ فروي عن جماعة من الصحابة أن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ويجتمع فيها ملائكة الليل والنهار، وترفع فيها الأعمال التي اكتسبها العبد من أول النهار. ومما يؤكد تعظيم حرمة هذا الوقت: قول الله : ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِالله﴾ [المائدة: ١٠٦] قيل: أراد به صلاة العصر. السلسلة الصحيحة «٧/ ٣/ ١٦٣٧».

стр. 644

حبوط العمل المتوعد به لمن ترك صلاة العصر السؤال: نسأل عن حديث رسول الله ﵊: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله»؟ الشيخ: نعم، بس تفسير حبوط العمل في هذا الحديث اختلفوا فيه كثيراً؛ بحيث أنه لا يبدو لنا وجهٌ لترجيح قولٍ على قول. بمعنى: هل هو شامل لكل عمل صالح عَمِلَه منذ أن دخل في سِنّ التكليف، أم حبط عمله في ذلك اليوم، والله أعلم بالحقيقة. «الهدى والنور /٤٣٩/ ٠٠: ١٧: ٠٠»

стр. 645

صلاة المغرب وأحكامها

стр. 646

أول وآخر وقت المغرب وأول وقت المغرب حين تغرب الشمس وآخر وقتها حين يغيب الشفق وهو قطعة من حديث أبي هريرة وحديث ابن عمرو أيضا وقد تقدما في أول الفصل. والحكم الأول متفق عليه والآخر مختلف فيه فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه ليس لصلاة المغرب إلا وقت واحد، وذهبوا إلى حديث جبريل ﵇ المتقدم وفيه أنه صلى المغرب في اليومين حين وجبت الشمس وقتا واحدا. وهو قول ابن المبارك والشافعي. لكن الأحاديث الصحيحة تقتضي امتداد وقت المغرب إلى ذهاب الشفق، وهو قول للشافعي في القديم والجديد. وصححه جمع من الشافعية واختاره النووي وانتصر له فراجع كلامه في «المجموع» «٣/ ٢٩ - ٣٣». وحديث جبريل إنما يدل على وقت الفضيلة والإختيار كما دل هو أيضا على ذلك بخصوص صلاة العصر. والشفق هو الحمرة لقوله ﵇: «ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق». أخرجه مسلم «٢/ ١٠٤» في رواية من حديث ابن عمرو المتقدم وهو عند أبي داود بلفظ: فور الشفق. وهو بمعنى ثور أي ثورانه. قال النووي في «المجموع» «٣/ ٣٦»: «وهذه صفة الأحمر لا الأبيض» وقد رواه ابن خزيمة في «صحيحه» مصرحا بذلك فقال: ثنا عمار بن خالد: ثنا محمد بن يزيد -هو الواسطي- عن شعبة عن قتاجة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو رفعه: «وقت صلاة المغرب إلى أن تذهب حمرة الشفق .... » الحديث وهذا إسناد جيد إلا أن ابن خزيمة قال بعد أن ساقه: إن صحت هذه اللفظة تفرد بها محمد بن يزيد وإنما قال أصحاب شعبة فيه: نور الشفق مكان حمرة الشفق. قال الحافظ في «التلخيص» «٣/ ٢٨»: «قلت: محمد بن يزيد صدوق» وقال: في التقريب»: «ثقة ثبت عابد». وقد ذهب إلى أن الشفق الحمرة جمهور الفقهاء وأهل اللغة وهو قول

стр. 647

الصاحبين، وقد رواه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عمر كما في «تهذيب الأسماء» «٢/ ١٦٥» ورواه الدارقطني «١٠٠» مرفوعا وأعلوه. ثم رواه عن عبادة ابن الصامت وشداد بن أوس معا وعن أبي هريرة موقوفا. وقال أبو حنيفة والمزني وطائفة من الفقهاء وأهل اللغة: المراد الأبيض وهو بعد الأحمر قال في «شرح مسلم»: «والأول هو الراجح». وإليه ذهب ابن حزم «٣/ ١٩٢ - ١٩٤». [الثمر المستطاب «١/ ٦٠»]. استحباب المبادرة بصلاة المغرب قبل اشتباك النجوم ويستحب المبادرة إلى صلاة المغرب والتعجيل بها قبل اشتباك النجوم لقوله ﵊: «لا تزال أمتي بخير - أو على الفطرة - ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم». وهو حديث صحيح بطرقه وقد ذكرت كثيرا منها في التعليق على الطبراني رقم «٣٦٥». وقد صححه الحاكم والذهبي. [الثمر المستطاب «١/ ٦٠»]. صلاة ركعتين قبل المغرب ولا ينافي ذلك [أي استحباب المبادرة بصلاة المغرب إذا دخل وقتها] صلاة الركعتين قبل المغرب لثبوتهما عنه ﷺ قولا وإقرارا، قال ﵇: «بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة» ثم قال في الثالثة: «لمن شاء». «الجماعة» وابن نصر «٢٦». وفي رواية: «صلوا قبل المغرب ركعتين» ثم قال: «صلوا قبل المغرب ركعتين»

стр. 648

ثم قال عند الثالثة: «لمن شاء» كراهة أن يتخذها الناس سنة. «حم خ دن قط». وقال أنس: كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري حتى يخرج النبي وهم كذلك يصلون ركعتين قبل المغرب لم يكن بين الأذان والإقامة شيء. وفي رواية: إلا قليل «حم خ ابن نصر». وفي رواية: فقيل له: أكان رسول الله ﷺ صلاهما؟ قال: كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا. «م د قط: ١٠٠» وله شاهد من حديث عقبة عند «خ حم قط ابن نصر». وأما ما أخرجه أبو داود وحده «٢٠٢» من طريق شعبة عن أبي شعيب عن طاوس قال: سئل ابن عمر عن الركعتين قبل المغرب فقال: ما رأيت أحدا على عهد رسول الله ﷺ يصليهما. فهو مع كونه نافيا - وقد علم أن المثبت مقدم على النافي - لا يقاوم في الصحة ما تقدم فإن أبا شعيب هذا اسمه شعيب وليس بالمشهور كثيرا وقد قال فيه أبو زرعة: «لا بأس به»، وكذا في «التقريب» وقد سكت على الحديث في «التلخيص» «٤/ ٨» وفي «الدراية» «١١٩» وأ / االنووي فقال في «المجموع» «٤/ ٨»: «إن إسناده حسن». والله أعلم. - ثم إني بعد كتابة ما تقدم رجعت إلى «المحلى» لابن حزم فإذا به يقول «٢/ ٢٥٤» - وقد ذكر حديث ابن عمر هذا -: «إنه لا يصح لأنه عن أبي شعيب أو شعيب ولا ندري من هو». [الثمر المستطاب «١/ ٦٢»]. تقديم العَشاء على الصلاة إذا كانت نفسه تتوق إليه وأما إذا وضع العشاء وكانت نفسه تتوق إليه فعليه أن يبدأ به ولو أدى ذلك إلى تأخير الصلاة قال ﵊: «إذا قدم العشاء فابدؤوا به قبل صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم» «متفق

стр. 649

عليه». وكذلك الشأن في كل صلاة. قال ﵇: «إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدؤوا بالعشاء». وقال: «لا صلاة بحضرة الطعام» «م». وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ وإنه ليسمع قراءة الإمام. ويتأكد ذلك للصائم لقوله ﵊: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» «متفق عليه». [الثمر المستطاب «١/ ٦٣»]. لا يجوز تسمية المغرب بالعشاء ولا يجوز تسميتها بالعشاء لقوله ﵇: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب» قال: «والأعراب تقول: هي العشاء». أخرجه البخاري في «الصلاة: باب من كره أن يقال للمغرب: العشاء». وأحمد «٥/ ٥٥». وعزاه في «المنتتقى» لمسلم أيضا حيث قال: «متفق عليه». وهو وهم فليس هو في مسلم وقد اقتصر في عزوه إلى البخاري صاحب «المشارق» وكذا النووي في «المجموع» «٣/ ٢٩». قال السندي: كأن المراد فيه وفي مثله النهي عن إكثار إطلاق لغة الأعراب بحيث تغلب لغة الأعراب على الاسم الشرعي فيقل إطلاق الاسم الشرعي بين الناس ويكثر إطلاق اسم الأعراب، فلا ينافي إطلاق اسم العشاء على قلة، ولهذا ورد مثل هذا النهي في إطلاق اسم العتمة على العشاء ثم جاء إطلاق اسم العتمة

стр. 650

على العشاء في الشرع على قلة، والله أعلم. [الثمر المستطاب «١/ ٦٤»]. التعجيل بأذان المغرب من السنن المتروكة «إذا أذنت المغرب فاحدرها مع الشمس حدرا». [ترجم له الإمام بقوله: التعجيل بأذان المغرب. ثم قال]: قوله: «فاحدرها» أي: صلاة المغرب. قال ابن الأثير في «النهاية»: «فاحدر»، أي: أسرع، حدر في قراءته وأذانه يحدر حدرا، وهو من الحدور ضد الصعود، ويتعدى ولا يتعدى. قلت: وهذه من السنن المتروكة في بلاد الشام، ومنها عمان، فإن داري في جبل هملان من جبالها، أرى بعيني طلوع الشمس وغروبها، وأسمعهم يؤذنون للمغرب بعد غروب الشمس بنحو عشر دقائق، علما بأن الشمس تغرب عمن كان في وسط عمان ووديانها قبل أن تغرب عنا! وعلى العكس من ذلك فإنهم يؤذنون لصلاة الفجر قبل دخول وقتها بنحو نصف ساعة. فإنا لله وإنا إليه راجعون. السلسلة الصحيحة «٥/ ٣٠١». تأخير صلاة المغرب لمن تنجَّس ثوبه مداخلة: هل يجوز تأخير صلاة المغرب ووقتها كما يقول قصير: إذا كنت في البر وقد تلوثت ثيابي بنجاسة وليس عندي غيرها حتى أصل إلى البيت. الشيخ: لا، لكن أظن السؤال: حتى أصل البيت بعد نصف الليل أو متى؟ المسألة تحتاج إلى شيء من التوضيح! لا شك أن الصلاة وهو حامل للنجاسة لا تصح ولا تجوز لقول تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] فإذا كان الإنسان في وضع لا يستطيع أن يطهر ثيابه فينبغي أن يتأمل: هل الثوب النجس الذي لا يتمكن من غسله هو مثلاً ثوب داخلي ففي هذ الحالة يمكن أن يقال له: دعه وتكفيك الثياب

стр. 651

إن أخرى كالعباءة مثلاً أو كالقميص المتنجس هو السروال مثلاً ولم يتمكن من غسله فيقال له اخلع سروالك وصل بالقميص الطويل وبخاصة أنهم قديماً كانوا لا يلبسون السراويل حتى النساء، وإنما كانوا يكتفون بلبس هذا القميص الطويل الذي يسمى في بعض البلاد بالجلابية أو الدشداشة أو نحو ذلك، وهو لغة هو القميص، فقد يطول وقد يقصر، فهذا مخرج لكي لا يؤخر الصلاة عن وقتها أن يخلع الثوب النجس ويصلي بالثوب الآخر. أما إذا فرضنا وضيقنا الصورة أنه لا يستطيع أن يصلي إلا عارياً فحينئذٍ نقول له: إذا أمكنك أن تتأخر بالصلاة إلى ما قبل خروج وقتها من أجل غسل الثوب فهذا هو المخرج، أما إذا لزم من ذلك إخراج الصلاة عن وقتها بحيث أنها لا تصلى بعد خروج وقتها فحينئذٍ يصلي بحدود ما يستطيع، وقد ذكرنا صورة من الاستطاعة وهو خلع الثوب النجس، فإذا كان ليس له إلا هذا الثوب الواحد ودار الأمر بين أن يصلي مكشوف العورة وبين أن يصلي مستور العورة ولكن بثوب نجس فهنا يقال: يقدم الشر الأصغر على الشر الأكبر فنقول له: صل بالثوب النجس أخف جرماً أو خطأً أو قباحةً من أن تصلي عارياً عن ستر العورة، في حالة خشية إخراج الصلاة عن وقتها؛ لأن الصلاة إذا خرجت عن وقتها لم يمكن للمكلف أن يقضيها إلا بعذر واحد من عذرين اثنين هما: النوم أو النسيان لقوله ﵊: «من نسي صلاةً أو نام عنها فليصلها حين يذكرها لا كفارة لها إلا ذلك» من نسي صلاة في أثناء عمله غفل عن صلاة الظهر مثلاً حتى دخل وقت صلاة العصر فلما سمع أذان العصر أو نبه بأي وسيلة أخرى تذكر أنه لم يصل الظهر، حينئذٍ فوراً يباشر صلاة الظهر ثم صلاة العصر، أو نام مثلاً عن صلاة الظهر أو صلاة الفجر فلم يستيقظ لها إلا بعد خروجها عن وقتها فالرسول ﵇ يقول لكل من الحالتين: حالة النوم عن الصلاة، أو حالة نسيانها، قال ﵇: «فليصلها حين يذكرها لا كفارة لها إلا ذلك» لهذا لا يجوز أن يؤخر الصلاة بحكم أن الثوب نجس إلى خروج وقتها وإنما يسعى لحل المشكلة بأقرب طريق كما ذكرنا. «رحلة النور: ٢٤ ب/٠٠: ١٨: ٥٧»

стр. 652

صلاة العشاء وأحكامها

стр. 653

أول وآخر وقت العشاء أول وقتها حين يغيب الشفق وهو الأحمر - كما سبق - ومن حجة من قال ذلك ما قاله ابن سيد الناس في شرح الترمذي: وقد علم كل من له علم بالمطالع والمغارب أن البياض لا يغيب إلا عند ثلث الليل الأول بيقين وهو الذي حد ﵊ خروج أكثر الوقت به، فصح يقينا أن وقتها داخل قبل ثلث الليل الأول بيقين، فقد ثبت من النص أنه داخل قبل مغيب الشفق الذي هو البياض فتبين بذلك يقينا أن الوقت دخل بالشفق الذي هو الحمرة» نقله الشوكاني «٢/ ٩». وقد سبق ابن حزم إلى هذا المعنى في «المحلى» «٢/ ١٩٣» ابن سيد الناس وكأنه أخذه عنه. وهذا مذهب الجمهور. وآخر وقتها حين ينتصف الليل كما في حديث أبي هريرة وابن عمرو المتقدمين. وهو مذهب ابن حزم «٢/ ١٦٤» وقد رواه عن عمر ﵁ بلفظ: «وصل صلاة العشاء من العشاء إلى نصف الليل أي حين تبيت» «رسمه في الأصل بدون إعجام. كذا في «المحلى» وأقول: الصواب: شئت فقد ذكره ابن حزم من طريق الحجاج بن منهال: ثنا يزيد بن هارون: ثنا محمد بن سيرين عن المهاجر أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى به. وقد رواه الطحاوي «١/ ٩٤» من طريق أبي عمر الحوضي - واسمه حفص بن عمر - قال: ثنا يزيد بن هارون به بلفظ: أي حين شئت. وهذا سند صحيح رجاله رجال الشيخين والمهاجر هذا هو أبو الحسن كما صرح ابن حزم «١٩٠». ولهذا الأثر طريق آخر أخرجه مالك «١/ ٢٥» من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى بلفظ: «وأن صل العشاء ما بينك وبين ثلث الليل، فإن أردت فإلى شطر الليل، ولا تكن من الغافلين».

стр. 654

وهذا سند صحيح غاية. وأما ما رواه الطحاوي من طريق سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن نافع بن جبير قال: كتب عمر إلى أبي موسى: «وصل العشاء أي الليل شئت ولا تغفلها» فمخالف لما سبق، وعلة هذه الرواية الانقطاع بين حبيب ونافع، فإن حبيبا وإن كان ثقة فقد كان كثير الإرسال والتدليس كما في «التقريب»، وأنت ترى أنه قد عنعن ولم يصرح بالتحديث فلا يحتج بروايته هذه لا سيما وقد خالفت ما رواه الثقات. وهذا المذهب روي عن مالك القول به كما في «بداية المجتهد» «٧٥» وهو قول أبي سعيد الإصطخري قال: «إذا ذهب ثلث الليل أو نصفه فاتت الصلاة وتكون قضاء». ذكره في «المهذب». وهو ظاهر قول الإمام الشافعي في باب استقبال القبلة: «إذا مضى ثلث الليل فلا أراها إلا فائتة» قال النووي في «شرح المهذب» «٣/ ٤٠»: «فمن أصحابنا من وافق الإصطخري لظاهر هذا النص وتأوله الجمهور». وقلت: ومن حجة الشافعي في قوله بالثلث حديث عائشة قالت: أعتم رسول الله ﷺ ليلة بالعتمة فناداه عمر ﵁: نام النساء والصبيان. فخرج رسول الله ﷺ فقال: «ما ينتظرها غيركم» ولم يكن يصلي يومئذ إلا بالمدينة ثم قال: «صلوها فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل». أخرجه النسائي من طريق ابن حمير قال: ثنا ابن أبي عيلة عن الزهري عن عروة عنها. وهذا سند جيد رجاله ثقات إلا ابن حمير واسمه محمد تكلم فيه بعضهم مع أنه من رجال البخاري، وقد أخرجه في «صحيحه» من طريق صالح بن كيسان: أخبرني ابن شهاب به نحوه إلا أنه قال بدل قوله: ثم قال: صلوها ... إلخ قال: وكانوا يصلون العشاء فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول.

стр. 655

لكن قد ثبت تحديد وقت صلاة العشاء إلى نصف «الليل» في الحديثين السابقين وهي زيادة يجب قبولها كما لا يخفى، وقد جاءت أحاديث أخرى في ذلك منها حديث أنس قال: أخر النبي ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى ثم قال: «قد صلى الناس وناموا أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها» خ حم «٣/ ٢٠٠» والطحاوي «٩٤» كلاهما عن حميد الطويل عنه. وأخرجه النسائي «٩٣» من هذا الوجه بلفظ: «إلى قريب من شطر الليل». وهو رواية لأحمد «٣/ ١٨٩». وله طرق أخرى منها عن ثابت عنه بلفظ: «إلى شطر الليل» أو «كاد يذهب شطر الليل». أخرجه مسلم «٢/ ١١٦» وأحمد «٢٦٧» وليس عنده: «إلى شطر الليل» بل قال: «حتى كاد يذهب شطر الليل». ومنها عن قرة بن خالد عن قتادة عن أنس بلفظ: «حتى كان قريب من نصف الليل». أخرجه مسلم أيضا والطيالسي «٢٦٧» وقال: «حتى مضى شطر الليل» وهذا اللفظ شاذ مخالف لسائر الروايات. ومنها عن أبي هريرة مرفوعا: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه». أخرجه «ت» وصححه مج «٢٣٤» حم «٢٥٠ - ٤٣٣» عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عنه. ورجاله رجال الشيخين. ورواه الحاكم «١/ ١٤٦» من طريق أخرى عن سعيد بلفظ: «إلى نصف الليل» بدون شك. ورواه أحمد من طريق أخرى عن أبي هريرة بلفظ: «إلى ثلث الليل» بدون شك. ولذلك رواه من وجه آخر عن سعيد عن عطاء مولى صفية عن أبي هريرة فقد اضطرب في هذه اللفظة. انظر التعليق على الترمذي.

стр. 656

ومنها حديث أبي سعيد الخدري قال: صلينا مع رسول الله ﷺ صلاة العتمة فلم يخرج حتى مضى نحو من شطر الليل فقال: «خذوا مقاعدكم» فأخذنا مقاعدنا فقال: «إن الناس قد صلوا وأخذوا مضاجعهم وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة ولولا ضعف الضعيف وسقم السقيم لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل». أخرجه د «٦٩» واللفظ له ون «٩٢» ومج «٢٣٤ - ٢٣٥» وحم «٣/ ٥» من طريق داود بن أبي هند عن أبي نضرة عنه. وهذا سند صحيح كما قال الحافظ في «التلخيص» «٣/ ٢٩». قلت: وهو على شرط مسلم. هذا ولم نجد لمن ذهب - وهم الجمهور - إلى أن وقت العشاء يمتد إلى صلاة الفجر إلا حديثين وليسا بنص في ذلك: الأول: عن أبي قتادة مرفوعا: «ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى». احتج به على ما ذكرنا بعض أهل الظاهر من المتقدمين. والشوكاني المحقق من المتأخرين «١/ ١٠» ورد ذلك ابن حزم ردا قويا فقال «٣/ ١٧٨»: هذا لا يدل على ما قالوه أصلا وهم مجمعون معنا بلا خلاف من أحد من الأئمة أن وقت صلاة الفجر لا يمتد إلى وقت صلاة الظهر، فصح أن هذا الخبر لا يدل على اتصال وقت كل صلاة بوقت التي بعدها، وإنما فيه معصية من أخر صلاة إلى وقت غيرها فقط، سواء اتصل آخر وقتها بأول الثانية لها أم لم يتصل، وليس فيه أنه لا يكون مفرطا أيضا من أخرها إلى خروج وقتها وإن لم يدخل وقت أخرى، ولا أنه يكون مفرطا بل هو مسكوت عنه في هذا الخبر، ولكن بيانه في سائر الأخبار التي فيها نص على خروج وقت كل صلاة والضرورة توجب أن من تعدى بكل عمل وقته الذي حده الله تعالى لذلك العمل فقد تعدى حدود الله وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. والحديث الثاني عن عائشة قالت: أعتم النبي ﷺ ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل، وحتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلى فقال: «إنه لوقتها لولا أن أشق على

стр. 657

أمتي». مسلم «٢/ ١١٦» ن «٩٣» مي «١/ ٢٧٦» والطحاوي «٩٤» من طريق ابن جريج قال: أخبرني المغيرة بن حكيم عن أم كلثوم بنت أبي بكر أنها أخبرته عنها. فظاهر الحديث أنه صلاها بعد مضي نصف الليل الأول ولكن الحديث مؤول: قال النووي: «والمراد بعامة الليل كثير منه وليس المراد أكثره ولا بد من هذا التأويل لقوله ﷺ : «إنه لوقتها» ولا يجوز أن المراد بهذا القول ما بعد نصف الليل لأنه لم يقل أحد من العلماء أن تأخيرها إلى ما بعد نصف الليل أفضل». قلت: وقد يدل لهذا التأويل أن الحديث قد جاء في البخاري ومسلم والنسائي والدارمي والمسند «٦/ ٤٣ و ٢١٥ و ٢٧٢» من طرق عن الزهري عن عروة عن عائشة وليس فيه قوله: «حتى ذهب عامة الليل» وإنما فيه: «حتى ناداه عمر بن الخطاب: قد نام النساء والصبيان». وذلك إنما يكون عادة قبل نصف الليل. ويقوي ذلك أن الحديث هذا رواه ابن عباس أتم منه فقال: أخر النبي ﷺ العشاء ذات ليلة حتى ذهب من الليل، فقام عمر ﵁ فنادى: الصلاة يا رسول الله رقد النساء والولدان. فخرج رسول الله ﷺ والماء يقطر من رأسه وهو يقول: «إنه الوقت لولا أن أشق على أمتي». أخرجه النسائي «٩٢» والدارمي «٢٧٦» من طريق سفيان عن عمرو عن عطاء عنه وعن ابن جرير عن عطاء عنه. وهذان إسنادان صحيحان على شرط الشيخين. وقد رواه مسلم «١١٧» وأحمد «١/ ٣٦٦» عن ابن جريج به وفيه التصريح بسماع ابن جريج من عطاء. فهذه الرواية تدل على أن حديث عائشة برواية أم كلثوم عنها وحديثها برواية عروة عنها إنما هو حديث واحد اختصره بعض الرواة وهي تدل دلالة ظاهرة على أن قوله فيها: «إنه الوقت» يريد به الوقت الذي نام فيه النساء والولدان، وذلك قبل نصف الليل عادة كما قلنا، فرجع الحديث إلى أن المراد بعامة الليل كثير منه لا أكثره كما قال النووي وهو من دقة فهمه ﵀. وإن كان لا بد من الأخذ بظاهر

стр. 658

حديث أم كلثوم عنها فهذا إنما يدل على أنه صلاها في ابتداء النصف الثاني، ولذلك قال ابن حزم «٣/ ١٨٤»: «إذا ذهب نصف الليل فقد ذهب عامة الليل» وعلى هذا بنى قوله في أول الفصل «٣/ ١٦٤»: «ثم يتمادى وقت صلاة العتمة إلى انقضاء نصف الليل الأول وابتداء نصف الثاني، فمن كبر لها في أول النصف الثاني من الليل فقد أدرك صلاة العتمة بلا كراهة ولا ضرورة، فإذا زاد على ذلك فقد خرج وقت الدخول في صلاة العتمة». وأما أنه يدل على امتداد الوقت إلى صلاة الفجر كما زعم الطحاوي فليس فيه أدنى دلالة على ذلك. وهو قول للشافعي كما ذكر الشوكاني «٢/ ١٠». والليل ينتهي بطلوع الفجر الصادق وهو مذهب الشافعية وكافة العلماء وراجع «المجموع» «٣/ ١٠». [الثمر المستطاب «١/ ٦٤»]. وقت صلاة العشاء [قال رسول الله ﷺ ]: «إذا ملأ الليل بطن كل واد فَصَلِّ العشاء الآخرة». ترجم له الإمام بقوله: وقت صلاة العشاء. السلسلة الصحيحة «٤/ ٢٤». وقت صلاة العشاء سؤال: يقول: في الجزء الأول من «نيل الأوطار» باب وقت صلاة العشاء .. إلخ، «ص: ٤١٠» فما فوق، في شرح الحديث الأول جاء قوله: ومن حجج الأولين: ما رُوِي عنه ﷺ أنه صلى العشاء لسقوط القمر لثالثة. أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي، قال ابن العربي: هو صحيح. فيسأل عن مدى صِحَّة هذا الحديث، ثم إذا كانت هذه النسبة من الليل ثابتة

стр. 659

لكل الشهور، فهل يُمْكِن تقدير وقت صلاة العشاء في الأيام التي لا يمكن فيها معرفة الوقت الأصلي؛ لعدم غياب الشفق في أوروبا، بناء على ذلك، فقد قيل إنها تساوي تقريباً إحدى عشر على ستة وأربعين من الليل، فإذا كان الليل طويلاً طالت هذه المدة، وإذا كان قصيراً قصرت هذه المدة؟ الشيخ: الجواب بالنسبة لصحة الحديث لا يَحْضُرني الآن، فالأمر يحتاج إلى مراجعة الحديث وإسناده (١) لكن ما يتعلق بالناحية الفقهية من الحديث، فعندنا ما يغنينا عنه في «صحيح مسلم» وهو قوله ﵇: «ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل». هذا الحديث صريح الدلالة، وهو من قوله ﵇، ولا يَرِد فيه ما يَرِد على الحديث الأول الذي كان السؤال حوله هل هو ثابت أو ليس بثابت؛ لأن الحديث الآخر الصحيح صريح الدلالة من قوله ﵇ «أن وقت صلاة العشاء ينتهي بدخول نصف الليل الثاني». يبقى من السؤال الجواب عَمَّا إذا كان الليل يَطُول أو يَقْصُر. فهذا بلا شك يختلف باختلاف المناطق، فالمناطق والأقاليم التي يعتدل فيها الليل والنهار، فالنصف هذا ثابت، أما المناطق الأخرى فهي تختلف، إن طال الليل طال النصف، إن قصر الليل قصر النصف، وهكذا. فالمعيار الثابت هو نصف الليل، وهذا كما ذكرنا يختلف باختلاف المناطق والأقاليم، هذا ما عندي من الجواب عن هذا السؤال. فأنت وقد جئت بالسؤال، فقد تشعر بأن الجواب أتى عليه كُلَّه، وقد تشعر أنه بقي هناك بعض الجوانب التي لم يَطُلها جوابي، فإن كان يوجد شيء من ذلك، فأنت أخبر وأدرى فَتُنَبِّهني، وإلا فقد انتهى الجواب. «الهدى والنور / ٥٧/ ٢.: ١.: .. »

стр. 660

وقت صلاة العشاء، وخطر السهر بعدها الشيخ: ما هو آخر وقت العشاء؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين اثنين: القول المعروف عند أكثر الناس اليوم، هو أن وقت العشاء ينتهي بدخول وقت الفجر. لكن القول الآخر، وهو الصحيح: أن وقت العشاء ينتهي بدخول أول نصف الليل الثاني، وذلك؛ لأن النبي ﷺ ، قال بلسان عربي مُبين: «ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل». فهذا الذي ينام قبل صلاة العشاء، ممكن أن يسحبه النوم ليس فقط إلى ما بعد نصف الليل، بل وإلى دخول الفجر، وهذا يقع من كثيرين، خاصة إذا كان من العُمَّال الصُنَّاع الذين يقضون النهار كله في تعب بدني مادي، فهؤلاء لا يستطيعون أن يستيقظوا بسهولة. من أجل ذلك نهى رسول الله ﷺ عن النوم قبل صلاة العشاء، أي: حتى لا تفوته صلاة العشاء، أن يصليها في الوقت المشروع. «وعن الحديث بعدها» هذا أوضح وأوضح؛ لأن الحديث بعدها يأخذ من حق بدن الإنسان الذي هو النوم. ولا بد لكل إنسان، وإن كان ذلك يختلف باختلاف السن، فكل إنسان لا بد أن يُعْطِي بَدَنه حَقَّه من النوم، فهذا الذي يسمر ويسهر بعد صلاة العشاء إلى الساعة الثانية عشر في الليل، هذه الساعات التي قضاها في السمر، وفي السهر، لا بد له أن يُعَوِّضها، فسيعوضها على حساب وقت الفجر، ولذلك يسحبها نوم، الذي نام الساعة الحادية عشر أو الساعة الثانية عشر، يسحبها نومة إلى بعد طلوع الشمس، فهذا لا يكون معذوراً، ويكون آثماً مرتين:

стр. 661

المَرَّة الأولى: لأنه قَدَّم السبب الذي يُؤَدِّي به إلى إخراج الصلاة عن وقتها، فلو أنه لم يُخْرِج الصلاة عن وقتها، فقد أَثِم إثماً واحداً، لكن هذا الذي افترضنا آنفاً بأنه سهر إلى نصف الليل، ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس، هذا أَثِمَ مرتين. الإثم الأول: أنه اتخذ السبب. والإثم الثاني: أنه حصل المُسَبِّب، وهو إضاعة الصلاة بسبب هذا السمر. إذا عرفنا هذا التفصيل: فهل أحد من الجالسين يجهل أن التلفاز من أقوى الأسباب في حمل أهل البيت على السهر؟ لا أحد يشك في هذه الحقيقة أبداً، ولذلك: فلا ينبغي لمسلم يُؤمن بالله واليوم الآخر ويعرف هذه الحقائق الشرعية من جهة، وتلك الحقائق الواقعية من جهة أخرى، لا يجوز له أن يُدْخِل التلفاز في بيته؛ لما يترتب من وراء ذلك من المفاسد. «الهدى والنور / ١٧٥/ ٣٣: ٢٢: ٠٠» وقت صلاة العشاء السؤال: هل هناك وقت مُحَدَّد لصلاة العشاء؟ الجواب: طبعاً، يقول الرسول ﷺ : « .. ووقت صلاة العشاء من غروب الشفق الأحمر إلى نصف الليل». «الهدى والنور /٤٣٩/ ٤٥: ٢٨: ٠٠» آخر وقت العشاء [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: ومن وقت العشاء قوله: «وأما وقت الجواز والاضطرار يعني لصلاة العشاء فهو ممتد إلى الفجر

стр. 662

لحديث أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : «أما إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجئ وقت الصلاة الأخرى» رواه مسلم. والحديث يدل على أن وقت كل صلاة ممتد إلى دخول وقت الصلاة الأخرى إلا صلاة الفجر فإنها لا تمتد إلى الظهر فإن العلماء أجمعوا على أن وقتها ينتهي بطلوع الشمس. قلت: تبع المصنف الشوكاني وغيره في هذا الاستدلال بهذا الحديث ولا دليل فيه على ما ذهبوا إليه إذ ليس فيه بيان أوقات الصلاة ولا سيق من أجل ذلك وإنما لبيان إثم من يؤخر الصلاة حتى يخرجها عامدا عن وقتها مطلقا سواء كان يعقبها صلاة أخرى مثل العصر مع المغرب أو لا مثل الصبح مع الظهر ويدل على ذلك أن الحديث ورد في صلاة الفجر حين فاتته ﷺ مع أصحابه وهم نائمون في سفر لهم واستعظم الصحابة ﵃ وقوع ذلك منهم فقال ﷺ لهم: «أما لكم في أسوة؟ » ثم ذكر الحديث. كذلك هو في «صحيح مسلم» وغيره فلو كان المراد من الحديث ما ذهبوا إليه من امتداد وقمت كل صلاة إلى دخول الأخرى لكان نصا صريحا على امتداد وقت الصبح إلى وقت الظهر وهم لا يقولون بذلك ولذلك اضطروا إلى استثناء صلاة الصبح من ذلك وهذا الاستثناء على ما بينا من سبب الحديث يعود عليه بالإبطال لأنه إنما ورد في خصوص صلاة الصبح فكيف يصح استثناؤها؟ فالحق أن الحديث لم يرد من أجل التحديد بل لإنكار تعمد إخراج الصلاة عن وقتها مطلقا ولذلك قال ابن حزم في «المحلى» ٣/ ١٧٨ مجيبا على استدلالهم المذكور: «هذا لا يدل على ما قالوه أصلا وهم مجمعون معنا أن وقت صلاة الصبح لا يمتد إلى وقت صلاة الظهر فصح أن هذا الخبر لا يدل على اتصال وقت كل صلاة بوقت التي بعدها وإنما فيه معصية من أخر صلاة إلى وقت غيرها فقط سواء أتصل آخر وقتها بأول الثانية أم لم يتصل وليس فيه أنه لا يكون مفرطا أيضا من أخرها إلى خروج وقتها وإن لم يدخل وقت أخرى ولا أنه يكون مفرطا بل هو مسكوت عنه في

стр. 663

هذا الخبر ولكن بيانه في سائر الأخبار التي فيها نص على خروج وقت كل صلاة والضرورة توجب أن من تعدى بكل عمل وقته الذي حده الله تعالى لذلك العمل فقد تعدى حدود الله وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾». وإذ قد ثبت أن الحديث لا دليل فيه على امتداد وقت العشاء إلى الفجر فإنه يتحتم الرجوع إلى الأحاديث الأخرى التي هي صريحة في تحديد وقت العشاء مثل قوله ﷺ : «و وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط ... ». رواه مسلم وغيره وقد مضى بتمامه في الكتاب ويؤيده ما كتب به عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: « ... وأن صل العشاء ما بينك وبين ثلث الليل وإن أخرت فإلى شطر الليل ولا تكن من الغافلين». أخرجه مالك والطحاوي وابن حزم وسنده صحيح. فهذا الحديث دليل واضح على أن وقت العشاء إنما يمتد إلى نصف الليل فقط وهو الحق ولذلك اختاره الشوكاني في «الدرر البهية» فقال: « ... وآخر وقت صلاة العشاء نصف الليل» ١ وتبعه صديق حسن خان في «شرحه» ١/ ٦٩ - ٧٠ وقد روي القول به عن مالك كما في «بداية المجتهد» وهو اختيار جماعة من الشافعية كأبي سعيد الإصطخري وغيره. انظر المجموع ٣/ ٤٠. فائدة: ينتهي الليل بطلوع الفجر الصادق وهو مذهب كافة العلماء كما في المصدر المذكور. [تمام المنة ص «١٤٠»] وقت صلاة العشاء السائل: إلى أي وقت يُسمح وقت صلاة العشاء؟ الشيخ: إلى نصف الليل، حيث جاء الحديث في ذلك صريحاً في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ «ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل».

стр. 664

وليس إلى مطلع الفجر الصادق، فهذا لا دليل عليه وإن كان يقول به بعض الأئمة، لأنه مخالف لهذا الحديث الصحيح: «و وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل». «الهدى والنور /٩٧/ ٣٤: ٤٠: .. » وقت صلاة العشاء مداخلة: على ذكر وقت صلاة العشاء، من الفقهاء من ذكر بأن للعشاء وقتان وقت اختيار ووقت اضطرار، وعلى وقت الاضطرار استشهدوا بحديث: «ليس في النوم تفريط، إنما التفريط فيمن ينام عن الصلاة، أو فيمن يُؤَخِّر الصلاة عن وقتها» حكاية وقت الاضطرار هذا؟ نأخذ به أحياناً يعني: إلى بعد نصف الليل؟ الشيخ: قبل ما نقول لك: نأخذ به والا لا. هذا الوقت ثابت شرعاً؟ هذا حديث: «ليس في النوم تفريط، إنما التفريط فيمن يُؤَخِّر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى». الشيخ: إيه، وين وقت الصلاة أخرى بالنسبة للعشاء؟ مداخلة: بالنسبة للعشاء. الشيخ: وبالنسبة للفجر؟ مداخلة: طلوع الشمس. الشيخ: لا، الصلاة الأخرى؟ مداخلة: ما في وقت صلاة أخرى، بالنسبة للفجر؟ الشيخ: فيه الظهر. مداخلة: الفجر ينتهي بطلوع الشمس، معروف طبعاً. الشيخ: والعشاء ينتهي بنصف الليل، ما هو الفرق؟ مداخلة: لا. أنا بتكلم على وقت الاضطرار يعني.

стр. 665

الشيخ: أنت اللِّي بتقوله أنا فهمانه، بس يا تُرَى أنت فهمان اللِّي بقوله. هذا الحديث أخي لم يُسق لبيان أنه كل صلاة تمتد إلى وقت الصلاة الأخرى، وإنما سِيْقَ لبيان أن الإنسان إذا نام عن الصلاة فهو لا يُؤَاخذ عنها، إنما يؤاخذ فيما إذا تعمد إخراج الصلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى، لكن هذا لم يُسق لبيان تحديد الأوقات للصلوات الخمس. فإذا كان رجل نام عن صلاة العشاء إلى ما بعد نصف الليل، ما دخل وقت الصبح هنا فعلاً؟ فهل معناها له أن يُصَلِّي حتى يدخل وقت الفجر، لا بد هنا من دليل، والدليل هنا مفقود إلا بالحديث الذي استدلوا به على وقت الضرورة كما تنقل. لكن يرد عليهم أيضاً الرجل الذي لم يستيقظ لصلاة الفجر، سحب نومه لقبل صلاة الظهر، فقام قبل صلاة الظهر فهو يصليها؛ لأنه لسه ما دخل وقت الصلاة الأخرى، هذا لا يقول به عالم إطلاقاً. لذلك نحن بنقول: وقت الضرورة هي صح بالنسبة للصلوات المحددة الوقت الأول، والآخر بصورة عامة، مثلاً وقت العصر ووقت الظهر. أما وقت العشاء فأنت بتعرف أنه الصلاة تختلف، صلاة العشاء تختلف عن كل الصلوات الأخرى، بأنه تأخيرها أفضل من تعجيلها. لكن هذا التأخير الأفضل هو كما قال ﵇: «وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل». هذا التوقيت المَحْدُود بهذا النص الصريح لا يجوز تعطيله بمثل حديث: «ليس في النوم تفريط» إلى آخره، وإلا عَطَّلنا به أيضاً حديث: «من أدرك ركعة من صلاة الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك» هذا ما يجوز طبعاً. «الهدى والنور /١٤٠/ ٣٣: ٥٤: ٠٠»

стр. 666

وقت صلاة العشاء مداخلة: وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل أم للفجر؟ الشيخ: نصف الليل. مداخلة: لكن شرعاً بدون ساعة، كيف نعرف أنه نصف الليل وإلا مش نصف الليل؟ الشيخ: يا أخي المعرفة أنواع، الإنسان إذا اعتاد على هذه جنس عادات هذه، سؤالك يشبه كيف كانوا يعرفون الأوقات الخمسة؟ مداخلة: وهذا الأوقات لها تحديد في الشرع؟ الشيخ: لها تحديد في الشرع. مداخلة: أي نعم. الشيخ: طيب. هذا التحديد في الشرع. مداخلة: نعم. الشيخ: طيب. هذا التحديد في الشرع قائم على ماذا، على الساعة؟ مداخلة: لا. الشيخ: على ماذا؟ مداخلة: على الحياة الطبيعية. الشيخ: طيب، هذا هو الجواب. مداخلة: أنا أُريد أَعلم. الشيخ: اسمح لي. مداخلة: نعم، نعم.

стр. 667

الشيخ: أنا أريد أجيبك من الطريق الأيسر، إلى الطريق الأصعب. مداخلة: نعم. الشيخ: هذا الذي أنت استسهلته، قلت هذا حَدَّده الشرع، ما رأيك إذا أخذنا ألف مسلم مصلي كم واحد منهم يعرف أوقات الصلوات لولا الأذان، لولا المفكرة على عُجَرِها وبُجَرِها كم واحد؟ مداخلة: قليلاً. الشيخ: يعني: بالألف واحد نصف واحد طيب. لماذا ما يعرفوا؟ لأنهم انصرفوا عن الظواهر الطبيعية، من الذي صرفهم عن ذلك؟ الآلات الحديثة، طيب. والآلات الحديثة صارت فتنة؛ لأنه صارت وزارة الأوقاف المسؤولة عن تصحيح عبادات المسلمين، تورطت بهذه الآلات الحديثة، وأعرضت عن الأمارات والعلامات الشرعية. ولذلك أنت تسمع الخلاف أنه في ناس يفطروا في رمضان قبل الوقت، هذا لازم يعيدوا ويقضوا إلى آخره، لماذا؟ لأن الذين يفطروا قبل أذانهم، ومش فاهمين حتى الآن أن أذانهم غير شرعي، والأخطر أذان الصبح يُصَلُّوا قبل وقت الفجر الصادق إلى آخره، ما هو السبب؟ انصرفوا بهذه الآلات عن تلك الظواهر، هو نفس الجواب تماماً طبعاً مع فارق. الصلوات الخمس يكثر الانتباه لها، أما معرفة نصف الليل، لا يكثر كما يكثر الخمس الصلوات؛ لأن الدنيا وين؟ لكن مش ضروري كل فرد يعرف نصف الليل، مش ضروري كل فرد من أفراد المسلمين يعرف نصف الليل متى. أنا أذكر بهذه المناسبة حديث امرأة صحابية جليلة من هي؟ كانت في مزدلفة فقالت لخادمتها: أو جاريتها انظري هل سقط القمر؟ هنا الشاهد، هل سقط القمر؟ ماذا تقصد؟ إذا سقط القمر يكون دخل نصف الليل الثاني، فهي تريد أن تنطلق من

стр. 668

المزدلفة؛ لأن الرسول أَذِن للنساء والضُعَفاء أنه ينطلقوا بعد نصف الليل، فهي تعرف نصف الليل من سقوط القمر، النظرة هذه نحن لا نلاحظ طلوع القمر، ولا غروب القمر، بل ولا غروب طلوع الشمس، ولا أي شيء! فأنت بهذا تستغرب هذا، وتسأل هذا السؤال: الحق معك؛ لأنك أنت من الجمهور الذي انصرف عن مراعاة الوسائل الكونية الطبيعية التي جعلها الله دليلاً في معرفة المواقيت، ما هو الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٩] شبه الحج، بهذه الطرق الشرعية الكونية الطبيعية كانوا يعرفون سابقاً. مداخلة: كانوا يتصورون. الشيخ: تعرف حديث عمرو بن أم مكتوم، كان يُؤَذِّن لصلاة الفجر، والرجل ضرير بماذا يعرف؟ قال: كان يقف في ظهر المسجد، فتمر به الناس يقولوا له الناس: أصبحت أصبحت، المارة في الطريق قاعد يقولوا له: أصبحت أصبحت، اليوم المفتي يمر في الطريق ما يعرف أصبحت. مداخلة: المؤذنين في زمن السلف كانوا فقهاء. الشيخ: نعم. بلا شك، أما المؤذنين في آخر الزمان فهم موظفون. مداخلة: يهمهم الوظيفة وبس. «الهدى والنور/١٩٧/ ٢٧: ١٧: ٠١» كيف التوفيق بين فضل الصلاة في أول الوقت وبين فضل تأخير صلاة العشاء؟ وإذا دار الأمر بين صلاة العشاء جماعة في أول وقتها أو منفردًا إذا أخرها فأيهما أفضل ؟ مداخلة: في حديثين الأول منهم: «إن أحبَّ الأعمال إلى الله الصلاة في وقتها».

стр. 669

الشيخ: نعم. مداخلة: وهنا حديث ثاني أعطاني إياه الأخ علي جزاه الله خيراً، يقول رسول الله ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بتأخير العشاء إلى نصف الليل». الشيخ: نعم. مداخلة: ما هو وجه التوفيق بين الحديثين؟ الشيخ: وجه التوفيق في القاعدة العلمية الأصولية عموم وخصوص، أي: الحديث الأول يُعْطِينا قاعدة أن أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها إلا صلاة العشاء، فصلاة العشاء الأفضل تأخيرها. هذا موجود في الشرع بنسبة كثيرة وكبيرة جداً، ولذلك وُضِعَت القواعد العلمية الأصولية؛ حتى إذا تَعَلَّمها طالب العلم، استطاع بها أن يُجِيب عن مثل هذه الصورة. كيف التوفيق بين الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وبين الحديث: « .. الحل ميتته»؟ عام وخاص، الآية عامة تشمل كل ميتة، فجاء الحديث استثنى من هذا العموم السمك، ميتة البحر، كذلك والدم في الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] جاء في الحديث: «أحلت لنا ميتتان ودمان: الحوت والجراد والكبد والطحال». هذه قاعدة تخصيص العام بالنص الخاص تُطَبّق في الجواب على الحديثين، الحديث الأول حديث عام: «الصلاة في أول وقتها». حديث: «لولا أن أشق على أمتي، لَأَخَّرت صلاة العشاء إلى نصف الليل». هذا يعني أن الحديث الأول ليس على عمومه، بحيث أنه يشمل أيضاً صلاة العشاء، لا، صلاة العشاء على العكس من بقية الصلوات الخمس، فكلما تأخر بها المصلي كان أفضل له.

стр. 670

لكن هنا الأفضلية هذه ينبغي ألَّا تُفَوِّت على الحريص عليها فضيلة صلاة الجماعة؛ لأنها أهم من فضيلة تأخير صلاة العشاء. بمعنى إذا دار الأمر بين أن يصلي صلاة العشاء مع الجماعة في أول الوقت، وبين أن يُصَلِّي وحده في آخر الوقت. نقول: يُصَلِّي مع الجماعة في أول الوقت، ولا يُؤَخِّر صلاة العشاء إلى آخر الوقت؛ لأنه بين أحد شيئين: إما أن يُضَيِّع فرض في سبيل النفل، وما هو النفل، هو تأخير وقت صلاة العشاء وهو ليس فرض، لكنه أمر مستحب، فهو بين أمرين: إما أن يُضَيِّع الفريضة في سبيل المحافظة على المستحب وهو تأخير الوقت، وإما أن يُضَيِّع المستحب هذا وهو تأخير الوقت، ويحافظ على الفرض وهي الصلاة مع جماعة المسلمين. مداخلة: بالنسبة لتأخير صلاة العشاء، هل يدخل فيها الإبراد لصلاة الظهر؟ الشيخ: لا، الإبراد في ظرف مُعَيَّن، وهو شدة الحر. مداخلة: يعني ممكن تأخيرها ساعتين حتى تبرد الدنيا .. الشيخ: نعم، ذلك في شِدَّة الحر، لكن التبكير لصلاة الظهر داخل في المعنى العام. نعم. «الهدى والنور / ١٦٢/ ٤١: ٣٢: ٠٠» «الهدى والنور / ١٦٢/ ٢٢: ٣٤: ٠٠» «الهدى والنور / ١٦٢/ ٤٧: ٥٨: ٠٠» متى يكون منتصف الليل الذي ينتهي فيه وقت العشاء ؟ مداخلة: نهاية فرض العشاء عند منتصف الليل ولكن ما هو منتصف الليل في الأوقات هل هو الساعة الثانية عشرة؟
следующие страницы →