Полный текст (8 195 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.
стр. 7596
يقف أمام المرآة فيرى أن لحيته قد طالت قليلاً، ومن السنة أن يقول المسلم، وليس أمام المرآة فقط، وإن كان في ذلك حديث لا يصح، وإنما بصورة عامة أن يقول كما كان الرسول ﵊ يقول: «اللهم كما حسنت خَلْقِي فَحَسّن خُلُقِي».
هذا الأمر يستوي فيه الرجال مع النساء، والنساء مع الرجال، يعني كما أن الرجل ينبغي أن يقول: «اللهم كما حسنت خَلْقِي، فحسن خُلُقِي».
المرأة بدورها أيضاً وهي كوسجة لا لحية لها، تقول: «اللهم كما حَسَّنت خَلْقِي -يعني بدون لحية- فَحَسِّن خُلُقِي».
لا فرق عندي بتاتاً بين الرجل الذي يخالف خلق الله، وفطرة الله التي لا تبديل لها بنص كتاب الله، حينما يطيح بلحيته ويرميها أرضاً ولا يبالي، وبين امرأة تتخذ لحيةً مستعارةً على طريقة اللوردات الإنجليز.
فقد كنت قرأت في قديم الزمان أن من عادة هؤلاء البريطان، أنهم حينما يدخلون البرلمان يتخذون لحى مستعارة.
وهذا من تمام ضلالهم وكفرهم، ربنا خلقهم رجالاً، فلماذا يحلقون لحاهم ثم يتخذون لحى مستعارة؟
هذا تقليد من تقاليد آبائهم وأجدادهم؛ لأنه كان من عادات هؤلاء الآباء والأجداد أنهم يُرَبُّون لحاهم.
لذلك الآن نرى صورَ كثيرٍ من المشهورين من هؤلاء الرجال الأوروبيين وغيرهم، لهم لحىً كثيفة؛ فهم بسبب جمودهم على تقليدهم لآبائهم، يدخلون البرلمان كما كان آباؤهم يدخلون لكن بلحىً مستعارة.
قرأت مَرَّة في بعض الجرائد تصدر هناك في دمشق، بأن بريطانيا جاءتهم في فصل من فصول الصيف عندهم موجةُ حَرٍّ شديدة، فَصَعُبَ عليهم أن يدخلوا
стр. 7597
البرلمان بلحاهم المستعارة، فأذن لهم المسؤول في البرلمان، رئيس الوزراء أو غيره ... أذن لهم أن يدخلوا البرلمان بدون لحى مستعارة. هذا من عجائب ما يقع عند أولئك الناس.
لكن ما بال الناس المسلمين اليوم، إنهم يخالفون فطرة الله، ويُبْتَلون بحلق اللحى، المرة بعد المرة، ففي كل مرة هو يعصي الله ﵎ وليس مرةً واحدة؛ لأنه لو حلقها ثم لم تنبت يمكن نقول: هذه مرة واحدة ... لكن قد تكون معصية تُضَاعَف مضاعفات كثيرة، لكن لو فرضنا أن الأمر هكذا نقول: والله عصى الله مرة واحدة.
لكن هؤلاء المُبْتَلون كما نعلم جميعاً، هذا الذي يختصر الطريق ويقف أمام المرآة ويحلقها كل يوم صباحاً أو كل يومين، والشيء بالشيء يذكر، مما يترتب وراء هذه المفسدة، مفاسد لا يتنبه لها المبتلون بهذه المفسدة.
أحدهم يحج إلى بيت الله الحرام، وهو في هيئته العامة حليق، لكن عندما يذهب إلى الحج لا بد أن يعفي لحيته، ويعفي عن لحيته بعدد الأيام التي أحرم فيها، لكن ما يكاد يوم النحر يدخل بيحلق اللحية.
وصورة ثانية: وهذه أكثر بلاءً وانتشاراً، الذي ما حج إلى بيت الله الحرام، وإنما بقي هنا في شهر الحج أو في عيد الفطر، يستفتحون صباح عيدهم بحلق لحيتهم؛ لأنه عادةً حِلِّيق ... ، ليس جميلاً، أن يترك لحيته طالعة ربع سنتيمتر أو ميل أو ميلين لا أدري كم، لذلك يستفتح هذا العيد الذي مفروض أنه يذهب إلى المصلى ليشارك إخوانه المسلمين في طاعة الله في هذه الصلاة، التي تفرض في السنة مرتين عيد الفطر وعيد الأضحى، فيفتتحون ذلك بمعصية الله .
هذه أمور صارت عند الناس أموراً عاديةً لا يتنبهون لما تحتها من معاصي متعددة.
وعلى العكس من ذلك الواحد منهم عندما يموت له شخص عزيز، ويكون
стр. 7598
حِلِّيق اللحية يعفي عن لحيته، إيش صارت هذه اللحية؟ علامة حزن.
الله أكبر! هذه علامة الرجولة، وهو من تمام الفحولة، أن المسلم يعفي عن لحيته.
مع الزمن، دار الزمن دورته، صار الكمال والجمال بحلق اللحية، وإعفاء اللحية علامة الحزن.
كل هذه المصائب جاءت من استعمار الكفار للبلاد الإسلامية، لم يكن معروفاً في القرون هذه الطويلة، لم يكن معروفاً في المسلمين مسلم يحلق لحيته، لكن قد تُحْلَق لحيته من باب التعزير والتأنيب والتربية، هذا نكال، بينما اليوم الناس يعملونه نكايةً بأنفسهم.
سبحان الله! اختلف الزمن اليوم عن الزمن الأول في ابتعاد المسلمين عن دينهم، وهذا هو السبب الذي لا يتنبه له جماهير المسلمين، حتى بعض الدعاة منهم لا يتنبهون، الذي نشترك في الشكوى منه جميعاً، وهو أن المسلمين أصبحوا أذلاء في عقر دارهم، في كل بلاد الإسلام أصبحوا أذلاء، وهذه مشكلة بيت المقدس، ليست بعيدة عنها، ما هو السبب؟
أخللنا بشرط إلهي حينما قال في كتابه: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧].
قد يقول بعض الناس، وسمعنا هذا مراراً وتكراراً: يا أخي هذه المسألة من توافه الأمور.
مسألة حلق اللحية من توافه الأمور؟ ! هذه مصيبة عندنا؛ لأن أمراً يصدر من رسول الله ﷺ بإعفاء اللحية فيقول: «حفوا الشارب وأعفوا اللحى، وخالفوا المجوس». وفي رواية: «خالفوا اليهود والنصارى».
هذا الأمر نسميه نحن في آخر الزمان: «أمر تافه ليس له قيمة»! !
هذا لو افترضنا مفتياً متمسكاً بالمذهب الحنفي حرفياً، ومتمسكاً بأحكام
стр. 7599
المذهب الحنفي حرفياً، لَكَفَّر هذا المسلم الذي يقول إن مسألة إعفاء اللحية من توافه الأمور، لماذا يُكَفِّره؟
لأنه لسان حاله يعني: أن الرسول لماذا أمرنا بهذا الأمر، هذه مسألة تافهة.
رسول الله يأمر المسلمين عامة بأمر تافه ليس له قيمة؟ ! حاشا لله.
كيف وهو أَمَرَ المسلمين بإعفاء اللحية، حتى لا يكونوا من طائعي الشيطان الرجيم، حينما حكى الله في القرآن الكريم حال لسان إبليس الرجيم، قال إبليس: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾ يعني: بني آدم.
﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩].
فرسول الله يأمرنا بإعفاء اللحية هذا أمر تافه؟ !
يأمرنا بأن لا نكون مطيعين للشيطان حينما قال: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]، يأمرنا بأن نكون مطيعين للرحمن.
ثم هنا مسألة فيها دقة هامة جداً من ناحية الحكم، وليس من ناحية الاستنباط؛ لأنه واضح.
نحن كما ذكرنا آنفاً خلق الله النساء بدون لحى، لحكمة لا شك ولا ريب في ذلك، وعلى العكس من ذلك خلق الرجال بلحى، ثم كان من تمام حكمة الله في خلقه التكويني أنه شرع لهن من الأحكام، ما خصهن بها دون الرجال، فأباح لهن -مثلاً- الحرير، بينما حَرَّمه على الرجال، وأباح لهن الذهب في حدود معروفة عند أهل العلم، وحرم الذهب على الرجال مطلقاً.
لكن الشاهد أنه حرم عليهن نوعاً من الزينة، لماذا؟ وهن موضع للزينة، ولذلك أباح لهن ما أشرنا إليه -آنفاً-، حَرَّم عليهن نوعاً من الزينة؛ لأن تلك الزينة التي قد يتعاطها بعض النسوة فيه تغيير لخلق الله .
ترى إذا هذا التغيير وقع فيه الرجال الذين لم يُبِح لهم ربنا ما أباح
стр. 7600
للنساء من الزينة، ألا يكون ذلك حراماً عليهم من باب أولى؟
الجواب: هو كذلك.
ما هو الذي حَرّمه الله على أهل الزينة وهم النساء؟
قال ﵊: «لعن الله النامصات والمتنمصات، والواشمات والمستوشمات، والفالجات المغيرات لخلق الله للحسن».
الفاعل والمفعول.
الآن تجد النساء تتفنَّن كل يوم بنوع من تغيير خلق الله ، قديماً كنا نعلم ونحن في سوريا، لا أدري إذا كانت هذه الموضة قضي عليها، وأقيم مقامها موضة أخرى هنا على الأقل.
ابتليت بعض النساء هناك من المفتونات بالموضات الغربية، كانت الواحدة منهن تحلق حاجبيها بالكلية، ثم تصبغها على حسب عقلها المنحرف، تارة خيط دقيق كالهلال، تارة أغلظ قليلاً وعلى حسب غلاظة عقلها .. إلى آخره.
لا أدري هذا موجود اليوم أو لا؟
مداخلة: موجود.
الشيخ: أنا الذي أعرفه تدقيق الحاجب.
مداخلة: حلق لا.
الشيخ: الذي أعرفه أن بعض النساء -مثلاً- يكون حاجبها لا يعجبها؛ لأنه كثيف فهي تُرَقِّقه وتُدَقِّقه وترجعه كما قلنا كالهلال، أو لها حاجبان مقرونان متصل أحدهما بالآخر -أيضاً- لا يعجبها، فتنتف أو تحلق ما بين حاجبيها، هذا محرم بنص الحديث السابق: «لعن الله النامصات والمتنمصات .. » إلى آخر الحديث.
لو سأل سائل: لماذا؟
стр. 7601
الجواب: في آخر الحديث: «المُغَيِّرات لخلق الله للحُسن».
يا سبحان الله! إذا كانت المرأة حلقت أو نتفت ما بين حاجبيها، وهي موضع للزينة كما قلنا، مع ذلك استحقت اللعن من الله، أنا أقول الآن شيئاً نُذَكِّر الملتحين، وليس فقط الحالقين؛ لأن الحالقين أخذوا نصيبهم من الكلام، بقي علينا أن نُذَكِّر الملتحين: إذا كانت المرأة تأخذ ما بين حاجبيها فهي ملعونة بنص الحديث الصحيح؛ لأنها تُغَيِّر خلق الله، فما حكم الملتحي الذي يحلق خَدّيه أو ينتف خديه؟
حكمه حكمها، ولا فرق -أبداً-، بل هذا بالطرد من رحمة الله أولى، لما سبق بيانه أن تلك المرأة التي هي موضع للزينة، لمجرد أنها تأخذ من حاجبيها قليلاً فوق أو تحت أو بين الحاجبين، غَيَّرت خلق الله؛ فهذا الرجل الذي أطاح بلحيته انتهينا منه، لكن هذا الرجل الذي يُعْفِي لحيته لكن ينتفها من خدوده، هذا أيضاً، لا يجوز هذا الفعل، هذا حرام.
وكثير من إخواننا الملتحين يقعون في هذه المخالفة؛ لأنه ليس هناك من يُذَكِّر، ليس هناك من يُعَلِّم الناس شريعة الله، وبخاصة هذه الشريعة التي تستند فقط إلى كتاب الله، وإلى حديث رسول الله ﷺ ، وليس إلى قيل وقال، كما أشار إلى ذلك الإمام ابن القيم الجوزية ﵀ في شعره العلمي، حين يقول:
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتمويه
ما العلم نصبك للخلافة سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فقيه
كلا ولا جحد الصفات ونفيها ... حذراً من التعطيل والتشبيه
الآن حينما يثار هذا البحث، كثيراً ما نُقَابَل بالقول: الشيخ الفلاني يقول: إعفاء اللحية سنة، وحَلْقها مكروه كراهةً تنزيهية، وأنت متشدد في هذا التشديد البالغ.
نقول: أن هذا من السفاهة بمكان، أنك تنصب قول ليس إماماً من أئمة المسلمين، ولكن شيخ فريخ مثلنا يعني، يقول لك: هذا مكروه كراهة تنزيهية.
الأئمة الأربعة، الذين يزعم جماهير أهل السنة والجماعة اليوم كما يقولون، أنهم
стр. 7602
أتباع للأئمة الأربعة، كلهم متفقون على أن حلق اللحية حرام، والذي يحلق لحيته فاسق لا تُقْبَل شهادته، فما قيمة هذه الفريخ الذي مثل حكايتنا نقول: ذلك، يقول: أن هذا مكروه تنزيهاً، ونحن نقول: قال الله .. قال رسول الله.
ماذا قال الله يا إخواننا لا تنسوا ..
قال الله على لسان إبليس: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩].
وقال رسول الله: «حُفُّوا الشوارب وأعفوا اللحى» يعني: أعفوها من الحلق، واتركوها كما خلقها الله ، ولا تشبهوا باليهود والنصارى.
ويأتينا هنا اعتراض يقول: اليهود الآن مربين لحاهم، وهذول الهيبيين، هذه منظمة من كم سنة يمكن راحت، كمان مع الزمان.
أنه صارت الموضة عندهم يرجعوا للطبيعة، هم لا يؤمنون بالله ولا بكتبه ولا برسله، لكن بالطبيعة، الطبيعة رؤوا فعلاً بأم أعينهم المرأة غير الرجل، والرجل غير المرأة، إذاً: لازم نرجع للطبيعة، فعادوا للطبيعة.
فيأتي هنا شبهة من بعض الناس: يا أخي هؤلاء اليهود .. هؤلاء الهيبيين، هؤلاء الكفار، كثير منهم مربين لحيتهم.
هذه شبهة يعني كما يقول الفقهاء: يكفي حكايتها عن رَدِّها، وهي أوهى من بيت العنكبوت، لماذا؟
أولاً: نقول إن هذا الإعفاء من هؤلاء الكفار مثل شعرة سوداء في جسم ثور أبيض، يعني نسبة قليلة جداً في الكفار الذين يُرَبُّون لحاهم.
ثانياً: هنا أحد شيئين: إما أن يتشبه المسلم بالكافر، أو أن يتشبه الكافر بالمسلم، فأيُّ الأمرين أقوى لديننا ولإسلامنا ولعاداتنا ولتقاليدنا الإسلامية: أن نتشبه نحن بالكفار، أم أن يتشبه الكفار بنا؟
стр. 7603
لا شك أنه من الثابت في فلسفة التاريخ، كما يقولون في هذا الزمان، أن من طبيعة الأمة الضعيفة أن تُقَلِّد الأمة القوية، ولا عكس، الأمة القوية لا تُقَلِّد الأمة الضعيفة؛ لأن هذه الأمة ليس لها وزن عندها، وبالعكس الأمة الضعيفة التي تشعر بضعفها في كل نواحي الحياة، وتنظر بعين الإجلال والإكبار لأمة أخرى، تحاول أن تقلد هذه الأمة الكبرى.
وقلت -آنفاً- مذكراً: لا أحد يشرب بيده اليسرى؛ لأن هذا منهي عنه شرعاً، لقوله ﵊: «كُل باليمين، واشرب باليمين، ولا تأكل بالشمال ولا تشرب بالشمال، فإن الشيطان يأكل بالشمال ويشرب بالشمال».
فشيء مؤسف جداً، المسلمون اليوم مظهر إسلام، أما فعل الفعل مخالف لشريعة الإسلام في عشرات الجزئيات الكثيرة، لا أعني المستحبات والسنن المؤكدات، لا أعني المحرمات، ونحن الآن نتكلم في المحرمات، ولا نتكلم بالسنن والمستحبات.
فحرام أن يأكل الإنسان أو يشرب بيده اليسرى؛ لأن هذا من عمل الشيطان، يجب عليه أن يأكل باليمين ويشرب باليمين، وليس هذا فقط، واليوم كنا مع الأخ عند بقال، فيأخذ الفلوس بيده الشمال، ويعطي بيده الشمال، وهو مثلي قد بلغ من الكبر عِتِيّاً، لكن هو ستر كِبَره بحلق لحيته، هذا هو الفرق.
مع أنه بلغ هذا السن، ما زال يعطي بالشمال، ويأخذ بالشمال، والله هذا الإنسان معذور يا جماعة، معذورين أنتم كلكم إلا ما شاء الله، ممن قامت عليه الحجة من قبل، معذورين؛ لأنه أغلقت المساجد لم يبق فيها مدرس، وزارة الأوقاف المحترمة قررت هذا، وهذا القرار مع الأسف الشديد ناسب الناس، لأنه قبل أن يضعوا مثل هذا القرار، لم تكن تجد ناساً متطوعين، متبرعين، هذا يعطي درس في التفسير، هذا يعطي درس في الحديث، هذا يعطي درس في الفقه، في النحو، في الصرف، في التجويد .. إلى آخره، لم تعد تر مثل هذه الدروس أبداً في المساجد.
стр. 7604
أنا أدركت في سن شبابي في المسجد الأموي هناك في دمشق، أدركت حلقات كثيرة جداً في المسجد، ومن جُمْلَتها حلقات الذكر الذي نشكو منها، الذي يصير فيها صياح وزعاق، ومن يَدَّعي أنه أخذه الحال، فيقع مثل الثور في الأرض ليخور ويصيح .. إلى آخره .. كل هذا كنا نراه، ففيه الخير وفيه الشر.
أما الآن: فالناس بقوا على جهلهم؛ لأنه لم يبق من يعطيهم العلم، من يسقيهم هذا العلم النافع في المساجد كما كان الأمر من قبل، ولذلك عاش الناس هكذا كما يقال لغة: سبهللا، يعني: فلتانين يأكل كيفما اتفق، ويشرب كيفما اتفق، ليس هناك منهج حياة، لأنه جاهل، ليس هناك من هو رجل عالم، يذكره هذا المنهج، ولو المَرَّة بعد المرة، والكَرَّة بعد الكرة، فَعَمَّ الجهل عامة المسلمين، إلا من شاء الله، وقليل ما هم.
فتلك الشبهة: أنه أصبح الكفار يربوا لحيتهم!
الجواب: نعم، لكن هذا قليل من كثير، الغالب عليهم الحلق.
ثانياً: هؤلاء يتشبهون بنا، فخير لنا أن يتشبه الكفار بنا من أن نتشبه نحن بهم؛ لأن المريض الضعيف هو الذي يتشبه بالقوي، أما القوي لا يتشبه بالضعيف.
هذه نكتة تاريخية فلسفية .. يقلدوا نفس الكفار هؤلاء، لذلك فأشرف لنا قبل أن يكون أشفع لنا، أن الكفار يتشبهون بنا، ولا نتشبه بهم نحن، فلا ينخدعن أحد منكم بما يقوله بعض الناس المنحرفين علماً أو خلقاً: الكفار الآن يعفون لحاهم.
طيب، نحن نتشبه بالرسول ﵇؛ لأنه كان له لحية تملأ صدره ﵇، وأمر بذلك فصار أمره واجباً، لو بقي الأمر فقط إلى شيء فعله الرسول ﵇ يكون سنة مؤكدة؛ لأنه استمر عليها الرسول ﵇، فكيف وقد انضم إلى ذلك أمره، انضم إلى ذلك مخالفة الشيطان الذي أَمَرَ بني الإنسان بأن يُغَيِّروا خلق الله، انضم إلى ذلك ثالثاً: بأن نخالف النساء ولا نتشبه بهن، ورابعاً: وأخيراً لا نتشبه بالكفار.
стр. 7605
أربعة مبررات لجعل هذا الفعل النبوي، أمراً مفروضاً على كل مسلم.
وهذه كما قلنا آنفاً في غير هذه المناسبة ذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين، والحمد
لله رب العالمين.
مداخلة: جزاك الله خيراً يا شيخ.
مداخلة: شيخنا، تتمة للموضوع، قد يُلَبِّس الشيطان على البعض، فيلطف من عبارة «أن هذا من الأشياء التافهة» وما شابه ذلك، فيقول: «هذه قشور»، و «إنما يهمنا اللباب» وما شابه ذلك، وهذه كثيراً ما نسمعها، ولعلها تلقى في بعض النفوس، خاصةً أن كلامكم كان عن قضية من قضايا الشخصية الإسلامية، فحبذا لو تُوَضِّح هذه القاعدة؟
الشيخ: الحقيقة أن هذه الكلمة التي ذكرها الأخ، نسمعها أيضاً -أحياناً-، لكن كل الدروب على الطاحون، سواء قيل: هذا من توافه الأمور، أو هذه من القشور، فكل من اللفظتين من إحدى الكِبَر؛ لأنه لا يصح لنا -أيضاً- كما قلنا بالنسبة لمن يقول من توافه الأمور، هذا أمر تافه، كذلك لا يصح لنا أن نقول بعد أن عرفنا ما تعلق من الأحكام، ومن الأحاديث، بموضوع إعفاء اللحية، ما ينبغي أن يقال هذه من القشور.
ولكن إذا قيل بهذا اللفظ دون اللفظ الآخر، انفتح أمامنا أمر آخر لتعزيز هذه الكلمة، لو صح النطق بها، هم يعنون بلا شك حينما يقولون بأن هذه المسألة أو تلك من القشور، بقولهم: دعونا من القشور وخَلّينا نهتم باللباب، يعنون بذلك الأمور التي يجوز للمسلم أن يتركها، لكن إن عنوا ذلك فقد أخطؤوا مرتين:
الخطأ الأول: أنهم أعطوا حكم السنة، أنه يجوز للمسلم أن يتركها ولا إثم عليه في ذلك، أعطوا هذا الحكم حكم السنة لما هو فرض لازم.
الخطأ الثاني: هب أن الأمر سنة، ولكن التعبير -أيضاً- عن السنة بلفظة قشر -أيضاً- هذا خطأ؛ لأنهم حينما يتلفظون بهذه الكلمة، يعنون ألاَّ نبالي بهذه السنن على
стр. 7606
افتراض - ونقول هذا جدلاً - على افتراض أنهم يعنون السنن فقط.
أيضاً: لا يجوز أن نطلق لفظة القشور على السنن التي فعلها الرسول ﵇، وتقرب بها إلى الله زلفى، لماذا لا يجوز؟
لسببين اثنين: السبب الأول: أن هذه السنن هي لها وزن في الشريعة، لكنهم لا يعلمون، وزنها في الشريعة أنها في كثير من الأحيان تكون سبباً لتدارك ما فات من النقص في الفرائض، وهذا صريح في قوله ﵇: «أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن تمت فقد أفلح وأنجح، وإن نقص فقد خسر».
في حديث آخر: «وإن نقصت، قال الله لملائكته: انظروا هل لعبدي من تطوع فتتموا له به فريضته» تطوع يعني: سنة، يعني غير اوجب.
فهذا الحديث يصرح بأن السنن تتم بها الفرائض، فكيف يباح للمسلم ألاَّ يحض المسلمين عليها، بل هو يبعدهم عنها بكلمة مُنَفِّرة، هذه قشور لا قيمة لها.
هذا خطأ مزدوج، أولاً: من حيث المعنى؛ لأنه لها قيمة كما ذكرنا مثالاً مثل: « .. فأتموا له فريضته».
ثانياً: من حيث أنهم يطلقون كلمة قشور كالتوافه من الأمور، يطلقونها على ما شرع الرسول ﵇، ولو بطريق الاستحباب، وحينذاك نحن نقول: من أين أخذوا كلمة القشور؟
أخذوها من بعض الثمار التي لها قشور، فيؤكل لبُّها ويُرمَى قِشْرُها.
حسناً: هذا الاستعمال أُخِذَ من قياس الأحكام الشرعية على القشور التي خلقها الله في بعض الثمار، نعود هنا لنقول: هل خَلْقُ الله لهذا القشر المحافظ المحيط للب هو عبث؟ لولا هذا القشر ما سلم اللب، وهذا يا جماعة واضح في هذا المثال المادي، يعني في الثمار.
هذه القشور ما خُلِقت عبثاً، وإنما فائدتها معروفة حتى عند أصحاب كلمة
стр. 7607
القشور، هذه الفائدة المادية معروفة عندهم، لكن سبحان الله: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
إذا كان القشر في ثمر ما مفيد لهذا الثمر، ومحافظ على اللب، وهذا معروف حتى عند الكفار، أفلا يكون معروفاً عند المسلمين: أن ما يسمونه من الأحكام الشرعية بأنه من القشور، هو شأنه تماماً كشأن القشور في الثمار، فلم تكن القشور في الثمار خلقاً من الله عبثاً، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
فكذلك لم تكن هذه «القشور» بلفظهم التي يطلقونها على السنن، لم تكن شرعاً من الله عبثاً، وإنما الأمر واضح جداً، الإنسان الذي يُكثر من الاجتهاد بهذه العبادات، ولو كانت في مستوى السنن والمستحبات، فهو بلا شك يزداد بذلك تقرباً إلى الله، ويزداد بذلك حسناتٍ ودرجاتٍ عند الله، وبخاصة الحديث السابق أن رب العالمين يستدرك لعباده المقصرين في بعض الفرائض، يتمم تلك الفرائض من هذه السنن والنوافل.
إذاً: نهاية المطاف في هذا البحث، أن استعمال لفظة «القشور» كلفظة «التوافه من الأمور» هذا خطأ شرعاً من كل النواحي، سواء من ناحية شرعية، أو من ناحية قياسية، فواضح جداً أن القشر في الثمر ضروريٌّ وجودُه، وإلا لولاه لن نأكل الثمر، كذلك هذه السنن التي يُسَمُّونها ظلماً وبغياً وعدواناً بقشور، لولا هذه السنن لما ازداد الإنسان تقرباً بها إلى الله ﵎، ولما سَدَّ بها نقص وقع له في فرضه.
هذا تعليق على سؤال الأخ جزاه الله خيراً.
(الهدى والنور / ١٧٥/ ٠٧: ٥٢: ٠٠)
(الهدى والنور / ١٧٥/ ٠٤: ٥٨: ٠٠)
هل يجوز حلق اللحية تحت ضغوط الحكومات أو الآباء
السائل: عندنا الوضع في الجزائر متوتر، وعلى كل حال تعرضت لمضايقات من
стр. 7608
طرف الشرطة أُلْقِي عليَّ القبض مرتين، لكن مجرد استخبار، فكان من جراء ذلك أن أصر والدي على حلق لحيتي، أو على تقصير لحيتي, فوالدي على كل حال على باب الستينات وكذلك أختي التي في البيت أنا الذي أراقبها في أمر دينها في حجابها وصلاتها؟
الشيخ: أقول: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
السائل: طيب ما رأيك يا شيخ في التي ذكرتها.
الشيخ: ليست اعتبارات شرعية.
السائل: أخرجني من البيت.
الشيخ: أخرجك من البيت؟
السائل: نعم.
الشيخ: كم عمرك؟
السائل: اثنين وعشرين.
الشيخ: طيب، أليس لك مأوى.
السائل: يعني يتدبر، إن شاء الله تعالى.
الشيخ: فإذاً: ليس لك عذر، ليس لك عذر، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
السائل: لكن والدي ليس له من يخدمه.
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله، أخدم ربك.
السائل: بارك الله فيك.
الشيخ: وفيك بارك.
السائل: جزاك الله خيراً شيخَنا.
стр. 7609
الشيخ: تسمعني؟
السائل: نعم.
الشيخ: قل لأبيك: طاعة ربك أولى بي من طاعتك، فإذا أردت مني أن أُطِيعك اتباعاً مني لربي، فعليك أنت ان تُطِيع ربي، وأن لا تأمرني بمعصيته؛ وفي هذه الحالة أنا أجمع بين طاعتين: طاعةً لربي، وطاعةً لك، فإن اضطررتني إلى مخالفتي لله، وذلك سيحرمني من خدمتك، فهذا ما جنيته بنفسك على نفسك ثم علي.
يجب أن تُفَهِّمه الحكم الشرعي، ولكن بلطف شديد جداً جداً، وليس بشدة وقسوة كما يفعل كثير من الشباب الملتزم، متذكراً معي قول الله : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
فإذا: أنت فعلت هذا، فتكون قد أعذرت إلى أبيك، والمسؤولية إنما تقع عليه وليس عليك, لعلك فهمتني؟
السائل: نعم شيخنا.
(الهدى والنور / ٥٦٤/ ٥٥: ٥٠: ٠٠)
هل يجوز حلق اللحية إذا كان ذلك يخدم الحالة التنظيمية ؟
مداخلة: يقول السائل: هل يجوز حلق اللحية إذا كان ذلك يخدم الحالة التنظيمية؟
الشيخ: هذا السؤال يُذَكّرنا ببعض ما جاء في بعض الأسئلة السابقة.
التنظيم -إخواننا- إذا كان تنظيماً في حدود أوامر الإسلام، وأحكام الإسلام، فهذا لا أتصور مسلماً فقيهاً ينكره.
стр. 7610
لكن الواقع أن كثيراً من التنظيمات القائمة اليوم، لم تقم على أساس فقه الكتاب والسنة، وعلى منهج السلف الصالح، وهذا هو المثال الآن في هذا السؤال: هل يجوز حلق اللحية لمصلحة التنظيم؟
الجواب: الجواب كما سمعتم مني في بعض ما مضى: يجوز ولا يجوز، لكن ستسمعون أغرب مما سمتعم، لكني أبدأ بالأهم، لا يجوز، لكنه يجوز.
لا يجوز في حكم الشرع؛ لأن حلق اللحية من الكبائر، وهذا مما يجهله كثير من الشباب المسلم اليوم، خاصة من كان منهم منتظماً في حزب أو جماعة؛ لأن هذه الأحزاب والجماعات لا تُعْنَى، وهذا من الفرق الذي أرجو أن ينتبه له بعض السائلين تلك الأسئلة، هذا من الفَرْق بين دعوتنا ودعوة بعض الجماعات التي زُعِمَ في بعض الأسئلة أنهم معنا على منهج الكتاب والسنة، فقلنا ساعئتذٍ جواباً مختصراً، إن هذه دعوى.
والدعاوى ما لم تقيموا عليها ... بينات أبناؤها أدعياء
والدليل الآن جاءكم في السؤال، حلق اللحية من الكبائر، فهل يجوز اتخاذ وسيلة من أجل مصلحة التنظيم ارتكاب كبيرة من الكبائر، طبعاً: إسلامياً لا يجوز، لكني قلت -آنفاً- إنه يجوز، لكن على مذهب أبي نواس، تعرفون أبا نواس، أبو نواس يقول: وداوني بالتي كانت هي الداء.
ويجوز على مذهب اليهود الذين يقولون: الغاية تبرر الوسيلة.
والآن لستم بحاجة، فاليهود جيرانكم هنا مع الأسف، ويقتلون كل يوم ما شاء الله من النفوس البريئة، الغاية تُبَرِّر الوسيلة، هذه قاعدة يهودية، الآن كيف انطوت هذه الغاية على بعض الشباب المسلم، بل على الرؤوس المسلمة التي تتولى توجيه هؤلاء الشباب، فيبررون لهم ويسوغون لهم خلاف قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
стр. 7611
الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾.
هم يقولون: لا، أنت إذا عَفّيت لحيتك، انكشفت هويتك، وربما ألقوا القبض عليك، وسجنوك وعذبوك، واستخرجوا منك الأسرار، وما أدري ما هنالك من أقوال أخرى.
الجواب: إذاً: إسلامياً لا يجوز؛ لأن حلق اللحية من الكبائر، وما أظن الآن الوقت يساعد لإلقاء محاضرة، ولسوق الأدلة التي نقطع بها أن حلق الرجل لحيته، هذا الحلق هو من المعاصي الكبيرة، وليس فقط كما يزعم كثير من الناس خلاف السنة، يا أخي السنة من فعلها أثيب عليها، ومن تركها لم يعاقب عليها.
لا، هذه ليست سنة فقط؛ لأن السنة معناها الرسول فعلها، فإذا اقتدينا به أُثِبْنا، وإلا إن لم نفعل لم نؤثم، قد أمر النبي ﷺ بإعفاء اللحية، وحذر من التشبه بالنساء، وحذر من التشبه بالكفار، وحَذَّر من تغيير خلق الله، أربعة أدلة، كل دليل منها ينهض وحده بإثبات أن حلق اللحية معصية كبيرة، فما بالكم وكُلّها الأربعة اجتمعت؟
لذلك: فلا يجوز حلق اللحية لمصلحة زُعِمَت، ولا مصلحة في معصية الله . نعم.
(الهدى والنور /٦٣٣/ ٥٧: ٢٢: ٠٠)
إذا كان الإنسان مجبرًا على حلق لحيته فهل يجوز له حلقها في هذه الحالة ؟
مداخلة: بالنسبة لموضوع اللحية -بارك الله فيك-، إذا كان الإنسان مجبراً على حلق اللحية، فماذا يترتب عليه؟
الشيخ: إذا كان مجبراً حقاً، فلا يترتب عليه شيء مطلقاً، لكني أخشى ألاَّ يكون
стр. 7612
مجبراً حقاً.
مداخلة: إذا كان تحت نظام معين مثلاً، مثل الجيش على سبيل المثال، والنظام في الجيش لا يسمح بتربية اللحية، ماذا يترتب عليه؟
الشيخ: من أجل هذا أنا قلت: إن كان مجبراً حقاً، فليس عليه إثم، أما إذا كان ليس مجبراً حقاً، فالإثم عليه كما هو على غيره، فالآن أنت ضربت مثلاً بالجيش.
مداخلة: نعم.
الشيخ: الجيش، الخدمة فيه كما تعلمون جميعاً قسمان:
إجباري واختياري، فمن كان مجبراً على الخدمة وحلقت لحيته، فهذا الذي يقال فيه: لا إثم عليه.
أما الذي -كما يقولون اليوم- يتطوع، ليس مجبوراً على أن يعمل، فهذا ليس مجبوراً على أن يحلق؛ ولذلك فلا بد من ملاحظة أن الضرورة كما يقول العلماء والفقهاء: «الضرورات تُقَدَّر بقدرها».
كثير من الشباب اليوم يُبْتَلى من أجل العيش، أن يكون عاملاً أو موظفاً في البنك -مثلاً-، يقول لك: أنا مضطر، نقول نحن جدلاً، ولا أقول هناك ما قلت بالنسبة لحلق اللحية؛ لأنه فعلاً هنا في اضطراب، لكني أقول هنا جدلاً: إذا كنت مضطر أن تعمل في مكان تُسْتَحل فيه حرمات الله فلا ضير عليك؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، لكن هل صحيح عنك أنك مضطر لتحصيل قوت نفسك وزوجك وولدك إن كنت متزوجاً ولك أولاد، أن تعمل في البنك الذي يقول في مثله ﵇: «لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه»؟ لا، «ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها».
يقول رسول الله ﷺ : «يا أيها الناس اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن ما عند الله لا ينال بالحرام»، وفي رواية أخرى: «وإن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها
стр. 7613
وأجلها»، فأجملوا أي: أحسنوا في طلب الرزق في موافقة الشرع.
فالخلاصة: أن كثيراً من الناس يعتبرون أنفسهم مضطرين وليسوا مضطرين؛ ولذلك فليتق الله مسلم، ولا يوجد لنفسه تأولاً بعيداً ليستحل ما حرم الله بأدنى الحيل، فإن الله يعلم السر وأخفى.
(الهدى والنور /٦٣٤/ ٠٠: ٣٣: ٠٠)
هل حلق اللحية من الكبائر ؟
مداخلة: [هل حلق اللحية من الكبائر]؟
الشيخ: حلق اللحية بلا شك من الكبائر، وليس من المحرمات فقط؛ وذلك لأنها تشتمل على مخالفات لنصوص عدة، أولها: قوله ﵊: «حفوا الشارب وأعفوا اللحى، وخالفوا اليهود والنصارى» والأمر الصادر من النبي ﷺ لا يجوز مخالفته بنص قول الله ﵎: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] هذا أولًا.
وثانيًا: كما جاء في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عباس قال: لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، فلا شك أن التشبه تشبه كل من الجنسين بالآخر إنما هو فيما يبدو في الظاهر فمن أجل ذلك يحرم على الرجل أن يتشبه بالمرأة سواء في اللباس أو في غير اللباس كما يحرم على المرأة أن تتشبه أيضًا بالرجل في اللباس أو في غيره.
موضوع حلق اللحية: فلا شك أن الله حينما فاوت في خلقه بين الرجال والنساء وأشار إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [الليل: ٣] فربنا لما ذكر في هذه الآية ما ذكر ذلك عبثًا وإنا ليلفت النظر أن من آياته أن خلق الذكر والأنثى، فهو فاوت بأشياء منها ظاهرة ومنها باطنة، فمن الأشياء الظاهرة: أن الله ميز الرجل باللحى وميز النساء بدونها، ولا يشك كل ذي عقل
стр. 7614
ولب أن المرأة لو اتخذت لحية مستعارة ألصقتها بخديها فكل من يراها لا يتردد في أن يقول: إنها تشبهت بالرجال، علمًا أنها لم تصنع إلا أنها أخذت شيئًا مثل الباروكة.
هذه اللحية المستعارة مشهور بها البريطانيون الإنجليز، طبقة منهم يسمونهم باللوردات هؤلاء كان من تقاليدهم وربما لا يزالون كذلك، إذا دخلوا البرلمان وهم حليقين فيضعون هذه اللحى المستعارة، فالمرأة التي تضع لحية مستعارة لا يشك أي إنسان بأنها تشبهت بالرجل، فيا ترى! أليس العكس أقرب إلى التشبه فيما إذا جاء الرجل إلى لحيته التي فرضها الله عليه فرضًا وجبره عليها جبرًا لأنه خلقه ذكرًا فجعله ذكرًا ذا لحية فحينما يأتي هذا الذكر ويطيح بلحيته ويرميها أرضًا أليس قد تشبه بالمرأة التي ليس لها لحية؟ لا شك أن هذا أمر متحقق واقع، فإذًا: شمله اللعن مباشرًة الذي في صحيح البخاري: «لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال».
ثم يأتي ثالثًا: ربنا ذكر في القرآن الكريم في قصة لعنه إبليس إلى يوم الدين؛ بسبب وسوسته لآدم ﵇، فلما وقع إبليس في الطرد من رحمة الله أراد أن يثبت أصله، ويؤكد معصيته لله ، فقال: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] فإذًا: الذي يحلق لحيته فهو يطيع الشيطان ويعصي الرحمن؛ لأن الشيطان قال: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] فإذًا: هو خالف أيضًا الآية الكريمة التي فيها إعلان بأن وظيفة إبليس الرجيم مع عدوه الإنسان أن يأمره بتغيير خلق الله.
من أجل ذلك جاء أخيرًا قوله ﵊: «لعن الله النامصات والمتنمصات، والواشمات والمستوشمات، والواصلات والمستوصلات، والفالجات المغيرات لخلق الله للحسن» المغيرات لخلق الله للحسن، فنحن هنا نأخذ من هذا الحديث ما يتعلق بالآية السابقة: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]: فالرسول لعن هذه الأصناف من النساء بتعليل: المغيرات لخلق الله للحسن، فإذًا:
стр. 7615
هن في تغييرهن لخلق الله أطعن الشيطان وعصين الرحمن.
قد يقول قائل هنا: ليس للرجال علاقة بالحديث، نقول: بلى لهم علاقة كل العلاقة، وذلك للبيان التالي، وهو: كلنا يعلم أن الله لحكمته البالغة لما غاير بين النساء والرجال، جعل للنساء بعض الأحكام تختص بهن، غير الحكم الكوني حيث جعلها بدون لحية، فأباح لهن مثلًا الحرير، وأباح لهن نوعًا من الذهب، بينما حرم هذا وذاك على الرجال، ومع هذا التمييز لجنس النساء على الرجال بإباحته تعالى لهن ما هو حرام عليهم فإذا حرم عليهن شيئًا وبعلة تغيير خلق الله فلا شك أن هذا الشيء المحرم عليهن لنفس العلة يكون محرمًا على الرجال من باب أولى.
فالآن: نعود إلى الحديث: «لعن الله النامصات» أي: الناتفات، النتف هنا نسمع من كثيرين من أهل العلم والفضل يختلفون، بعضهم يخصون النمص بالحاجبين فقط، وبعضهم يزيد على الحاجبين الخدين، ثم لا شيء وراء ذلك، والصواب: أن الأمر أوسع من ذلك كل التوسعة بحيث يشمل النتف في أي مكان يقع من بدن المرأة إلا ما استثناه الشارع كنتف الإبط مثلًا فإنه من سنن الفطرة.
وهذا كلام نذكره الآن بالمناسبة ولا نقف عنده كثيرًا، لكن الشاهد: إذا كان الشارع الحكيم حرم على المرأة أن تأخذ من حاجبيها ترى! ألا يحرم ذلك على الرجال من باب أولى؟ الجواب: نعم؛ لما ذكرته آنفًا: أن هذا تغيير لخلق الله، والحديث التقى مع الآية: المغيرات لخلق الله، فإذا كان الله حرم عليهن أن يغيرن تغييرًا بسيطًا من حواجبهن؛ لأنه تغيير لخلق الله، فالرجل من باب أولى أنه لا يجوز له أن يأخذ من حاجبيه؛ لأنه أيضًا تغيير لخلق الله.
زد على ذلك: أن الشارع أباح للنساء ما لم يبح للرجال، فإذا حرم عليهن هذا فمن باب أولى أن نحرمه على الرجال كما ذكرنا.
فكل هذه الأصناف التي ذكرت في الحديث تغيير لخلق الله، البشرة مثلًا تكون المرأة ذراعها أبيض فلا يعجبها بياض ربها فتأخذ الوشم وتشم البشرة، هذا هو
стр. 7616
الجمال ألا وهو تغيير لخلق الله، فلعنت هذه الأصناف، ترى! ألا يكون الرجل الذي يأخذ من خديه ملعونًا من باب أولى.
ثم أخيرًا: ألا يكون الرجل الذي يأخذ لحيته كلها ويرميها أرضًا ألا يكون ملعونًا من باب أولى؟ ! إذا كانت المرأة التي تأخذ خطًا دقيقًا هنا من حاجبها تكون ملعونة؛ لأنها غيرت خلق الله فماذا يقال بالنسبة للرجل الذي يأخذ لحيته كلها، فلا شك أن هذا من الكبائر.
ولذلك نذكر من كان مبتلى بشيء من ذلك أن يتوب إلى الله وأن لا يأخذ من لحيته حتى ولا من خديه؛ لأن الشعر النابت على الخدين هو من اللحية كما جاء في اللغة.
(فتاوى جدة (٢٨) /٠١: ٢٤: ٥٣)
حكم حلق اللحية للالتحاق بالجيش الإلزامي إذا كانت العقوبة السجن
مداخلة: في بعض البلاد الإسلامية الالتحاق بالجيش عندما ينتهي من الدراسة من الجامعة أو الدراسة المتوسطة لزاماً عليه يدخل الجيش ولزاماً عليه أيضاً أن يحلق لحيته، وإن لم يفعل نال العقوبة في السجن، هل هذه عقوبة .. تعتبر اضطرار يحلق عليه لحيته أم لا؟
الشيخ: هل يعتبر ماذا؟
مداخلة: هذه العقوبة ..
الشيخ: فهمت كل شيء .. يعتبر ماذا؟
مداخلة: ضرورة من أجلها يحلق لحيته.
стр. 7617
الشيخ: هذا السؤال يتكرر، أنت حين تقول هل يعتبر ضرورة يحلق تعني: يحلق هو بنفسه؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: أنا أقول: ليس هناك ضرورة توجب عليه أن يحلق لحيته نفسه وإنما يحلقوها منه رغم أنفه رأيت الفرق؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب! فإذاً هو لا يحلقها وإنما يحلقونها منه.
مداخلة: إن لم يفعل تعقد له محكمة ..
الشيخ: يجب أن نفرق بين الأمرين، أنا أعرف أنه إن لم يأتيهم حليقاً كما يشتهون أنهم سيعاقبونه، إما بأن يحلقوا لحيته رغم أنفه، وإما أن يزجوه بالسجن، صحيح هذا أو لا؟
فإذاً: لا نقول هل هناك ضرورة ليحلق لحيته؟ لا ينبغي لمسلم أن يحلق لحيته، يعني: أن يأخذ الموسة ويحلق لحيته بنفسه فهو إن مر إلى الحلاق ليحلق له مثلاً لحيته لماذا؟ لأن هذا النظام الكافر يفرض ذلك عليه، يقول لهم بكل صراحة وهذا وقع في سوريا من بعض أصهرنا أنا لا أحلق لحيتي وافعلوا ما شئتم، وماذا فعلوا به؟ أرسلوا إليه ثلاثة من عناصر الجيش وتعلمون ربما أن الجيش في سوريا قسم كبير منهم علوي أو نصيري والأكثر هو سني، فهذه العناصر الثلاثة لما جاءوا إلى صهرنا هذا يريدون أن يحلقوا لحيته رغم أنفه فقال لهم: اكفونا شركم وإلا لن تستطيعوا أن تحلقوا لحيتي إلا بعد أن تقوم معركة بيني وبينكم .. اكفونا شركم فأنتم منا يعني: من أهل السنة، فرجعوا القهقرى إلى رئيسهم وهو العلوي واعتذروا أن نحن لا نستطيع أن نقوم بهذا العمل لأن الرجل مصر فأرسل عليه عناصر من العلويين فدخل في معركة معهم ونال منهم ما أروى غيظ قلبه ولكن أخيراً تغلبوا عليه وكتفوه وحلقوا لحيته رغم أنفه ثم سجنه .. الرئيس سجنه .. حبسه ما شاء ما أدري
стр. 7618
أسبوعين ثلاثة وبدأت اللحية تنبت سنة الله في خلقه، وأخرج من السجن وإذا هو مربي لحيته فأنذره أيضاً مرة ثانية وهو يقول: افعل ما شئتم ثم تيسر له الاتصال مع قائد كبير يكون قريباً له فحكى له القصة، هذا القائد الكبير اتصل مع المسئولين الكبار هناك وأصدروا قراراً أن لا يتعرضوا للعناصر فيما يتعلق باللحية من شاء تركها ومن شاء حلقها، وهكذا وقع يوم كنت أنا في دمشق.
وأنا في اعتقادي أنه لو وجد أفراد من المسلمين الأقوياء في إيمانهم وفي سلوكهم وثبتوا ولم يحلقوا بأنفسهم كما يفعل الكثيرون بدعوى أن هذه ضرورة، هنا لا ضرورة؛ لأنهم هم إما أن يكلفوه بالحلق أو يكلفوا كبت رغم أنفه يعني .. فحينئذٍ من القواعد الفقهية أن المسلم إذا وقع بين شرين اختار أقلهما وأخفهما شراً.
لا شك أن أن يتولى المسلم حلق لحيته بنفسه هذا شر كبير وأقل منه أن يحلقوا لحيته رغم أنفه وهذا هو ما يقال ضرورة، أما في الحالة الأولى لا ضرورة وإنما غرضي أن أقول: أنه لو كان هناك في هذه الجيوش التي لا يزال نظامها قائماً على بعض القوانين الكافرة توجب على أفراد الجيش أن يلحقوا لحاهم لو صمد عشرات من المسلمين صمود هذا الشخص الذي أشرت إليه آنفاً لاضطر الرؤساء وقواد الجيش أن يغيروا هذا النظام لا سيما وأن هذا النظام ليس نظاماً عاماً في كل جيوش الكفر.
لقد قدر لي أن أسافر إلى أوروبا منذ عشرين سنة تقريباً فكنت راكباً السيارة مع بعض إخواننا ونحن نصعد في جبال الألب في سويسرا فكنا نرى عشائر سيارات عسكرية وعليها أفراد من الجنود ولهم لحى، فكنت أسأل كيف هذا؟ يقول هنا الجنود لهم حرية من شاء أن يحلق يحلق ومن كان يربي يربي وهم كفار، فالمسلمون أولى بهذا إن لم ينعكس النظام ويوجب قائد الجيش على كل جندي أن يعفو عن لحيته وليس أن يحلقها، فثبات بعض الشباب تجاه هذا القانون الكافر سيحملهم في النهاية إلى أن يغيروا هذا النظام الذي هو متلقى عن نظام كافر، واضح لك الجواب
стр. 7619
إن شاء الله.
مداخلة: طيب! طاعة الوالي في هذا الأمر.
الشيخ: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لا يجوز؛ لأن هذه معصية والوالي في الغالب يكون حليقاً ولذلك فهو يريد من الجميع أن يكون مثله.
(رحلة النور: ٠٤ ب/٠٠: ٣٣: ٣٥)
هل حلق اللحية من الكبائر ؟
مداخلة: هل حلق اللحية من الكبائر؟
الشيخ: هو كذلك.
مداخلة: ورد على النهي وعيد خاص به؟ يعني: لأن بعض أهل العلم يقول ..
الشيخ: جاء ماذا وعيد خاص؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: أما يكفيك: «لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال»؟ أما يكفي: «المغيرات لخلق الله للحسن»؟
مداخلة: يكفي لكن أليست كبيرة؟
الشيخ: هذا ما فيه دليل؟ ! نعم.
مداخلة: يكفينا.
(رحلة النور: ٣٠ أ/٠٠: ٣٦: ٥١)
قص اللحية كحلقها
[قال الإمام]: قص اللحية - كما تفعل بعض الجماعات - هو كحلقها من حيث
стр. 7620
التشبه، وأن ذلك لا يجوز. والسنة التي جرى عليها السلف من الصحابة وغيرهم إعفاؤها إلا ما زاد على القبضة؛ فتقص الزيادة. وقد فصلت هذا في غير ما موضع تفصيلا.
السلسلة الضعيفة (٥/ ١٢٥).
حكم وصل الشارب باللحية
مداخلة: شيخ! وصل الشارب في اللحية؟
الشيخ: وصل الشارب في اللحية، يعني: عدم حلقه .. عدم قصه ..
مداخلة: نعم.
الشيخ: لا نقول من السنة لكن ثبت عن عمر أنه كان له سبالين، وكان إذا غضب فتلهما، وقد جاء في الحديث الصحيح، قوله ﷺ : «من لم يأخذ من شاربه فليس منا» لم نقل: من لم يأخذ شاربه وإنما من شاربه فليس منا، وقد ثبت عن النبي ﷺ فعلًا أن رجلًا جاء إليه ﷺ وقد وفى شاربه، أي: طال على شفته، فأمر ﵊ بأن يؤتى له بسواك وبمقراض فوضع السواك تحت ما طال من الشارب وقرضه، فهذا بيان فعلي منه لقوله ﵇: «من لم يأخذ من شاربه».
مداخلة: [هل يخرج] من أمة محمد .. ؟ !
الشيخ: لا ما يخرج من الإسلام إنما يخرج من هديه ﵊ إلا إذا استحل مخالفة النبي ﷺ بما خالف فيه، فحينذاك بسبب استحلاله مخالفة النبي ﷺ يخرج من الإسلام، أما مخالفته لما كان عليه الرسول ﵇ عملًا فذلك لا يوجب الخروج من الإسلام، بدليل أن علماء المسلمين اتفقوا أن قوله ﵇: «من غشنا فليس منا» أو: «من غشنا فليس مني» لا يخرج من الإسلام وإنما ليس على هديه وكمال سنته ﷺ .
(فتاوى رابغ (٦) /٠٠: ٢٧: ٣٥)
стр. 7621
هل صح عن أحد من العلماء أنه قال بأن حلق الشارب بدعة ؟
مداخلة: فضيلة الشيخ! هل صح عن أحد من العلماء أنه قال بأن حلق الشارب بدعة؟
الشيخ: نعم، ذلك قول إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس ﵀، بل أنا أحفظ عنه أنه قال: حلق الشارب مُثلة، والحقيقة أن حلق الشارب أي استئصاله بالموسى أو بالماكينة الناعمة فيه خلاف للسنة، وهنا بحث لا بد لي من شرحه وإن كان قد تأخر الوقت بعض الشيء، ولكن من كان محباً لسماع العلم فليطل صدره معي:
سنة النبي ﷺ تنقسم كما تعلمون إلى قول وفعل وتقرير، وقوله ﵊ في كثير من الأحيان يتحمل وجوه من المعاني، وفي هذه الحالة لا بد لطالب العلم من تتبع السنة العملية التي تحدد المراد من السنة القولية التي تحتمل أكثر من معنى واحد، فقد جاء عن النبي ﷺ فيما يتعلق بالأخذ من الشارب بعض الألفاظ التي يمكن أن تفسر بعدة معاني، وذلك هو الذي وقع، كقوله ﵊: «حفو الشارب وأعفوا اللحى» في لفظ آخر: «جزوا» في لفظ ثالث: «أنهكوا» وكل هذه الألفاظ تعطينا المبالغة في الأخذ بالشارب أو من الشارب، فهل يا ترى المقصود بهذه الألفاظ هو الشارب كله أو بعضه، هنا وقع الخلاف بين العلماء، وهنا تتدخل السنة العملية التطبيقية لترجيح رأي على رأي، في الاحتمالات الممكنة من تلك الألفاظ وتحديد معنى من تلك المعاني.
سمعتم قوله ﵇: «حفوا الشارب» جزوا .. أنهكوا .. معنى ذلك استئصال الشارب كله؛ لأنه أطلق وقال: «حفوا الشارب» ما قال في هذا اللفظ وفي غيره بعض الشارب؛ ولذلك وجد من العلماء قديماً وحديثاً من يذهب إلى حلق الشارب تماماً وإعفاء اللحية، لكننا إذا نظرنا إلى شيئين اثنين:
أحدهما من قوله ﵇، والآخر فعله وهو الأهم.
стр. 7622
أما قوله فقد بين أيضاً أن الحف والأخذ بأي نوع من الأنواع المذكورة في تلك الألفاظ الثلاثة ليس المقصود أخذ الشارب برمته وإنما المقصود ما يطول على الشفة، المقصود الأخذ من الحافة، فقوله في اللفظ الأول: حفوا، لا يعني الاستئصال وإنما يعني الأخذ من الحافة كما في القرآن الكريم: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] فحافة الشيء طرفه، فأكد هذا المعنى وترجح بأحد شيئين اثنين أشرت إليهما آنفاً، أحدهما قوله ﷺ : «من لم يأخذ من شاربه فليس منا» لم يقل: من لم يأخذ شاربه وإنما قال: «من لم يأخذ من شاربه فليس منا» إذاً: في هذا نص أن الأخذ لا يكون للشارب كله وإنما يكون أخذاً لبعضه، ما هو هذا البعض؟ ذلك بيانه في فعله ﵇ فهنا بيت القصيد كما يقال.
لقد روى الإمام أبو داود في سننه والإمام أحمد في مسنده عن المغيرة بن شعبة أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وقد طال شاربه، أي: طال وزاد على الشفة، فأمر ﵊ بأن يؤتى له بسواك ومقراض فوضع السواك تحت ما طال من الشارب ثم قرضه، وهذا فعل يحدد المعنى المقصود من كل تلك الألفاظ أنه ليس المقصود استئصال الشارب كله وإنما استئصال ما زاد على الشفة وهو المراد بقوله: «حفوا الشارب وأعفوا عن اللحى» ففعله ﷺ في هذا الحديث قد رفع كل المعاني من المعاني التي ذكرناها آنفاً وعين أن المقصود بالأخذ ما زاد على الشفة وليس ما علا عليها؛ ولهذا فقد جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يأخذ شاربه ولا يأخذه من أصله، بل وكان يطيل سبالته وقد جاء في موطأ الإمام مالك ﵀ بالسند الصحيح أن من خلق عمر ﵁ أنه كان إذا غضب نفخ وفتل شاربه، وهذا يدل على أن الشارب لا يؤخذ كله وإنما يؤخذ ما زاد على الشفتين.
وهنا نكتة طبية بعد أن أثبتنا أن الحكم النبوي هو المحافظة على الشارب لكن استئصال ما زاد على الشفة، في ذلك فائدتان طبيتين:
الأولى: أن الرجل إذا تساهل بشاربه وطال على شفته ... في ذلك نوع من
стр. 7623
القذارة فيما إذا أكل خاصة إذا كان فيه دهن أو نحو ذلك، فاستئصال ما زاد على الشفتين فيه نظافة تتناسب مع الإسلام الذي هو من طبيعته في كل ما جاءنا من تشريع المحافظة على النظافة.
ومن جانب آخر فإبقاء الشاربين على الشفة فيه فائدة أخرى طبية: وهي كما يقول بعض الأطباء وهذا ظاهر والله أعلم أمر مشهود أنه كمصيدة للجراثيم التي تَفُتُّ بالإنسان وفي خاصة من منخريه فيجد هناك كالشبكة تصطاد هذه الجراثيم وتمنعها من الدخول في الأنف، ذلك حكمة من إبقاء الشارع على الشارب واستئصال ما زاد على الشفة، وذلك سنة النبي ﷺ وما كان عليه هو وبعض أصحابه العارفين بهديه.
ونسأل الله أن يلهمنا اتباع نبينا ﷺ في كل ما جاءنا به عن ربه.
(رحلة النور: ١٧ أ/٠٠: ٢٩: ٢٠)
حكم صبغ اللحية بالسواد
مداخلة: الآن الصبغ بالسواد حتى أن تصير اللحية البيضاء سوداء ما حكم هذا؟
الشيخ: لا يجوز، حرام معروف .. «يكون في أمتي أقوام يخضبون بالسواد كحواصل الطير لا يريحون رائحة الجنة» ..
(لقاءات المدينة لعام ١٤٠٨ هـ (٨) /٠٠: ١٠: ٤٠)
حكم خضاب اللحية بالسواد
مداخلة: ما حكم الخضاب بالحناء لمن كانت لحيته بيضاء خالصة البياض هو واجب أم سنة؟
стр. 7624
الشيخ: الخضاب واجب في الجملة، أي: كل من شاب فعليه أن يخضب بكل لون من الحناء أو الكتن حاشا السواد؛ وذلك لأن النبي ﷺ قال: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون شعورهم فخالفوهم» في بعض الروايات لم ترد شعورهم لكن هذا هو المقصود؛ لأنه ليس المقصود هنا لا يصبغون ثيابهم «إن اليهود والنصارى لا يصبغون شعورهم فخالفوهم».
ففي هذا الحديث الأمر بخضب الشعر اللحية أو الرأس فقد صرح الإمام أحمد ﵀ بفرضية هذا الصبغ؛ لأن الأمر يقتضي الوجوب وبخاصة أنه قد اقترن مع تعليل الرسول ﵇ لهذا الأمر بقوله: وخالفوهم ... فالصبغ هذا واجب لمن شاب شعره في رأسه أو في لحيته ولكن لا أعتقد أن من الواجب أن يظل الشائب يلاحق نفسه أو لحيته بالصبغ كلما ذهب الصباغ عن لحيته جدد الصبغ؛ لأن الأمر مطلق في الحديث الثابت .. يكفي في تنفيذه مرات بحيث يحقق أنه خالف اليهود والنصارى الذين لا يصبغون مطلقاً فهو يصبغ مطلقاً بدون تحديد بحيث كلما انتهى الصبغ ألحقه بصبغ جديد فهو دائماً مصبوغ اللحية، هذا لا يستفاد من الحديث وإنما عليه أن يعتاد هذه الصبغة لكي يشتد مخالفة لليهود وللنصارى، هذا جواب السؤال.
(رحلة النور: ٠٧ أ/٠٠: ٢١: ٣٤)
حكم الدخل الذي يعود للحلاق من حلق اللحى
مداخلة: ما حكم حلق اللحية، والدخل الذي يعود عليها للحلاق؟
الشيخ: لا تقل عليك تفضح حالك، خليها مستورة.
مداخلة: السؤال أسمعه منك، الجواب، يعني: دخلي هل هو سحت أو حرام؟
الشيخ: السحت هو الحرام، والحرام هو السحت، وهو حرام؛ لأنه كل شيء
стр. 7625
قام على معصية الله من مكسب فهو حرام، كما قال ﵇: «يا أيها الناس! اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن ما عند الله لا ينال بالحرام».
«إن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فأجملوا في الطلب؛ فإن ما عند الله لا يُنَال بالحرام».
«أجملوا في الطلب» أي: اسلكوا الطريق الجميل المشروع لتحصيل المال بالحلال، فإن ما عند الله لا ينال بالحرام، والآية الكريمة تقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
فالتعاون على الإثم والعدوان، مجرد التعامل على الإثم والعدوان فهو إثم، فأن يُسْتَغَلَّ هذا الإثم ويكتسب به، فهذا ضلال على ضلال.
يعني بعبارة أوضح: إذا كان معلوماً لدينا أن حلق اللحية حرام شرعاً، فيأتي إنسان ويحلق له لحيته، هذا تعاون معه على المنكر، ما تعاون معه على البر والتقوى، وفوق تعاونه معه على المنكر فهو يأخذ عليه أجراً، فهذا ضلال على ضلال، فهذا المكسب -بلا شك- يكون حراماً، وهذا أمر لا ينبغي أن يُتَوَقَّى فيه الإنسان إطلاقاً؛ لأن الآية السابقة: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. الرسول ﵇ ضرب تفسيراً لها بعض الأمثلة، فهو يقول مثلاً في الحديث الصحيح: «لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه»؛ لأنهم تعاونوا على المنكر.
وقال في الحديث الآخر: «لعن الله في الخمر عشرة: .. » أول واحد هو الشارب، ثم بَيَّن البقية، كلهم داخلون بسبب أنهم كانوا سبب شرب هذا الشارب للخمر، لولاهم لما كان هذا الشارب إطلاقاً: «عاصرُها ومعتصرُها وحاملُها والمحمولة إليه وبائِعُها وشاريها وهكذا» كلهم لُعِنُوا بأنهم كانوا عوناً على تيسير الطريق لهذا المرتكب لهذا المنكر، وهكذا كل المسائل التي تخالف الشريعة، تدخل في عموم هذه الآية، وفي دلالة هذه الأحاديث الخاصة، فإذا كان منكراً من الفعل أن يحلق الرجل
стр. 7626
لحية أخيه، فأشد إنكاراً أن يأخذ على هذه المعصية أجراً.
(الهدى والنور / ١٦٢/ ١٣: ٠٠: ٠١)
(الهدى والنور / ١٦٢/ ١١: ٠١: ٠١)
كسب الحلاّق
مداخلة: [الذي يعمل حلاق ويحلق اللحىٍ] هذه المادة التي يكتسبها فيها -إن شاء الله- تحرم، يعني؟
الشيخ: طبعاً.
مداخلة: طيب! هذا المال الذي يقتاتوه .. أبناؤه هل جسدهم يبنى يعني: بناء الجسد يكون من حرام؟
الشيخ: إذا كان له أولاد صغار غير مكلفين، أو كانوا مكلفين، لكنهم لا يستطيعون أن يكتسبوا قوتهم بِكَدّ يَمِينهم وعرق جبينهم، فليسوا كذلك، فهمتني؟ أما إن كانوا كباراً وباستطاعتهم أن يستغنوا عن هذا الكسب الحرام، فيدخلوا في عموم الحديث: «كل لحم نبت من السحت فالنار أولى به».
مداخلة: هل هناك حديث نصه: «إن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فلا صلاة له» هل هذا حديث ..
الشيخ: إذا كنت تعني: هل هناك هذا الحديث، أي: صحيحاً ثابتاً من الرسول فالجواب: لا، أما أنه يُروى وهو غير صحيح فيوجد، ولكن لا قيمة، يعني: غير صحيح.
مداخلة: ليس حديثاً، يعني؟
الشيخ: غير صحيح، وثم هو من جهة أخرى، يخالف الآية: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وهناك حديث: أن رجلاً كان يقوم الليل
стр. 7627
ويسرق في النهار فقيل له: «يا رسول الله! إن فلاناً يصلي في الليل ويسرق في النهار، قال: ستنهاه صلاته» ولذلك لا يجوز أن نقول: من لم تنهه صلاته لا بد أن تنهاه، لكن نَهْيُ الصلاة لصاحبها عن معصية الله تختلف نسبةً وكثرةً وقلةً، بمعنى: إذا واحد صلاته كإنسان حامل حملاً ثقيلاً لا يُصَدّق متى يُلقي هذا الحمل من رقبته، يعني: يصليها على أقل ما يصح، هذا تنهاه صلاته بقدر، لكن الذي يطمئن فيها كما سمعتم، أو يخشع فيها ... هذه الصلاة تنهى أكثر من الأولى وهكذا، واضح؟
مداخلة: نعم، واضح.
(الهدى والنور / ١٧٤/ ١٢: ٢٨: ٠٠)
مهنة الحلاقة وأجرة الحلاقة
مداخلة: لي زميل يريد يعمل حَلاَّق، ويا تُرى المعروف أن مهنة الحلاقة يعني كما سمعنا من حضرتكم أنها محرمة، ولكن حَبّ يستوضح نقطة مهمة قال: إنه بيحلق الشعر واللحية، فهل فيها تفصيل أم شيء أم أيش المطلوب يا شيخنا، بالنسبة يعني لأنه بيحلق الرأس، شعر الرأس واللحية في نفس الوقت حكم ذلك؟
الشيخ: -طبعاً- لما هو بيحلق اللحى، بيكون بيرتكب محرم.
مداخلة: نعم.
الشيخ: والمال اللي بيكسبه هو، بيكون حرام.
مداخلة: نعم.
الشيخ: إيه، شو سؤالك بعد؟
مداخلة: مش سيكون هناك مال حلال أو حرام، ولا شو يا شيخنا؟
الشيخ: على حسب الغالب، شو الغالب؟ الغالب يحلق اللحى والا يقص
стр. 7628
شعر؟
مداخلة: حضرتك عارف إن دي مابتتوقفش يعني على حسب، كل يوم بيختلف الأمر.
الشيخ: أنا بعرف يا أخي، لكن كم مرة بيقص الحلاق شعر الزبون، وكم مرة بيحلق له لحيته.
مداخلة: معنى ذلك: أنه لو غلب المال الحرام يبقى حرام، إن غلب المال الحلال يبقى حلال.
الشيخ: أيوه، عرفت فالزم.
مداخلة: نقطة أهم من هذه النقطة، بالنسبة لحلق الرأس، لو أنه تفرد لحلق الرأس، ولكن يحلق الرأس بطريقة يعني تتشبه بالغرب هل تأخذ نفس الحكم؟
الشيخ: أقل.
مداخلة: أقل.
الشيخ: نعم.
مداخلة: لكن الأولى أن يتركها.
الشيخ: إيه -بلا شك-.
مداخلة: جزاك الله كل خيراً.
الشيخ: وإياك.
(الهدى والنور /٣٢٥/ ٢٠: ٥١: ٠٠)
стр. 7629
وجوب الأخذ من اللحية فيما زاد على القبضة
الشيخ: لا يجوز الإطالة على ما زاد على القبضة، فلذلك أعتبره من الشهرة.
مداخلة: هو متعود ألاَّ يقصها.
الشيخ: لا، هذا خلاف عمل السلف الصالح، وهناك محاضرة لابد أن تسمعوها ولو من الأشرطة، أنا قلت في أثناء المحاضرة: أنه لابد لمن يريد أن يتمسك بالسنة أن يتمسك بعمل الصحابة، لأنه فيه هناك أشياء لا نستطيع أن نفهمها من الحديث، وإنما من التطبيق كما أشرت.
(الهدى والنور /٤٤٧/ ١٧: ٥٧: ٠٠)
الأخذ من اللحية
مداخلة: الملتحي لو أخذ من لحيته، هل يأثم؟
الشيخ: على حسب الأخذ.
مداخلة: نعم.
الشيخ: فيه أخذ يُقْطَع بإثمه، وهو الذي يكون على مذهب بعض الدكاترة اللّي آخذين بمذهب العامة: «خير الذقون إشارة تكون».
أما إذا أخذ على مذهب عبد الله بن عمر بن الخطاب ... فهذا لا يأثم، أما إذا أخذ أكثر من ذلك، فهنا المسألة محتملة أن يكون آثم.
مداخلة: هذا قول أو فعل عبد الله بن عمر لا يعد مخصوصاً بحج أو عمرة؟
الشيخ: لا، لا، لأنه أولاً: ما جاء يعني: في كل رواية رويت عنه خاصة في الحج والعمرة، جاءت مطلقة.
стр. 7630
مداخلة: يعني في الروايات في غير الحج والعمرة؟
الشيخ: إي نعم، هذه واحدة، ثاني واحدة في الروايات الأخرى، بعض الصحابة أنهم كان يأخذون من لحيتهم في الموسم، خاصة في الموسم، ثالثاً: وأخيراً: لا يظهر لوقوع هذا الأخذ، يعني: لو فرضنا أن ابن عمر ما جاءت عنه رواية أخرى، ما يظهر لكون الأخذ كان في الحج أنه من خصوصيات الحج، يعني: أنا شخصياً من عادتي أني بَوفِّر شعري لحتى أحلقه في الحج, شايف؟ ! لكن هذا لا يعني: أنه أنا ما بيجوز آخذ من شعري في غير موسم الحج، والعكس لا يعني أنه لا يجوز توفير شعر الرأس لما بعد الحج، وهكذا، هذا أمر واقعي، وليس هناك في الشرع ما يدل على خصوصية الحج بهذا، بل العكس هو الأقرب، ما هو العكس؟ [أنه فيه إطلاق أمر بالإعفاء] «واعفوا اللحى»، فما هو الذي خصص الحج، بجواز مخالفة الأمر العام، بل العكس هو الصواب.
نرى أن ابن عمر ﵁ الذي هو روى هذا الحديث، سمعه من النبي ﷺ ، كان في الوقت نفسه يرى الرسول ﷺ يأخذ من لحيته، وكلنا يعلم مبالغة ابن عمر في اتباع الرسول ﵇، إلى درجة يراها جماهير العلماء مبالغة غير مشروعة، فلو كان ابن عمر لا يرى الرسول يأخذ من لحيته، ما خالفه وهو أشد الناس حرصاً على اتباعه.
مداخلة: نعم، يعني: ثبت أن الرسول ﵊ أخذ من لحيته، أو هذا يعني: من فعل ابن عمر؟
الشيخ: لو كان ثبت كنت سوف أقول لك: سهل الأمر، نحن بنحاول إثبات أن الرسول كان يأخذ من طريق استنباط من فعل ابن عمر، مع روايته الحديث.
(الهدى والنور / ٢٤/ ٩.: ٢٣: .. )
стр. 7631
الأخذ من اللحية
مداخلة: بالنسبة، أنا سمعت أمس من يذكر عنكم الفتوى، التي تقول بجواز الأخذ من اللحية من غير حج أو عمرة، هل هذا صحيح؟
الشيخ: مائة صحيح.
مداخلة: مائة صحيح، طيب. ما الحجة في ذلك؟
الشيخ: فعل الصحابة.
مداخلة: ممكن تذكر لنا أمثلة ممن تذكرت من فعل الصحابة.
الشيخ: فعل ابن عمر، أنه ثبت عنه الأخذ مُقَيَّداً بالحج والعمرة، وبغير قيد للحج والعمرة، وكذلك ورد عن بعض الصحابة والتابعين كأبي هريرة ومجاهد وغيرهما، هذا الذي نستحضره الآن.
مداخلة: لكن بعض من يقولون بغير هذا الرأي: قال: إن فعل الصحابة ليس بحجة، لا سيما إن خولف فيه، وهو ذكر بسند صحيح إلى عليّ بن أبي طالب ﵁ أنه كانت لحيته تصل إلى سُرَّته، وتملأ ما بين العارضين فيقول: والظاهر: من بقية الصحابة أنهم ما كانوا يعهدون الأخذ من اللحية؛ لأن هذا ضد قوله ﷺ : «وَفِّروا»، فالأخذ هو ضد التوفير، فلنا ظاهر النص، لا نتزيد عليه.
الشيخ: نعم. أولاً: هذا الأثر بالسند الصحيح، مَن رواه؟
مداخلة: أنا ما أدري، أنا ناقل.
الشيخ: طيب، مَن ذكره؟
مداخلة: أنا ما أدري -أيضاً-، لكن إن صح؟
الشيخ: إن صح يكون المسألة فيها خلاف بين الصحابة، وهذا يعني صحابي من جملة الصحابة، فحينئذٍ تكون المسألة من موارد الاجتهاد والنزاع، لكن أنا ما
стр. 7632
أرى التوسع في الموضوع قبل التَّحَقُّق من صحة هذا الأثر، أنت تثق بالذي ذكر هذا الأثر وصحح إسناده؟
مداخلة: يعني: أثق بنقله هو لا يجتهد من عنده، إنما هو ناقل، يقول: أنا قرأت كذا وكذا، فنقله أثق به.
الشيخ: ولكن هو -بارك الله فيك- ليست القضية قضية نقل فقط، من الذي قال إسناده صحيح أهو أم الذي نقل عنه؟
مداخلة: الذي نقل عنه.
الشيخ: هو المنقول عنه، من هو؟ هو من أئمة الحديث من المُصَحِّحين والمُضَعِّفين؟
مداخلة: ما أدري.
الشيخ: إذاً: هو ينقل عن مجهول؟
مداخلة: لا، هو نقل عن كتاب، أنا نسيته.
الشيخ: نعم.
مداخلة: أنا نسيت الكتاب الذي نقل عنه.
الشيخ: طيب. مَن الناقل؟
مداخلة: أخ لنا في مصر، أُسَمِّيه والا لا حاجة؟
الشيخ: نعم أقول: إذا كان في ذلك غيبةً فلا تسميه.
مداخلة: لا، ليس غيبة.
الشيخ: إذاً: سَمِّه.
مداخلة: الأخ أبو عبد الرحمن إبراهيم بن عبد الله، هذا من المشتغلين
стр. 7633
بالحديث.
الشيخ: طيب. إبراهيم بن عبد الله، له آثار؟
مداخلة: هذا الأخ؟
الشيخ: طبعاً هو، مَن غيره؟
مداخلة: ككتاب، أو نحو ذلك.
الشيخ: نعم رسالة -مثلاً-، كتاب.
مداخلة: نعم، له كتاب المعاني والمباني بين الغزالي والألباني، يناقش قول الشيخ الغزالي في مقدمة فقه السيرة: أنا آخذ بروح الحديث ولا آخذ بنصه، فهو يناقش معنى الحديث ومبناه، في ضوء هذه المسألة .. ، وله كتاب إرواء الظمي.
الشيخ: ينتهي، بماذا؟
مداخلة: نعم، ينتهي إلى ضرورة الوقوف على المبنى، يعني: إن كان المبنى يساعد على المعنى أهلاً، لكن لا أتَجَوَّز وأتوسع وأرفض الأحاديث الصحيحة، بدعوى أن المعنى غير مطابق، ونحو ذلك.
الشيخ: نعم، وله أيضاً؟
مداخلة: وله كتاب «إرواء الظمي بتخريج سنن الدارمي».
الشيخ: مطبوعة هذه الأشياء، وإلا ما تزال في عالم المخطوط؟
مداخلة: لا، هو ما زالت في عالم المخطوط.
الشيخ: هو أنت قرأت الذي نقلته عنه في كتاب له، أم هو قال لك؟
مداخلة: سمعت.
الشيخ: سمعت؟
стр. 7634
مداخلة: نعم.
الشيخ: أيضاً: نقلاً عنه.
مداخلة: نقلاً عنه.
الشيخ: فهذه الرواية، إذاً منقطعة، الوسيط هذا، تثق به؟
مداخلة: أنا لا أذكر.
الشيخ: هذا هو على كل حال، نحن نتوقف الآن؛ لأنه نستبعد جداً صحة مثل هذا الخبر.
مداخلة: لكن يا شيخَنا لو ثبت، وتعارض فعل الصحابة، أليس الرجوع إلى ظاهر النص أولى؟
الشيخ: لا، هنا شيء أذكره لك: المسألة تختلف تماماً عن بعض المسائل التي يخالف فيها بعض السلف ظاهر النص.
الشيخ ابن باز -طبعاً- يدندن حول وجود تمسك بظاهر النص هذا، ويقول في تعليقه على رسالة الكاندهلوي رأيتها لا بد؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: بأنه لا يعتد بمخالفة الصحابة، هذا كلام في زعمي أنا خطير جداً، لو تَشَكَّك في صحة ذلك، في نسبة ذلك للصحابة، كان يعني مقبولاً أكثر، فكيف نحن نتصور هؤلاء الصحابة وعلى رأسهم ابن عمر، أن نقول فيه: إنه إما لعدم فهمه لعموم النص أو إطلاقه، وإما مع فهمه خالف سنة الرسول ﵇، مع أنه من بين الصحابة، هو الصحابي الفريد الوحيد الذي عرفنا عنه غُلّوه وتشدّده في اتباعه أفعال الرسول ﵇ حتى ما كان منها جِبِلِّية، ولم تكن من السنن التعبدية، فما يمكن أن يقال: بأن مثل ابن عمر هذا الحريص على اتباع الرسول ﵇، وقد
стр. 7635
صاحبه ما شاء الله من سنين، يرى الرسول ﵇ يطابق قولَه فعلُه، وفعله قولُه ثم يأتي هو ويخالف القول والفعل معاً، فهذا أبعد ما يكون عن مثل هذا الصحابي.
يمكن أن يُفْتَرض مثل هذه المخالفة بالنسبة للصحابة من الأعراب -مثلاً- من البدو الذي جاء إلى الرسول ﵇ وآمن به، وسمع منه بعض النصائح أو بعض المسائل، ثم رجع إلى غنمه إلى إبله إلى باديته، أما ابن عمر الذي صحب الرسول ﵇ وحَرِصَ ذلك الحرص الغريب الشديد في اتباعه ﵇، حتى فيما يرى الآخرون أن هذا ليس من الاتباع في شيء، وإنما حُبُّه أودى به إلى الغلو في اتباع الرسول ﵇ فيما ليس به سنة، هذا الرجل من الصعب جداً أن نتصور أنه يأتي إلى شيء يرى الرسول ﵇ يفعله، ويؤكد بذلك قوله: «وأعفوا اللحى» ثم هو لا يعفو، فيخالف ما رآه في الرسول وما سمعه من الرسول.
وفي اعتقادي: لا يشك كل ذي لب وعقل، أن هذا الخطاب الذي يسمعه الصحابي بصورة عامة، وابن عمر بصورة خاصة، مباشرةً من فم الرسول ﵇ إلى أذنه، سيكون هو أفهم له من أيِّ رجل آخر يأتي في آخر الزمان أو في قديم الزمان، لكنه لم يسمعه من الرسول ﷺ مباشرة.
مداخلة: لكن ابن عمر قَيَّد يا شيخ بالحج أو العمرة فقط؟
الشيخ: نعم أنا قلت لك آنفاً ثبت عنه هذا وذاك، ثم هذه مسألة ممكن يصير بيننا وبينك مثلاً، أنت ترى الأخذ بفعل ابن عمر في الحج والعمرة للسَّبب الذي ذكرته، لكن الشيخ ابن باز وأمثاله لا يُفَرِّقون أنه فعل ابن عمر، فالموضوع ليس الآن موضوع القيد والإطلاق، في الحج والعمرة أو مطلقاً.
الموضوع الآن: أنه سواءً كان الأخذ في الحج والعمرة، أو كان الأخذ في غيرهما أيضاً، فهو في وجهة نظر ابن باز وغيره من أهل العلم، لا فرق في هذا وهذا، كل ذلك يخالف النص في مفهومهم.
следующие страницы →