وقت صلاة العشاء
مداخلة: وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل أم للفجر؟
الشيخ: نصف الليل.
مداخلة: لكن شرعاً بدون ساعة، كيف نعرف أنه نصف الليل وإلا مش نصف الليل؟
الشيخ: يا أخي المعرفة أنواع، الإنسان إذا اعتاد على هذه جنس عادات هذه، سؤالك يشبه كيف كانوا يعرفون الأوقات الخمسة؟
مداخلة: وهذا الأوقات لها تحديد في الشرع؟
الشيخ: لها تحديد في الشرع.
مداخلة: أي نعم.
الشيخ: طيب. هذا التحديد في الشرع.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب. هذا التحديد في الشرع قائم على ماذا، على الساعة؟
مداخلة: لا.
الشيخ: على ماذا؟
مداخلة: على الحياة الطبيعية.
الشيخ: طيب، هذا هو الجواب.
مداخلة: أنا أُريد أَعلم.
الشيخ: اسمح لي.
مداخلة: نعم، نعم.
стр. 667
الشيخ: أنا أريد أجيبك من الطريق الأيسر، إلى الطريق الأصعب.
مداخلة: نعم.
الشيخ: هذا الذي أنت استسهلته، قلت هذا حَدَّده الشرع، ما رأيك إذا أخذنا ألف مسلم مصلي كم واحد منهم يعرف أوقات الصلوات لولا الأذان، لولا المفكرة على عُجَرِها وبُجَرِها كم واحد؟
مداخلة: قليلاً.
الشيخ: يعني: بالألف واحد نصف واحد طيب. لماذا ما يعرفوا؟ لأنهم انصرفوا عن الظواهر الطبيعية، من الذي صرفهم عن ذلك؟ الآلات الحديثة، طيب.
والآلات الحديثة صارت فتنة؛ لأنه صارت وزارة الأوقاف المسؤولة عن تصحيح عبادات المسلمين، تورطت بهذه الآلات الحديثة، وأعرضت عن الأمارات والعلامات الشرعية.
ولذلك أنت تسمع الخلاف أنه في ناس يفطروا في رمضان قبل الوقت، هذا لازم يعيدوا ويقضوا إلى آخره، لماذا؟ لأن الذين يفطروا قبل أذانهم، ومش فاهمين حتى الآن أن أذانهم غير شرعي، والأخطر أذان الصبح يُصَلُّوا قبل وقت الفجر الصادق إلى آخره، ما هو السبب؟ انصرفوا بهذه الآلات عن تلك الظواهر، هو نفس الجواب تماماً طبعاً مع فارق.
الصلوات الخمس يكثر الانتباه لها، أما معرفة نصف الليل، لا يكثر كما يكثر الخمس الصلوات؛ لأن الدنيا وين؟ لكن مش ضروري كل فرد يعرف نصف الليل، مش ضروري كل فرد من أفراد المسلمين يعرف نصف الليل متى.
أنا أذكر بهذه المناسبة حديث امرأة صحابية جليلة من هي؟ كانت في مزدلفة فقالت لخادمتها: أو جاريتها انظري هل سقط القمر؟ هنا الشاهد، هل سقط القمر؟ ماذا تقصد؟ إذا سقط القمر يكون دخل نصف الليل الثاني، فهي تريد أن تنطلق من
стр. 668
المزدلفة؛ لأن الرسول أَذِن للنساء والضُعَفاء أنه ينطلقوا بعد نصف الليل، فهي تعرف نصف الليل من سقوط القمر، النظرة هذه نحن لا نلاحظ طلوع القمر، ولا غروب القمر، بل ولا غروب طلوع الشمس، ولا أي شيء!
فأنت بهذا تستغرب هذا، وتسأل هذا السؤال: الحق معك؛ لأنك أنت من الجمهور الذي انصرف عن مراعاة الوسائل الكونية الطبيعية التي جعلها الله دليلاً في معرفة المواقيت، ما هو الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٩] شبه الحج، بهذه الطرق الشرعية الكونية الطبيعية كانوا يعرفون سابقاً.
مداخلة: كانوا يتصورون.
الشيخ: تعرف حديث عمرو بن أم مكتوم، كان يُؤَذِّن لصلاة الفجر، والرجل ضرير بماذا يعرف؟ قال: كان يقف في ظهر المسجد، فتمر به الناس يقولوا له الناس: أصبحت أصبحت، المارة في الطريق قاعد يقولوا له: أصبحت أصبحت، اليوم المفتي يمر في الطريق ما يعرف أصبحت.
مداخلة: المؤذنين في زمن السلف كانوا فقهاء.
الشيخ: نعم. بلا شك، أما المؤذنين في آخر الزمان فهم موظفون.
مداخلة: يهمهم الوظيفة وبس.
«الهدى والنور/١٩٧/ ٢٧: ١٧: ٠١»
كيف التوفيق بين فضل الصلاة في أول الوقت وبين فضل تأخير صلاة العشاء؟ وإذا دار الأمر بين صلاة العشاء جماعة في أول وقتها أو منفردًا إذا أخرها فأيهما أفضل ؟
مداخلة: في حديثين الأول منهم: «إن أحبَّ الأعمال إلى الله الصلاة في وقتها».
стр. 669
الشيخ: نعم.
مداخلة: وهنا حديث ثاني أعطاني إياه الأخ علي جزاه الله خيراً، يقول رسول الله ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بتأخير العشاء إلى نصف الليل».
الشيخ: نعم.
مداخلة: ما هو وجه التوفيق بين الحديثين؟
الشيخ: وجه التوفيق في القاعدة العلمية الأصولية عموم وخصوص، أي: الحديث الأول يُعْطِينا قاعدة أن أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها إلا صلاة العشاء، فصلاة العشاء الأفضل تأخيرها.
هذا موجود في الشرع بنسبة كثيرة وكبيرة جداً، ولذلك وُضِعَت القواعد العلمية الأصولية؛ حتى إذا تَعَلَّمها طالب العلم، استطاع بها أن يُجِيب عن مثل هذه الصورة.
كيف التوفيق بين الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وبين الحديث: « .. الحل ميتته»؟
عام وخاص، الآية عامة تشمل كل ميتة، فجاء الحديث استثنى من هذا العموم السمك، ميتة البحر، كذلك والدم في الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] جاء في الحديث: «أحلت لنا ميتتان ودمان: الحوت والجراد والكبد والطحال».
هذه قاعدة تخصيص العام بالنص الخاص تُطَبّق في الجواب على الحديثين، الحديث الأول حديث عام: «الصلاة في أول وقتها».
حديث: «لولا أن أشق على أمتي، لَأَخَّرت صلاة العشاء إلى نصف الليل».
هذا يعني أن الحديث الأول ليس على عمومه، بحيث أنه يشمل أيضاً صلاة العشاء، لا، صلاة العشاء على العكس من بقية الصلوات الخمس، فكلما تأخر بها المصلي كان أفضل له.
стр. 670
لكن هنا الأفضلية هذه ينبغي ألَّا تُفَوِّت على الحريص عليها فضيلة صلاة الجماعة؛ لأنها أهم من فضيلة تأخير صلاة العشاء.
بمعنى إذا دار الأمر بين أن يصلي صلاة العشاء مع الجماعة في أول الوقت، وبين أن يُصَلِّي وحده في آخر الوقت.
نقول: يُصَلِّي مع الجماعة في أول الوقت، ولا يُؤَخِّر صلاة العشاء إلى آخر الوقت؛ لأنه بين أحد شيئين: إما أن يُضَيِّع فرض في سبيل النفل، وما هو النفل، هو تأخير وقت صلاة العشاء وهو ليس فرض، لكنه أمر مستحب، فهو بين أمرين: إما أن يُضَيِّع الفريضة في سبيل المحافظة على المستحب وهو تأخير الوقت، وإما أن يُضَيِّع المستحب هذا وهو تأخير الوقت، ويحافظ على الفرض وهي الصلاة مع جماعة المسلمين.
مداخلة: بالنسبة لتأخير صلاة العشاء، هل يدخل فيها الإبراد لصلاة الظهر؟
الشيخ: لا، الإبراد في ظرف مُعَيَّن، وهو شدة الحر.
مداخلة: يعني ممكن تأخيرها ساعتين حتى تبرد الدنيا ..
الشيخ: نعم، ذلك في شِدَّة الحر، لكن التبكير لصلاة الظهر داخل في المعنى العام. نعم.
«الهدى والنور / ١٦٢/ ٤١: ٣٢: ٠٠»
«الهدى والنور / ١٦٢/ ٢٢: ٣٤: ٠٠»
«الهدى والنور / ١٦٢/ ٤٧: ٥٨: ٠٠»
متى يكون منتصف الليل الذي ينتهي فيه وقت العشاء ؟
مداخلة: نهاية فرض العشاء عند منتصف الليل ولكن ما هو منتصف الليل في الأوقات هل هو الساعة الثانية عشرة؟
стр. 671
الشيخ: لا هذا شيء متحرك باختلاف الفصول .. قد يطول الليل وقد يقصر النهار فلا بد من شيء من الانتباه والحساب، يعني مثلًا اليوم الشمس تغرب عندكم الساعة السادسة والنصف، طيب! إذا غربت الشمس في الساعة السادسة والنصف معناه بدأ الليل، فمتى ينتهي الفجر؟ خمسة ونصف، ... إحدى عشر ساعة إذًا: تأخذ نصف الإحدى عشر خمسة ونصف، فإذا أضفت خمسة ونصف على ستة ونصف ماذا يصير؟ اثنا عشر، لكن هذا ليس ثابت، هذا يزاد فيه أو ينقص منه على حسب تقدم الغروب وتأخره، هذا منتصف الليل، فهو شيء غير ثابت إنما هو متحرك كأذان المغرب كأذان الفجر تمامًا، والنص في هذا صريح، أما وقت العشاء هو نصف الليل لأن النبي ﷺ قال كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص حينما ذكر النبي ﷺ أوقات الصلاة قال: «ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل، فعليك أيها المؤذن أن تراقب هذا، وأنت أيها الإمام، أو أنت أيها المسلم بصورة عامة إذا بليت بتأخير الصلاة فلا يجوز أن تؤخرها إلى أكثر مما بعد نصف الليل».
«فتاوى رابغ «٣» /٠٠: ٤٨: ٠٣»
استحباب تأخير العشاء وحكم السمر بعد العشاء
وكان ﷺ يستحب أن يؤخر العشاء. «رواه الجماعة».
زاد أحمد «٤/ ٤٢٤ و ٤٢٥»: إلى ثلث الليل. وسنده صحيح على شرطهما.
ويحض على ذلك فيقول: «أعتموا بهذه الصلاة فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم ولم تصلها أمة قبلكم». أبو داود «٦٩» وحم «٥/ ٢٣٧» من طريق حريز بن عثمان: ثنا راشد بن سعد عن عاصم بن حميد السكوني - وكان من أصحاب معاذ بن جبل - أنه سمع معاذ بن جبل يقول: رقبنا رسول الله ﷺ في صلاة العشاء فاحتبس حتى ظننا أن لن يخرج والقائل منا يقول: قد صلى ولن يخرج فقال رسول الله ﷺ ... فذكره. زاد أبو داود: فإنا كذلك حتى خرج النبي ﷺ فقالوا له كما
стр. 672
قالوا. فقال لهم ... الحديث. وهذا إسناد جيد.
وفي هذا الانتظار نزل قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ .... وَالله عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣ - ١١٥] قال ابن مسعود ﵁: أخر رسول الله ﷺ صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة قال: «أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم» قال: وأنزل هؤلاء الآيات: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ... ﴾ حتى بلغ: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَالله عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾.
أخرجه أحمد «١/ ٣٩٤» عن شيبان عن عاصم عن زر عنه. وهذا سند حسن.
وكان لا يعزم عليهم بذلك لما فيه من المشقة كما سبق.
ومع ذلك فكان ﵇ يراعي أحوال المجتمعين قلة وكثرة فقد كان أحيانا يؤخرها وأحيانا يعجل، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطأوا أخر. «خ م حم: ٣/ ٣٦٩» وطيا «١٢٤» عن أبي برزة.
وقالت عائشة: ما نام رسول الله ﷺ قبل العشاء ولا سمر بعدها. مج «٢٣٨» طيا «٢٠١» حم «٦/ ٢٦٤» من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها. وهذا سند حسن ورجاله رجال سملم. وقال صاحب «الزوائد»: إنه صحيح.
وله طريق أخرى عند ابن نصر قال: ثنا محمود بن آدم: ثنا يحيى بن سليم: ثنا هشام بن عروة قال: سمعت أبي يقول: انصرفت بعد العشاء الآخرة فسمعت كلامي عائشة ﵂ خالتي ونحن في حجرة بيننا وبينا سقف، فقالت: يا عروة أو يا عرية ما هذا السمر؟ إني ما رأيت رسول الله ﷺ نائما قبل هذه الصلاة ولا متحدثا بعدها، إما نائما فيسلم أو مصليا فيغنم. وهذا إسناد محسن أيضا ورجاله رجال البخاري.
وقال ابن مسعود:
стр. 673
جدب (١) لنا رسول الله ﷺ السمر بعد العشاء يعني: زجرنا.
أخرجه ابن ماجه «٢٣٨» وأحمد «١/ ٣٨٨ - ٣٨٩، ٤١٠» من طرق ثلاثة عن عطاء بن السائب عن شقيق بن سلمة عنه. ورجاله رجال البخاري لكن عطاء كان قد اختلط.
قال الترمذي: وقد كره أكثر أهل العلم النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها ورخص في ذلك بعضهم، وقال عبد الله بن المبارك: أكثر الأحاديث الكراهية.
والذي يظهر من مجموع الأحاديث الواردة في هذا الباب كراهة السمر والسهر إلا فيما فيه صالح المتكلم أو صالح المسلمين وفي ذلك أحاديث:
عن عمر بن الخطاب قال: كان رسول الله ﷺ يسمر مع أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين وأنا معهما. [صحيح]
عن ابن عباس أنه قال: رقدت في بيت ميمونة ليلة كان النبي ﷺ عندها لأنظر كيف صلاة النبي ﷺ بالليل قال: فتحدث النبي ﷺ مع أهله ساعة ثم رقد.
رواه مسلم «٢/ ١٨٢» وابن نصر «٤٦».
عن أنس ﵁: أن أسيد بن حضير ورجلا آخر من الأنصار تحدثا عند رسول الله ﷺ ليلة في حاجة لهما حتى ذهب من الليلة ساعة والليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا من عند النبي ﷺ ينقلبان وبيد كل واحد عصاة، فأضاءت
стр. 674
عصا أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها، حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه فمشى كل واحد منهما في ضوئه حتى بلغ أهله.
رواه ابن نصر عن عبد الرزاق: أنا معمر عن ثابت عنه. وهذا سند صحيح على شرط الستة.
ويدل لما ذكرنا من الجمع: ما رواه أبو سعيد مولى الأنصار قال: كان عمر لا يدع سامرا بعد العشاء يقول: ارجعوا لعل الله يرزقكم صلاة أو تهجدا فانتهى إلينا وأنا قاعد مع ابن مسعود وأبي بن كعب وأبي ذر فقال: ما يقعدكم؟ قلنا: أردنا أن نذكر الله فقعد معهم.
أخرجه الطحاوي «٢/ ٣٩١» من طريق سليمان بن شعيب: ثنا عبد الرحمن ابن زياد قال: ثنا شعبة عن الجريري قال: سمعت أبا نضرة يحدث عن أبي سعيد به. وأبو سعيد هذا وعبد الرحمن بن زياد لم أعرفهما ويحتمل أن يكون عبد الرحمن هذا هو ابن زياد بن أنعم الإفريقي وهو ضعيف الحديث.
[الثمر المستطاب «١/ ٧٢»].
تأخير صلاة العشاء جماعة
مداخلة: نحن أهل هذا المسجد نرى تأخير صلاة العشاء، والإمام يقول: أفضل الصلاة في أول وقتها.
الشيخ: الجواب في هذا السؤال إذا كان بهذا التحديد وبهذا التفصيل فالجواب [أن رأي] الإمام ليس صحيحاً، إلا إذا كان هو نفسه يتحرج من التأخير فهذا شيء ثان، أما أن يقال: إن الصلاة في أول وقتها أفضل فهذا القول بالنسبة لصلاة العشاء ليس صحيحاً؛ ذلك لأن قول النبي ﷺ كما جاء في صحيح البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ لما سئل أن أفضل الأعمال قال: «الصلاة لوقتها» وجاء في بعض الروايات الأخرى: «الصلاة لأول وقتها» هذا
стр. 675
الحديث من الأحاديث العامة التي دخلها التخصيص، فكل صلاة من الصلوات الخمس داخلة في هذا الكلام أو في هذا الجواب من الرسول ﵇ إلا صلاة العشاء؛ لأن النبي ﷺ كان يقول كما جاء في صحيح البخاري وغيره: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخرت صلاة العشاء إلى نصف الليل» فتأخير صلاة العشاء إلى نصف الليل هو الأولى إذا كان أهل المسجد لا يشق ذلك عليهم، أما إذا كان هناك من يشق عليه التأخير فحينذاك يعود الأمر إلى ما كان عليه في عهد النبي ﷺ وهو عدم التأخير لصلاة العشاء.
على كل حال فهذه المسألة تتعلق بالمقيمين في البلد أو السكان حول هذا المسجد، فإذا كانوا يرون لا حرج أن يؤخروا صلاة العشاء فالرد عليهم لا يكون بأن الصلاة في أول وقتها أفضل؛ لأن هذا ليس صحيحاً بالنسبة لصلاة العشاء ..
«رحلة النور: ٢١ ب/٠٠: ٢٤: ٤٢»
يكره تسمية العشاء بالعتمة ولا بأس به نادرًا
ويكره تسمية العشاء بالعتمة. قال ﵊: «لا تغلبنكم لأعراب على اسم صلاتكم العشاء فإنها في كتاب الله العشاء وإنها تعتم بحلاب الإبل». «م ١١٨» ود «٢/ ٣١٢» ون «٩٣ - ٩٤» مج «٢٣٩» حم «٢/ ١٠ و ١٩ و ٤٩ و ١٤٤» عن عبد الله بن أبي لبيد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عمر.
وفي رواية لأحمد: «إنما يدعونها العتمة لإعتامهم بالإبل». وسندها صحيح على شرط مسلم.
وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه ابن ماجه من طريق عبد الرحمن ابن حرملة عن سعيد بن الميب عنه. وإسناده جيد وقال في «الزوائد»: صحيح.
وله طريق أخرى عنه أخرجه وهو وأحمد «٢/ ٤٣٣، ٤٣٨» عن محمد بن عجلان: ثني سعيد - يعني المقبري - عن أبي هريرة مرفوعا مختصرا. وسنده حسن
стр. 676
أيضاً.
ولا بأس من ذلك نادرا لثبوته عنه ﷺ : «ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا» خ م «٢ - ٣١» ن «٩٣» حم «٢/ ٢٧٨ و ٣٠٣ و ٣٧٤ و ٥٣٣» مالك «١/ ٨٧ - ٨٨» كلهم عنه عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا به في حديثه.
زاد أحمد في رواية عن عبد الرزاق عن مالك: فقلت لمالك: إما يكره أن نقول: العتمة؟ قال: هكذا قال الذي حدثني.
- وثبت ذلك عن بعض الصحابة كجابر بن سمرة عند مسلم «١١٨» وأحمد «٥/ ٨٩ و ١٠٥» وغيرهما وجابر بن عبد الله عند أحمد «٣/ ٣٤٨» وغيره.
قال ابن القيم «٢/ ١٢» بعد أن ذكر حديث ابن عمر ثم حديث أبي هريرة هذا:
«فقيل: هذا ناسخ للمنع وقيل بالعكس، والصواب خلاف القولين، فإن العلم بالتاريخ متعذر، ولا تعارض بين الحديثين، فإنه لم ينه عن إطلاق اسم العتمة بالكلية، وإنما نهى عن أن يهجر اسم العشاء وهو الاسم الذي سماها الله به في كتابه، ويغلب عليها اسم العتمة، فإذا سميت العشاء وأطلق عليها أحيانا العتمة فلا بأس، والله أعلم.
وهذا محافظة منه ﷺ على الأسماء التي سمى الله بها العبادات فلا يهجر ويؤثر عليها غيرها كما فعله المتأخرون في هجران ألفاظ النصوص وإيثار المصطلحات الحادثة عليها، ونشأ بسبب هذا من الفساد ما الله به عليم».
[الثمر المستطاب «١/ ٧٧»].
حكم المداومة على أكل البصل أو الثوم قبل صلاة العشاء
مداخلة: ما حكم المداومة على أكل البصل أو الثوم قبل صلاة العشاء، فهذا يؤدي إذا ذكرت صلاة العشاء مع الجماعة ..
стр. 677
الشيخ: طبعًا هو لما قال ﵇: «من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربن مصلانا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بني آدم» لا يعني وراء ذلك أن يتخذ المسلم أكله للثوم أو البصل ذريعة للامتناع من الصلاة، بل هذه عقوبة من الشارع الحكيم على لسان النبي الكريم، عقوبة له أن يحرمه من شهود الصلاة التي [تفةق] على صلاته بسبع وعشرين درجة، فهو ... يكون آثمًا؛ لأنه تعاطى السبب الذي يمنعه من الصلاة جماعةً.
«رحلة النور: ٣٠ أ/٠٠: ٣٥: ٣٩»
стр. 678
إدراك الصلاة
стр. 679
من أدرك ركعة من الصلاة قبل خروج وقتها فقد أدرك الصلاة في الوقت، وعليه أن يتمها، وسواء في ذلك صلاة العصر وصلاة الفجر
ومن أدرك ركعة من الصلاة قبل خروج وقتها فقد أدرك الصلاة في الوقت وعليه أن يتمها.
قال ﷺ : «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة كلها».
أخرجه البخاري ومسلم «١٠٢».
وسواء في ذلك صلاة العصر وصلاة الفجر.
قال ﷺ : «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» [صحيح].
[ثم قال الألباني بعد أن ساق شواهد الحديث]:
وهذه الأحاديث تدل على أن من أدرك ركعة قبل خروج الوقت أنها صحيحة، ولو وقعت الركعة الثانية في وقت النهي كصلاة الفجر والعصر وهو مذهب الجمهور. وخالف في بعض ذلك أبو حنيفة فقال: من طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح بطلت صلاته. واحتج له الطحاوي بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وزعم هذا المحتج أنها ناسخة لحديث عائشة وحديث أبي هريرة الذي قبله وهي دعوى تحتاج إلى دليل.
والحق أن أحاديث النهي عامة تشمل كل صلاة خلا ما استثناه الشارع فيكون مخصصا لهذه الأحاديث. ومن هذا القبيل حديث أبي هريرة هذا فإنه خاص وهو مقدم على العام كما تقرر في الاصول.
ثم إن مفهوم الحديث أن من أدرك أقل من ركعة لا يكون مدركا للوقت وإليه
стр. 680
ذهب الجمهور كما في «نيل الأوطار». وراجع تمام هذا البحث فيه «٢/ ١٩ - ٢٠».
[الثمر المستطاب «١/ ٩٣»].
متى يكون المصلي مدركًا لصلاة العصر والصبح ؟
حديث عائشة مرفوعا: «من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس أو من الصبح قبل أن تطلع فقد أدركها» رواه أحمد ومسلم والنسائى وابن ماجه. صحيح.
رواه مسلم «٢/ ١٠٢ ـ ١٠٣» والنسائى «١/ ٩٤» وأحمد «٦/ ٧٨» وابن الجارود «٨١» والسراج «٨٥/ ٢» من طرق عن عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهرى قال: حدثنا عروة عن عائشة به - والسياق لمسلم -. وقال النسائى والسراج «ركعة» بدل «سجدة».
وكذلك أخرجه ابن ماجه «٧٠٠» والطحاوى فى «شرح المعانى» «١/ ٩٠» من طريق ابن وهب قال: أخبرنى يونس به.
وأخرجه البيهقى «١/ ٣٧٨» من هذا الوجه لكن باللفظ الأول: «سجدة»، فدل ذلك على أن هذا الاختلاف، إنما هو من الرواة، ولا اختلاف بينهما فى الحقيقة من حيث المعنى فإن الأمر كما قال «الخطابى»: «المراد بالسجدة الركعة بركوعها وسجودها، والركعة إنما يكون تمامها بسجودها فسميت على هذا المعنى سجدة».نقله الحافظ فى «الفتح» «٢/ ٣٢» وأيد ذلك بما فى روايته من حديث أبى هريرة الآتى بلفظ «إذا أدرك أحدكم أول سجدة من صلاة العصر».
قلت: فهذا نص فى أن الإدراك إنما يكون بالسجدة الأولى فمن لم يدركها لم يدرك الركعة، ففيه رد على ما نقله المؤلف عن الشافعى أن الإدراك يحصل بإدراك جزء من الصلاة، يعنى ولو تكبيرة الاحرام!
تنبيه: زاد مسلم فى آخر الحديث: «والسجدة إنما هى الركعة».
стр. 681
قلت: وهى مدرجة فى الحديث ليست من كلامه ﷺ قال الحافظ فى «التلخيص» «ص ٦٥»: «قال المحب الطبرى فى «الأحكام»: «يحتمل إدراج هذه اللفظة الأخيرة».
قلت: وهو الذى ألقى فى نفسى وتبين لى بعد أن تتبعت مصادر الحديث فلم أجدها عند غير مسلم، والله أعلم.
[إرواء الغليل تحت حديث رقم «٢٥٢»]
بماذا يكون المصلي مدركًا للصلاة في وقتها
[قال رسول الله ﷺ ]: «إذا أدرك أحدكم أول سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته وإذا أدرك أول سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته».
[قال الإمام]: الحديث يعطينا فوائد هامة: الأولى: إبطال قول بعض المذاهب أن من طلعت عليه الشمس وهو في الركعة الثانية من صلاة الفجر بطلت صلاته! وكذلك قالوا فيمن غربت عليه الشمس وهو في آخر ركعة من صلاة العصر! وهذا مذهب ظاهر البطلان لمعارضته لنص الحديث كما صرح بذلك الإمام النووي وغيره. ولا يجوز معارضة الحديث بأحاديث النهي عن الصلاة في وقت الشروق والغروب لأنها عامة وهذا خاص، والخاص يقضي على العام كما هو مقرر في علم الأصول. وإن من عجائب التعصب للمذهب ضد الحديث أن يستدل البعض به لمذهبه في مسألة، ويخالفه في هذه المسألة التي نتكلم فيها! وأن يستشكله آخر من أجلها! فإلى الله المشتكى مما جره التعصب على أهله من المخالفات للسنة الصحيحة! قال الزيلعي في «نصب الراية» «١/ ٢٢٩» بعد أن ساق حديث أبي هريرة هذا وغيره مما في معناه:
«وهذه الأحاديث أيضا مشكلة عند مذهبنا في القول ببطلان صلاة الصبح إذا طلعت عليها الشمس، والمصنف استدل به على أن آخر وقت العصر ما لم تغرب
стр. 682
الشمس».! فيا أيها المتعصبون! هل المشكلة مخالفة الحديث الصحيح لمذهبكم، أم العكس هو الصواب! . الفائدة الثانية: الرد على من يقول: إن الإدراك يحصل بمجرد إدراك أي جزء من أجزاء الصلاة ولو بتكبيرة الإحرام وهذا خلاف ظاهر للحديث، وقد حكاه في «منار السبيل» قولا للشافعي، وإنما هو وجه في مذهبه كما في «المجموع» للنووي «٣/ ٦٣» وهو مذهب الحنابلة مع أنهم نقلوا عن الإمام أحمد أنه قال: لا تدرك الصلاة إلا بركعة. فهو أسعد الناس بالحديث. والله أعلم. قال عبد الله بن أحمد في مسائله «ص ٤٦»: «سألت أبي عن رجل يصلي الغداة، فلما صلى ركعة قام في الثانية طلعت الشمس قال: يتم الصلاة، هي جائزة. قلت لأبي: فمن زعم أن ذلك لا يجزئه؟ فقال: قال النبي ﷺ : «من أدرك من صلاة الغداة ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك». ثم رأيت ابن نجيح البزاز روى في «حديثه» «ق ١١١/ ١» بسند صحيح عن سعيد ابن المسيب أنه قال: «إذا رفع رأسه من آخر سجدة فقد تمت صلاته». ولعله يعني آخر سجدة من الركعة الأولى، فيكون قولا آخر في المسألة. والله أعلم. الفائدة الثالثة: واعلم أن الحديث إنما هو في المتعمد تأخير الصلاة إلى هذا الوقت الضيق، فهو على هذا آثم بالتأخير، وإن أدرك الصلاة، لقوله ﷺ : «تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقرها أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا». رواه مسلم «٢/ ١١٠» وغيره من حديث أنس ﵁.
وأما غير المتعمد، وليس هو إلا النائم والساهي، فله حكم آخر، وهو أنه يصليها متى تذكرها ولو عند طلوع الشمس وغروبها، لقوله ﷺ «من نسي صلاة «أو نام عنها» فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك، فإن الله تعالى يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾». أخرجه مسلم أيضا «٢/ ١٤٢» عنه، وكذا البخاري. فإذن هنا أمران: الادراك والإثم: والأول: هو الذي سيق الحديث لبيانه، فلا يتوهمن أحد من سكوته عن الأمر الآخر أنه لا إثم عليه بالتأخير كلا، بل هو آثم على كل حال، أدرك الصلاة، أو لم يدرك، غاية ما فيه أنه اعتبره مدركا للصلاة بإدراك الركعة، وغير مدرك لها إذا لم يدركها، ففي الصورة الأولى صلاته صحيحة مع الإثم، وفي الصورة الأخرى صلاته غير صحيحة مع
стр. 683
الإثم أيضا، بل هو به أولى وأحرى، كما لا يخفى على أولي النهى. الفائدة الرابعة: ومعنى قوله ﷺ : «فليتم صلاته»، أي لأنه أدركها في وقتها، وصلاها صحيحة، وبذلك برئت ذمته. وأنه إذا لم يدرك الركعة فلا يتمها. لأنها ليست صحيحة، بسبب خروج وقتها، فليست مبرئة للذمة. ولا يخفى أن مثله وأولى منه من لم يدرك من صلاته شيئا قبل خروج الوقت، أنه لا صلاة له، ولا هي مبرئة لذمته. أي أنه إذا كان الذي لم يدرك الركعة لا يؤمر بإتمام الصلاة، فالذي لم يدركها إطلاقا أولى أن لا يؤمر بها، وليس ذلك إلا من باب الزجر والردع له عن إضاعة الصلاة، فلم يجعل الشارع الحكيم لمثله كفارة كي لا يعود إلى إضاعتها مرة أخرى، متعللا بأنه يمكنه أن يقضيها بعد وقتها، كلا، فلا قضاء للمتعمد كما أفاده هذا الحديث الشريف وحديث أنس السابق: «لا كفارة لها إلا ذلك».
ومن ذلك يتبين لكل من أوتي شيئا من العلم والفقه في الدين أن قول بعض المتأخرين «وإذا كان النائم والناسى للصلاة - وهما معذوران - يقضيانها بعد خروج وقتها، كان المتعمد لتركها أولى»، أنه قياس خاطئ بل لعله من أفسد قياس على وجه الأرض، لأنه من باب قياس النقيض على نقيضه، وهو فاسد بداهة، إذ كيف يصح قياس غير المعذور على المعذور والمتعمد على الساهي. ومن لم يجعل الله له كفارة، على من جعل الله له كفارة! ! وما سبب ذلك إلا من الغفلة عن المعنى المراد من هذا الحديث الشريف، وقد وفقنا الله تعالى لبيانه، والحمد لله تعالى على توفيقه. وللعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى بحث هام مفصل في هذه المسألة، أظن أنه لم يسبق إلى مثله في الإفادة والتحقيق، وأرى من تمام هذا البحث أن أنقل منه فصلين أحدهما في إبطال هذا القياس. والآخر في الرد على من استدل بهذا الحديث على نقيض ما بينا. قال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر القول المتقدم: «فجوابه من وجوه: أحدها المعارضة بما هو أصح منه أو مثله، وهو أن يقال: لا يلزم من صحة القضاء بعد الوقت من المعذور - المطيع لله ورسوله الذي لم يكن منه تفريط في فعل ما أمر به وقبوله منه - صحته وقبوله من متعد لحدود الله، مضيع لأمره، تارك لحقه عمدا وعدوانا. فقياس هذا على هذا في صحة العبادة، وقبولها منه، وبراءة الذمة بها من أفسد القياس». الوجه
стр. 684
الثاني: أن المعذور بنوم أو نسيان لم يصل الصلاة في غير وقتها، بل في نفس وقتها الذي وقته الله له، فإن الوقت في حق هذا حين يستيقظ ويذكر، كما قال ﷺ : «من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها» رواه البيهقي والدارقطني.
فالوقت وقتان: وقت اختيار، ووقت عذر، فوقت المعذور بنوم أو سهو، هو وقت ذكره واستيقاظه، فهذا لم يصل الصلاة إلا في وقتها، فكيف يقاس عليه من صلاها في غير وقتها عمدا وعدوانا؟ ! الثالث: أن الشريعة قد فرقت في مواردها ومصادرها بين العامد والناسي، وبين المعذور وغيره، وهذا مما لا خفاء به. فإلحاق أحد النوعين بالآخر غير جائز. الرابع: أنا لم نسقطها عن العامد المفرط ونأمر بها المعذور، حتى يكون ما ذكرتم حجة علينا، بل ألزمنا بها المفرط المتعدي على وجه لا سبيل له إلى استدراكها تغليظا عليه، وجوزنا للمعذور غير المفرط. «فصل»: وأما استدلالكم بقوله ﷺ : «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك» فما أصحه من حديث. وما أراه على مقتضى قولكم! فإنكم تقولون: هو مدرك للعصر، ولو لم يدرك من وقتها شيئا البتة. بمعنى أنه مدرك لفعلها صحيحة منه، مبرئة لذمته، فلو كانت تصح بعد خروج وقتها وتقبل منه، لم يتعلق إدراكها بركعة، ومعلوم أن النبي ﷺ لم يرد أن من أدرك ركعة من العصر صحت صلاته بلا إثم بل هو آثم بتعمد ذلك اتفاقا. فإنه أمر أن يوقع جميعها في وقتها، فعلم أن هذا الادراك لا يرفع الإثم، بل هو مدرك آثم، فلو كانت تصح بعد الغروب، لم يكن فرق بين أن يدرك ركعة من الوقت، أو لا يدرك منها شيئا. فإن قلتم: إذا أخرها إلى بعد الغروب كان أعظم إثما. قيل لكم: النبي ﷺ لم يفرق بين إدراك الركعة وعدمها في كثرة الإثم وخفته، وإنما فرق بينهما في الإدراك وعدمه. ولا ريب أن المفوت لمجموعها في الوقت أعظم من المفوت لأكثرها، والمفوت لأكثرها فيه، أعظم من المفوت لركعة منها. فنحن نسألكم ونقول: ما هذا الإدراك الحاصل بركعة؟ أهذا إدراك يرفع الإثم؟ فهذا لا يقوله أحد! أو إدراك يقتضي الصحة، فلا فرق فيه بين أن يفوتها بالكلية أو يفوتها إلا ركعة منها.
السلسلة الصحيحة «١/ ١/ ١٣٧ - ١٤٢»
стр. 685
كتاب القضاء
стр. 686
من أخرج صلاة عن وقتها متعمدًا غير قاصد للجمع فلا يشرع له قضاؤها
وأما من أخرج صلاة عن وقتها متعمدا غير قاصد للجمع فلا يشرع له قضاؤها ولا يعذر عليه أبدا، لأنه إذا كان الناسي للصلاة أو النائم عنها - وهما معذوران شرعا - ليس عليهما إلا الإتيان بها فورا حين التذكر - وهو وقتها - فأين الوقت بالنسبة إلى المتعمد؟
لقوله ﵊: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» فما فات لا سبيل إلى إدراكه البتة ولو أمكن أن يدرك لما سمي فائتا. انظر «الصلاة» لابن القيم.
وهو مذهب داود الظاهري وكذا ابن حزم وقد أطال في تقرير ذلك بما لم يسبق إليه وقال: وممن قال بقولنا في هذا عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وسعد ابن أبي وقاص وسلمان «صاحب رسول الله ﷺ » وابن مسعود والقاسم بن محمد بن أبي بكر وبديل العقيلي ومحمد بن سيرين ومطرف بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. وبه قال الحسن البصري: إذا ترك الرجل صلاة واحدة متعمدا فإنه لا يقضيها. «الصلاة» «١٠٧».
ثم قال: ما نعلم لمن ذكرنا من الصحابة ﵁ مخالفا منهم. راجع «المحلى» «٢/ ٢٣٥ - ٢٤٤».
واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية فقال في «الاختيارات» «ص ١٩»:
«وتارك الصلاة عمدا لا يشرع له قضاؤها ولا تصح منه بل يكثر من التطوع وكذا الصوم، وهو قول طائفة من السلف كأبي عبد الرحمن صاحب الشافعي وداود وأتباعه، وليس في الأدلة ما يخالف هذا بل يوافقه، وأمره ﵇ المجامع بالقضاء ضعيف لعدول البخاري ومسلم عنه».
стр. 687
ومال إليه الشوكاني فقال في قوله ﵊: «من نسي صلاة ... » الحديث.
«تمسك بدليل الخطاب من قال: إن العامد لا يقضي الصلاة لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط فيلزم منه أن من لم ينس لا يصلي، وإلى ذلك ذهب داود وابن حزم وبعض اصحاب الشافعي وحكاه في «البحر» عن ابني الهادي والأستاذ ورواية عن القاسم والناصر. قال ابن تيمية «شيخ الإسلام»: والمنازعون لهم ليس لهم حجة قط يرد إليها عند التنازع وأكثرهم يقولون: لا يجب القضاء إلا بأمر جديد وليس معهم هنا أمر ونحن لا ننازع في وجوب القضاء فقط بل ننازع في قبول القضاء منه وصحة الصلاة في غير وقتها». وأطال البحث في ذلك وأختار ما ذكره داود ومن معه. والأمر كما ذكره فإني لم أقف مع البحث الشديد للموجبين للقضاء على العامد - وهم من عدا من ذكرنا - على دليل ينفق في سوق المناظرة ويصلح للتعويل عليه في مثل هذا الأصل العظيم إلا حديث: «فدين الله أحق أن يقضى» باعتبار ما يقتضيه اسم الجنس المضاف من العموم، ولكنهم لم يرفعوا إليه رأسا، وأنهض ما جاءوا به في هذا المقام قولهم: إن الأحاديث الواردة بوجوب القضاء على الناسي يستفاد من مفهوم خطابها وجوب القضاء على العامد لأنها من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، فتدل بفحوى الخطاب وقياس الأولى على المطلوب. وهذا مردود لأن القائل بأن العامد لا يقضي لم يرد أنه أخف حالا من الناسي بل بإن المانع من وجوب القضاء على العامد أنه لا يسقط الإثم عنه فلا فائدة فيه فيكون إتبانه مع عدم النص عبثا، بخلاف الناسي والنائم فقد أمرهما الشارع بذلك وصرح بأن القضاء لا كفارة لهما سواه. اهـ.
وأما الحديث الذي احتج به للقائلين بالقضاء: «فدين الله أحق أن يقضى». فلم يجب عنه بشيء مطلقا، ولذلك قال: «إن المقام من المضايق» ولامَ مَن قال: إن باب القضاء ركّب على غير أساس، ليس فيه كتاب ولا سنة، ونسبه من أجل ذلك إلى التفريط لعجزه عن الإجابة عن الحديث المشار إليه، وقد سبقه إلى هذا الاستدلال
стр. 688
ابن عبد البر. وقد أجاب عنه ابن القيم ﵀ في رسالة «الصلاة» بما لا يدع مجالا للشك مطلقا أن الحديث لا يدل لذلك.
وخلاصته أن الحديث إنما قاله ﷺ في حق المعذروين لا المفرط، ونحن نقول إن مثل هذا الدين يقبل القضاء، وأيضا فهذا إنما قاله ﵇ في النذر المطلق الذي ليس له وقت محدود الطرفين وفي الحج الذي لا يفوت وقته إلا بنفاد العمر. راجع «ص ١٠٩ - ١١٠» من الرسالة المذكورة وقد بسط القول في النزاع حول هذا المسألة وأطال بما لا مزيد عليه وذكر أدلة الفريقين تحقيقا وتعقيبا بما لا يوجد في كتاب فراجعه «٨٥ - ١٢٢».
[الثمر المستطاب «١/ ١٠٥»].
رد القول بقضاء الصلاة التي تُعُمِّد تركها
[روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «يا علي مثل الذي لا يتم صلاته كمثل حبلى حملت، فلما دنا نفاسها أسقطت، فلا هي ذات ولد، ولا هي ذات حمل. ومثل المصلي كمثل التاجر لا يخلص له ربحه حتى يخلص له رأس ماله، كذلك المصلي لا تقبل نافلته حتى يؤدي الفريضة». ضعيف.
[قال الإمام]: وقد شاع الاستدلال بالشطر الأخير منه «المصلي لا تقبل نافلته حتى يؤدي الفريضة» على ما يفتي به كثير من المشايخ من كان مبتلى بترك الصلاة وإخراجها عن وقتها عامدا بوجوب قضائها مكان السنن الراتبة فضلا عن غيرها، ويقولون: إن الله لا يقبل النافلة حتى تصلى الفريضة! وهذا الحديث مع ضعفه لا يدل على ما ذهبوا إليه لوصح، إذ إن المقصود به فريضة الوقت مع نافلته، ففي هذه الحالة لا تقبل النافلة حتى تؤدي الفريضة، فلو أنه صلاهما معا كفريضة الظهر ونافلتها مثلا في الوقت مع إتيانه بسائر الشروط والأركان، كانت النافلة مقبولة كالفريضة، ولوأنه كان قد ترك صلاة أوأكثر عمدا فيما مضى من الزمان، فمثل هذه الصلاة لا مجال لتداركها وقضائها، لأنها إذا صليت في غير وقتها فهو
стр. 689
كمن صلاها قبل وقتها ولا فرق، ومن العجائب أن العلماء جميعا متفقون على أن الوقت للصلاة شرط من شروط صحتها، ومع ذلك فقد وجد من قال في المقلدين يسوغ بذلك القول بوجوب القضاء: المسلم مأمور بشيئين: الأول الصلاة، والآخر وقتها، فإذا فاته هذا بقي عليه الصلاة! وهذا الكلام لو صح أولوكان يدري قائله ما يعني لزم منه أن الوقت للصلاة ليس شرطا، وإنما هو فرض، وبمعنى آخر هو شرط كمال، وليس شرط صحة، فهل يقول بهذا عالم؟ ! وجملة القول: أن القول بوجوب قضاء الصلاة على من فوتها عن وقتها عمدا مما لا ينهض عليه دليل، ولذلك لم يقل به جماعة من المحققين مثل أبي محمد بن حزم والعز بن السلام الشافعي وابن تيمية وابن القيم والشوكاني وغيرهم. ولابن القيم رحمه الله تعالى بحث هام ممتع في رسالة «الصلاة» فليراجعها من شاء، فإن فيها علما غزيرا، وتحقيقا بالغا لا تجده في موضع آخر.
وبديهي جدا أن النائم عن الصلاة أوالناسي لها لا يدخل في كلامنا السابق، بل هو خاص بالمتعمد للترك، وأما النائم والناسي، فقد أوجد الشارع الحكيم لهما مخرجا، فأمرهما بالصلاة عند الاستيقاظ أوالتذكر، فإن فعلا تقبل الله صلاتهما وجعلها كفارة لما فاتهما، وإن تعمدا الترك لأدائها حين الاستيقاظ والتذكر كانا آثمين كالمتعمد الذي سبق الكلام عليه، لقوله ﷺ : «من نسي صلاة أونام عنها فليصلها حين يذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك». أخرجه الشيخان من حديث أنس ﵁. فقوله: «لا كفارة لها إلا ذلك» أي إلا صلاتها حين التذكر. فهو نص على أنه إذا لم يصلها حينذاك فلا كفارة لها، فكيف يكون لمن تعمد إخراجها عن وقتها المعتاد الذي يمتد أكثر من ساعة في أضيق الصلوات وقتا، وهي صلاة المغرب، كيف يكون لهذا كفارة أن يصليها متى شاء وهو آثم مجرم، ولا يكون ذلك للناسي والنائم وكلاهما غير آثم؟ ! فإن قال قائل: لا نقول إن صلاته إياها قضاء هي كفارة له، قلنا: فلماذا إذا تأمرونه بالصلاة إن لم تكن كفارة له، ومن أين لكم هذا الأمر؟ فإن كان من الله ورسوله فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، وإن قلتم: قياسا على النائم والناسي. قلنا: هذا قياس باطل لأنه من باب قياس النقيض على نقيضه وهو من أفسد قياس على وجه الأرض. وحديث أنس أوضح دليل على بطلانه إذ
стр. 690
قد شرحنا آنفا أنه دليل على أن الكفارة إنما هي صلاتها عند التذكر وأنه إذا لم يصلها حينئذ فليست كفارة، فمن باب أولى ذاك المتعمد الذي لم يصلها في وقتها المعتاد وهو ذاكر. فتأمل هذا التحقيق فعسى أن لا تجده في غير هذا المكان على اختصاره، والله المستعان وهو ولي التوفيق.
والذي ننصح به من كان قد ابتلى بالتهاون بالصلاة وإخراجها عن وقتها عامدا متعمدا، إنما هو التوبة من ذلك إلى الله تعالى توبة نصوحا، وأن يلتزم المحافظة على أداء الصلوات في أوقاتها ومع الجماعة في المسجد، فإنها من الواجب، ويكثر مع ذلك من النوافل ولا سيما الرواتب لجبر النقص الذي يصيب صلاة المرء كما وكيفا لقوله ﷺ : «أول ما يحاسب به العبد صلاته، فإن كان أكملها، وإلا قال الله : انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن وجد له تطوع، قال: أكملوا به الفريضة». أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وهو مخرج في «صحيح أبي داود» رقم «٨١٠ - ٨١٢».
السلسلة الضعيفة «٣/ ٤١٢ - ٤١٥».
من تاب وعاد إلى الصلاة والصيام ماذا يلزمه ؟
سؤال: قاطع صلاة، يعني كان مثلاً لا يُصَلِّي، وتاب إلى الله وصار يصلي، فهل هذا عليه أن يصلي الصلوات التي فاتته أو يقضي الصيام الذي فاته؟
الجواب: أولاً: عليه أن يتوب إلى الله مما فعل من إعراضه عن الصلاة في تلك الأيام، ثانياً: التوبة، طبعاً معروف شروطها: أن يُدَاوم على الصلوات في أوقاتها، وأن يكثر من النوافل ليعوض ما فاته من الخير الكثير بسبب تضييع صلاته.
«الهدى والنور / ٢/ ١٣: ٣٤: .. »
من كان تاركًا للصلاة ثم تاب وهو كبير سنًا هل يقضي الصلوات ؟
مداخلة: هل هناك قضاء في الصلاة فيمن تاب وهو كبير سناً، ولم يُصَلِّ طيلة
стр. 691
حياته؟
الشيخ: الجواب: توبته تُجزيه وتُفيده إذا كانت توبةً نصوحاً بشروطها المعروفة عند الفقهاء، ولا يجب عليه القضاء، بل نقول: ربما شيئاً لم تسمعه بعدُ بهذه الصراحة: لا يجوز له قضاؤها.
لأن القول بوجوب القضاء تشريع، والتشريع ليس لأحد منه نصيب، فإنه [خاص] برب العالمين ﵎، كما يستفاد من مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].
نحن لا ننكر أن علماءً كبارًا قالوا بوجوب القضاء، ولكن لما كان هؤلاء العلماء الكبار من علمهم وفضلهم أنهم وَجَّهوا الأمة كلها إلى وجوب الرجوع عند التنازع إلى كتاب الله وإلى حديث رسول الله كما هو صريح القرآن، فلما فعلنا واستجبنا لهم فيما به نصحونا، لم نجد عندهم دليلاً ملزماً بما ذهبوا إليه من القول بوجوب القضاء على أن بعض المتقدمين منهم لا يُصَرِّحون بالوجوب، وإنما يقولون: يقضي.
والأدلة التي يستدلون بها لا تنهض بدعواهم، بل هي تنقلب عليهم عند إمعان النظر فيها .. في هذه الأدلة، فمثلاً ولا نطيل في هذا محافظةً على الوقت .. يقول بعضهم: الدليل على قوله ﵇: «من نسي صلاةً أو نام عنها، فلْيُصَلِّها حين يذكرها».
يقولون: إذا كان النبي ﷺ أمر الناسي والنائم بالقضاء فلأن يأمر المتعمد من باب أولى.
نحن نقول: هذا قياس معكوس تماماً؛ لأن الناسي والنائم مرفوع عنهما القلم، فكيف يُقَاس عليهما من لم يرفع عنه القلم؟ !
وهذا القياس في الواقع هو كما يقول ابن حزم مع مبالغته المعهودة بأنه ينكر القياس جملة وتفصيلاً، لكنه أحياناً حينما يناقش القياسيين يقول: وهذا قياس،
стр. 692
والقياس كله باطل، ولو كان منه حق لكان هذا منه عين الباطل.
الحقيقة: هذا القياس هو عين الباطل، وكما يقولون أيضاً في مسألة أخرى، وهي مسألة الكلام في الصلاة بالنسبة للناسي أو الجاهل، يقولون: تبطل الصلاة قياساً على المتعمد، كيف يجوز؟ ! غير متعمد يقاس على المتعمد.
فإذاً: لا يجب على مثل هذا الإنسان الذي لم يكن يصلي في ما مضى من الزمان ثم تاب وأناب إلى الله ، لا يجب عليه أن يقضي بل لا يجوز؛ لأنه شرع ما أنزل الله به من سلطان.
«الهدى والنور / ١٠/ ٢١: ٤٤: .. »
الرد على القول بقضاء الصلوات المتروكة تعمدًا
مداخلة: الحديث [الذي] يحكي عن تكميل الفريضة بالنافلة هل هو كان في صلاة ناقصة .. ؟
الشيخ: الجواب ما تسمع الآن، قال ﵊: «أول ما يُحَاسب العبد يوم القيامة الصلاة، فإن تَمَّت فقد أفلح وأنجح، وإن نقصت فقد خاب وخسر» هذا حديث، حديث آخر: «وإن نقصت، قال الله لملائكته: انظروا هل لعبدي من تَطَوُّع فَتُتَم له به فريضته» هذا الجواب.
النقص نوعان: نقص كم ونقص كيف، فسواء كان النقص كَمًّا أم كان كَيْفاً، الإتمام والاستدراك يكون من التطوع.
ولذلك: فمعالجة خطأ التاركين للصلاة والتائبين عن الترك، ليس بأن نأمرهم بأن يتعبدوا الله بما لم يشرع من أن يصلوا الصلاة في غير وقتها، إذا كان الله يقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥] فماذا يقول الذين هم لصلاتهم تاركون؟ لا شك أن هؤلاء لهم الويل أضعاف مضاعفة، فهؤلاء ليس بإمكانهم أن يستدركوا ما وقعوا فيه من الإثم الكبير بإضاعة
стр. 693
الصلاة وإخراجها عن وقتها، بأن يأتوا بصلاةٍ من عندهم، يصلون الصبح مثلاً نهاراً، يصلون الظهر ليلاً، يعني قضاء كما زعموا؛ لأن الذين يقولون بالقضاء المزعوم لا فرق عندهم أن تُقْضَي صلاة ليلية في النهار أو صلاة نهارية في الليل، كله قضاء، كله أداء للصلاة في غير وقتها المشروع، هذا كلهم يعترفون به.
فنحن نقول: من أين جئتم بهذه الصلاة، تُسَمُّونها: قضاء مما عليَّ زعموا، ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] مُوَقَّت ومُحَدّد الوقت أوله وآخره، فهم يصلون الصلاة في غير وقتها، فهذه الصلاة في غير وقتها يقيناً كما أنكم تنطقون، هي غير الصلاة التي أضاعوها يقيناً.
وإذا الأمر كذلك: فهل يجوز لمسلم يُؤْمِن بالله ورسوله حقاً أولاً، ثم يعلم مثل هذا النص الصريح ثانياً: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] أن يأتي لصلاة بوقت آخر أوسع من الأول؟ أوسع من الذي شرعه الله.
الله شرع -مثلاً- صلاة العصر ما بين العصر والمغرب، المغرب إلى العشاء، هو يأتي يقول: صلها أنت متى شئت، هذا الأمر من أين جاءه، ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].
الحقُّ والحقَّ أقول: لولا أن أئمةً كبارًا قالوا بالقضاء لحملنا حملة شعواء على الذين جاؤوا من بعدهم، لأن هؤلاء الذين جاؤوا من بعدهم ليسوا بمجتهدين، فليس لهم أن يجتهدوا ولو أنهم أخطؤوا، إلا الأئمة، فالأئمة إذا أخطؤوا أُجِرُوا على كل حال.
يعني: موضوع قضاء الصلاة: موضوع من أشد الأخطاء التي دخلت الفقه الإسلامي هو القول بشرعية القضاء، مع أنه هذه الآية واحدها تكفي، فماذا يقول المسلم في أحاديث أخرى في هذا المجال، يقول ﵇، وهذا حديث معروف لدى الجميع الخاصة والعامة، لكن الخاصة لا يَتَنَبَّهون له أنه يبطل القضاء، فماذا نقول عن العامة، ألا وهو قوله ﵇: «من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل
стр. 694
أن تَغْرُب الشمس فقد أدرك» فالذي لم يدرك ركعة ما أدرك، ماذا يفعل يا ساداتنا العلماء؟ يصليها، طيب هو لماذا يقول لك: «من أدرك ركعة» معناها: أنه إذا ما أدرك ركعة ما له صلاة، ولو كان الأمل في قضاءٍ ما يقول هذا الكلام ﵇، لأنه يُكَمِّل صلاته ولو جاءت في غير وقتها.
بعبارة أخرى: الذي جاء بالصلاة كلها خارج وقتها يُؤْمَر بذلك، والذي جاء ببعض الصلاة في وقتها والبعض الآخر خارج وقتها، هذا لا يؤمر بهذه الصلاة، كيف هذا؟ هذا غير معقول أبداً، لكن هذا واقع.
المهم: القضاء ليس له أصل في الإسلام إطلاقاً، والحديث السابق الذي ذكرته آنفاً هو صريح بأن الذي فاتته الصلاة هو ليس عليه أن يقضي في غير وقتها المشروع، وإنما عليه أن يُكْثِر من النوافل التي لا وقت لها، فهي مطلقة، يكثر منها ما شاء، حتى رَبَّنا يعوضه منها ما فاته من الفرائض كَمَّا قلنا: كماً أو كيفاً.
«فإن نقصت قال الله لملائكته: انظروا هل لعبدي من تطوع فَتُتَمّ له به فريضته».
مداخلة: يبدو من هذا أن النوافل لدرجة أنها مفروضة؟
الشيخ: هذا أيضاً خطأ؛ لأن المفروض في المسلم خلاف ما يترشح من كلامك، ليس المفروض فيه أنه يترك الصلاة، لكن إن وقع فيه شيء من ذلك تُدُورِك يوم القيامة من النوافل.
مداخلة: يجب عليه أن يحاول الإكثار من النوافل وكأنها واجبة.
الشيخ: ما نقول بالوجوب، من أين نأتي، الوجوب يا أخي يريد دليلاً شرعيًا، لكن الحريص على أن يُعَوّض ما فاته يكثر من النوافل، لكن ما نقول يجب عليه.
مداخلة: ما يحصل الآن أنه كثير من المسلمين لا يصلون ولا يصومون، هل لنا أن نأخذ مثالاً للتطبيق ... عندما أسلموا ما كانوا يقضون، مع أن الصلاة فُرِضت قبل الإسلام، هل لنا أن نأخذ مثل هذا المثل ...
стр. 695
الشيخ: هو لنا أن نقول هذا، لكن لا يخفاك أن هذا لا يكون دليل، هذا من بعد الاستناد إلى الأدلة السابقة نقول هذا، أن الكافر أسلم لا يُؤْمَر بقضاء ما لم يُصَلِّ من الصلوات.
«الهدى والنور /١٤٦/ ٠٠: ٠٤: ٠٠»
من فاتته فرائض من صلاة وصيام بعد بلوغه
السؤال: جرى القلم على الإنسان مثلاً وعمره خمسة عشر، فصلى وصام وعمره عشرون عاماً، فهذه الخمس السنوات هل يقضي ما فاته من صلاة وصيام؟
الشيخ: أظن هذا سبق الجواب مع الجزائري هذا، لما سأل: عن الرواتب هل تُقْضَى، فكان الجواب: الرواتب تُعَامل معاملة الفرائض، فالفرائض التي يُخْرِجها المكلف عن وقتها دون عذر النوم والنسيان هذه لا يمكن قضاؤها، فالرسول ﷺ كان يقول: «من نسي صلاة أو نام عنها، فليُصَلِّها حين يذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك».
لو فرضنا أن إنساناً تذكر في هذه الساعة أنه لم يُصَلِّ الظهر ذهولاً ونسياناً، فعليه الآن ساعة التذكر أن يباشر ويقضي المنسية، فمن كان ناسياً للصلاة وتذكرها فعليه الآن أن يصليها، فإن لم يفعل يقال كما يقول بعض العامة: فهي صلاة راح وقتها. فيما بعد يصليها؟ ! أبداً، وقتها هذه الصلاة المنسية وقت التذكر لها أو الاستيقاظ لها، فإذا لم يُصَلِّها في وقت التَذَكُّر راحت عليه.
وكما نعلم جميعاً: كل صلاة من الصلوات الخمس لها وقت مُتَّسع، أضيق الأوقات هو صلاة المغرب، مع ذلك في نحو ساعة، فإذا المصلي التهى عن هذه الصلاة في مدة ساعة من الزمن حتى خرج وقتها دون عذر شرعي، فحينئذٍ لا كفارة لها؛ لأنه لم يصلها في وقت التَذَكُّر، إذا كان الصلاة المنسية والتي نام عنها حين تَذَكَّرها قال ﵇: فهذا وقتها، فإذا لم يصلها فلا كفارة لها، فما بالك الصلاة التي وقتها ساعة من الزمان، وهو لا يصليها في هذا الوقت، فهذا لا يمكنه أن يقضي
стр. 696
هذه الصلاة كما قلت لك أولاً إلى الأبد، لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] ما معنى موقوتاً؟
أي: مُوَقَّت الأول والآخر، فلو ترك الأمر لرغبة المصلين خاصة الذين غلب عليهم حُبُّ الدنيا والانشغال بها والانكباب على مفاتنها، تعطلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
ولذلك: فيجب على المسلم أن يتذكر بالغ إثم إضاعة الصلاة وإخراجها عن وقتها، كما قال ﵇: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِرَ أهله وماله» كأنه احترق بيته وأهله، انظر هذه المصيبة؛ لأنه ضَيَّع صلاةً واحدة، وَضَح لك مسألة القضاء؟
السائل: نعم.
الشيخ: ما فيه قضاء إلا بعذر النوم أو النسيان، ثم هذا العذر حين التذكر لابد من الإتيان بالعبادة، فإذا تماهل ذهب وقتها.
السائل: والصيام كذلك؟
الشيخ: وصيام رمضان كذلك، ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أما هو ليس بمريض ولا هو مسافر فيستهين بحرمات الله، ويأكل ويشرب والناس صائمون، هذا أيضاً لا يستطيع القضاء.
«الهدى والنور /٤٨٨/ ٣٣: ٣٢: ٠٠».
قضاء الصلاة عن الميت
مداخلة: هل يجوز الصلاة عن الميت، مثلاً واحد مات ولم يكن يُصَلِّي، وأجي أنا أتبرع عنه أُصلي عنه، مثل اللِّي بيحجوا عن واحد ... ؟
الشيخ: قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى* وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى* أَلَّا
стр. 697
تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٩].
فأنت إذا ما بِدّك تصلي عن صديقك الّلي مات، ويمكن ما صلى لله صلاة، وما ذهبش يوماً ما إلى بيت الله، فهذا من سعيه وإلا من سعيك؟
مداخلة: من سعيه.
الشيخ: إذاً ليس له شيء من هذا السعي.
مداخلة: ... يقولوا: يجوز الحج مثلاً.
الشيخ: أنت ما تقول بيقولوا؛ لأنه أنت أمام قول رب العالمين الآن، صحيح أم لا؟ مائة صحيح.
فإذا كان رَبُّنا بيقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] ما لازم بَأَه تقول أنت بيقولوا، وإنما بتقول لي أنت: طيب، ما هو جوابك؟ ما هو رأيك بالنسبة للحج عن الغير؟ مو هيك أنت بدك تقول؟
مداخلة: [بالنسبة لقياسه على الحج]؟
الشيخ: أنا لما قلت ما أكون بعيد، يعني: عن معرفتي بك أنك دوبلوماسي.
طيب، سؤالك عن إنه أنت بِدَّك تصلي آنذاك، بينما هَلَّا انتهى الموضوع بِدَّك تسقط عنه الصلاة، وأنت ربه؟ كيف بدك تسقط عنه، يعني: هذا تارك للصلاة، ما هو بيكون وضعه في القبر والعياذ بالله، فأنت بدك تُخَلِّصه من عذاب الله في القبر بحيلة شرعية، يُسَمُّوها إسقاط صلاة، الله أكبر.
هذه والله سخرية الدهر، إنه ربُّنا في عشرات من الآيات الكريمة، بيعلم عباده أنه الإنسان يُكَلَّف بما هو يفعل، كما ذكرنا في الآية السابقة، في آيةٍ أخرى يقول: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ١٨]. هذا يعني: النواحي المعنوية أو كما يقولون اليوم الروحية هي كالأمور المادية تماماً، أنا جوعان وأنت جوعان، أنت أكلت من أنواع الطعام، وأنا ما ذقت من هذا الطعام شيئاً، أنا بشبع لشبعك؟ ما
стр. 698
بحس بلذة الطعام تبعك، فضلا عن أن أشبع، ليه؟ لأنك أنت عم تأكل لنفسك، أنت بتصلي تتقرب إلى الله، وأنا شقي والعياذ بالله، ولا أفعل ما أتق الله به، شو راح ينفعني صلاتك لي؟ ما بينفعني إلا صلاتي أنا، كما إنه صلاتي أنا ما بتنفعك شيئاً أنت، وحَجِّي وعُمرتي وكل شيء تماماً.
ثم لا بد أن نبحث موضوع الحج، ما دام أنت بدأت في الكلام القول: يقولون.
كما أن الحج لما تَوسَّعوا الناس فيه كمان أخطؤوا الآية السابقة: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩].
زيد من الناس مات ولم يحج إلى بيت الله الحرام، وكان قد وجب عليه الحج أي: استطاع، والله يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] شوف ما بالآية، شلون بدك تؤول لي إياها على قولة المشائخ يعني ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. هذا اللي مات وما حج إلى بيت الله الحرام، تنطبق عليه الآية أم لا؟ نحن قلنا: من استطاع، الكلام الِّلي قلته أنت الحج عن الغير، تقصد اللي ما استطاع ولا اللي استطاع؟ !
الخلط في البحث ما بيجوز، الإنسان إما أن يكون استطاع الحج، أو ما استطاع، إذا ما استطاع الآية قرأناها آنفاً، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. عن من عم بيقول المستطيع وإلا غير المستطيع؟
مداخلة: المستطيع.
الشيخ: مستطيع، فنحن الآن عم بنحكي عن المستطيع، استطاع وما حج، يمكن فيه ناس حجوا إلى أوروبا مراراً وتكراراً، وما حجوا مرةً واحدةً في عمرهم إلى بيت الله الحرام، هذا من بِدّه يحج عنه هذا؟
مداخلة: عياله.
الشيخ: ما أحد بيحج عنه، الله قال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾
стр. 699
[آل عمران: ٩٧].
عمر بن الخطاب يقول: «من ملك زاداً وراحلة ثم لم يحج، فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً، أو مجوسياً»، وبعض الناس بيرووه حديث للرسول ﵊، لكن هو لا يصح.
المهم: إذا هذا استطاع الحج وما حج، ما أحد يستطيع أن يحج عنه أبداً، والصائم الذي وجب عليه الصيام وما صام، ما أحد يستطيع يصوم عنه، والصلاة كذلك وكل شيء كذلك، تركنا بقي الواجبات من حج وصيام وصلاة.
لكن الولد بِدُّه يحج عن أبيه تطوعاً له ذلك، بِدُّه يعتمر نفلاً له ذلك، بِدُّه يصوم عنه نفلاً، مش يصوم عنه يسقط عنه صيام، لا، ما فيه مجال إسقاط أبداً.
«الهدى والنور / ١٣٢/ ٤٣: ١١: ٠٠»
مفهوم المخالفة في حديث من أكل أو شرب ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة، هل يستفاد منه أن من تعمد إخراج الصلاة عن وقتها فعليه قضاء
السؤال: كيف يجاب عن مفهوم دلالة المخالفة في قوله ﷺ فيما رواه الدارقطني وهو حديث صحيح: «من أكل أو شرب ناسياً، فلا قضاء عليه ولا كفارة»؟
الشيخ: ما هو مفهوم المخالفة الذي تعنيه؟
مداخلة: أن من أكل أو شرب ..
الشيخ: هذا المنطوق، الحديث. لكن ماذا تعني بالمفهوم؟
مداخلة: متعمداً فيكون عليه القضاء والكفارة.
الشيخ: هذا المفهوم يعني؟
стр. 700
مداخلة: نعم.
الشيخ: اصبر بارك الله فيك، في سؤال هنا.
أولاً: جاء في حديث الذي جامع زوجته أن النبي ﷺ أمره بالكفارة، وفي بعض ألفاظه المتعددة أنه ﵊ أمره بقضاء ذلك اليوم، فيمكن حمل المفهوم الذي أشرت إليه في حديث الدارقطني على هذا الذي جاء النص [حصل هنا انقطاع صوتي].
الشيخ: .. والدليل أو حجة؛ لأنه إنما أمر الشارع الحكيم بأداء كل عبادة في وقتها؛ تزكيةً لقلوب عباده المؤمنين، فمثلاً فيما يتعلق بالصلاة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
إذا تعمد المسلم ترك الصلاة وإخراجها عن وقتها، ثم أراد أن يقضيها كما يُعَبِّرون في بعض كتب الفقه، فهذا القضاء لا بد له من دليل خاص، وإلا كان النص القرآني وما في معناه من الأحاديث النبوية لغواً لا قيمة له؛ لأنه سواء عليه صلى الصلاة في وقتها، أو أنه صلاها بعد وقتها، تكون صلاته مقبولة، وإن كان قد يكون آثماً فيما لو صَلَّاها في غير وقتها.
لكن المهم أنه يكون قد اشترك في صحة الصلاة، مع الذي حافظ على أدائها في وقتها، فهناك فرق كبير جداً بين من أدى الصلاة في وقتها، وبين من أداها خارج وقتها، هذا أولاً يكون آثماً بخلاف الأول فهو يكون مأجوراً؛ لأنه نَفَّذ الأمر الإلهي بالمحافظة على أداء الصلاة في وقتها.
ثانياً: لقد جاء في الحديث الصحيح قوله ﵊: «من نسي صلاةً أو نام عنها فَليُصَلّها حين يذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك».
فإذا نام الإنسان عن الصلاة أو نسيها ثم استيقظ لها أو ذكرها، فوقت هذه الصلاة المنسية أو التي نام عنها، أن يُبَاشِر أداءها في وقت التَذَكر، فإذا قال في نفسه هذه الصلاة خرج وقتها، فأنا سأصليها بعد أن أفرغ لها، فقد خرج وقتها الثاني الذي
стр. 701
مَدَّه الشارع الحكيم له بعذر النوم أو النسيان، فلا يُمكنه أن يقضيه في غير ذلك الوقت الثاني الذي ضَيَّعه أيضاً عامداً متعمداً.
إذا عرفنا ذلك يتبين لنا أن توقيت المواقيت ليس بالأمر العبث، الذي للإنسان فيه الخيرة أن يُحافظ عليه أو أن يَدَعه، فلا يستويان مثلاً أبداً.
فمن أَدَّى العبادة في وقتها المُوَقَّت، فلا شك أن عبادته تكون صحيحة، وذلك بشرط أن تتوفر فيها بقية الشروط والأركان.
أما إذا أَخَلّ بهذا الشرط وهو شرط الوقت، فيحتاج من يقول بأنه عليه أن يؤدي تلك العبادة في وقت آخر، فهو يحتاج إلى نص، كما هو الشأن في حديث المُجَامِع زوجته في رمضان، فقد أمره ﵊ بالكفارة الكبرى، وزيادة قضاء ذلك اليوم الذي أفطره بالجماع.
وليس عندنا نص يأمر كل مفطر مُتَعَمِّد كالذي جامع أن عليه القضاء.
فحينئذٍ نقول: إن مفهوم لفظة متعمد في حديث الدارقطني، دلالته محدودة فيما يتعلق بحديث الذي أفطر بالجماع في رمضان، ومفهوم الباقي فليس له أثر أو اعتداد. نعم.
«الهدى والنور/٣٨٩/ ٠٠: ٠٠: ٠٠»
هل صح حديث فيه أن من يتهاون بالصلاة يعاقب بستة عشر عقوبة ؟
السؤال: يا أخي الكريم أريد أن أسألك بالنسبة لمن تهاون عن الصلاة يعاقبه الله بستة عشر عقوبة؟
الجواب: ما له أصل.
السؤال: .. الحديث.
стр. 702
الجواب: ما له أصل.
«الهدى والنور / ٢٠٥/ ٤٤: ٠٣: ٠٠»
النائم والناسي لا تفوته الصلاة أبدًا، وسواء كان الاستيقاظ والتذكر عند طلوع الشمس أو عند غروبها، ويصليها بأذان وإقامة
النائم والناسي لا تفوته الصلاة أبدًا ولو خرج وقتها كله ما دام غافلا عنها أو ناسيا لها فوقتها بالنسبة إليهما حين التذكر.
قال ﵊ في سفره الذي ناموا فيه حتى طلعت الشمس:
«إنكم كنتم أمواتا فرد الله إليكم أرواحكم فمن نام عن صلاة فليصلها إذا استيقظ، ومن نسي صلاة فليصل إذا ذكر».
ورواه أبو يعلى والطبراني في «الكبير» من حديث أبي جحيفة. ورجاله ثقات كما في «المعجم».
وللحديث شواهد كثيرة منها: [ثم ساقها].
وسوءا كان الاستيقاظ والتذكر عند طلوع الشمس أو عند غروبها فعليه أن يصليها في هذا الوقت فإنه وقتها، لقوله ﵊ فيما سبق: «فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك».
وهو مذهب الجمهور من العلماء. قال الترمذي «١/ ٣٣٥»: «وقد اختلف أهل العلم في الرجل ينام عن الصلاة أو ينساها فيستيقظ أو يذكر وهو في غير وقت صلاة عند طلوع الشمس أو عند غروبها فقال بعضهم: يصليها إذا استيقظ أو ذكر وإن كان عند طلوع الشمس أو عند غروبها، وهو قول أحمد وإسحاق والشافعي ومالك، وقال بعضهم: لا يصلي حتى تطلع الشمس أو تغرب».
стр. 703
قلت: وهو مذهب علمائنا الحنفية صرح به محمد في «الموطأ» «١٢٥» قال: «وهو قول أبي حنيفة ﵀».
قال المعلق عليه أبو الحسنات اللكنوي ﵀:
«قد أيده جماعة من أصحابنا منهم العيني وغيره بما ورد في حديث التعريس أنه ﷺ ارتحل من ذلك الموضع وصلى بعد ذلك ولم يكن ذلك إلا لأنه كان وقت الطلوع وفيه نظر:
أما أولا فلأنه قد ورد تعليل الاختيار صريحا بأنه موضع غفلة وموضع حضور الشيطان فلا يعدل عنه.
وأما ثانيا فلأنه ورد في رواية مالك وغره: حتى ضربتهم الشمس. وفي بعض روايات البخاري: لم يستيقظ حتى وجد حر الشمس. وذلك لا يمكن إلا بعد الطلوع بزمان وبعد ذهاب وقت الكراهة».
وهذا تعقب جيد قوي من أبي الحسنات المصنف القوي وأمثاله قليل في أصحاب المذاهب من المتأخرين فرحمه الله تعالى وجزاه خيرا.
والتعليل الذي ذكره ورد في «صحيح مسلم» «٢/ ١٣٨» والنسائي «١/ ١٠٢» عن أبي هريرة ﵁ قال:
عرسنا مع نبي الله ﷺ فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس فقال النبي ﷺ :
«ليأخذ كل رجل برأس راحلته فإن هذا منزل حضرنا به الشيطان».
قال: ففعلنا ثم دعا بالماء فتوضأ ثم سجد سجدتين ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة.
أخرجاه من طريق يحيى بن سعيد: ثنا يزيد بن كيسان: ثنا أبو حازم عنه.
وله طريق أخرى أخرجها د «٧٢» عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة في هذا الخبر قال:
стр. 704
«تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة». قال:
فأمر بلالا فأذن وأقام وصلى.
وسنده صحيح على شرطهما.
وله طريق ثالث بلفظ: «هذا منزل به شيطان». طحا «٢٣٤».
ويصليها كما كان يصليها كل يوم بأذان وإقامة ويجهر فيها إن كانت جهرية ويصلي معها السنة.
قال أبو قتادة في حديثه الطويل في نومهم عن صلاة الصبح:
ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله ﷺ ركعتين ثم صلى الغداة فصنع كما يصنع كل يوم.
أخرجه مسلم من طريق سليمان بن المغيرة كما سبق.
ونحوه حديث أبي هريرة: فأمر بلالا فأذن وأقام وصلى.
وفي رواية: فتوضأ ثم سجد سجدتين ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة. وقد تقدما قريبًا.
وفي الباب عن ذي مخمر الحبشي - وكان من أصحاب رسول الله ﷺ في هذه القصة: فأمر بلالا فأذن ثم قام النبي ﷺ فصلى الركعتين قبل الصبح وهو غير عجل ثم أمره فأقام الصلاة فصلى وهو على غير عجل فقال له قائل: يا نبي الله أفرطنا؟ قال: «لا قبض الله أرواحنا وقد ردها إلينا وقد صلينا».
أخرجه حم «٤/ ٩٠ - ٩١» ود «٧٣» دون قوله: فقال له قائل ... إلخ. من طريق حريز بن عثمان: ثني يزيد بن صبح -وقيل: ابن صليح- عنه.
وهذا إسناد حسن.
وعن ابن مسعود قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ زمن الحديبية فقال رسول الله
стр. 705
- ﷺ : «من يكلؤنا؟ » فقال بلال: أنا فناموا حتى طلعت الشمس فاستيقظ النبي ﷺ فقال: «افعلوا كما كنتم تفعلون». قال: ففعلنا. قال: «فكذلك فافعلوا لمن نام أو نسي».
د «٧٣ - ٧٤» وطحا «٢٦٩ - ٢٧٠» من طريق جامع بن شداد عن عبد الرحمن بن علقمة عنه. وهذا سند صحيح.
[الثمر المستطاب «١/ ١٠٢»].
من نسي صلاتين فأكثر يصليهما على الترتيب
ولو نسي صلاتين فأكثر يصليهما على الترتيب ثم يصلي الصلاة الحاضرة، كذلك فعل رسول الله ﷺ في غزوة الخندق وقد شغل عنهن بالحرب.
قال أبو سعيد الخدري ﵁: حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هوي من الليل حتى كفينا، وذلك قول الله تعالى: ﴿وَكَفَى الله الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ الله قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] فدعا رسول الله ﷺ بلالا فأمره فأقام فصلى الظهر وأحسن كما كان يصليها في وقتها، ثم أقام للعصر فصلاها كذلك، ثم أقام للمغرب فصلاها كذلك، ثم أقام للعشاء فصلاها كذلك، وذلك قبل أن ينزل في صلاة الخوف: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. [صحيح].
وقد اختلف العلماء في وجوب الترتيب بين الفوائت، فنفاه الشافعية وقالوا: إنه يستحب. وبه قال طاوس والحسن البصري ومحمد بن الحسن وأبو ثور وداود.
وقال أبو حنيفة ومالك: يجب ما لم تزد الفوائت على صلوات يوم وليلة فقالا: فإن كان في حاضرة فذكر في أثنائها أن عليه فائتة بطلت الحاضرة ويجب تقديم الفائتة ثم يصلي الحاضرة.
وقال زفر وأحمد: الترتيب واجب قلت الفوائت أم كثرت. قال أحمد: ولو نسي الفوائت صحت الصلوات التي يصلي بعدها. قال أحمد وإسحاق: ولو ذكر فائتة