Полный текст (8 195 стр.). Показаны 7701–7740 · переход к 7706.
стр. 7701
مداخلة: نعم.
الشيخ: اسمه سارق.
مداخلة: نعم.
الشيخ: تقطع يده؟ الجواب: لا، أنا سألقنك تلقياً من أجل ألا نضيع الوقت، الجواب: لا، لماذا؟ الله يقول: ﴿وَالسَّارِقُ﴾ [المائدة: ٣٨] وهذا اسمه سارق لغة، لا، لا تقطع يده، لماذا؟ لأن الرسول قال: «لا قطع في ربع دينار فصاعداً».
إذاً: والسارق في الآية من حيث اللغة ليس على الإطلاق عرفت كيف، هذه ضعها في بالك من أجل نرجع إلى حديث ابن عمر: «أعفوا اللحى» ليس على الإطلاق، ومن هنا جاءك الإشكال أنت وغيرك، تمام الآية: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] اليد في اللغة هذه كلها بما فيه الكف والذراع والعضد إلى هنا كل هذه يد، طيب، هل هذا هو المراد: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] يعني: من هنا؟ الجواب: لا، طيب: من هنا؟ الجواب: لا، من هنا؟ لا، من هنا؟ لا .. من أين؟ إذاً عند الرسغ.
طيب: الله يقول .. أطلق اليد كذلك أطلق: «أعفوا اللحى» انتبه.
مداخلة: نعم.
الشيخ: جميل، لماذا إذاً المسلمين اليوم يقطعوا اليد من هنا؟ لأنه هكذا كان فعل الرسول، إذاً: فعل الرسول مثل قوله، قوله: «لا قطع إلا في ربع دينار» قيد: ﴿وَالسَّارِقُ﴾ [المائدة: ٣٨]، فصار معنى: ﴿وَالسَّارِقُ﴾ [المائدة: ٣٨] أي: والسارق الذي سرق ما يساوي ربع دينار ذهب فصاعداً هو الذي تقطع يده، وتقطع يده من عند الرسغ؛ لأن الرسول قطع هناك بفعله، إذاً: نحن نريد أن نأخذ النصوص كلها مجموعة بعضها في بعض، لذلك قال العلماء: بيان الرسول كما جاء الإشارة إليه في قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] بيانه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قول وفعل وتقرير، هذه الأقسام الثلاثة،
стр. 7702
بيننا وبين الرسول أربعة عشر قرناً، فما يعرفنا نحن؟ الجيل الأول الصحابة الذين شاهدوا الرسول، هم الذين سيعرفون لنا ماذا قال الرسول، ماذا فعل، ماذا رأى وأقر، نحن لا نقر إلا من هذا الطريق، ومن هنا يظهر لكم أهمية علم الحديث؛ لأنه بالسند: حدثني فلان قال: حدثني فلان حكينا هذه الساعة من قبل، فما يعرفنا أنه هنا أو هنا أو هنا، أحاديث والأسانيد ما صح منها أخذناه وما ضعف تركناه.
إذاً: النص العام الذي جاء ذكره في السنة فضلاً عن القرآن إذا لم يعمل به عاماً إنما عمل به مقيداً فنحن نعمل به مقيداً، ولا نقول بالنص العام ونحتج به، أظن مفهوم إلى هنا، لكن سأزيده تفهيماً نرجع إلى حجة المطلع هذا الذي احتج علينا بالآية وبالحديث: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، نقول له: هذه الآية التي أنزلت على الرسول ﵇ طبقها أو لم يطبقها؟ طبعاً سيقول: طبقها، طيب: علم بلال الحبشي وأبا محذورة وعمرو بن أم مكتوم الأذان أو لا؟ نعم علم، طيب هؤلاء كانوا يصلوا على الرسول بعد الأذان الجواب؟ لا، لأن كل العلماء متفقين أن الأذان ينتهي عند لا إله إلا الله، لكن المتأخرين مثلما قلنا لكم في أول الجلسة أنهم يقسموا البدعة إلى قسمين: حسنة وسيئة، يقولون: نعم هذه بدعة، لكن هذه بدعة حسنة، إذاً: في زمن الرسول ما في صلاة على الرسول ﵇ بعد الأذان وعلى ذلك فقس، ماشي؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب، الآن نخرج بالنتيجة التالية وهي نتيجة مهمة جداً وهنا الدقة: كل نص عام في السنة أو في القرآن لم يجري العمل بجزء من أجزاء هذا النص العام لا يجوز لنا العمل به؛ لأنه لو كان مراداً لعمل به أولئك الذين باشروا سماع هذا النص من الرسول ﵇ أولاً وتطبيقه ثانياً.
ومن هنا نأتي ونقول: سؤالك خطأ، لماذا؟ لأن ابن عمر الذي سمع الرسول يقول: «أعفوا اللحى»، ونريد أن نقول: يا ترى ماذا فهم هو؟ أعفوا اللحى ولو
стр. 7703
طالت وجرها إلى الأرض؟ هذا معنى الإطلاق، الآن بينا أنه لم يفهم هذا، لماذا؟ لأنه لو كان فهم هكذا لم يأت ويأخذ الجزء البسيط الذي تحت القبضة سانتي أو سانتيين، لا، لكن الظاهر أنه رأى الرسول ﵇ يأخذ من لحيته ففعل مثل فعله، صحيح نحن ليس عندنا حديث صحيح، عندنا حديث ضعيف ومناسب للمقام، لكن نحن لا نحتج بالأحاديث الضعيفة، كنت خرجته قديماً في سلسلة الأحاديث الضعيفة: «كان رسول الله ﷺ يأخذ من لحيته من عرضها وطولها»، لكن الحديث فيه ضعف شديد جداً، ولذلك نحن لا نأخذ به، لكن يغنينا عنه الآن الدخول في صلب الموضوع: فعل السلف، وهنا لابد لي من وقفة، إن دعوتنا ليست محصورة بالكتاب والسنة كما هي دعوة كل مسلم ولابد من ذلك، لكن نحن نزيد ونقول: دعوتنا قائمة على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، لماذا؟ لأنه لولا السلف الصالح نحن لا نستطيع أن نفهم ديننا مزبوط، ولهذا تفرقت الجماعات الإسلامية قديماً وحديثاً شيعاً وأحزاباً: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] كما قال الله في القرآن الكريم، قلت: لهذا، ما هو هذا؟ لأنهم لم يعتمدوا على ما كان عليه السلف الصالح، وأخذوا يفسرون النصوص بأهوائهم فاضطربوا أشد الاضطراب وتفرقوا كما قلنا شيعاً وأحزاباً، أما نحن فنحن نقول: نحن سلفيون، ننظر السلف الصالح كيف فهموا سنة الرسول بأقسامها الثلاثة، القولية والفعلية والتقريرية، نمشي على ذلك، وهل نحن في هذا القيد نعمل بالشرع نقول: كيف لا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
إذاً مخالفة سبيل المؤمنين كمخالفة سنة الرسول ﵇؛ لأن المقصود بهم هم الذين باشروا رؤية الرسول ونقل سنة الرسول إلينا هم أصحابه ﵈، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم كما هو في الحديث الصحيح.
فإذاً: نحن حينما نقول: كتاب وسنة وعلى منهج السلف الصالح آخذين بالآية وآخذين بحديث العرباض بن سارية: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين»،
стр. 7704
وآخذين بحديث أنس بن مالك ومعاوية وغيره: «وستختلف أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: هي التي على ما أنا عليه وأصحابي»، الآن نرجع لا يوجد عندنا ولا حديث واحد ولو ضعيف، مثل حديثنا ذاك: «كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها» قلنا: ضعيف، لا يوجد حديث ضعيف: أن الرسول كان لا يأخذ، هذا وهم شايع الآن بين العلماء أن الرسول كان لا يأخذ من لحيته، لا أصل لهذا الكلام إطلاقاً، كل ما هناك ممكن أن يقال: عموم الحديث: «وأعفوا اللحى»، لكن هذا العموم كتلك العمومات التي لم يجب العمل عليها، ثم عندنا خلاف أنه لم ينقل أن الرسول أنه كان لا يأخذ أصحابه الذين شاهدوه أخذوا، ترى هؤلاء يخالفونه وهم يروون حديث الرسول عنه: «وأعفوا اللحى»؟ لا يخالفونه، والشايع هنا، في شائعة أخرى هي خطأ مزدوج، أنت آنفاً رويت عن ابن عمر: أنه كان إذا حج أو اعتمر أخذ من لحيته، هذه رواية صحيحة، لكن ما هي مقيدة، بمعنى: أنه كان لا يفعل ذلك إلا في الحج والعمرة، لا، كان يفعل ذلك حتى في غير الحج والعمرة، ثم الشاهد .. الخطأ الثاني: أنه هذا بس ابن عمر، كذلك هذا خطأ، فقد صح عن أبي هريرة: أنه كان يأخذ أيضاً من لحيته، وليس هذا فقط، بل قد صح عن إبراهيم بن يزيد النخعي، وهو من التابعين يقول: كانوا يأخذون من لحيتهم، كانوا يأخذون، من الذين كانوا؟ أصحاب الرسول ﵇، ولا يوجد خلافة للنصوص إطلاقاً.
إذاً: هدي السلف ليس هو إعفاء اللحية كما نرى بعض السلفيين المتعمدين، تلقى لحيته واصلة إلى هنا، يظنون أن هذا هو السنة، لا أصل لهذه السنة أبداً، وليس لنا طريق لمعرفة مثل هذا إلى أصحاب الرسول، وإذا كان أصحاب الرسول وفي ابن عمر أحرص الصحابة في اتباع الرسول حتى في أمور العادة، وهذا أظنه معروف عندكم عنه شيء، إذا كان هؤلاء الصحابة لا يوجد عن واحد منهم إلا أنه يأخذ عن لحيته، فلا يمكننا أن نقول بأن الصحابة كانوا لا يأخذون، وبالتالي لا يمكننا أن نقول: بأن الرسول ﵇ كان لا يأخذ.
(الهدى والنور/٧٠٢/ ٠٠: ٢٩: ٠٠)
стр. 7705
أخذ ما زاد على القبضة من اللحية
الشيخ: ومن الثابت أيضًا أنه أمر أمرًا مطلقًا بإعفاء اللحية، فقال ﵊: «حفوا الشارب وأعفوا اللحى وخالفوا اليهود والنصارى» فاختلف العلماء فيما يتعلق باللحية هل تطلق وتترك على سجيتها وطبيعتها، أم يجوز أخذ شيء منها؟ فالذي نعلمه من أقوال العلماء أن كثيرين منهم إن لم نقل الجمهور يقولون بجواز أخذ ما دون وما تحت القبضة، وآخرون من أهل الحديث يتمسكون بعموم قوله ﵇ في الحديث السابق: «وأعفوا اللحى» الإعفاء هنا مطلق.
أما أنا شخصيًا فأرى خلاف هذا الرأي، وأنا مع العلماء الكثيرين الذين ذهبوا إلى جواز الأخذ ما طال من اللحية تحت القبضة، وحجتي في هذا ..
مداخلة: من أين جاءت القبضة؟
الشيخ: وحجتي في هذا - ولا توصي حريص كما يقولون عندنا - حجتي في هذا أن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ هو من رواة الحديث السابق الآمر بإعفاء اللحية، ومع ذلك فقد ثبت عنه في غير ما رواية أنه كان يأخذ ما دون القبضة، سواء ذلك في الحج أو في غيره، كما أنه ثبت في تفسير ابن جرير الطبري عن أبي هريرة وعن ابن عباس وغيرهم من السلف أنهم كانوا يأخذون ما دون القبضة، فمأخذنا هو هذا.
ولا بد من أن نلفت النظر إلى قاعدة فقهية أصولية وهي التي تقول: إن الراوي أدرى بمرويه من غيره، بمعنى: إذا كان راوي الحديث عن النبي ﷺ هو الصحابي، هو سمع الرسول ﵇ أو رآه لا شك أن هذا الراوي هو أدرى بالحديث ممن جاء بعده ممن لم يسمع قوله ﵇ مباشرة أو لم ير فعله، من هنا جاءت القاعدة السابقة: الراوي أدرى بمرويه من غيره، وهذا دليله: «الشاهد يرى ما لا يرى الغائب».
(أسئلة وفتاوى الإمارات - ٩/ ٠٠: ٠٠: ٣٧)
стр. 7706
ثبوت الأخذ من اللحية عن بعض السلف
[قال الإمام]: واعلم أنه لم يثبت في حديث صحيح عن النبي ﷺ الأخذ من اللحية، لا قولا، ولا فعلا كالحديث المتقدم برقم «٢٨٨». نعم ثبت ذلك عن بعض السلف، وإليك المتيسر منها:
١ - عن مروان بن سالم المقفع قال: «رأيت ابن عمر يقبض على لحيته فيقطع ما زاد على الكف». رواه أبو داود وغيره بسند حسن؛ كما بينته في «الإرواء» «٩٢٠»، و «صحيح أبي داود» «٢٠٤١».
٢ - عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان إذا أفطر من رمضان وهو يريد الحج، لم يأخذ من رأسه ولا من لحيته شيئا حتى يحج. وفي رواية: أن عبد الله بن عمر كان إذا حلق في حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه. أخرجه مالك في «الموطأ» «١/ ٣٥٣». وروى الخلال في «الترجل» «ص ١١ - المصورة» بسند صحيح عن مجاهد قال: رأيت ابن عمر قبض على لحيته يوم النحر، ثم قال للحجام: خذ ما تحت القبضة. قال الباجي في «شرح الموطأ» «٣/ ٣٢»: «يريد أنه كان يقص منها مع حلق رأسه، وقد استحب ذلك مالك ﵀، لأن الأخذ منها على وجه لا يغير الخلقة من الجمال، والاستئصال لهما مثلة».
٣ - عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: ﴿ليَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾: «التفث: حلق الرأس، وأخذ الشاربين، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقص الأظفار، والأخذ من العارضين، «وفي رواية: اللحية»، ورمي الجمار، والموقف بعرفة والمزدلفة».
رواه ابن أبي شيبة «٤/ ٨٥» وابن جرير في «التفسير» «١٧/ ١٠٩» بسند صحيح.
٤ - عن محمد بن كعب القرظي أنه كان يقول في هذه الآية: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾، فذكر نحوه بتقديم وتأخير، وفيه: وأخذ من الشاربين واللحية». رواه ابن
стр. 7707
جرير أيضا، وإسناده صحيح، أو حسن على الأقل.
٥ - عن مجاهد مثله بلفظ: «وقص الشارب ... وقص اللحية». رواه ابن جرير بسند صحيح أيضا.
٦ - عن المحاربي «وهو عبد الرحمن بن محمد» قال: سمعت رجلا يسأل ابن جريج عن قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾، قال: «الأخذ من اللحية ومن الشارب ... ».
٧ - في «الموطأ» أيضا أنه بلغه: أن سالم بن عبد الله كان إذا أراد أن يحرم، دعا بالجملين، فقص شاربه وأخذ من لحيته قبل أن يركب، وقبل أن يهل محرما.
٨ - عن أبي هلال قال: حدثنا شيخ - أظنه من أهل المدينة - قال: رأيت أبا هريرة يحفي عارضيه: يأخذ منهما. قال: ورأيته أصفر اللحية.
رواه ابن سعد في «الطبقات» «٤/ ٣٣٤». قلت: والشيخ المدني هذا أراه عثمان بن عبيد الله، فإن ابن سعد روى بعده أحاديث بسنده الصحيح عن ابن أبي ذئب عن عثمان بن عبيد الله قال: رأيت أبا هريرة يصفر لحيته ونحن في الكتاب. وقد ذكره ابن حبان في «الثقات» «٣/ ١٧٧»، فالسند عندي حسن. والله أعلم. قلت: وفي هذه الآثار الصحيحة ما يدل على أن قص اللحية، أو الأخذ منها كان أمرا معروفا عند السلف، خلافا لظن بعض إخواننا من أهل الحديث الذين يتشددون في الأخذ منها، متمسكين بعموم قوله ﷺ : «وأعفوا اللحى»، غير منتبهين لما فهموه من العموم أنه غير مراد لعدم جريان عمل السلف عليه وفيهم من روى العموم المذكور، وهم عبد الله بن عمر، وحديثه في «الصحيحين»، وأبو هريرة، وحديثه عن مسلم، وهما مخرجان في «جلباب المرأة المسلمة» «ص ١٨٥ - ١٨٧/ طبعة المكتبة الإسلامية»، وابن عباس، وحديثه في «مجمع الزوائد» «٥/ ١٦٩». ومما لا شك أن راوي الحديث أعرف بالمراد منه من الذين لم يسمعوه من النبي ﷺ ، وأحرص على اتباعه منهم. وهذا على فرض أن المراد بـ «الإعفاء»
التوفير والتكثير كما هو مشهور، لكن قال الباجي في «شرح الموطأ» «٧/ ٢٦٦»
стр. 7708
نقلا عن القاضي أبي الوليد: «ويحتمل عندي أن يريد أن تعفى اللحى من الإخفاء. لأن كثرتها أيضا ليس بمأمور بتركه، وقد روى ابن القاسم عن مالك: لا بأس أن يؤخذ ما تطاير من اللحية وشذ. قيل لمالك: فإذا طالت جدا؟ قال: أرى أن يؤخذ منها وتقص. وروي عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة أنهما كانا يأخذان من اللحية ما فضل عن القبضة». قلت: أخرجه عنهما الخلال في «الترجل» «ص ١١ - مصورة» بإسنادين صحيحين، وروى عن الإمام أحمد أنه سئل عن الأخذ من اللحية؟ قال: كان ابن عمر يأخذ منها ما زاد على القبضة، وكأنه ذهب إليه. قال حرب: قلت له: ما الإعفاء؟ قال: يروى عن النبي ﷺ ، قال: كان هذا عنده الإعفاء. قلت: ومن المعلوم أن الراوي أدرى بمرويه من غيره، ولا سيما إذا كان حريصا على السنة كابن عمر، وهو يرى نبيه ﷺ الآمر بالإعفاء - ليلا نهارا. فتأمل. ثم روى الخلال من طريق إسحاق قال: «سألت أحمد عن الرجل يأخذ من عارضيه؟ قال: يأخذ من اللحية ما فضل عن القبضة. قلت: حديث النبي ﷺ : «احفوا الشوارب، وأعفوا اللحى»؟ قال: يأخذ من طولها ومن تحت حلقه. ورأيت أبا عبد الله يأخذ من طولها ومن تحت حلقه».
قلت: لقد توسعت قليلا بذكر هذه النصوص عن بعض السلف والأئمة؛ لعزتها، ولظن الكثير من الناس أنها مخالفة لعموم: «وأعفوا اللحى»، ولم يتنبهو القاعدة أن الفرد من أفراد العموم إذا لم يجر العمل به، دليل على أنه غير مراد منه، وما أكثر البدع التي يسميها الإمام الشاطبي بـ «البدع الإضافية» إلا من هذا القبيل، ومع ذلك فهي عند أهل العلم مردودة، لأنها لم تكن من عمل السلف، وهم أتقى وأعلم من الخلف، فيرجى الانتباه لهذا فإن الأمر دقيق ومهم.
السلسلة الضعيفة (٥/ ٣٧٥ - ٣٨٠).
стр. 7709
أخذ ما زاد عن القبضة من اللحية ثابت عن بعض السلف
[قال الإمام]: واعلم أن الأخذ من اللحية ما زاد على القبضة ثابت عن ابن عمر وأبي هريرة -وهما من رواة حديث الإعفاء- وعن غيرهما من السلف -ومنهم الإمام أحمد- دون مخالف لهم.
السلسلة الضعيفة (١/ ٤٥٧ حاشية ١).
اشتهار الأخذ من اللحية بما زاد عن القبضة عند السلف
[روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «بَيْنَا أَنَا نَائِم عِشَاء فِي الْمَسْجِد الْحَرَام إِذْ أَتَانِي آتٍ، فَأَيْقَظَنِي، فَاسْتَيْقَظْت، فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، ثم عدت في النوم، ثم أيقظني ... فَإِذَا أَنَا بِهَيْئَة خَيَال، فَأَتْبَعْته بَصَرِي حَتَّى خَرَجْت مِنْ الْمَسْجِد؛ فَإِذَا أَنَا بِدَابَّةٍ أَدْنَى شَبَهاً بِدَوَابِّكُمْ هَذِهِ، بِغَالكُمْ هَذِهِ، غَيْر أَنَّهُ مُضْطَرِب الْأُذُنَيْنِ يُقَال لَهُ: الْبُرَاق وَكَانَتْ الْأَنْبِيَاء صلوات الله عليهم تَرْكَبهُ قَبْلِي ... ثُمَّ أُتِيت بِالْمِعْرَاجِ الَّذِي كَانَتْ تَعْرُج عَلَيْهِ أَرْوَاح بني آدم، فَلَمْ يَرَ الْخَلَائِق أَحْسَن مِنْ الْمِعْرَاج، أَمَا رَأَيْتم الْمَيِّت حِين يُشَقّ بَصَره طَامِحاً إِلَى السَّمَاء؟ فَإِنَّمَا يُشَقّ بَصَره طَامِحاً إِلَى السَّمَاء عَجَبه بِالْمِعْرَاجِ ... ثُمَّ صَعِدْت إِلَى السَّمَاء الْخَامِسَة؛ فَإِذَا أَنَا بِهَارُون، وَنِصْف لِحْيَته بَيْضَاء وَنِصْفهَا سَوْدَاء، تَكَاد لِحْيَته تُصِيب سُرَّته مِنْ طُولهَا ... ثُمَّ صَعِدَتْ إِلَى السَّمَاء السَّادِسَة فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى، رَجُل آدَم كَثِير الشَّعْر لَوْ كَانَ عَلَيْهِ قَمِيصَانِ؛ لَنَفَذَ شَعْره دُون الْقَمِيص «وفي رواية: خرج شعره منهما! » وَإِذَا هُوَ يَقُول: يَزْعُم النَّاس أَنِّي أَكْرَم عَلَى اللَّه منْ هَذَا؛ بَلْ هَذَا أَكْرَم عَلَى اللَّه مِنِّي ... » الحديث بطوله في ست صفحات من نحو قياس صفحات هذا الكتاب. موضوع.
[قال الإمام]: والحديث عزاه السيوطي في «الدر» «٤/ ١٤٢» لابن المنذر أيضاً، وابن مردويه، وابن عساكر، وسكت عنه - كما هي غالب عادته -؛ الأمر الذي يجعل من لا علم عنده يقدم على ذكره؛ بل والاحتجاج به، كما فعل الشيخ التويجري
стр. 7710
في «الرد على من أجاز تهذيب اللحية» «ص ٧ - ٨ و ١٥ و ٥١»، ولقد أصاب في رده على ذاك الكاتب الذي زعم: «أن اللحية رمز عربي، وليس من الإسلام في شيء! »، ورسالته تدور حول إبطال هذا الزعم، ولقد كان موفقاً في ذلك، بخلاف عنوانه للرسالة، فلقد كان مخطئاً فيه من ناحيتين: الأولى: أنه لا يطابق المعنون عنه؛ لأن تهذيب اللحية غير حلقها بداهة، وهو لم يرد فيها على الذين يذهبون إلى جواز تهذيبها مع قولهم بحرمة حلقها.
والأخرى: أنه - أعني: العنوان - يشمل الحنفية وغيرهم الذين من مذهبهم جواز أخذ ما زاد على القبضة؛ بل يشمل ابن عمر وأبا هريرة وغيرهم من السلف الذين احتج بهم الحنفية؛ وإن لم يسلم بذلك الفاضل المعلق على رسالة: «وجوب إعفاء اللحية» للشيخ الكاندهلوي؛ فإنه قد خالف السلف، ومنهم إمام السنة أحمد بن حنبل؛ فقد روى الخلال في «كتاب الترجل»: قال: أخبرني حوب، قال: سئل أحمد عن الأخذ من اللحية؟ قال: كان ابن عمر يأخذ منها ما زاد على القبضة. وكأنه ذهب إليه. قلت له: ما «الإعفاء»؟ قال: يروى عن النبي ﷺ . قال: كان هذا عنده الإعفاء. أخبرني محمد بن أبي هارون: أن إسحاق حدثهم قال: سألت أحمد عن الرجل يأخذ من عارضيه؟ قال: يأخذ من اللحية ما فضل عن القبضة. قلت: فحديث النبي ﷺ : «أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى»؟ قال: يأخذ من طولها ومن تحت حلقه ورأيت أبا عبد الله يأخذ من طولها ومن تحت حلقه، وروى ابن هاني مثله في «مسائله» «٢/ ١٥١/١٨٤٨».
قلت: ثم قال الخلال: أخبرني عبيد الله بن حنبل قال: حدثني أبي قال: قال أبو عبد الله: ويأخذ من عارضيه، ولا يأخذ من الطول، وكان ابن عمر يأخذ من عارضيه إذا حلق رأسه في حج أو عمرة، لا بأس بذلك. فأقول: هذا الرواية شاذة؛ إن لم أقل: منكرة عن الإمام أحمد، من ناحيتين: الأولى: في قول أحمد: «ولا يأخذ من الطول». فإنه مخالف لرواية حرب لإسحاق المتقدمتين، ولعل ذلك من عبيد الله بن حنبل؛ فإنه غير معروف بالرواية؛ فإن الخطيب لما ذكره في «التاريخ» «١٠/ ٣٤٧»
стр. 7711
لم يزد على أن ذكر ما في هذا الإسناد، فقال: «حدث عن أبيه، سوى عنه أبو بكر الخلال». فمثله لا يحتج به بما تفرد به، فكيف إذا خالف؟ ! والأخرى: في قوله في أثر ابن عمر: وكان يأخذ من عارضيه»؛ فإنه مخالف لزيادة فِي حَدِيثِ ابن عمر في «الصحيحين»: «خالفوا المشركين، ووفروا اللحى، وأحفوا الشوارب». وهو مخرج في «الإرواء» «١/ ١١٩»، وزاد البخاري في رواية «٥٨٩٢ - فتح».: «وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر؛ قبض على لحيته، فما فضل؛ أخذ». فهذا هو الصحيح عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وعن أحمد أيضاً. وله عَنْ ابْنِ عُمَرَ طريق أخرى، رواها ابن أبي شيبة «٨/ ٥٦٣»، وابن سعد «٤/ ١٧٨». وله عنده طرق أخرى. ثم روى الخلال، ومن قبله ابن أبي شيبة عن أبي زرعة بن جرير قال: «كان أبو هريرة يقبض على لحيته، ثم يأخذ ما فضل عن القبضة». وإسناده صحيح على شرط مسلم. قلت: والآثار السلفية بهذا الماس كثيرة؛ حتى قال منصور عن إبراهيم: «كانوا يأخذون من جوانبها، وينظفونها. يعني: اللحية». أخرجه ابن أبي شيبة «٨/ ٥٦٤»، والبيهقي في «شعب الإيمان» «٥/ ٢٢٠/ ٦٤٣٨» بإسناد صحيح عن إبراهيم، وهو: ابن يزيد النخعي، وهو تابعي فقيه جليل.
قال الذهبي في «الكاشف»: «كان عجباً في الورع والخير، متوقياً للشهرة، رأساً في العلم، مات سنة «٩٦» كهلاً».
قلت: فالظاهر أنه يعني من أدركهم من الصحابة وكبار التابعين وأجلائهم، كالأسود بن يزيد - وهو خاله - وشريح القاضي، ومسروق وأبي زرعة - وهو الراوي لأثر أبي هريرة المذكور آنفاً - وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، والآثار في الباب كثيرة؛ بل إن بعضهم جعل الأخذ من اللحية من تمام تفسير قوله تعالى في الحُجَّاج: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾، فقال محمد بن كعب القرظي: «رمي الجمار، وذبح الذبيحة، وأخذ من الشاربين واللحية والأظفار». أخرجه ابن جرير بسند جيد عنه. ثم روى عن مجاهد مثله. وسنده صحيح. ومجاهد، ومحمد بن كعب من أجلة التابعين المكثرين من الرواية عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس، والآخذين
стр. 7712
العلم عنه والتفسير، ولعلهما تلقيا منه تفسير آية الحج هذه؛ فقد قال عطاء: عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ أنه قال في قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾، قال: «التفث: حلق الرأس، وأخذ من الشاربين، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقص الأظفار، والأخذ من العارضين، ورمي الجمار، والموقف بعرفة والمزدلفة». أخرجه ابن جرير أيضاً، وإسناده صحيح. ورواه ابن أبي شيبة من طريق أخرى عن عطاء بن أبي رباح قال: «كانوا يحبون أن يعفوا اللحية؛ إلا في حج أو عمرة. وكان إبراهيم يأخذ من عارض لحيته».
وإسناده صحيح أيضاً. وإذا عرفت ما تقدم من هذه الآثار المخالفة لحديث الترجمة؛ فالعجب كل العجب من الشيخ التويجري وأمثاله من المتشددين بغير حق، كيف يتجرأون على مخالفة هذه الآثار السلفية؟ ! فيذهبون إلى عدم جواز تهذيب اللحية مطلقاً؛ ولو عند التحلل من الإحرام، ولا حجة لهم تذكر سوى الوقوف عند عموم حديث: « ... وأعفوا اللحى»، كأنهم عرفوا شيئاً فات أولئك السلف معرفته، وبخاصة أن فيهم عبد الله ابن عمر الراوي لهذا الحديث؛ كما تقدم، وهم يعلمون أن الراوي أدرى بمرويه من غيره، وليس هذا من باب العبرة بروايته لا برأيه؛ كما توهم البعض، فإن هذا فيما إذا كان رأيه مصادماً لروايته، وليس الأمر كذلك هنا كما لا يخفى على أهل العلم والنهى؛ فإن هؤلاء يعلمون أن العمل بالعمومات التي لم يجر العمل بها على عمومها هو أصل كل بدعة في الدين، وليس هنا تفصيل القول في ذلك، فحسبنا أن نذكر بقول العلماء وفي مثل هذا المجال؛ «لو كان خيراً؛ لسبقونا إليه». أضف إلى ما تقدم أن من أولئك السلف الأول الذين خالفهم أولئك المتشددون ابن عباس ترجمان القرآن الذي يحتجون بتفسيره؛ إذا وافق هواهم، بل وجعلوه في حكم المرفوع؛ ولو لم يصح السند به إليه، كما فعلوا بما روي عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ قال: «يبدين عيناً واحدة»! ثم تراهم هنا لا يعبأون بتفسيره لآية «التفث» هذه، مع ثبوته عنه وعن جمع من تلامذته، وقول ابن الجوزي في «زاد المسير» «٥/ ٤٢٦ - ٤٢٧»: بأنه أصح الأقوال في تفسير الآية. والله المستعان.
стр. 7713
ثم رأيت في «الموطأ» «١/ ٣٥٣ - ٣٥٤»: عن مالك: أنه بلغه عن سالم بن عبد الله؛ كان إذا أراد أن يحرم؛ دعا بـ «الجَلْمَيْن»، فقص شاربه، وأخذ من لحيته قبل أن يركب، وقبل أن يهل محرماً.
السلسلة الضعيفة (١٣/ ١/ ٤٣٨ - ٤٤٣).
حكم تهذيب اللحية؟ وحكم أخذ ما زاد عن القبضة ؟
مداخلة: [بعضهم] أجاز تهذيب اللحية وقد استدل بدليلين: الدليل الأول: اللغوي أن اللحية ما نبت على العارضين، الدليل الثاني: عن ابن عمر أنه كان يأخذ من لحيته.
الشيخ: أنت تقصد تزيين اللحية؟
مداخلة: تهذيب اللحية.
الشيخ: تهذيب اللحية واستدل أن اللحية هو ما نبت على العارضين، ما وجه هذا الدليل؟ حديث ابن عمر يأتي فيما بعد، فإذا كانت اللحية النابتة على الخدين .. على العارضين، فالتزيين من أين جاء؟ هذا ليس له علاقة وليس فيه حجة، أما الاستدلال بحديث ابن عمر فهذا له وجه ونحن لا نخالفه، لكن القول الأول لا وجه له إطلاقًا، ابن عمر كان يأخذ ما دون القبضة فهل الذين أنت تنقل إليهم يقفون عند ما فعل ابن عمر أم يزيدون على ذلك؟ التزيين نفهمه بأنه يجعل لحية المزين - على مذهب العامة عندنا في سوريا: خير الذقون إشارة تكون! - يعني: كالحف الذي يقول به بعض العلماء بالنسبة للشارب، حتى تظهر البشرة، فبعض الناس من باب تزيين اللحية يأخذ منها حتى تظهر البشرة، هذا لا يثبته حديث ابن عمر أبدًا، حديث ابن عمر كان يقبض فيقص ما دون القبضة هذه الزيادة، فمن فعل فعل ابن عمر هذا فلا نحرج عليه إطلاقًا، لا سيما ولم يتفرد به بل جاء ذلك عن أبي هريرة وعن مجاهد وغيره من السلف دون أن نعرف لهم مخالفًا.
стр. 7714
هذا جوابي عما سألت.
مداخلة: بالنسبة للأخذ من اللحية هل يعتبر قول الصحابي حجة، أم هناك فرق بين فعل الصحابي وفعل السلف؟ ...
الشيخ: قول الصحابي حجة أم لا؟ هذه المسألة نتركها الآن جانبًا، إنما فعل ابن عمر له علاقة بمسألة أخرى وهي: الراوي أدرى بمرويه من غيره، أم غيره أدرى بالمروي من روايه؟ هناك أقوال عديدة وقد يلتبس الأمر بعضها ببعض، منها مثلًا هذه قاعدة ثالثة: هل العبرة برواية الراوي أم برأيه؟ صار عندنا ثلاثة أمور:
عندنا هل يحتج بقول الصحابي أم لا؟ هذا قول.
هل يحتج بفعل الصحابي الراوي لحديثه أم لا؟
هل يحتج بفعل الصحابي إذا خالف حديثه؟ هذه مسألة ثالثة.
المسألة الثالثة هذه لا شك أن الحق فيها العبرة بروايته وليس برأيه، لكن المسألة الثانية وهي الوسطى، عكس هذه تمامًا .. هل العبرة برأي الراوي وفهمه أم بفهم غيره لروايته؟ ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : «حفو الشوارب وأعفوا اللحى» هو روى ... وأعفوا اللحى، هنا يرد السؤال هذا نص عام: هل هو نص عام مطلق بحيث لا يأخذ المسلم من لحيته ولو طالت ووصلت إلى ما دون سرته؟ إذا أخذنا الحديث هكذا على إطلاقه يكون المعنى هكذا .. لا يأخذ منها؛ لأن الإعفاء مطلق.
هنا يأتي البحث بالنسبة للسؤال السابق: ابن عمر ﵁ الذي روى هذا الحديث من رسول الله ﷺ يجب أن نلاحظ الآن الحقيقة التالية، أو الحقيقتين التاليتين:
الحقيقة الأولى: أنه رأى الرسول وسمع منه ورأى لحيته، فهو يعلم يقينًا هل كان يأخذ منها أم لا يأخذ منها؟ بمعنى: هو يعلم يقينًا هل الرسول طبق هذا
стр. 7715
الحديث على إطلاقه ولم يأخذ من لحيته شيئًا أم أخذ منها شيئًا دون تحديد الآن؟ هذه الحقيقة الأولى: وهي ابن عمر سمع هذا الحديث ورأى الرسول الذي تحدث بهذا الحديث.
الحقيقة الثانية: هي أن ابن عمر ﵁ كان أشد أصحاب النبي ﷺ قاطبًة وأحرصهم جميعًا على اتباع الرسول ﵇ .. اتباعه في سنته إلى درجة فوق ما يقول أهل العلم إنه من السنة، إي: إن أهل العلم يقسمون سنة الرسول ﵇ إلى سنة عبادة وسنة عادة، سنة العبادة هي التي نحن مأمورون بالاقتداء بالرسول ﵇ فيها ونثاب على هذه القدوة، أما سنة العادة فهي عادة لا يترتب من وراء فعلها أو تركها شيء إطلاقًا.
ابن عمر الحريص على اتباع الرسول ﵇ كان يتبعه حتى في سنن العادة، ولعلكم تعلمون بعض الأمثلة التي تروى عنه في كتاب الترغيب للمنذري ومجمع الزوائد للهيثمي وغيرهما.
الآن: إعفاء اللحية هل هو من سنن العبادة أم من سنن العادة؟ لا شك أنها من سنن العبادة، لماذا؟ لما سبق ذكره من الحديث أولًا، وبخاصة أنه جاء في بعض الروايات الصحيحة: «وخالفوا اليهود والنصارى» في رواية: «وخالفوا المجوس» والحديث الآخر في صحيح مسلم: «عشر من الفطرة - ذكر منها - قص الشارب وإعفاء اللحية» فإذًا: إعفاء اللحية سنة عبادة وليس سنة عادة.
الآن نعود لنقول: ترى! ابن عمر ﵄ المعروف مغالاته في اتباع الرسول ﵇ حتى في سنن العادة، هل يعقل أن يرى الرسول ﵇ لم يأخذ من لحيته ولا قيد شعرة كما يقال، ثم هو يأخذ منها ما دون القبضة؟ ! أنا أعتبر القول: بأن نعم هذا يمكن هذا قريب من المستحيل، إلا أن ننسب ابن عمر إلى أنه كان لا يهتم باتباع سنة الرسول ﵇ وهذا خلاف مقطوع به عند جميع علماء المسلمين.
стр. 7716
يضاف إلى ذلك ما أشرت إليه آنفًا من أنه لم ينفرد بالأخذ من اللحية، بل تابعه على ذلك أبو هريرة ومجاهد وذلك مروي في تفسير ابن جرير الطبري، أضف إلى ذلك أنه لم ينقل عن أحد من السلف فيما علمت ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لا قولًا ولا فعلًا أنه لا يجوز الأخذ من اللحية ولو ما أخذ منها عبد الله بن عمر الخطاب ﵁.
إذا عرفنا هذا البيان يأتي الجواب عن سؤال الأخ أن الرسول ﵇ نهى عن قص اللحية ... إذًا: كما نقول: الإعفاء في الحديث مطلق وليس مراد، والقص في الحديث مطلق وليس مراد، بل المراد في كل من الأمرين خلاف المطلق، المراد بالإعفاء هو إعفاء ما فوق القبضة أو ما تحت القبضة وليس ما دونها، والمقصود بالنهي عن القص والتشبه بالأعاجم إذا زاد أن يأخذ خلاف ما أخذ ابن عمر، أي: أخذ أكثر مما أخذ ابن عمر.
هذا ما عندي في هذه المسألة.
(لقاءات المدينة لعام ١٤٠٨ هـ (٣) /٠٠: ٢٥: ٥٩)
حكم أخذ ما زاد عن القبضة من اللحية
مداخلة: ما قول فضيلتكم في حديث ابن عمر: «كان رسول الله ﷺ يأخذ من لحيته ما زاد عن القبضة» مع تعارضه مع قوله ﷺ في الأحاديث الصحيحة وسرد وقال: «وفروا اللحى» .. «حفوا اللحى» .. «أرخوا اللحى»؟
الشيخ: في اعتقادي أن هذا النوع لا يصح أن نسميه تعارضاً؛ لأن النص العام قد لا يكون دائماً لا على عمومه وشموله، وآنفاً ذكرنا مثالاً واضحاً ألا وهو قوله ﵇: «صلاة الرجلين أزكى من صلاة الرجل وحده» وبينا أن هذا العموم لا يؤخذ به؛ لأنه لم يجر العمل عليه، فيا ترى! عموم قوله ﵇: «وأعفوا اللحى» .. «وأرخوا اللحى» .. «ووفروا اللحى» هل هذا العموم جرى عمل السلف
стр. 7717
عليه؟ الحقيقة أن القاعدة التي ذكرتها آنفاً قاعدة هامة جداً يتفرع منها أن نستكشف أموراً يظنها كثير من الناس من العبادات وهي ليست من العبادة في شيء، فهذا العموم في: «وفروا اللحى» هل جرى عمل السلف على ذلك أم لا؟ إن كان جرى عمل السلف - جواب تحفظي احتياطي - إن كان جرى عمل السلف على ذلك فالعموم ماشي على طول، حتى لو إنسان ربنا بارك له في لحيته وجرها على الأرض جراً هكذا السلف، وهكذا نحن نفعل، أما إذا كان السلف لم يعمل بهذا العموم فهل يجوز العمل به؟ عرفنا الجواب آنفاً لا، أي عام لم يجر العمل به فمعنى فهماً للنص على العموم الذي أوجب علينا عملاً لم يفعله السلف فهذا دليل أن فهمنا خطأ.
والأمر في هذا الحديث هو من هذا القبيل تماماً، أي: إن السلف لم يجر عملهم على هذا الإطلاق والشمول: «أعفوا اللحى» بل جرى عملهم على خلاف ذلك، وفي مقدمتهم ابن عمر وهو أحد رواة هذا الحديث، وهنا تكمن فائدة مهمة جداً وهي التي يقول العلماء بمناسبتها: رأي الراوي أو فهم الراوي أدرى بمرويه من غيره، فنحن حينما نسمع هذا الحديث من بعد أربعة عشر قرناً: «وفروا اللحى» .. «اعفوا عن اللحى» يتبادر إلى ذهننا أن المقصود توفيراً مطلقاً بدون حدود، لكن إذا تذكرنا قول النبي ﷺ : «الشاهد يرى ما لا يرى الغائب» وقوله في اللفظ الآخر: «ليس الخبر كالعيان» حينئذٍ نقول: نحن بعد أربعة عشر قرناً يمكننا أن نفهم هذا الحديث أكثر مما رأى المتكلم به .. المتكلم به هو رسول الله، والراوي له هو عبد الله بن عمر .. ما تحت القبضة كان ابن عمر يأخذه، فنحن والحالة هذه لو كان هو في هذا المجال وحده لا نستطيع أن نقول: خالف حديث الرسول؛ لأنه تكون المخالفة متجسدة لو قال مثلاً: لا تأخذوا من اللحية شيئاً، ثم أخذ فهذه مخالفة، أما «اعفوا عن اللحى» .. «ارخوا اللحى» فهذا نص عام يمكن أن يكون بهذا الإطلاق ويمكن أن يكون بذاك التحديد الذي فعله ابن عمر، قلت: هذا لو تفرد ابن عمر بهذا الأثر فكيف وقد ورد ذلك عن غيره من السلف منهم أبو هريرة، منهم مجاهد، منهم إبراهيم بن يزيد النخعي حيث قال: كانوا يأخذون من لحيتهم، إبراهيم بن يزيد
стр. 7718
تابعي وهذا النخعي مشهور، كانوا يأخذون، يعني: الصحابة ولم يرد عن غير هؤلاء ما يخالف ما ذهبوا إليه، في مثل هذا يقول ابن قدامة المقدسي في كتابه المغني: فثبت أنه لا خلاف فهو إجماع لا يعرف له مخالف، هذا يقول أحياناً ﵀ في الصحابي الواحد: إذا قال قولاً أو فعل فعلاً ولم يعرف له مخالف فهو في منزلة الإجماع بمعنى: فهو حجة، فإذا لاحظنا هنا ما يأتي:
أولاً: ابن عمر هو راوي الحديث فهو أدرى بمرويه من غيره.
ثانياً: أن ابن عمر كان أحرص الصحابة إطلاقاً في اتباع الرسول ﵇ في أفعاله، حتى الأفعال التي يسميها بعض العلماء بأنها غير تعبدية وإنما هي أفعال عادية، فكان من عادة الرسول ﵇ أحياناً أن يفك أزرار قميصه، ففعل ابن عمر ذلك، فقيل له: لم؟ قال: رأيت رسول الله يفعل ذلك، ممكن الرسول كان في مثل هذا الجو الحار الآن في هذه الغرفة، فك زر أو زرين فهذه ليست قضية عبادة هذه قضية عادة، أو كان الجو العام في خارج البنيان كما هو الشأن في البلاد العربية خاصة في أيام الصيف حاراً فأراد ﵇ الاسترواح والترطب ففك بعض الأزار ليس بهذا علاقة بالعبادة، مع ذلك فابن عمر كان يتبع الرسول ﵇ حتى في هذه الأشياء، وله نماذج أخرى يذكرها الحافظ المنذري في أول كتابه: الترغيب في باب السنة، كتاب السنة، فإذا كان هذا شأن ابن عمر في الحرض على اتباع النبي ﷺ حتى في الأمور العادية كيف يخالف الرسول ﵇ .. كيف يتصور أن يخالفه في الأمر التعبدي وأمر صادر من قوله: «فاعفوا اللحى» هذا أبعد ما يكون لو كان ابن عمر وحده في هذا المجال، فكيف وقد ذكرنا أن معه أناس آخرون من الصحابة والتابعين؟ ! فيكون الأمر المذكور في الحديث ليس على إطلاقه فلا يصح أن نقول: بأن ابن عمر خالف حديث الرسول.
مداخلة: فضيلة الشيخ! علمتنا على الدقة في جميع المسائل، النظر هنا يقول في حديث ابن عمر كان رسول الله ﷺ يأخذ من لحيته وما نسبها إلى ابن عمر. نريد
стр. 7719
أن تمثل في هذا مثل، تقول: كان رسول الله ..
الشيخ: لا، هذا ليس صحيحاً، لو صح انتهت القضية، هذا حديث فيه رجل شديد الضعف ولذلك خرجناه في سلسلة الأحاديث الضعيفة لفظ الحديث: «كان يأخذ من عرضها وطولها» هذا الحديث لو صح لانتهى القيل والقال في المسألة لكن الحديث لم يصح ولذلك رجعنا إلى ملاحظة فعل السلف، فقلنا: إن فعلهم يدل على أن هذا العام، أو هذا الأمر المطلق ليس على إطلاقه.
مداخلة: وهل كان فعل ابن عمر في الحج فقط؟
الشيخ: لا، في الحج والعمرة وفي غير ذلك، كذلك الروايات الأخرى التي جاءت عن بعض الصحابة ....
مداخلة: على هذا أقول: قد يروي الراوي صحابي الحديث فيخالفه ...
الشيخ: هذه مسألة غير التي ذكرتها، المسألة التي أنت تسأل عنها: إذا كان راوي الحديث خالف رأيه حديثه فهل العبرة بحديثه أم برأيه؟ الجواب عند الجماهير: أن العبرة بحديثه بروايته وليس برأيه خلافاً للحنفية فإنهم يقولون: العبرة برأيه لا بروايته، هذه مسألة غير التي كنا فيها، قلنا آنفاً: الراوي للحديث أدرى بروايته من غيره، وليس هذا من باب إذا تخالف رأيه مع روايته فهذا يقدم على روايته؟ لا، فالمثال في ذلك أن أبا هريرة روى عن النبي ﷺ الحديث المعروف في البخاري: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً إحداهن بالتراب» ثم جاء عن أبي هريرة أنه قال: يغسله ثلاثاً، هذا قوله وذاك روايته، روايته تقول: سبعاً، رأيه يقول: ثلاثاً، إذاً: على حسب الاختلاف السابق، من قال: روايته تقدم على رأيه قال يجب الغسل سبعاً وهذا هو الصحيح، ومن قال: رأيه مقدم على روايته يقول: يغسل الإناء ثلاثاً لا سبعاً، وهذا خلاف الحديث الصحيح، ويكفي في ضعف هذه القاعدة مخالفة الحديث الصحيح.
(رحلة النور: ٢٣ أ/٠٠: ٤٠: ٤٢)
стр. 7720
الأخذ من اللحية
مداخلة: حديث ابن عمر ﵁ عندما كان يأخذ ما بعد القبضة، هل يعتبر قوله حجة؟
الشيخ: نعم؟
مداخلة: هل يعتبر فعله حجة؟
الشيخ: نعم هو فعل، وفعله عندي هنا حجة، لماذا؟ وهذا له علاقة بقاعدة يجب نحن أن نكون على تفقه فيها، أنا أقول مقتنعًا بما أقول: بأن أي نص عام يشمل أجزاء عديدة لم يجر العمل .. عمل السلف على جزء من أجزائه فالعمل بهذا الجزء ليس شرعًا، مفهوم هذا الكلام أو يريد توضيح؟
الحقيقة هو بحاجة إلى توضيح: أنا أقرب هذا بمثل لم يقع وأرجو ألا يقع، وإن كان بعضه وقع: أما المثل الذي لم يقع: جماعة يدخلون المسجد بعد الأذان لصلاة السنة القبلية كالظهر، فأحدهم يقول للجماعة: تعالوا يا إخوان نصلي جماعة .. بديل أن نصلي فرادى نصلي جماعة، ويحتجوا بحديثين صحيحين:
الحديث الأول: «يد الله على الجماعة».
الحديث الثاني أوضح: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاة الثلاثة أزكى من صلاة الرجلين» إذًا: تعالوا نصلي جماعة، [لو سألت] أهل العلم أو طلاب العلم هل هذا الداعي محسن أم مسيء؟ كلهم يجمعون على أنه مسيء، لماذا وقد احتج بحديثين اثنين؟ الجواب بدهي عندهم، قالوا: لأن هذه الجماعة لم تشرع، جماعة النافلة هذه لم تشرع.
هنا الآن يحتاج الأمر إلى شيء من البصيرة: هل عندنا نص أنهم ما كانوا يصلون هذه السنن القبلية أو السنن البعدية .. ما كانوا يصلونها جماعة .. هل عندنا نص
стр. 7721
بذلك؟ لا نص عندنا، إذًا: كيف نقول؟ أنا أقول: ما صلى، فعلًا وغير يقول هكذا، من أين أخذوا والنص مفقود؟ .. لو كان هذا وقع لنقل، فإذ لم ينقل دل على أنه لم يقع، بمثل هذه المقدمات نصل إلى تلك النتيجة، أي: ما كان السلف يصلون هذه السنن جماعة، إلى هنا أظن واضح الموضوع .. هذا الذي لم يقع وأرجو أن لا يقع، وأما الذي قلته آنفًا: بعضه وقع، فأنتم ترون الناس في المساجد جماعة بعد جماعة .. جماعة بعد جماعة! لكن ما هي؟ الفريضة، يعني: يدخل جماعة يجدون الإمام قد صلى فيتقدمهم واحد وهذا وقع كثيرًا ويرفع صوته ويقف في منتصف المسجد لا يصلي إلى سترة؛ لأنه جاهل لا يعرف أحكام الشرع، فيرفع صوته ويشوش على الناس، هل يذكر رب العالمين بعد الفريضة، أو يشرع بالنافلة هذه السنة فيشوش عليهم، ما حجة هؤلاء؟ هل حجتهم أنهم كانوا أعني السلف الصالح كانوا يصلون جماعة ثانية وثالثة؟ وهكذا دواليك صلاة العصر يضلون في بعض البلاد السورية إلى أذان المغرب جماعة بعد جماعة .. جماعة بعد جماعة إلى آخره.
لا شيء من ذلك، لكن من أين أخذوا؟ من مثل ما أخذنا نحن آنفًا: جماعة السنة، استدل المثال السابق بقوله ﵇: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده» هؤلاء جماعة دخلوا المسجد وقد انتهت صلاة الجماعة، إذًا: تعالوا نصلي جماعة: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده» وهناك الحديث الأشهر والأصح، قوله ﵇: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة» إذًا: أحسن ما نصلي فرادى نصلي جماعة، هذا واقع أم ليس بواقع؟ الدليل هو نفس دليل القضية السابقة، لكن الفرق: أن هذا لم يقع وذاك وقع، والدليل واحد، والدليل كله مرفوض، ولذلك جاء الوعيد الشديد في الحديث الصحيح: «لقد هممت أن آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم آمر رجالًا فيحطبوا حطبًا ثم أخالف إلى أناس يدعون الصلاة مع الجماعة فأحرق عليهم بيوتهم» إلى آخر الحديث، لماذا هم الرسول ﵇ بتحريق المتخلفين عن صلاة الجماعة؟ لأنه لا جماعة بعدها.
стр. 7722
إذًا: الاستدلال بالنص العام الذي لم يجر العمل على مقتضى بعض أجزاءه أو فروعه فلا يجوز العمل به، واضح الآن؟
نعود الآن: «وأعفوا اللحى» نص عام، أي: يشمل ما فعله ابن عمر، يعني: القبضة، ويشمل الزيادة ويشمل ويشمل، على حسب ما ربنا يبارك في طول اللحية أو قصرها، ترى! هل هذا كله داخل في عموم النص أو لا؟ هنا الآن الموضوع: ابن عمر أولًا: أحد رواة الحديث: «وأعفوا اللحى» هو ابن عمر من رواة هذا الحديث.
ثانيًا: هو يشاهد الرسول ﵇ ويعرف أن لحيته كانت جليلة وكانت عظيمة.
ثالثًا وأخيرًا: ابن عمر تميز عن كل الصحابة بماذا أقول؟ بمبالغته في تتبعه بآثار النبي ﷺ وأن يفعل كفعله، حتى في بعض الأمور التي قد تستهجن من غيره وبخاصة من أبيه الفاروق، فأنتم تعلمون مثلًا أنه رئي ذات يوم يبول عند شجرة، لماذا؟ قال: رأيت رسول الله يبول عندها .. يأخذ مقود الناقة فيطوف بها في مكان، لماذا؟ قال: رأيت رسول الله يفعل ذلك .. يفك زر القميص، لماذا؟ رأيت رسول الله ﷺ كذلك .. إنسان هذه همته في اتباع النبي ﷺ حتى في أمور العقل العادي لا يقبلها، ... الرسول حاجته جاءت هناك فقضاها، لازم هو يفعل كما فعل الرسول ﵇، ترى! لو كان الرسول ﵇ ترك لحيته على سجيتها أترون
يخالفه، وهو قد وافقه في أمور أهون بكثير من هذه القضية؟ هذه القضية فيها نص عام: «أعفوا اللحى» والنص العام لو الرسول طبقه حاشا لابن عمر أن يخالفه في ذلك؛ لأنه ما خالفه في أمثال تلك الأجزاء، هذا أولًا.
ثانيًا: لم يتفرد ابن عمر بالأخذ من لحيته، بل قد جاء ذلك عن أبي هريرة وعن بعض السلف، كما في تفسير ابن جرير الطبري، وروى البيهقي في شعب الإيمان بإسناد صحيح عن إبراهيم بن يزيد النخعي قال: كانوا يأخذون من لحيتهم.
فإذًا: هنا نقول بكل جرأة علمية: أن إعفاء اللحية لم يجر عليه عمل السلف على
стр. 7723
إطلاق الإعفاء، لم يجر عمل السلف، فهذه نصوص تدل على أن السلف كانوا يأخذون، فمن يقول: نحن نأخذ بعموم النص ونخالف فعل ابن عمر فهو فعل أبي هريرة أو غيره من الصحابة الذين أشير إليهم في بعض الروايات التي ذكرتها آنفًا، هذا يقدم فهمه بالنص على فهم ابن عمر وغيره من السلف.
هنا يقال خاصة من ابن قدامة المقدسي ﵀ في كتابه: المغني، في كثير من الأحيان يروي رواية عن بعض الصحابة ويقول: لا نعرف له مخالفًا، فيكون إجماعًا أو فعله إجماع، ونحن نقول هنا: ابن عمر لا نعرف له مخالفًا بل نعرف له موافقًا، ولا نعرف لهؤلاء مخالفًا، فحينئذٍ أقول: إن إعفاء اللحية إنما هو في حدود ما ثبت عن راوي الحديث وهو ابن عمر.
وهنا تأتي قاعدة فقهية، هناك قاعدتان أرجو ألا يلتبس إحداهما بالأخرى: القاعدة التي ترد هنا: هي أن الراوي أدرى بمرويه من غيره، وهذا هنا يصدق ابن عمر أدرى بقول نبيه وقد سمعه من فمه ووجده مطبقًا في لحيته: «أعفوا اللحى» هو يفهم إن كان هذا الإعفاء مطلق فلا يجوز الأخذ منه، أو يجوز الأخذ منه أكثر منا نحن الخلف، فالراوي أدرى بمرويه من غيره، هذه قاعدة.
هناك قاعدة أخرى يقول بها الحنفية فقط خلافًا للجمهور، وقول الجمهور هو الصواب، ذلك قولهم أعني الحنفية: أنه إذا خالف رأي الراوي روايته فهل العبرة بروايته أم برأيه؟ قال الأحناف: العبرة برأيه لا بروايته، قال الجمهور: لا، العبرة بروايته وليس برأيه، هذه قاعدة غير تلك القاعدة، تلك القاعدة تقول: الراوي أدرى بمرويه من غيره، أما هنا، فتقول قاعدة الحنفية: رأي الراوي المخالف لروايته يقدم على روايته، وضربوا على ذلك مثالًا، والمثال يوضح لكم الفرق بين القاعدتين:
تعلمون جميعًا قوله ﵊: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا إحداهن بالتراب» جاء عن أبي هريرة: أن الإناء الذي ولغ فيه الكلب يغسل ثلاثًا فقط، فأخذ الأحناف برأي أبي هريرة، مع أنه هو روى حديث
стр. 7724
التسبيع .. تغسل سبعًا إحداهن بالتراب، فتركوا الحديث برأي أبي هريرة، يقولون تكلفات من الكلام: أن الراوي إذا خالف مرويه فيمكن أن يكون روايته منسوخة أو معارضة برواية هو أدرى بها من غيره إلى آخره، لكن الجمهور ردوا ذلك وقالوا: الحجة إنما تقوم برواية الراوي وليس برأيه، وإنما المسألة هناك هو رأى الرسول ﵇ وسمع قوله وطبقه في حدود ما فهمه وليس له رأي يخالف الرواية.
وبعبارة أخرى: النص العام في كثير من الأحيان كما فصله الإمام الشافعي في كتابه العظيم: الرسالة، وهذا كتاب في أصول الفقه، مهم جدًا للإمام الشافعي، يقول: قد يأتي النص عامًا فيراد به عمومه، وقد يأتي النص عامًا ويخصص بالنص الخاص، وقد يأتي النص العام ويراد الخصوص وليس العموم وضرب على ذلك أمثلة كثيرة وكثيرة جدًا.
الشاهد: أن النص العام لا يكون دائمًا مطبقًا على عمومه، وإنما ذلك ينظر إليه في حدود القرائن المحيطة بالنص العام، فالقرينة هنا أن هذا النص العام لم يجر عمل السلف عليه، كالنصوص السابقة: صلاة الرجل مع الرجل إلى آخره، كما أنه لم يجر العمل على هذا كذلك لم يجر العمل على ذاك.
(فتاوى جدة (٢٨) /٠١: ٣٧: ٢١)
إسبال اللحى
السائل: سمعنا بأنكم تقولون إن إسبال اللحية من إسبال الثوب؟
الشيخ: نعم.
مداخلة: هذا قولكم؟
الشيخ: إي نعم.
مداخلة: معنى هذا: أن ما زاد عن القبضة يحرم.
стр. 7725
الشيخ: هذا نفسه سبق الكلام فيه.
مداخلة: أنه يَحْرم إسبال اللحية فوق القبضة؟
الشيخ: نعم، قلنا يحرم، إحداث، أي: بدعة في الدين.
(الهدى والنور /٥٢٧/ ٣٣: ٤٩: ٠٠)
стр. 7726
كتاب فقه الأذكار والدعاء
стр. 7727
كتاب الأذكار
стр. 7728
الأذكار توقيفية
[قال رسول الله ﷺ ]: «إذا حدثتكم حديثا فلا تزيدن علي وقال: أربع من أطيب الكلام وهن من القرآن لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ثم قال: لا تسمين غلامك أفلح، ولا نجيحا، ولا رباحا، ولا يسارا «فإنك تقول: أثم هو؟ فلا يكون، فيقول: لا»».
[قال الإمام]: وفي الحديث آداب ظاهرة، وفوائد باهرة، أهمها النهي عن الزيادة في حديثه ﷺ ، وهذا وإن كان معناه في رواية حديثه ونقله، فإنه يدل على المنع من الزيادة فيه تعبدا قصدا للاستزادة من الأجر بها من باب أولى، وأبرز صور هذا، الزيادة على الأذكار والأوراد الثابتة عنه ﷺ ، كزيادة «الرحمن الرحيم» في التسمية على الطعام، فكما أنه لا يجوز للمسلم أن يروى قوله ﷺ المتقدم «٣٤٤»: «قل: بسم الله» بزيادة «الرحمن الرحيم»، فكذلك لا يجوز له، أن يقول هذه الزيادة على طعامه، لأنه زيادة على النص فعلا، فهو بالمنع أولى، لأن قوله ﷺ : «قل باسم الله» تعليم للفعل، فإذا لم يجز الزيادة في التعليم الذي هو وسيلة للفعل، فلأن لا يجوز الزيادة في الفعل الذي هو الغاية أولى وأحرى. ألست ترى إلى ابن عمر ﵁ أنه أنكر على من زاد الصلاة على النبي ﷺ بعد الحمد عقب العطاس، بحجة أنه مخالف لتعليمه ﷺ ، وقال له: «وأنا أقول: الحمد لله، والسلام على رسول الله ﷺ ، ولكن ليس هكذا علمنا رسول الله ﷺ علمنا إذا عطس أحدنا أن يقول: الحمد لله على كل حال». أخرجه الحاكم «٤/ ٢٦٥ - ٢٦٦» وقال: «صحيح الإسناد» ووافقه الذهبي. فإذا عرفت ما تقدم من البيان، فالحديث من الأدلة الكثيرة على رد الزيادة في الدين والعبادة. فتأمل في هذا واحفظه فإنه ينفعك إن شاء الله تعالى في إقناع المخالفين، هدانا الله وإياهم صراطه المستقيم.
السلسلة الصحيحة (١/ ٢/٦٨١ - ٦٨٢).
стр. 7729
الأوراد والأذكار توقيفية
عن البراء بن عازبٍ ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وُضوءكَ للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم إني أسلمت نفسى إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك وألجأتُ ظهري إليك رغبةً ورهبة إليك، لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك. آمنت بكتابك الذى أنزلت، ونبيك الذى أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به»، قال: فرددتها على النبي ﷺ ، فلما بلغت «آمنتُ بكتابك الذى أنزلت» قلت ورسولك، قال: «لا، ونبيك الذى أرسلت». رواه البخاري ومسلم، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
وفى رواية للبخاري والترمذي: «فإنك إن مت من ليلتك مت على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيراً». «صحيح»
قال الألباني: فيه تنبيه قوي على أن الأوراد والأذكار توفيقية، وأنه لا يجوز فيها التصرف بزيادة أو نقص، ولو بتغيير لفظ لا يفسد المعنى، فإن لفظ «الرسول» أعم من لفظة «النبي» ومع ذلك رده النبي ﷺ ، مع أن البراء ﵁ قاله سهواً لم يتعمده، فأين منه أولئك المبتدعة الذين لا يتحرجون من أي زيادة في الذكر، أو نقص منه؟ فهل من معتبر؟ ونحوهم أولئك الخطباء الذين يبدلون من خطبة الحاجة زيادة ونقصاً وتقديماً وتأخيراً، فلينتبه لهذا منهم من كان يرجو الله والدار الآخرة.
(التعليق على الترغيب والترهيب ١/ ٢٧٣)
من فضائل الذكر
[قال رسول الله ﷺ ]: «سبق المفردون. قالوا: يا رسول الله! ومن «المفردون»؟ قال: الذين يهترون في ذكر الله ».
стр. 7730
[قال الإمام]: غريب الحديث:
١ - «المفردون»: أي المنفردون.
قال ابن الأثير: «يقال: فرد برأيه وأفرد وفرد، استفرد، بمعنى انفرد به».
قال النووي ﵀: «وقد فسرهم رسول الله ﷺ بـ «الذاكرين كثيرا والذاكرات» وتقديره: والذاكراته، فحذفت الهاء هنا كما حذفت في القرآن لمناسبة رؤوس الآية ولأنه مفعول يجوز حزفه. وهذا التفسير هو مراد الحديث».
٢ - «يهترون»: أي يولعون. قال ابن الأثير: «يقال: «أهتر فلان بكذا واستهتر فهو مهتر به ومستهتر»: أي مولع به لا يتحدث بغيره ولا يفعل غيره.
تنبيه: كان من دواعي تخريج هذا الحديث أنه وقعت هذه اللفظة في «الشعب» هكذا «يهتزون» بالزاي، بحيث تقرأ «يهتزون»، فبادرت إلى تخريجه وضبط هذه اللفظة منه خشية أن يبادر بعض الصوفية الرقصة إلى الاستدلال به على جواز ما يفعلونه في ذكرهم من الرقص والاهتزاز يمينا ويسارا، جاهلين أو متجاهلين أنه لفظ محرف. وقد يساعدهم على ذلك ما جاء في «شرح مسلم» للنووي: «وجاء في رواية: «هم الذين اهتزوا في ذكر الله». أي لهجوا به». وكذلك .. جاء في حاشية «مسلم - استانبول» نقلا عن النووي! على أنه لو صح لكان معناه: يفرحون ويرتاحون بذكر الله ﵎ كما يؤخذ من مادة «هزز» من «النهاية»، فهو حينئذ على حد قوله ﷺ : «أرحنا بها يا بلال! ». «١» أي بالصلاة. وهو قريب من المعنى الذي قاله النووي. والله أعلم.
السلسلة الصحيحة (٣/ ٣٠٦ - ٣٠٧).
حكم الذكر الجماعي
السائل: لقد سمعت من أحد الشيوخ بعض الصوفيين أنه ذكر حديثاً أو ما هو
стр. 7731
[حديث] بزعمه، أن الرسول ﷺ عاد مع أصحابه من الغزو من إحدى الغزوات فاجتمع بعض أصحابه وقفوا في حلقة مسك أحدهم بيد الآخر يذكرون الله، فمر عليهم معاوية بن أبي سفيان فقال: ما هذا اللعب، فقال الرسول ﷺ : بل هو ذكر الله، ولم يذكر هذا الشيخ مصدراً من المصادر المعروفة، فهل هذا حديث أم .. ؟
الشيخ: حق له أن لا يذكر له مصدراً من المصادر؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، هذا حديث لا أصل له، وينبغي لطالب العلم البصير في دينه أنه كلما سمع حديثاً من محدث به أن يقال له: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، يقال له: من أين جئت بهذا الحديث: أهو في الصحيحين، أهو في السنن الأربعة، هل هو في المسانيد العشرة، هل هل .. إلخ، وبلا شك سيعجز عن الإتيان به لأنه لا وجود لمثله، ومعلوم أن هؤلاء الصوفية في سبيل تأييد انحرافهم عن دينهم يتعلقون ولو بخيوط القمر، أي: يتعلقون بالأوهام التي لا حقائق لها.
كتاب ينصح به الشيخ في الأدعية
السائل: في كتب طول عمرك يعني أحاديث مخرجة أو أحاديث صحيحة في الأدعية الواردة الثابتة؟
الشيخ: رسالتي صحيح الكلم الطيب فهي مقصودة من أجل تحقيق هذه الغاية الأدعية والألفاظ الواردة عن الرسول ﵇ وهو كتيب صغير مطبوع.
(الهدى والنور / ٨٣/ ١٦: ١٣: .. )
حكم الذكر الجماعي بعد صلاة الصبح
مداخلة: بالنسبة للذكر الجماعي يعني في صلاة الصبح؟
الشيخ: مفهوم .. لا يوجد ذكر جماعي في الإسلام وإنما هناك ذكر يشرع فيه رفع الصوت وذكر لا يشرع فيه رقع الصوت، وعامة الأذكار الأصل فيها الإسرار وعدم
стр. 7732
رفع الصوت فكل ذكر شرع فالمشروع معه الإسرار إلا ما استثني مثل مثلاً التلبية في الحج والعمرة، هذه التلبية يشرع فيها رفع الصوت وهذا ثبت في السنة قولاً وعملاً، أما القول فقد سئل ﵊ عن أفضل الحج قال: «العج والثج» العج: هو رفع الصوت بالتلبية هذا أفضل أعمال الحج يقول الرسول ﵇، والثج: هو الذبح.
هذا من حيث القول، من حيث الفعل: جاء عن الصحابة أنهم لما خرجوا مع النبي ﷺ من المدينة وأحرموا بالحج عند ذي الحليفة فكانوا يلبون حتى إذا ما وصلوا إلى مكان اسمه الروحاء بحت أصواتهم فهذا مشروع مع كون شرعية رفع الصوت بالتلبية فهو ليس جماعياً وإنما كل واحد يلبي لا يقرن صوته مع صوت صاحبه ولا لفظه أو عبارته مع لفظ صاحبه وعبارته، لكن الذي يكون عملياً قد يلتقي بعضه مع بعض أحياناً في الكلمة وقد يفترقون هذا هو المشروع.
أما بعد صلاة الفجر وبعد صلاة المغرب فأولاً: هذا الرفع لا يشرع، ثم إن شرع أو بدا لبعضهم أنه مشروع فلا يربط نفسه مع صاحبه؛ لأن هذا ليس من السنة من جهة، ومن جهة أخرى فليترتب من وراء الاتحاد في رفع الصوت مفاسد معنوية؛ لأن الإنسان يختلف طول نفسه عن غيره، فمنهم من نفسه طويل ومنهم من نفسه قصير، ونحن كنا نلاحظ في الشام أن بعضهم على الأقل عندما ينتهوا من التهليلة الأولى لا يأخذون نفس لعجلتهم فيصلونها بالتهليلة الثانية، فالذي كنا نسمعه أن بعضهم وصل فعندما وصل عند لا إله الثانية انقطع صوته عند لا إله فوقع في الإشكال المعنوي حيث كفر لفظاً، والكفر اللفظي صحيح أنه لا يخرج صاحبه من الملة ولكنه لا يجوز أن يتكلم بمثل هذه الكلمة الموهمة للكفر.
وكما يقول العلماء: ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب، كذلك: ما يقوم به المنكر فهو منكر .. ما يقوم به الحرام فهو حرام، فما الذي أدى إلى هذه الكفرية أن يأخذ النفس عند قوله: لا إله؟ هو كونه رابط حاله بصاحبه، طيب! صاحبه نفسه
стр. 7733
طويل وهو نفسه قصير ما استطاع أن يلحقه فانقطع عند هذه الكلمة التي لا يجوز الوقوف عندها.
باختصار: رفع الصوت في تهليل المغرب والعشاء لا يشرع وإذا بعض الناس يرون ذلك مشروعاً كما يفعلون في البلاد السعودية فما ينبغي أن يمشوا مع بعضهم بصوت واحد؛ لأن هذا أولاً: غير وارد، وثانياً: يتسبب لتحقيق بعض المفاسد.
(الهدى والنور / ٣١٩/ ٤٨: ٤١: ٠٠)
الذكر الجماعي
السؤال: فيما يختص بحديث الملائكة السياحين الطويل! يوحي لنا معنى الحديث بأنهم كانوا يذكرون الله جماعات بصوت واحد، فما هو وجه تفسير هذا المعنى، وهل يؤجر الرجل الجالس معهم ولو جلس لغرض غير ذكر الله؟
الشيخ: أما أن يؤجر فلا يا أخي! لكن يرجى أن يؤجر حينما يحضر هذا المجلس فيطيب المجلس له فتتغير نيته السابقة التي حضرها غير قاصد العبادة يصبح الحضور بعد ذلك بعبادة، فيكتب له الأجر، أما إن تصورنا أنه حضر في أول الجلسة إلى آخرها هكذا لمصلحة مادية مثلاً، أو ليرى شخصاً من الجالسين فإن الرسول يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» فليس له أجر.
أما فيما يتعلق بأول السؤال وهو أنه يبدو أن هؤلاء كانوا يذكرون جماعة وبصوت واحد فهذا يا أخي! إنما يأتي من الوهم القائم بسبب وجود مثل هذه المجالس التي يرفع فيها ذكر الله .. يرفع فيها الأصوات في ذكر الله جماعياً، لكن السلف الصالح ما يعرفون مثل هذا الرفع وبصوت واحد.
نحن نذكر أحاديث صحيحة أن النبي ﷺ ينكر في غير ما حديث رفع الصوت بالذكر حتى ولو كان صوتاً واحداً، إلا في مواطن خاصة كالتلبية ونحو ذلك فهذا شيء آخر، فمما صح عن النبي ﷺ في موطأ الإمام مالك وغيره أنه قال: «يا أيها
стр. 7734
الناس! كلكم يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة فتؤذوا المؤمنين» وفي لفظ: «بالقرآن فتؤذوا المؤمنين» لذلك ما جرى غير في المتأخرين من الذكر جماعياً في بعض المواطن مثل مثلاً التهليلات العشر بعد صلاة المغرب وصلاة الفجر جماعياً، أولاً: رفع الصوت هذا غير مشروع كما سمعت من الحديث السابق، ثانياً: الاجتماع على رفع الصوت بصوت واحد هذا لم يكن في زمن السلف يوم قال الرسول ﵇ هذا الحديث الطويل .. كانوا يجتمعون بذكر الله ﵎ إما بتلاوة قرآن .. أحدهم يقرأ والآخرون يسمعون على منهج قوله ﵊ حينما قال مرة لأبي بن كعب وأخرى لعبد الله بن مسعود: «أقرأ علي القرآن، قال: أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري» هكذا كان السلف أحدهم يقرأ والآخرون يسمعون ..
(الهدى والنور / ٧٩٥/ ٤٠: ٥٥: ٠٠)
التمايل عند الذكر لا أصل له
[قال الإمام]: وبهذه المناسبة لابد من التذكير نصحا للأمة، بأن ما يذكره بعض المتصوفة عن علي ﵁ أنه قال وهو يصف أصحاب النبي ﷺ : «كانوا إذا ذكروا الله مادوا كما تميد الشجرة في يوم ريح».
فاعلم أن هذا لا يصح عنه ﵁، فقد أخرجه أبو نعيم في «الحلية» «١، ٧٦» من طريق محمد بن يزيد أبي هشام حدثنا المحاربي عن مالك بن مغول عن رجل من «جعفي» عن السدي عن أبي أراكة عن علي.
قلت: وهذا إسناد ضعيف مظلم.
السلسلة الصحيحة (٣/ ٣٠٧)
стр. 7735
بدعية التحلق والصياح والتمايل في الذكر
روي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ مر بمجلسين في مسجده فقال: «كلاهما على خير وأحدهما أفضل من صاحبه، أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه والعلم ويعلمون الجاهل فهم أفضل وإنما بعثت معلما». ضعيف.
[قال الإمام]: وقد اشتهر الاحتجاج بهذا الحديث على مشروعية الذكر على الصورة التي يفعلها بعض أهل الطرق من التحلق والصياح في الذكر والتمايل يمنة ويسرة وأماما وخلفا مما هو غير مشروع باتفاق المتقدمين، ومع أن الحديث لا يصح كما علمت، فليس فيه هذا الذي زعموه، بل غاية ما فيه جواز الاجتماع على ذكر الله تعالى، وهذا فيه أحاديث صحيحة في مسلم وغيره تغني عن هذا الحديث، وهي لا تفيد أيضا إلا مطلق الاجتماع، أما ما يضاف إليه من التحلق وما قرن معه من الرقص فكله بدع وضلالات يتنزه الشرع عنها.
السلسلة الضعيفة (١/ ٦٧).
فضل الحمادين
[قال رسول الله ﷺ ]: «أفضل عباد الله تعالى يوم القيامة الحمادون».
ترجم له الإمام بقوله: فضل الحمادين.
السلسلة الصحيحة (٤/ ١١٢).
الدعاء بـ: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ..
[قال رسول الله ﷺ ]: «من قال في يوم مائتي مرة [مائة إذا أصبح، ومائة إذا أمسى]: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»، لم يسبقه أحد كان قبله ولا يدركه أحد كان بعده إلا من عمل أفضل من عمله».
стр. 7736
[قال الإمام]: وليس المراد من الحديث أن يقول المائتي مرة في وقت واحد كما تبادر لبعض المعاصرين ممن ألف في «سنية السبحة»! وإنما تقسيمهما على الصباح والمساء، فقد جاء ذلك صريحا في رواية شعبة عن عمرو بن شعيب به، ولفظه: «من قال .. مائة مرة إذا أصبح، ومائة مرة إذا أمسى .. ».
واعلم أن هذا العدد «المائة» هو أكثر ما وقفت عليه فيما صح من الذكر.
السلسلة الصحيحة (٦/ ١/ ٦٢٠ - ٦٢١).
الأصل في الأذكار خفض الصوت
[قال الإمام]: الأصل في الأذكار خفض الصوت فيها، كما هو المنصوص عليه في الكتاب والسنة إلا ما استثني، وبخاصة إذا كان في الرفع تشويش على مصلٍّ أو ذاكر، ولا سيما إذا كان بصوت جماعي كما يفعلون في التهليلات العشر في بعض البلاد العربية، غير مبالين بقوله ﷺ : «يا أيها الناس! كلكم يناجي ربَّه، فلا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة؛ فتؤذوا المؤمنين». وهو حديث صحيح: رواه مالك، وأبو داود، وابن خزيمة وغيرهم، وهو مخرج في «صحيح سنن أبي داود» «١٢٠٣»، وبوب له ابن خزيمة بقوله «٢/ ١٩٠»: «باب الزجر عن الجهر بالقراءة في الصلاة إذا تأذى بالجهر بعض المصلين غير الجاهر بها». ولهذا؛ قال الإمام الشافعي في «الأم» «١/ ١١٠» - عقب حديث ابن عباس المذكور-: «وأختارُ للإمام والمأموم أن يذكر الله بعد الانصراف من الصلاة؛ ويخفيان الذكر إلا أن يكون إماماً يحب أن يُتعلَّم منه، فيجهر حتى يرى أنه قد تُعلِّم منه ثم يُسِرُّ؛ فإن الله يقول: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] يعني- والله تعالى أعلم-: الدعاء، ﴿وَلا تَجْهَرْ﴾: ترفع، ﴿وَلا تُخَافِتْ﴾: حتى لا تسمع نفسك، وأحسب أن ما روى ابن الزبير من تهليل النبي ﷺ ، وما روى ابن عباس من تكبيره .. إنما جهر قليلاً ليتعلم الناس منه، وذلك؛ لأن عامة الروايات التي كتبناها- مع هذا وغيرها- ليس
стр. 7737
يُذكر فيها بعد التسليم تهليل ولا تكبير، وقد يذكر أنه ذكر بعد الصلاة بما وصفت، ويذكر انصرافه بلا ذكر، وذكرت أم سلمة مكثه ولم يذكر جهراً، وأحسبه لم يكن إلا ليذكر ذكراً غير جهر». قلت: وهذا غاية في التحقيق والفقه من هذا الإمام جزاه الله خيراً.
وأقول: وإذا كان من الثابت في السنة أن يجهر الإمام في الصلاة السرية أحياناً للتعليم كما في «الصحيحين» وغيرهما: أن النبي ﷺ كان يسمعهم الآية في صلاة الظهر والعصر- وهو مخرج في «صحيح أبي داود» «٧٦٣» -، وكما صح عن عمر- ﵁ أنه كان يسمعهم دعاء الاستفتاح: «سبحانك اللهم ... »، قال الأسود بن يزيد: «يسمعنا ذلك ويعلمنا» - وهو مخرج في «الإرواء» «٢/ ٤٨ - ٤٩» -.
أقول: فإذا كان هذا جائزاً؛ فبالأولى أن يَجُوزَ رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة للغاية نفسها: التعليم. وهذا ظاهر والحمد لله.
السلسلة الصحيحة (٧/ ١/ ٤٥٤ - ٤٥٦).
الأذكار والأوراد هل الأصل فيها الجهر أو الإسرار ؟
السؤال: الجهر واجب أن يسمع نفسه أو جليسه في الدعاء أو الاستعاذة أو الطهارة، على سبيل المثال: رأى رجلاً مريضاً، فاستعاذ اللهم .. الاستعاذة المعروفة: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير من خلفه. أو أن يقول بدخوله البيت الاستعاذة من الشيطان الرجيم بعد دعاء الدخول، أو في الطهارة، الأمور الاعتيادية التي نعرفها، هل الجهر فيها سيدي واجب؟
الشيخ: يسمع نفسه فقط.
السائل: يسمع نفسه.
الشيخ: إلا في وضع يكون هو في موضع المعلم، إذا كان في موضع المعلم يريد أن يعلم غيره حينئذ يرفع صوته، أما إذا لم يكن كذلك فالأصل في كل الأذكار
стр. 7738
والأوراد هو الإسرار فيها دون الإجهار.
السائل: في النفس سيدي.
الشيخ: وبخاصة إذا ترتب من وراء الجهر أحياناً إزعاج لأخيه المسلم، كالمريض المبتلى فأنت تسمعه تقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، فهذا فيه إزعاج، فهنا يتأكد الإسرار.
السائل: هل هناك النفس ممكن يسمع نفسه هو فقط، يمكن يحكيها بقلبه يعني؟
الشيخ: هو إسماع النفس هو الإسرار، أي نعم.
السائل: كذلك في الطهارة ضروري يرفع صوته؟
الشيخ: لا لا، سر كله.
مداخلة: الإسرار أن تسمع نفسك فعلاً ليس بقلبك.
السائل: بالقلب يعني: أحكيها على ألا أسمع أذني.
الشيخ: لا، بدك تحرك لسانك، يعني: فيه فرق بين القراءة الذهنية وبين القراءة اللفظية، القراءة الذهنية تشغل ذهنك، أنت تتصور في نفسك تقرأ الحمد لله رب العالمين، هذه ليست قراءة، ولو أن مصلياً صلى وقرأ الفاتحة ذهناً ما صحت صلاته؛ لأنه لا يقال فيه لغة قرأ، القراءة تستلزم تحريك الشفة، فهذا هو الفرق بين القراءة الذهنية والقراءة اللفظية، القراءة اللفظية تنقسم إلى قسمين: سرية وجهرية، فآنفاً قلنا الأذكار كلها إلا ما استثنينا وهناك استثناءات أخرى نحن في صددها، فالقراءة السرية تتطلب تحريك اللسان، لكن ليس ضروري أنك تسمع نفسك أو تسمع جارك، لا، بس حرك لسانك بحيث تتمكن من النطق بالأحرف العربية المعروفة، لكن سراً، ثم تسمع نفسك، هذه قضية تختلف من شخص إلى آخر، رب شخص سمعه حساس ودقيق جداً، ورب شخص آخر فيه ثقل، فهذا الثقيل سمعه إذا أراد أن يسمع نفسه أسمع البعيد عنه، واسمه أسمع نفسه، لا، المهم يحرك لسانه في
стр. 7739
نفسه يحرك لسانه في نفسه وليس ضروري يسمع نفسه فضلاً عن أن يسمع غيره، أما غيره فواضح، أما نفسه فلهذه النسبة التي ذكرتها آنفاً.
السائل: الاستعاذة من الشيطان الرجيم، نحن قلنا: الاستعاذة من الأمور الأخرى والطهارة وأمور الطهارة، أما إذا أريد أخاف من الشيطان وأريد أبعد الشيطان من المنطقة التي أنا فيها، تستلزم الجهر أم يبقى سراً أيضاً؟
الشيخ: لا، هو كما قلنا سراً.
السائل: جزاك الله خيراً.
الشيخ: وإياك.
(الهدى والنور/٤٧١/ ٣٨: ٤٠: ٠٠)
(الهدى والنور/٤٧١/ ٤٨: ٤٥: ٠٠)
الدعاء للمريض السلم
[قال رسول الله ﷺ ]: «إذا عاد أحدكم مريضا فليقل: اللهم اشف عبدك ينكأ لك عدوا أو يمشي لك صلاة»
[ترجم له الإمام بقوله: صيغة دعاء للمريض المسلم]
السلسلة الصحيحة (٣/ ٣٥١).
هل يجوز للأم أن تأتي بالأذكار المشروعة عوضاً عن ابنها الرضيع ؟
السائلة: يعني يا شيخ هل يجوز للمرأة مثلاً المرأة الأم أن تأتي بالأذكار المشروعة عوضاً عن ابنها الرضيع، مثلاً إن أتت تلبسه ثيابه تذكر اسم الله ، أو لتطعمه تسمي الله ، أو أتت مثلاً تضعه في فراشه كما ثبت
стр. 7740
في السنة تنفث في كفيها المعوذتين وقل هو الله أحد وتمسح، فهل يجوز لها مثل هذه الأفعال عوضاً عن ابنها؟
الشيخ: لا يجوز، هذا تنطع في الدين، والرسول ﵊ كان يقول: «هلك المتنطعون»، وحسب المسلم أن يقوم بما شرع الله له، أو أوجب عليه من مثل هذه الأذكار عن نفسه، أما عن غيره فلا وبخاصة أن هذا الغير إذا صح التعبير وهو الطفل الصغير غير مكلف؛ ولذلك فلا يجوز لهذه الأم أن تقرأ هذه الأوراد نيابة عن طفلها غير المكلف.
(الهدى والنور / ٥٠٠/ ٠٨: ٠٢: ٠٠)
وضع جدول يومي لأذكار ذلك اليوم
مداخلة: أثابكم الله، ما رأيكم في وضع جدول يومي للأذكار، أذكار المساء والصباح وأذكار الصلوات الخمس وجعلها من الدعوة؟
الشيخ: أعتقد أن هذه من البدع الإضافية العصرية، وهي أشبه ما تكون بأوراد مشايخ الصوفية، ومن القواعد العلمية الأصولية المتعلقة بباب البدعة هو: أنه لا يجوز تقييد ما أطلق في الشرع كما لا يجوز إطلاق ما قيد، وإنما المطلق يبقى على إطلاقه والمقيد يبقى على قيده، وإذ لم يأت هذا التنظيم الذي أنت تسأل عنه فهو كالتنظيمات الأخرى المتعلقة بالعبادات والأذكار فلا تشرع.
مداخلة: أثابكم الله، قد يعني اليوم يدعو بثمان ويوم يدعو ..
الشيخ: ينوع.
مداخلة: يوم يكثر الدعاء، ويوم يقول ..
الشيخ: هو كذلك، ويبقى الأمر حسب نشاط المتعبد ولا نلزمه أمراً رتيباً؛ لأن هذه الرتابة في الواقع بلا شك أنها تحدث أموراً يعني تخالف الشريعة، أعرف أحد
следующие страницы →