← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.

стр. 7281

والأمر الآخر: أن النبي ﷺ أقر عمر وغيره من الصحابة على ما كان مستقرا في نفوسهم واعتقادهم أن الموتى لا يسمعون بعضهم أومأ إلى ذلك إيماء وبعضهم ذكر ذلك صراحة لكن الأمرين بحاجة إلى توضيح فأقول: أما الإيماء فهو في مبادرة الصحابة لما سمعوا نداءه ﷺ لموتى القليب بقولهم: ما تكلم أجسادا لا أرواح فيها فإن في رواية أخرى عن أنس نحوه بلفظ: قالوا بدل: قال عمر فلولا أنهم كانوا على علم بذلك سابق تلقوه منه ﷺ ما كان لهم أن يبادروه بذلك وهب أنهم تسرعوا وأنكروا بغير علم سابق فواجب التبليغ حينئذ يلزم النبي ﷺ أن يبين لهم أن اعتقادهم هذا خطأ وأنه لا أصل له في الشرع ولم نر في شيء من روايات الحديث مثل هذا البيان وغاية ما قال لهم: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم». وهذا - كما ترى - ليس فيه تأسيس قاعدة عامة بالنسبة للموتى جميعا تخالف اعتقادهم السابق وإنما هو إخبار عن أهل القليب خاصة على أنه ليس ذلك على إطلاقه كما تقدم شرحه فسماعهم إذن خاص بذلك الوقت وبما قال لهم النبي ﷺ فقط فهي واقعة عين لا عموم لها فلا تدل على أنهم يسمعون دائما أبدا وكل ما يقال لهم كما لا تشمل غيرهم من الموتى مطلقا. وأما الصريحة فهي فيما رواه أحمد ٣/ ٢٨٧ من حديث أنس ﵁ قال: صحيح، فسمع عمر صوته فقال: يا رسول الله أتناديهم بعد ثلاث؟ وهل يسمعون؟ يقول الله : ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فقال: «والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع [لما أقول] منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا». وسنده صحيح على شرط مسلم. فقد صرح عمر ﵁ أن الآية المذكورة هي العمدة في تلك المبادرة وأنهم فهموا من عمومها دخول أهل القليب فيه ولذلك أشكل عليهم الأمر فصارحوا النبي ﷺ بذلك ليزيل إشكالهم وكان ذلك ببيانه المتقدم. ومنه يتضح أن النبي ﷺ أقر الصحابة - وفي مقدمتهم عمر - على فهمهم

стр. 7282

للآية على ذلك الوجه العام الشامل لموتى القليب وغيرهم لأنه لم ينكره عليهم ولا قال لهم: أخطأتم فالآية لا تنفي سماع الموتى مطلقا بل إنه أقرهم على ذلك ولكن بين لهم ما كان خافيا عليهم من شأن القليب وأنهم سمعوا كلامه حقا وأن ذلك أمر خاص مستثنى من الآية معجزة له ﷺ كما سبق. ثم قلت هناك: فتنبه لهذا واعلم من الفقه الدقيق الاعتناء بتتبع ما أقره النبي ﷺ من الأمور والاحتجاج به لأن إقراره حق كما هو معلوم وإلا فبدونه قد يضل الفهم عن الصواب في كثير من النصوص ولا نذهب بك بعيدا فهذا هو الشاهد بين يديك فقد اعتاد كثير من المؤلفين وغيرهم أن يستدلوا بهذا الحديث - حديث القليب - على أن الموتى يسمعون متمسكين بظاهر قوله ﷺ : «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» غير منتبهين لإقراره ﷺ الصحابة على اعتقادهم بأن الموتى لا يسمعون ... فعاد الحديث - بالتنبه لما ذكرنا - حجة على أن الموتى لا يسمعون وأن هذا هو الأصل فلا يجوز الخروج عنه إلا بنص كما هو الشأن في كل نص عام والله ولي التوفيق. وقد يجد الباحث من هذا النوع أمثلة كثيرة ولعله من المفيد أن أذكر هنا ما يحضرني الآن من ذلك وهما مثلان ... ثم ذكرتهما وأحدهما عائشة هذا فقلت عقبه ص ٤٦: قلت: فنجد في هذا الحديث أن النبي ﷺ لم ينكر قول أبي بكر الصديق: مزمار الشيطان بل أقره على ذلك فدل إقراره إياه على أن ذلك معروف وليس بمنكر فمن أين جاء أبو بكر الصديق بذلك الجواب ... الخ ما تقدم نقله ص ١٠٧ - ١٠٨. ثم قلت: ص ٤٧: فتبين أنه ﷺ كما أقر عمر على استنكاره سماع الموتى كذلك أقر أبا بكر على استنكاره مزمار الشيطان وكما أنه أدخل على الأول تخصيصا كذلك أدخل على قول أبي بكر هذا تخصيصا اقتضى إباحة الغناء المذكور في يوم العيد ومن غفل عن ملاحظة الإقرار الذي بينا أخذ من الحديث الإباحة في كل الأيام كما يحلو ذلك

стр. 7283

لبعض الكتاب المعاصرين وسلفهم فيه ابن حزم ... ثم قلت ص ٤٨ - ٤٩: وأما أنه ﷺ لم ينكر على الجاريتين - فحق ولكن كان ذلك في يوم عيد فلا يشمل غيره. هذا أولا. وثانيا: لما أمر ﷺ أبا بكر بأن لا ينكر عليهما بقوله: «دعهما» أتبع ذلك بقوله: «فإن لكل قوم عيدا ... » فهذه جملة تعليلية تدل على أن علة الإباحة هي العيدية - إذا صح التعبير - ومن المعلوم أن الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما فإذا انتفت هذه العلة بأن لم يكن يوم عيد لم يبح الغناء فيه كما هو ظاهر ولكن ابن حزم لعله لا يقول بدليل العلة كما عرف عنه أنه لا يقول بدليل الخطاب وقد رد عليه العلماء ولا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية في غير موضع من مجموع الفتاوى فراجع المجلد الثاني من فهرسه. لقد طال الكلام على حديث عائشة في سماع الغناء ولا بأس من ذلك إن شاء الله تعالى فإن الشاهد منه واضح ومهم وهو أن ملاحظة طالب العلم إقرار النبي ﷺ لأمر ما يفتح عليه بابا من الفقه والفهم ما كان ليصل إليه بدونها وهكذا كان الأمر في حديث القليب. والخلاصة: أن خطأ ابن حزم إنما نشأ من توهمه أن النبي ﷺ أنكر إنكار أبي بكر على الجاريتين مطلقا وليس من إقراره ﷺ للجاريتين وذلك لأنه هذا إنما يدل على إباحة مقيدة بيوم عيد كما تقدم وبالدف وليس بكل آلات الطرب وبالصغار من الإناث كما صرح به العلماء قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس ١/ ٢٣٩: والظاهر من هاتين الجاريتين صغر السن لأن عائشة كانت صغيرة وكان رسول الله ﷺ يسرب إليها الجواري فيلعبن معها (١). ولهذا فإني لا أظن أن ابن حزم كان يعمم الحكم لولا ذلك الوهم ويؤيد ظني حديث التسريب المذكور فقد تبناه في دلالته الخاصة ولم يعممه فقال في المحلى ١٠/ ٧٥ - ٧٦: «وجائز للصبايا خاصة اللعب بالصور ولا يحل لغيرهن ... » قلت: وهذا هو الفقه الذي يقتضيه الجمع بين النصوص كالعام مع الخاص هنا

стр. 7284

فإن الأحاديث الصريحة في تحريم الصور من ذوات الأرواح كثيرة ومعروفة فاستثني منها ما ذكره ابن حزم من لعب البنات فلم يضرب هذا بتلك الأحاديث كما ذهب إليه بعض الأفاضل لأنه خلاف الجمع المذكور وهكذا كان ينبغي أن يكون موقف ابن حزم من آلات الطرب أن يقول بتحريمها كما حرم الصور وأن يستثني منها الدف في العيد إلا أنه لم يصحبه التوفيق فلم يقف على الأحاديث المتقدمة في تحريم الآلات وكان يكفيه في ذلك قول أبي بكر بحضرة النبي ﷺ : أمزمار الشيطان عند رسول الله ﷺ ؟ لولا وهمه الذي شرحته آنفا وبينا أن الحديث حجة عليه كما قال العلماء ولا بأس من ذكر بعض أقوالهم في ذلك. ١ - قال أبو الطيب الطبري ت ٤٥٠: هذا الحديث حجتنا لأن أبا بكر سمى ذلك مزمور الشيطان ولم ينكر النبي ﷺ على أبي بكر قوله وإنما منعه من التغليظ في الإنكار لحسن رفقته لا سيما في يوم العيد وقد كانت عائشة ﵂ صغيرة في ذلك الوقت ولم ينقل عنها بعد بلوغها وتحصيلها إلا ذم الغناء وقد كان ابن أخيها القاسم بن محمد يذم الغناء ويمنع من سماعه وقد أخذ العلم عنها. نقلته من كتاب ابن الجوزي ١/ ٢٥٣ - ٢٥٤. ٢ - قال ابن تيمية في رسالة السماع والرقص ٢/ ٢٨٥ - مجموعة الرسائل الكبرى: ففي هذا الحديث بيان أن هذا لم يكن من عادة النبي ﷺ وأصحابه الاجتماع عليه ولهذا سماه الصديق أبو بكر ﵁ مزمور الشيطان والنبي ﷺ أقر الجواري عليه معللا ذلك بأنه يوم عيد والصغار يرخص لهم في اللعب في الأعياد كما جاء في الحديث: «ليعلم المشركون أن في ديننا فسحة» (١).

стр. 7285

وكما كان يكون لعائشة لعب تلعب بهن وتجيء صواحباتها من صغار النسوة يلعبن معها (١). ٣ - وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان ١/ ٢٥٧: فلم ينكر ﷺ على أبي بكر تسميته الغناء مزمار الشيطان وأقرهما لأنهما جاريتان غير مكلفتين تغنيان بغناء الأعراب الذي قيل في يوم حرب بعاث من الشجاعة والحرب وكان اليوم يوم عيد ٤ - قال الحافظ في الفتح ٢/ ٤٤٢ تعليقا على قوله ﷺ : «دعهما ... »: فيه تعليل وإيضاح خلاف ما ظنه الصديق من أنهما فعلتا ذلك بغير علمه ﷺ لكونه دخل فوجده مغطى بثوبه فظنه نائما فتوجه له الإنكار على ابنته من هذه الأوجه مستصحبا لما تقرر عنده من منع الغناء واللهو فبادر إلى إنكار ذلك قياما عن النبي ﷺ بذلك مستندا إلى ما ظهر له فأوضح له النبي ﷺ الحال وعرفه الحكم مقرونا ببيان الحكمة بأنه يوم عيد أي: سرور شرعي فلا ينكر فيه مثل هذا كما لا ينكر في الأعراس. ٢ - وأما حديث ابن عمر الذي احتج به ابن حزم على الإباحة فيرويه نافع مولى ابن عمر: أن ابن عمر سمع صوت زمارة راع فوضع أصبعيه في أذنيه وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول: يا نافع أتسمع؟ فأقول: نعم فيمضي حتى قلت: لا فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق وقال: رأيت رسول الله ﷺ وسمع زمارة راع فصنع مثل هذا. أخرجه أحمد ٢/ ٨ و ٣٨، وابن سعد ٤/ ١٦٣، وأبو داود ٤٩٢٤ - ٤٩٢٦، ومن طريقه البيهقي في السنن ١٠/ ٢٢٢، وكذا ابن الجوزي ص ٢٤٧، وابن حبان في صحيحه ٢٠١٣ - موارد وابن أبي الدنيا ق ٩/ ١، والآجري رقم ٦٤، والطبراني في المعجم الصغير ص ٥ - هندية والبيهقي فيشعب الإيمان أيضا ٤/ ٢٨٣ / ٥١٢٠ من طرق عن نافع به وبعض طرقه صحيح وقد خرجتها وتكلمت عليها مفصلا مع متابع لنافع من مجاهد بنحوه في الروض النضير ٥٦٨ وفي المشكاة باختصار ٤٨١١ / التحقيق الثاني وقال الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر: حديث

стр. 7286

صحيح كما في تفسير الآلوسي ١١/ ٧٧، وكف الرعاع ص ١٠٩ - هامش الكبائر. فقال ابن حزم عقب الحديث: فلو كان حراما ما أباحه رسول الله ﷺ لابن عمر سماعه ولا أباح ابن عمر لنافع سماعه ولكنه ﵇ كره كل شيء ليس من التقرب إلى الله كما كره الأكل متكئا و .. و ... فلو كان ذلك حراما لما اقتصر ﵇ أن يسد أذنيه عنه دون أن يأمر بتركه وينهى عنه. فأقول: عفا الله عن ابن حزم فقد خفيت عليه أمور ما يليق بعلمه أن تخفى عنه: أولا: غاب عنه الفرق بين السماع والاستماع ففسر الأول بالثاني وهو خطأ ظاهر لغة وقرآنا وسنة ولذلك قال ابن تيمية عقب حديث عائشة المذكور آنفا: وليس في حديث الجاريتين أن النبي ﷺ استمع إلى ذلك والأمر والنهى إنما يتعلق بالاستماع لا بمجرد السماع كما في الرؤية فانه إنما يتعلق بقصد الرؤية لا ما يحصل منها بغير الاختيار وكذلك في اشتمام الطيب إنما ينهى المحرم عن قصد الشم فأما إذا شم ما لم يقصده فإنه لا شيء عليه وكذلك في مباشرة المحرمات كالحواس الخمس من السمع والبصر والشم والذوق واللمس إنما يتعلق الأمر والنهى في ذلك بما للعبد فيه قصد وعمل وأما ما يحصل بغير اختياره فلا أمر فيه ولا نهي. وهذا مما وجه به حديث ابن عمر ... فذكره فإن من الناس من يقول - بتقدير صحة الحديث (١) - لم يأمر ابن عمر بسد أذنيه فيجاب بأن ابن عمر لم يكن يستمع وإنما كان يسمع وهذا لا إثم فيه وإنما النبي عدل طلبا للأكمل والأفضل كمن اجتاز بطريقه فسمع قوما يتكلمون بكلام محرم فسد أذنيه كيلا يسمعه فهذا أحسن ولو لم يسد أذنيه لم يأثم بذلك اللهم إلا أن يكون في سماعه ضرر ديني لا يندفع إلا بالسد. ثانيا: أن ابن حزم كأنه يتصور أن الراعي الزامر كان بين يديه ﷺ ليأمره وينهاه وليس في الحديث شيء من ذلك بل لعل فيه ما قد يشعر بخلافه وهو أنه كان بعيدا

стр. 7287

لا يرى شخصه وإنما يسمع صوته ولذلك قال العلامة ابن عبد الهادي بعد أن ذكر نحو كلام ابن تيمية وخلاصته: وتقرير الراعي لا يدل على إباحته لأنها قضية عين فلعله سمعه بلا رؤية أو بعيدا منه على رأس جبل أو مكان لا يمكن الوصول إليه أو لعل الراعي لم يكن مكلفا فلم يتعين الإنكار عليه (١). ثالثا: إن تحريم الغناء وآلات الطرب ليس بأشد تحريما من الخمر وهو يعلم أن النبي ﷺ عاش ما شاء بين ظهراني أصحابه وهم يعاقرونها قبل التحريم فهل يصح أن يقال: إنه ﷺ أقرهم ولم ينههم؟ كذلك نحن نقول - على افتراض دلالة الحديث على الإباحة -: إنه يحتمل أنه كان قبل التحريم ومع الاحتمال يسقط الاستدلال. رابعا وأخيرا: وعلى الافتراض المذكور فهي إباحة خاصة بمزمار الراعي وهو آلة بدائية ساذجة سخيفة من حيث إثارتها للنفوس وتحريك الطباع وإخراجها عن حد الاعتدال فأين هي من الآلات الأخرى كالعود والقانون وغيرهما من الآلات التي تنوعت مع مرور الزمن وبخاصة في العصر الحاضر وابتلي بعض المغنين باستعمالها والجمهور بالاستماع إليها والالتهاء بها؟ . إن مما لا شك فيه أن الدليل في هذا الحديث - وعلى الافتراض المذكور - أخص من الدعوى كما يقول الفقهاء وإلا فالحقيقة أن لا دليل فيه البتة بل أن فيه دليلا على كراهة النبي ﷺ لصوت مزمار الراعي وهي بلا ريب كراهة شرعية بدخل في عموم قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ولذلك اتبعه عبد الله بن عمر ﵄ فوضع إصبعيه في أذنيه مع عدم وجود القصد كما شرحنا فهو مع وجود القصد أشد كراهة كما لا يخفى ولهذا قال ابن الجوزي ﵀ ص ٢٤٧:

стр. 7288

إذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج عن الاعتدال فكيف بغناء أهل الزمان وزمورهم؟ ! . قلت: فماذا يقال في أهل زماننا وموسيقاهم؟ . فهل من معتبر؟ هذا، وقبل ختام الكلام على هذا الفصل بدا لي أن أتحف القراء بأثر عزيز مفيد لم أر أحدا ممن كتب في الملاهي قد تعرض لذكره وهو عن أحد الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز ﵁ فإن القارئ الكريم سيتأكد منه أن المعازف كانت مستنكرة عند السلف وأن الساعي إلى إشهارها يستحق التعزير والتشهير فقال الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى: كتب مع عمر بن عبد العزيز إلى عمر بن الوليد كتابا فيه: « ... وإظهارك المعازف والمزمار بدعة في الإسلام ولقد هممت أن أبعث إليك من يجز جمتك جمة سوء». أخرجه النسائي في سننه ٢/ ١٧٨، وأبو نعيم في الحلية ٥/ ٢٧٠، بسند صحيح وذكره ابن عبد الحكم فيسيرة عمر ١٥٤ - ١٥٧ مطولا جدا ورواه أبو نعيم ٥/ ٣٠٩، من طريق أخرى مختصرا جدا. فلا غرابة إذن أن يكتب أيضا إلى مؤدب ولده يأمره أن يربيهم على بغض الملاهي والمعازف فقال أبو حفص الأموي عمر بن عبد الله (١) قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده يأمره أن يربيهم على بغض المعازف: ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بعض الملاهي التي بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم: أن حضور المعازف واستماع الأغاني واللهج بها ينبت

стр. 7289

النفاق في القلب كما ينبت العشب الماء ولعمري لتوقي ذلك بترك حضور تلك المواطن أيسر على ذي الذهن من الثبوت على النفاق في قلبه. أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي ق ٦/ ١، ومن طريقه أبو الفرج ابن الجوزي ص ٢٥٠. وجملة: أن الغناء ينبت النفاق قد صحت عن ابن مسعود موقوفا ورويت عنه مرفوعا كما سبق في المقدمة ص ١٠، ويأتي تخريجه في الفصل الثامن ص ١٤٥. تذييل: ورُبّ سائل يقول: قد عرفنا مما تقدم من الأحاديث والبحوث وأقوال العلماء تحريم آلات الطرب كلها بدون استثناء سوى الدف في العرس والعيد فهل هناك مناسبة أخرى يحل فيها الدف أيضا؟ فأقول: يرد في كلام بعض العلماء ما يشر إلى جواز الضرب على الدف في الأفراح - هكذا يطلقون - وفي الختان وقدوم الغائب وأنا شخصيا لم أجد ما يدل على ذلك مما تقوم به الحجة ولو موقوفا وقد رأيت ابن القيم ذكر في كتابه مسألة السماع ص ١٣٣، أثرا من رواية أبي شعيب الحراني بسنده عن خالد عن ابن سيرين أن عمر بن الخطاب كان إذا سمع صوت الدف سأل عنه؟ فإن قالوا: عرس أو ختان سكت. ورجاله ثقات ولكنه منقطع وقد أبعد النجعة في عزوه لأبي شعيب الحراني وإن كان ثقة فإنه ليس مؤلف معروف وقد رواه من هو أشهر منه وأوثق ومن المصنفين كابن أبي شيبة ٤/ ١٩٢، وقال: أقره مكان سكت وعبد الرزاق ١١/ ٥، وعنه البيهقي ٧/ ٢٩٠، من طريقين عن أيوب عن ابن سيرين: أن عمر كان ... إلخ. ولفظ ابن أبي شيبة: عن ابن سيرين قال: نبئت أن عمر ... وهذا صريح في الانقطاع وما قبله ظاهر في ذلك لأن محمد بن سيرين لم يدرك عمر بن الخطاب ولد بعد وفاته بنحو عشر سنين. وقد استدل بعضهم للمسألة بحديث عبد الله بن بريدة عن أبيه: أن أمة سوداء أتت رسول الله ﷺ ورجع من بعض مغازيه - فقالت: إني كنت نذرت إن ردك الله صالحا وفي رواية: سالما أن أضرب عندك بالدف [وأتغنى]؟ قال: «إن كنت فعلت وفي الرواية

стр. 7290

الأخرى: نذرت فافعلي وإن كنت لم تفعلي فلا تفعلي». فضربت فدخل أبو بكر وهي تضرب ودخل غيره وهي تضرب ثم دخل عمر قال: فجعلت دفها خلفها وفي الرواية الأخرى: تحت إستها ثم قعدت عليه وهي مقنعة فقال رسول الله ﷺ : إن الشيطان ليفرق وفي الرواية: ليخاف منك يا عمر أنا جالس ههنا [وهي تضرب] ودخل هؤلاء [وهي تضرب] فلما أن دخلت [أنت يا عمر] فعلت ما فعلت «وفي الرواية: ألقت الدف. أخرجه أحمد والسياق له والرواية الأخرى مع الزيادات للترمذي وصححه هو وابن حبان وابن القطان وهو مخرج في الصحيحة ١٦٠٩ و ٢٢٦١ وسكت عنه الحافظ في الفتح ١١/ ٥٨٧ - ٥٨٨١. وقد ترجم لحديث بريدة هذا جد ابن تيمية رحمهما الله تعالى في المنتقى من أخبار المصطفى بقوله: باب ضرب النساء بالدف لقدوم الغائب وما في معناه. قلت: وفي الاستدلال بهذا الحديث على ما ترجم له وقفة عندي لأنها واقعة عين لا عموم لها وقياس الفرح بقدوم غائب مهما كان شأنه على النبي ﷺ قياس مع الفارق كما هو ظاهر ولذلك كنت قلت في الصحيحة ٤/ ١٤٢، عقب الحديث: وقد يشكل هذا الحديث على بعض الناس لأن الضرب بالدف معصية في غير النكاح والعيد والمعصية لا يجوز نذرها ولا الوفاء بها. والذي يبدو لي في ذلك أن نذرها لما كان فرحا منها بقدومه ﵇ صالحا منتصرا اغتفر لها السبب الذي نذرته لإظهار فرحها خصوصية له ﷺ دون الناس جميعا فلا يؤخذ منه جواز الدف في الأفراح كلها لأنه ليس هناك من يفرح به كالفرح به ﷺ ولمنافاة ذلك لعموم الأدلة المحرمة للمعازف والدفوف وغيرها إلا ما استثني كما ذكرنا آنفا. ونحوه في المجلد الخامس من الصحيحة ٣٣٢ - ٣٣٣. وقد شرح السبب الذي ذكرته الإمام الخطابي ﵀ فقال في معالم السنن ٤/ ٣٨٢:

стр. 7291

ضرب الدف ليس مما يعد في باب الطاعات التي يعلق بها النذور وأحسن حاله أن يكون من باب المباح غير أنه لما اتصل بإظهار الفرح بسلامة مقدم رسول الله ﷺ حين قدم المدينة من بعض غزواته وكانت فيه مساءة الكفار وإرغام المنافقين صار فعله كبعض القرب التي من نوافل الطاعات ولهذا أبيح ضرب الدف. قلت: ففيه إشارة قوية إلى أن القصة خاصة بالنبي ﷺ فهي حادثة عين لا عموم لها كما يقول الفقهاء في مثيلاتها والله أعلم. [تحريم آلات الطرب ص (١٠٦)] حكم الغناء بدون آلة قد يقول قائل: ها نحن أولاء قد عرفنا حكم الغناء بآلات الطرب وأنه حرام إلا الدف في العرس والعيد فما حكم الغناء بدون آلة؟ وجوابا عليه أقول: لا يصح إطلاق القول بتحريمه لأنه لا دليل على هذا الإطلاق كما لا يصح إطلاق القول بإباحته كما يفعل بعض الصوفيين وغيرهم من أهل الأهواء قديما وحديثا لأن الغناء يكون عادة بالشعر وليس هو بالمحرم إطلاقا كيف والنبي ﷺ يقول: «إن من الشعر حكمة». رواه البخاري وهو مخرج في الصحيحة ٢٨٥١ بل إنه كان يتمثل بشيء منه أحيانا كمثل شعر عبد الله بن رواحة ﵁: «ويأتيك بالأخبار من لم تزود». وهو مخرج في الصحيحة ٢٠٥٧، وانظر التعليق عليه في كتابي الجديد: صحيح أدب المفرد ص ٣٢٢، ولذلك قال ﵊ لما سئل عن الشعر: صحيح هو كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح. وهو مخرج في الصحيحة أيضا ٤٤٧، وكذلك قالت السيدة عائشة ﵂: صحيح خذ بالحسن ودع القبيح ولقد رويت من شعر كعب بن مالك أشعارا منها القصيدة فيها أربعون بيتا ودون ذلك. الصحيحة أيضا.

стр. 7292

والأحاديث في استماعه للشعر كثيرة وسيأتي بعضها إن شاء الله تعالى وقالت عائشة ﵂: صحيح لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وعك أبو بكر وبلال فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى قال: كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله وكان بلال إذا أقلع عنه تغنى فقال: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل اللهم اخز عتبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا من مكة. أخرجه أحمد ٦/ ٨٢ - ٨٣، بسند صحيح وهو في الصحيحين وغيرهما دون قوله: يتغنى وهو مخرج في الصحيحة ٢٥٨٤. صحيح وعن أنس بن مالك أنه دخل على أخيه البراء وهو مستلق واضعا إحدى رجليه على الأخرى يتغنى فنهاه فقال: أترهب أن أموت على فراشي وقد تفردت بقتل مئة من الكفار سوى من شركني فيه الناس؟ أخرجه الحاكم ٣/ ٢٩١ وعبد الرزاق ١١/ ٦ / ١٩٧٤٢، ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير ٢/ ١٢ / ١١٧٨، وعنه أبو نعيم في الحلية ١/ ٣٥٠ وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وهو كما قالا وطريقه غير طريق عبد الرزاق. صحيح وعن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: رأيت أسامة بن زيد ﵁ جالسا في المجلس ١ رافعا إحدى رجليه على الأخرى رافعا عقيرته قال: حسبته يتغنى النصب ٢. أخرجه عبد الرزاق ١٩٧٣٩ ومن طريقه البيهقي ١/ ٢٢٤، وإسناده صحيح على شرط الشيخين. صحيح وعن وهب بن كيسان قال: قال عبد الله بن الزبير - وكان متكئا: تغنى بلال

стр. 7293

قال: فقال له رجل: تغنى؟ فاستوى جالسا ثم قال: وأي رجل من المهاجرين لم أسمعه يتغنى النصب؟ رواه عبد الرزاق ١٩٧٤١ مختصرا، والبيهقي ١٠/ ٢٣٠، والسياق له وإسناده صحيح على شرط الشيخين وقال السائب بن يزيد: بينا نحن مع عبد الرحمن بن عوف في طريق الحج ونحن نؤم مكة اعتزل عبد الرحمن ﵁ الطريق ثم قال لرباح بن المغترف (١): غننا يا أبا حسان وكان يحسن النصب فبينا رباح يغنيه أدركهم عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته فقال: ما هذا؟ فقال عبد الرحمن: ما بأس بهذا نلهو ونقصر عنا فقال عمر ﵁: فإن كنت آخذا فعليك بشعر ضرار بن الخطاب، وضرار رجل من بني محارب بن فهر. أخرجه البيهقي ١٠/ ٢٢٤، بإسناد جيد وقال: والنصب ضرب من أغاني الأعراب وهو يشبه الحداء. قاله أبو عبيد الهروي. وفي القاموس: نصب العرب: ضرب من مغانيها أرق من الحداء. فأقول: وفي هذه الأحاديث والآثار دلالة ظاهرة على جواز الغناء بدون آلة في بعض المناسبات كالتذكير بالموت أو الشوق إلى الأهل والوطن أو للترويح عن النفس والالتهاء عن وعثاء السفر ومشاقه ونحو ذلك مما لا يتخذ مهنة ولا يخرج به عن حد الاعتدال فلا يقترن به الاضطراب والتثني والضرب بالرجل مما يخل بالمروءة كما في حديث أم علقمة مولاة عائشة: أن بنات أخي عائشة ﵂ خفضن فألمن ذلك فقيل لعائشة: يا أم المؤمنين ألا ندعو لهن من يلهيهن؟ قالت: بلى قالت: فأرسلت (٢) إلى فلان المغني فأتاهم فمرت بهم عائشة ﵂ في البيت فرأته يتغنى ويحرك رأسه طربا

стр. 7294

وكان ذا شعر كثير فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «أف! شيطان، أخرجوه، أخرجوه». فأخرجوه. أخرجه البيهقي ١٠/ ٢٢٣ - ٢٢٤، والبخاري مختصرا في الأدب المفرد ١٢٤٧ بسند حسن أو يحتمل التحسين وقد أوردته في صحيح الأدب المفرد رقم ٩٤٥ محسنا وصححه الحافظ ابن رجب في نزهة الأسماع ص ٥٥ - طيبة. وقد ترجم البيهقي لهذه الأحاديث والآثار بقوله: باب الرجل لا ينسب نفسه إلى الغناء ولا يؤتى لذلك ولا يأتي عليه وإنما يعرف بأنه يطرب في الحال فيترنم فيها. وللشيخ أبي الفرج ابن الجوزي كلام جيد في هذه المسألة ساقه في كتابه تلبيس إبليس في أكثر من فصل واحد فمن تمام الفائدة أن ألخصه للقراء قال ص ٢٣٧ - ٢٤١: وقد تكلم الناس في الغناء فأطالوا فمنهم من حرمه ومنهم من أباحه من غير كراهة ومنهم من كرهه مع الإباحة. وفصل الخطاب أن نقول: ينبغي أن ينظر في ماهية الشيء، ثم يطلق عليه التحريم أو الكراهة أو غير. ذلك والغناء يطلق على أشياء: منها: غناء الحجيج في الطرقات فإن أقواما من الأعاجم يقدمون للحج فينشدون في الطرقات أشعارا يصفون فيها الكعبة وزمزم والمقام .. فسماع تلك الأشعار مباح وليس إنشادهم إياها مما يطرب ويخرج عن الاعتدال. وفي معنى هؤلاء: الغزاة فإنهم ينشدون أشعارا يحرضون بها على الغزو وفي معنى هذا إنشاد المبارزين للقتال للأشعار تفاخرا عند النزال. وفي معناه أشعار الحداة في طريق مكة كقول قائلهم: بشرها دليلها وقالا ... غدا ترين الطلح والجبالا وهذا يحرك الإبل والآدمي إلا أن ذلك التحريك لا يوجب الطرب المخرج عن حد

стр. 7295

الاعتدال صحيح، وقد كان لرسول الله ﷺ حاد يقال له: أنجشة فتعنق الإبل (١) فقال رسول الله ﷺ : «يا أنجشة رويدك سوقا بالقوارير» (٢) صحيح وفي حديث سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنياتك؟ وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فألقين ... سكينة ... علينا ... وثبت الأقدام إذ لاقينا فقال رسول الله ﷺ : «من هذا السائق»؟ قالوا: عامر بن الأكوع فقال: «يرحمه الله» (٣). وقد روينا عن الشافعي ﵀ أنه قال: أما استماع الحداء ونشيد الأعراب فلا بأس به. انتهى ملخصا. وقال الإمام الشاطبي في الاعتصام ١/ ٣٦٨، بعد أن أشار إلى حديث أنجشة وهو في صدد الرد على بعض الصوفيين: وهذا حسن لكن العرب لم يكن لها من تحسين النغمات ما يجري مجرى ما الناس عليه اليوم بل كانوا ينشدون الشعر مطلقا ومن غير أن يتعلموا هذه الترجيعات التي حدثت بعدهم بل كانوا يرفقون الصوت ويمططونه على وجه يليق بأمية العرب الذين لم يعرفوا صنائع الموسيقى فلم يكن فيه إلذاذ ولا إطراب يلهي وإنما كان لهم شيء من النشاط كما كان عبد الله بن رواحة يحدو بين يدي رسول الله ﷺ كما كان الأنصار يقولون عند حفر الخندق: نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما حيينا أبدا فيجيبهم ﷺ بقوله:

стр. 7296

«اللهم لا خير إلا خير الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة» ثم ذكر ابن الجوزي من رواية الخلال - وهذا في الأمر بالمعروف ص ٣٤ - بسنده عن عائشة ﵂ قالت: كان عندنا جارية يتيمة من الأنصار فزوجناها رجلا من الأنصار فكنت فيمن أهداها إلى زوجها فقال رسول الله ﷺ : «يا عائشة إن الأنصار أناس فيهم غزل» فما قلت؟ قالت: دعونا بالبركة قال: «أفلا قلتم: أتيناكم أتيناكم ... فحيونا نحييكم ولولا الذهب الأحم ... ر ما حلت بواديكم ولولا الحبة السمرا ... ء لم تسمن عذاراكم» (١) ومن ذلك أشعار ينشدها المتزهدون بتطريب وتلحين تزعج القلوب إلى ذكر الآخرة ويسمونها الزهديات كقول بعضهم: يا غاديا في الغفلة ورائحا ... إلى متى تستحسن القبائح وكم إلى كم لا تخاف موقفا ... يستنطق الله به الجوارح يا عجبا منك وأنت مبصر ... كيف تجنبت الطريق الواضحا فهذا مباح أيضا وإلى مثله أشار أحمد في الإباحة ثم روى ابن الجوزي ص ٢٤٠ بسنده عن أبي حامد الخلقاني أنه قال: قلت لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله هذه القصائد الرقاق التي في ذكر الجنة والنار أي شيء تقول فيها؟ فقال: مثل أي شيء؟ قلت: يقولون: إذا ما قال لي ربي ... أما استحييت تعصيني وتخفي الذنب من خلقي ... وبالعصيان تأتيني؟ (٢)

стр. 7297

فقال: أعد علي فأعدت عليه فقام ودخل بيته ورد الباب فسمعت نحيبه من داخل البيت وهو يقول: فذكر البيتين. فأما الأشعار التي ينشدها المغنون المتهيئون للغناء يصفون فيها المستحسنات والخمر وغير ذلك مما يحرك الطباع ويخرجها عن الاعتدال ويثير كامنها من حب اللهو وهو الغناء المعروف في هذا الزمان مثل قول الشاعر: ذهبي اللون تحسب من ... وجنته النار تقتدح خوفوني من فضيحته ... ليته وافى وأفتضح وقد أخرجوا لهذه الأغاني ألحانا مختلفة كلها تخرج سامعها عن حيز الاعتدال وتثير حب اللهو ولهم شيء يسمونه البسيط يزعج القلوب عن مهل ثم يأتون بالنشيد بعده فيعجعج القلوب وقد أضافوا إلى ذلك ضرب القضيب والإيقاع به على وفق الإنشاد والدف بالجلاجل والشبابة النائبة عن الزمر. ثم روى ابن الجوزي ٢٤٤ تحريم الغناء عن مالك وتقدم نصه في ذلك ص ٩٩ وعن أبي حنيفة أيضا وقال ص ٢٤٥: قال الطبري: فقد أجمع علماء الأمصار على كراهية الغناء والمنع منه وإنما فارق الجماعة إبراهيم بن سعد وعبيد الله العنبري وقد قال ﷺ : «من فارق الجماعة مات ميتة الجاهلية» (١). قال ابن الجوزي: وقد كان رؤساء أصحاب الشافعي ﵃ ينكرون السماع وأما قدماؤهم فلا يعرف بينهم خلاف وأما أكابر المتأخرين فعلى الإنكار

стр. 7298

منهم أبو الطيب الطبري وله في ذم الغناء والمنع منه كتاب مصنف. ثم قال ابن الجوزي «ص ٢٤٥»: فهذا قول علماء الشافعية وأهل التدين منهم وإنما رخص في ذلك من متأخريهم من قل علمه وغلبه هواه وقال الفقهاء من أصحابنا [الحنابلة]: «لا تقبل شهادة المغني والرقاص والله الموفق». [تحريم آلات الطرب ص (١٢٦)] حكمة تحريم آلات الطرب والغناء يجب عليك أيها المسلم أن تعتقد أن الله في كل ما شرع لعباده من أمر أو نهي وإباحة - حكمة بل حكما بالغة علمها من علمها وجهلها من جهلها تظهر لبعضهم وتخفى على آخرين ولذلك فالواجب على المسلم حقا أن يبادر إلى طاعة الله ولا يتلكأ في ذلك حتى تتبين له الحكمة فإن ذلك مما ينافي الإيمان الذي هو التسليم المطلق للشارع الحكيم ولذا قال في القرآن الكريم: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾. وعلى هذا عاش سلفنا الصالح فأعزهم الله وفتح لهم البلاد وقلوب العباد ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها ولقد كان لأبي بكر الصديق ﵁ قصب السبق فيه وكان مثالا صالحا لغيره كما يدل على ذلك موقفه الرائع في قصة صلح الحديبية فيما رواه سهل بن حنيف ﵁ قال: صحيح أيها الناس اتهموا أنفسكم لقد كنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية ولو نرى قتالا لقاتلنا - وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله ﷺ وبين المشركين - فجاء عمر بن الخطاب فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: «بلى» قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار قال: «بلى» قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: «يا

стр. 7299

ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا». قال: فانطلق عمر - فلم يصبر متغيظا - فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا. قال: فنزل القرآن على رسول الله ﷺ بـ «الفتح» فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه فقال: يا رسول الله أو فتح هو؟ قال: «نعم» فطابت نفسه ورجع. أخرجه البخاري «٣١٨٢ - فتح» ومسلم ٥/ ١٧٥ - ١٧٦ والسياق له وأحمد ٣/ ٤٨٦ وفي رواية لهما عنه: أيها الناس اتهموا رأيكم. وهي لسعيد بن منصور ٣/ ٢ / ٣٧٤ وابن أبي شيبة ١٥/ ٢٩٩. قال الحافظ ١٣/ ٢٨٨: كأنه قال: اتهموا الرأي إذا خالف السنة كما وقع لنا حيث أمرنا رسول الله ﷺ بالتحلل فأحببنا الاستمرار على الإحرام وأردنا القتال لنكمل نسكنا ونقهر عدونا وخفي علينا ما ظهر للنبي ﷺ مما حدث عقباه. وأروع مثال مر بي في سيرة أصحابه ﷺ الدالة على إيثارهم طاعته ولو كان ذلك مخالفا لهواهم ومصلحتهم الشخصية قول ظهير بن رافع قال: صحيح نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعا وطواعية الله ورسوله أنفع لنا نهانا أن نحاقل بالأرض فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمى. رواه مسلم وغيره وهو مخرج في الإرواء ٥/ ٢٩٩. لقد ذكرتني هذه الطواعية بتلك المطاوعة التي تعجب منها مؤمنو الجن حينما أتوا النبي ﷺ يستمعون إلى قراءته في صلاة الفجر المشار إليها في أول سورة الجن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾ فأروا أصحابه ﷺ يصلون بصلاته يركعون

стр. 7300

بركوعه يسجدون بسجوده قال ابن عباس ﵄: عجبوا من طواعية أصحابه له. رواه أحمد ١/ ٢٧٠ وغيره بسند صحيح. والمقصود أن هذه الطواعية يجب أن تكون متحققة في كل مسلم ظاهرا وباطنا سواء كانت موافقة لهواه أو مخالفة ومن لوازم ذلك أن لا يضرب لله الأمثال ولأحكامه فلا يقيس صوت الألحان الخارجة من الإنسان على صوت العندليب والطيور فيقول مثلا: إذا جاز إنشاد الشعر بغير ألحان جاز إنشاده مع الألحان فإن أفراد المباحات إذا اجتمعت كان ذلك المجموع مباحا كما قال الغزالي - عفا الله عنه - توصلا منه إلى استباحة الألحان الموسيقية أو بعضها على الأقل (١) قياسا على أصوات الطيور وهو المؤلف في أصول الفقه وفيها أنه لا قياس في مورد النص. ولذلك تتابع العلماء - كابن الجوزي وابن تيمية وابن قيم الجوزية وغيرهم - في الرد عليه وعلى أمثاله من الصوفية. ولقد ذكرني القياس المذكور بقياس آخر أخبث منه توصل منه صاحبه إلى استحلال النبيذ المسكر ذكره ابن القيم في صدد رده على الصوفية الذين يستحلون السماع بالألحان بمثل القياس المذكور فقال ﵀ في مسألة السماع ٢٧٠ - ٢٧١: الوجه الثاني: أنه لو كان كل واحد من الشعر والتلحين مباحا بمفرده لم يلزم من ذلك إباحتهما عند اجتماعهما فإن التركيب له خاصية يتغير الحكم بها وهذه الحجة بمنزلة حجة من قال: إن خبر الواحد إذا لم يفد العلم عند انفراده لم يفده مع انضمامه إلى غيره (٢). وهي نظير ما يحكى عن إياس بن معاوية:

стр. 7301

أن رجلا قال له: ما تقول قي الماء؟ قال: حلال قال: فالتمر؟ قال: حلال قال: فالنبيذ ماء وتمر فكيف تحرمه؟ فقال له إياس: أرأيت لو ضربتك بكف من تراب أكنت أقتلك؟ قال: لا قال: فإن ضربتك بكف من تبن اكنت أقتلك؟ قال: لا قال: فإن ضربتك ب [كف من] ماء أكنت أقتلك؟ قال: لا قال: فإن أخذت الماء والتبن والتراب فجعلته طينا وتركته حتى يجف وضربتك به أكنت أقتلك؟ قال: نعم قال: كذلك النبيذ (١). ومعنى كلامه أن القوة المسكرة [هي] الحاصلة بالتركيب وكذلك ما نحن فيه الذي يسكر النفوس ويلهيها ويصدها عن ذكر الله وعن الصلاة قوة تحصل بالتركيب والهيئة الاجتماعية وليست الأصوات المجتمعة في استفزازها للنفوس بمنزلة الصوت الواحد وكذلك الصوت الملحن الذي يوقع به الغناء على توقيع معين وضرب معين لا سيما مع مساعدة آلات اللهو له بمنزلة إنشاد الشعر إذا تجرد عن ذلك وهل تروج هذه الشبهة إلا على ضعيف العلم والمعرفة ناقص الحظ منهما جدا؟ . فإن قيل: إن ما ذكرت من وجوب التسليم لأحكام الشرع سواء عرفت الحكمة أو لا هو أمر واجب لا يرتاب فيه مسلم وإن كان بعضهم - مع الأسف - يخالف في ذلك عمليا كما لا يشك أحد في وجوب التسليم لتحريم الربا ونحوه وإن كان الكثير من المسلمين يستحلونه عمليا وبخاصة في هذا الزمان وبناء على ما تقدم من الأدلة على تحريم الغناء المبين هناك يجب الإعراض عنه عمليا وعدم الاستماع له ولكن السؤال الذي يطرح نفسه - كما يقولون اليوم - هو: هل ثبت في الشرع ما يبين حكمة تحريمه؟ فأقول - وبالله التوفيق -: نعم لقد وردت آثار كثيرة عن السلف من الصحابة وغيرهم تدل على حكمة التحريم وهي أنها تلهي عن ذكر الله تعالى وطاعته والقيام بالواجبات الشرعية مقتبسين ذلك من تسمية الله تعالى إياه ب ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا

стр. 7302

هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ وأنها نزلت في الغناء ونحوه فأذكر منها ما ثبت إسناده إليهم: فأولهم: ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ قال: نزلت في الغناء وأشباهه. وثانيهم عبد الله بن مسعود أنه سئل عن هذه الآية المذكورة؟ فقال: هو الغناء والذي لا إله إلا هو يرددها ثلاث مرات. وثالثهم عكرمة قال شعيب بن يسار: سألت عكرمة عن ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾؟ قال: هو الغناء. وفي الباب عن الحسن البصري قال: نزلت هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ .. ﴾ إلخ في الغناء والمزامير. عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ١٥٩ [لابن أبي حاتم] وسكت عنه كغالب عادته ولم أقف على إسناده لأنظر فيه. ولهذا قال الواحدي في تفسيره الوسيط ٣/ ٤٤١: أكثر المفسرين على أن المراد ب ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ الغناء. قال أهل المعاني: ويدخل في هذا كل من اختار اللهو والغناء والمزامير والمعازف على القرآن، وإن كان اللفظ ورد ب الاشتراء لأن هذا اللفظ يذكر في الاستبدال والاختيار كثيرا. ومن الآثار السلفية الدالة على حكمة التحريم: أولا: عن ابن مسعود قال: الغناء ينبت النفاق في القلب. ثانيا: عن الشعبي قال: إن الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع وإن الذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع. وقد روي مرفوعا إلى النبي ﷺ لكن في إسناده كذاب ولذلك خرجته في

стр. 7303

الضعيفة رقم ٦٥١٥. فائدة: قال ابن القيم ﵀ عقب أثر ابن مسعود المتقدم ١/ ٢٤٨: فإن قيل: فما وجه إنباته للنفاق في القلب من بين سائر المعاصي؟ قيل: هذا من أدل شيء على فقه الصحابة في أحوال القلوب وأعمالها ومعرفتهم بأدويتها وأدوائها وأنهم هم أطباء القلوب دون المنحرفين عن طريقتهم الذين داووا أمراض القلوب بأعظم أدوائها فكانوا كالمداوي من السقم بالسم القاتل وهكذا والله فعلوا بكثير من الأدوية التي ركبوها أو بأكثرها فاتفق قلة الأطباء وكثرة المرضى وحدوث أمراض مزمنة لم تكن في السلف والعدول عن الدواء النافع الذي ركبه الشارع وميل المريض إلى ما يقوي مادة المرض فاشتد البلاء وتفاقم الأمر وامتلأت الدور والطرقات والأسواق من المرضى وقام كل جهول يطبب الناس. فاعلم أن للغناء خواص لها تأثير في صبغ القلب بالنفاق ونباته فيه كنبات الزرع بالماء. فمن خواصه: أنه يلهي القلب ويصده عن فهم القرآن وتدبره والعمل بما فيه فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبدا لما بينهما من التضاد فإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى ويأمر بالعفة ومجانبة شهوات النفوس وأسباب الغي وينهى عن اتباع خطوات الشيطان والغناء يأمر بضد ذلك كله، ويحسنه ويهيج النفوس إلى شهوات الغي فيثير كامنها ويزعج قاطنها ويحركها إلى كل قبيح ويسوقها إلى وصل كل مليحة ومليح فهو والخمر رضيعا لبان وفي تهييجهما على القبائح فرسا رهان فإنه صنو الخمر ورضيعه ونائبه وحليفه وخدينه وصديقه عقد الشيطان بينهما عقد الإخاء الذي لا يفسخ وأحكم بينهما شريعة الوفاء التي لا تنسخ وهو جاسوس القلب وسارق المروءة وسوس العقل يتغلغل في مكامن القلوب ويطلع على سرائر الأفئدة ويدب إلى محل التخيل فيثير ما فيه من الهوى والشهوة والسخافة والرقاعة والرعونة والحماقة فبينا ترى الرجل وعليه سمة الوقار وبهاء العقل وبهجة الإيمان ووقار الإسلام وحلاوة القرآن فإذا استمع الغناء ومال إليه نقص عقله وقل حياؤه وذهبت مروءته وفارقه بهاؤه وتخلى عنه وقاره وفرح به شيطانه وشكا إلى الله تعالى

стр. 7304

إيمانه وثقل عليه قرآنه وقال: يا رب لا تجمع بيني وبين قرآن عدوك في صدر واحد فاستحسن ما كان قبل السماع يستقبحه وأبدى من سره ما كان يكتمه وانتقل من الوقار والسكينة إلى كثرة الكلام والكذب والزهزهة والفرقعة بالأصابع فيميل برأسه ويهز منكبيه ويضرب الأرض برجليه ويدق على أم رأسه بيديه ويثب وثبات الدباب ويدور دوران الحمار حول الدولاب ويصفق بيديه تصفيق النسوان ويخور من الوجد ولا كخوار الثيران وتارة يتأوه تأوه الحزين وتارة يزعق زعقات المجانين ولقد صدق الخبير به من أهله حيث يقول: أتذكر ليلة وقد اجتمعنا ... على طيب السماع إلى الصباح؟ ودارت بيننا كأس الأغاني ... فأسكرت النفوس بغير راح فلم تر فيهم إلا نشاوى ... سرورا والسرور هناك صاحي إذا نادى أخو اللذات فيه ... أجاب اللهو حي على السماح ولم نملك سوى المهجات شيئا ... أرقناها لألحاظ الملاح وقال بعض العارفين: السماع يورث النفاق في قوم والعناد في قوم والكذب في قوم والفجور في قوم والرعونة في قوم. إلى أن قال: فالغناء يفسد القلب وإذا فسد القلب هاج في النفاق. وبالجملة؛ فإذا تأمل البصير حال أهل الغناء وحال أهل الذكر والقرآن تبين لهم حذق الصحابة ومعرفتهم بأدواء القلوب وأدويتها وبالله التوفيق. قلت: وبعد أن تبينت الحكمة في تحريم الغناء من الآثار المتقدمة وهي أنه يلهي عن طاعة الله وذكره وهذا مشاهد وحينئذ فالملتهون به إسماعا واستماعا لكل منهم نصيبه من الذم المذكور في الآية الكريمة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ... ﴾ وذلك بحسب الالتهاء قلة وكثرة وقد عرفت أن الاشتراء بمعنى الاستبدال والاختيار مع ملاحظة هامة وهي أن اللام في قوله تعالى: ﴿لِيُضِلَّ﴾ إنما هو لام العاقبة كما

стр. 7305

في تفسير الواحدي أي: ليصير أمره إلى الضلال كما قال ابن الجوزي في الزاد ٦/ ٣١٧ فليس هو للتعليل كما يقول بعضهم وله وجه بالنسبة للكفار الذين يتخذون آيات الله هزوا ولهذا قال ابن القيم ﵀ ١/ ٢٤٠: إذا عرف هذا فأهل الغناء ومستمعوه لهم نصيب من هذا الذم بحسب اشتغالهم بالغناء عن القرآن وإن لم ينالوا جميعه فإن الآيات تضمنت ذم من استبدل لهو الحديث بالقرآن ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا وإذا يتلى عليه القرآن ولى مستكبرا كأن لم يسمعه كأن في أذنيه وقرا وهو الثقل والصمم وإذا علم منه شيئا استهزأ به. فمجموع هذا لا يقع إلا من أعظم الناس كفرا وإن وقع بعضه للمغنين ومستمعيهم فلهم حصة ونصيب من هذا الذم. يوضحه: أنك لا تجد أحدا عنى بالغناء وسماع آلاته إلا وفيه ضلال عن طريق الهدى علما وعمل اوفيه رغبة عن استماع القرآن إلى استماع الغناء بحيث إذا عرض له سماع الغناء وسماع القرآن عدل عن هذا إلى ذاك وثقل عليه سماع القرآن وربما حمله الحال على أن يسكت القارئ ويستطيل قراءته ويستزيد المغني ويستقصر نوبته وأقل ما في هذا: أن يناله نصيب وافر من هذا الذم إن لم يحظ به جميعه. والكلام في هذا مع من في قلبه بعض حياة يحس بها فأما من مات قلبه وعظمت فتنته فقد سد على نفسه طريق النصيحة ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. [المائدة: ٤١] قلت: ومن تلك الآثار السلفية وتعقيب ابن القيم عليها بكلامه الرائع المفيد يتبين لك جليا خطأ ابن حزم في قوله بعد أن ساق أكثرها: لا حجة في هذا لوجوه: الأول: أنه لا حجة لأحد دون رسول الله ﷺ . الثاني: أنه قد خالف غيرهم من الصحابة والتابعين.

стр. 7306

والثالث: أن نص الآية يبطل احتجاجهم بها لأن فيها: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ وهذه صفة من فعلها كان كافرا بلا خلاف إذا اتخذ سبيل الله تعالى هزوا. فأقول مجيبا عليه: أما عن الأول: فهو كلمة حق أريد بها باطل لأنه يوهم أن الآثار مخالفة لما جاء عن رسول الله ﷺ في تفسير الآية ولا شي من ذلك البتة وإنما هي مخالفة لتفسيره الجامد هو وحده ويكفي القارئ اللبيب برهانا على خطئه أن يتصور هذه الحقيقة: الآثار السلفية في جانب وابن حزم في جانب! وأما عن الثاني: فجعجعة لا طحن فيها إذ لا مخالف لهم ولو كان شيء من ذلك لبادر إلى ذكره كما هي عادته عند العارفين بأسلوبه في رده على مخالفيه. وأما عن الثالث: فتقدم في كلام ابن القيم الأخير وكأنه ﵀ كان يعني به الرد على قول ابن حزم هذا وهو قوي وواضح جدا ألا ترى أن بعض المسلمين اليوم يلتهون في مجالسهم ومحافلهم بالكلام الدنيوي وبشرب الدخان واللعب بالطاولة النرد بل وبالقمار في المقاهي وغيرها وهم يسمعون من الراديو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ سمعون هذا وأمثاله من آيات الله تتلى وهم في حديثهم ولهوهم سادرون كأن في آذانهم وقرا أفكفار هؤلاء يا ابن حزم؟ بل إن موقف هؤلاء ولهوهم ليذكرني بقول ابن عباس وغيره من السلف: كفر دون كفر (١) فليس كل كفر يخرج عن الملة ولذلك فلهؤلاء وأمثالهم نصيب من الذم المذكور في الآية كل بقدره وقد أشار إلى هذا المعنى العلامة المفسر الشهير ابن عطية الأندلسي في تفسيره المحرر الوجيز ١٣/ ١٩ - وكأنه يرد على ابن حزم أيضا -: والآية باقية المعنى في أمة محمد ولكن ليس ليضلوا عن سبيل الله بكفر ولا

стр. 7307

يتخذوا الآيات هزوا ولا عليهم هذا الوعيد بل ليعطل عبادة ويقطع زمانا بمكروه وليكون من جملة العصاة والنفوس الناقصة. وأريد أن أسترعي الانتباه إلى تناقض وقع فيه ابن حزم فإن قوله المذكور في الوجه الأول يستلزم أنه مسلم بثبوت تفسير الآية بما تقدم عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما وإلا لبادر إلى تضعيفه ولم يقل: لا حجة لأحد .. ولذلك فهو في رسالته في الملاهي مخالف لذلك تمام المخالفة فإنه لم يقل - أولا - القول المذكور وثانيا: صرح بالتضعيف فقال ص ٩٧: ما ثبت عن أحد من أصحابه ﷺ وإنما هو قول بعض المفسرين ممن لا تقوم بقوله حجة. وهذا مناقض لتسليمه المشار إليه آنفا وهو الحق الذي لا ريب فيه كيف لا وأقوال السلف مقدمة اتفاقا على أقوال الخلف ولا سيما مع كثرة السلف وقلة الخلف فكيف وأكثر المفسرين موافق لهم كما سبق ص ١٤٤ عن تفسير الواحدي وهو كما قال القرطبي ١٤/ ٥٢: أعلى ما قيل في هذه الآية وحلف على ذلك ابن مسعود بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات أنه الغناء. وسبق عن الآلوسي أنه في حكم المرفوع: فهذا الحق ليس به خفاء ... فدعني عن بنيات الطريق واعلم - أخي المسلم - أن مما يؤكد أو على الأقل يدل على حكمة تحريم الغناء قاعدة سد الذرائع التي كنت أشرت إليها في صدد الرد على الشيخ محمد أبي زهرة وتلميذيه محمد الغزالي ويوسف القرضاوي في المقدمة صفحة ٨ فإن الأخذ بها هنا يكفي لما يترتب - عادة - من المفاسد والمخالفات بسبب الغناء والاستماع إليه. ثم رأيت لابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مسألة السماع كلاما جيدا متينا في تطبيق هذه القاعدة على مسألتنا هذه فما أحببت إلا أن أمتع القراء به لما فيه من

стр. 7308

البيان والحجة والفائدة قال ﵀ وأثابه خيرا ص ١٦٧ - ١٦٨: والعارف من نظر في الأسباب إلى غاياتها ونتائجها، وتأمل مقاصدها وما تؤول إليه ومن عرف مقاصد الشرع في سد الذرائع المفضية إلى الحرام قطع بتحريم هذا السماع فإن النظر إلى الأجنبية واستماع صوتها حاجة حرام سدا للذريعة وكذلك الخلوة بها. ومحرمات الشريعة قسمان: قسم حرم لما فيه من المفسدة. وقسم حرم لأنه ذريعة إلى ما اشتمل على المفسدة. فمن نظر إلى صورة هذا المحرم ولم ينظر إلى ما هو وسيلة إليه استشكل وجه تحريمه وقال: أي مفسدة في النظر إلى صورة جميلة خلقها الله تعالى وجعلها آية دالة عليه؟ وأي مفسدة في صوت مطرب بآلة تؤديه أو استماع كلام موزون بصوت حسن؟ وهل هذا إلا بمنزلة سماع أصوات الطيور المطربة ورؤية الأزهار والمناظر المستحسنة من الأماكن المعجبة البناء والأشجار والأنهار وغيرها؟ فيقال لهذا القائل: تحريم هذا النظر إلى الصور وهذه الآلات المطربة من تمام حكمة الشارع وكمال شريعته ونصيحته للأمة فإنه حرم ما اشتمل على المفاسد وما هو وسيلة وذريعة إليه ولو أباح وسائل المفاسد مع تحريمها لكان تناقضا ينزه عنه ولو أن عاقلا من العقلاء حرم مفسدة وأباح الوسيلة المفضية إليها لعده الناس سفيها متلاعبا وقالوا: إنه متناقض وهل يمكن لمن شم رائحة الشريعة والفقه في الدين أن يرد هذا الكلام؟ وهل هو إلا بمثابة أن يقال: أي مفسدة في الصلاة لله بعد الصبح وبعد العصر حتى ينهى عنها؟ وأي مفسدة في تحريم الصلاة إلى القبور وفي النهي عن الصلاة فيها؟ وأي مفسدة في تقدم رمضان بيوم أو يومين؟ وعن سب آلهة المشركين في وجوههم؟ إلى أضعاف أضعاف هذا مما نهى عنه الشارع سدا لذريعة إفضائه إلى المحرم الذي يكرهه ويبغضه وهل هذا إلا محض حكمته ورحمته

стр. 7309

وصيانته لعباده وحميته لهم من المفاسد وأسبابها ووسائلها؟ والعاقل العارف بالواقع يعلم أن إفضاء هذا السماع إلى ما حرمه الله ورسوله إن لم يزد على إفضاء النظر فليس بدونه بل كثيرا ما يكون إفضاؤه فوق إفضاء الخمر؟ فإن سكر الخمر إفاقة صاحبه سريعة وسكر السماع لا يستفيق صاحبه إلا في عسكر الهالكين. قلت: وقد صدق ابن القيم ﵀ فإن أثر السماع في المبتلين به ظاهر ومشاهد كما تقدمت الإشارة إلى ذلك وحسبي أن أذكر لك مثالا واحدا مما شهدته بنفسي مما يجسد في الأذهان المعنى الصحيح لقوله تعالى: ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ فقد كنت في المسجد يوم الجمعة أستمع إلى الخطبة وبجانبي شاب في نحو الثلاثين من العمر وقد جلس متربعا وهو يطقطق بأصابعه على الأرض كما لو كان يسمع أغنية فهو يرقص أصابعه معها وأشرت إليه بالامتناع والاستماع إلى الخطبة. فهذه الحادثة من حوادث كثيرة تدل دلالة قاطعة على أن السماع قد صد أهله عن ذكر الله - كالخمر - وعن الاستماع إليه والله يقول: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ومن المعلوم أن الآية تشمل الجمعة كما في بعض الآثار وهو اختيار ابن كثير فقد صدهم اللهو عن الذكر والاستماع إليه والله المستعان. [تحريم آلات الطرب ص (١٣٧)] تحريم آلات الطرب [قال رسول الله ﷺ ]: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة».

стр. 7310

ذكر الإمام من فوائد الحديث: تحريم آلات العزف والطرب، ودلالة الحديث على ذلك من وجوه: أ - قوله: «يستحلون» فإنه صريح بأن المذكورات ومنها المعازف هي في الشرع محرمة، فيستحلها أولئك القوم. ب - قرن «المعازف» مع المقطوع حرمته: الزنا والخمر، ولو لم تكن محرمة ما قرنها معها إن شاء الله تعالى. وقد جاءت أحاديث كثيرة بعضها صحيح في تحريم أنواع من آلات العزف التي كانت معروفة يومئذ، كالطبل والقنين وهو العود وغيرها، ولم يأت ما يخالف ذلك أو يخصه، اللهم إلا الدف في النكاح والعيد، فإنه مباح على تفصيل مذكور في الفقه، وقد ذكرته في ردي على ابن حزم. ولذلك اتفقت المذاهب الأربعة على تحريم آلات الطرب كلها، واستثنى بعضهم - بالإضافة إلى ما ذكرنا - الطبل في الحرب، وألحق به بعض المعاصرين الموسيقى العسكرية، ولا وجه لذلك ألبتة لأمور: الأول: أنه تخصيص لأحاديث التحريم، بدون مخصص، سوى مجرد الرأي والاستحسان، وهو باطل. الثاني: أن المفروض في المسلمين في حالة الحرب أن يقبلوا بقلوبهم على ربهم، وأن يطلبوا منه نصرهم على عدوهم، فذلك أدعى لطمأنينة نفوسهم، وأربط لقلوبهم فاستعمال الموسيقى مما يفسد ذلك عليهم، ويصرفهم عن ذكر ربهم، قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا، واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون». الثالث: أن استعمالها من عادة الكفار «الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق» فلا يجوز لنا أن نتشبه بهم، لا سيما فيما حرمه الله ﵎ علينا تحريما عاما كالموسيقى. ولا تغتر أيها القارئ الكريم بما قد تسمع عن بعض المشهورين اليوم من المتفقهة من القول بإباحة آلات الطرب والموسيقى، فإنهم - والله - عن تقليد يفتون، ولهوى الناس اليوم ينصرون، ومن يقلدون؟ إنما يقلدون ابن حزم الذي أخطأ فأباح آلات الطرب والملاهي، لأن حديث أبي مالك الأشعري لم يصح عنده، وقد عرفت أنه صحيح قطعا، وأن ابن حزم أتي من قصر باعه في علم الحديث كما سبق بيانه، وليت شعري ما الذي حملهم على تقليده هنا

стр. 7311

دون الأئمة الأربعة، مع أنهم أفقه منه وأعلم وأكثر عددا وأقوى حجة؟ ! لو كان الحامل لهم على ذلك إنما هو التحقيق العلمي فليس لأحد عليهم من سبيل، ومعنى التحقيق العلمي كما لا يخفى أن يتتبعوا الاحاديث كلها الواردة في هذا الباب ويدرسوا طرقها ورجالها، ثم يحكموا عليها بما تستحق من صحة أو ضعف، ثم إذا صح عندهم شيء منها درسوها من ناحية دلالتها وفقهها وعامها وخاصها، وذلك كله حسبما تقتضيه قواعد علم أصول الحديث وأصول الفقه، لو فعلوا ذلك لم يستطع أحد انتقادهم ولكانوا مأجورين، ولكنهم - والله - لا يصنعون شيئا من ذلك، ولكنهم إذا عرضت لهم مسألة نظروا في أقوال العلماء فيها، ثم أخذوا ما هو الأيسر أو الأقرب إلى تحقيق المصلحة زعموا. دون أن ينظروا موافقة ذلك للدليل من الكتاب والسنة، وكم شرعوا للناس - بهذه الطريقة - أمورا باسم الشريعة الإسلامية، يبرأ الإسلام منها. فإلى الله المشتكى. فاحرص أيها المسلم على أن تعرف إسلامك من كتاب ربك، وسنة نبيك، ولا تقل: قال فلان، فإن الحق لا يعرف بالرجال، بل اعرف الحق تعرف الرجال، ورحمة الله على من قال: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه كلا ولا جحد الصفات ونفيها حذرا من التمثيل والتشبيه. السلسلة الصحيحة (١/ ١/ ١٩١ - ١٩٣). من أدلة تحريم آلات الطرب [قال رسول الله ﷺ ]: «صوتان ملعونان، صوت مزمار عند نعمة، وصوت ويل عند مصيبة».

стр. 7312

[قال الإمام]: وفي الحديث تحريم آلات الطرب لأن المزمار هو الآلة التي يزمر بها. وهو من الأحاديث الكثيرة التي ترد على ابن حزم إباحته لآلات الطرب، وقد تقدم حديث آخر في ذلك برقم «٩٠» فراجعه فإنه مهم. ولي رسالة في الرد عليه يسر الله لي تبيضها ونشرها. السلسلة الصحيحة (١/ ٢/ ٧٩٠ - ٧٩١). من أدلة تحريم آلات الطرب [قال رسول الله ﷺ ]: «ليبيتن قوم من هذه الأمة على طعام وشراب ولهو، فيصبحوا قد مسخوا قردة وخنازير». ترجم له الإمام بقوله: تحريم آلات الطرب. السلسلة الصحيحة (٤/ ١٣٥). تحريم آلات الطرب عن محمد بن كعب عن عبد الله بن يزيد الخطمي مرفوعا: «كان إذا ودع الجيش قال: أستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم». [قال الإمام]: مما يؤسف له حقا أن ترى هذا الأدب النبوي الكريم، قد صار مما لا أثر له ولا عين عند قواد جيوش زماننا، فإنهم يودعون الجيوش على أنغام الآلات الموسيقية التي يرى بعض الدعاة الإسلاميين اليوم أنه لا شيء فيها، تقليدا منهم لظاهرية ابن حزم التي قد يسخرون منها عندما تخالف آراءهم - ولا أقول: أهواءهم، ولا يتبعون أقوال الأئمة الأربعة وغيرهم الموافقة للأحاديث الصحيحة والصريحة في تحريم المعازف، تيسيرا على الناس بزعمهم! فإلى الله المشتكى من غربة الإسلام، وقلة من يعمل بأحكامه في هذا الزمان، ويشكك فيها بالخلاف الواقع في

стр. 7313

الكثير منها، ليأخذ منها ما يشتهي، دون أن يحكم فيه قوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾. فكأن هذه الآية منسوخة عنده. والله المستعان. السلسلة الصحيحة (٤/ ١٣٧ - ١٣٨). الرد على الاستدلال بحديث الجاريتين على جواز المعازف «عن عائشة أن أبا بكر ﵁ دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى «في عيد الأضحى» تغنيان وتضربان (١)، والنبي ﷺ متغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي ﷺ عن وجهه، وقال: «دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد». متفق عليه. ص ٢٩٢ [٢٧٤]. صحيح. أخرجه البخاري «١/ ٢٤٢، ٢٥١» ومسلم «٣/ ٢٢» والنسائي «١/ ٢٣٦» وأحمد «٦/ ٣٣، ٨٤، ٩٩، ١٢٧، ١٤٣». تنبيه: نقل المصنف حفظه الله من الغزالي أن الحديث نص صريح في أن الغناء ليس بحرام، وأقره على ذلك، بل أكده بقوله «ص ٢٩٣»: «وقد روي عن كثير من الصحابة والتابعين ﵃ أنهم سمعوا الغناء، ولم يروا بسماعه بأساً. أما ما ورد فيه من أحاديث نبوية فكلها مثخنة بالجراح لم يسلم منها حديث من طعن عند فقهاء الحديث وعلمائه. قال القاضي أبو بكر بن العربي: لم يصح في تحريم الغناء شيء. وقال ابن حزم: كل ما روي فيها باطل موضوع». قلت: بل كلام ابن حزم هذا هو الباطل، ففي تحريم الدف والمعازف عدة أحاديث صحيحة ثابتة.

стр. 7314

منها: حديث: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون .... والمعازف ... » الحديث، ويأتي تخريجه بعد حديثين، والرد على ابن حزم في تضعيفه إياه، وما كنت أحب للأستاذ المؤلف أن يتابع ابن حزم على هذا الكلام الذي لا يخفى بطلانه على «فقهاء الحديث وعلمائه» حقاً، كابن القيم والعسقلاني وغيرهما من المحققين النقاد، لا سيما وقد تكاثرت سهام النقد إلى ابن حزم بسبب تضعيفه لهذا الحديث بدون حجة، مع كونه في صحيح البخاري، كما تجد ذلك مبسوطاً في بحث «الحديث المعلق» من علوم الحديث، وقد أجمع كل الذين نقدوه على تخطئة ابن حزم وتصحيح هذا الحديث، وقد كنت شاركت في الرد عليه في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» رقم «٩١» وذكرت هناك للحديث طريقاً أخرى، لم يقف ابن حزم عليها، وإسنادها صحيح، ورأى بعض علماء الحديث في ابن حزم وأنه كثير الوهم في الكلام على تصحيح الحديث وتضعيفه فراجعه. وأما ما نقله المصنف عن ابن العربي، فهذا مع علمه وفضله فليس أحسن حالاً في كلامه على الأحاديث من ابن حزم، وقد تعقبته في غير ما حديث أنكر أصله او صحته في كتابه «العواصم والقواصم» أذكر منها الآن على سبيل المثال حديث: «أيتكن تنبحها كلا حوأب» وقد فصلت القول فيه في «السلسلة المذكورة» برقم «٤٦٩٩ وأرجو ان ينشر على الناس قريباً. وعندي جزء رددت فيه على رسالة ابن حزم في إباحة الملاهي تتبعت فيه جميع الأحاديث الواردة في تحريم المعازف، ونقدتها علمياً حديثياً، وبينت أن ابن حزم قد جانبه الصواب في تضعيفه لقسم كبير منها، والجزء محفوظ عندي، وأرجو أن تتاح لي الفرصة لأعيد النظر فيه وأبيضه حتى يتسنى لنا نشره. هذا من الناحية الحديثية، وأما من الناحية الفقهية، فقول الغزالي أن الحديث نص في أن الغناء ليس بحرام، فلا يخفى بطلانه على الفقيه، ذلك لأن الحديث خاص في الغناء من جاريتين صغيرتين بدف يوم العيد، فهذا الذي أقره النبي عليه الصلاة

стр. 7315

والسلام، فالذي يأخذ منه جواز الغناء من النساء البالغات الأجنبيات، وجواز العزف على أي نوع من أنواع المعازف كالعود ونحوه، وفي غير يوم العيد، فلا شك أنه يكون قد حاد عن جادة الصواب والإنصاف، وحمل الحديث من المعنى ما لا يتحمل، وكيف يصح أخذ ذلك منه، وفيه قول أبي بكر مستنكراً للغناء مع الدف: «أمزمار الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ». ولم ينكر النبي ﷺ ذلك عليه إنكاراً مطلقاً بل إنه أقره عليه إلا في الغناء المذكور في يوم العيد، فقد استثناه من الإنكار بعلة أنه عيد: «دعهما يا أبا بكر، فإن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا» فهذا تعليل لإباحة ما أنكره أبو بكر بكلامه العام، وذلك معناه أن ذلك لا يجوز في غير يوم العيد إلا ما استثناه الشارع بنص آخر مثل الدف في العرس، وهذا كل ما علمت أنه ﷺ أباحه، وهو الدف فقط في العيد والعرس، وما سوى ذلك فعلى المنع الذي دلت عليه الأحاديث الثابتة، في تحريم المعازف. فلعل المصنف يعيد النظر فيما نقله ابن حزم وابن العربي، ويدرس الموضوع دراسة علمية دقيقة، فإن القول بإباحة ما اتفقت المذاهب الأربعة على تحريمه وجاءت السنة الصحيحة مؤيدة له، مما لا ينبغي أن يقع فيه عالم فاضل. (غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام) (ص ١٨٠ - ١٨١) الجواب عن حديث المرأة التي ضربت بالدف بين يدي النبي ﷺ - عن عبد الله بن بريدة قال: سمعت بريدة يقول: خرج رسول الله ﷺ في بعض مغازيه، فلما انصرف، جاءت جارية سوداء، فقالت: يا رسول الله! إني نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى. فقال رسول الله ﷺ : «إن كنت نذرت فاضربي، وإلا فلا». [قال الإمام]: «فائدة»: من المعلوم أن «الدف» من المعازف المحرمة في الإسلام والمتفق على تحريمها عند الأئمة الأعلام، كالفقهاء الأربعة وغيرهم وجاء فيها أحاديث صحيحة خرجت بعضها في غير مكان، وتقدم شيء منها برقم «٩ و

стр. 7316

١٨٠٦»، ولا يحل منها إلا الدف وحده في العرس والعيدين، فإذا كان كذلك، فكيف أجاز النبي ﷺ لها أن تفي بنذرها ولا نذر في معصية الله تعالى. والجواب - والله أعلم - لما كان نذرها مقرونا بفرحها بقدومه ﷺ من الغزو سالما، ألحقه ﷺ بالضرب على الدف في العرس والعيد وما لا شك فيه، أن الفرح بسلامته ﷺ أعظم - بما لا يقاس - من الفرح في العرس والعيد، ولذلك يبقى هذا الحكم خاصا به ﷺ ، لا يقاس به غيره، لأنه من باب قياس الحدادين على الملائكة، كما يقول بعضهم. وقد ذكر نحو هذا الجمع الإمام الخطابي في «معالم السنن»، والعلامة صديق حسن خان في «الروضة الندية» «٢/ ١٧٧ - ١٧٨». السلسلة الصحيحة (٥/ ٣٣٢ - ٣٣٣). توجيه حديث المرأة التي ضربت بالدف بين يدي النبي ﷺ - أخرج أبو داود: أن امرأة قالت: يا رسول الله! إني نذرت إذا انصرفت من غزوتك سالما أن أضرب على رأسك بالدف، فقال لها: «أوفي بنذرك». [قال الألباني]: النبي ﷺ إنما أمرها أن تفي بنذرها؛ لأنه اقترن بإظهار الفرح بقدومه ﷺ سالما، فصار فعله كبعض القرب؛ كضرب الدف في النكاح؛ أفاده الخطابي في «معالم السنن». التعليقات الرضية (٣/ ١٤) الرد على الاستدلال بحديث المرأة التي ضربت بالدف بين يدي رسول الله ﷺ على جواز آلات الطرب عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: «أن أمة سوداء أتت رسول الله ﷺ ورجع من بعض مغازيه، فقالت: إني كنت نذرت: إن ردك الله صالحا أن أضرب عندك

стр. 7317

بالدف! قال: «إن كنت فعلت فافعلي، وإن كنت لم تفعلي فلا تفعلي». فضربت، فدخل أبو بكر وهي تضرب ودخل غيره وهي تضرب، ثم دخل عمر، قال: فجعلت دفها خلفها وهي مقنعة، فقال رسول الله ﷺ : «إن الشيطان ليفرق منك يا عمر! ». وزاد: «أنا جالس ههنا، ودخل هؤلاء، فلما أن دخلت فعلت ما فعلت». [قال الإمام]: وقد يشكل هذا الحديث على بعض الناس لأن الضرب بالدف معصية في غير النكاح والعيد، والمعصية لا يجوز نذرها ولا الوفاء بها. والذي يبدو لي في ذلك أن نذرها لما كان فرحا منها بقدومه ﷺ صالحا سالما منتصرا، اغتفر لها السبب الذي نذرته لإظهار فرحها، خصوصية له ﷺ دون الناس جميعا، فلا يؤخذ منه جواز الدف في الأفراح كلها. لأنه ليس هناك من يفرح كالفرح به ﷺ ، ولمنافاة ذلك لعموم الأدلة المحرمة للمعازف والدفوف وغيرها، إلا ما استثنى كما ذكرنا آنفا. السلسلة الصحيحة (٤/ ١٤٢). من أدلة تحريم آلات الطرب [قال رسول الله ﷺ ]: «إن الله حرم على أمتي الخمر والميسر والمزر والكوبة والقنين وزادني صلاة الوتر». [ترجم له الإمام بقوله: تحريم الخمر والقمار والمعازف]. السلسلة الصحيحة (٤/ ٢٨٣). تحريم الطبل [قال رسول الله ﷺ ]: «ثمن الخمر حرام ومهر البغي حرام وثمن الكلب حرام والكوبة حرام وإن أتاك صاحب الكلب يلتمس ثمنه، فاملأ يديه ترابا، والخمر والميسر وكل مسكر حرام».

стр. 7318

[قال الإمام]: «الكوبة». قال ابن الأثير: «هو النرد. وقيل الطبل. وقيل: البربط». وفي «المعجم الوسيط»: «وهو آلة موسيقية تشبه العود، والنرد أو الشطرنج». قلت: والراجح: أنه الطبل لجزم علي بن بذيمة به كما تقدم وهو أحد رواته والراوي أدرى بمرويه من غيره. والله أعلم. السلسلة الصحيحة (٤/ ٤٢٢). تحريم الطبل [قال رسول الله ﷺ ]: «لا تشربوا في الدباء ولا في المزفت ولا في النقير وانتبذوا في الأسقية. قالوا: يا رسول الله! فإن اشتد في الأسقية؟ قال: فصبوا عليه الماء. قالوا: يا رسول الله ... فقال لهم في الثالثة أو الرابعة: أهريقوه. ثم قال: إن الله حرم علي، أو حرم: الخمر والميسر والكوبة، قال: وكل مسكر حرام». ترجمه الإمام بقوله: تحريم الخمر والميسر والطبل. السلسلة الصحيحة (٥/ ٥٥٠). الغناء ليس كله محرمًا أما آلات الطرب فمحرمة [قال الإمام]: وأما الغناء فليس كله حراما بل ما كان منه في وصف الخدود والخصور والخمور ونحوذلك فحرام قطعا، وما خلا من ذلك فالإكثار منه مكروه، وأما آلات الطرب فهي محرمة لقوله ﷺ : «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف» .. الحديث. السلسلة الضعيفة (١/ ٢٤٦).

стр. 7319

الأصل في الدف الحرمة [قال الإمام]: الأصل في الضرب بالدف أنه لا يجوز؛ لأنه من آلات الملاهي؛ وهي محرمة. التعليقات الرضية (٣/ ١٤) حكم الاستماع للأغاني ومشاهدة التلفزيون الشيخ: الأغاني العادية هي لا تسلم عادًة من آلة موسيقية، وآلات الموسيقى كلها حرام؛ لأن الرسول ﵊ كان يقول: «يكون في أمتي أقوام يستحلون الحر - يعني: الزنا - والحرير والمعازف - المعازف: هي آلات الطرب - يمسون في لهو ولعب ويصبحون وقد مسخوا قردة وخنازير» فهذا عليه عقوبة كبيرة جدًا؛ لأنهم جمعوا بين الموبقات: الزنا والخمر والمعازف ولبس الحرير، هذه أشياء محرمات حشر من بينها: المعازف: وهي كل آلات الطرب، فإذا كان المغني يغني بصوته ومع ذلك موسيقى فكما قلت في أول الجواب: هذه ظلمات بعضها فوق بعض، ومعاص بعضها فوق بعض، فلا يجوز لا الاستماع ولا الغناء؛ لأن كل منهما يساعد الآخر على المنكر. ولو فرضنا أن هناك غناء بدون موسيقى، هذا الغناء يكون بألفاظ غير لائقة، فيها يمكن وصف الخصور ووصف الخمور وما شابه ذلك مما لا يحلو لهم التغني إلا بمثل هذه الألفاظ القبيحة، والكلام القبيح هو في نفسه لا يجوز، وبخاصة إذا كان المتغني يتغنى به. لعله وضح لك الجواب؟ طيب! هل من شيء آخر؟ مداخلة: [التلفزيون] الشيخ: التلفزيون هذا شيطان رجيم في بيت المسلم. مداخلة: [لكن لم يكن موجودًا في زمن الرسول]؟

стр. 7320

الشيخ: يعني: نحن ما ندري أنه ما كان في زمن الرسول ﵇؟ طيب ما دام أنتِ تقولين هذا الكلام أنا أسألك: هل الأفيون كان موجود في زمن الرسول؟ مداخلة: [لا]. الشيخ: فإذًا: هو حلال؟ ! مداخلة: [لا]. الشيخ: من أين عرفت أن الأفيون مثلًا ليس حلال؟ مداخلة: [لكن التلفزيون فيه أشياء مفيدة]؟ الشيخ: والأفيون أيضًا أحيانًا يستعمل في سبيل معالجة المرضى، لكن أنتِ تقولين: أن التلفزيون ما كان في زمن الرسول، وأنا أقول لك: نعم، ما كان في زمن الرسول، والأفيون أيضًا ما كان في زمن الرسول، والسينمائيات هذه التي يختلط فيها النساء والرجال ما كان في زمن الرسول، فهل معنى ذلك: أن كل شيء من المنكرات ما كانت في زمن الرسول، وجدت اليوم تحل؟ ! الإسلام دين واسع جمع فأوعى، قال ﵇: «ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به، وما تركت شيئًا يبعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا ونهيتكم عنه» حديث واحد العالم يستفيد منه عشرات بل مئات المسائل. هذا الحديث مثلًا قوله ﵇: «لا ضرر ولا ضرار» فكل شيء يضر سواء في الصحة، أو في الخلق، أو في السلوك، أو ما شابه ذلك ولو لم يكن في عهد الرسول ﵇ فهو لأنه يضر لا يجوز استعماله، فالتلفزيون ضرره أكثر من نفعه. وقولك آنفًا: أنه يوجد فوائد بالنسبة للتلفزيون، هذا ينبغي وأنتِ مسلمة إن شاء الله ألا تقعي مرة أخرى في مثل هذا الكلام؛ لأن الله حكى عن الخمر المحرم في القرآن، قال : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] فلا يجوز للإنسان أن ينظر إلى الشيء
следующие страницы →