← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

الأسياد دخلوا المدينة وذهبوا عند الرسول يسلموا عليه، العبد جاع، ما شاف حاله إلا دخل بستان وصار يقطف من هذا التمر ويأكل، جاء صاحب البستان ألقى القبض عليه، وجابه إلى عند الرسول، وقال له: هذا دخل أرضي وصار يسرق من تمري، سأل الرسول العبد هذا: لماذا أنت فعلت هكذا؟ قال له: يا رسول الله! كنت جائعاً، فَالتَفت إلى صاحب البستان قال له: «إلا أطعمته إذ كان جائعاً، وإلا علمته إذ كان جاهلاً، فعفا عنه». ولذلك فنحن قبل كل شيء يجب أن نتعلم، وبعد ذلك نروح نُطَبّق عملنا على العلم. أما أيَّ شيء هكذا سبهللا كما يقال، هذا بيع ما هي حياة إسلامية أبداً. مداخلة: طيب، هذا البنك الإسلامي كم من شيخ أفتى أنه حلال؟ الشيخ: نحن لا نُفَرِّق بين بنك إسلامي وبين بنك بريطاني إلا بالأسماء. ما الفائدة إذاً من الاسم، هذا البنك الإسلامي فقط للصيد، بس يعني باسم الإسلام. والرسول ﵇ من معجزاته العلمية، أنه قال: «سيأتي زمان على أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها»، هذا هو الزمان، وبِتَوَسُّع الخرق على الراقع، يسموا الدَّنس والرَّقص والآلات الموسيقية فنونًا جميلة، يسموا المشروبات المسكرة المشروبات الروحية، وألفاظ كثيرة ويسكى، وما شابه .. (الهدى والنور /٨٠٧/ ٢٥: ٢١: ٠٠) (الهدى والنور /٨٠٧/ ١٤: ٤٦: ٠٠) صورة من صور شراء السيارات عن طريق البنوك مداخلة: يقوم أحد البنوك بشراء سيارات وتبيعها بأحسن من سعرها، علمًا بأن السيارة غير موجودة في البنك، وهي تقوم بشرائها بناء على رغبة الإنسان. الشيخ: ما يجوز المعاملة كلها. (فتاوى رابغ (٦) /٠٠: ٢٣: ٥٥)

стр. 6302

يقدم التاجر للبنك فاتورة البضاعة فيشتريها ثم يشتريها التاجر من البنك بزيادة ربح للبنك الملقي: أيوه، أنا أقول لك تاني عندي مسألة في هذه البنوك، في أن البنك يقدم إليه فاتورة لبضاعة ثم يدفع البنك قيمة الفاتورة، ويسدد، ثم يسدد الإنسان اللي دفع هذه قيمة البضاعة للبنك زائداً عليها ربح البنك المقدم في ثلاثة شهور. الشيخ: هذه صورة من صور الربا. (الهدى والنور / ٦٧٩/ ٤٩: ٠٣: ٠٠) حكم شراء سيارة بالتقسيط عن طريق البنك مداخلة: [البنك] اشترى السيارة [بأربعين] ثم باعها لي [بأكثر من] الأربعين، فحكم الزيادة؟ الشيخ: قال ﵊: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها ثم باعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه» ربنا كما يشير هذا الحديث حرم على اليهود شحوم الحيوانات الذبيحة الحلال، وأشار في القرآن إلى شيء من هذا حينما قال : ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] فلم يصبر اليهود على حكم الله هذا، فماذا فعلوا؟ أخذوا الشحوم وذوبوها بالحلل الضخمة الكبيرة .. الأوعية، فأوقدوا النار تحتها فأخذت شكلًا غير الشكل الطبيعي، وبظنهم أو بوسوسة الشيطان لهم أن الشحم الآن خرج عن كونه شحمًا محرمًا؛ لأنه أخذ شكلًا آخر، فلعنوا لهذا السبب كما لعنوا لاحتيالهم يوم السبت، فقال ﵊ تأديبًا لنا نحن معشر المسلمين أن لا نقع فيما احتال فيه اليهود واستحلوا ما حرم الله بأدنى الحيل: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها - أي: ذوبوها - وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه».

стр. 6303

والإسلام من كماله وتمام نعمة الله على المتمسكين به أنه لا يهتم بالشكليات وإنما يهتم بالمقاصد والآثار، ولعلكم جميعًا تذكرون معي قوله ﷺ : «لعن الله المحلل والمحلل له» لماذا؟ لأنه استغل ظواهر الشريعة التي تبيح النكاح، وهو لا يقصد النكاح، فقال: «لعن الله المحلل والمحلل له» مع أن بعض العلماء أباحوا نكاح التحليل رغم هذا اللعن الشديد على المحلل والمحلل له، لماذا؟ لأنهم نظروا للشكل فولي المرأة موافق والشهود شهدوا، وكل من المحلل والزوجة المطلقة بالثلاثة هي أيضًا وافقت، ولكنهم جميعًا يعلمون أن المقصود من هذا النكاح ليس هو النكاح الذي أشار الله إليه بقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]. فالرسول ﷺ حينما لعن المحلل والمحلل له لم ينظر إلى الشكل، وإنما نظر إلى القصد، ما هو القصد؟ تحليل المطلقة ثلاثًا لزوجها الأول، ففيه احتيال على حكم الله الذي قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] كما نكحت الزوج الأول، يعني: ليسكن إليها، لكن لما كان هذا النكاح لأجل تحليل ما حرم الله أبطله الرسول ﵊ إبطالًا باتًا ولعن المتعاونين على ذلك فقال: «لعن الله المحلل والمحلل له». وسمى في بعض الأحاديث الطريفة المحلل: بالتيس المستعار، تيس مستعار؛ لأنه ليس زوجًا، فنحن من هذا الحديث ... نعلم أن الاحتيال على أحكام الله محرم؛ لأنه من شيم اليهود ومن أعمال اليهود، وقد نهى ﵊ عن الاستنان بهم نهيًا عامًا فقال ﵇ في حديث البخاري: «لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذارع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». فهذه الصورة التي أنت سألت عنها لا تشكل على إنسان أبدًا أن المقصود بها: استحلال ما حرم الله من الربا؛ لأن كل إنسان يعلم أن هذا الذي هو بحاجة إلى سيارة ثمنها نقدًا بثلاثين ألف، لو جاء إلى غني وقال له: أقرضني ثلاثين

стр. 6304

ألف لأشتري هذه السيارة، فقال له: أقرضك ثلاثين ألف لكن بشرط أن توفيها إياي بعد سنة أربعين ألف، لا يشك إنسان بأن هذا ربا. طيب! لكن الآن الصورة تتغير كما قلت أنت آنفًا: هذا الغني يقول لك: أنت اذهب وخذ السيارة وأنا أدفع ثمنها عنك، تعطيني أنت الثمن أربعين ألف، ما الفرق بين هذا وهذا؟ لا فرق أبدًا سوى اللف والدوران والاحتيال على ما حرم الله، بل نحن نقول: لو أن صاحب الشركة قال لك: هذه السيارة نقدًا بثلاثين ألف، وبالتقسيط أربعين ألف، وأخذ منك أربعين ألفًا فالعشرة آلاف ربا بالنسبة إليه، فبالأولى والأحرى بالنسبة للصورة التي أنت ذكرتها ثم أنا دندنت حولها. وهذه من المشاكل التي تقع في العصر الحاضر بناءً على فتاوى لبعض العلماء قديمًا وحديثًا يعتمدون على نصوص عامة: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] صدق الله أحل الله البيع، لكن هناك بيوع نهى الشارع الحكيم عنها، فيجب أن نقف عند نهيه عنها، من ذلك: نهى بيعتين في بيعة، وقد فسر راوي الحديث هذا النهي وهو سماك بن حرب كما في مسند الإمام أحمد قيل لسماك: ما نهى عن بيعتين في بيعة؟ قال: أن تقول: أبيعك هذا بكذا نقدًا وبكذا وكذا نسيئة، فزاد مقابل النسيئة ولو فلسًا .. ولو درهمًا. فهذه الزيادة باطلة، أبطها الرسول ﵊ في الحديث الآخر، وهو بلفظ: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا» فالزيادة ربا، صرح بها الرسول ﵊. ولذلك هذه المعاملة التي يتعامل بها كثير ... من الكفار الذين وصفهم رب العالمين في القرآن بأنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله، فأخذنا نحن هذه المعاملة دون أن نفكر هل هي تتوافق مع الأخلاق الإسلامية بعامة، وهل تتفق مع بعض النصوص من الأحاديث النبوية بخاصة؟ الإسلام يحض المسلمين على أن يتعاونوا على الخير، ويحضهم بصورة خاصة على القرض الحسن، حتى جعل قرض درهمين

стр. 6305

يساوي صدقة درهم .. قرض دينارين يساوي صدقة دينار .. قرض مائتي دينار يساوي كما لو تصدقت بمائة دينار. فالتجار المسلمون اليوم لو كانوا واقفين عند الأحكام الشرعية من جهة وكانوا عارفين أو مؤمنين حقًا بمثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] لكان كسبهم الأخروي وكسبهم الدنيوي أكثر من أولئك الذين لا يتقون الله ، الذين يستحلون الربا ببيع التقسيط. نحن لو أخذنا هذه المعاملة بالميزان الاقتصادي فذكرنا رجلين تاجرين كبيرين، أحدهما يبيع بسعر النقد لا يزيد عليه قرشًا ولو باع بالتقسيط، والآخر يبيع بسعرين: سعر التقسيط أكثر من سعر النقد، ترى! ماذا يحكم أهل الاقتصاد الآن بغض النظر عن السعر، لننظر أن العاقبة للمتقين، ماذا يقول أهل الاقتصاد، أي الرجلين يكون أربح من حيث المادة، آلذي يبيع بسعر واحد هو السعر النقدي، أم الذي يبيع بسعر النقد وسعر التقسيط زائد على سعر النقد .. من الناحية الاقتصادية أيهما أربح، ماذا تقولون؟ مداخلة: [الأول] هذا ... الشيخ: والزبائن تكثر، إذًا: إذا كان هذا هو شأن من يبيع بسعر النقد، أنفع له في العاجلة، فما الذي يحمل المسلمين على أن يقلدوا الغربيين في بهذا البيع؟ هو الجشع القائم على غير إعمال الفكر، وإعمال العلم فهو يتوهم أن بهذه الزيادة التي يزيدها هي أربح له من أن يقتصر على سعر النقد، بينما الحقيقة العكس هو الواقع ولكن الأمر يحتاج إلى شيء من الصبر والأناة حتى يشتهر هذا الإنسان بأنه يبيع فعلًا بسعر واحد وهو سعر النقد، وأقول: بسعر واحد وفعلًا سعر النقد؛ لأن بعض الناس مع الأسف بلغنا في بعض البلاد العربية أنه احتالوا أيضًا: فسنوا بيع شيء واحد بسعرين هذا نهى عنه الرسول ﵇، فماذا فعلا؟ جعلا السعر واحدًا، لكن هو سعر ماذا؟ الزيادة. مداخلة: ...

стр. 6306

الشيخ: لا، بالتقسيط، بمعنى: إذا فرضنا مثل هذا التاجر كان له زبائن نصفهم يشترون عنده بالتقسيط، ونصفهم يشترون منه بالنقد فهو كان يظلم نصف زبائنه، أما الآن فيظلم الزبائن كلهم؛ لأنه وحد السعر، ليس هذا هو المقصود، المقصود: توحيد السعر على أساس سعر النقد، وحينئذٍ يظهر لكم الفائدة الآجلة التي أشرنا إليها آنفًا؛ لأن هذا الرجل الذي يبيع بسعر واحد فهو كما لو أقرض ذاك الإنسان قرضًا حسنًا، كم مثلًا .. قلنا نحن في المثال السابق: نقدًا ثلاثين وتقسيطًا بأربعين، كأنه نصف العشرة خمسة آلاف .. كأنه تصدق بخمسة آلاف؛ لأنه أقرضه عشرة، فنصف الخمسة فالتاجر الآن كما يقولون عندنا في بلاد الشام: لو اتقى الله وباع بسعر واحد هو سعر النقد فهو كالمنشار: على الطالع والنازل يأكل أجرًا عاجلًا وأجرًا آجلًا .. لكن القضية تحتاج إلى شيء من التقوى ومن الصبر والأناة. أنا أضرب لكم مثلًا بشخصي وأنا رجل والحمد لله كنت مستورًا ولا أزال: كنت ساعتيًا أصلح الساعات، أبيع بسعر واحد سعر النقد، ومع ذلك ففي حدود رأس مالي كنت أصبر لما أبيع الواحد من الساعات، أذهب اشتري بديلها أقنع ... بالنقد، إذا وثقت بالشاري بالدين بعته فربحت ولو بعد لأي الذي سأربحه نقدًا وأخذت أجرًا من الله ، لما ذكرنا بأن الذي يقرض قرضًا حسنًا يكون له كما لو تصدق بنصف ذلك، وهذا جاء في أحاديث صحيحة. والحمد لله ربنا ما أحوجنا إلى إنسان إطلاقًا، وكنا بفضل الله الزبائن يتواردون علينا بحيث في شهر رمضان حيث الناس يحتاجون إلى الساعات أضع الساعات أمامي صفًا، فيأتي الرجل، أقول: ما عندي استطاعة أن أصلح الساعة، لماذا؟ انظر هذه الساعات ثلاثين ساعة .. أربعين ساعة، كل واحد آخذ موعد، فيستغني عن أن يأخذ الساعة إلى ساعاتي آخر ولو قلت له: تعال بعد رمضان .. بعد رمضان ما عاد هو بحاجة إلى الساعة في رمضان، لكن الثقة في المعاملة - هنا الشاهد - يجعل الناس يتوافدون إلى هذا الصادق في المعاملة مع الناس، لكن الجشع هو الذي ضر وما نفع.

стр. 6307

فالشاهد: أن بيع التقسيط من التجار أنا أنصحهم دينًا ودنيا أن يعدلوا عنه، إذا كان وضع في ميزانية التجارة خاصته أن يربح مثلًا بالمائة عشرة .. في المائة خمسة عشر .. في المائة عشرين، هذا يختلف من نوع التجارة، هناك أشياء تباع بكثرة .. هناك أشياء تباع بقلة، المهم: إذا وضع في ميزانيته أن يربح في المائة مثلًا عشرة، فليبع بنفس المائة عشرة سواء بالنقد أو بالتقسيط، ذلك خير له وأطهر. (فتاوى جدة (٢٨) /٠٠: ١٩: ٤٤)

стр. 6308

إيداع الأموال في البنوك والتعامل معها

стр. 6309

حكم التعامل مع البنوك الربوية مداخلة: سؤال حول الربا: الكمبيالة في البنك يوضع عليها ربا، أنا أستلمها وأُوقِّع أني استلمتها. الشيخ: الله يحفظك. مداخلة: الله يبارك فيك، الرسول ﷺ : جاء في الحديث أنه: لعن شاهده. الشيخ: نعم. مداخلة: هل أكون أنا في هذا الحال شاهدة. الشيخ: ما أنا دعوت لك بالخير، الله يحفظك أنا أعطيتك الجواب سلفاً، لعلك فهمتني؟ ! الشيخ: حفظك الله من الربا والإعانة من الربا، وهذا ما يجوز، هذا العمل أبداً لا يجوز. (الهدى والنور / ٣٥٥/ ٠٧: ٥٤: ٠٠) رمي من يحرم التعامل مع البنوك بالتشدد السائل: معنا سؤال عملي: النظرة السلفية لمشاكل العصر طبعاً نحن كما تعلم الزمن يتطور، والناس تستجد عليهم مشاكل عديدة، لم تكن على عهد السابقين وعندما تأتي مشكلة ما، ونسمع بها حلول أو اجتهادات، نرى دائماً نرى اجتهاد إخواننا السلفيين من حيث التسهيل بالناس. الشيخ: من حيث أيش؟ السائل: من حيث تسهيل الأمر على الناس، تراهم في آخر اللِّسْتَة [القائمة]. الشيخ: ما فهمت، عفواً اللفظة ما فهمتها، من حيث إيه؟ السائل: التيسير أو حل هذه المعضلة.

стр. 6310

الشيخ: آه، من حيث التيسير. السائل: ترى أن الحلول التي تُطْرَح من مختلف الفقهاء، ترى أن الحل السلفي الشيخ: فيه تشديد. السائل: فيه تشديد، فإذا عرفنا وعلمنا أن مشاكل العصر الحالي لا يُمكن أن تنتقل نقلة نوعية مما هي فيه من مادية إلى الكمال. بمعنى: إذا أردنا أن ننشئ بنكًا إسلاميًا، لا يمكن أن نضعه مائة في المائة على حسب الأصول الإسلامية في التعامل؛ نظراً لاشتباك القضية التجارية بالقضايا الربوية الأخرى. فترى أن حلول إخواننا السلفيين دائماً يأتي تقليدي، ويرجون الإسلام مائة في المائة؛ مما يجعلهم في أخر المطاف من حيث الحل. وبالتالي: لا يأخذ به كثير من الناس وبالتالي يُتَّهمون بالتشديد، أفلا يعني هذا أنه عندما ننظر في هذه المسائل من حيث القياس والاجتهاد على أن نراعي هذه النقلة، ونراعي أهمية إعطاء فرصة لهذه المؤسسة أو لهذه المشكلة بالحلول المطروحة المؤقتة إلى أن تسمح [الظروف]؟ الشيخ: ما أدري إذا كان فهمي لما عرضته من البيان صواباً أم خطأ، لماذا يعني ولو بارتكاب ما حَرّم الله أتريد أن تقول؟ السائل: ليس بهذا المعنى بارتكاب، لكن الأمور فيها اضطراريات كثيرة، مثلاً عندما تأتي إلى إنشاء بنك إسلامي. الشيخ: لا، ما تعيد كلامك، وإنما أنت تجيبني عن سؤالي السائل: طيب، كيف حقيقة ارتكاب المحظور، الإنسان ما يريد أن يرتكبه، ما فيه هناك مسلم الشيخ: ما عليش، أنت لا تعمل محاضرة، جاوبني على السؤال؟

стр. 6311

السائل: طبعًا ليس. الشيخ: ولو بارتكاب المُحَرَّم، بتقول نعم بتقول لا! السائل: لا، ليس بارتكاب المحرمات. الشيخ: إذًا: أولئك الذين يُيَسِّرون، وهؤلاء الذين تصفهم بأنهم مُشَدِّدون، ما هو الخلاف بينهم؟ هل أولئك المُيَسِّرون يعني طُبِعوا على التيسير، ولو كان هذا التيسير مخالفاً للشرع، وهؤلاء المُشَدِّدون طُبِعوا بالتشديد، ولو كان موافقاً للشرع، أم القضية بالعكس؟ السائل: لا، لا أظن، لا، إخواننا الفقهاء ينظرون إلى هذا بهذا المنظار، إنما هي قضية أنك الآن في مشكلة في عدة حلول، ما يمكن تنتقل نقلة نوعية فيها. الشيخ: بارك الله فيك يا أستاذ علي، أنت تعيد كلامك، أنا موافق معك وأوقع على بياض، لا يمكن النقل طفرة واحدة؛ لأن الإسلام ما جاء هكذا صحيح وإلا لا؟ ولكن أنا أخشى من هذا الكلام الذي سمعته من غيرك، وأرجوا ألاَّ أسمعه منك. ولذلك تفضلت بالسؤال، أنه قد يرى بعضهم اليوم التَدَرُّج في تحريم الخمر، كما وقع في العهد الأول، وعلى ذلك نقيس الأحكام الشرعية الأخرى. أظنك أنت ما تعني هذا أو كنت ما تعني هذا. إذاً: إذا كنت لا تعني هذا فما الذي تعنيه؟ ما أدري، أما أنا أفهم من الموضوع، ما يأتي أولئك الذين تظن أنت أو غيرك يُيَسِّرون على الناس، ييسرون على الناس بتعدي حدود الله، باسم قاعدة عامة يطبقونها في غير موضعها «يَسِّروا ولا تُعَسِّروا».

стр. 6312

وأنا أضرب لك مثلاً بسيطًا جداً في العبادات في العبادات؛ لأن المسألة واضحة، يمكن وزارات الأوقاف في العالم الإسلامي اليوم كُلُّها متشابهه، وإن كان بعضها أحسن من بعض وبعضها أسوء من بعض. انتم تعلمون مثلاً أن السنة في القراءة في صلاة الفجر إطالتها بخلاف بقية الصلوات، على تفاوت معروف في السنة بينها، فإذا كان هناك إمام حريص إلى حد ما على تطبيق السنة يقرأ بالناس في صلاة الفجر أقل من السّنة ثلاثين آية، رأساً تُرفع الشكوى من بعض الكسالى الذين يصلون خلف هذا الإمام الذي يقرأ دون السنة، يقدم شكوى إلى الأوقاف أنه فلان يا أخي يطيل علينا، ماذا يأتي الأمر من الأوقاف، قال ﵊ -يا مسلمون أنتم أئمة أنتم كذا- «من أَمَّ فليُخَفِّف، فإن وراءه المريض والكبير وذوي الحاجة» ونحو ذلك. هذا لعب بالنصوص، وكذلك يفعلون بالأحكام المالية تماماً يأخذون بعض النصوص العامة، ويتركون النصوص الخاصة. الذي قاله ﵇ «من أَمَّ فليُخَفِّف» قال ذلك بمناسبة شكوى صارت من أحدهم في إمام هو معاذ بن جبل، لما افتتح في صلاة العشاء، وليس في صلاة الفجر، سورة البقرة، والرجل خلفه شاب من الأنصار قطع الصلاة وصلَّى وحده وانصرف، وأحس بذلك معاذ فاخذ ينال منه، يقول هذا منافق، عُذْر معاذ أنه ترك صلاة الجماعة. الله أكبر صلاة واحدة صار منافقاً، شوف كيف كانوا يَزِنون الأمور، الآن من يصلي بالمرة ما أحد بقول عنه منافق يصلي لكن ما أحد بيشوفه في المسجد، ما أحد بيقول عنه منافق إلى آخره. وصل إلى مسامع هذا الأنصاري سب معاذ له، فشكاه إلى النبي ﷺ ، قال يا رسول الله: إننا أصحاب نواضح نعمل في النهار، ثم نأتي لنُصَلّي وراء معاذ، فيُطيل بنا في القراءة في الصلاة، فأرسل وراءه فقال ﵇: «أفَتَّان أنت يا معاذ، أفتان أنت يا معاذ، أفَتَّان أنت يا معاذ، بحسبك أن تقرأ بالشمس وضحاها والليل إذا

стр. 6313

يغشى ونحوها من السور» هذا في صلاة العشاء، ثم قال ﵇: «من أَمَّ فاليخفف». فلوا أن إماماً في صلاة العشاء قرأ مثلما الرسول خَطَّط، حيقول الجمهور: يا أخي طوَّلت علينا، وحيخلوا شكوى للوزارة، حتجي الوزارة تأخذ طرف الحديث: «من أَمَّ فليُخفف» يعني على كيفهم، أما التخفيف المُقيد بالسنة لا يقيمون لها وزنا ليه؛ لأن الهدف يَسّروا ولا تُعَسِّروا. طيب، هذا مثال يقع تماماً في المعاملات الربوية اليوم، التي قامت عليها البنوك التي تُسَمّى بالبنوك الإسلامية، البنوك الإسلامية ظاهرة عصرية الحقيقة، وهي لم تتبدل تبدلاً جذرياً إلا باللافتة، وكثير من الأحكام لا تلتقي إلا مع بعض الأقوال الشاردة الخارجة، ليس فقط عن الكتاب والسنة، بل عن أقوال الأئمة، يقول بها بعض المقلدين للأئمة وهم ليسوا مجتهدين. والإنسان حين يُقال أنه ليس مجتهد، ذلك يساوي في لغة العلماء الحقيقيين أنه جاهل، الرجل العالم الذي يقال إنه عالم وليس بمجتهد، أي لا يستقي الأحكام الذي هو أولاً: يتعبد الله بها، وثانيًا: يُعَبِّد الناس بها وإنما من قيل وقال، هذا يُسمى في لغة العلماء بأنه جاهل «ولو كانت عمامته كالبرج وجبته كالخرج» فهذا ليس عالماً. هم يقولون في «كتاب القضاء» ولا يجوز تقليد الجاهل، قال في الشرح: أي المقلد لا يجوز تقليد الجاهل، أي القضاء القاضي. السائل: يعني تنصيبه، شيخنا؟ الشيخ: أيوه، القاضي يجب أن يكون مجتهداً، ولا يجوز أن يكون مقلداً؛ لأن المقلد يكون جاهلاً وهذا صحيح؛ لأن المقلد. الله يرحم ابن رشد الأندلسي، جاء بمثال رائع جداً، يقول: مثل المقلد ومثل المجتهد، كمثل صانع الخفاف وبائع الخفاف، مثل المجتهد ومثل المقلد كمثل صانع

стр. 6314

الخفاف وبائع الخفاف، يأتي الرجل بقياس رِجْل غريبة قد تكون مثلاً قصيرة وضخمة، وفي واحد بيصلح في رجله هلا، يأتي عند بائع الخفاف بيطلع في هذه الأقيسة المتعددة المتنوعة، ما بيلاقي بيقول له: عفواً، ما عندي من المقياس هذا، لكن بيروح عند صانع الخفاف يأخذ القياس تماماً، بيفصل إياها. هذا مثل المقلد وهذا مثل المجتهد، المجتهد هو المُتَشَبِّع بنصوص الكتاب والسنة التي أنزلها الله ، لتكون كما يتفاخر به خطباؤنا ووعاظنا ومرشدونا، وهم لا يعلمون هذه الحقيقة علماً واقعياً، يتبجَّحون أن الإسلام يصلح لكل زمان ومكان، وهذا صحيح. لكن بسبب جهلهم بهذه الحقيقة، صاروا الآن -وهنا الشاهد- يُحَوِّرون .. مع متطلبات الزمان وبدون يُسر، لم يأتوا بِيُسر؛ لأن الجماعة درسوا الكتاب ودرسوا السنة، وجدوا فيها أدلة تُيَسّر لهم بعض المعاملات التي هم يرون التعامل بها اليوم. لذلك أخي ما ينبغي نحن أن نظن في ناس نراهم فعلاً يتشددون؛ لأنهم يطبقون أحكام الشريعة، وألاَّ نعجب بأناس يُيَسِّرون لأنهم ييسرون. يجب أن نعلم هؤلاء الذين يُشددون هل هو اجتهاد من عندهم، أم هو تَمَسُّك منهم بنصوص كتاب ربهم وسنة نبيهم، إن كان هذا هو التمسك، فهذا واجب كل مسلم. كذلك أولئك الناس الذين يقال انهم يُيَسِّرون هل ييسرون بأدلة يُقَدِّمونها للناس من الكتاب والسنة، وإلا هذه آراء نحن نعرف من كتب الفقه عجائب من الأمور عجائب جداً. وأنا كنت اجتمعت مع مدير، مع رئيس البنك الإسلامي أيش أسمه له كتاب في هذا الذي أسس البنك الإسلامي؟ إللي أَسَّس البنك الإسلامي، شو اسمه؟ السائل: صالح كامل.

стр. 6315

الشيخ: يُمكن. السائل: حماد أو حامد كذا. الشيخ: له كتاب. الشاهد: عرفت منه كيف أقام البنك الإسلامي، أقامه على التلفيق، كلما وجد قولاً في مذهب من المذاهب يُيَسِّر معاملة ربويه، هو تَبَنَّى هذا القول، فجعله نظاماً وقاعدة وهو ما جاء بشيء. والتاريخ العصري أو المعاصر، يشهد أن أحد علماء الأزهر في زمن الخديوي تبع مصر، قال له: ضع أيَّ قانون تريده ونحن مستعدون أن نسند هذا القانون بنصوص شرعية من علمائنا، وهذا صحيح ليه أنا أضرب مثلاً واقعيًا هل هناك إذاعة إذاعة من السعودية وأنت نازل لا تذيع ما هو «متفق على تحريمه بين المذاهب الأربعة من الملاهي والأغاني» الجواب لا، لا توجد هذه الإذاعة مع الأسف الشديد، أفلا يوجد من يفتي بجواز هذه الأغاني؟ الجواب يوجد ما حجته في ذلك، قريب منكم ولعله بعيداً عنكم قريب منكم. أخونا وصديقنا يوسف القرضاوي الذي أصدر فتوى بالنسبة لذاك البريطاني الذي أسلم وكان مغنياً تذكر شو أسمه؟ السائل: يوسف إسلام. الشيخ: يوسف إسلام، لقد أفتاه بأن يستمر في مهنته، لماذا؟ قال: لأنه لا يوجد نص قاطع هكذا يقول، لا يوجد نص قاطع في تحريم آلات الطرب. ولذلك هو لا يرى حرجاً بأن يظل هذا المسلم البريطاني يتعاطى مهنة الغناء، ويأكل ويُعَيِّش نفسه وأهله. هذه الفتوى صدرت من هذا الرجل ومثله الشيء الكثير، الكثير إذا سألته عن حجة بيقل لك: يا أخي المسألة مُخْتَلف فيها «هذا ابن حزم مؤلف رسالة في إباحة الملاهي» وهذا صحيح.

стр. 6316

لقد قال أحد العلماء الأذكياء: أنا احترت في أمري، إن كنت مثلاً سلفي بيقولوا عني مُجَسِّم، وإن قلت حنفي بيقولوا بيستحل المُسْكر، وإن قلت أنا ظاهري بيستحل الغناء. بيشير إلى كُل مذهب فيه ما فيه مما لا يجوز أن يتبناه المسلم وبخاصة العالم، فأصبح اليوم حل المشاكل في البنوك وغير البنوك في الأحكام اللي بيسمونه أيش؟ السائل: الأحوال الشخصية. الشيخ: الأحوال الشخصية. كُلُّها تُحَلَّ بطريقة أيش، التلفيق، يأخذ الكلمة من هون وكلمة من هون وكلمة من هون، لا هو حنفي لا هو شافعي لا هو مالكي ولا هو حنبلي، لكن هو بيمشي على الأربع، تفهم عليا يمشي على الأربع. أما أحد بيقل لك قال الله قال رسول الله، هذا ما بيسمع، هذا غير هؤلاء المتشددون. فلا تعجبن بأن الإسلام مما جاء فيه «إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا، فطوبا للغرباء» قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: هم ناس قليلون صالحون، بين ناس كثيرين، من يعصيهم أكثر ممن يُطيعهم. هذه صفة متحققة اليوم تماماً على هؤلاء الغرباء، كذلك صفة أخرى من هم الغرباء يا رسول الله؟ قال: «هم الذين يُصْلحون ما أفسد الناس من سنتي من بعدي». باختصار: إذا أخذنا مبدأ التيسير هكذا على إطلاق، فهو سبب للخروج من الإسلام باسم الإسلام. ولعلك توافقني بأنه أشد هؤلاء المُحْدثين اليوم ممن يقال إنهم علماء، أشَدُّهم تيسيراً هو محمد الغزالي، فهل معنى ذلك أنه هو مصيب على خير وعلى صواب، الجواب لا؛ لأن هذا لا يُقيم للسنة وزناً.

стр. 6317

وقد كنا نرى منه تلاميح نوجس منها خيفة، لكن الآن انكشف القناع، وأظهر ما كان يبطن، فهذا أشد هؤلاء المعاصرين اليوم تيسيراً، لكن على حساب النصوص التي تُخالف التيسير الذي بزعمه هو. لذلك: نحن ننصح كل مسلم ألاَّ يغتر بشيء اسمه تيسير وآخر اسمه تشديد، وإنما عليه أن يُحَاوِل أن يفهم الشريعة، سواء كانت موافقة له لهواه أو مخالفة. هذا هو وهذا يعجبني من الأحاديث التي رواها الإمام مسلم في صحيحة عن رافع بن خديج، يقول في حديث المزارعة: أن الرسول ﵇ نهانا عن شيء كان لنا فيه مصلحة، لكن طواعية الله منا أنفع لنا كما قال. شايف هذا هو الإسلام، نهاهم عن المزارعة، نوعية من المزارعة كان لهم فيها مصالح، لكن طواعيتنا لله هي أنفع لنا في ديننا وفي دنيانا. هذا المنطق السلفي اليوم مفقود الذي هذا بيؤيد مصالح الناس المادية، هذا هو المُيَسِّر وهذا هو العالم، واللي بيقل لك هذا ما بيجوز وهذا لا يجوز، ولو بما قال الله وقال رسول الله هذا مُتَشَدِّد. ختاماً: أنا آتي بمثال الآن مما عليه البنوك الإسلامية كلها، وهو ملاحظة فرق السعر بين بيع النقد وبيع التقسيط، معروف هذا طبعاً. طيب، هات بنك إسلامي يبيع بسعر واحد نقداً أو تقسيطاً، هذا مستحيل وجوده لما؛ لأنه هذا النظام الذي قامت عليه البنوك الأوروبية، فنحن إن عدلنا بعض الشيء، لكن هذا عدلنا عن البنوك الكافرة بعض الشيء، فهذا لا يعني أننا عَدَّلنا نظام البنك من أصله من فصله من جذره لا، مع ذلك هذا التعديل البسيط استلزم عندهم أن يضعوا هذه اللافتة الضخمة البنك الإسلامي بنك إسلامي يوجد في مجتمع إسلامي. وأنا بهذه المناسبة يُعْجِبني، جاءني ضابط من الزرقاء، يمكن إخواننا ذول أرسلوه لعندي أنا ما رأيته من قبل، أول ما جلس زارني في البيت، أول ما جلس

стр. 6318

عندي ربنا بيريد أن ينبهني كأنه يقل لي خذ حذرك، مش يعني معركة هي، لكن لا تتورط تتكلم كلمة مع إنسان ينبغي أن تقال سواها، رأساً قل لي: شو رأيك في البنك الإسلامي، فهمت أنه بِدُّه يبحث فيما يتعلق بالربا وبهذا التقسيط وإلى آخره، فأنا جئت من أقرب طريق قلت له: شو رأيك أنت في المجتمع الإسلامي عاجبك، قال لا، قلت له: لا وأنا مو عاجبني البنك الإسلامي. هذا البنك الإسلامي نابع من هذا المجتمع الإسلامي، حينما يُوْجد مجتمع إسلامي حقاً يوجد بنك إسلامي، أنتم بتعرفوا أنه في هناك كتب أُلِّفت في الاشتراكية الإسلامية، صحيح وإلا لا؟ وما أدري والله لو أن ذاكرتي الكليلة ما بتساعدني، بأن هناك في أسماء أخرى أيضاً كلها موصوفة أنها أيش الأناشيد الإسلامية. فأنا أخشى ما أخشى يومًا ما نشوف كتاب الشيوعية الإسلامية، أخشى ما أخشى أن أشوف يومًا ما بهذه الصراحة الشيوعية الإسلامية ما هذا بعيد، من كان يستبعد قبل ربع قرن من الزمان أنه يطلع «كتاب الاشتراكية الإسلامية». بقول: كنا نستبعد هذا، لكن صارت هذه حقيقة، وفيها عدة كتب؛ ولذلك كونه اسمه البنك الإسلامي، ذلك لا يعني أنه يتعامل على منهج الشريعة الإسلامية. من أوضحها مثالاً: أنهم يُفَرِّقون بين سعر النقد وبين سعر التقسيط، ليه؛ لأنه هذا المجتمع الإسلامي هكذا يتعامل اليوم، صادر فتاوى بجواز هذه المعاملة وإلا لا؟ طبعاً، صادر فتاوى ومن مراكز عالية ونقدر يعني بعض شيوخها، لكن هؤلاء أفتوا بما في المذهب، بينما هناك أقوال أخرى عن السلف الصالح، إذا تركنا بعض الأحاديث وتركنا حكمة التشريع. نجد هناك من يقول إن هذا يجوز البيع بسعرين مختلفين سعر النقد أقل من سعر التقسيط وسعر التقسيط أكثر من سعر النقد، مع قول الرسول عليه السلام

стр. 6319

«من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما أو الربا» مع قول ابن مسعود «نهى رسول الله ﷺ عن صفقتين في صفقة». قيل لراوي الحديث سماك بن حرب: ما صفقتين في صفقة؟ قال أن تقول أبيعك هذا نقداً بكذا ونسيئة بكذا وكذا، أبيعك هذه الشنطة نقداً بدينار وتقسيطاً بدينار وفلس، هذا الفلس ربا، لماذا؛ لأنك في هذا التعامل والواقع أكبر شاهد تُعَطِّل خلقاً إسلامياً، وهو مستعمل اسماً في البنوك الإسلامية اسماً، أيش هو القرض الحسن وين القرض الحسن. أيِّ إنسان يريد أن يأخذ من أي بنك قرضًا حسنًا يمكن يعطوه مائة دينار مائتين دينار، وبعد أيش كلابات حديدية تحاط فيه، حتى يكاد يقول الله هو الغني عن هذا القرض الحسن. أما أنت بحاجة إلى تأسيس تجارة، أنت بحاجة إلى بناء دار تأوي إليها أنت وأهلك، ويقرضونك ألوفًا مؤلفة حسبةً لله، هذا مُعَطَّل، ليه؛ لأنه في بيع التقسيط. بيع التقسيط نظام كافر، نحن في الشرع عندنا في بعض الأحاديث الصحيحة: «قرض درهمين تساوي صدقة درهم». قرض درهمين تساوي كما لو أخرجت من جيبك درهماً ولن يعود إلى جيبك أبداً، قرض مائتي دينار كما لو تَصَدَّقت بمائة دينار. هذا التعامُل في المجتمع الإسلامي اليوم لا وجود له، حبر على ورق؛ السبب أننا لا نعيش مجتمعاً إسلامياً. ولذلك: البنوك الإسلامية هي نابعة من هذه المجتمعات، فهي ليست تمشي على الإسلام إلا بقدر، ومن هنا نتوصل إلى بعض الناس الذين يتشددون في إصدار أحكام قاسية وشديدة على الحكام المسلمين الذين يحكمونهم، وهم مع الأسف الشديد لا يحكمون بما أنزل الله، هذه حقيقة لا يمكن لأحدٍ إنكارها.

стр. 6320

ولكن ذلك لا يُساوي إصدار أحكام بتكفيرهم وبوجوب الخروج عليهم ومقاتلتهم، وليس يوجد عند هؤلاء الذين يُصْدِرون مثل هذه الفتاوى قوة يستطيعوا أن يحاربوا بها اليهود، وكيف يقولون بحكمٍ ما لا يستطيعون تنفيذه في كل البلاد الإسلامية ومع حكامهم؛ لأنهم يحكمون بغير ما أنزل الله هذه حقيقة مُرَّة، لكن الناحية الفقهية: لا يعني أن كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو مرتد عن دينه، إلا في حالة واحدة: إذا ظهر أن هذا الحاكم لا يعتنق الإسلام، ويعتقد ويُصَرِّح به بأنه لا يصلح الحكم الإسلامي في هذا الزمان، هذا لا شك بأنه كافر مرتد عن دينه قولاً واحداً ودون خلاف بين مسلمين اثنين. الخلاصة: التشديد والتيسير لا ينبغي أن نقبح هؤلاء ونحسن هؤلاء، إلا في حدود ما شرع الله. (الهدى والنور/٢٦٤/ ٠٠: ١١: ٠٠) (الهدى والنور/٢٦٤/ ٣٠: ٣٥: ٠٠) (الهدى والنور/٢٦٤/ ٥٦: ٣٥: ٠٠) خطورة التعامل مع البنوك الربوية الشيخ: هؤلاء المرابين في عهد الرسول ﷺ ما في إلا الذين معروفين بثروتهم وغنائهم، وليس لهم إيش محلات معينة، فيجيء الشخص، معروف الشخص عند الناس الآن أنه غني وأنه يُرابي بيقول له يجيب شاهدين يجيب شاهدين وعنده كاتب يكتب، أو يجيب له كاتب إلى آخره. فتعاون جميع هذه الأنواع: آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهدية، بسبب التعاون على هذا المنكر الفظيع. قال ﵇ «لعن الله» آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهدية، اليوم البنك لا يقوم على هذه الأنواع الأربعة، بيجوز البنك ما في حاجة في كثير من المعاملات إلى إيش شاهدين، لكن هو بحاجة بدل الشاهدين إلى متعاونين معه من أنواع كثيرة

стр. 6321

وكثيرة جداً بدأً من الكناس المُنَظِّف إلى الرئيس البنك، أد إيش أنواع بالنسبة للعصر الحاضر، كلهم داخلين تحت اللعن؛ لأنهم يتعاونون على هذا المنكر الضخم. وهذا الحديث في الواقع نعتبره دائماً من الأمثلة التي نستطيع أن نُفَسِّر بها بلاغة القرآن في مثل قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. فالتعامُل مع البنوك إثم وعدوان على أموال الناس وعلى حقوقهم، بعد اعتدائهم على أحكام الله وعلى شريعة الله. إذاً: انظر دائماً إلى نوع التعامُل مع أيِّ بنكٍ كان، فإن كان الشرع يُعطيك الجواز فهو جائز وإلا فلا. وأكثر المعاملات اليوم التي تجري في البنوك هي مخالفة للشريعة ولا شك. وباختصار واختصار شديد، لا يجوز التعامُل إلا مع الضرورة التي تُبيح للمسلم أن يأكل لحم الخنزير. السائل: إيه نعم، ما هو البديل؟ الشيخ: تريد البديل .. الجواب عن السؤال السابق ذكره من أحد إخواننا، ما هو البديل. هذا السؤال باعتقادي الجواب عنه ليس بالسهل، ليس بالنسبة للمجيب ولكن بالنسبة للسائلين؛ لأنه لا يخفى على جميع الحاضرين: أن البنوك القائمة الآن، هي ثمرة تَغيُّر نفوس المسلمين، الذين وُجِدَت بينهم هذه البنوك التي تتعامل تعاملاً غير إسلامي. فإذاً: هي أثر من آثار فساد المجتمع الإسلامي، فحينما نطلب بديلاً عن هذا البنك الذي يتنافر مع المجتمع الإسلامي الحقيقي، فلا يُمكننا أن نوجد البديل إلا بإيجاد التبديل والتغيير، كما قال ربنا في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

стр. 6322

لأن البديل إن وُجد وسوف لا يمكن إيجاده مع بقاء المسلمين على ما هم عليه، إن وُجد فسوف يُرْفَض وسوف يُهْجَر ولن يتعامل المسلمون معه؛ لأنهم ليسوا مسلمين حقاً، ولم يُشَكِّلوا المجتمع الإسلامي الذي يتقبل هذا البديل عن البنك الإسلامي. وموضوع تغيير النفوس المشار إليه في الآية السابقة أمر هام جداً، هو من الأمور التي لا يزال كثير من المسلمين فضلاً عن الكافرين لا يعلمون أهميته، وربما يعلم الحاضرون جميعاً، أن بعض القوانين الغربية الكافرة، كانت يوماً ما قد اقتنعت تحت مطارق التجارب والأضرار التي لمسوها لمس اليد من انتشار شرب الخمر في تلك البلاد، تحت ملاحظتهم لهذه الأضرار، أصدروا قانوناً بتحريم الخمر، لكن سرعان ما تراجعوا عن هذا التحريم وعن هذا القانون -وهنا الشاهد- لأن النفوس التي فُرض عليها هذا النظام وهذا القانون، ليس عندها استعداد أن تجاهد نفوسها وأن تبتعد عن شرب الخمر مع علمهم بأضرارها؛ لأنه إنما يبتعد الناس عن المضرات المشتهات عند النفوس بتقوى الله ﵎ ولا شيء آخر. ولذلك لا نزال إلى اليوم نجد كثيراً من الأطباء المسلمين يشربون الدخان، مع علمهم بأضرار الدخان، بل وبعضهم يشرب الخمر أيضاً وهم يعلمون أضرارها. إذا كان بعض أطباء المسلمين هكذا يشربون الخمر، فماذا يقال عن الكفار الأمر فيهم أدهى وأَمَرّ، ولذلك فشربهم الخمر ليلاً نهارًا، والذين يُسافرون أو بمعنى أصح يُبتلون بالسفر إلى بلاد أوروبا، يذكرون أنه قلما يشربون الماء، وإنما يشربون الخمر. إذاً: ما هو السبيل للابتعاد عما حَرَّم الله، وإحلال ما أباحة الله، محله ليس هو مجرد التغيير والتبديل، وإنما بتبديل شيء قائم في النفوس، ألا وهو تحقيق تقوى الله التي هي العلاج لابتعاد الناس عن كل المعاملات المحرمة إسلامياً. إذاً باختصار أُريد أن أقول: إن البديل لا يمكن إيجاده إلا بعد تهيئة النفوس للابتعاد عن هذه البنوك المحرمة.

стр. 6323

وحيننئذٍ تأتي جملة مشهورة في العصر الحاضر وهي: «الحاجة أُم الاختراع» فما دام الناس لا يزالون يُقْبِلون على التعامل مع البنوك، بحجة أن هي فيها شيء وهي ما فيها شيء وهي فيها شيء فيه ضرورة وما هي ضرورة، لا ينظرون إلى قول الفقهاء، صحيح «الضرورات تبيح المحظورات» لكن هذه القاعدة مُقيدة بقاعدة أخرى، وهي «الضرورة تُقَدَّر بقدرها». فإذا سألت التُّجار ما هي الضرورة التي تضطركم إلى أن تُودعوا أموالكم بالألوف بل ربما الملايين في البنوك، بيقل لك التجارة. طيب، التجارة ليست ضرورة تبيح للمسلم ارتكاب المُحَرّمات، كيف والإسلام يقول في صريح حديث الرسول ﵊ في حديث ما معناه «يا أيها الناس اتقو الله وأجملوا في الطلب، فإن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فإن ما عند الله لا يُنال بالحرام» فإن ما عند الله لا ينال بالحرام. فأنت إذا أردت أن تُتَاجِر فعليك أن تتقي الله ، ولا تظنن استحلالك ما حَرَّم الله بزعم أن الضرورات تبيح المحظورات، ولا ضرورة هناك سواى توسعة الكرش وإملاء البطن بما حرم الله. هذا ليس ضرورة أبداً، يستطيع الإنسان أن يعيش في هذه الحياة الدنيا أحسن عيش وأحسن حياة في حدود القناعة، وليس من الضروري أن يكون غنياً ثرياً كبيرا، وبخاصة بناءاً على المعاملات المُحَرّمة في الإسلام. قلت مراراً وتكراراً وأرى لزاماً عليّ أن أُكَرِّر ذلك على مسامع الناس، ولو كان فيهم من قد سمع، فإن في الإعادة إفادة كما يقال، وقد يكون هناك من لم يسمع. فأنا أقول: إن المسلمين اليوم بعامة -وهذا لا يعني أن هناك خاصة لا يدخلون في هذا العموم- نسوا قول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ إني أقول نسوا أعني الآية القرآنية وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى* قَالَ رَبِّ

стр. 6324

لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا* قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾. فأنا قلت: إن المسلمين اليوم نسوا هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ فيقول: قائل لا، يا أخي ما نسوا بدليل: قَلَّما تدخل بيتاً إلا وتجد لافته بخط جميل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾. أقول له: رويدك أنا ما أعني النسيان الفكري العلمي، وإنما أعني النسيان العملي المذكور في الآية السابقة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا* قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ نسيان ذهني؟ لا, نسيان عملي. فنحن اليوم مع الأسف الشديد، تنطبق هذه الآية على الكثير مئات الملايين من المسلمين ينطبق هذا الوعيد الشديد: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ وأيُّ ضَنَك أشد من أن تُسْتَحل أطراف من بلاد الإسلام من الكفار أصالةً أو الكفار انتماء إلى أخره، ونعيش في ظل هؤلاء الحُكَّام الذي بعضهم كفار أصليين وبعضهم كفار طارئيين ونحو ذلك. هذه المعيشة الضنك، أنك لا تستطيع أن تنتقل من بلد إسلامي إلى بلد آخر، كما هو الواجب أن تطوف في بلاد الإسلام وتعيد رحلة ابن بطوطة أو ابن جبير ونحو ذلك، يتعجب الإنسان كيف استطاع هذا الرَّحالة وقتذاك أن يطوف هذه البلاد، دليل أن ما كان فيه هذه التعقيدات التي أُصيب بها المسلمون اليوم، بل لا تستطيع أن تتجاوزها مقدار مئة كيلومتر مائتي كيلومتر إلا - بإيه - ساعات حتى يؤذن لك ويسمح لك هذا من الحياة من المعيشة الضنكا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ إلى أخر الآية فالآية السابقة معروفة: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ لكنها مهجورة متروكة لا يُعْمَل بها، لا أحد من التجار إلا من شاء الله وقليل ما هم يخطر في بالهم: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ

стр. 6325

مَخْرَجًا﴾، أي: من يترك الربا فالله سيجعل له مخرجًا أحسن من المخارج التي يتكلفها العاصون لله في تعاملهم تعاملاً ربوياً: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. نحن نسأل ولا جواب: هل تؤمن بهذه الآية؟ يقول نعم، لكن أراك لا تعمل بها أنت لا تتقي الله حتى يجد لك مخرجاً. باعتقادي الآن البديل هو في هذه الآية البديل، لا يستطيع شخص من مثلي ولا عشرات من مثلي ولا مئات أن يُوجِدوا بنكًا بالمعنى العرفي اليوم وموافق للأحكام الشرعية، ما دامت هذه الآية لا تزال تُزَيَّن بها الجُدُر وليس القلوب فلو أننا غيرنا من أنفسنا لغير الله ما بنا، وذلك بأن نتقي ربنا؛ لأن الله أصدق القائلين: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾. إذًا: القضية مش قضية أنه قضية حل مادي، أنه نُوجد نظامًا بهذه السرعة التي يسعى إليها الكفار ويضعون القوانين لحل بعض المشاكل، هذا يحتاج إلى تطهير الأمة من نفوسها من أفكارها من عقائدها، حتى ربنا يتفضل عليها حينذاك بأن يلهمهم البديل المادي الذي يأتي بحلول لمشاكلهم، ولا يُؤَخِّر أعمالهم الدنيوية المباح منها. وبهذه المناسبة أيضاً، بمناسبة التعليق على هذه الآية أنا أذكر حديثين اثنين أيضاً، يُعْتَبران كالتفسير لهذه الآية، تفسيرًا واقعيًا مما وقعت من بعض الأمم التي كانت قبلنا، قال ﵊ فيما رواه الإمام البخاري في صحيحة: «كان فيمن قبلكم رجل غريب، فجاءه سائل فقال له: أقرضني مائة دينار، قال: هاتِ الكفيل. قال: الله الكفيل، قال: هات الشهيد، قال الله شهيد، فنقده مائة دينار ذهب، ولا شهيد هنا من العباد ولا كفيل، إنما هي تقوى الله والخوف من الله كلاً من الغني والفقير من المُقْتَرض والمُقْرِض، وتواعدا على يوم لوفاء هذا الدين، وانطلق المستقرض بالمائة دينار يعمل في بلدة أخرى، فلما حل الميعاد وجد نفسه لا يستطيع

стр. 6326

أن يحضر في البلدة التي فيها الغني؛ ليفيه المائة دينار، فماذا فعل؟ لقد فعل أمراً عجباً، أنا أول من يستنكره تمسكاً بالمبادئ الكونية الطبيعية المعهودة عند الناس، أما الإنسان حينما يلجأ إلى الله ويتوكل عليه فهنا تأتي العجائب، كما جاء في حديث وهو قوله ﵇: «حَدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج». فقد كانت فيهم أعاجيب، من هذه الأعاجيب هذه القصة، هذا الرجل لما شعر أنه لا يستطيع أن يحضر في اليوم الموعود لدفع النقود، ماذا فعل؟ أخذ خشبه وحفرها ودَكّ فيها مائة دينار لاحِظْ، وحشاها حشواً جيداً. ثم جاء إلى ساحل البحر، فقال: يا ربي أنت كنت الكفيل وأنت كنت الشهيد، ورمى الخشبة في هذا البحر، شُغْل دروشة شغل جنون، والجنون فنون، لكن إنما الأعمال بالخواتيم شوف شو صار بالرجل، ربنا الذي يعلم ما في الصدور، ويعلم إخلاص هذا الإنسان في محاولته الوفاء في اليوم الموعود، وقد فاته بينه وبين البلد ما شاء الله من المسافات فتوكل على الله حق توكله ثم أتى بسببٍ باستطاعته هذا السبب، ما عنده دليل مسجل كما هو اليوم موجود أو بريد سريع أيضاً إلى آخره. فَدَكّ الخشبة ودَكَّ فيها هذه الدراهم وهذه النقود ورماها في البحر متوكلاً على الله، أنت كنت الكفيل وأنت كنت الشهيد، يعني: يا ربي هذه شغلتك ما هي شغلتي، أنا هذا ما بيطلع بيدي. ربنا بقدرته التي لا حدود لها، أمر الأمواج أن تأخذ هذه الخشبة إلى البلدة التي فيها الدائن الغني، وخرج الدائن في اليوم الموعود ليتلقى صاحبه المدين، لكن عبثاً. فالرجل ما زال في تلك البلدة التي كان يعمل فيها، ووقع بصره على خشبه بين يديه تتقاذفها الأمواج وتتلاعب بها يميناً ويساراً، فأُلهم أن يَمُدّ يده ليأخذها، وإذا هي ثقيلة؛ الأمر الذي جعله يحس بأن الخشبة هذه مش خشبة جامدة، أخذها إلى الدار وكسرها وإنهال منها إيش؟ المائة دينار ذهب تعجب الرجل.

стр. 6327

ثم جاء المدين بعد الوعد، انظر الآن الإخلاص في الوفاء من جهة وعدم الاعتماد على ما فعله، أنتم تسمعوا يمكن أن الصوفية فيقولوا فلان أخذه الحال، أنا منكر هذا الشيء، لكن له معنى هذا الكلام. لازم تعرفوا معي قضية أن الإنسان أحياناً يأخذه الحال هذا مش مستنكر أبداً؛ لأن الإنسان أحياناً ينفصل عن الوجود المادي بارتفاعه إلى الأعلى واتصاله بالملأ الأعلى. هذا الرجل لما ألقى الخشبه وفيها المائة دينار، بلا شك هذا أخذه الحال، فنحن نقول بيقولوا الصوفية أخذه الحال، يعني هذا جنان بيذكر الله وأخذه الحال، لا، هذا أخذه الحال هنا أخذه شعوره؛ لأنه يجب عليه أنه لو كان له أجنحه ليطير إلى تلك البلد، من أجل ماذا أن ينقده النقود وفاءً بالوعد، لكن مش طالع بإيده إذا شو بيسوي هي لا جود إلا بالموجود، قال ما بيطلع بأيده دَكَّ هالنقود في الخشبة ورماها وإلى آخره. لكن هالحال هذا اللي أخذه ما استمر معه بيرجع إلى الوضع الطبيعي، والوضع الطبيعي يُعَبّر عنه لما جاء عند صاحبه تجاهل كل شيء فعله، وأخرج من جيبه نقده مائة ألف دينار. لو كان بِدّه يعتمد على ذاك الفعل، كان بيقول له أنا بعثت لك بالبريد الإلهي مائة دينار فهل وصلك، شو بيعرفه هي قضية خارجة عن تَوَقُّع الإنسان. لذلك تجاهل الموضوع نقده مائة دينار، هذا بلا شك منتهى الوفاء والإخلاص، والعمل بالوسائل المادية والوسائل إذا صح تسميتها الروحية أو الإلهية، جمع بين الأمرين ورجع إلى النظام المعتاد فنقده مائة دينار. انظروا الآن موقف الدائن ليُذَكِّرنا بالمثل السائد: «إن الطيور على أشكالها تقع» لو واحد من الأغنياء اليوم جاء بالبريد الإلهي اللي لا مثيل له، مائة دينار يحطهم بجيبته او بخزانته ولما بيجي المدين بيدفع له، بيقول جزاك الله خيرًا؛ لأنه هذا المدين ما بيقدر يُقيم الحجة عليه أني بعثت لك مائة دينار كما نفعل نحن اليوم بطاقة

стр. 6328

مستردة، أن أنا بعثت لك ما في شيء من هذا فوق الأسباب الكونية الطبيعية الذي وقع. لكن هذا الغني مثل هذا المدين كلاهما في الخوف من الله وفي تقوى الله سواء، ماذا فعل؟ قال أنا يا اخي يوم الميعاد خرجت لاستقبالك وتَلَقّيك ما إجيت، لكن وجدت خشبه فأخذتُها وكسرتُها ووجدت فيها مائة دينار، شو القصة؟ قال القصة كذا وكذا، حكى له القصة رَدَّ له المائة دينار وقال له: بارك الله لك في مالك. هذه تفصيل لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ يعني سَخَّر الله لهذا الإنسان البحر الموج. هذه البواخر إذا شفتوها الضخمة، كأنها بلد تمشي في البحر، ربنا سخر لنا هذا الموج لهذا الإنسان المتقي. فتقوى الله تأتي بالعجائب، لكنا مع الأسف اليوم ما عدنا نحس بأثر التقوى إلا نادراً نادراً جداً. الحديث الثاني الذي أذكره بهذه المناسبة، وهو معجزة وآية أخرى، تُؤَكِّد أثر تقوى المسلم لله ، وكيف ربنا يسخر لنا الكون. قال ﵇ «خرج رجل ممن قبلكم يمشي، فسمع صوتاً من السحاب صوتًا من السحاب، حتى في زمن استعلاء الطائرات على السحاب لا يمكن أن نسمع صوت البشر إلا صوت دوي الطائرات. هذا الإنسان في ذلك الزمان سمع الصوت من السحاب كلام يفهمه: اذهب يا سحاب واسق أرض فلان. عجيب، عمرها ما صارت هذه. كان السحاب يمشي هكذا وإذا به يمشي في جهة أخرى، مشى مع السحاب إلى أن وجد السحاب يُفَرِّغ مشحونه من ماء المطر على حديقة، أطل فيها فوجد فيها صاحبها يعمل في فتح الطريق للماء وإلى آخر من هنالك .. من نظام الزرع، سَلَّم على

стр. 6329

الرجل باسمه الذي سمعه فوق من السماء، قال له: ما خبرك؟ أراك رجل غريب كيف عرفت؟ حكى له القصة الذي سمعها بأذنه، قال له: فبم ذاك؟ يعني: كأنه شرح أن هذه كرامة من الله لك، ولا بد أنك من المقربين عند الله حتى سخر لك السحاب .. المطر، والمطر ينزل في الحديقة، وخارج الحديقة لا شيء. يعني أشبه شيء يُذَكِّرنا بحديث أنس بن مالك في الصحيحين لما كان الرسول ﵇ يخطب يوم الجمعة حين دخل أعرابي قال: «يا رسول الله! هلكت الأموال، والعيال، من قلة الأمطار، فادع الله لنا. قال ﵇ ورفع يديه حتى بان إبطاه: اللهم! اسقنا، اللهم! اسقنا، فجاشت السماء بالأمطار كأفواه القِرَب، ويقول أنس: فالمدينة تمطر وحواليها لا مطر». تُذكرني هذه القصة بهذه الحادثة في زمن الرسول ﵇، كيف أن الله استجاب دعاء الرسول، فالمدينة ينزل فيها المطر، أما خارج المدينة لا شيء، وبالعكس. قال أنس: «فاستمرت تمطر سبتاً» أي: أسبوعاً كاملاً. «إلى أن جاء الجمعة الثانية ورسول الله ﷺ يخطب، قال أنس: جاء الرجل نفسه أو غيره، قال: يا رسول الله! هلكت الأموال والعيال من كثرة الأمطار، فادع الله لنا، قال ﵇: اللهم! حوالينا ولا علينا، اللهم! على الآطام والضراب والجبال ومنابت الشجر. قال: فانكشفت السماء فكانت كالجونة». «الجونة» يعني: الترس، كأن هناك ترس كبير حول المدينة، فكانت المدينة ليس فيها مطر، وما حولها أمطار على الآطام والجبال ومنابت الشجر. هذا كُلُّه تَصَرُّف من الله استجابةً لدعاء نبيه ﵊، هناك نجد هذا الرجل صاحب الحديقة يقول للذي سمع الصوت من السحاب: أنا والله لا أدري.

стр. 6330

لكن أنا عندي هذه الأرض -وهنا الشاهد- وأزرعها، فإذا ما حصدتها، جعلتها ثلاثة أثلاث، ثلث أُعيده إلى الأرض، وثلث أُنفقه على نفسي، وثلث أتصدق به على جيراني ومن حولي. قال له: فهذا هو. بهذا أنت استحققت أن الله سخر لك السحاب؛ لأنك تتقي الله في مالك، لا تنس نفسك، لا تنس أرضك الذي هي سبب رزقك، ولا تنس جيرانك الذين هم من حولك من الفقراء والمساكين. إذاً: حل المشكلة وبديل هذه البنوك هو أن نُغَيِّر ما بأنفسنا، حتى يُغير الله ﵎ ما بنا. حينذاك ستجد المسلمين هم أنفسهم يعالجون الموضوع الآن بعد أن يهيئوا أنفسهم ويُغَيّروها، يعالجون هذه المشاكل التي تعترض سبيلهم ويستغنون عن البنوك الربوية القائمة على معصية الله، وهذا ما أردت أن أجيب عن سؤال: ما هو البديل؟ (الهدى والنور /٢٧٢/ ٣٨: ٣٠: ٠٠) (الهدى والنور /٢٧٣/ ٣٥: ٠٠: ٠٠) حكم وضع المال في البنك مداخلة: يا شيخ ما حكم وضع المال في البنك، مال بكمية كبيرة يعني، يقول لك: أنا ما أستطيع أضعها في البيت؛ خوفاً على نفسي وعلى أهل البيت؟ الشيخ: هذا واضع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]، لافتة في داره خارجة عن قلبه. (الهدى والنور /٨٠٧/ ٥٣: ٢٠: ٠٠)

стр. 6331

وضع المال في البنك خشية أن يسرق مداخلة: يا شيخ، بالنسبة لمن خشي على ماله أن يضيع مثلاً إذا أخرجه، مثلاً فلوس ملايين يعني، فلو أخرجها خارج البنك فسوف يسرقونها، فهل له أن يضعها في البنك حفاظاً على ماله؟ الشيخ: لو أن غيرك قالها. مداخلة: شيخ بارك الله فيك، نسأل بس نحن نستفيد. الشيخ: نعم، لكن ليس كل سؤال يحصل. مداخلة: تفضل يا شيخ؛ لأني أنا سمعت يعني لبعض العلماء. الشيخ: طبعاً، سمعت فتوى عندكم وأباحوا لكبار المتعاملين بالبنوك أن يودعوا أموالهم في البنوك الكافرة. مداخلة: كيف البنوك الكافرة، يعني يا شيخ؟ الشيخ: أباحوا من أجل هذه النظرية التي أنت ذكرتها آنفاً، أن يودعوا أموالهم التي تُعد الملايين في البنوك الكافرة .. غير مفهوم هذا الكلام؟ مداخلة: مفهوم. الشيخ: المقصود بارك الله فيك، أن المسلمين اليوم في فتنة إيمانية، نسوا الله فأنساهم أنفسهم. ربنا يقول في القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣] فالآن الموازين الإيمانية انقلبت إلى موازين مادية، فلم يعد المسلمون يفكرون في الأسباب الشرعية، وإنما هم فقط يفكرون في الأسباب المادية.

стр. 6332

والإسلام -بلا شك- لا يُحَرِّم على المسلم أن يتعاطى الأسباب الجائزة شرعاً، ليس فقط للمحافظة على المال، بل والمحافظة على الصحة، ونحو ذلك .. ولكن إذا ما كانت الأسباب مخالفة للشرع، حينذاك يقال كما قال ﵊ في الحديث الصحيح: «يا أيها الناس اتقوا الله ، فإن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فأجملوا في الطلب، فإن ما عند الله لا يُنال بالحرام» .. فإن ما عند الله لا يُنال بالحرام، ولا شك أنه لا فرق في الفقه الإسلامي، بين مسلم يتخذ وسيلة محرمة لتحصيل الرزق، أظن هذه واضحة في أذهانكم، لكن هذه أُريد أن أتخذها سُلّماً. فأقول: إذا كان الأمر كذلك، أنه لا يجوز للمسلم أن يتخذ وسيلةً محرمةً شرعاً لتحصيل الرزق، كذلك لا يجوز له أن يتخذ وسيلةً محرمة للمحافظة على الرزق، واضح هذا؟ طيب. وهذا ضد القاعدة الصهيونية والتي يتبناها كثير من الإسلاميين اليوم وهي: الغاية تُبَرّر الوسيلة، فسؤالك الآن إذا لخصناه: هل هذه الوسيلة جائزة ألا وهي إيداع المال الكثير في البنوك؛ خشية أن يُسرق؟ فالجواب واضح؛ لأنه وسيلة محرمة. فإذاً نقول: لكل من أراد أن يتخذ هذه الوسيلة؛ للمحافظة على ماله، مثله مثل من يتخذ وسيلة محرمة لتحصيل رزقه، ولا فرق بينهما إطلاقاً، إن كان يجوز استحلال ما حَرَّم الله من الوسائل لتحصيل الرزق، جاز استحلال ما حرّم الله من الوسائل للمحافظة على الرزق .. طبعاً هذا لا يجوز وهذا لا يجوز، إنما الفرق هي الغفلة، وشعور الناس حتى بعض المفتين؛ لأن المسلمين اليوم لم يعودوا مؤمنين حقاً، فليس عندهم استعداد نفسي إيماني ليقال للغني الثري يا أخي تعاط الوسائل الممكنة لحفظ مالك. أنا أقول في مثل هذه المسألة، وقلت ذلك لَمّا قُدِّر لي الذهاب لزيارة بعض البلاد الأوروبية ومنها بريطانيا، فكنا نعقد هناك بعض المجالس وكان المسلمون الذين استوطنوا تلك البلاد أو سافروا إليها لأيام أو شهور أو سنين، يقولون يا

стр. 6333

شيخ نحن هنا غرباء، ونحن هذا المال أين نذهب به إذا ما وضعناه في البنك نخشى أن يسرق، بل نخشى حتى أن نقتل، فأنا أردت بشيء أذكرهم بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ثاني شيء أذكرهم بحديثين اثنين لأنه في الحقيقة هذين الحديثين في رأيي مثالان صالحان بترسيخ معنى ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] .. ترسيخ معنى ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] لأن الناس يقرؤون هذه الآية ولا يشعرون بأثرها في قلوبهم، وفي بعض البلاد كسوريا، وهنا أيضاً بعضهم يضع لافتة على الجدار مكتوب فيها ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]. فإذاً: هم زَيَّنوا بهذه الآية جدرانهم وأخلوا منها قلوبهم، فهذان الحديثان يؤكدان هذا المعنى المذكور في القرآن، أحدهما في صحيح البخاري أن رجلاً ممن قبلنا جاء إلى غني فقال له: أقرضني ألف دينار، قال: هات الكفيل، قال: الله الكفيل، قال: هات الشهيد، قال: الله الشهيد. يبدو أن الأمر في الطالب والمطلوب منه سواء، وهو كما قيل إن الطيور على أشكالها تقع، أي أنهم من طَيِّبي القلوب، أخذ هذا الكلام على محمل الصدق .. الله كفيل .. الله كفيل، الله الشهيد .. الله الشهيد، ونقده ألف دينار .. دينار أحمر، وتواعدا على يوم الوفاء، وأخذ الرجل الألف دينار، ذهب في البحر يضرب ويبدو أن الرجل وفقه الله فيما عمل بالألف دينار، لكنه أدركه الوعد أو اليوم الموعود وهو بعيد عن بلد الغني المحسن، فما وسعه إلا أن يفعل فعلاً كل من يسمعه يحكم عليه بأنه مهبول مجذوب. حيث أنه أخذ خشبة ونقرها نقراً وَدَكّ فيها الألف دينار وحشاها جيداً، ثم جاء إلى ساحل البحر فالرجل جاء إلى ساحل البحر وقال: اللهم أنت كنت الكفيل وأنت كنت الشهيد، ورمى الخشبة في عرض البحر .. الجنون والجنون فنون، لكن هذه كرامة للرجل هذا فيما بعد تبين، وجاء اليوم الموعود وخرج الدائن لاستقبال المدين عبثاً ما جاء المدين، لكن أوصلها الله الخشبة إلى الساحل الذي هو

стр. 6334

على حافته، والأمواج تُحَرِّكه بين يديه، فمد يده وإذا هي رزينة أخذها إلى الدار كسرها وإذا ألف دينار، تعجب، بعدها رجع الرجل المدين سالمًا وحيا إلى آخره، وتجاهل ما فعل؛ لأنه أمر غير عادي، أي ليس من سنن الله الكونية ويقولون اليوم الطبيعية .. ليس نظاماً عادياً، فتجاهل ما فعل ونقده ألف دينار صار عند الرجل ألفان، فما وسعه وهذا أيضاً لصفاء نفسه إلا أن يحدث المدين بقصة الخشبة، فما كان منه إلا أن قص عليه القصة أنه هو الذي فعل هذا وتوكل على الله ، وخاطبه بقوله: أنت كنت الكفيل وأنت الشهيد، فقال: قد وفى الله عنك فبارك الله لك في مالك، وعاد إليه الألف دينار .. هنا نحن نأخذ عبرة أن هذا الرجل المدين لما فعل فعلته هذه، ما فعله إلا بإيمان قوي جداً جداً متوكلاً على الله أن يتولى الوفاء عنه بطريقة هو يعرفها وهو قادر عليها. والله كما جاء في الحديث الصحيح: «أنا عند حسن ظن عبدي، فليظن بي ما شاء» لكن هذا يحتاج إلى إيمان. أيضاً ذاك الرجل الغني رجل صافي لو كتم الألف دينار ما استطاع أحد أن يكشفه إطلاقاً؛ لأنه ما جاءه ببريد مضمون ماذا يسموه؟ مسجل، لا، ما فيه شيء من هذا إطلاقاً يومئذ، لكنه يراقب ربه ، ويعلم أن هذا المال ما دام أنه جاءه بطريق غير معتاد، لا بد أن يكون هناك سر، فعاد الألف دينار وقال: قد وَفَّى الله عنك، هذا تفسير ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]. الحديث الثاني وهذا كما ذكرت آنفاً في صحيح البخاري .. الثاني في صحيح مسلم أن رجلاً قال ﵇: بينما رجل فيمن قبلكم يمشي في فلاة من الأرض، إذ سمع صوتاً من السحاب يقول: اسق أرض فلان، هذه معجزة ما حدثت في التاريخ .. تاريخ الدنيا إطلاقاً، فهذا الشيء لفت نظره، وجد السحاب يمشي جهة فمشى معها، حتى وجد السحاب يُفَرِّغ مشحونه من الماء على حديقة، فأطل عليها

стр. 6335

وإذا فيها رجل يعمل فيها، فسلم عليه باسمه وهو رجل غريب عن تلك الأرض، فرد ﵇ واستغرب منه كيف عرفه، فقص عليه القصة، أنني بينما كنت أمشي في الصحراء سمعت صوتاً من السحاب اسق أرض فلان، فسرت والسحاب حتى رأيته أفرغ الماء عندك، فبم ذاك؟ قال: والله لا شيء عندي سوى أن عندي هذه الأرض فأزرعها وأخدمها وأحصدها، ثم أجعل حصيدها ثلاثة أثلاث .. ثلث أعيده إلى الأرض، وثلث أنفقه على نفسي وعيالي، والثلث الآخر أتصدق به على جيراني والفقراء من حولي، قال له: هو ذاك .. هو ذاك. فالآن من كان يؤمن بالله ورسوله حقاً وصدقاً، إذا اتخذ الوسائل المشروعة في المحافظة على ماله، أتُرى أن الله يخيب ظنه فيه؟ حاشا لله، لكن أين هذا الإيمان؟ أنا أقول مثلاً: ما فيه مانع إذا كان مليونير أنه يتخذ غرفة حديد .. غرفة حديد ويحط حوله من الحُرّاس براتب ومعاش، خير له بكثير من أن يودع هذا المال في البنوك الذي تستغله، وليتها تستغل هذا المال لصالحها المادي، وإنما لتضرب به المسلمين في عقر دارهم، لا شك أن هذا خير دينًا ودنيا؛ لأن هذا الرجل الذي اتخذ غرفة لنقول حديدية ووضع عليه ما يطمئن عليه من الحراس، وآتاهم أجراً، فهذا ربنا يبارك له في ماله، وليس كالذي يتعامل بالربا سواء كان أكلاً أو إيكالاً إطعاماً .. لا فرق بين هذا. فكلنا يعلم قول الرسول ﷺ : «لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه» والحقيقة وهذا من سنة الله الكونية، كما قال الشاعر قديماً: وما معظم النار إلا من مستصغر الشرر، وكما قيل أول الغيث قطر ثم ينهمر. فالآن في البلاد السعودية لا فرق بينها وبين البلاد العربية الأخرى، حيث انتشرت فيها البنوك كانتشارها في كل البلاد، لا شك أن هذا الانتشار له مقدمات من فتاوى تصدر تُشَجِّع هذا العمل، وأول التشجيع أنه أنت ضع مالك لكن لا تأخذ ربا، وليتهم يسمون الربا ربا كما سمَّاه الله وإنما يسمونه بماذا؟ مداخلة: فائدة.

стр. 6336

الشيخ: بالفائدة، بعدها من تسويل الشيطان لبني الإنسان أن يرتكب الحرام× لأن هذه فائدة، أما كما سماه رب العالمين الربا أو الرسول ﵇، فهذا يبتعدون منه؛ لأنه يُنَفّرهم عن تعاطي هذه الأسباب. فإذاً بارك الله فيكم: يجب نحن أن نتذكر ديننا وأن نعرف أحكام شريعة ربنا، وأن نُحَذِّر إخواننا من عاقبة الربا، وعاقبة الربا كما قال ﵇ إلى قل .. إلى قل .. قل قليل يعني. مداخلة: يقلل .. الشيخ: نعم؟ مداخلة: يقلل المال يعني؟ الشيخ: نعم، يعني يذهب المال من حيث جاء، لا يبارك الله فيه، يعني عكس قوله ﵇: «وما نقص مال من صدقه». مداخلة: يا شيخ بارك الله فيك .. كنت قد تناقشت مع ثمانية أشخاص وهم عدلاء يعني، فتناقشت معهم في نفس الموضوع، واقترحت نفس الاقتراح الذي اقترحته. وهو إذا كان الشخص مليونير أن يأتي بغرفة، وأن يكون فيها حديد، وأن يودع الرجل ماله في هذه الغرفة ويعني كما كان يفعل آباؤنا .. كان قديماً لا يوجد عندهم بنوك، وإنما كانوا يودعون الذهب في التنك. الشيخ: في أماكن حديثة يعني. مداخلة: نعم ويضعونها في زاوية ... أماكن في الجدار فاقترحت عليهم هذا الاقتراح، ولكنه كان أظنه شبه شيء من اقتراحي، كأنه شيء شبه من الجنون يعني .. الشيخ: خيال خيال عندهم. مداخلة: نعم .. وإلا والله اقترحت عليهم نفس هذا الاقتراح.

стр. 6337

الشيخ: بارك الله فيك. مداخلة: وسؤالي بارك الله فيك يا شيخ، إنما هو بس؛ لكي أستفيد يقيناً بما أنا عليه. الشيخ: جزاك الله خيرًا. مداخلة: جزاك الله خيرًا. (الهدى والنور/٦٦٢/ ٣٩: ٠٠: ٠٠) (الهدى والنور/٦٦٢/ ٠٠: ٠٧: ٠٠) حرمة إطعام الربا ما تؤاخذني بقى إذا جئنا لأصل الموضوع، يكون واحد عنده شوية فلوس، طيب وين يحطه، لأني أخاف ينسرق المال، وأنا أقول: وقلت هذا وأنا في لندن، أتيحت لي زيارة، وألقيت هناك بعض المحاضرات، فصاروا الغرباء من المسلمين العائشين في تلك البلاد يوجهوا السؤال: في مانع يا أستاذنا نحط مالنا في البنك؟ لا، ما يجوز، حرام، أنت مسلم، والرسول ﵇ يقول: «لعن الله آكل الربا وموكله، وكاتبه وشاهديه». واليوم من بُعد المسلمين عن دينهم وجَهْلِهم بشريعة ربهم مش قائم في ذهنهم إلا أنه أكل الربا حرام، أما أنت تُطْعِم الربا، فهذا لا يدور في مخه أنه هذا حرام، ما معنى أنت تُطْعِم الربا؟ يعني: تكون السبب أنت لإ طعام الربا، أنت ما تأكل الربا، لكن أنت تكون سبباً لإطعام الربا، فالرسول ﷺ يقول: «لعن الله آكل الربا وموكله» موكله: الذي يُطْعم غيره «وكاتبه وشاهديه» لماذا؟ لأن ربنا يقول في القرآن الكريم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. فالناس الصالحين الطيبين اليوم يقول لك الواحد منهم: أنا أحط مالي في البنك أحسن مما ينسرق وأنا رجل أخاف من الله ما سآخذ ربا، لكن يا مسكين أنت لما

стр. 6338

حطيت المال في البنك عم يشتغل فيه الناس عم يأكل ويؤَكِّل يُطْعِم غيره ربا، فأنت السبب، ولعلنا جميعاً نعلم ما رأس مال البنوك؟ أموال المودعين. البنوك ما في عندها رؤوس أموال وإنما مجموعة الناس الذي يتعاملوا مع البنوك هو الذي يُكَوِّن البنك، هو الذي بيبني البنك وبيؤسسه وبيمكِّنه في الأرض. هذا كلُّه من الأدلة الكثيرة على جهل المسلمين بدينهم، وإهمالهم لطاعة ربهم وعبادته الذي خلقهم من أجلها، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. لذلك: فواجبنا في هذا الزمن الذي أصبح عدد المسلمين تسعمائة مليون وأكثر، مستعبدين للكفار، ومن أقل من عشرة ملايين احتلوا بعض البلاد المقدسة، ونحن أكثر من تسعمائة مليون مسلم، ولكن صدق رسول الله ﷺ : «أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل» ما معنى الغثاء؟ الهش الخفيف، الرغوة التي تجيء مع السيل ما لها قيمة، «أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل» ما هو السبب؟ قال ﵇: «ولينزعن الله الرهبة من صدور عدوكم، وليقذِفَن في قلوبكم الوَهَن، ولينزعن الله الرهبة من صدور عدوكم». هذه خصوصية للرسول ﵇ وأمته، قال ﵇ في بعض الأحاديث الصحيحة: «فُضِّلتُ على الأنبياء بخمس خصال» من جملتها: «ونصرت بالرعب مسيرة شهر». قبل ما الكفار يواجههم المسلمون، يصلهم الخبر يرتعشوا خوفاً، كرامة من الله لنبي الإسلام محمد ﵊ فقال: «ونُصِرُت بالرعب مسيرة شهر». من كرامة الرسول ﵇: أن هذه الكرامة استمرت في الأمة على حَدّ قوله ﵇: «العلماء ورثة الأنبياء» فكان الكفار يخشون المسلمين قبل أن يخرجوا من بلادهم للغزو.

стр. 6339

الآن انعكست القضية، «ولينزعن الله الرهبة من صدور عدوكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن. قالوا: وما الوهن؟ قال: حُبُّ الدنيا وكراهية الموت». حب الدنيا هو الذي يحملنا نحن على أنه نغض النظر عن مُحَرَّمات الله ، ونقول: هذه ما عليها شيء، وهذه ضرورة، إلى آخره، أما آية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣] وضعناها لافتات، بدل ما نضعها هنا في القلوب، ما قيمة اللافتات! جماد لا ينطق. لكن القرآن كلام الله الذي جعله شفاء لما في الصدور، فنحن رفعنا القرآن من الصدور، ووضعناه على الجدران وعلى السطور. فنسأل الله أن يُلهمنا رُشدَنا، وأن يُفقِّهَنا في ديننا، وأن يُعلِّمنا ويوفقنا لما علمنا. (الهدى والنور / ٥/ ٤٥: ١.: .. ) إيداع الأموال مع المؤسسات الربوية مداخلة: في أخ يسأل أمس يقول: كان قد وضع مالاً له قبل أن يهديه الله في بعض المؤسسات الربوية، فهذه تعمل جوائز على الأموال هذه أو كذا، فطلع له في فترة من الفترات كاوية مثلاً جائزة، فبعد أن هداه الله طبعاً سحب أمواله وكل شيء، فهل هذه الكاوية الآن كيف يتصرف فيها وكيف؟ الشيخ: الجائزة هذه غير ما يسمونه بغير اسمه: فائدة وهو الربا. مداخلة: هي لولا وجود الربا ما أخذ الجائزة. الشيخ: إذاً: يعمل بما يُعطاه من الربا. مداخلة: لم أفهم.

стр. 6340

الشيخ: يخرج منه. مداخلة: يعني: الكاوية. الشيخ: يصرفها عنه. (الهدى والنور / ٥١٧/ ٥٩: ٤٢: ٠٠) ما حكم شراء أسهم في مؤسسة حكومية عملها ليس فيه ربا ولكنها تتعامل وتودع أموالها في بنوك ربوية ؟ مداخلة: يسأل السائل فيقول: ما حكم شراء أسهم في مؤسسة حكومية عملها ليس فيه ربا ولكنها تتعامل وتودع أموالها في بنوك ربوية؟ الشيخ: ما دام أن النتيجة دارت إلى التعامل بالبنوك الربوية فلا يجوز شراء مثل هذه الأسهم؛ لأن الأمر كما قال ﵇ في غير هذه المناسبة: «إنما الأعمال بالخواتيم». (أسئلة وفتاوى الإمارات - ٢/ ٠٠: ٥٧: ٣٩)
следующие страницы →