حضور المسجد مطلقًا».
[جلباب المرأة المسلمة ص (١/ ١٣٧)]
الشرط السادس من شروط الجلباب:
(أن لا يشبه لباس الرجل)
الشرط السادس: «أن لا يشبه لباس الرجل» لما ورد من الأحاديث الصحيحة في لعن المرأة التي تتشبه بالرجل في اللباس أو غيره. وإليك ما نعلمه منها:
١ - عن أبي هريرة قال: «لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل».
٢ - عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس منا من تشبه بالرجال من النساء ولا من تشبه بالنساء من الرجال».
٣ - عن ابن عباس قال: «لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وقال: «أخرجوهم من بيوتكم». قال: فأخرج النبي ﷺ فلانًا وأخرج عمر فلانًا».
وفي لفظ: «لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال».
٤ - عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق والديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال، والديوث».
٥ - عن ابن أبي مليكة -واسمه عبد الله بن عبيد الله- قال: قيل لعائشة ﵂: إن المرأة تلبس النعل؟ فقالت: «لعن رسول الله ﷺ الرجلة من النساء».
وفي هذه الأحاديث دلالة واضحة على تحريم تشبه النساء بالرجال، وعلى
стр. 6547
العكس وهي عامة تشمل اللباس وغيره إلا الحديث الأول فهو نص في اللباس وحده وقد قال أبو داود في «مسائل الإمام أحمد» «ص ٢٦١»: «سمعت أحمد سئل عن الرجل يُلبس جاريته القرطق؟ قال: لا يلبسها من زي الرجال لا يشبهها بالرجال».
قال أبو داود: «قلت لأحمد: يلبسها النعل الصرارة؟ قال: لا إلا أن يكون لبسها للوضوء. قلت: للجمال؟ قال: لا. قلت: فيجز شعرها؟ قال: لا».
وقد أورد الذهبي تشبه المرأة بالرجال، وتشبه الرجال بالنساء في «الكبائر» «ص ١٢٩» وأورد بعض الأحاديث المتقدمة ثم قال: «فإذا لبست المرأة زي الرجال من المقالب والفرج والأكمام الضيقة فقد شابهت الرجال في لبسهم قتلحقها لعنة الله ورسوله ولزوجها إذا أمكنها من ذلك أو رضي به ولم ينهها؛ لأنه مأمور بتقويمها على طاعة الله ونهيها عن المعصية لقول الله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾».
ولقول النبي ﷺ : «كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، الرجل راع في أهله ومسئول عنهم يوم القيامة» متفق عليه وهو مخرج في «غاية المرام» «٢٦٩».
وتبعه على ذلك الهيتمي في «الزواجر» «١/ ١٢٦» ثم قال: «عد هذا من الكبائر واضح لما عرفت من هذه الأحاديث الصحيحة وما فيها من الوعيد الشديد والذي رأيته لأئمتنا أن ذلك التشبه فيه قولان:
أحدهما: أنه حرام، وصححه النووي بل صوبه، وثانيهما أنه مكروه، وصححه الرافعي في موضع، والصحيح بل الصواب ما قاله النووي من الحرمة، بل ما قدمته من أن ذلك كبيرة، ثم رأيت بعض المتكلمين على الكبائر عده منها وهو ظاهر».
وقال الحافظ في «الفتح» «١٠/ ٢٧٣ - ٢٧٤» عند شرح حديث ابن عباس المتقدم برقم «٣» باللفظ الثاني: «لعن رسول الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال» ما مختصره: «قال الطبري: لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة
стр. 6548
التي تختص بالنساء ولا العكس وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: ظاهر اللفظ الزجر عن التشبه في كل شيء، لكن عرف من الأدلة الأخرى أن المراد التشبه في الزي وبعض الصفات والحركات ونحوها لا التشبه في أمور الخير. قال: والحكمة في لعن من تشبه إخراجه الشيء عن الصفة التي وضعها عليه أحكم الحكماء، وقد أشار إلى ذلك في لعن الواصلات بقوله: «المغيرات لخلق الله».
فثبت مما تقدم أنه لا يجوز للمرأة أن يكون زيها مشابِهًا لزي الرجل فلا يحل لها أن تلبس رداءه وإزاره ونحو ذلك كما تفعله بعض بنات المسلمين في هذا العصر من لبسهن ما يعرف بـ «الجاكيت» و «البنطلون» وإن كان هذا في الواقع أستر لهن من ثيابهن الأخرى الأجنبية. فاعتبروا يا أولي الأبصار.
ثم وجدت لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- فصلًا جيدًا رأيت من المناسب إيراده في هذا المكان لوثيق صلته به ولما فيه من الفوائد الغزيرة والتحقيق العلمي وهو جواب سؤال وجه إليه وهذا نصه مع الجواب كما جاء في «الكواكب» لابن عروة الحنبلي «ج ٩٣/ ١٣٢ - ١٣٤» المحفوظ في المكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم «٥٧٩ - تفسير»: «مسألة في لبس الكوفية للنساء ما حكمها إذا كانت بالداير والفرق وفي لبسهن الفراجي فما الضابط في التشبه بالرجال في الملبوس؟ هل هو بالنسبة إلى ما كان على عهد رسول الله ﷺ أو كل زمان بحسبه؟ ».
الجواب: الحمد لله. الكوفية التي بالفرق والداير من غير أن تستر الشعر المسدول هي من لباس الصبيان والمرأة اللابسة لذلك متشبهة بهم. وهذا النوع قد يكون أوله من قبل النساء قصدن التشبه بالمردان كما يقصد بعض البغايا أن تضفر شعرها ضفيرًا واحدًا مسدولًا بين الكتفين وأن ترخي لها السوالف وأن تعتم لتشبه المردان في العمامة والعذار والشعر ثم قد تفعل الحرة بعض ذلك لا تقصد هذا لكن هي في ذلك متشبهة بالرجال.
وقد استفاضت السنن عن النبي ﷺ في الصحاح وغيرها بلعن المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء وفي رواية: أنه لعن المخنثين من الرجال والمترجلات
стр. 6549
من النساء وأمر بنفي المخنثين وقد نص على نفيهم الشافعي وأحمد وغيرهما وقالوا: جاءت سنة رسول الله ﷺ بالنفي في حد الزنا وبنفي المخنثين.
وفي «صحيح مسلم» عنه أنه قال: «صنفان من أهل النار من أمتي لم أرهما بعد: كاسيات عاريات مائلات مميلات على رءوسهن مثل أسنمة البخت لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها عباد الله».
وقد فسر قوله: «كاسيات عاريات» بأن تكتسي ما لا يسترها فهي كاسية وهى في الحقيقة عارية مثل من تكتسي الثوب الرقيق الذي يصف بشرتها أو الثوب الضيق الذي يبدي تقاطيع خلقها مثل: عجيزتها وساعدها ونحو ذلك، وإنما كسوة المرأة ما تسترها، فلا تبدي جسمها ولا حجم أعضائها؛ لكونه كثيفًا واسعًا.
ومن هنا يظهر الضابط في نهيه ﷺ عن تشبه الرجال بالنساء وعن تشبه النساء بالرجال وأن الأصل في ذلك ليس هو راجعًا إلى مجرد ما تختاره الرجال والنساء ويشتهونه ويعتادونه فإنه لو كان كذلك لكان إذا اصطلح قوم على أن يلبس الرجال الخمر التي تغطي الرأس والوجه والعنق والجلابيب التي تسدل من فوق الرءوس حتى لا يظهر من لابسها إلا العينان! وأن تلبس النساء العمائم والأقبية المختصرة ونحو ذلك أن يكون هذا سائغًا! وهذا خلاف النص والإجماع فإن الله تعالى قال للنساء: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية، وقال: ﴿قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ الآية وقال: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾، فلو كان اللباس الفارق بين الرجال والنساء مستنده مجرد ما يعتاده النساء أو الرجال باختيارهم وشهوتهم لم يجب أن يدنين عليهن الجلابيب ولا أن يضربن بالخمر على الجيوب ولم يحرم عليهن التبرج، تبرج الجاهلية الأولى؛ لأن ذلك كان عادة لأولئك وليس الضابط في ذلك لباسًا معينًا من جهة نص النبي ﷺ أو من جهة عادة الرجال والنساء على عهده بحيث يقال: إن ذلك هو الواجب وغيره يحرم
стр. 6550
فإن النساء على عهده كن يلبسن ثيابًا طويلات الذيل، بحيث ينجرُّ خلف المرأة إذا خرجت، والرجل مأمور بأن يشمر ذيله حتى لا يبلغ الكعبين، ولهذا لما نهى ﷺ الرجال عن إسبال الإزار وقيل له: فالنساء؟ قال: «يرخين شبرًا»، قيل له: إذن تنكشف سوقهن قال: «ذراعا لا يزدن عليه»، قال الترمذي: «حديث صحيح» حتى إنه لأجل ذلك روي أنه رخص للمرأة إذا جرت ذيلها على مكان قذر ثم مرت به على مكان طيب أنه يطهر بذلك (١)،
وذلك قول طائفة من أهل العلم في مذهب أحمد وغيره جعلا المجرور بمنزلة النعل الذي يكثر ملاقاته النجاسة، فيطهر بالجامد كما يطهر السبيلان بالجامد؛ لما تكرر ملاقاتهما النجاسة، ثم إن هذا ليس معينًا للستر، فلو لبست المرأة سراويل أو خفًّا واسعًا صلبًا كالمعرق وتدلي فوقه الجلباب بحيث لا يظهر حجم القدم؛ لكان محصلًا للمقصود بخلاف الخف اللين الذي يبدي حجم القدم، فإن هذا من لباس الرجال، وكذلك المرأة لو لبست جبة وفروة لحاجتها إلى ذلك لدفع البرد لم تنه عن ذلك، فلو قال قائل: لم يكن النساء يلبسن الفراء؟ قلنا: فإن ذلك يتعلق بالحاجة، فالبلاد الباردة تحتاج إلى غلظ الكسوة وكونها مدفئة وإن لم يحتج إلى ذلك في البلاد الحارة.
فالفارقة بين لباس الرجال والنساء يعود إلى ما يصلح للرجال وما يصلح للنساء وهو ما ناسب ما يؤمر به الرجال وما يؤمر به النساء، فالنساء مأمورات بالاستتار والاحتجاب دون التبرج والظهور؛ ولهذا لم يشرع لها رفع الصوت في الأذان والتلبية ولا الصعود «كذا ولعله: في الصعود» إلى الصفا والمروة ولا التجرد في الإحرام كما يتجرد الرجل فإن الرجل مأمور أن يكشف رأسه وأن لا يلبس الثياب المعتادة وهي التي تصنع على قدر أعضائه، فلا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرنس ولا الخف، لكن لما كان محتاجًا إلى ما يستر العورة ويمشي فيه، رخص له في آخر الأمر إذا لم يجد إزارًا أن يلبس سراويل، وإذا لم يجد نعلين أن يلبس خفين، وجعل ذلك بدلًا للحاجة العامة، بخلاف ما يحتاج إليه حاجة خاصة لمرض أو برد، فإن عليه الفدية إذا لبسه ولهذا طرد أبو حنيفة هذا القياس، وخالفه الأكثرون للحديث
стр. 6551
الصحيح ١، ولأجل الفرق بين هذا وهذا، وأما المرأة فإنها لم تنه عن شيء من اللباس؛ لأنها مأمورة بالاستتار والاحتجاب، فلا يشرع لها ضد ذلك، لكن منعت أن تنتقب وأن تلبس القفازين؛ لأن ذلك لباس مصنوع على قدر العضو ولا حاجة بها إليه.
وقد تنازع الفقهاء هل وجهها كرأس الرجل أو كبدنه؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره فمن جعل وجهها كرأسه، أمرها إذا سدلت الثوب من فوق رأسها أن تجافيه عن الوجه كما يجافي عن الرأس ما يظلل به، ومن جعله كاليدين -وهو الصحيح- قال: لم تنه عن ستر الوجه، وإنما نهيت عن الانتقاب كما نهيت عن القفازين، وذلك كما نهي الرجل عن القميص والسراويل، ونحو ذلك، ففي معناه البرقع وما صنع لستر الوجه، فأما تغطية الوجه بما يسدل من فوق الرأس فهو مثل تغطيته عند النوم بالملحفة ونحوها، ومثل تغطية اليدين بالكمين وهي لم تنه عن ذلك.
فلو أراد الرجال أن ينتقبوا ويتبرقعوا، ويدعوا النساء باديات الوجوه، لمنعوا من ذلك، وكذلك المرأة أمرت أن تجتمع في الصلاة، ولا تجافي بين أعضائها (١)، وأمرت أن تغطي رأسها، فلا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار، ولو كانت في جوف بيت لا يراها أحد من الأجانب، فدل ذلك على أنها مأمورة من جهة الشرع بستر لا يؤمر به الرجل حقًّا لله عليها وإن لم يرها بشر وقد قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾.
وقال النبي ﷺ : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن».
وقال ﷺ : «صلاة إحداكن في مخدعها أفضل من صلاتها في حجرتها وصلاتها في حجرتها أفضل من صلاتها في دارها وصلاتها في دارها أفضل من صلاتها في مسجد قومها وصلاتها في مسجد قومها أفضل من صلاتها معي». وهذا كله لما في ذلك من الاستتار والاحتجاب.
стр. 6552
ومعلوم أن المساكن من جنس الملابس، كلاهما جعل في الأصل للوقاية ودفع الضرر، كما جعل الأكل والشرب لجلب المنفعة، فاللباس يتقي الإنسان به الحر والبرد ويتقي به سلاح العدو، وكذلك المساكن يتقي بها الحر والبرد ويتقي بها العدو، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ وقال: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾، فذكر في هذا الموضع ما يحتاجون إليه لدفع ما قد يؤذيهم وذكر في أول السورة ما يضطرون إليه لدفع ما يضرهم، فقال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، فذكر ما يستدفئون به ويدفعون به البرد؛ لأن البرد يهلكهم، والحر يؤذيهم؛ ولهذا قال بعض العرب: البرد بؤس والحر أذى؛ ولهذا السبب لم يذكر في الآية الأخرى وقاية البرد فإن ذلك تقدم في أول السورة وهو في أثناء السورة ذكر ما أتم به النعمة، وذكر في أول السورة أصول النعم ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾.
والمقصود هنا أن مقصود الثياب يشبه مقصود المساكن والنساء مأمورات في هذا بما يسترهن ويحجبهن فإذا اختلف لباس الرجال والنساء مما كان أقرب إلى مقصود الاستتار والاحتجاب كان للنساء وكان ضده للرجال.
وأصل هذا أن تعلم أن الشارع له مقصودان: أحدهما: الفرق بين الرجال والنساء، والثاني: احتجاب النساء فلو كان مقصوده مجرد الفرق، لحصل ذلك بأي وجه حصل به الاختلاف وقد تقدم فساد ذلك بل أبلغ من ذلك أن المقصود بلباس أهل الذمة إظهار الفرق بين المسلم والذمي، ليترتب على كل منهما من الأحكام الظاهرة ما يناسبه، ومعلوم أن هذا يحصل بأي لباس اصطلحت الطائفتان على التمييز به، ومع هذا فقد روعي في ذلك ما هو أخص من الفرق فإن لباس الأبيض لما كان أفضل من غيره كما قال ﷺ : «عليكم بالبياض فليلبسه أحياؤكم وكفنوا فيه موتاكم»، لم يكن من السنة أن يجعل لباس أهل الذمة الأبيض ولباس أهل الإسلام
стр. 6553
المصبوغ، كالعسلي والأدكن ونحو ذلك بل الأمر بالعكس وكذلك في الشعور وغيرها فكذلك الأمر في لباس الرجال والنساء ليس المقصود به مجرد الفرق، بل لا بد من رعاية جانب الاحتجاب والاستتار.
وكذلك أيضًا ليس المقصود مجرد حجب النساء وسترهن دون الفرق بينهن وبين الرجال؛ بل الفرق أيضًا مقصود حتى لو قدر أن الصنفين اشتركوا فيما يستر ويحجب بحيث يشتبه لباس الصنفين لنهوا عن ذلك، والله تعالى قد بين هذا المقصود أيضًا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾، فجعل كونهن يعرفن باللباس الفارق أمرًا مقصودًا ولهذا جاءت صيغة النهي بلفظ التشبه بقوله ﷺ : «لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء»، فعلق الحكم باسم التشبه وبكون كل صنف يتصف بصفة الآخر.
وقد بسطنا هذه القاعدة في «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم» وبينا أن المشابهة في الأمور الظاهرة تورث تناسبًا وتشابُهًا في الأخلاق والأعمال ولهذا نهينا عن مشابهة الكفار ومشابهة الأعاجم ومشابهة الأعراب، ونهي كل من الرجال والنساء عن مشابهة الصنف الآخر.
والرجل المتشبه بالنساء يكتسب من أخلاقهن بحسب تشبهه حتى يفضي به الأمر إلى التخنث المحض والتمكين من نفسه كأنه امرأة، ولما كان الغناء مقدمة ذلك وكان من عمل النساء، كانوا يسمون الرجال المغنين «مخانيث».
والمرأة المتشبهة بالرجال تكتسب من أخلاقهم حتى يصير فيها من التبرج والبروز ومشابهة الرجال ما قد يفضي ببعضهن إلى أن تظهر بدنها كما يظهره الرجل، وتطلب أن تعلو على الرجال كما يعلو الرجال على النساء، وتفعل من الأفعال ما ينافي الحياء والخفر المشروع للنساء، وهذا القدر قد يحصل بمجرد المشابهة.
стр. 6554
وإذا تبين أنه لا بد من أن يكون بين لباس الرجال والنساء فرق يميز بين الرجال النساء وأن يكون لباس النساء فيه من الاستتار والاحتجاب ما يحصل مقصود ذلك، ظهر أصل هذا الباب وتبين أن اللباس إذا كان غالبه لبس الرجال نهيت عنه المرأة، وإن كان ساترًا كالفراجي التي جرت عادة بعض البلاد أن يلبسها الرجال دون النساء والنهي عن مثل هذا يتغير [بتغير] العادات وأما ما كان الفرق عائدًا إلى نفس الستر فهذا يؤمر فيه النساء بما كان أستر. .. ولو قدر أن الفرق يحصل بدون ذلك فإذا اجتمع في اللباس قلة الستر والمشابهة، نهي عنه من الوجهين. والله أعلم».
[جلباب المرأة المسلمة ص (١٤١)]
الشرط السابع من شروط الجلباب:
(أن لا يشبه لباس الكافرات)
[يراجع في هذا الشرط: المجلد السابع من جامع المنهج «قسم الولاء والبراء» فقد نقلنا كلام الشيخ هناك في حكم التشبه بما لا مزيد عليه بما في ذلك حرمة تشبه المسلمات بالكافرات في لباسهن].
النقاب وستر الوجه كان من هدي الصحابيات
[روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «يا أمة الله! أسفري؛ فإن الإسفار من الإسلام، وإن النقاب من الفجور». منكر
[قال الإمام]: وأما متنه؛ فهو منكر؛ لأنه مخالف لظاهر قوله ﷺ : «لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين». رواه البخاري وغيره؛ فإنه يدل على إقرار تنقب المرأة غير المحرمة، وهذا ما كان عليه كثير من الصحابيات الفاضلات؛ فإنهن كن ينتقبن، ويسترن وجوههن في عهد النبي ﷺ ، كما شرحت ذلك قديماً في فصل خاص كنت عقدته في كتابي «حجاب المرأة المسلمة» تحت عنوان: «مشروعية ستر الوجه»؛ فليراجعه من شاء الاطلاع على الآثار الواردة في ذلك «ص ٤٧ - ٥١».
السلسلة الضعيفة (١١/ ١/ ٤٧٥).
стр. 6555
من الأدلة على أن الوجه ليس بعورة
стр. 6556
من الأدلة على أن الوجه ليس بعورة
[قال رسول الله ﷺ ]: «من أماثل أعمالكم إتيان الحلال» «يعني النساء». أخرجه أحمد «٤/ ٢٣١» وأبو نعيم في «الحلية» «٢/ ٢٠» من طريق الطبراني عن معاوية بن صالح عن أزهر بن سعيد الحرازي قال: سمعت أبا كبشة الأنماري قال: «كان رسول الله ﷺ جالسا في أصحابه فدخل، ثم خرج وقد اغتسل فقلنا: يا رسول الله قد كان شيء؟ قال: أجل، مرت بي فلانة فوقع في قلبي شهوة النساء فأتيت بعض أزواجي فأصبتها، فكذلك فافعلوا فإنه من أماثل. .. ».
[قال الإمام]: والظاهر من القصة وقوله: أجل، أن المرأة كانت مكشوفة الوجه، فهو من الأدلة الكثيرة على أنه ليس بعورة، وهذا ما كنت حققته في كتابي «حجاب المرأة المسلمة» وقد طبع مرات.
السلسلة الصحيحة (١/ ٢/ ٨٠٣).
من الأدلة على أن الوجه ليس بعورة
قالت عائشة ﵂: «لقد رأيتنا نصلي مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر في مروطنا، وننصرف وما يعرف بعضنا وجوه بعض».
[قال الإمام]: وهو دليل ظاهر على أن وجه المرأة ليس بعورة. والأدلة على ذلك متكاثرة. ومعنى كونه ليس بعورة، أنه يجوز كشفه، وإلا فالأفضل، والأورع ستره، لاسيما إذا كان جميلا. وأما إذا كان مزينا. فيجب ستره قولا واحدا، ومن شاء تفصيل هذا الإجمال، فعليه بكتابنا «حجاب المرأة المسلمة» فإنه جمع فأوعى.
السلسلة الصحيحة (١/ ٢/ ٦٥١).
стр. 6557
الإفراط والتفريط في حكم النقاب
[قال رسول الله ﷺ ]: «إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر».
[قال الإمام]: تنبيه: يبدو لي أن المراد بالأصاغر هنا: الجهلة الذين يتكلمون بغير فقه في الكتاب والسنة، فيضلون ويضلون، كما جاء في حديث «انتزاع العلم»، ومن الأمثلة ذاك المصري الذي كتب رسالة أسماها «اللباب في فرضية النقاب»! فعارضه آخر فيما سماه «تذكير الأصحاب بتحريم النقاب»! والحق بينهما وهو الاستحباب.
السلسلة الصحيحة (٢/ ٣١٠).
من الأدلة على جريان العمل على كشف الوجه عند السلف
عن قبيصة بن جابر «وهو ثقة مخضرم» قال: «كنا نشارك المرأة في السورة من القرآن نتعلمها، فانطلقت مع عجوز من بني أسد إلى ابن مسعود في بيته في ثلاث نفر، فرأى جبينها يبرق! فقال: أتحلقينه؟ فغضبت، وقالت: التي تحلق جبينها امرأتك. قال: فادخلي عليها، فإن كانت تفعله فهي مني بريئة، فانطلقت، ثم جاءت فقالت: لا والله ما رأيتها تفعله، فقال عبد الله بن مسعود: سمعت رسول الله ﷺ : «لعن الله الواشمات والمستوشمات [والواصلات] والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله».
[قال الإمام]: هذا وفي رؤية ابن مسعود جبين العجوز يبرق دليل على أن «وجه المرأة ليس بعورة»، والآثار في ذلك كثيرة قولا وفعلا، وقد سقت بعضها في «جلباب المرأة المسلمة». وأما ما زعمه البعض بأنه لا دليل في هذه الرواية على ذلك، لأن العجوز من القواعد! فهو مما لا دليل عليه، فلا يلزم من كونها عجوزا أن تكون قاعدة كما لا يخفى، وإنما ذكرنا ذلك استشهادا، وفيما ذكر هناك من الأدلة كفاية.
السلسلة الصحيحة (٦/ ١/٦٩٤).
стр. 6558
الرد على من حرم كشف الوجه للمرأة حتى على أبيها وأخيها
عن ثابت عن أنس: أن النبي ﷺ أتى فاطمة بعبد كان قد وهبه لها، قال: وعلى فاطمة ﵂ ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي ﷺ ما تلقى، قال: «إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك».
[قال الإمام]: وفي الحديث دليل واضح على جواز كشف البنت عن رأسها ورجليها أمام أبيها، بل وغلامها أيضا، ففيه رد صريح على الأستاذ أبي الأعلى المودودي ﵀ حيث صرح في كتابه «الحجاب» «ص ٢٨٩ - ٢٩٠ - مؤسسة الرسالة» أنه لا يحل للمرأة كشف عورتها - إلا الوجه والكفين - حتى لأبيها أو عمها أو أخيها أو ابنها! قال: «وحتى للمرأة مثلها»! وأكد ذلك في مكان آخر «ص ٢٧٢ - ٢٧٣»! وقد كنت رددت عليه في هذه المسألة في تعقيب نشر في آخر كتابه من الطبعة الأولى بطلب - بل وإلحاح - من القائمين عليها، لأنني استبعدت موافقة المؤلف على ذلك دون أن يطلع على التعقيب، فقال وسيطهم: لا عليك، نحن متفقون مع الأستاذ المودودي على موافقته على ما قد يبدو لنا من تعليق. ولكن ما كاد الكتاب يصل إلى المؤلف حتى سارع بالكتابة إليهم بأن لا ينشروا الكتاب حتى يأتيهم برده على «التعقيب»، فطبعوا رده في رسالة صغيرة. وفيها أخطاء جديدة فقهية وحديثية، بينت بعضها في كتابي «جلباب المرأة المسلمة» «ص ٤٢ - ٥٠ - الطبعة الجديدة»، وهو كثير التناقض في كتابه المذكور في وجه المرأة تناقضا يدل على أنه كان غير مطمئن لرأي خاص فيه، وهذا واضح جدا لمن تتبع كلامه فيه، ولا مجال الآن لبيانه.
السلسلة الصحيحة (٦/ ٢/ ٨٦٩ - ٨٧٠).
стр. 6559
الرد على القول بأن المرأة عورة حتى على محارمها
وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أكره، فَأَتَيْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ». فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا صِرْتُ إِلَى الْبَابِ فَإِذَا هُوَ مُجَافٍ، فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ فَقَالَتْ مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَة، وَسمعت خضخضة المَاء، قَال: فَاغْتَسَلَتْ فَلَبِسَتْ دِرْعَهَا وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا، فَفَتَحَتِ الْبَابَ ثُمَّ قَالَتْ يَا أبا هُرَيْرَةَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرح فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ خيرا. رَوَاهُ مُسلم.
[قال الإمام تعليقا على عبارة: وعجلت عن خمارها]: أي تركت خمارها من العجلة. قلت: وفيه دليل واضح على جواز ظهور الأم أمام ابنها دون خمار، وأن رأسها ليس عورة بالنسبة إليه، خلافاً لما ذهب إليه الأستاذ العلامة المودودي في كتابه القيم «الحجاب» وهو دليل من أدلة كثيرة كنت أوردتها في تعقبي عليه الذي كان نشر في آخر كتابه. ثم نشر الأستاذ رد في كراس على التعقيب تراجع فيه عما كان ذهب إليه إلى ما دل عليه الحديث من الجواز، وهذا من إنصافه وفضله. ولكنه ظل متمسكًا برأيه الآخر وهو أن المرأة عورة على المحارم كلهم لا يجوز لها أن تظهر أمامهم إلا كما تظهر أمام الأجانب! نسأل الله تعالى أن يسدد خطانا ويجنبنا الزلل، ويزيدنا وإياه من الفضل.
هذا وفي الحديث إشارة إلى ما كان عليه الصحابة من الحشمة والأدب، فهذه أم ابي هريرة ودت ألا تظهر أمام ابنها إلا متخمرة لولا العجلة، فأين هذا من حال الأكثر النساء اليوم اللاتي يظهرن أمام أقاربهن من الرجال الذين ليسوا محرما لهن باديات الشعور والنحور، والأفخاذ والصدور، فإلى الله المشتكى مما وصل إليه
стр. 6560
الحال من قلة الحياء في النساء والغيرة من الرجال.
[التعليق على مشكاة المصابيح (٣/ ١٦٥٣ - ١٦٥٤) حاشية ٨)
الرد على من زعم أن أمهات المؤمنين كان يحرم عليهن إبراز أشخاصهن ولو كن متنقبات متلفعات
[قال رسول الله ﷺ ]: «إنَّه قد أُذِن لَكُنَّ أن تَخْرجْنَ لحاجتكنَّ، وفي رواية: لحوائجكُنَّ». أخرجه البخاري «١٤٧ و ٤٧٩٥ و ٥٢٣٧»، ومسلم «٧/ ٦»، وابن جرير في «التفسير» «٢٨/ ٣٩»، والبيهقي «٧/ ٨٨»، وأحمد «٦/ ٥٦» من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: خرجت سودة بعد ما ضُرِبَ الحجاب لحاجتها- وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها-، فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة! أما والله! ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين؟ ! فانكفأت راجعة، ورسول الله ﷺ في بيتي، وإنه ليتعشى وفي يده عَرَق، فدخلت فقالت: يا رسول الله! إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه، ثم رُفع عنه- وإن العرَقَ في يده ما وضعه-، فقال. .. فذكره؛ والسياق للبخاري، والرواية الأخرى للبيهقي، وهي رواية للبخاري. هذه رواية هشام بن عروة- ﵀، وقد خالفه ابن شهاب الزهري- ﵀ في قوله: « .. بعدما ضرب الحجاب»، فقال الزهري: عن عروة عن عائشة: أن أزواج النبي ﷺ كن يخرجن بالليل إذا تبرَّزن إلى المناصع- وهو صعيد أفيح- فكان عمر يقول للنبي ﷺ : احجُبْ نساءك. فلم يكن رسول الله ﷺ يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي ﷺ ليلة من الليالي عِشاءً- وكانت امرأة طويلة-، فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة! حرصاً على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله آية الحجاب [«يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي .... » الآية] [الأحزاب/٥٣]. أخرجه البخاري «١٤٦»، ومسلم أيضاً، والطحاوي في «شرح المعاني» «٢/ ٣٩٢»، وابن
стр. 6561
جرير «٢٨/ ٢٩»، والبيهقي أيضاً، وأحمد «٦/ ٢٢٣»، والزيادة لابن جرير، وسندها جيد، وعزاها الحافظ «١/ ٢٤٩» لأبي عوانة في «صحيحه».
ولها شاهد من حديث أنس في قصة تزوج النبي ﷺ زينب المعروفة في «الصحيحين» وغيرهما، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى هنا. ويرى القارئ الاختلاف بين الروايتين ظاهراً، ففي رواية هشام أن القصة وقعت بعد نزول آية الحجاب، وفي رواية الزهري أنها نزلت قبلها، قال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» «٣/ ٥٠٥»: «والمشهور الأول».
وبالغ ابن العربي في «أحكام القرآن» «٣/ ١٥٧٤ - ١٥٧٥»، فصرح بضعف رواية الزهري وأما الحافظ فجمع بين الروايتين، بأن حمل رواية ابن شهاب على أن عمر أراد أولاً الأمر بستر وجوههن، فلما وقع الأمر بوفق ما أراد؛ أحب أن يحجب أشخاصهن مبالغة في التستر؛ فلم يجب لأجل الضرورة، يعني كما في رواية هشام؛ ثم قال: «وعلى هذا؛ فقد كان لهن في التستر عند قضاء الحاجات حالات: أولها: بالظلمة؛ لأنهن كن يخرجن بالليل دون النهار، كما قالت عائشة في حديث الزهري: «كن يخرجن بالليل»، وسيأتي في حديث عائشة في «قصة الإفك»: «فخرجت معي أم مسطح قِبل المناصع وهو مُتَبَرَّزُنا، وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل». ثم نزل الحجاب فتسترن بالثياب، لكن كانت أشخاصهن ربما تتميز، ولهذا قال عمر لسودة في المرة الثانية بعد نزول «الحجاب»: «أما والله ما تخفين علينا». ثم اتخذت الكُنُف في البيوت فتسترن بها كما في حديث عائشة في «قصة الإفك» أيضاً؛ فإن فيها: «وذلك قبل أن تتخذ الكُنُف»، وكان «قصة الإفك» بعد نزول آية الحجاب». قلت: وفي قول الحافظ عن عمر: «فلم يجب؛ لأجل الضرورة» رد على من يزعم قديماً وحديثاً أن أمهات المؤمنين كان يَحْرُمُ عليهن إبراز أشخاصهن، ولو كن منتقبات متلفعات، وعزا الحافظ هذا الزعم للقاضي عياض، وقال «٨/ ٥٣٠ - ٥٣١»: «ثم استدل بما في «الموطأ»: أن حفصة لما توفي عمر سترها النساء عن أن يرى شخصها، وأن زينب بنت جحش جعلت لها القبة فوق نعشها ليستر شخصها».
قال الحافظ: «وليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه من فرض ذلك عليهن، وقد
стр. 6562
كن بعد النبي ﷺ يحججن ويطفن، وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث وهن مُتَسَتِّراتُ الأبدان لا الأشخاص، وقد تقدم في «الحج» قول ابن جريج لعطاء لما ذكر له طواف عائشة: أقبل الحجاب أو بعده؟ قال: قد أدركت ذلك بعد الحجاب». وقال في مكان آخر بعد أن ذكر الزعم المذكور باختصار «٩/ ٣٣٧»: «والحاصل في رد قوله؛ كثرة الأخبار الواردة أنهن كن يحججن ويطفن، ويخرجن إلى المساجد في عهد النبي ﷺ وبعده».
قلت: ووجه قول الحافظ: «وليس فيما ذكره دليل. .. » إلخ: أنه مجرد فعل لا يدل على الفرضية المزعومة، وهذا إن صح ما عزاه القاضي لـ «الموطأ»؛ فإني لم أَرَ ذلك في «الموطأ» المعروف اليوم من رواية يحيى الليثي بعد مزيد البحث عنه؛ والله أعلم. ولعل من الأدلة التي تؤيد ما قاله الحافظ- ﵀: حديث أنس- ﵁ في سبب نزول آية الحجاب الذي سبقت الإشارة إليه، وقد جاء من طرق عنه بألفاظ مختصراً ومطولاً، أذكر أحدها من «صحيح البخاري» «٤٧٩٢»، مع زيادات هامة من غيره تناسب المقام، فقال- ﵁: أنا أعلم الناس بهذه الآية ـ آية الحجاب -: لما أهديت زينب إلى رسول الله ﷺ كانت معه في البيت، صنع طعاماً ودعا القوم، فقعدوا يتحدثون، [ورسول الله ﷺ جالس، وزوجته مُوَلِّيَةٌ وجهها إلى الحائط]، [وكانت قد أُعطيت جمالاً]، فجعل النبي ﷺ يخرج ثم يرجع، وهم قعود يتحدثون، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ إلى قوله: ﴿مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾، فضُرب الحجاب، وقام القوم. وأخرجه مسلم «٤/ ١٥٠ - ١٥١» مطولاً، وكذا الترمذي «٣٢١٧» - وصححه -، والزيادة الأولى لهما، والزيادة الأخرى للطبري في «التفسير» «٢٢/ ٢٦»، وسندها صحيح. قلت: وفي هاتين الزيادتين حجة قوية على أن زينب- ﵂ كانت مكشوفة الوجه، وإلا لم يكن لذكر أنس تولية وجهها إلى الحائط، ووصفه إياها بأنها كانت جميلة فائدة تذكر. وأما قول مؤلف «تحرير المرأة في عصر الرسالة» «٣/ ٦٨»: «لو كانت سافرة الوجه لأمرها الرسول الكريم بستره، ولا حاجة لإلقاء الحجاب ومنع أنس من الدخول»! ! وجوابي على ذلك:
стр. 6563
أولاً: قوله: «لأمرها بستره» مجرد دعوى لا دليل عليها؛ لأن ستر الوجه من نسائه ﷺ قبل نزول آية الحجاب هذه لم يكن واجباً، حتى يأمرها بستره، وهذا بيّن لا يخفى إن شاء الله تعالى. ثانياً: قوله: «ولا حاجة لإلقاء الحجاب .. » فيه مغالطة ظاهرة، على رأيه الذي يدافع عنه بكل تكلف وحرارة، وهو حجب أشخاص زوجاته ﷺ خلف ستر لا يرى الرجال أشخاصهن، ولا هن يَرَينَهم! عند التكلُّم معهن. وأما على ما رجحه الحافظ من أن المقصود حجب البدن لا الشخص؛ فالحاجة للحجاب قائمة أيضاً؛ لأنهن بحكم كونهن يتردد الرجال كثيراً عليهن لسؤالهن عن أمور دينهم، فلولا الحجاب لوجب عليهن أن يسترن وجوههن كلما سئلن لو دخلوا عليهن، وفي ذلك مشقة ظاهرة وحرج، فرفع ذلك عنهن بالحجاب إذا كن في بيوتهن، أما إذا خرجن من بيوتهن لحاجة ما؛ سترن وجوههن؛ كما في روايات عدة مذكورة في كتابي «جلباب المرأة المسلمة». هذا، وهناك في السنة أحاديث كثيرة تدل على أن النساء- ومنهن بعض زوجاته ﷺ كن لا يسترن وجوههن قبل نزول آية الحجاب هذه، يتيسر لي الآن منها ثلاثة: الأول: قال أنس ﵁: لما انقضت عدة زينب؛ قال رسول الله ﷺ لزيد: «فاذكرها عليّ»، قال: فانطلق زيد حتى أتاها، وهي تخمِّر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها؛ أن رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي. .. الحديث نحو ما تقدم، وفيه نزول آية الحجاب. أخرجه مسلم «٤/ ١٤٨»، وأحمد «٣/ ١٩٥»، وأبو يعلى «٦/ ٧٧ - ٧٨».
الثاني: حديث عائشة، وقولها في «قصة الإفك» في صفوان بن المعطِّل السُّلَمي: « ... فرأى سواد إنسان نائم؛ فأتاني حين رآني، وكان قد رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمَّرت وجهي بجلبابي ... » الحديث بطوله، وهو متفق عليه. الثالث: عن عائشة أيضاً قالت: كنت آكل مع النبي ﷺ حَيْساً في قَعْبٍ، فمر عمر- ﵁ فدعاه، فأكل، فأصاب إصبعه إصبعي، فقال: حَسِّ، أوّه أوّه! لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، فنزلت آية الحجاب. أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» «١٠٥٣»، والنسائي في «الكبرى/ التفسير» «٦/ ٤٣٥»،
стр. 6564
والطبراني في «المعجم الصغير» «ص ٤٥ - هندية، رقم «٨٠١ - الروض النضير» و «الأوسط» أيضاً «١/ ١٦٦/٢/ ٣١٠٠ بترقيمي»، وعنه أبو نعيم في «أخبار أصبهان» «١/ ١٨٨» من طريق موسى بن أبي كثير عن مجاهد عنها. قلت: وإسناده جيد، وقال السيوطي في «الدر المنثور» «٥/ ٢١٣» - وعزاه لابن أبي حاتم أيضاً والطبراني وابن مردويه-: «سنده صحيح». وقال الهيثمي في «المجمع» «٧/ ٩٣»: «رواه الطبراني في «الأوسط»، ورجاله رجال «الصحيح»؛ غير موسى بن أبي كثير، وهو ثقة».
وكذا وثقه الذهبي في «الكاشف»، وقال الحافظ في «التقريب»: «صدوق، رمي بالإرجاء، لم يصب من ضَعَّفَه».
قلت: وفات الهيثمي أنه في «المعجم الصغير» أيضاً، وسكت الحافظ عن إسناده في «الفتح» «٨/ ٥٣١» مشيراً إلى تقويته بعدما عزاه للنسائي فقط، وذكره بعد حديث الباب وقصة زينب، وقال: «ويمكن الجمع بأن ذلك وقع قبل قصة زينب، فلِقُرْبِهِ منها؛ أطلقت «عائشة» نزول الحجاب بهذا السبب، ولا مانع من تعدد الأسباب».
المقصود أن هذه الأحاديث تبطل دعوى مؤلف «التحرير» المتقدمة بأن زينب لو كانت سافرة الوجه لأمرها ﷺ بستره، ويؤكد ذلك أن آية «الجلباب» نزلت بعد آية «الحجاب»: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب/٥٩]، فلم يكن من الواجب عليهن قبل نزولها أن يتجلببن فضلاً عن أن يسترن وجوههن، ولذلك رأى زيد من زينب قبل نزول آية «الحجاب» ما رأى كما تقدم في حديث مسلم وغيره.
السلسلة الصحيحة (٧/ ١/ ٤١٥ - ٤٢٢).
قدما المراة عورة
[قال رسول الله ﷺ ]: «ذيل المرأة شبر. قلت: إذن تخرج قدماها؟ قال:
стр. 6565
فذراع، لا يزدن عليه».
ترجم له الإمام بقوله: قدما المرأة عورة.
السلسلة الصحيحة (٤/ ٤٧٨).
هل يدل حديث المرأة عورة، على أن الوجه والكفين عورة
[قال رسول الله ﷺ ]: «المرأة عورة وإنها إذا خرجت استشرفها الشيطان، وإنها لا تكون أقرب إلى الله منها في قعر بيتها».
[قال الإمام]: «فائدة»: يطيب لبعض المتشددين على المرأة أن يستدلوا بهذا الحديث على أن وجه المرأة عورة على الأجانب، ولا دليل فيه البتة، لأن المعنى كما قال ابن الأثير في «النهاية»: «جعلها نفسها عورة، لأنها إذا ظهرت يستحيا منها كما يستحيا من العورة إذا ظهرت». ويؤكد هذا المعنى تمام الحديث: «وإذا خرجت استشرفها الشيطان».
قال الشيخ علي القاري في «المرقاة» «٣/ ٤١١»: «أي زينها في نظر الرجال. وقيل أي نظر إليها ليغويها، ويغوي بها».
وأصل «الاستشراف» أن تضع يدك على حاجبك وتنظر، كالذي يستظل من الشمس حتى يستبين الشيء وأصله من الشرف: العلو، كأنه ينظر إليه من موضع مرتفع فيكون أكثر لإدراكه. «نهاية».
وإن مما لا شك فيه أن الاستشراف المذكور يشمل المرأة ولو كانت ساترة لوجهها، فهي عورة على كل حال عند خروجها، فلا علاقة للحديث بكون وجه المرأة عورة بالمعنى الفقهي، فتأمل منصفا. وجمهور العلماء على أنه ليس بعورة، وبيان ذلك في كتابي «جلباب المرأة المسلمة»، وقد طبع حديثا بهذا الاسم «جلباب. .. » بديل «حجاب. .. » سابقا لنكتة ذكرتها في المقدمة. وقد رددت فيه على المتشددين بما فيه الكفاية، وأحلت من شاء التفصيل على كتابي المفرد في الرد
стр. 6566
بإسهاب وتفصيل، تتبعت فيه شبهاتهم، وأنها قائمة على أدلة واهية رواية ودراية، واجتماعيا، وسميته اسما يلخص لك مضمونه: «الرد المفحم على من خالف العلماء وتشدد وتعصب وألزم المرأة أن تستر وجهها وكفيها وأوجب ولم يقنع بقولهم إنه سنة ومستحب». يسر الله لي تبيضه ونشره بفضله وكرمه.
السلسلة الصحيحة (٦/ ١/ ٤٢٤ - ٤٢٥).
الخمار إذا أطلق فهو غطاء الرأس
عن عقبة بن عامر الجهني قال: نذرت أختي أن تمشي إلى الكعبة حافية حاسرة، فأتى عليها رسول الله ﷺ فقال: «ما بال هذه؟ ». قالوا: نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافية حاسرة! فقال: «مروها فلتركب ولتختمر [ولتحج]، [ولتهد هديا]».
[قال الإمام]: في الحديث فوائد هامة منها: أن «الخمار» إذا أطلق، فهو غطاء الرأس وأنه لا يدخل في مسماه تغطية الوجه، والأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة وآثار السلف كما كنت بينته في كتابي «جلباب المرأة المسلمة»، وقد طبع مرات، وزدت ذلك بيانا في ردي على بعض العلماء النجديين الذين ادعوا أن الخمار غطاء الوجه أيضا في مقدمتي الضافية للطبعة الجديدة من كتابي المذكور، نشر المكتبة الإسلامية / عمان.
السلسلة الصحيحة (٦/ ٢/ ١٠٣٩).
من الأدلة على أن وجه المرأة ليس بعورة
دخل رسول الله ﷺ المسجد، وفيه نسوة من الأنصار، فوعظهن وذكرهن، وأمرهن أن يتصدقن ولو من حليهن، ثم قال: «ألا هل عَسَتِ امرأةٌ أن تُخبرَ القوم بما يكونُ من زوجها إذا خلا بها؟ ! ألا هل عسى رجلٌ أن يخبرَ القوم بما يكونُ منهُ إذا خلا بأهله؟ ! فقامت منهنَّ امرأةٌ سفعاءُ الخدَّين فقالت: واللهِ! إنَّهُم ليفعلون، وإنهنَّ
стр. 6567
لَيفعلْنَ! قال: فلا تفعلوا ذلكَ، أفلا أنبئُكم ما مَثَلُ ذلكَ؟ ! مَثَلُ شيطانٍ أتى شيطانةً بالطريق؛ فوقعَ بها والناس ينظرون! ».
[قال الإمام]: وقوله فيه: «سفعاء الخدين»؛ معناه: فيهما تغير وسواد؛ فهو من الأدلة الكثيرة على أن وجه المرأة ليس بعورة؛ لأنه لو كان مغطى كما يزعم المتشددون؛ لما استطاع أبو سعيد أن يصف خَدَّيها، وكذلك وصفها جابر ﵁ في «صحيح مسلم» وغيره، وهو مخرج في «حجاب المرأة المسلمة»، وسميته أخيراً بـ «جلباب المرأة المسلمة».
السلسلة الصحيحة (٧/ ١/ ٤٣٧).
حكم كشف الوجه واليدين للمرأة
مداخلة: [حول تفسير آية الإدناء]؟
الشيخ: هذا في الأمس القريب جرى البحث فيه ويبدو أن الأمر يتطلب التكرار، المشهور في بلادكم تفسير يدنين: يغطين، وهذا خطأ واضح، وقد أجرينا التجربة بالأمس مع بعض الحاضرين فقلنا له: قم وهذا هو جلباب العباءة مثلاً التي أنت تتعبأ به، القيه على رأسك قام وألقى العباءة على رأسه، طيب غط وجهك، غطى وجهه بالعباءة، قلت له: امش، قال: لا أستطيع، قلت: إذاً كيف تفرضوا على النساء شيئاً أنتم لا تستطيعونه وأنتم الرجال، فكيف تفهمون يدنين بمعنى: يغطين.
الإدناء هو التقريب وهو واضح جداً من معرفة ما كان عليه العرب في الجاهلية، أو بالأحرى نساؤهن كن إذا خرجن وضعن كما تفعل بعض العراقيات إذا رأيتموهن، تضع الجلباب هكذا .. الصدر مبين، كذلك كن في الجاهلية، قال الله : ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] إذا فهمن يدنين: يغطين لا مجال للتغطية إطلاقاً، لكن ما قال ربنا إلا يدنين، الإدناء يكون هكذا، هذا الإدناء مطلق غير مقيد.
стр. 6568
وهنا يأتي البيان في السنة ونحن نقرأ في كتب التفسير روايتين اثنتين:
إحداهما ضعيفة وهي رواية ابن عباس ثم ذكر هذه الآية، قال: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] وفعل بالعباءة هكذا، أي: غطى عيناً واحدة، وهذا أمر طبيعي جداً وهو ينافي تغطية الوجه، أو بعبارة أوضح: ينافي تفسير الإدناء بالتغطية، وبخاصة حينما تذكر هنا بعض الكلمات أنا أعتبرها فلسفة لا ينبغي أن تذكر في الأحكام الشرعية؛ لأنها ستقابل بفلسفة أخرى وهي:
يقولون: لأن أجمل ما في المرأة وجهها، وهذا ظاهر لكن لماذا ندخل هذه الفلسفة في مسألة تعبدية شرعية محضة لا مجال لإدخال العقل فيها إن كان هناك نص يأمر المرأة بأن تغطي وجهها اتبعناه وإلا لا نتفلسف؛ لأن هذه الفلسفة ستقابل بمثلها، وقد قلت فعلاً: إذا كان أجمل ما في المرأة وجهها فما أجمل ما في الوجه في المرأة؟ سيكون الجواب: عيناها، فإذاً: إذا كانت الفلسفة الأولى تعني أنه يجب على المرأة أن تغطي وجهها؛ لأن هذا الوجه هو أجمل ما في المرأة فإذاً: يجب عليها أيضاً أن تغطي عينيها مع الوجه؛ لأن العنين أجمل ما في الوجه وهذا لا قائل به إطلاقاً.
بعض الناس ممن لا يعرفون الأدلة الواردة في هذا الخصوص يلجأ للخلاص من هذا الإيراد بأن يفرض شيئاً لم يكن معهوداً في ذلك الزمان وهو أن تضع مثلاً نظارة معتمة فلا يبدوا عيناها وفي الوقت نفسه ترى طريقها، أو تضع منديلاً بما هو معروف اليوم تستدله على وجهها وليس يكون كثيفاً يكون شفافاً بعض الشيء بحيث أنها ترى الطريق ولا يرى وجهها، هذا المنديل لم يكن في ذلك الزمن أيضاً، كل ما كان إنما هو النقاب ولا يزال النقاب معروف حتى اليوم، وقد ذكره الرسول ﵇ في الحديث الصحيح حين قال: «لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين» فمفهوم الحديث: بأن غير المحرمة تنتقب، تلبس القفازين، وهذا يعني أن هذا كان موجوداً في عهد النبي ﷺ وهذا معروف، ولكن تفسير يدنين بتغطية الوجه وفيهما العينان هذا لا يمكن أن يقول به إنسان يتنبه لما يلزم من قوله.
стр. 6569
لهذا قلت: روي أثران أحدهما عن ابن عباس وهو ضعف؛ بأنها تكشف عن عين واحدة.
يوجد أثر ثاني عن عبيدة السلماني وهو تابعي تلا هذه الآية فوصف عملية الحجاب فكشف عن عينيه كليهما، فإذاً: أين التغطية التي بها تفسر الآية؟ لم يبق هناك تغطية كاملة وإنما تغطية ناقصة، أي: تغطية ما عدى الوجهين إذا وقفنا عند هاذين الأثرين: الأثر الأول عن ابن عباس ولو صح لكان حجة؛ لأنه ترجمان القرآن كما شهد له بذلك عبد الله بن مسعود ﵁ لكن السند إليه ضعيف فيه انقطاع وفيه ضعف.
مداخلة: كما شهد له رسول ﷺ .
الشيخ: نعم، كما ماذا؟
مداخلة: لابن عباس.
الشيخ: بماذا؟
مداخلة: بأنه ترجمان القرآن.
الشيخ: لا، ترجمان القرآن ما جاء عن الرسول، الذي جاء عن الرسول الدعاء له بأن يفقهه في الدين ويعلمه التأويل، أما شهد له بأنه ترجمان القرآن فهذا ليس عن الرسول ﵇ إنما هو ابن مسعود.
فلم يصح هذا الأثر عن ابن عباس.
أما الأمر الثاني: فهو صحيح عن عبيدة هذا ولكن لو كان مرفوعاً إلى النبي ﷺ لم يكن فيه حجة؛ لأنه يكون مرسلاً فكيف وهو موقوف عليه، أي: هو مقطوع باصطلاح علماء الحديث.
المهم: أنه لم يأت تفسير للآية الكريمة: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] عن السلف بوجوب ستر الوجه ولا يمكن هذا كما وصفنا آنفاً؛
стр. 6570
لأن يستلزم ستر العينين أيضاً ولا يمكن ذلك للمرأة إذا ما خرجت إلى السوق تريد أن تقضي حاجة .. تشتري بضاعة ونحو ذلك.
بل قد ثبت عن ابن عباس وعن ابن عمر وغيرهما من السلف أن قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] قال: هو الوجه والكفان، فرجع الأمر إلى أن ترجمان القرآن لا يرى ولا يفهم من الآية آية الجلباب أن الوجه عورة بل يرى أن ذلك مستثنى من عورة المرأة وعلى هذا أكثر العلماء من الفقهاء المعروفين المشهورين.
خلاصة القول الذي قررته قديماً وحديثاً: أن ستر المرأة لوجهها هو الأشرف والأفضل لها وبخاصة إذا كان الزمن فاسداً كما هو الواقع الآن، أما أن نقول يحرم عليها فهذا لا دليل عليه في الشرع وحينذاك يجب التورع عن إطلاق التحريم، من شاءت من النساء أن تغطي وجهها وكفيها فذلك هو الأفضل لها، ومن شاءت أن تترخص وتكشف عن وجهها فلها ذلك بشرط أن لا تجمل وجهها بزينة اصطناعية.
(رحلة النور: ٠٠)
نقاش في حكم كشف الوجه والكفين
يراجع في رحلة النور
(رحلة النور: ٣٨ ب/٠٠: ٠٥: ٤٣).
نقاش حول حكم تغطية وجه المرأة
مداخلة: يا شيخ سؤال حول كشف المرأة لوجهها [فقد بدأ طلاب العلم يتحدثون على أن الوجه واليد ليسا بعورة مع أن الوجه أجمل ما في المرأة]؟
الشيخ: صحيح.
стр. 6571
مداخلة: فما رأيك بهذا .. وهذا الحديث الذي سمح لهم بهذه الأشياء صحته من قوته من ضعفه ..
الشيخ: ليس لنا رأي مع الشرع.
مداخلة: نعم، الرأي مع العلم.
الشيخ: وكثير من العلماء يأخذون الأمور بالعواطف وليس بهدي الشرع الملزم، فأنت قلت كما سمعنا من غيرك أن أجمل ما في المرأة وجهها، وأجمل ما في الوجه ما هو؟
مداخلة: العينين والابتسامة.
الشيخ: إذاً: لا يجوز لها أن تكشف عن عينيها لترى الطريق؟
مداخلة: والله يجوز أن تضع [سترة وتترك فتحة] على عينها حتى تفرق .. وحتى ترى الطريق ...
الشيخ: ماذا تضع ماذا؟
مداخلة: تعمل سترة وتترك [فتحة] صغيرة حتى تنظر.
الشيخ: وهل هذا جاء في القرآن؟
مداخلة: لا ما جاء.
الشيخ: فإذاً من أين جئتم به؟
مداخلة: تدعو على الفتنة، والحركات لا تكون بالعينين.
الشيخ: أنت تكنى بأبي جمال أو بكنية أخرى؟
مداخلة: نعم أبو جمال نعم.
الشيخ: أبو جمال، فأرجوك أن تتئد في كلامك أي: لا تستعجل وفي الحديث يقول: «العجلة من الشيطان والتأني من الرحمن».
стр. 6572
مداخلة: نعم: جزاك الله خير.
الشيخ: طيب! فجاء السؤال آنفاً بناءً على قول بعض الأفاضل أن أجمل ما في المرأة وجهها وهذا لا يمكن أن يكابر فيه أحد، لكن هذه فلسفة ليست شرعاً؛ لأن هذه الفلسفة تقابل بفلسفة أخرى وهي وقد سمعت آنفاً أجمل ما في الوجه ما هو؟ عيناها، طيب!
مداخلة: الابتسامة.
الشيخ: لا، لا داعي للابتسامة؛ لأن هذا لا أحد يقول بجواز ذلك، لكن أجمل ما في المرأة عيناها، يعني: الوجه من خلق الله والعينان فيه من خلق الله، أما الابتسامة فهي. .... إنسان فقد تبتسم أو لا تبتسم فهذا في يدك، أما جمالك في يدك وفي عينيك فليس من كسبك وإنما هو من خلق الله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١] لا شيء! لذلك أقول: لا ينبغي الدخول في معالجة هذه المسألة بما يشبه الفلسفة؛ لأن الفلسفة لا نهاية لها والتجربة أمامك الآن حيث قيل: أجمل ما في المرأة وجهها، ثم قيل: أجمل ما في وجهها عيناها فإذا كان يلزم من الفلسفة الأولى تغطية وجهها لزم أيضاً من الفلسفة الأخرى تغطية عينيها، فهل ذلك مما يجب عليها؟ قلت أنت من عندك .. من عندك تضع شيئاً لعلك تعني النظارة .. السوداء أو ما شابهها فقلنا: من أين جئت بهذه الإضافة؟ قلت: من باب سد الذريعة، لكن الشارع الحكيم الذي أنزل الحجاب ذكراً له في القرآن ألم يسد الذريعة؟ هل نستطيع أن نقول: أنه ما سد الذريعة؟ ما نستطيع أن نقول إلا سد الذريعة، إذاً: ليس لك أنت أن تسد الذريعة؛ لأنها قد سدت بحكم الله ﵎، حينئذٍ نعود إلى حكم الله تعالى ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] فما معنى يدنين؟
الشيخ: طيب! ما رأيك نعمل درس عملي تضع أنت الآن العباءة على رأسك
стр. 6573
أترضى ذلك؟
الشيخ: لا بأس، ترضى ذلك أو تعطيني أنا العباءة؟
مداخلة: لا لا، بسم الله هذه العباءة الأصل ..
الشيخ: طيب! ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] ..
لا، ليس مهم قطعة أو قطعتين، المهم أنها تكون كثيفة ليست شفافة كالمناديل التي تشدها بعض النساء، لا لا تقعد .. الجلباب ضعه على رأسك واستر به وجهك .. نعم، وامش.
مداخلة: لا أرى.
الشيخ: لا ترى! هذا الذي أمرك ربك؟ !
مداخلة: نريد الشيء الذي ينفعنا مع الله ..
الشيخ: بارك الله فيك، أحسنت، ربك أعلم بما خلق: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
أول شيء يجب أن ننظر للآية لم تقل: يغطين وجوههن وإنما قال: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] الإدناء: هو التقريب، فأنت كما فعلت آنفاً العباءة هكذا.
نعم، تدنى هكذا، وقد تدنى هكذا فلا ترى الطريق، وقد تدنى هكذا فترى الطريق بعين واحدة، نعم، وقد تدنى هكذا فترى الطريق بالعينين كلتيهما، وقد تدني هكذا أكثر قليلاً كشفاً إلى آخره، هذا التعديد لا بد له من دليل فنحن نقصد بالتجربة الأولى أن نبين للناس بطريقة عملية أن الذين يذهبون إلى أن معنى الإدناء هو التغطية يخطئون خطئاً فاحشاً؛ لأنهم إما أنهم يتجاهلون أو يجهلون أننا لو طبقنا الجلباب بمعنى التغطية عمينا الطريق على النساء ولم يستطعن أن يمشين خطوة واحدة؛ لأن من شروط الجلباب أن لا يكون شفافاً وأن يكون كثيفاً أليس كذلك؟
стр. 6574
فحينئذٍ ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] ليس بالمستطاع أبداً أن تفهم الآية بمعنى التغطية والتجربة أكبر برهان.
إذاً: بقي علينا ما دام انتفى معنى يدنين انتفى عن هذه اللفظة يغطين، نفهم إذاً يدنين إلى أي حد هنا دخلت السنة كما هي شأنها دائماً وأبداً حينما تفسر القرآن فتبينه وتوضحه.
أكثر مثال ميسر فهمه لدى الناس جميعاً من حيث أن السنة توضح القرآن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] الميتة يدخل تحت هذه اللفظة ميتة البحر، فلو وقفنا عند هذا النص القرآن لحرمنا على أنفسنا السمك أليس كذلك؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: لكن الرسول بين أن ميتة السمك ليست داخلة في هذا المعنى الواسع الميتة التي حرمت بنص القرآن الكريم فقال ﵇: «أحلت لنا ميتتان ودمان: الحوت والجراد، والكبد والطحال» لو لم نأخذ بالحديث لفهمنا السمك حرام لعموم الآية أليس كذلك؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: لو لم نلتفت إلى السنة في موضوع وجه المرأة لفهمنا أن المرأة يجب أن تغطي وجهها؛ لأنها كما فسروا المتأخرون منهم يدنين، أي: يغطين، وهو كما أثبتنا عملياً تفسير باطل، [البعض] يقول: تكشف عن عين واحدة، وبعضهم جزاه الله خير أفسح في الرخصة فقال: تكشف عن العينين، لكن هذا كله بالاجتهاد، أما النص قد جاء عن النبي ﷺ من طرق: «إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها وكفيها» والرسول ﷺ لما قال بالنسبة للمحرمة: «لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين» يشير إلى أن هناك العادة كانت .. عادة النساء أنهن ينتقبن، فخشية أن تنتقب المرأة المحرمة قال: لا تنتقب، وكان أيضاً من عادتهن أن
стр. 6575
يلبسن القفازين، فحرم على المرأة المحرمة أن تنتقب وأن تلبس القفازين.
مداخلة: تحريم؟
الشيخ: تحريم؛ ولذلك فالمرأة المحرمة يجب أن تكشف عن وجهها، أما غير المحرمة فلا يجب عليها ذلك، بل يستحب لها أن تغطي وجهها بطريقة أو بأخرى، يعني: يوجد هذه المناديل الشفافة حيث ترى المرأة الطريق من وراءه ولا تُرَى هي .. لكن البحث: هل يحرم عليها أن تكشف عن قرص وجهها؟ الجواب: لا ..
مداخلة: في الإحرام ضروري.
الشيخ: ضروري نعم، بل واجب أن تكشف عن وجهها وعن كفيها، فكثير من أهل العلم يوجبون عليها ذلك، فهل إذا تقنعت الحاجة والمعتمرة فهذه لا يجوز لها أن تنتقب النقاب ولا أن تتمندل بالمنديل فهو حرام عليها ما دامت محرمة بالحج أو العمرة.
مداخلة: تكشف تماماً.
الشيخ: تكشف حاجة محرمة.
مداخلة: يعني: ما عليها شيء في هذا الشيء؟
الشيخ: واجب يا شيخ! ليس فقط ما عليها شيء بل هو واجب.
مداخلة: . .
الشيخ: أنا أعرف أنه .. عندنا في الشام مثل يقول: كثرة الشد يرخي، شد يدك وبعد ذلك فك، هذا معنى لا أقول من السنة قال ﵊: «إن لكل عمل شرة ولكل شرة فترة، فمن كان فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى بدعة فقد ضل» فلكل عمل شرة، فأنا أعتقد أن مسألة وجه المرأة أخذت بالشدة التي جاوزت الشريعة، وهذه الشدة حملت بعض العلماء الأفاضل على تفسير القرآن بما لا يصح تفسيره والمثل وقع أمامك، هذا مثل لا ينسى، أليس كذلك؟ يدنين:
стр. 6576
يغطين بجلابيبهن هذا مستحيل؛ لأن ذلك يعني تعمية الطريق عليها، والقول بأنها تضع نظارة مثلاً هذا النظارة لم تكن في تلك العصور، ولم يكن المنديل هذا الشفاف أيضاً معروفاً؛ ولذلك لم يكن معروفاً عند العرب في الجاهلية في الإسلام الأول إلا الانتقاب، أي: لا بد لأجمل امرأة في الدنيا أن تكشف عن أجمل ما في وجهها لترى طريقها ألا وهي عيناها.
فإذا عرفت هذا الحديث: «لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين» .. رخصة إن شاءت سترت، وإن لم تشأ لم تستر، والستر أفضل، رأيت؟ فحينما تربى النساء بهذا الفقه المعتدل لا إفراط ولا تفريط جاء وقت الحج أو العمرة فإذا قيل لها: لا تستري وجهك ما تستوحش؛ لأنها معتادة .. لأنها ثقفت من قبل ربما تكشف عن وجهها أحياناً وهي غير حاجة ولا هي معتمرة، فحينما يقال لها: اكشفي عن وجهك لأن الشرع يقول فرض عليك ما دمت محرمة أن تكشفي وجهك وعن كفيك؛ ولذلك أنا لمست لمس اليد هذه الحكمة: «إن لكل عمل شرة» والمثل العامي: كثرة الشد يرخي .. أنا اعتمرت منذ أسابيع وكانت معي زوجتي فكنا نرى المحرمات متنقبات، وأنا بنفسي رأيت شاباً يسعى بين الصفا والمروة وأنا خلفه وقع بصري عليه وبجانبه زوجه وهي متمندلة فاقتربت من زوجها وقد كشف عن منكبه:
[قلت]: السلام عليكم.
[قال]: وعليكم السلام.
قلت: إن شاء الله يبدو أنك تؤدي العمرة؟
قال: نعم.
قلت: كشفك المنكب الآن هذا لا أصل له في السنة، وهذه أيضاً تراها في الحجاج والمعتمرين دائماً وأبداً بينما كشف المنكب إنما هو في طواف القدوم فقط، أما الطوافات الأخرى لا يشرع فيها كشف المنكب فضلاً عن السعي بين الصفا والمروة لقنته هذا الحكم،
стр. 6577
فصمت ولا أريد أن أقول: لم يستجب؛ لأنه استجاب فيما بعد.
المهم: جاء دور الكلام عن زوجته:
قلت: زوجتك محرمة معك إن شاء الله؟
قال: نعم.
قلت: يا أخي! الرسول يقول: «لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين» وهي من تشملها، ليست قد سترت فقط وجهها بل وكفيها أيضاً .. ما شاء الله هذا شيء طيب لكن هذا جهل بالإسلام؛ لذلك أقول: لا ينبغي أن تؤخذ المسائل بالعواطف وإنما بالحكم الشرعي.
قال: المسألة فيها خلاف.
قلت: سامحك الله، الخلاف ليس فيما نتكلم الآن بالنسبة للمحرمة وإنما بصورة عامة: هل وجه المرأة عورة أو ليس بعورة؟ هذا فيه خلاف صحيح، لكن البحث الآن: هل يجوز للمرأة المحرمة بحج أو عمرة أن تستر وجهها؟ حتى وصلنا إلى المروة، هو بطبيعة الحال أشد مني فنزل إلى المروة قبلي، فلما ملت للنزول وإذا هو أمامي .. فرأيته والحمد لله قد غطى كتفه لكن زوجته لا تزال كما هي، ما سبب هذا؟ سببه تشدد العلماء أنه لا يجوز للمرأة أن تكشف وجهها، أما نقيم العدل والإنصاف الأفضل على المرأة أن تستر وجهها لا يجوز لها أن تكشف عن وجهها ولو أحياناً أما وهي محرمة فيجب عليها أن تكشف عن وجهها وعن كفيها وإلا ..
أنا لا أقول بأن يجب عليها دم لأنه ما على ذلك نص لكن كثير من العلماء الأفاضل سمعناهم يوجبون عليهم الذبح فتصور الآن كم من المحرمات في الحج والعمرة يلزمهم الذبح بسبب [غلوهم] في الدين، فربنا يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] والنبي ﷺ في حجة الوداع وعظ الناس في مناسبات كثيرة منها أن قال لهم: «إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك الذين من قبلكم غلوهم في دينهم، ثم التقط حصاة فقال: مثل
стр. 6578
حصى الحج» والآن ماذا ترى في الجمرات؟ كيف ترمى الجمرات بالنعال؟
مداخلة: نعم، هذا عمل غير صالح.
الشيخ: نعم، غير صالح لماذا؟ لأنه غلو، وهم [يظنون] أن الشيطان ناصب نفسه هناك هذا من جهلهم؛ ولهذا الرسول ﵇ كما وصفه ربنا في القرآن بحق: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] فقال سلفاً: «إياكم والغلو في الدين» فكأنما كشف له عما سيقع من المسلمين، فقال: «إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك الذين قبلكم غلوهم في دينهم».
مداخلة: سمعنا أن عندما نزلت آية الحجاب أنهم خرجوا كالغراب الأسود من رأسها إلى رجليها، هل هذا دليل صحيح؟
الشيخ: سمعت خيراً وأسأت فهماً.
مداخلة: طيب! جزاك الله خير.
الشيخ: كالغراب الأسود .. لكن ليس فيه أن هذا الثوب الأسود غطين به وجوههن.
مداخلة: [لكن في الحرم مع الزحام كشف المرأة وجهها يكون فيه فتنة]؟
الشيخ: إذاً الآن [أنت ضد] الحديث يقول: «لا تنتقب المرأة المحرمة» لا تنقلنا عن المسألة أرجوك هذا الكلام فيه خطورة؛ لأنك ترد على الرسول هذا فيه خطر كبير، هذا يشبه تماماً الرهط الذين جاءوا إلى نساء النبي ﷺ وسألوهن عن عبادة الرسول ﵇ وعن قيامه وصيامه وإتيانه لنسائه، فقلن واقع الرسول أنه يصلي وينام ويصوم ويفطر، ويتزوج النساء فتقالوها، تدري لماذا تقالوها؟
مداخلة: لا.
الشيخ: يعني: وجدوها عبادة قليلة، عبادة الرسول .. سيد العباد .. الذي قام حتى تفطرت قدماه، قالوا: هذه عبادة قليلة!
ثم رجعوا يعللون قلة هذه العبادة قالوا: هذا رسول الله ﷺ قد غفر الله له ما تقدم من
стр. 6579
ذنبه وما تأخر، كأنهم يقولون: أنه لم يبق هناك دافع للرسول ﵇ أن يتعبد كثير.
جاؤوا بشيء آخر .. وهو تعليليهم لهذه العبادة القليلة، حيث قالوا: «هذا رسول الله ﷺ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» يعني: لماذا يتعب نفسه ... ؟ لماذا يتعب نفسه يقوم الليل كله ويصوم الدهر كله؟ ..
فعادوا إلى أنفسهم قالوا: نحن ما حصلنا المغفرة من الله؛ لذلك يجب علينا أن نجتهد حتى ربنا يغفر لنا، فقال أحدهم: «أما أنا فأقوم الليل كله ولا أنام، وقال الثاني: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء، ثم جاء الرسول ﵊ وأخبر الخبر. .. فخطب الناس في المسجد، قال: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا وكذا حكى ما قالوا، أما إني أخشاكم لله وأتقاكم لله .. أما إني أصوم وأفطر، وأقوم الليل وأنام، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني».
فالرسول ﷺ يجب أن يكون عقيدة راسخة في قلب كل مسلم يؤمن حقاً بالله ورسوله أن يعتقد أنه ما ترك لأحد أن يستدرك عليه شيئاً ولو من باب سد الذريعة فيما كان معروفاً في زمانه، وهذه الكلمة: فيما كان معروفاً في زمانه قيد ضروري جداً ..
قد جاء في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «ما من نبي بعثه الله ﵎ إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم» لا شك .. عقيدة المسلم أن الرسول ما كتم شيئاً ولا وكل أمر البيان لغيره كيف ونحن نقرأ في القرآن: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] إلى آخر الآية، ونقرأ .. الحديث التالي: «ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به، وما تركت شيئاً يبعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا ونهيتكم عنه» إذا كان هذا عقيدة كل مسلم فيجب أن لا يتغافل عن ذلك حينما يأتيه حكم الله وحكم رسوله، ولا يكون موقفه موقف الرهط فيأتي الرسول ويرد عليه بقوله: «فمن رغب عن سنتي فليس مني».
فإذا كان النبي ﷺ قد قال في حق المرأة المحرمة: «لا تنتقب المرأة المحرمة لا تلبس القفازين» فليس للمسلم أن يقول: هذا يصير عليه فتنة كيف الرجل والنساء
стр. 6580
في الطواف وفي السعي؟ نقول: لا مجال للاستدراك على الرسول؛ لأنه وحي من الله وما ينطق عن الهوى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤].
من أجل ذلك يجب بيان الحكم الشرعي بتمامه حتى لا يقع المسلم أو المسلمة في إفراط أو تفريط، فما يتعلق بوجه المرأة العلماء ذكروا قولين: منهم من يقول بأنه عورة ومنهم من يقول: بأنه ليس بعورة وهذا هو الصحيح، وليس في القرآن ما ينافي هذا أبداً والتجربة ليست بعيدة عنك؛ لأن الآية السابقة لا تعني تغطية الوجه وإنما تعني تقريب [الجلباب] إلى الوجه، هذا التقريب جاء بيانه في السنة: «إذا بلغت المرأة المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها وكفيها».
مع ذلك فالذين يقولون بأنه ليس بعورة يقولون: الأفضل لها أن تستر وجهها، فالذين يقولون بأن الوجه عورة يقولون: يجب عليها أن تكشف عن وجهها وهي محرمة، هذا الجانب الثاني لا يقول العلماء القائلون بأن وجه المرأة عورة ببيانه للناس كما يفعلون بالجانب الإيجابي يقولون: يجب على المرأة أن تستر وجهها ولكن لا يقولون ما ينافي ذلك وهي محرم عليها أن تستر وجهها في حالة كونها في الإحرام.
مداخلة: طيب سؤال في الموضوع، بعض العلماء جزاهم الله خير ألزموا الغطاء الوجه يفسر الآية [﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ بوجوب تغطية الوجه، لأن الجلباب ينزل من على الوجه ثم على الصدر، وإلا كيف سيغطي الصدر، يؤتى به من الوراء أو من الجانب]؟
الشيخ: جزاهم الله خيراً أخطأوا أو أصابوا .. ما هو الذي يأتي على الصدر؟
مداخلة: الجلباب.
الشيخ: لا، الجلباب قد تلونا على مسامعك آنفاً نص الآية وهو: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] .. إنما هو الخمار، قال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] طيب؟
стр. 6581
مداخلة: نعم هذا هو. ..
الشيخ: طيب! الآن الخمار هل هو خاص بالنساء دون الرجال أم هو لباس مشترك بين النساء والرجال؟
مداخلة: الله أعلم.
الشيخ: هذه مشكلة كبيرة أن العرب لم يعودوا يعرفون لغتهم، هذه الغترة ما اسمها في اللغة العربية؟ غترة، غترة غير معروف باللغة العربية لكن ما دام الخمار، فقد كان الرسول يمسح على الخمار ويمسح على الخفين، الخمار: هو غطاء الرأس وليس غطاء الوجه، الدليل على ذلك إذا تركنا اللغة جانباً ليس على سبيل الإعراض عنها؛ لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين، لكن أخذنا كما قلنا في آية تحريم الميتة، كذلك جاء حديث عن الرسول ﵇ أنه قال: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» هات نرى .. كيف تفهم أنت أو المشايخ الذين فهموك أن الخمار الذي يغطي الصدر الجيب كما قلت تماماً .. هذا هو الجيب.
مداخلة: نعم نعم.
الشيخ: الآن هذا الخمار على رأسك وأرني كيف تغطي وجهك وصدرك ..
كيف تقول أنت والمشايخ أن الخمار يغطي الوجه، ثم هذه واحدة لكن دعنا مع الحديث: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» آنفاً أنا سألتك: هل يجب على المرأة حين تصلي أن تغطي وجهها؟ قلت: لا، وقولك الحق، لكن الآن أسألك: هل يجب على المرأة أن تغطي رأسها في الصلاة؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: إذاً عندما قال الرسول: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» فإنه يعني أن الخمار يغطي الرأس وليس الوجه، هذه الحقيقة حقائق الكثير مما يغفل عنه بعض الناس بسبب أنهم أخذوا القضية بالحرارة .. بالحماس [والعواطف] الجامحة فأنساهم المعنى الصحيح للآية وللأحاديث: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾
стр. 6582
[النور: ٣١] ..
ولأمر ما نرى النساء .. نساء هذه البلاد يخالفن الحديث، إذا كان الرجال يعني: الأزواج وهم قوامون على النساء ليسوا مقتنعين بجواز بل بوجوب كشف المرأة المحرمة لوجهها فإذا هي تغطي وجهها تجاوباً مع أوامر زوجها، فالواجب [رد] هذا الانخراط في مخالفة الشرع بالعواطف.
نحن نعتقد أن كلمة العلماء الذين يقولون: كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار رداً على الذين يستحسنون بعض الأمور التي لم تكن معروفة في العهد الأول، يقولون كلمة حق: لو كان خيراً لسبقونا إليه، لو كان هذا التشدد لسبقنا السلف الصالح، لكن السلف الصالح كانوا كما قلنا بصورة عامة نساؤهن منهم من يسترن وجوههن وهذا [لدرء] الفتنة وهذا جائز، أما في الحج فلا بد من كشف الوجه.
(رحلة النور: ٠١ ب/٠٠: ١٠: ١٩)
وجوب تغطية الوجه من خصائص أمهات المؤمنين
الشيخ: نحن نقول، وفي الأمس القريب قلنا: أن العلماء اختلفوا في وجه المرأة، فمن قائل: أنه عورة، ومن قائل: أنه ليس بعورة، ومعنى ذلك: أن من يقول ليس بعورة أي: لا يحرم عليها أن تكشف عن قرص وجهها فقط لكن الأفضل أن تستر وجهها، أما أن نقول: أن هذا خاص بنساء الرسول ﵇ فهذا غير صحيح، وإن كنت قرأت كتاب الحجاب فستجد فيه النوع الخاص مشروعية ستر المرأة لوجهها وفيه رد على بعض من ذهب أن ستر المرأة لوجهها بدعة، فنحن رددننا عليهم بآثار ذكرناها هناك، ونحن نرى ونطبق أن ستر المرأة لوجهها هو الأفضل .. نحن نرى أن ستر المرأة لوجهها هو الأفضل ونطبق هذا في نسائنا وبناتنا ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً ليس من باب الوجوب وإنما من باب الاستحباب والأفضل.
يمكن من قال بالوجوب بالنسبة لنساء الرسول ﵇ وليس أن معنى
стр. 6583
ستر الوجه هو خاص بنساء الرسول، فنحن نعلم أن كثيرات من النساء في عهد النبي ﷺ غير نساء الرسول ﷺ كن يسترن وجوههن؛ ولذلك نقول: أن هذا هو الأفضل كما أننا نعلم خلافاً لغيرنا بأن هناك من كان يكشف أيضاً من النساء عن وجوههن فدل على هذا الجواز ودل ذاك على الأفضل، فهذا هو الذي نراه وندين الله به.
مداخلة: هذا الوجوب بالنسبة لنساء النبي ﷺ أنه هل هو خصوصية لهن ..
الشيخ: هذا الذي قلته .. القول بالوجوب غير القول بأن ستر الوجه هو خاص بهن.
مداخلة: ما هو الدليل على هذا التخصيص؟
الشيخ: هو ما ذكرناه في الحجاب وفي غير الحجاب، وما أشرت إليه آنفاً.
أولاً: دليل الوجوب على النساء إنما هو ليس بدليل شرعي منصوص عليه في الكتاب وفي السنة، وإنما هو جريان عمل نساء الرسول ﵇ على ذلك وعدم ظهورهن بوجوههن ولو مرة في حياتهن، من هذه الأمور مجموعةً قال العلماء أن هذا من خصائص النساء .. نساء الرسول أمهات المؤمنين.
لو وجد هناك فيمن تقدم من العلماء من قال بأنه لا يجوز لهن أن يبرزن بأشخاصهن وأن يقال: هذه زوجة الرسول ولو كان لا يظهر منها شيء فقد رد هذا من كثير من العلماء؛ لأن هذا أولاً ليس عليه دليل، وثانياً: لأن واقع بعض أمهات المؤمنين وبخاصة السيدة عائشة فقد كانت تخرج وتخطب في الرجال وتعظهم وتذكرهم ونحو ذلك، فليس هناك دليل نصي من الكتاب والسنة وإنما هو جريان عمل أمهات المؤمنين على الحجب المطلق وجريان عمل الرسول ﵇ فيهن على ذلك.
فمن هنا يستنبط الوجوب الخاص بنساء الرسول ﷺ ، أما بالنسبة لنساء المسلمين بعامة فليس هناك دليل إطلاقاً على الوجوب، مع ما ذكرته آنفاً من جريان عمل بعض المسلمات في عهد الرسول ﵇ وفيما بعد على كشفهن عن
стр. 6584
وجوههن، هذا الذي نراه.
مداخلة: يعني: هل هذا الطريق للاستدلال بالخصوصية وهو جريان العادة؟
الشيخ: لا هو الطريق قبل كل شيء أن من يدعي الوجوب عليه إثبات الدليل لننظر أن هذا الدليل يعم النساء المسلمات كلهن أم لا؟ من هنا يبدأ الطريق، فإذا عجز عن إثبات ذلك. .
ثم ما هو الطريق وهذا أخص من الأول لإثبات أن النساء المؤمنات أمهات المؤمنين كان يجب عليهن ستر وجههن، إن ثبت هذا لم يشمل الأول، وإن ثبت الأول شمل الآخر فهنا عموم وخصوص؛ ولذلك من يدعي العموم عليه أن يأتي بالدليل الناهض على ذلك، ومن يدعي الخصوص فالخصوص هو واقع نساء الرسول وحجابهن في وجوههن، وهذا مع قولنا به فنحن نقول: أن الأفضل الاقتداء بهن، لكن أن نقول: أن وجه المرأة عورة بدون نص من كتاب الله ومن حديث رسول الله هذا أمر خطير جداً؛ لأن فيه تحريم شيء لا يوجد نص عليه ..
(رحلة النور: ٠٤ أ/٠٠: ٣٩: ٢٨) (رحلة النور: ٠٤ ب/٠٠: ٠٠: ٠٠)
حدود عورة المرأة
مداخلة: ما هي عورة المرأة للمرأة؟
الشيخ: ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] إلى أن قال تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فيجوز للمرأة أن تبدي لأختها المسلمة فقط مواضع الزينة منها، ومواضع الزينة حينما نزلت الآية الكريمة إنما هي الرأس وما حوى، والذراعان، إلى موضع الدولج الذي هو السوار فوق المرفقين، وإلى القدمين وموضع الخلاخيل، هذه المواطن فقط مما يجوز للمرأة أن تظهرها لأختها المسلمة، أما غير المسلمة فهذه الكافرة بالنسبة للمرأة المسلمة هي
стр. 6585
كالرجل، فلا يجوز للمرأة المسلمة أن تظهر أمام الكافرة إلا كما تظهر أمام الرجل، والعلماء مختلفون كما تعلمون: هل يجوز للمرأة المسلمة أن تظهر أمام الرجل بوجهها وكفيها؟ فمنهم من يقول: يجوز، ومنهم من يقول: لا يجوز، على هذا القول يتفرع الجواب بالنسبة لظهور المرأة أمام الكافرة، فمن يقول بأن الوجه عورة فلا يجوز للمرأة المسلمة أن تري للكافرة وجهها ولا كفيها، ومن قال بالجواز كما نحن نعتقد فيجوز.
(فتاوى رابغ (٦) /٠٠: ٣٣: ١٥)
حكم تغطية وجه المرأة
السؤال: غطاء وجه المرأة هل هو واجب أم لا؟
الجواب: ليس بواجب، وإنما هو أمر مستحب
(الهدى والنور /٦٨٧/ ٢٢: ٢٧: ٠٠).
حول حديث أسماء
مداخلة: بعضهم حكم بالاضطراب على حديث أسماء في كشف الوجه واليدين من حيث المتن، فما الجواب. .. ؟
الشيخ: كيف من حيث المتن وين. ..
مداخلة: لأنه في روايات جاءت. ..
الشيخ: ما عليش؟ هذه رواية ثابتة ثبوت تلك؟ آنفاً ذكرنا بالمناسبة، أنه إذا استوت الروايات حاول الباحث التوفيق، أما إذا كان رواية ثابتة، ورواية غير ثابتة، فهل يقال في هذا أنه حديث مضطرب؟
إذا كان هي كلها ضعيفة.