Полный текст (8 195 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.
стр. 6371
التائب من الربا
стр. 6372
التائب من أخذ الربا، ماذا يصنع بما أخذ ؟
مداخلة: بالنسبة للفائدة، إنسان تاب كان يضع أمواله في البنك، فتاب منها، فما حكم الفائدة، أعطوه فائدة هل يرميها أو يستخدمها في شيء؟
الشيخ: أولاً: لا تُسَمّ الربا فائدة.
مداخلة: هم يقولون هذا.
الشيخ: ولا تؤخذ بسوط الجمهور، الكرباج يعني تعرفه؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: هذا سوط الجمهور، والذي اعترفت أنت، وقلت: هكذا يقولون.
من الذي يقول هكذا؟ الجمهور الغافل عن شريعة الله، هذا اسمه ربا، ودرهم من الربا أشد عند الله من ست وثلاثين زنية، فهم يسمونها بغير اسمها: فائدة.
فلا تنجر مع سوط الجمهور، ولا تُسَقْ بالسياط هذه التي يساق بها الجمهور.
بعد ذلك نقول: هذا الربا لك سبيل من سبيلين: أحدهما أرجح عندي من الآخر.
أحد السبيلين أن تتركه في البنك.
والسبيل الآخر: وهو الأرجح عندي، أن تأخذه وتصرفه في المرافق العامة.
والمقصود بالمرافق العامة، يعني شيء ينتفع منه الجمهور، وليس يستفيد منه شخص بعينه ولو كان فقيراً.
مرافق عامة مثلاً: تعبيد طريق، سحب سبيل ماء في مكان يحتاج إلى الماء، وعلى ذلك فقس.
(الهدى والنور/٢٤٥/ ٢٤: ٥١: ٠٠)
стр. 6373
رجل بنى تجارة من قرض ربوي وربح من وراء القرض مبالغ كبيرة فكيف يتوب من ذلك ؟
مداخلة: يسأل أحد الإخوة أنه أخذ قرضاً من البنك الربوي.
الشيخ: أخ لنا تاب الحمد لله، لكن هذا المجتمع الإسلامي، كم وكم من ناس مُصَلِّين وصائمين ويمكن يقوموا الليل ويصوموا النهار وإلى آخره، وهم يتعاملون معاملات ما أقول لك ربوية فقط؟ معاملات مُحَرَّمة.
هذا تاجر ما يسأل .. يبيع أشياء تُعين على المنكر وإلا لا؟ يشتري أشياء يعرفها مسروقة منهوبة لا يهمه.
المهم جمع المال، ومسلم ويصلي ويصوم ويمكن حريص أن يصلي بالصف الأول إلى آخره، هذا هو المجتمع الإسلامي بهؤلاء بِدّها تقوم الدولة المسلمة، هيهات هيهات ما توعدون.
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
الشيخ: نعم. إيه، هذا مو سوى؟
مداخلة: أخذ قرضًا من البنك بمقدار خمسة وعشرين ألف درهم، وعلى هذه النقود عليها ربا.
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله. نعم.
مداخلة: سواء قَلَّ أو كَثُر.
وهذه الخمسة وعشرين ألف تاجر فيها، وأصبحت الآن يعني: آلاف مؤلفة.
الشيخ: ملايين.
مداخلة: آلاف مؤلفة.
الشيخ: إيه.
стр. 6374
مداخلة: فتاب من ذلك، فماذا عليه؟ لأنه يعني: استفتى بعض الناس الذين لا علم لهم بالكتاب والسنة فقال له: عليك أن تخرج الخمسة وعشرين ألف هذه، علماً بأنه سدَّد خمسة وعشرين ألف للبنك من راتبه يعني: راتبه الشهري سَدَّدها للبنك مع الفوائد.
مداخلة: مع الربا.
مداخلة: مع الربا نعم. مع الربا. نعم. مع الربا.
فهنا أتاه بعض الناس أنه يخرج الخمسة وعشرين ألف من ماله الذي جمعه من هذه التجارة اللِّي خمسة وعشرين ألف ويخرج الخمسة وعشرين ألف هذه مع الفوائد .. الربا كذلك، ويتوب إلى الله توبةً نصوحًا، هل هذا الكلام صحيح؟
الشيخ: صحيح إلى حَدٍّ ما؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: يعني: هذا لا بد منه.
مداخلة: توبة. نعم.
الشيخ: يعني: الشيئين هؤلاء لا بد منهم، لكن أنا في اعتقادي لا يكفي، لماذا؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: لأن الحاصل من الخمسة والعشرين ألف، ما بُني على فاسد فهو فاسد.
مداخلة: يعني: كلام .. الفتوى صحيحة؟
الشيخ: الفتوى بأمره بالتوبة وإخراج خمسة وعشرين هذا لا بد منه، ما أقول الفتوى صحيحة.
أقول الفتوى ناقصة، وبَيَّنت السبب؛ لأن هذه الخمسة وعشرين ألف اللِّي هو مال مُحَرّم قام عليه كما قلت ألوف إن لم نقل ملايين.
стр. 6375
مداخلة: نعم.
الشيخ: ما بُني على فاسد فهو فاسد.
فأنا أقول: إن هذا الإنسان بالإضافة إلى ما قيل له من الأمرين السابقين ذكراً.
مداخلة: نعم.
الشيخ: يجب أن يستمر في الإكثار من التصدق بهذا المال المجموع عنده، بحيث أنه يشعر أن نفسه تَزَكّت من أوضار الربا السابقة.
مثال، هذا مثال ماء نجس وقع فيه نجس وتَنَجّس، كيف تطهيره؟ بالمكاثرة، مكاثرة الماء النجس بالماء الطاهر، حتى يغلب على الظن أن هذا الماء خرج عن كونه نجساً، وليس إلى طاهر فقط، بل ..
مداخلة: مطهر.
الشيخ: وطهور مطهر.
مداخلة: لمن يعطي هذا المال؟
الشيخ: هذا المال الحاصل ..
مداخلة: من الحرام.
الشيخ: المربوح
مداخلة: من الحرام.
الشيخ: من الحرام.
مداخلة: نعم.
الشيخ: هذا يمكن أن يُعْطَى للفقراء والمساكين؛ لأنه ليس هو عين الربا.
مداخلة: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً»
الشيخ: ليس هو عين الربا.
стр. 6376
مداخلة: نعم.
الشيخ: خذ.
مداخلة: أيوه.
الشيخ: اسمع مني، وبعدين إذا كان عندك ملاحظة تُبْدِيها.
مداخلة: جزاك الله خيرًا!
الشيخ: لو أن رجلاً أودع عشرين ألفًا وأخذ خمسة وعشرين أي خمسة ربا، هذا لا يجوز يعطيها الفقراء والمساكين.
مداخلة: نعم.
الشيخ: آه، لكن مسألتنا غير هذه، الخمسة هؤلاء اللِّي هي ربا، هؤلاء لازم يصرفهم في المرافق العامة، نقول نحن: وليس لأفراد مُعَيَّنين من الفقراء أو المساكين أو المحتاجين.
مداخلة: أن لا يُعطيها مسلم.
الشيخ: أي نعم.
أما المسألة التي نحكي فيها نحن، فهذه غير هذه.
ما فيه مانع أن يظل إذا استمر بالتَصَدُّق من هذا المال اللي اكتسبه من الخمسة وعشرين ألف اللي هو عين الربا، هذا ما عندي والله أعلم.
مداخلة: هل عليه زكاة؟
الشيخ: طبعاً، عليه زكاة من باب أولى.
(الهدى والنور / ٣٥٥/ ٤٨: ٤٧: ٠٠)
стр. 6377
من تاب من الربا ما مصير أمواله ؟
السائل: الحمدلله، هناك بعض أهل العلم يفتون بأن الذي يتوب من أكل الربا، ويكون عنده كثير من المال أو العقار، يقول أنه: يأكل منه ويتصدق ويتوب في اللحظة التي تاب فيها ويستدلون بآية من كتاب الله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ إلى نهاية الآية، وأيضًا يقول إننا إذا قلنا له: لابد أن تتخلص من هذا البيت أو الفيلا التي تعيش فيها، وتتخلص من جميع أموالك يصعب عليه التوبة، هكذا يقولون ونريد أن نقف على رأي الشرع في هذا الأمر جزاك الله خيرًا.
الشيخ: ما قالوه هو الشرع، لأنه لارأي لأحدٍ بعد قول الله في الأية التي أشرت إليها وهي صريحة الدلالة لا تقبل تأويلاً ولا تفسيرًا إلا مايفهمه كل عربي: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾؛ فإذا كان رأس مال هذا التائب من الربا أو من المال الحرام مئة ألف مثلاً وصار عنده مليون أو ملايين فيجب أن يخرج عنها كلها في حدود استطاعته، فإذا كان المئة ألف تكفيه وتمنعه من السعي وراء الرزق الذي كان عليه؛ فهذا هو واجبه، وهو أن يخرج من كل المال المحرم، أما إن كان ذلك المال الذي هو رأس ماله لايكفيه؛ فخير له أن يسأل الناس أن يشحذ منهم من أن يأكل المال الحرام، هذا هو الحق فلا ينبغي للتائب حقًا أن يتردد في تنفيذه في حدود الاستطاعة المنوط بها تنفيذ الأحكام كلها لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ هذا هو جواب السؤال.
سائل: [لو تصدق للفقراء]
الشيخ: ليس له ذلك وإنما يصرف ذلك المال في المرافق العامة حيث لايستفيد شخصًا معين منه ولو كان فقيرا.
السائل: تتمة لهذا السؤال هل يجوز لشخص تجر بالربا أو يعمل بالغناء أن يبني مسجدًا من هذا المال؟ وهل يجوز لمن يعلم حقيقة هذا الأمر أن يصلي في هذا المسجد؟
стр. 6378
الشيخ: لايجوز لمن كان مكسبه حرامًا بأي وسيلة من الوسائل المحرمة كان مكسبه، لايجوز له أن يبني مسجدًا لأن المسجد الذي يتقبله الله ويثيب بانيه خيرًا كما جاء في الحديث الصحيح: «من بنى لله مسجدًا مثل أو كمفحص قطاه بنى الله له بيتًا في الجنة»، فقوله ﵊ لله، فالله ﵎ كما جاء في حديث مسلم: «إن الله طيبٌ ولايقبل إلا طيبًا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال ياأيها الرسل كلوا من الطيبات وأعملوا صالحا» ثم ذكر رسول الله ﷺ : «الرجل أشعث أغبر يطيل السفر يرفع يديه يقول: يارب يارب، ومأكله حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنَّى يستجاب لذلك»
الشاهد أن الله لايقبل من المال إلا ماكان طيبا، فهذا هو الجواب عن الشطر الأول من السؤال.
أما الشطر الثاني فلايجوز للمسلم أن يتقصد الصلاة في ذلك المسجد إلا إذا ضاق عليه الوقت فيجوز الصلاة فيه والله أعلم.
(فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- ٢٦)
كل الأموال المحرمة إذا تاب الإنسان عليه أن ينفقها في المرافق العامة
مداخلة: نسمع منكم للتخلص من الأموال غير الحلال تعبير كلمة المرافق العامة شيخي، وأحياناً التصدق، فما هو الضابط في تمييز الإنفاق في المجالين؟ يعني: هل يقال أموال الربا فقط في مجال المرافق وغير ذلك تصدق؟
الشيخ: كل الأموال المحرمة، إذا أراد الإنسان أن يتوب إلى الله، وأن يخرج منها، فيصرفها في المرافق العامة، إلا إذا تعذر ذلك عليه فهنا يأتي التَصَدُّق المشار إليه.
(الهدى والنور /٨٠٤/ ٥٨: ١٤: ٠٠)
стр. 6379
المال المجتمع من الربا ماذا يفعل به صاحبه إذا تاب ؟
السؤال الأول: فضيلة الشيخ، أفتى بعض المشائخ العصريين أثناء زيارته لأستراليا بأن المال المتجمع من الربا حرام على صاحب المال، حلال لغيره لا سيما المحتاجين، فما مدى صحة هذا القول في الشرع؟
الشيخ: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى من اتَّبعه بهداه.
أما بعد.
فكنت أود أن يقال لهذا المفتي، إن لم يقل له ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] ذلك؛ لأن هذه الفتوى تتعارض مع بعض النصوص العامة التي تُعْتَبر من الأصول والقواعد الإسلامية، فضلاً عن بعض النصوص الخاصة التي تعتبر فروعاً مفصّلة لتلك القاعدة.
أما القاعدة فأصلها قول ربنا ﵎: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
أما النصوص الخاصة والتي على مثلها قامت تلك القاعدة، فمن المعلوم قوله ﷺ الذي يتعلق بهذا السؤال نفسه: «لُعِن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه» ومن ذلك قوله ﵇ في الخمر: «لعن الله في الخمرة عشرة» ابتدأ بساقيها ثم تم الرقم بالذين يتعاونون مع الساقي بتحضير هذا الشراب المحرم له بمثل: العصر، والبيع، والشراء، والحمل، ونحو ذلك مما هو منصوص عليه في الحديث.
فإذا قيل بذلك القول الذي سمعته لأول مرة آنفاً أن الربا والذي يسمونه اليوم بغير اسمه فائدة، هي حرام على من الحرام قلت؟
مداخلة: على صاحب المال.
стр. 6380
الشيخ: على صاحب المال، وحلال لغيره، فنقول: ما بُنِي على فاسد فهو فاسد؛ لأن القول بهذا الرأي الهزيل، يعني أنه يجوز للمسلم أن يودع ماله في البنك، وبالتالي أن يأخذ الربا ويطعمه غيره.
وحينئذٍ انصبَّت اللعنة عليه من الناحيتين، من الناحية الأولى: أنه أطعم البنك، ومن الناحية الأخرى: استفاد الربا وأطعمها غيره.
فهو إذا صح التعبير ألعن مما لو أكله بنفسه؛ لأن الحديث حينذاك يَنْصَبّ على الآكل والموكل، الموكل لمن؟ للبنك أو أهل البنك.
أما هنا فصار الإيكال إذا صح التعبير له شعبتان وله جانبان، فلذلك فالواقع الذي نشعر به -مع الأسف- في كثير من الفتاوى التي تصدر في العصر الحاضر، إنما هي فتاوى إما أن تكون صادرة بحسن نية، ولكنها صدرت ممن ليس من أهل العلم، من أولئك الذين أخبرنا رسول الله ﷺ عن أمثالهم حينما قال ﵊ كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص من رواية الشيخين البخاري ومسلم ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً من صدور العلماء، وإنما يَقْبِض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جُهَّالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» هذا إذا كان بحسن قصد.
ولكن من الممكن أن يكون هناك أناس يُفْتُون بقصد التضليل، وإخراج المسلمين عن الصراط المستقيم الذي خطه لهم نبينا ﷺ ، بما جاء من البيان والشرح لنصوص الكتاب والسنة.
فالآية التي أشرنا إليها آنفاً كقاعدة من قواعد التعاون مع الآخرين، وهي قول الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] يدل على أن هذا الذي أفتى بهذه الفتوى لا يعبأ بالأحاديث التي تفصّل مثل هذه الآية وتفرّع عنها فروعاً، المسلمون أحوج ما يكونون إليها في كل زمان وفي كل مكان، وبخاصة في زمان الغربة الذي نحن نعيشه في هذه الأيام.
стр. 6381
فلذلك: فالقول بإباحة الربا لغير صاحب المال كما جاء في السؤال، هذا يتنافى مع الأصول والفروع معاً.
الذي نراه -والعلم عند الله ﵎ هو أن الذي ابتُلي بأن يتعامل مع بعض البنوك، ثم تاب إلى الله وأناب.
ففي هذه الحالة هو بين أمرين اثنين: إما أن يدع الربا لأهل الربا لأصحاب البنك، وإما أن يأخذه دون أن ينتفع هو به، ثم دون أن ينتفع به شخص بعينه.
هنا يبدأ الجواب الفقهي، خلافاً لذلك القول بناء على ما بيَّنا من أدلة، ذلك لأن النبي ﷺ قال كما في حديث مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]
لذلك فهذا الذي رابى ثم تاب إلى الله ﵎، وأُعطي له مع رأس ماله الربا، فلا يجوز له أن يستفيد من الربا؛ لصريح قوله ﵎: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩].
فهذه الآية صريحة كل الصراحة؛ لأن المرابي إذا تاب إلى الله ، فإنما يحل له أن يسترجع رأس ماله دون ما ترتب عليه من رباً يسمونه فوائد ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩].
إذا كان الأمر كذلك، فقلنا: إما أن يستلم من البنك رأس المال ورباه، وإما أن يدع الربا للبنك، في كل من الأمرين محظور؛ لأنه إن تركه للبنك استفاد منه البنك، وإن أخذه هو معنى ذلك أنه أخذ ربا.
ولكن إذا قلنا بأنه لا يجوز أن يستفيد هو لذات نفسه بما سبق أن ذكرنا من الأدلة، يبقى الأمر: إما أن يفيد غيره بهذا المال، كما جاء بالنسبة لذلك المفتي، وإما
стр. 6382
أن يفيد مشروعاً لا تعود فائدته إلى شخص بعينه، لا بد من أحد أمرين: إما أن يفيد بهذا الربا شخصاً بذاته، وإما أن يصرفه فيما يسمى بلغة الفصحاء بالمرافق العامة.
المرافق العامة معروف لدى أهل العلم، أنها تعني: كُلَّ مشروع يعود فائدته إلى مجموعة المسلمين، وليس إلى فرد من أفرادهم، مثل مثلاً: جلب ماء كسبيل في مكان ليس فيه ماء، أو تعبيد طريق، أو بناء جسر على نهر أو ما شابه ذلك.
لولا أن الأمر الأول وهو ترك الربا لأهل البنك؛ كان قوة لهم لكان الأولى أن يأخذ رأس ماله كما قال الله ، .
ولكن هناك قاعدة فقهية يجب على كل طالب علم أن يكون دائماً عل ذكر منها، ألا وهي: إذا وقع المسلم بين مفسدتين فلا بد له من إحداهما، فهو في هذه الحالة يختار المفسدة الصغرى على المفسدة الكبرى، من باب دفع الشر الأكبر بالشر الأصغر.
الشر الأكبر هنا أن يترك الربا لأهل الربا للبنك، الشر الأصغر أن يصرف هذا المال في المرافق العامة، حيث لا يستفيد منه شخص بعينه كما قال ذلك المشار إليه في السؤال.
بهذا يمكن الرد على إبطال قول ذلك المفتي، ويبقى معالجة هذا الربا بأحد الطريقين إما أن يُترك للبنك، وإما أن يُصرف في المرافق العامة، وهذا شرّه أقل من شر الأمر الأول.
أما أن يضع المسلم ماله في البنك، ثم يزعم أن هذا الربا في الوقت الذي يحرم عليه يفيد به غيره من المسلمين، فهذا نقض للآية السابقة ولما تفرع منها من أحاديث ذكرنا آنفاً بعضها ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
لأن هذا المراد به إذا أودع ماله في البنك وأخذ الربا وأطعمه لفقير، فإنما هو طعام خبيث، وقد سمعتم آنفاً قوله ﵇: «إن الله طيب ولا يقبل إلا طيباً» إلى آخره، هذا جواب السؤال الأول.
стр. 6383
مداخلة: جزاكم الله خيراً.
وهل من المرافق فضيلة الشيخ بناء المساجد؟
الشيخ: لا.
مداخلة: ولقيت قبولاً في أوساط الجالية بقوله: إما أن نأكله فهذا حرام، وإما أن ندعه للبنك فهذا حرام، وإما أن نحرقه فهذا حرام.
فبقي الأمر الأخير وهو أن نصرفه لفقراء المسلمين، حتى بناء المساجد وحتى طباعة مصاحف، هكذا بالنص هنا.
الشيخ: الله المستعان.
هل يمكن معرفة الشخص أم أن هذه غيبة؟
مداخلة: نعم يمكن معرفته، وهو الشيخ يوسف القرضاوي.
الشيخ: الله المستعان.
مداخلة: وشريط الفيديو موجود.
الشيخ: الله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله.
في ظني أن من يفتي بأخذ الربا وإعطائه لفقير من فقراء المسلمين، يجيز إيداع المال في البنك؛ لأنه لو قال كما ينبغي أن يقول به كل فقيه مسلم حقاً، إن هذا الذي ابتُلي شطراً من حياته بأن يودع ماله في البنك الربوي، ثم تاب وأناب إلى الله ، فأخذ رأس المال ورباه، فأعطى هذا الربا لفقير أو الفقراء، كان الأمر أيسر وأقل ضرراً.
لكني أستشم من هذه الفتوى الإبقاء على التعامل مع البنك في سبيل نفع الفقراء بهذا الربا الذي يحصل من ذلك المال، حينئذ هذا يتناقض مع كل النصوص السابقة.
стр. 6384
والآن لا بد لي من أن أذكر حديثاً وهو قوله ﵊: «درهم ربا يأكله الرجل أشد عند الله من ست وثلاثين زنية» فكيف يجوز لمسلم يؤمن بالله ورسوله حقاً أن يقر التعامل مع الربا، لكن على طريقة اللف والدوران؟ أنا رجل طيب، أنا لا آكل حراماً، لكني أُطعم الحرام! هذا ما يقوله مسلم أبداً.
ولذلك فيجب استئصال شأفة الشر جذرياً، وذلك بأن يقال لكل مسلم لا تتعامل مع البنوك الربوية.
وقولي: ربوية، ليست صفة كاشفة، وإنما هي لبيان الواقع، أقول هذا خشية أن يتبادر إلى بعض الأذهان أن هناك بنوك غير ربوية لا، كلها ربوية، ولكن قد يكون من باب حنانيك بعض الشر أهون من بعض.
واحد مثلاً من البنوك يأخذ بالمائة خمسة، والآخر يأخذ بالمائة عشرة، وقد يكون الأول لا يضع اللافتة الإسلامية، أن يأخذ ربا أقل من الآخر، والآخر قد وضع اللَّافتة الإسلامية لكنه يأكل الربا أكثر من غيره، ورغم قول لا يجوز الانتفاع لشخص بعينه بهذا الربا إذا تاب صاحبه، أما إذا لم يتب فلا يجوز إطلاقاً.
وليس من المرافق العامة التي يصح صرف المال النجس وهو المال الربوي في المساجد؛ لأنه مما لا شك ولا ريب فيه أن كل مسجد بُنِي على مال.
اكتُسِب بطريق مُحَرِّم، أنه لا يصدق عليه أنه مسجد بني على أساس من التقوى، وإذا كان ولا بد من صرف المال الربوي بعد أن تاب صاحبه فيما يتعلق بالمسجد، فيمكن أن يقال يصرف في المراحيض، هذا ما يمكن.
(الهدى والنور/٦٢٠/ ٢٢: ٣٩: ٠٠)
(الهدى والنور/٦٢٠/ ٠٤: ٥٤: ٠٠)
(الهدى والنور /٦٢١/ ٤٠: ٠٠: ٠٠)
стр. 6385
صور متفرقة في التعامل مع البنوك
стр. 6386
رجل أودع ماله في البنك وقام البنك باستثماره دون إذنه ولم يعطه من الأرباح فهل يجوز ذلك للبنك ؟
سؤال: رجل أودع مالاً عند البنك الإسلامي، فاستعملها بالتجارة بدون إذن صاحبها ولم يعطه من ربحها شيئاً، فهل يجوز له ذلك؟
الشيخ تعني البنك يجوز له ذلك؟
المداخلة: نعم، أليس كذلك؟
الشيخ: هو أودعه أمانة، وجاء البنك واستعمله بدون إذنٍ من صاحبه.
الجواب: لا يجوز، وعلى الأقل يجب أن يشاركه في الربح، وأن لا يشاركه في الخسارة إن خسر، لأنه إن خسر فلأنه تصرف بغير إذنه، فقد يقول قائل: ولم إذاً ينبغي أن يشاركه في الربح؛ لأن أمامنا حديث «الثلاثة في الغار» وكلكم يعرف ذلك وباعتبار أن الوقت محدود جداً، وبخليه على حسابكم وليس على حسابي، لكن سأذكركم بطرف الحديث والذي هو موضع الشاهد، ذلك الرجل الذي عمل عند ذلك الغني على أجر سَمَّاه، وهو فَرَق من رز، قال الرسول ﵇: فلما قضى عمله عرض عليه فَرَقَه، فَرَغِب عنه، فَرَق يعني كيل، قال: ثم جاءه يعني بعد سنين، قال: يا عبد الله اتق الله، واعطني حقي، قال: انظر إلى تلك الأبقار والأغنام اذهب وخذها، قال: يا عبد الله اتق الله ولا تهزأ بي، إنما لي عندك فَرَق من أُرز، قال: اذهب وخذها فإنما تلك البقر من ذلك الفَرَق.
فيلزم البنك الإسلامي باعتباره البنك الإسلامي أن يتخلق بهذا الخُلُق.
(الهدى والنور / ٢/ ٣٤: ١٧: .. )
стр. 6387
الاستثمارات البنكية للودائع
مداخلة: طبعاً، في البداية يعني عمل بنك من اجتذاب الودائع للتصرف فيها استثمارها يعني, يجتذب البنك الودائع من العملاء بشكل حسابات كأيِّ بنك آخر، اجتذاب ودائع، وطبعاً يستثمر هذه الأموال، يعني: عندما نأتي لمجال الاستثمار للأموال هذه، يستثمر هذه الأموال في ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول: الذي هو تمويل المرابحة الذي أمر به الشرع.
الاتجاه الثاني: المشاركة المتناقصة.
الاتجاه الثالث: الذي هو المضاربة مفهومها في الإسلام، نفس المفهوم يعني باسم المضاربة.
طبعاً التركيز في عمليات البنك على تمويل المرابحة، وتمويل المرابحة بالتركيز يعين، العمليات الثانية تظل أخف كثير والمضاربة أقلها، من أجل نكون واضحين.
تمويل المرابحة الآمر بالشراء الذي هو: يقوم البنك أو العميل الذي يريد أن يستدين لغرض نفسه أو .. دعنا نعطي مثالاً عملياً يكون أوضح: مثلاً يُريد شخص أن يشتري عشرين طنًا حديد.
يأتي إلى البنك ويقول: أنا أُريد أن أشتري عشرين طنًا حديد من المحل الفلاني بموجب فاتورة العرض هذه، ثمنها مثلاً عشرة آلاف دينار، البنك يقوم بشراء هذه الكمية من الحديد.
ويُسَلِّمها على ظهر السيارة للآمر بالشراء، طبعاً مقابل كتابة كمبيالات بسعر أو بثمن أكثر من العشرين ألف دينار، الذي هو طبعاً إضافة نسبة ربح محددة من البداية اتفق عليها، تُسَدِّد الأقساط شهرياً حتى بالمدة التي اتفق عليها، والمدة تتحكم بسعر الربح .. نسبة الربح، يعني: مثلاً إذا سنة يكون مثلاً سبعة بالمائة .. إذا سنتين يصبح ثلاثة عشر .. وهَلُمَّ متوالية طبعاً.
стр. 6388
طبعاً يقوم التسديد الأقساط المبلغ زائد ربحه، هذا التمويل المرابح الذي أمر به الشرع.
الشيخ: طيب! الآن أنت تقول كما قيل لك: أمر به الشرع، أين نص الشرع بإباحة هذه المعاملة التي يسمونها اليوم بالمرابحة؟ هل أعطوكم الدليل على ذلك؟
مداخلة: طبعاً، هو «كتاب الأم للشافعي» يذكر فيها الحديث طبعاً، بعضهم سمعت أنه ضعفه ليس له سند قوي ..
الشيخ: لكن هذه الصورة التي عرضتها الآن يقول فيها الإمام الشافعي؟
مداخلة: أنا أحكي لك الناحية العملية، الذي يكون عندي.
الشيخ: لا، الناحية العملية شيء، والناحية الفقهية شيء آخر، الناحية العملية حكيت ما يقوم به البنك مع المتعاملين معه.
الآن هنا ليس البحث، البحث أنك أنت تسمي هذه المعاملة تبعاً طبعاً للموظفين الكبار والصغار هناك، أما تسميها مرابحة أمر أو أباحها الشرع على الأقل.
الآن دعنا نقف عند هذه الصورة، وننظر الشرع الذي آمنا فيه ومن ما جاء فيه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
الربا معلوم عند الجميع: هو أخذ زيادة مُقابل القرض، هذا هو الربا بحيث لو أخذ إنسان من البنك أو من شخص مائة دينار على أساس يُوَفِّي المائة بعد مدّة معينة مائة وخمسة، الخمسة هذه تكون ربا، أليس كذلك؟ هذا أمر متفق عليه.
الآن بعد ما نُرَكِّز في أذهاننا هذه الحقيقة المتفق عليها، ننتقل إلى شيء قد لا يتنبه له كثير من الناس هذا الشيء هو الذي يسمى عند بعض الفقهاء بالحِيَل الشرعية، أعندك فكرة عن هذا الاسم: الحيل الشرعية؟
مداخلة: لا، والله ما عندي.
стр. 6389
الشيخ: ما عندك فكرة، الحيل الشرعية: المقصود بها: الاحتيال على الحكم الشرعي، بحيث نخرج منه إلى حكم آخر.
يكون أمرًا محرمًا في الشرع، بالاحتيال على الصورة ينتقل الحكم من التحريم إلى التحليل، ولتوضيح المسألة هذه نأتي بمثلين اثنين:
أحدهما: معروف في ظني عند أكثر المسلمين، والذين نفرض أن فيهم شيء من الثقافة العامة بالشريعة الإسلامية.
أما المثل الثاني: فيختص به من كان عنده علم خاص بالسنة المحمدية.
المسألة الأولى: في لغة الشرع اسمه: نكاح التحليل، عندك فكرة عن نكاح التحليل؟
مداخلة: المستحل يعني: ولا مؤاخذة يقولون له: التيس المستعار يعني.
الشيخ: نعم، عندك فكرة.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب! هذا في بلادنا السورية يسموها «التجحيشة، تجحيش» وأظن صورة النكاح الذي هو نكاح التحليل واضحة في ذهنك، أو نشرحها؟
مداخلة: واضحة.
الشيخ: طيب! مقتنع بأنها محرمة؟
مداخلة: طبعاً يعني: مفروغ منها.
الشيخ: مفروغ منها.
مداخلة: الذي أعرفه أنا أنها محرمة.
الشيخ: جميل جداً، لماذا كان محرماً؟ هنا إذاً: بيت القصيد كما يقال، لماذا كان محرماً؟
стр. 6390
لأن الغاية من هذا النوع من النكاح هو استحلال ما حرم الله، ما الذي حرمه الله؟ قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] زوج طيب! ربنا بحكمته جعل الطلاق على ثلاث مراحل: طلقة أولى لا تبين منها الزوجة تصبح حرة، لا، تبقى في عصمته ما لم تنقض عِدَّتُها.
في أثناء هذه العِدّة يستطيع أن يُراجعها شاءت أم أبت، كذلك الطلقة الثانية.
أما الطلقة الثالثة، فمجرد ما تقع منه على الوجه المشروع، هنا يأتي قوله تعالى السابق: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
في الطلقة الأولى حَلَّت له أن يراجعها في العدة، في الطلقة الثانية حَلَّت له أن يراجعها في العدة، في الطلقة الثالثة خلاص لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
الآن المُحَلِّل ماذا يفعل؟ يتفق معه أن يتزوج هذه المرأة، ويبات عندها ويجامعها، على أساس أن يطلقها من أجل أن تحل لزوجها الأول.
هذا الزوج الثاني وضعه في تزوجه بهذه المرأة المطلقة ثلاثاً ليس كالزوج الأول، الزوج الأول ككل الأزواج حينما يتزوج الرجل المرأة على أمل ليعيش معها، ويقضي حياته في سعادة كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].
هذا الزوج الثاني لن يتزوجها؛ ليسكن إليها، وإنما لِيُحلِّها للزوج الأول.
الآن: إذا كان هذا هو نكاح التحليل والرسول ﵇ حرمه أشد التحريم؛ لأنه جعل له عقوبة أشد العقوبات وهي: اللعن، فقال ﵊: «لعن الله المُحَلِّل والمُحَلَّل له» وسمّى المُحَلِّل كما تعلم بالتيس المستعار.
لو نظرنا إلى الناحية العملية في نكاح التحليل، لوجدناه في الصورة كالنكاح الأول نكاح الزوجة الأول، لماذا .. على أيّ أساس قام هذا النكاح الأول؟
أولاً: خطبة الزوج موافقة الزوجة .. موافقة الولي .. وشهود اثنين .. والعقد، نكاح التحليل تَوَفَّرت هذه الشروط لكن النية اختلفت.
стр. 6391
الآن هذه المعاملة التي كنا في صدد الابتداء بالبحث فيها، وهي المسماة: بالمرابحة، هي تماماً كنكاح التحليل، لماذا؟
لأنه بيع وشراء، وكل الشروط متوفرة في هذا البيع، لكن ما هو المقصود من وراء هذا النوع من البيع؟ هو استحلال الربا.
هنا إذاً: قد ندخل في شيء، قد نكون بعيدين بعضُنا عن بعض، لكننا سنقترب إن شاء الله.
أين الصورة هذه أنه استحلال الربا؟
الآن: لو تركنا شخصية البنك إلى شخص عادي، جاء رجل إليه وقال له: أنا أُريد أشتري طناً من الحديد، وثمنه مثلاً ألف، وأنا أرجوا أن تُقرضني ألفاً إلى شهر مثلاً، وسأعطيك مقابل الألف مائة مثلاً، يقول له: لا، هذه المائة ربا حرام لا يجوز، بارك الله.
إذاً: كيف الطريق؟ اذهب أنت خذ الطن من الحديد، وما عليك، ولكن تدفع لي مقابل الألف ألف ومائة، ما هو الفرق بين الصورتين؟
مثل الفرق بين نكاح الحلال ونكاح التحليل، الشروط متوفرة، لكن هنا: الغني الذي تظاهر بأنه ناس ملاح وصلاح وصرح على المكشوف، أن هذا المائة لا أقبلها، إذًا سأُعطيك ألف إلى يدك، ولا أقبل أن آخذهم ألف ومائة؛ لأن هذه المائة ربا.
ما الفرق بين هذه الصورة، والصورة التي هي هو دخل وسيط بينه وبين التاجر وقال له: اذهب أنت خذ الطن من الحديد، وادفع لي بدل الألف ألف ومائة، ما هناك فرق سوى الشكل اختلف.
والذي يؤكد لك الآن ما ذكرته أنت آنفاً: أنه إذا كان لشهر ستكون نسبة الربح كذا وإذا شهرين أكثر، وإذا لسنة أكثر وهكذا، كلما تأخر الوفاء كلما تضاعف الربح.
стр. 6392
ما الفرق بين المرابي الذي في مثالنا الأول، امتنع رجل صالح لا يأخذ ربا، لكن الذين يأكلون ربا على صراحة نفس هذه المعاملة، إذا استقرضت منه ألف لشهر يأخذ منك مثلاً ربح بالمائة اثنين أو ثلاثة إلى آخره، لكل سنة الربح.
نحن نسأل الآن: البنك الإسلامي لماذا يضاعف الربح كلما تأخر في الوفاء، أليست هذه المعاملة هي نفس المعاملة الربوية الصريحة.
لكن كل ما في الأمر هنا: أنه دخل صورة بيع، لو ذهب واحد منا إلى البنك وقال له: أعطني ألف دينار قرضًا حسنًا أريد أن أشتري طن حديد، لن يعطيه.
مداخلة: سيعطيه لكن محدود.
الشيخ: لا، لا، ما لنا في محدود، نريد المعاملات التي تجري بما يسمونه المرابحة، لو أتى وقال له: أعطنا بدل أن تُدخل وسيطًا بيني وبين التاجر، أعطيني أنا هذه الألف واستلم الحديد أو أيّ بضاعة، سيقول له: لا، أنا أُريد أن أَربح.
فحينئذٍ يقول له: تُريد أن تربح اشتغل بالتجارة، ليس أن تعمل بتغيير صورة الربا كما فعل المُحَلِّل لما حرم الله من النكاح، أنا قلت: أنه سأذكر مثالين أحدهما معروف وصدق ظني.
المثال الثاني: سَيُقَرِّب لك الموضوع أكثر وهو: هناك حديث في الصحيح، يقول الرسول ﷺ : «لعن الله اليهود حُرمت عليهم الشحوم فجملوها ثم باعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حَرَّم أكل شيء حرم ثمنه» ما معنى الحديث؟ الحديث أولاً: يشير إلى نص في القرآن الكريم، وهو قوله : ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] حرم الله على اليهود طيبات كانت أُحلت لهم، ما هي هذه الطيبات التي حُرِّمت عليهم؛ بسبب ظلمهم؟ الشحوم.
فالله عندما أباح لهم الذبائح، وكانوا يأكلونها شحماً ولحماً، فبظلهم ربنا عاقبهم، وحرّم عليهم الشحم وأبقى لهم اللحم الأحمر على الأصل.
стр. 6393
اليهود ما صبروا على هذا الحكم الجديد، ماذا فعلوا؟ احتالوا، أخذوا الشحم ووضعوه في القدور، وأوقدوا النار من تحتها فأخذ شكلاً جديداً، أما هو طعمه ودهنه وكيماويته لا تزال كما هي على خلق الله .
كل ما في الأمر أنه تَغَيَّر الشكل، فبسبب تغيير هذا الشكل استحلوا بيعه وأكل ثمنه، ورسولنا ﵇ قال: «وإن الله إذا حرّم أكل شيء حرَّم ثمنه».
لذلك فالإسلام من عظمته في تشريعه أنه لا ينظر إلى الشكل، وإنما ينظر إلى المضمون.
فإذا كان الله حَرَّم الربا؛ لأن فيه استغلال حاجة المحتاج، فسواء كان هذا الاستغلال مباشرةً بواسطة القرض والوفاء، أو بواسطة إدخال صورة بيع.
وأقول: صورة بيع؛ لأن الحقيقة ما هي صورة بيع؛ لأن البنك ليس تاجر، وسأرجع الآن إلى مسألة أخرى لها صلة وُثْقَى بما نحن في صدده الآن:
لنعلم أن البنك الإسلامي في كل بلاد الدنيا اليوم ماذا فعلوا؟ حلوا محل التاجر أو محل الشركة.
الشركة تبيع بثمنين: كاش وتقسيط، هذا البيع يجب أن نفهمه، هل هو مشروع أم ليس بمشروع؟
فإذا تَبَيّن لنا بالنظر إلى النصوص الشرعية أن هذا البيع بيع التقسيط مقابل الزيادة غير مشروع، فنعرف أن عمل البنك هذا غير مشروع من باب أولى.
إذا أراد رجل أن يشتري مثلاً سيارة، سيذهب إلى الشركة سيفاصل ويساوم على ثمنها، سيسمع سعرين: سعر الكاش مثلاً عشرة آلاف، وبالتقسيط بإحدى عشر ألف أو نحو ذلك.
فماذا جاء عن الرسول ﵇ في هذا النوع من البيع؟ جاء هناك حديثان، بل أكثر من حديثين، أحدهما: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة» وفي لفظ: «عن صفقتين في صفقة» قيل
стр. 6394
لراوي الحديث وهو سماك بن حرب: «ما بيعتين في بيعة؟ قال: أن تقول: أنا أبيعك هذا بكذا نقداً وبكذا وكذا نسيئة».
هذا الوصف تماماً ينطبق اليوم على ما يسمى ببيع التقسيط: كاش بعشرة آلاف .. بالتقسيط إحدى عشر ألف وقد تزيد وقد تنقص على حسب المدة.
هذا نهى عنه الرسول ﵇ في هذا الحديث الأول، «نهى عن بيعتين في بيعة» قال الراوي: أن تقول: أبيعك هذه البضاعة نقدًا بكذا وبكذا وكذا نسيئة.
الحديث الثاني: قال ﵇: «من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما أو الربا» هذا الحديث يعطينا فائدة لا نأخذها من الحديث الأول، بل يعطينا فائدتين: لأن الحديث الأول حيث أن فيه التصريح بالنهي عن بيعتين في بيعة، والنهي في المعاملات الأصل أنه يفيد الفساد والإبطال.
فلو وقفنا عند هذا النهي في الحديث الأول لقلنا: إن هذا البيع بالسعرين ولو انتهى إلى سعر واحد، فهو بيع باطل؛ لأن الرسول نهى عنه.
لكن الحديث الثاني سَيُعطي لنا فائدتين:
الفائدة الأولى: أن هذا البيع ليس باطلاً، إنما هو نافذ وواقع.
الفائدة الثانية: هي أن هذه الزيادة ربا، فإذا أراد البائع التاجر أن يكون بيعه مشروعاً، فإذا باع بالتقسيط فعليه أن لا يأخذ الزيادة؛ لأن هذه الزيادة ربا.
بعض العلماء يقولون اليوم: -تبعاً لبعض من سلف في تفسير الحديث الأول: «نهى عن بيعتين في بيعة» - النهي هنا هو لجهالة الثمن لماذا؟ لأنه عرض ثمنين: ثمن النقد، وثمن التقسيط، هكذا تصوروا بعضهم.
نحن بالنسبة لبعض المتقدمين سنجد لهم عذرًا، لكن التعامل الواقع اليوم لا يمكن أن نتصور لهم عذراً إطلاقاً، لماذا؟ لأنه سابقاً لا يوجد شيكات .. لا يوجد أصولات .. لا يوجد أيّ شيء سوى كلام، كما كان تماماً الزواج سابقاً، لم يكن يؤخذ
стр. 6395
الزواج في المحاكم الشرعية، ولا يُكْتب صك في ذلك، وإنما مجرد شهود ورضا الولي والخاطب والمخطوبة وهكذا.
أما سابقاً كان البيع كالنكاح تماماً، بكم هذه البضاعة؟ ... يقول له: بعشرة نقداً وبإحدى عشر بالتقسيط، نعم عرض ثمنين، يا تُرى على أيُّ الثمنين انفصل البيع وانعقد البيع، مع أنه حتى في الزمن السابق، ما هي غامضة فيها وضوح؛ لأنه من حيث الواقع إن دفع الشاري العشرة في المثال فما هناك إشكال، طاحت ثمن الثاني، وإن لم يدفع وأخذ البضاعات بقي في ذمته الثمن الأكثر إحدى عشر.
لكن اليوم الأمر أوضح، سيكتب الشيكات والأصوليات والعقود وإلى آخره، أين جهالة الثمن في هذه المعاملة؟
استنباطاً من الوقوف عند الحديث الأول، الجهالة غير واردة إطلاقاً، لكن نأتي للحديث الثاني كما يقال اليوم: يضع النقاط على الحروف، ويُبَيِّن أن سبب النهي هو أنه في ربا ليس جهالة في الثمن، فقال ﵊: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما - أي: أنقصهما - ثمناً أو ربا».
فالآن التاجر المسلم إذا أراد أن ينجوا من الربا، ولا يجوز له أن يزيد في ثمن التقسيط على ثمن النقد، يجب أن يجعل الثمن واحداً؛ لأنه إذا فَرَّق بين الثمنين وأخذ الزيادة مقابل التقسيط، اعتبره ربا صراحةً في الحديث الثاني، وحينئذٍ سيرجع الموضوع إلى ما قلناه سابقاً: ما الفرق بين المرابي صراحةً، هذه مائة بعد شهر تعطيني مائة وخمسة، وبين هذه البضاعة التي تريد أذهب اشتريها، لكن أُريد أن تدفع لي مائة وخمسة وهي ثمنها مائة.
إذاً: هذه الخمسة أُخِذَت مُقابل الصبر في الوفاء.
مداخلة: للأجل، للأجل نصيب.
الشيخ: نعم، لكن الفرق شكلي، في الصورة الربوية المكشوفة واضحة في الصورة الخفية دخل هنا معاملة البيع والشراء.
стр. 6396
لكن هذه المعاملة ليست مقصودة بالذات، إنما المقصود بها الوصول إلى استحلال ما حَرَّم الله، بدليل أن هذا لا تسميه مرابي مرابح، إذا قلنا له: يا أخي! أعطنا، نحن سنذهب ونشتري ونُسَلّم لا يرضى أن يعطينا، لماذا؟ يريد أن يربح معي، طريقة الربح أنك تأخذ مقابل قرضك لي، تأخذ الفائدة التي يُسمونها فائدة وهي ربا، مقابل قرضك لي، تأخذ الربا هذا حرام، لكن أنت تتستر وراء ماذا؟ البيع وأنت لست بائعاً؛ لأنك ستتصل مع الشركة، وتدفع لها ثمن النقد وبدل ما الشركة الآن تأخذ فرق التقسيط من سيأخذ الفرق؟ البنك.
هذه الصورة لشرح العملية التي يسمونها بالمُرابحة.
المرابحة: أنا اشتريت هذا الجهاز بمائة سَتُربحني ستعطيني خمسة هذه مرابحة.
أما المرابحة وراء الاحتيال على أكل الربا باسم بيع وشراء، بيع وشراء هذا يكون مع شركة ليس مع البنك، والبنك عندما يريد أن يعمل بايع يفتح محلات.
فعلاً: الآن كما نسمع في الكويت هناك بنوك أصبحت تبيع السيارات، لكن لم يَخْلُصوا من المشكلة؛ لأنهم لا يزالون يبيعون بسعرين، لكن خَلَصُوا من الصورة التي نحن نحكيها الآن، أن البنوك الإسلامية إلا القليل منها، أنهم يسمونها مرابحة، وهذه مراباة وليست مرابحة.
وأنت تذكر إن شاء الله قول الرسول ﵇: «ليكونن في أمتي أقوام يشربون الخمرة، يسمونها بغير اسمها».
ومن مداخل الشيطان على عدوه الإنسان واحتياله عليه: أنه يخرج له بأسماء يطلقها على مسميات مخالفة للشريعة، لكن هو يُحَسِّن الألفاظ؛ فيغتر بعض الناس، فيسمون هذه الأشياء المحرمة بغير اسمها، وهذا في العصر الحاضر له أمثلة كثيرة وكثيرة جداً.
لا شك أنك سمعت يوماً ما أن بعض الناس يُسَمّوا الخمور بالمشروبات الروحية، سمعت هذا أو لا؟
стр. 6397
مداخلة: نعم.
الشيخ: هذا من هذا الباب تماماً يسمونها بغير اسمها.
كما أُريد أن أتدرج معك إلى شيء أدق قليلاً: هناك أناشيد يسمونها بالأناشيد الإسلامية.
فالآن طابع العصر الحاضر، عندما أصبح ما يُسَمَّى اليوم بالصحوة، أصبح الناس الذين يُريدون أن يلعبوا على البشر، يستغلون هذه الصحوة اسماً أما معاملة لا.
فهذه الأناشيد الإسلامية، يوجد منها كلمات لو نطق بها الإنسان نطقاً، واستحل هذا وعرف ما في ذلك لكفر؛ لأنه فيها شرك وفيها ضلال.
يمكن أنك سمعت مثلاً من الأناشيد التي كانوا يتغنون بها قديماً في مدح الرسول ﵇، قول البُوصيري:
فإن من جودك الدنيا وضَرّتها ومن علومك علم اللوح والقلم
سمعت من الأبيات في زمانك؟
مداخلة: لا ما سمعت.
الشيخ: الحمد لله، لكن هذه أبيات يتبرك الناس بها إلى اليوم، لكن هذا شعر قديم، الآن هناك أشعار جديدة تتضمن معانٍ جديدة، في بعضها أيضاً، مع أنها مخالفة للشريعة الإسلامية.
فالشيطان يُزَيِّن للناس أن هذه أناشيد إسلامية بدل الأغاني الماجنة المُحَرّمة، وتجدها على نفس الأوزان وعلى نفس القافية، لكن هذه أناشيد إسلامية وتلك أغاني محرمة.
مداخلة: هذه بلا موسيقى وتلك بموسيقى!
الشيخ: نعم، لكن انظر تدرج أيضاً الشيطان بهم، وتدخل الدف أخيراً في الأناشيد التي يُسَمّونها الأناشيد الإسلامية دخلوا فيها الدف.
стр. 6398
وهنا في الإذاعة رأينا في بعض الجلسات التلفزيونية رجل مع الأسف من سوريا .. يمسك الدَرْبَكّة ويجلس ويغني، وهذا حرام باتفاق علماء المسلمين، فكيف دخلت الآلة الماجنة فيما يسمى بالأناشيد الإسلامية، الشيطان من مَكْرِه ببني الإنسان لا يفاجئه بأشياء محرمة لأنه ينفر منها.
هذا المثال مائة ندفع مائة وخمسة، لا هذا ربا، لكن اذهب وخذ الحاجة ونفس النتيجة واحدة.
هذه الصورة كل دروبها تبعها كما يقال، فإذا تذكرنا إذا نكاح التحليل، وتذكرنا قول الرسول في لعن اليهود حينما حُرِّمت عليهم الشحوم جملوها، أي: أذابوها وباعوها وأكلوا أثمانها، ثم ضممنا إلى ذلك ما هو منصوص في القرآن الكريم من استحلالهم الصيد يوم السبت، لكن ليس بطريقة الصيد، تعرف هذه طبعاً لأنها مذكورة في القرآن؟ فمع ذلك لُعِنوا.
صحيح الصورة اختلفت ما اصطادوا يوم السبت لكن سدوا الخلجان على الأسماك التي اعتادت على أنه ليس هناك شيء يزعجها ويُعَرِّضها للخطر، هو حيوان لكن عنده فهم يتناسب مع حيوانيته فلعنوا.
كثير من المسلمين اليوم يقعون فيما وقع فيه اليهود من قبل، وهذا مصداق قوله ﵊: «لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: اليهود والنصارى يا رسول الله؟ قال: فمن الناس! » بيع التقسيط هذا المنظم اليوم، أظن كل واحد منا وخاصة الذي يعمل بالبنك يعرف أن هذه بضاعة أجنبية، أليست كذلك؟
مداخلة: ليس شرطاً هي محلية، يعني: الأفكار مستوردة.
الشيخ: هو هذا، فهذه بضاعة أجنبية بلا شك، نحن في هذا العصر عندما تربينا بسبب استعمار بعض الكفار لبعض البلاد الإسلامية، مفاهيمنا اختلف وتأثرنا بأذواقهم وعاداتهم، انظر النتيجة الآن!
стр. 6399
التاجر في الزمن الأول كان يستطيع أن يكون أعبد من الذي يقوم الليل ويصوم النهار، وهو يبيع ويشتري ويكسب المال.
في الحديث الصحيح أن النبي ﵊ قال: «إن الرجل ليُدْرك بحسن خلقه درجة، قائم الليل صائم النهار».
الآن مثال بسيط جداً: تاجرين في بضاعة واحدة، أحدهما يبيع بالتقسيط بسعر النقد، الذي يبيع به جاره، جاره بسعر النقد واحد، لكن التقسيط بيزيد عليه أيُّ الرجلين أحسن خلقاً؟
مداخلة: الذي يبيع أرخص.
الشيخ: نعم، لكن انظر الآن التوضيح في السنة: جاء في بعض الأحاديث الصحيحة «أن قرض درهمين كصدقة بدرهم» يعني: لو أنت أقرضت درهمين كأنك خرجت عن درهم صدقة لوجه الله ﵎.
ضاعف الآن الرقم: أنت أقرضت مائدة دينار لوجه الله، كأنك تصدقت بخمسين دينارًا، أقرضت مائتين كأن لك مائة وهكذا.
انظر التجار الآن! لو أنهم يبيعون بسعر الواحد، لا يزيدون في بيع التقسيط، كم وكم من صدقات تتوفر لديهم كل يوم.
ومن عجب! أن هذا التاجر الذي يربح الصدقات ليلاً نهاراً بسبب اتباعه للحكم الشرعي، هذا أيضاً يربح أكثر من الناحية المادية، توافقني بهذا الرأي أو لا؟ ليس بعد، بعد قليل ستوافقني: الآن التاجرين هاذين الذي ضربت لك مثالاً، أيُّ تاجر من هؤلاء الاثنين سيكون زبائنه أكثر؟
مداخلة: أكيد الأرخص.
الشيخ: فأيُّهما يكون ربحه أكثر؟
مداخلة: هنا علة من الناحية المادية، يعني: إذا بقى يبيع بالأقساط إلى ما لا نهاية، عندما يكون عنده إمكانية يظل يزود كل الناس بالدين.
стр. 6400
الشيخ: كيف كل الناس بالدين، هو لا يريد أن يربح؟
مداخلة: يربح.
الشيخ: طيب! هذا الربح يموت أو يحيا؟
مداخلة: لا يموت لكن يكون عنده إمكانيات كبيرة من أجل يظل ..
الشيخ: على قدر الإمكان.
مداخلة: هذه.
الشيخ: على قدر الإمكان، الآن الرجل يبدأ يشتغل بالتجارة عمره مثلاً عشرين سنة .. خمسة عشر .. خمسة وعشرين على حسب، صح أو لا؟
طيب! أنت تلاحظ جانبًا، وهذه ملاحظة في محلها، لكن لا تُلاحظ الجانب الثاني: أن هذا الذي يبيع بسعر واحد سيكثر زبائنه، وسيكثر ربحه مع المدى البعيد.
كل ما في الأمر أن القضية تحتاج إلى صبر وأناة ورفع الجشع والطمع من النفس الأَمَّارة بالسوء، ثم هل الجواب الذي ذكرته هو جواب إسلامي؟ نحن نبحث بحثًا إسلاميًا.
مداخلة: لا، نحن عندما نبحث نبحث ناحية مادية.
الشيخ: الناحية المادية، يعني: المرابي ربا مكشوف، هذا يربح أكثر أو الذي يلف ويدور؟ من الناحية المادية اتركنا من الناحية الشرعية؟ !
مداخلة: الاثنين واحد.
الشيخ: لا، كيف اثنين واحد؟
مداخلة: هذا يربح بالطريقة هذه, وذاك ...
الشيخ: لا، ليس بنسبة واحدة، الذي يُعْطِي المال يدفع مائة يأخذ مائة وخمسة، ولا يدخل في مرابحات وفي تجارات وما شابه ذلك، البنوك الأوربية على أي أساس
стр. 6401
قامت؟ أليس على أساس الربا المحرم المكشوف؟ وهي أغنى من كل البنوك الأخرى بلا شك، لكن أنا لا أُريد من هنا إلا أن أُوصِّلك نقطة وهي: هنا شيء نحن عندنا في الإسلام، اسمه البركة، تشترك معنا طبعاً في الإيمان بهذا الشيء؟
مداخلة: طبعاً نعم.
الشيخ: طيب! هناك حديث يقول: «عاقبة الربا إلى قِلّة» هل هذا الكلام سمعته يوماً ما، وإذا كنت سمعته فَكَّرت فيه ووجدته معقولاً جداً: «عاقبة الربا إلى قلة».
مداخلة: إيمانيات هذا من رب العالمين، معروف أن مال المرابي سحت يا لطيف يذهب ماله، ... الحلال والحرام.
الشيخ: جيد.
إذاً: أنت عندما تأتي تقول جواباً عن سؤالي السابق: إن هذين التاجرين أيهما يكون زبائنه أكثر وربحه أكثر، قلت: لا شك أن التاجر الأول الذي يبيع بيع التقسيط بنفس سعر النقد أكثر، لكن هذا ليس معه سيوله مثل ذاك، لكن تلك السيولة نسيت أنت أنها أتت من ربا، وأن عاقبتها إلى قل، وأن هذه السيولة الأخرى التي هي قليلة في نظرك ابتداءً، هذه سيضع الله فيها البركة، وهذه البركة لا يمكن الإنسان البشر المخلوق أنه يعرف كيف
تكون، ولكن ممكن أن بعض الناس يضربون بعض الأمثلة ويحكونها كواقع، وأنت الآن يكفينا أنك ذكرت أن بعض المرابين كانت نهايتهم إلى فقر، مصداقاً للحديث السابق: «عاقبة الربا إلى قل».
لكن نحن نعرف أن مما نشاهده اليوم: المال الذي يُكْسِب من طريق الحرام يذهب بنفس طريق الحرام.
خذ يعني: ماذا أقول؟ أفسد وسيلة وأكثر انتشاراً وأضر في الصحة، والمال هو الدخان، صحيح؟
مداخلة: نعم.
стр. 6402
الشيخ: طيب! هذا الدخان أليس من الطرق التي تُذهب البركة من المال؟ لأنه يضر نفسه وصحته ..
مداخلة: بدون أي فائدة.
الشيخ: بدون أيّ فائدة، هذا مثال مما يقع اليوم ونشاهده، غير شرب الخمر وغير ملاحقة الموضات، وكل يوم لباس شكل وإلى آخره.
كل هذه الطُرُق هي التي تُحَقّق أن عاقبة الربا إلى قل، والعكس بالعكس تماماً، عندما المسلم يتقي الله في مكسبه، فيكون درهمه يساوي مئات الدراهم الربوية.
مشكلة المسلمين اليوم: هو أنهم يتعاملون في معاملاتهم المادية معاملة الكفار تماماً؛ ولذلك ارتفعت الرحمة من قلوب التّجار إلا ما قل وندر، فأصبحوا كالأوروبيين من حيث تعلقهم بالمادة.
والتفريق بين السببين .. بين البيعتين هو أثر من آثار هذه الجشع، وإلا كان يكفي التاجر المسلم أن يربح الربح القليل، حتى مقابله يكثر الزبائن.
وختاماً: يطرح ربنا على ماله البركة، لكن هذا الإيمان نحن أصبحنا الآن أبعد ما نكون عنه كالأوروبيين الكفار تماماً، لذلك المسلمون اليوم بحاجة إلى إيقاظ الإيمان في قلوبهم.
وختاماً أقول مذكراً بالآية السابقة، وضرباً لبعض الأمثلة مما يتعلق في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣] الآن قبل ما آتي ببعض الأمثلة من السنة، ختام هذه الآية: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] هل يؤمن أصحاب البنوك بختام هذه الآية؟
مداخلة: لا.
الشيخ: ما هو السبب؟ لأن تعاملهم مادي أوروبي، فهم يشتركون مع الأوربيين في عدم إيمانهم بهذه الآية.
стр. 6403
هم يؤمنون بها لأنهم مسلمين، وإذا أنكروها كفروا، لكن لا يؤمنون بها عملياً، انظر كيف! وسؤالي كان طبعاً من ناحية عملية.
الذين الآن يتعاملون بمثل هذه المعاملات في البنوك ولو سُمِّيت بالبنوك الإسلامية.
قد يكون هناك معاملات أخرى، وكان المفروض أنه يتسع الوقت لنسمع، لعلنا نرى معاملة تكون مشروعة مثلاً.
لكن الذين يتعاملون بمثل هذه المعاملة الربوية التي ذكرنا فيها حديثين اثنين وعَلَّقنا بما شرح الله صدرنا له.
هؤلاء عملياً لا يؤمنون بهذه الآية، وإن كانوا يزينون الجُدُر بها، لافتات مكتوب عليها: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣].
مثال واحد، حتى تدركوا الصلاة في المسجد: جاء في الحديث الصحيح: «أن رجلاً فيمن كان قبلنا بينما هو يمشي في فلاة من الأرض، إذ سمع صوتاً من السماء يقول للسحاب: اسق أرض فلان» طبعاً هذا أمر خارق للعادة يسمع صوتًا من السماء .. صوت كصوت البشر: اسق يا سحاب أرض فلان بن فلان، فمشى الرجل مع السحاب، حتى وجد السحاب يُفْرِغ مشحونه من المطر على حديقة .. أطَلَّ عليها وجد فيها رجلاً يعمل فيها .. سَلَّم عليه فرد ﵇، لكن وجده رجلاً غريباً فسأله عن حاله، فذكر له أنه سمع صوتاً من السحاب يقول: اسق أرض فلان فسرت مع السحاب حتى وصلت إليك، فعرفت أنت المقصود فبم ذاك؟
هنا الشاهد: قال الرجل وهذا شأن الصالحين، قال: والله أنا لا أدري، لكن عندي هذه الأرض فأزرعها وأخدمها وأحصدها، فأجعل حصيدها ثلاثة أثلاث: ثلث أُعيده إلى الأرض، وثلث أتَمَوّل به لنفسي وأهلي، والثلث الثالث: أتصدق به على الفقراء والمساكين.
стр. 6404
قال: هذا هو الذي استحققت به هذه العناية الإلهية.
الآن: أذهان التجار بصورة خاصة خالية تماماً عن مثل هذا التسخير الإلهي للكون؛ ليخدم المتقي لربه ﵎؛ لهذا أنا أنصح كل مسلم، أن أولاً: يتفقه في الشريعة.
وإذا أراد أن يتاجر أن يكون فقيهاً في البيع والشراء؛ لأن هذا الفقه في هذا النوع فرض عين؛ لأن طلب العلم بصورة عامة فرض كفاية، لكن بعض العلوم تُصبح فروضًا عينية.
رجل مثلاً فقير ليس عنده مال، لا يجب عليه أن يعرف أحكام الزكاة، لكن إذا صار غنياً وجب عليه أن يعرف أحكام الزكاة.
فقير لا يجب عليه الحج، لكن إذا وجب عليه الحج صار فرض عين، أن يتعلم كيف يحج وهكذا.
كذلك الرجل حينما يريد أن يتاجر، عليه أن يتعلم الأحكام المتعلقة بالبيع والشراء؛ خشية أن يقع في بيع مما حرم الله .
والبنوك الإسلامية قامت أول ما قامت كالبنوك الأخرى، ثم عندما بدأت الناس تطالب ببعض الأحكام وتطبيقها، أصبح المشهورين المدراء في البنوك يحاولوا يستنبطوا أو يستفتوا عن بعض المسائل فيجدون - وأنا لا أكتمك - من يفتيهم بآراء الرجال، وليس بقال الله وقال رسول الله ﷺ .
وهنا يكمن الخطأ، أي: أنت تعرف مثلاً أن في كثير من المسائل الشرعية فيها خلاف بين الفقهاء، مثلاً في الصلاة: يصلي إنسان صلاة مذهب يقول: صحت هذه الصلاة ومذهب يقول: ما صحت، - يوجد عندك طبعاً كما يقال: خلفية بهذه المعاني -.
وشخص توضأ، شخص يقول: لا، وضوؤه لم يصح، والثاني يقول: صح، وهكذا، كذلك يوجد في المعاملات مثل هذا الاختلاف.
стр. 6405
وأنا كنت اتصلت مع أحد مؤسسي البنك الإسلامي هنا، وجرى نقاش بيني وبينه طويل، فعرفت أنه يلتقط الرخص، يأخذ وين في قول يُمَشِّي المعاملات الربوية هو يتبناها؛ لأنه هناك منطق منحرف عن الشرع.
يقول: من قلد عالماً لقي الله سالماً، بينما المفروض في المسلم أن يتبع كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ .
طبعاً، نحن لا نُريد من كل مسلم أن يكون عالماً بالكتاب والسنة، لكننا نُريد من كل مسلم أن يسأل ويعرف حكم الله وحكم رسول الله، في أي مسألة يريد أن يتعبد لله ﵎ بها.
البنوك عندما قامت لم تقم على الفقه الإسلامي إطلاقاً، لكن عندما تَوَجَّهت الإلحاحات والطلبات عليهم أصبحوا يسألوا، فيأخذون بعض الأجوبة من بعض الآراء التي فيها توسعة مخالفةٌ للشريعة؛ لأن هذه الآراء لم تَقُم على الفقه المستقى من الكتاب والسنة، وإنما قامت على تسليك مصالح الناس، وهذا ما سمعته من كثيرٍ اجتمعنا بهم.
ولعلنا إن شاء الله في لقاء آخر نسمع بعض المعاملات الأخرى؛ لننظر فيها بمنظار الشرع أيضاً، ونتبين هل هي مما يساعد المسلمين على تحسين معاملتهم بالبنوك أو مفاصلتهم.
وبهذا القدر كفاية، والحمد لله رب العالمين.
(الهدى والنور /٣٣٥/ ٥٦: ٠١: ٠٠)
(الهدى والنور /٣٣٥/ ٥١: ٥٥: ٠٠)
حكم التبرع من خلال البنوك
مداخلة: بالنسبة للتبرعات، السفارة المصرية فتحت حسابات في البنك على أساس التبرعات، فما الواجب نحو إخواننا المصريين ... ؟
стр. 6406
الشيخ: الواجب هو بلا شك إغاثة الملهوف، لكن ليس بطريق الحرام، ألا وهو البنوك، لعلك فهمتني؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب! عندك شيء غيره.
مداخلة: يعني لا نتبرع يعني نوفر للأسر ..
الشيخ: نعم؟
مداخلة: الواجب نحونا نحن نُوَفِّر هذه المبالغ .. يعني: الذي يريد أن يتبرع نوفر للأسر المتضررة.
الشيخ: نعم.
مداخلة: يعني: لا يتبرع شيء في البنك أو هكذا.
الشيخ: نعم.
(الهدى والنور /٣٣٩/ ٠٢: ٥٨: ٠٠)
حكم الاستعانة بالبنك الربوي لنقل جثة المسلم في أوروبا إلى بلد مسلم
السائل: عندنا يا شيخ بالنسبة للأموات في أوروبا؛ لأننا سنسافر بعد بكرة سنرجع إن شاء الله، ونُريد أن نغتنم هذه الفرصة، الميت إذا مات المسلم في هولندا يعني: على وجه الخصوص وفي أوروبا على وجه العموم قد يُقْبَر في مقابر خاصة بالمسلمين، ولكن لِمُدَّة مؤقتة محددة، ثم تُنْبَش هذه القبور، يقول بعض إخواننا وكما هو معلوم، لا يجوز نقل الجثة من بلد إلى بلد، فإذا دُفِن المسلم في المقابر المخصصة لهم في هولندا، فإن ذلك يحتاج إلى تكاليف بمقدار عشرة آلاف خلة، يعني ما يعادل تقريباً أربعة آلاف دينار أردني.
стр. 6407
الشيخ: دفنه؟
السائل: دفنه.
الشيخ: دفنه أم نقله؟ نقله بعد أن يموت هولندا.
السائل: لا، قبل ما يُدفن هو بين أمرين: إما أن يُدْفن في هولندا ويشتري أرضًا لمدة مؤقتة، وإما أن يُنْقل، ولكن هو لا يستطيع لكونه إما عاطل عن العمل أو يعمل، لكن راتبه لا يساعده على ذلك، فهناك بنوك طبعاً ربوية يدفع مثلاً قسطًا من المال كل سنة وهم يتكفلون بنقله وبنقل كل أفراد عائلته فهل من مخرج من هذه القضية؟
الشيخ: المخرج موجود وهو الهرب من بلاد الكفر، حتى إذا مات مات في بلد إسلامية ودفن هناك.
ولا يجوز الاعتذار عن دفن الموتى في قبور يعلم المسلمون بأن مصير هذا الدفن هو النبش ولابد، فهذا ليس عذراً بأنه يُكَلِّفهم أن يُسَفِّروه ميتاً من بلد الكفر إلى أقرب بلد إسلامي يُدفن فيه، ليس هذا عذراً.
ولذلك كما نقول، وقريباً قلنا المثل العامي السوري: الذي يريد أن لا يرى منامات مُكْرِبة فلا ينام بين القبور، والكفار هم أموات غير أحياء.
ولذلك فلا يجوز أن يعيش المسلم بين ظهرانيهم، كما أظن تكلمنا بشيء من التفصيل في دار أبي الحارث.
ولذلك فلا مخرج هنا إلا أحد سبيلين، الأول وهو الواجب: أن يَفِرُّوا إلى الله بهجرتهم من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، إلا إذا استطاعوا أن يُطَبِّقوا على الأقل الأحكام الإسلامية التي هم باستطاعتهم أن يطبقوها في الديار الإسلامية على عُجَرِها وبُجَرها.
فإذا كانوا يستطيعون في تلك البلاد أن يُطَبِّقوا الأحكام الإسلامية مع الشرط الذي كنت ذكرته لك في دار أبي الحارث، إذا كان يوجد في ذلك البلد الكافر جماعة
стр. 6408
من أهل العلم والفضل، بإمكانهم أن يُحِيطوا بعلمهم وبتربيتهم الطائفة الإسلامية المقيمة في ذلك البلد.
فبهذا الشرط الأخير والذي قبله، يجوز أن يستمروا في إقامتهم في بلاد الكفر، ووضح لك أنه يدخل في الشرط الأول أن يكون لهم مقابر متميزة عن مقابر الكفار، وإذا كانت متميزة كما تقول أنت على طريقة الاستئجار، ولكن إلى أمد محدود، هذا لازمه كما قلت التنبيش، أو أن يهدر قبر الميت ويذهب بدداً.
فإذا تحققت هذه الشروط كلها، جاز للمسلمين الذي ابتلوا بالسفر إلى تلك البلاد أن يظلوا مقيمين فيها، وإلا الهرب الهرب، واضح الجواب؟
السائل: جاء في السنة الإسراع بدفن الميت، فهناك إذا مات الميت، ونُريد أن ننقله إلى بلده، مثلاً المغرب أو الجزائر، لابد أن يبقى عندهم في الثلاجة أربعة أيام خمسة أيام نظراً لإجراء السفر وكذا وكذا إلى غير ذلك، فهل هذا ينافي .. ؟
الشيخ: كل هذه أمور هي آثار من الإقامة في بلد الكفر.
ولذلك نحن نشترط أن يكون هناك مقبرة إسلامية، وإلا فلا يجوز الاستيطان بها ولو تحقق الشرط الذي أشرنا إليه آنفاً.
ولقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ مرّ بمقابر المسلمين فقال ﵊ ما معناه لأني بعيد عهد بهذا الحديث: لقد لقي إخواننا هذا خيراً كثيراً، ثم مر بمقابر المشركين فقال في حقهم: «لقد فاتهم خير كثير» أو كما قال ﵊.
والغرض من هذا الحديث الفصل بين مقابر المسلمين ومقابر الكافرين، كما هو الشأن تماماً في محاضرتنا المشار إليها آنفاً بين سكن المسلمين وسكن الكافرين.
لعلك تذكر من تلك الأحاديث قوله ﵊: «المسلم والمشرك لا تتراءى نارهما» أي: لا يكون مساكن المشركين قريبة من مساكن المسلمين، أو لا تكون
стр. 6409
مساكن المسلمين قريبة من مساكن المشركين، فما بالك إذا كانت مساكن المسلمين في مساكن الكافرين، وكما يقولون باللغة العامية: خليط مليط. هذا خطير جداً.
كذلك الشأن في موتى المسلمين، يجب أن يكون لهم مساكن خاصة بهم وهي القبور الإسلامية.
ومن نتائج هذا التفريق يترتب من وراء ذلك أحكام شرعية، قد لا يتنبه لها الكثير من المسلمين اليوم، لا سيما وأن أكثرهم صاروا كالأجانب تماماً، من حيث موقفهم تجاه الموت والموتى وبكل ما يُذَكِّر بالموت أو الموتى.
نادر جداً جداً أن ترى مسلماً اليوم يقصد زيارة القبور، بل نادر جداً أن تجد مسلماً إذا مر عبر الخاطر بمقبرة من مقابر المسلمين فَيُسَلِّم ﵈ المشروع: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أنتم لنا فرط، ونحن لكم تبع، نسأل الله لنا ولكم العافية».
نادر جداً من يفعل هذا، فمن آثار خلط مقابر المسلمين بالمشركين أنك لا تستطيع أن تقول مثل هذا الورد؛ لأن هذا ليست مقابر المسلمين، ولا أنت بالذي تستطيع أن تقول الورد الخاص بمقابر الكفار، كما جاء في الحديث الصحيح: «فحيثما مررت بقبر مشرك فبشره بالنار».
هذا إذا مر المسلم بمقابر المسلمين يسلم عليهم هذا السلام الذي سمعتموه آنفاً، أما إذا مر بمقابر اليهود والنصارى فالسنة أن يقول: أُبَشِّركم بالنار.
فإذا دُفِن المسلمون في مقابر المشركين، لا هو يستطيع أن يقول هذا السلام ولا ذلك الإنذار الذي قال: فبشرهم بالنار.
ولذلك لا مخلص من هذه المآسي ومن هذه الآثام إلا بالفرار إلى بلاد الإسلام.
السائل: يدفنوا موتاهم أم يأخذوهم بالطائرة إلى بلادهم؟
الشيخ: هو قَدَّم عذراً سلفاً، يقول: إنهم لا يستطيعون أن يدفعوا أربعة آلاف دولار، فمعنى هذا من حيث الواقع أن يُدفن هناك.
стр. 6410
السائل: وإذا استطاع؟
الشيخ: ولذلك نحن نقول: ما نقول إذا استطاع يدفن هناك؛ لأنه لا يدفن هناك وإنما ينقل.
لأنه إن أجبنا بهذا الجواب هدمنا ما قلنا، نحن نريد من هذا التفصيل كُلِّه ألاّ يسكنوا هناك، فهمت عليّ؟
والظاهر -والله أعلم- أن أكثرهم لا يستطيعون أن يدفعوا أربعة ألاف دولار من أجل نقل ميتهم إلى أقرب بلد إسلامي، وقد يستطيعون مادة، ولكن لا يستطيعون نفساً، يعني: ما فيه عندهم الوازع الديني القوي الذي يدفعهم أن يدفعوا أربعة آلاف دولار؛ من أجل يدفنوه في مقابر المسلمين في بلد قريب من بلاد الكفار، المَخْلَص والمَنْجَى هو كما قلنا في الأول: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ﴾.
السائل: فيه وسيلة بواسطة يمكن أن تنقل أموات المسلمين إلى بلادهم، وهي التعامل مع بنك ربوي؟
الشيخ: الغاية لا تُبَرِّر الوسيلة، هذه قاعدة يهودية صهيونية كما يقولون اليوم.
لكن مع الأسف اليوم يمشي عليها كثير من الدعاة الإسلاميين، التعامل بالربا معروف أنه حرام ولا يجوز، وكما قال ﵊: «درهم ربا يأكله الرجل، أَشَدُّ عند الله من ست وثلاثين زنية» ولا يقولن أحد: أنا لا آكل الربا، يعني: أنا رجل مظلوم كثيرًا، أنا لا آكل الربا.
لكنه المسكين من جهله وضلالة لا يُفَكِّر بأنه كما قال ﵇: «مثل المؤمنين في تَوادّهم وتراحمهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» فهو كما قال ﵇ في الحديث الآخر: «لا يُؤمن أحدكم، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
فلا ينبغي أن يقول: والله أنا ما آكل الربا، حسبك أنك تُطْعِم الربا لغيرك، وبخاصة إذا كان هذا الغير مسلماً مثلك.
следующие страницы →