بعض المؤذنين ولو في المسجد النبوي؛ لأن المسجد النبوي اليوم مع الأسف فيه كثير من الأمور المُحْدَثة التي كان يَنْهى عنها ﵊ وهو في قيد حياته، وخير الهدي هدي محمد ﷺ .
«الهدى والنور / ١٩١/ ١٣: ٣٩: ٠٠»
إذا كان لايؤذَّن للفجر إلا أذانًا واحدًا فهل يكون فيه التثويب ؟
السائل: إذا كان الأذان الثاني للفجر لا يحوي على التثويب «الصلاة خيرٌ من النوم» ونحن في بلدنا أذاناً واحدًا فهل يقولها المؤذن أم يتركها، وإذا قالها هل جاء ببدعة؟
الشيخ: ما فهمت.
السائل: إذا كان الأذان الثاني للفجر لا يحوي على التثويب «الصلاة خيرٌ من النوم» ونحن في بلدنا أذاناً واحدًا، فهل يقولها على المؤذن أم يتركها، وإذا قالها هل جاء ببدعة؟
الشيخ: يعني هو يؤذن الأذان الثاني.
السائل: نعم.
الشيخ: ولا يؤذن الأذان الأول.
السائل: هو أذان واحد ...
الشيخ: طيب، ونحن نعلم، أي أنت تعلم أن التثويب في «الصلاة خيرٌ من النوم» السنة في الأذان الأول؛ فما دام لم يؤذن الأذان الأول وفيه التثويب، فهل يعوض التثويب في الأذان الثاني الذي ليس فيه تثويب، هكذا سؤالك.
السائل: نعم.
الشيخ: الجواب: لا يجوز هذا، إما أن يؤذن الأذان الأول وفيه التثويب ثم
стр. 842
يؤذن الأذان الثاني وليس فيه التثويب، أما أن يُلَفِّق أذاناً من أذانين فهذا خلاف السنة، وابتداع في دين الله.
«الهدى والنور/٤٢٨/ ٥٤: ٣٥: ٠٠»
هل التثويب يكون في الأذان الأول أم الثاني ؟
مداخلة: هل التثويب يكون في الأذان الأول أم الثاني؟
الشيخ: لقد تكلمنا في هذه المسألة كتابةً ومحاضرةً وبخاصة في هذه الفترة، تكلمنا عليها في كثير من البلاد التي طفنا بها، لكن لا بأس من التذكير بحديثين اثنين لا معارض لهما، وعليها تقوم هذه المسألة وفقًا لهما وما خالفهما فيكون مخالفًا للشرع وهي البدعة بعينها.
لقد جاء في صحيح ابن خزيمة وسنن النسائي ومسند الإمام أحمد وغيرها من كتب السنة أن النبي ﷺ لما علم أبا محذورة الأذان، هذا الأذان المعروف اليوم في تربيع التكبير علمه شيئين اثنين، تميز تعليمه على تعاليم النبي ﷺ الأخرى:
الأمر الأول: حيث تعلمه الترجيع، الترجيع في الشهادتين، فإذا قال أو إذا وصل المؤذن إلى الشهادتين يتلفظ بهما سرًا فيقول في نفسه مسمعًا لذاته: أشهد ألا إله إلا الله، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، هذا يأخذ شيء من الوقت يتنبه السامعون ويتساءل الجاهلون ماذا دهى .. ماذا أصاب المؤذن حيث سكت هذه السكتة الطويلة؟ وهو في الحقيقة لم يسكت وإنما تشهد الشهادتين سرًا، فإذا انتهى رجع لذلك سمي ترجيعًا فرفع صوته وجعل صوته أشهد ألا إله إلا الله إلى آخره، هذا اسمع ترجيع.
وحديث أبي محذورة استقل وانفرد بهذه الفائدة.
والفائدة الأخرى: أنه روى عن النبي ﷺ أنه لما فرغ من تعليمه الأذان بتمامه قال له: «فإذا أذنت الأذان الأول في الفجر فقل بعد حي الصلاة حي على الفلاح:
стр. 843
الصلاة خير من النوم .. الصلاة خير من النوم» ثم يتابع بقية الأذان، فالشاهد: «إذا أذنت الأذان الأول في صلاة الفجر» هذه الفائدة الثانية تفرد بها حديث أبي محذورة.
له شاهد في سنن البيهقي الكبرى من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: كان في الأذان الأول لصلاة الفجر في عهد النبي ﷺ : الصلاة خير من النوم .. الصلاة خير من النوم، مع الزمن أميتت هذه السنة وغيرت وبدلت، في كثير من البلاد لا يؤذن للأذان الأول إطلاقًا، أذان الفجر كبقية الصلوات الخمس أذان واحد في كثير من البلاد، في بعض البلاد يؤذن أذان أول للفجر لكن بين الأذانين وقت طويل نحو ساعة من الزمن وهذا خلاف السنة، فقد جاء في صحيح البخاري لما ذكر حديث بلال الذي ذكرته آنفًا: «لا يغرنكم أذان بلال» بعد ذلك يقول: «فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» قال: وكان بين أذانيهما ما ينزل هذا ويصعد هذا، يعني: ينزل الذي أذن الأذان الأول وهو بلال ثم يصعد ابن عمر يؤذن الأذان الثاني.
وفي تشريع الأذانين وبمؤذنين فائدة هامة جدًا، الصلاة خير من النوم واضح بالبداهة أنه خطاب للنائمين، وذلك لا يكون إلا في الأذان الأول؛ لأنكم علمتم الأذان الأول هو أذان بلال، لماذا يؤذن؟ ليقوم النائم ويتسحر المتسحر، الآن نقلت هذه الجملة الطيبة إلى الأذان الثاني حيث الناس كلهم أيقاظ وليس فيهم نائم إلا ما شاء الله من الكسالى أو المهملين أو المرضى، هذه هي الفائدة الأولى.
والفائدة الأخرى من كون مؤذن الأذان الأول غير مؤذن الأذان الثاني: أن صوت كل منهما يختلف عن الآخر، فيكفي أن يكون إيقاظًا وتنبيهًا ولو لم يسمع النائم جملة: الصلاة خير من النوم في الأذان الأول فسيعلم إن كان هذا هو الأذان الأول أو كان هو الأذان الثاني من تغير صوت المؤذن، لذلك فمن السنة أن يكون المؤذن الأول غير المؤذن الثاني كما كان الأمر في عهد النبي ﷺ .
هذا هو قصة هذه الزيادة كيف غيرت وبدلت، فالسنة أن يقال في الأذان الأول: الصلاة خير من النوم إيقاظًا للنائمين، ومن البدعة أن نجعل هذه الجملة في
стр. 844
الأذان الثاني والناس إنما هم مستيقظون.
«فتاوى رابغ «٣» /٠٠: ٣٧: ٥٤»
ما جاء في الأحاديث من أن التثويب يكون في الأذان الأول للفجر، هل ممكن حمله على الأذان الثاني وسماه الأول لأنه أول بالنسبة للإقامة ففيه أن التثويب لا يكون في الإقامة ؟
السائل: ما جاء في الأحاديث من أن التثويب يكون في الأذان الأول للفجر، هل ممكن حمله على الأذان الثاني وسماه الأول لأنه أول بالنسبة للإقامة ففيه أن التثويب لا يكون في الإقامة؟
الشيخ: هل ينفي أن يكون قد كان في عهد النبي ﷺ في أذان الفجر أذانان أم لم يكن هناك أذانان كما تعلمه؟
مداخلة: فيه أذانان لكن يكون الأذان الأول ..
الشيخ: ... وبالتفصيل الآن.
مداخلة: فيه أذان.
الشيخ: فيه أذان، هذا الذي أريده منك، يوجد أذان أول وأذان ثاني أم لا؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب! فإذا جاء في حديث ما: كان في الأذان الأول في صلاة الفجر، هل يتبادر أن المقصود بالأذان الأول هو الثاني، أم المقصود هو الأول؟
مداخلة: المقصود الأول، لكن الأول الإقامة أو ..
الشيخ: اسمع، إذا كان صلاة الفجر يتميز عن بقية الصلوات بشرعية أذانين معاً، فحينئذٍ الأخذ بالإقامة إذا أردنا أن نسميها أذاناً سيكون الأذان الثالث، أليس كذلك؟
стр. 845
مداخلة: نعم.
الشيخ: والأذان الأول هو قبل الفجر وهو الذي قال عنه الرسول ﵇: «لا يغرنكم أذان بلال فإنه يؤذن ليقوم النائم ويتسحر المتسحر فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، وكان بلال يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت» هذا معروف وفي الصحيح، إذاً: في صلاة الفجر فقط أذانان خلافاً لبقية الصلوات الخمسة، وإذا كان الأمر كذلك فالإقامة بتعبير الأذان يكون هو الأذان الثالث، فالأذان الأول هو أذان بلال، والأذان الثاني هو أذان ابن أم مكتوم والأذان الثالث هو الإقامة سواء أقام بلال أو غيره.
وحين يأتينا حديث كالذي ذكرته لكم في بعض [الأحاديث] يصرح بأن الفجر كان في الأذان الأول: الصلاة خير من النوم لا يصح تفسير الأذان الأول هنا بأنه الأذان الثاني، أي: الثاني بالنسبة للإقامة؛ لأنه إذا غضضنا النظر عن تميز أذان الفجر، الآن نستعمل تعبير جديد للتوضيح: تميز الفجر بثلاث أذانات الأذان الأول والثاني والإقامة وهو الأذان الثالث، هو في الحقيقة الفجر يتميز بأذان واحد هو الأذان الأول، لكن لما قلت لي أن بعض العلماء الأفاضل تأولوا الأذان الأول في حديث أبي محذورة بأنه هو الأذان وقت الفجر بينما هذا يعطل الحديث؛ لأن الحديث يقول أن الأذان للفجر أذانان أو وثاني، أما الإقامة فهو الأذان الثالث فيكون حينذاك خروج عن نص الحديث.
هذا ما أردت قبل أن نحصل الحديث وإذا حصلناه بلفظه فسيتبين تماماً أنه لا يمكن تأويل الحديث بالذي حكيته، عن أبي محذورة قال: لما خرج رسول الله ﷺ من حنين خرجت عاشر عشرة من أهل مكة نطلبهم فسمعناهم يؤذنون بالصلاة فقمنا نؤذن نستهزئ بهم، فقال رسول الله ﷺ : «قد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت فأرسل إلينا، فأذن رجل رجل وكنت آخرهم، فقال حين أذنت: تعال! فأجلسني بين يديه فمسح ناصيتي وبرك علي ثلاث مرات ثم قال: اذهب فأذن عند البيت الحرام، قلت: كيف يا رسول الله؟ فعلمني كما تؤذنون الآن بها:
стр. 846
الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر».
الآن: لا بد لي من التذكير بفائدة: كثير من المؤذنين، يقولون: الله أكبرَ الله أكبر، هذا خطأ .. خطأ لغةً وخطأ رواية؛ لأن الحديث كما نراه هنا وكما هو في صحيح: الله أكبرُ الله أكبر، ومن كان عنده شيء من العلم باللغة العربية وآدابها وبخاصة علم النحو فالله بتعبيرهم لفظة الجلالة مبتدأ مرفوع على الابتداء، أكبرُ خبر مرفوع على الخبرية، فما يجوز أن نقول: الله أكبرَ؛ لأنه خطأ لغة، فإذا وقفنا نقول: الله أكبر، أما إذا وصلنا فهي مضمومة فنقول: الله أكبرُ الله أكبر.
مداخلة: طيب! السنة كلها الوصل.
الشيخ: نعم، لقد جاء في صحيح مسلم من حديث عمر الخطاب أنه كان إذا صعد المنبر يوم الجمعة أذن المؤذن بين يديه، فإذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، قال عمر وهو على المنبر: الله أكبر الله أكبر، فالسنة الوصل كما ترون هنا، فمهم جداً أن الإنسان يأخذ الأذكار من كتب السنة؛ لأنها تبقى مضبوطة فهنا جائي: الله أكبرُ الله أكبر، الله أكبرُ الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، هنا الترجيع ... يسمى رجع يقول: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم في الأولى، هنا في الشرح في الأولى من الصبح، أي: في المناداة الأولى، وفي نسخة في الأول، أي: تؤذنون .. [هنا سقط].
مداخلة: الشرح الثاني هذا يا شيخ، ما هو في الشرح الثاني.
الشيخ: كيف انتقل من هنا؟ طيب! في الأولى من الصبح، أي: في المناداة الأولى وفي النسخة في الأول، أي: في النداء الأول، والمراد الأذان دون الإقامة، ماذا في الحديث؟ الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم، في الأولى من الصبح، قال:
стр. 847
وعلمني الإقامة مرتين: الله أكبر الله أكبر إلى آخره، أظن في روايات أخرى كانت في حفظي وربما نجدها الآن.
مداخلة: ... يقول في الأذان الأول.
الشيخ: هو الأذان ... الحديث، هنا السيد سابق يقول: ويشرع للمؤذن التثويب وهو أن يقول في أذان الصبح بعد الحيعلتين: الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم: «قال أبو محذورة: يا رسول الله! علمني سنة الأذان فعلمه وقال: فإن كان صلاة الصبح، قلت: الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم» رواه أحمد وأبو داود، قلت: إنما يشرع التثويب في الأذان الأول للصبح الذي يكون قبل دخول الوقت بنحو ربع ساعة تقريباً لحديث ابن عمر ﵁، قال: «كان في الأذان الأول بعد الفلاح الصلاة خير من النوم مرتين» رواه البيهقي، من أجل ذلك أنا طلبت منك سنن البيهقي «١/ ٤٢٣» وكذا الطحاوي في شرح معاني الآثار «١/ ٨٢» وإسناده حسن كما قال الحافظ، وحديث أبي محذورة مطلق وهو يشمل الأذانين، لكن الأذان الثاني غير مراد؛ لأنه جاء مقيداً في رواية أخرى بلفظ: «وإذا أذنت بالأول من الصبح فقل: الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم» أخرجه أبو داود والنسائي والطحاوي وغيرهم.
ومخرج في صحيح أبي داود فاتفق حديثه مع حديث ابن عمر ولهذا قال الصنعاني في سبل السلام عقب لفظ النسائي وفي هذا تقييد لما أطلقته الروايات، قال ابن رسلان: وصحح هذه الرواية ابن خزيمة، قال: فشرعية التثويب إنما هي في الأذان الأول للفجر؛ لأنه لإيقاظ النائم، وأما الأذان الثاني فإنه إعلام دخول الوقت ودعاء إلى الصلاة، انتهى من تخريج الزركشي لأحاديث الرافعي، ومثل ذلك في سنن البيهقي الكبرى عن أبي محذورة أنه كان يثوب في الأذان الأول من الصبح بأمره ﷺ .
قلت: وعلى هذا ليس الصلاة خير من النوم من ألفاظ الأذان المشروع في الدعاء إلى الصلاة والإخبار بدخول وقتها، بل هو من الألفاظ التي شرعت لإيقاظ
стр. 848
النائم فهو كألفاظ التسبيح الأخر الذي اعتاده الناس في هذه الأعصار المتأخرة عوضاً عن الأذان الأول، هذا كله كلام الصنعاني.
وأنت ترى أنه روايتان: رواية أبي محذورة وراوية ابن عمر ما يتبادر إلى الذهن كان في الأذان بعد الفلاح الصلاة خير من النوم إلا لو كان الأذان في الفجر كالأذان في بقية الصلوات حينذاك لا بد من هذا التأويل، لكن لما كانت صلاة الفجر تتميز عن بقية الصلوات بشرعية أذانين هذا قول الصحابي العليم بهذين الأذانين: كان في الأذان الأول، لا يخطر في بال إنسان المقصود به الأذان الثاني، هذا الحقيقة التأويل بعيد ما يصح أن يصار إليه، بعدما نقلت كلام الصنعاني وهو جيد ومتين قلت: وإنما أطلت الكلام في هذه المسألة لجريان العمل من أكثر المؤذنين في البلاد الإسلامية على خلاف السنة فيها أولاً ولقلة من صرح بها من المؤلفين ثانياً، فإن جمهورهم ومن ورائهم السيد سابق يقتصرون على إجمال القول فيها ولا يبينون أنه في الأذان الأول، أنت سمعت ماذا قال السيد سابق، ويشرع للمؤذن التثويب وهو أن يقول في أذان الصبح .. أي أذان؟ ضرب صفحاً عن البيان؛ لأن الحقيقة هذه المسائل المشتهرة على خلاف السنة.
لذلك قلت: في تمام كلامه: لقلة من صرح بها من المؤلفين ثانياً، فإن جمهورهم ومن ورائهم السيد سابق يقتصرون على إجمال القول فيها ولا يبينون أنه في الأذان الأول من الفجر، كما جاء ذلك صراحة في الأحاديث الصحيحة خلافاً للبيان المتقدم من ابن رسلان والصنعاني جزاهم الله خيراً.
يتبين أن جعل التثويب في الأذان الثاني بدعة مخالفة للسنة، وتزداد مخالفته حين يعرضون عن الأذان الأول بالكلية ويصرون على التثويب في الثاني فما أهواهم بقوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١] لو كانوا يعلمون.
فائدة: قال الطحاوي بعد أن ذكر حديث أبي محذورة وابن عمر المتقدمين الصريحين بالتثويب في الأذان الأول وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم
стр. 849
الله تعالى.
أريد أن أقول كلمة أخيرة، وهذا من باب التفقه: المفروض أن المسلمين حقاً حينما يؤذن المؤذن لصلاة الفجر أذان الثاني أن يكونوا أيقاظاً غير نيام، فما معنى قول المؤذن في هذا الأذان الثاني: الصلاة خير من النوم؟ هذا معناه: تطبيع العالم الإسلامي كله بأن يظلوا نائمين حتى يسمعوا الأذان الثاني؛ لذلك قال لهم: الصلاة خير من النوم، وليس معقول، هذا معقوليته أن يكون في الأذان الأول؛ ولذلك قال: «لا يغرنكم أذان بلال».
وشيء آخر وأخير وهو جميل جداً: قد يستيقظ الإنسان على أذان الفجر لخاصة رمضان فيتساءل: يا ترى هذا الأذان الأول أو الأذان الثاني؟ لو أنصت قليلاً وكان الأذان الأول على السنة فسمع الصلاة خير من النوم عرف أن هذا هو الأذان الأول حينئذٍ عنده مجال أن يتسحر إذا كان ينوي الصيام أو ليكمل صلاة الليل ولو ركعة من آخر الليل كما جاء في الحديث الصحيح، أما على الوضع القائم اليوم فلا يستطيع أن يتدارك هذه الفائدة بسبب أن السنة نقلت من الأذان الأول إلى الأذان الثاني، فلا بد ما يكون هناك فارق في تركيب الأذان الأول على الأذان الثاني حتى تتحقق الفائدة من هذه الزيادة، لماذا زادها ﵊ في الأذان الأول؟ [لينبه] النائم ويتسحر المتسحر، فإذا قيل للقاضي: الصلاة خير من النوم هذا كلام كأنه له لا يليق بالسنة فنقل هذه الكلمة الطيبة إلى الأذان الأول والرجوع بها إلى السنة هو الواجب في الحقيقة «ومن أحيا سنة من بعدي فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» لكن أقول: الحديث بهذا اللفظ ضعيف، والصحيح: «من سن في الإسلام سنة حسنة» إلى آخره.
ولكن كما قلت لكم النهار البارح: إن إحياء هذه السنة تحتاج أن يقدم لها توعية بين الناس حتى لا تعمل قلقلة وبلبلة بين الناس، ولذلك أنا أقول: فليبلغ الشاهد الغائب، وقد عرفتم المسألة بوضوح تام إن شاء الله لكن لا بد من التمهيد لإحياء هذه السنة من باب الحديث الذي ذكر في أكثر من مرة، وهو قوله ﷺ للسيدة
стр. 850
عائشة في غزوة الفتح: «يا عائشة! لولا أن قومك حديثو عهد بالشرك لهدمت الكعبة ولبنيتها على أساس إبراهيم ﵊ ولجعلت لها بابين مع الأرض» انظروا هذه الهندسة البنائية هذه جميلة جداً «ولجعلت لها بابين مع الأرض باباً يدخلون منه وباباً يخرجون منه» ولكن السياسة تدخلت فإن عبد الله بن الزبير ﵁ كان قد سمع هذا الحديث من السيدة عائشة فأعاد بنيان الكعبة في زمانه إلى أساس إبراهيم ﵇، ثم مع الأسف الشديد عبد الملك بن مروان أعاد الكعبة كما كانت قبل بناء عبد الله بن الزبير؛ لأنه كان جاهلاً بهذه السنة، وقد [نبهه] أحد الرواة وقال له: يا أمير المؤمنين! إن عبد الله بن الزبير ما فعل ذلك إلا بناءً على ما سمع من خالته عائشة ﵂، فقال نادماً: لو علمت ذلك لتركت ما فعل على ما فعل، لكن ولات حين مندم.
«رحلة النور: ١٩ أ/٠٠: ١٨: ٠٢»
الدليل على أن عبارة «الصلاة خير من النوم» تقال في الأذان الأول للفجر
السائل: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. ورد عن بلال ﵁ عندما قال: «الصلاة خير من النوم» قال له النبي ﷺ : «اجعلها في أذانك»، فقد علقت في بعض المؤلفات قُلت: «أي في الأذان الأول من الصبح» نريد الأدلة التي صرحت؟
الشيخ: نعم، زيادة «الصلاة خير من النوم» إنما ثبتت في الأذان الأول، وفي ذلك أحاديث منها حديث عبد الله ابن عمر ﵄ قال: «كان في الأذان الأول في عهد النبي ﷺ الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم» وإسناد هذه الرواية في سنن النسائي إسناد حسنٌ تقوم به الحُجة، ثم يصبح صحيحًا لغيره لأن له شاهدًا من حديث أبي محذورة مؤذن رسول الله ﷺ في مكة، حيث أن النبي ﷺ سلم لما علمه الأذان قال له: «فإذا أذنت لصلاة الفجر الأذان الأول فقل الصلاة
стр. 851
خير من النوم الصلاة خير من النوم» ولا يوجد لهذين الحديثين ما يعارضهما مطلقًا.
وإذ الأمر كذلك فالنظر الصحيح السليم يؤيد ما جاء في هذين الحديثين الثابتين، وحديث أبي محذورة أخرجه جمع من أئمة السنة وعلى رأسهم الإمام ابن خزيمة في صحيحه. أقول: إن النظر الصحيح السليم يؤيد أن هذه الجملة الزائدة على الأذان ألا وهي: «الصلاة خير من النوم» إنما تليق بالأذان الأول وليس بالأذان الآخر للفجر، ذلك لأن المفروض من هذه الجملة إيقاظ النائم وليس تنبيه المستيقظ ففي الأذان الأول يكون عادةً الناس أو أغلبهم نائمين من أجل ذلك جاء في صحيح البخاري وغيره قوله ﷺ : «لا يغرنكم أذان بلال فإنما يؤذن بليل ليتسحر المتسحر وليصلي القائم» -أو كما قال ﵊ «لا يغرنكم أذان بلال
فإنما يؤذن بليل» أي: قبل أذان الفجر، فبلال الذي كان يؤذن في غالب حياته في الفجر الأذان الأول ففي هذا الأذان يقتضي النظر أن يقول المؤذن فيه «الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم» وجاء في بعض روايات هذا الحديث الصحيحة قوله ﵇ لمن سمع أذان بلال: «فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» يقول الرواي: وكان ابن ام مكتوم لا يؤذن حتى يقال له: «أصبحت أصبحت» أي دخلت في الفجر فأذِّن لأنه كان رجل أعمى، ففي هذا الأذان لا معنى أن يقال «الصلاة خير من النوم» لأن الناس صاروا أيقاظًا ولم يبقوا نياماً.
يشبه هذا تمامًا زيادة أخرى جاء ذكرها في بعض الأحاديث الصحيحة ألا وهي جملة «الصلاة في الرحال، الصلاة في الرحال» تشرع هذه الزيادة أن يقولها المؤذن في أذانه يوم تهطل الأمطار، فرخص الشارع الحكيم أن يظل المدعوون بقول المؤذن «حي على الصلاة حي على الفلاح» إلى الصلاة في المساجد رخص لهم الشارع الحكيم أن يظلوا في بيوتهم وفي رحالهم يصلون هناك لعذر المطر، كما رخص لهم بالجمع إذا كانوا في المسجد وهطلت الأمطار. فهل من معنى أن يقول المؤذن في مثل هذه الأيام بديل «حي على الصلاة حي على الفلاح» أو تابعًا لهاتين الجملتين، هل من المعقول أن يزيد في الأذان فيقول «الصلاة في الرحال الصلاة في الرحال» لا
стр. 852
معنى لهذا لأن هذه الجملة إنما شرعت في الترخيص للكائنين في دورهم وفي بيوتهم أن يصلوا فيها لأن الأمطار قد هطلت بغزارة.
كذلك تمامًا لا يشرع للمؤذن أن يقول في الأذان الثاني من أذان الفجر «الصلاة خير من النوم» من النائم؟ المفروض أن المجتمع الإسلامي حينما يكون سائرًا على النهج الإسلامي الصحيح فلا يوجد حين ذاك نائم إلا إن كان مريضًا أو ما شابه ذلك من الأعذار التي تسوغ للمسلم أن لا يستجيب لقول المؤذن: «حي على الصلاة حي على الصلاة» في الأذان الأول، فإذا ما دخل الأذان الثاني كان المنادون بالأذان الأول قد استيقظوا وانصرفوا إلى المسجد، وبخاصة أن السنة في صلاة الفجر التبكير بل التغليس بها، فقد ثبت أن النبي ﷺ كان يُغلّسُ في صلاة الفجر كما ثبت أن النساء كن ينصرف من الصلاة وراء النبي ﷺ في الغلس لا يعرف بعضهن بعضا، فإذا كان المفروض أن تقام صلاة الفجر في أول الوقت في الغلس فمعنى ذلك أن الأذان الأول شُرع لإيقاظ النائمين من نومهم ليستعدوا حينما يسمعون المؤذن يقول «حي على الصلاة حي على الصلاة» في الأذان الثاني يكونون متهيئين متجهزين تمامًا للذهاب إلى المسجد ليصلوا وراء الإمام في الغلس.
فإذن هذه الجملة «الصلاة خير من النوم» يقتضي النظر الصحيح ما يوافق الرواية الصحيحة أنها في الأذان الأول دون الأذان الآخر، هذا أمر لا يسع كل باحث أن يخالفه لأنه ليس هناك روايات متعددة كأن يقال مثلاً يجوز الوجهان ولكن هنا شيء لابد من التنبيه عليه ألا وهو: من الغالب الآن على كل البلاد الإسلامية الأذان الثاني هو الذي يقولون فيه «الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم» خلافا ما ثبت في السنة كما شرحنا، فلا ينبغي لمن عرف هذه الحقيقة أن يجابه المجتمع الذي يعيش فيه بالقوة وبالإثارة وإنما كما قال ربنا ﵎: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. فهناك شرع وهناك أسلوب هو من الشرع فإذا أردت أن تبين شيئًا كان خافي على الناس فلا يجب بل لا يجوز أن تجابههم بل عليك أن تترفق بهم لقوله ﷺ «ما كان
стр. 853
الرفق في شيء إلا زانه وما كان العنف في شيء إلا شانه» هذا جواب ما سألت.
«فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- ١٦»
التثويب في غير أذان الفجر بدعة
«دخل ابن عمر مسجدا يصلى فيه فسمع رجلا يثوب في أذان الظهر فخرج، وقال: «أخرجتني البدعة». حسن.
فائدة: التثويب هنا هو مناداة المؤذن بعد الأذان الصلاة رحمكم الله، يدعو إليها عودا بعد بدء. وهو بدعة كما قال ابن عمر رضى الله عنه وإن كانت فاشية في بعض البلاد.
[إرواء الغليل تحت حديث رقم «٢٣٦»]
بدعية قول المؤذن: «الصلاة الصلاة يرحمكم الله» بعد أذان الفجر
وعن بلال، قال: قال لي رسول الله ﷺ : «لا تثوبن في شيء من الصلوات إلا في صلاة الفجر». رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: أبو إسرائيل الراوي ليس هو بذاك القوي عند أهل الحديث».
قال الألباني في شرح: «لا تثوبن»: من التثويب، وهو: أن يقول المؤذن في أذان الفجر: «الصلاة خير من النوم» كما فسره ابن المبارك، والإمام أحمد، وأما القول بعد الأذان: الصلاة الصلاة يرحمكم الله، فبدعة منكرة، كرهها أهل العلم مثل ابن عمر، وإسحاق بن راهويه، كما حكاه الترمذي عقب الحديث.
لكن الحديث معناه صحيح؛ لأن التثويب بالمعنى الذي سبق بيانه لم يأت إلا في الفجر في أذانه الأول كما تقدم، فلا يشرع في غيره.
«مشكاة المصابيح ١/ ٢٠٤»
стр. 854
أحكام الإقامة
стр. 855
الإقامة فرض كفاية
الإقامة: وهي فرض كفاية كالأذان إذا كانوا جماعة في الحضر والسفر لقوله ﵇:
«إذا أنتما خرجتما فأذنا ثم أقيما ثم ليؤمكما أكبركما».
وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم، وقد تقدم مطولا في المسألة الثالثة من الأذان.
وفيه دليل على فرضية الإقامة كالأذان فرضا كفائيا إذا قام به أحدهما سقط عن الآخر وليس المراد من الحديث ظاهره وهو أن يؤذن كل منهما ويقيم كما بينه الحافظ في «الفتح» بل المراد: من أحب منكما أن يؤذن فليؤذن ومن أحب أن يقيم فليقم وذلك لاستوائهما في الفضل ولا يعتبر في الأذان السن بخلاف الإمامة ويدل على هذا المعنى قوله في رواية للحديث: «فليؤذن لكم أحدكم» كما سبق في الأذان.
[الثمر المستطاب «١/ ٢٠٠»].
اختلاف العلماء في حكم الإقامة
وقد اختلف العلماء في حكم الإقامة:
قال ابن رشد في «البداية»: «فهي عند فقهاء الأمصار في حق الأعيان والجماعات سنة مؤكدة أكثر من الأذان، وهي عند أهل الظاهر فرض، ولا أدري هل هي فرض عندهم على الإطلاق أو فرض من فروض الصلاة، والفرق بينهما على أن على القول الأول لا تبطل الصلاة بتركها وعلى الثاني تبطل. وقال ابن كنانة من أصحاب مالك: من تركها عامدا بطلت صلاته».
قال: «وظاهر حديث مالك بن الحويرث يوجب كونها فرضا إما في الجماعة وإما على المنفرد».
стр. 856
قلت: وهذا هو الحق أنها فرض في الجماعة لا على المنفرد لأن الحديث لم يرد عليه.
ثم إن أهل الظاهر مختلفون في كونها فرضا مطلقا أو فرضا من فروض الصلاة كما ذكره النووي عن المحاملي ثم ذكر النووي أن داود قال: «هي فرض صلاة الجماعة وليس بشرط لصحتها».
قلت: وأما ابن حزم فصرح بكونها شرطا لصحة الصلاة كالأذان وسلفه في ذلك: عطاء والأوزاعي فإنهما قالا: إن نسي الإقامة أعاد الصلاة. وهذا غير ظاهر والصحيح - كما قال شيخ الإسلام في «الاختيارات» - أنها فرض كفاية وهو ظاهر مذهب أحمد وغيره.
وقال ابن المنذر: هي فرض في حق الجماعة في الحضر والسفر.
قال ابن حزم: «ومن قال بوجوب الأذان والإقامة فرضا أبو سليمان وأصحابه وما نعلم لمن لم ير ذلك فرضا حجة أصلا».
وهو كما قال ﵀ ثم قال: «ولا يلزم المنفرد أذان ولا إقامة فإن أذن وأقام فحسن لأن النص لم يرد بإيجاب الأذان إلا على الاثنين فصاعدا».
[الثمر المستطاب «١/ ٢٠٢»]
الإقامة مستحبة للمنفرد
وأما المنفرد فهي مستحبة في حقه لقوله ﷺ : «إذا كان الرجل بأرض قي فحانت الصلاة فليتوضأ، فإن لم يجد ماء فليتيمم، فإن أقام صلى معه ملكاه ... » الحديث.
[الثمر المستطاب «١/ ٢٠٣»].
стр. 857
ما جاء في صفة الإقامة
وقد جاء في صفتها نوعان:
الأول: سبع عشرة كلمة: الله أكبر ١ الله أكبر ٢ الله أكبر ٣ الله أكبر ٤، أشهد أن لا إله إلا اله ٥، أشهد أن لا إله لا الله ٦، أشهد أن محمدا رسول الله ٧، أشهد أن محمدا رسول الله ٨، حي على الصلاة ٩، حي على الصلاة ١٠، حي على الفلاح ١١، حي على الفلاح ١٢، قد قامت الصلاة ١٣، قد قامت الصلاة ١٤، الله أكبر ١٥ الله أكبر ١٦، لا إله إلا الله ١٧».
وفيه أحاديث:
الأول: عن أبي محذورة: أن النبي ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة وفيه رواية ابن خزيمة في «صحيحه»: فعلمه الأذان والإقامة مثنى مثنى.
وهو حديث صحيح وقد سبق تخريجه في المسألة الرابعة من الأذان زاد الدارقطني في آخره:
«لا يعود من ذلك الموضع».
قلت: يعني لا يرجع في الإقامة.
الحديث الثاني: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ثنا أصحاب محمد ﷺ أن عبد الله بن زيد الأنصاري جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله رأيت في المنام كأن رجلا قام وعليه بردان أخضران فقام على حائط فأذن مثنى مثنى وأقام مثنى مثنى.
وإسناده في غاية الصحة كما سبق في المسالة «١٣» وهو من طريق الأعمش عن عمرو بن مرة عنه.
ورواه أبو داود من طريق شعبة عن عمرو به نحوه. وقد سبق هناك.
стр. 858
وأخرجه الترمذي والدارقطني عن ابن أبي ليلى عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد قال: «كان أذان رسول الله ﷺ شفعا شفعا في الأذان والإقامة». وأعله الترمذي بقوله:
«وعبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من عبد الله بن زيد».
قلت: لكن الرواية الأولى تبين أنه سمعها من بعض الصحابة فلا يضر إرساله للحديث أحيانا وقد سبق زيادة تحقيق في الحديث في المسألة المشار إليها آنفا.
ثم قال الترمذي:
«وقال بعض أهل العلم: الأذان مثنى مثنى والإقامة مثنى مثنى وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وأهل الكوفة».
قلت: وقد أغرب ابن حزم فذهب إلى تثنية الإقامة منسوخ بحديث أنس الآتي: أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة». ولا داعي لدعوى النسخ ما دام ممكنا الجمعة بين التثنية والإفراد بأن يحمل هذا على بعض الأحيان وهذا في بعضها.
كما أغرب أيضا الحنفية والشافعية فقد احتج الأولون على تثنية الإقامة بحديث أبي محذورة مع أن فيه الترجيح في الأذان ولم يقولوا به وعكس ذلك الشافعية فأخذوا بما جاء فيه من الترجيع وتركوا ما فيه من تثنية الإقامة ولذلك قال النووي:
«وقد اتفقنا نحن وأصحاب أبي حنيفة على أن حديث أبي محذورة هذا لا يعمل بظاهره لأن فيه الترجيع وتثنية الإقامة وهم لا يقولون بالترجيع ونحن لا نقول بتثنية الإقامة فلا بد لنا ولهم من تأويله فكان الأخذ بالإفراد أولى لأنه الموافق لباقي الروايات والأحاديث الصحيحة كحديث أنس وغيره».
قلت: ولم يذكر النووي وجه تأويل الحديث عندهم وهو غير قابل للتأويل لأن فيه التنصيص على أن كلمات الإقامة سبع عشرة كلمة بينما هي عندهم إحدى عشرة كلمة كما يأتي.
стр. 859
نعم ذكرى النووي وغيره عن البيهقي أنه أعل الحديث بأن مسلما رواه في «صحيحه» كما سبق بدون ذكر الإقامة وبوجوه أخرى ذكرها في «نصب الراية» لا تخدج في صحة الحديث مطلقا.
وقد رد عليه ابن دقيق العيد بما فيه الكفاية وذهب إلى أن الحديث صحيح فراجع الزيلعي.
والحق أن كلا من الطائفتين الحنفية والشافعية قد تعصب لمذهبه ورد من الحق ما أخذ به مخالفة والعدل الأخذ بما أخذا به من الحق جميعا مما ثبت في الحديث.
فهذا الحق ليس به خفاء ... فدعني عن بنيات الطريق.
ثم روى البيهقي عن ابن خزيمة قال:
«الترجيع في الأذان مع تثنية الإقامة من جنس الاختلاف المباح فيباح أن يرجع في الأذان وثني الإقامة ويباح أن يثني الأذان ويفرد الإقامة لأن الأمرين صحا عن رسول الله ﷺ فأما تثنية الأذان بلا ترجيع وتثنية الإقامة فلم يثبت عن النبي ﷺ ».
قلت: وفيما قاله ابن خزيمة نظر لأن الحديث الثاني - وهو حديث عبد الله ابن زيد الأنصاري في الرؤيا - فيه تثنية الإقامة وليس فيه الترجيع اتفاقا ولذلك ذهب ابن حزم إلى منسوخية التثنية لأنها متقدمة عن الإفراد كما سبق فكيف يقال: إن تثنية الأذان بلا ترجيع مع تثنية الإقامة لم تثبت عنه ﷺ ؟ مع أن ابن خزيمة ممن روى ذلك كما سبق في الأذان.
نعم يشكل على هذا أن حديث الرؤيا رواه ابن إسحاق من حديث عبد الله بن زيد مباشرة وليس فيه تثنية الإقامة كلها بل كلماتها إحدى عشرة كلمة كما سبق في المسألة الثانية من الأذان ويأتي بعد هذا فلا بد حينئذ من المصير إلى ترجيع إحدى الروايتين على الأولى من حيث الإسناد لأن الحديث واحد. والراجح عندي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلة لمجيئها من طرق صحيحة عنه.
стр. 860
وأما رواية ابن إسحاق فإنها رواية فردة لم يتابع عليها في هذا الخصوص.
وإن كان اصل الحديث صحيحا ثابتا وتوبع عليه كما تقدم هناك فإنما الكلام فيما خالف فيه من هو أحفظ منه وقد قال الحافظ الذهبي في خاتمة ترجمة ابن إسحاق من «الميزان»:
«فالذي يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث صالح الحال صدوق وما انفرد به ففيه نكارة فإن في حفظه شيئا وقد احتج به أئمة فالله أعلم وقد استشهد به مسلم بخمسة أحاديث لابن إسحاق ذكرها في صحيحه».
هذا ما ظهر في هذا المقام ولم أر أحدا سبقني إليه والله أعلم.
«النوع الثاني: إحدى عشرة كلمة: الله أكبر ١ الله أكبر ٢، أشهد أن لا إله إلا الله ٣، أشهد أن محمدا رسول الله ٤، حي على الصلاة ٥، حي على الفلاح ٦، قد قامت الصلاة ٧ قد قامت الصلاة ٨، الله أكبر ٩ الله أكبر ١٠، لا إله إلا الله ١١».
وفيه أحاديث:
الأول: عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه في حديث الرؤيا قال: ثم استأخر - يعني الملك - غير بعيد ثم قال: تقول إذا أقيمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر ... إلخ.
رواه ابن إسحاق قال: ثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن محمد ابن عبد الله بن زيد عن أبيه به. وفيه ما سبق ذكره قريبا ولكن يشهد له.
الحديث الثاني: عن ابن عمر قال: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مثنى مثنى والإقامة مرة مرة: إلا أنك تقول: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة.
وهو حديث حسن رواه أصحاب السنن وغيرهم كما تقدم في النوع الثاني من الأذان وهذا لفظ النسائي.
الحديث الثالث: عن أنس بن مالك ﵁ وله عنه طرق:
стр. 861
١ - عن أبي قلابة عنه قال (١): أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة.
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي والدارمي وابن ماجه والطحاوي والدارقطني والحاكم والطيالسي وأحمد والخطيب بعضهم عن خالد الحذاء وبعضهم عن أيوب كلاهما عن أبي قلابة به.
ولفظ النسائي والحاكم من طريق أيوب: أن رسول الله ﷺ أمر بلالا. وهو رواية للدارقطني عن النسائي. وقال الحاكم:
«صحيح على شرطهما ولم يخرجاه بهذه السياقة».
وزاد أيوب أيضا في آخره: إلا الإقامة.
وهي في «الصحيحين» وغيرهما.
وزعم بعضهم أن هذه الزيادة مدرجة من بعض الرواة ليس من أصل الحديث.
ورد ذلك بأن عبد الرزاق رواه معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال: كان بلال يثني الأذان ويوتر الإقامة إلا قوله: قد قامت الصلاة.
رواه الدارقطني وابن حزم من طرق عن عبد الرزاق. قال الحافظ:
«وأخرجه أبو عوانة في «صحيحه» والسراج في «مسنده» وكذا هو في «مصنف عبد الرزاق» والإسماعيلي من هذا الوجه ويقول: قد قامت الصلاة مرتين. والأصل أن ما كان في الخبر فهو منه حتى يقوم دليل على خلافه ولا دليل».
الطريق الثاني: عن قتادة عن أنس باللفظ الأول.
أخرجه الطبراني في «الصغير» قال: ثنا موسى بن محمد بن محمد بن كثير
стр. 862
السريني: ثنا عبد الملك بن إبراهيم الجدي: ثنا شعبة عنه.
وشيخ الطبراني لم أعرفه وبقية رجاله رجال الستة غير عبد الملك هذا فمن رجال البخاري وغيره وقد تفرد به كما قال الطبراني.
وقد اختار هذه الإقامة ابن حزم وبه قال عمر بن الخطاب وابنه وأنس والحسن البصري ومكحول والزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ويحيى بن يحيى وداود وابن المنذر وغيرهم. قال البغوي:
«وهو قول أكثر العلماء» كما في «المجموع».
واحتج لهم بهذه الأحاديث الثلاثة أما حديث عبد الله بن زيد فقد علمت ما فيه وأما حديث ابن عمر وأنس فظاهرهما يدل على أن الإقامة تسع كلمات لا إحدى عشرة كلمة.
وقد أجابوا عنهما بأنهما محمولان على التغليب. وقال النووي في «شرح مسلم»:
«فإن قيل: قد قلتم إن المختار الذي عليه الجمهور أن الإقامة أحدى عشرة كلمة منها الله أكبر الله أكبر أولا وآخرا وهذا تثنية فالجواب أن هذا وإن كان صورة تثنية فهو بالنسبة إلى الأذان إفراد ولهذا قال أصحابنا: يستحب للمؤذن أن يقول كل تكبيرتين بنفس واحد فيقول في أول الأذان: الله أكبر الله أكبر بنفس واحد ثم يقول: الله أكبر الله أكبر بنفس واحد». قال الحافظ:
«وهذا إنما يتأتى في أول الأذان لا في التكبير الذي في آخره وعلى ما قال النووي ينبغي للمؤذن أن يفرد كل تكبيرة من اللتين في آخره بنفس».
هذا وذهب مالك كما في «المدونة» إلى أن الإقامة عشرة كلمات فلم يثن لفظ: «قد قامت الصلاة» وهو قول قديم للشافعي كما قال النووي.
ولم أجد لهذا القول سندا من الروايات بل كلها على خلافه لأنها تقول بتثنية الإقامة ولعل من أخذ به عمل أهل المدينة وعلى هذا يدل كلام ابن حزم ثم رأيت
стр. 863
مالكا صرح بذلك في «الموطأ».
ولم أجد أيضا من ذهب إلى الأخذ بظاهر حديث ابن عمر وأنس المقتضي لكون الإقامة تسع كلمات بإيتارها كلها إلا لفظ الإقامة فإن وجد من أخذ به من السلف قلنا به وإلا اضطررنا إلى القول بتأويلهما - كما سبق - على ما فيه من التكلف. والله أعلم.
[الثمر المستطاب «١/ ٢٠٦»].
على من يسمع الإقامة مثل ما على من يسمع الأذان
وعلى من يسمع الإقامة مثل ما على من يسمع الأذان من الإجابة والصلاة على النبي ﷺ وطلب الوسيلة له كما سبق بيانه في المسألة «١٤» من الأذان وذلك لعموم قوله ﷺ : «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ... » الحديث، ولأن الإقامة آذان لغة وكذلك شرعا لقوله ﷺ : «بين كل آذانين صلاة» يعني أذانا وإقامة».
قال الحافظ في شرح الحديث: أي أذان وإقامة. قال:
«وتوارد الشراح على أن هذا من باب التغليب كقولهم: القمرين للشمس والقمر ويحتمل أن يكون أطلق على الإقامة أذان لأنها إعلام بحضور فعل الصلاة كما أن الأذان إعلام بدخول الوقت ولا مانع من حمل قوله: «أذانين» على ظاهره». وعلى هذا جرى الإمام ابن حزم فإنه فهم من قوله ﵇: «فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ... » الحديث - وقد مضى - فهم منه أن الإقامة داخلة في هذا الأمر بدليل الحديث الذي نحن في صدد الكلام عليه فقال بعد أن ذكر الحديث المتقدم:
«فصح بهذا وجوب الأذان ولا بد .... ودخلت الإقامة في هذا الأمر.
كما ثنا عبد الله بن ربيع» ثم ساق إسناده إلى عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله ﷺ : «بين كل أذانين صلاة لمن شاء».
стр. 864
وقد اتفق الشافعية على استحباب متابعة المقيم فيقول مثل ما يقول إلا في الحيعلة فإنه يقول الحوقلة بدلها كما هو قولهم في الأذان. والصواب أنه يقول تارة الحيعلة وتارة الحوقلة كما سبق في الأذان مسألة «١٤». وكذلك استثنوا من المتابعة قوله: قد قامت الصلاة فيقول مكانها: أقامها الله وأدامها لحديث ورد في ذلك وهو ضعيف كما يأتي قريبًا.
ولكني لم أجد الآن من صرح باستحباب الصلاة على النبي ﷺ وطلب الوسيلة له عقب الإقامة أيضا غير ابن القيم فإنه قال في «جلاء الأفهام»:
«الموطن السادس من مواطن الصلاة على النبي ﷺ : بعد إجابة المؤذن وعند الإقامة» ثم ساق من حديث مسلم المتقدم: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ثم صلوا علي ... » الحديث. ثم قال:
«وقال الحسن بن عرفة: ثني محمد بن يزيد الواسطي عن العوام بن حوشب: ثنا منصور بن زاذان عن الحسن قال: من قال مثل ما يقول المؤذن فإذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة قال: اللهم رب هذه الدعوة الصادقة والصلاة القائمة صل على محمد عبد ورسولك وأبلغه درجة الوسيلة في الجنة دخل في شفاعة محمد ﷺ ».
وقال يوسف بن أسباط: بلغني أن الرجل إذا أقيمت الصلاة فليم يقل: اللهم رب هذه الدعوة المستمعة المستجاب لها صل على محمد وعلى آل محمد وزوجنا من الحور العين قلن الحور العين: ما أزهدك فينا».
قلت: ففي هذين الأثرين إثبات الصلاة على النبي ﷺ عقب الإقامة نصا وذلك ما أفاده حديث مسلم بعمومه.
[الثمر المستطاب «١/ ٢١٤»].
стр. 865
إجابة المقيم كإجابة المؤذن سواء إلا أنه يقول مثل قول المقيم: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة
«وإجابة المقيم كإجابة المؤذن سواء إلا أنه يقول مثل قول المقيم: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة لعموم قوله: فقولوا مثل ما يقول».
هذا هو الذي يقتضيه عموم هذا الحديث وأما حديث أبي أمامة أو بعض أصحاب النبي ﷺ أن بلالا أخذ في الإقامة فلما أن قال: قد قامت الصلاة قال النبي ﷺ : «أقامها الله وأدامها» وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر ﵁ في الأذان.
فهو حديث ضعيف اتفاقا وإن زعم صاحب كتاب «التاج الجامع للأصول»:
«إن إسناده صالح» فإنما ذلك منه تقليد لقول أبي داود المشهور: «إن كل حديث سكت عليه في سننه فهو صالح».
وقد علم كل باحث مدقق أن قول أبي داود هذا ليس على عمومه وأنه تعقب في كثير من الأحاديث التي سكت عليها بل إن النووي ليقول في بعض الأحاديث:
«إنما سكت عليه أبو داود لظهور ضعفه».
ولئن صح تعليل النووي هذا فإنه يجوز لنا أن نقول في هذا الحديث: إنما سكت عليه أبو داود لظهور ضعفه وذلك أنه أخرجه في «سننه» وكذا ابن السني في «عمل اليوم والليلة» كلاهما من طريق محمد ابن ثابت العبدي: ثني رجل من أهل الشام عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة أو عن بعض أصحاب النبي ﷺ به. وليس عند ابن السني: «وقال في سائر ... » إلخ. قال النووي في «المجموع»:
«وهو حديث ضعيف لأن الرجل مجهول ومحمد بن ثابت العبدي ضعيف باتفاق وشهر مختلف في عدالته» وقال الحافظ في «التلخيص»:
«وهو حديث ضعيف» ثم قال النووي:
стр. 866
«لكن الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال باتفاق العلماء وهذا من ذاك».
قلت: هذا الحديث الضعيف معارض لعموم الحديث الصحيح: «فقولوا مثل ما يقول». فمثله لا يجوز العمل به عند من يقول بجواز العمل بالحديث الضعيف. ومن الغريب أن يتمسك به الشافعية على ضعفه ويتركوا العمل بعموم الحديث الصحيح.
ثم عن ما ذكره من الاتفاق على العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ليس كذلك فإن من العلماء من لا يعمل بالحديث الضعيف مطلقا لا في الأحكام ولا في الفضائل وقد حكى ذلك ابن سيد الناس في «عيون الأثر» عن يحيى بن معين ونسبه في «فتح المغيب» لأبي بكر بن العربي. قال العلامة جمال الدين القاسمي في «قواعد التحديث في مصطلح الحديث»:
«والظاهر أن مذهب البخاري ومسلم ذلك أيضا يدل عليه شرط البخاري في «صحيحه» وتشنيع الإمام مسلم على رواة الضعيف المتفق على ضعفه كما أسلفنا. وهذا مذهب ابن حزم ﵀ أيضا حيث قال في «الملل والنحل». راجع كلامه فيه. وفي «المحلى» أيضا. ويضاف هنا الشروط التي ذكرها الحافظ ابن حجر في «تبين العجب فيما ورد في فضل رجب».
والذي أعتقده وأدين الله به أن الحق في هذه المسألة مع العلماء الذين ذهبوا إلى ترك العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال وذلك لأمور:
أولا: أن الحديث الضعيف لا يفيد إلا الظن اتفاقا والعمل بالظن لا يجوز لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] وقوله ﷺ : «إياكم والظن فإنه أكذب الحديث».
ثانيا: أن النبي ﷺ أمرنا باجتناب الرواية عنه إلا ما علمنا صحته عنه فقال: «اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم» ومن المعلوم أن رواية الحديث إنما هي وسيلة للعمل بما ثبت فيه فإذا كان ﵊ ينهانا عن رواية ما لم يثبت عنه
стр. 867
فمن باب أولى أن ينهى عن العمل به. وهذا بين واضح.
ثالثا: أن فيما ثبت عنه ﷺ غنية عما لم يثبت كما هو الأمر في هذه المسألة فإن هذا الحديث الصحيح بعمومه يغني عن الحديث الضعيف.
[الثمر المستطاب «١/ ٢١٦»].
الفصل بين الأذان والإقامة
«يفصل بين الأذان والإقامة».
لحديث عبد الله بن زيد في رؤيا الملك من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الصحابة عنه قال: «إني رأيت رجلا كأن عليه ثوبين أخضرين فقام على المسجد فأذن ثم قعد قعدة ثم قام فقال مثلها إلا أن يقول قد قامت الصلاة ... » الحديث.
وإسناده صحيح.
وفي رواية ابن إسحاق بسنده عنه بلفظ: ثم استأخر غير كثير ثم قال مثل ما قال وجعلها وترا إلا أنه قال: قد قامت الصلاة.
رواه أصحاب السنن وغيرهم واللفظ للدارمي.
[الثمر المستطاب «١/ ٢١٩»].
قدر الفصل بين الأذان والإقامة
[يفصل بين الأذان والإقامة] بمقدار ما يصلي المصلي ركعتين على الأقل لقوله ﷺ : «بين كل أذانين صلاة».
وهذا الحديث هو من رواية عبد الله بن مغفل وقد مضى في «المواقيت» ويقتضي تأخير الإقامة حتى يصلي من شاء ركعتين ولو قبل صلاة المغرب كما سبق، فلو باشر الإقامة قبل أن يتمكن المصلي من صلاة الركعتين لكان سببا في تفويته إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام وإلا فسيضطر أن يباشر صلاة الركعتين حين شروع المؤذن
стр. 868
بالأذان وفي ذلك تفويت سنن كثيرة كالإجابة والصلاة على النبي ﷺ وطلب الوسيلة كما سبق وهذا كله خلاف قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وقوله ﷺ : «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل» رواه مسلم.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة فاتفق الشافعية على استحباب هذه القعدة قدر ما تجتمع الجماعة إلا في صلاة المغرب فإنه لا يؤخرها لضيق وقتها ولأن الناس في العادة يجتمعون لها قبل وقتها ومن تأخر عن التقدم لا يتأخر عن أول الصلاة ولكن يستحب أن يفصل بين أذانها وإقامتها فصلا يسيرا بقعدة أو سكوت أو نحوهما. قال النووي في «المجموع»:
«هذا مذهبنا لا خلاف فيه عندنا وبه قال أحمد وأبو يوسف ومحمد وهو رواية عن أبي حنفية. وقال مالك وأبو حنيفة في المشهور عنه: لا يقعد بينهما».
وقد أشار البخاري وتبعه البيهقي إلى المعنى الذي ذكرته حيث قال: «باب كم بين الأذان والإقامة» ثم أورد حديث ابن مغفل المذكور.
وأما حديث جابر أن النبي ﷺ قال لبلال:
«اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله والشارب من شرابه والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته» فهو ضعيف.
ثم إن الحديث قال الحافظ في «الفتح»: «إسناده ضعيف وله شاهد من حديث أبي هريرة ومن حديث سلمان أخرجهما أبو الشيخ ومن حديث أبي بن كعب أخرجه عبد الله بن أحمد في «زيادات المسند» وكلها واهية».
قال الصنعاني: «إلا أنه يقويهما المعنى الذي شرع له الأذان فإنه نداء لغير الحاضرين ليحضروا للصلاة فلا بد من تقدير وقت يتسع للذاهب للصلاة وحضورها وإلا لضاعت فائدة النداء وقد ترجم البخاري «باب كم بين الأذان والإقامة» ولكن لم يثبت التقدير».
لكنه قد أشار إلى ذلك بإيراده الحديث المذكور في صدر البحث. وحديث أبي
стр. 869
بن كعب في «المسند».
واستدل بعضهم للفصل بين الاذان والإقامة بحديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضي النداء أقبل حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر حتى إذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه فيقول له: اذكر كذا واذكر كذا ... » الحديث.
متفق عليه وسيأتي إن شاء الله تعالى.
قال الحافظ العراقي في «شرح التقريب»: «وفيه دليل على أنه كان في زمنه ﵇ يفصل بين الأذان والإقامة بزمن، وذلك دليل على أنه لا يشترط في تحصيل فضيلة إيقاع الصلاة في أول وقتها انطباق أولها على أول الوقت، إذ لو كان كذلك لما واظبوا على ترك هذه الفضيلة، وهذا هو الصحيح المعروف، وقيل: لا يحصل ذلك إلا بأن ينطبق أول التكبير على أول الوقت وهو شاذ وهذا الحديث يدل على خلافه».
[الثمر المستطاب «١/ ٢١٩»].
إذا أخذ المؤذن بالإقامة فلا يشرع أحد في شيء من النوافل ولو كانت سنة الفجر بل عليه أن يدخل في الصلاة المكتوبة التي أقيمت
«وإذا أخذ المؤذن بالإقامة فلا يشرع أحد في شيء من النوافل ولو كانت سنة الفجر بل عليه أن يدخل في الصلاة المكتوبة التي أقيمت لقوله ﵇: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت».
وهذا الحديث من رواية أبي هريرة ﵁.
أخرجه بهذا اللفظ الإمام أحمد: ثنا حسن: ثنا ابن لهيعة: ثنا عياش بن عباس القتباني عن أبي تميم الزهري عنه.
стр. 870
وهذا سند صحيح رجاله رجال مسلم غير ابن لهيعة وهو ثقة وإنما يخشى من سوء حفظه وهذا قد توبع عليه فدل على أنه قد حفظه.
وأخرجه الطحاوي فقال: ثنا فهد قال: ثنا أبو صالح قال: ثني الليث عن عبد الله بن عياش بن عباس القتباني عن أبي عن أبي سلمة عن أبي هريرة به.
وهذا سند صحيح أيضا رجاله رجال الصحيح غير فهد هذا وهو ابن سليمان بن يحيى قال ابن يونس: «كان ثقة ثبتا». ذكره في «كشف الأستار عن رجال معاني الأثار» لرشد الله شاه السندهي.
هذا وقد اختلفا على عياش بن عباس فقال ابن لهيعة: عنه عن أبي تميم وقال ابنه عبد الله: عنه عن أبي سلمة. ولعل هذا أصح فإن عبد الله أحسن.
حالا من ابن لهيعة وهو صدوق يغلط وأخرج له مسلم في الشواهد كما في «التقريب» وقد ذكر هذه الطريق عن أبي سلمة الترمذي معلقا.
وللحديث طرق أخرى بلفظ آخر رواه مسلم وأبو داود وعنه ابن حزم والنسائي والترمذي والدارمي وابن ماجه والطبراني في «الصغير» والطحاوي أيضا والبيهقي وأحمد والخطيب في «تاريخه» من طرق عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عنه مرفوعا بلفظ: «فلا صلاة إلا المكتوبة». وزاد البيهقي في رواية: قيل: يا رسول الله ولا ركعتي الفجر؟ قال: «ولا ركعتي الفجر».
أخرجها من طريق أبي أحمد بن عدي الحافظ: ثنا محمد بن إسماعيل المروزي: ثنا أحمد بن سيار: ثنا يحيى بن نصر بن حاجب المروزي: ثنا مسلم ابن خالد الزنجي عن عمرو بن دينار به. قال أبو أحمد: «لا أعلم ذكر هذه الزيادة في متنه غير يحيى بن نصر عن مسلم بن خالد عن عمرو». قال البيهقي: «ونصر بن حاجب المروزي ليس بالقوي وابنه يحيى كذلك».
قلت: ولكن هذه الزيادة صحيحة المعنى وإن كانت ضعيفة المبنى فقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة صريحة في النهي عن ركعتي الفجر إذا أقيمت الصلاة
стр. 871
وسيأتي بيان ذلك في محلة إن شاء الله تعالى.
وقد وجدت للحديث طريقا ثالثا أخرجه الخطيب من طريق احمد بن بشار الصيرفي: ثنا أبو حفص العبدي: ينا أيوب عن أبي قلابة عن سليمان بن بشار عن أبي هريرة مرفوعا به.
وأحمد هذا روى عن جمع وروى عنه جماعة وترجمه الخطيب وساق له هذا الحديث ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.
وأبو حفص العبدي لم أعرفه إلا أن يكون هو عمر بن حفص العبدي أبو حفص لكن هذا متقدم الطبقة يروي عن ثابت فإن كان هو هذا فهو واه كما قال الذهبي.
وسليمان بن بشار لم أجده وفي الرواة من هذه الطبقة سليمان بن بشر من رجال أحمد في «التعجيل» وثقة ابن حبان.
والحديث دليل على أنه لا يجوز الدخول في النافلة لمن سمع الإقامة سواء في ذلك سنة الفجر أو غيرها وهو مذهب جمهور العلماء قال الترمذي:
«والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم إذا أقيمت الصلاة أن لا يصلي الرجل إلا المكتوبة، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق».
[الثمر المستطاب «١/ ٢٢٤»].
لا تقام الصلاة إلا إذا خرج الإمام إلى المسجد
«ولا تقام الصلاة إلا إذا خرج الإمام إلى المسجد».
لحديث جابر بن سمرة: كان مؤذن رسول الله ﷺ يؤذن ثم يمهل فلا يقيم حتى إذا رأى رسول الله ﷺ قد خرج أقام الصلاة حين يراه.
стр. 872
أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد من طريق إسرائيل قال: أخبرني سماك أنه سمع جابر بن سمرة به. وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».
قلت: وهو على شرط مسلم وقد أخرجه في «صحيحه» من طريق أخرى عن سماك.
[الثمر المستطاب «١/ ٢٢٧»]
لا يقوم الناس إلا إذا رأوا الإمام خرج ولو أقيمت الصلاة قبل ذلك، وجواز الإقامة ولو كان الإمام لم يأت المسجد بعد
«ولا يقوم الناس إلا إذا رأوه خرج ولو أقيمت الصلاة قبل ذلك لقوله ﷺ : «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني [قد خرجت] [وعليكم السكينة]»].
هذا الحديث من رواية أبي قتادة الأنصاري ﵁.
أخرجه البخاري ومسلم.
وفي الحديث دليل على أن الناس لا يقومون إلى الصلاة حتى يروا الإمام في المسجد وقد أخذ به جمهور العلماء كما يأتي.
قال الترمذي بعد أن ساق الحديث: «وقد كره قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن ينتظر الناس الإمام وهم قيام وقال بعضهم: إذا كان الإمام في المسجد فأقيمت الصلاة فإنما يقومون إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة وهو قول ابن المبارك».
قلت: وهو قول أحمد أيضا فقال أبو داود في «مسائله»:
«قلت لأحمد: متى يقوم الناس إلى الصلاة؟ قال: إذا قال - يعني المؤذن -:
قد قامت الصلاة. قال: قلت: فإن كان الإمام لم يأت بعد قال: لا يقومون حتى يروه».
стр. 873
وذلك هو المروي عن أنس قال البيهقي: «وروينا عن أنس بن مالك ﵁ أنه إذا قيل: قد قامت الصلاة وثب وقام. وعن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ أنه كان يفعل ذلك. وهو قول عطاء والحسن».
قال الحافظ: «وذهب الأكثرون إلى أنه إذا كان الإمام معهم في المسجد لم يقوموا حتى تفرغ الإقامة، وعن أنس أنه كان يقوم إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، رواه ابن المنذر وغيره، وكذا رواه سعيد بن منصور من طريق أبي إسحاق عن أصحاب عبد الله. وعن سعيد بن المسيب قال: إذا قال المؤذن: الله أكبر وجب القيام وإذا قال: حي على الصلاة عدلت الصفوف وإذا قال لا إله إلا الله كبر الإمام. وعن أبي حنيفة: يقومون إذا قال: حي على الفلاح فإذا قال: قد قامت الصلاة كبر الإمام.
وأما إذا لم يكن الإمام في المسجد فذهب الجمهور إلى أنهم لا يقومون حتى يروه. وخالف من ذكرنا على التفصيل الذي شرحنا وحديث الباب حجة عليهم وفيه جواز الإقامة والإمام في منزله إذا كان يسمعها وتقدم إذنه بذلك.
قال القرطبي: «ظاهر الحديث أن الصلاة كانت تقام قبل أن يخرج النبي ﷺ من بيته وهو معارض لحديث جابر بن سمرة أن بلالا كان لا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ . أخرجه مسلم.
ويجمع بينهما بأن بلالا كان يراقب خروج النبي ﷺ فأول ما يراه يشرع في الإقامة قبل أن يراه غالب الناس ثم إذا رأوه قاموا فلا يقوم في مقامه حتى تعتدل صفوفهم».
قلت: ويشهد له ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن شهاب: أن الناس كانوا ساعة يقول المؤذن: الله أكبر يقومون إلى الصلاة فلا يأتي النبي ﷺ مقامه حتى تعتدل الصفوف. وأما حديث أبي هريرة الآتي قريبا بلفظ: أقيمت الصلاة فسوى الناس صفوفهم فخرج النبي ﷺ . ولفظه في «مستخرج أبي نعيم»: فصف الناس صفوفهم ثم خرج علينا. ولفظه عند مسلم: أقيمت الصلاة فقمنا فعدلنا
стр. 874
الصفوف قبل أن يخرج إلينا النبي ﷺ فأتى فقام مقامه ... الحديث. وعنه في رواية أبي داود: أن الصلاة كانت تقام لرسول الله ﷺ فيأخذ الناس مقامهم قبل أن يجيء النبي ﷺ فيجمع بينه وبين حديث أبي قتادة بأن ذلك ربما وقع لبيان الجواز وبأن صنيعهم في حديث أبي هريرة كان سبب النهي عن ذلك في حديث أبي قتادة وأنهم كانوا يقومون ساعة تقام الصلاة ولو لم يخرج النبي ﷺ فنهاهم عن ذلك لاحتمال أن يقع له شغل يبطئ فيه عن الخروج فيشق عليهم انتظاره. ولا يرد هذا حديث أنس الآتي أنه قام في مقامه طويلا في حاجة بعض القوم لاحتمال أن يكون ذلك وقع نادرا أو فعله لبيان الجواز».
[الثمر المستطاب «١/ ٢٢٧»]
إذا سمع سامع إقامة الصلاة فلا يسرع إليها بل يمشي وعليه السكينة والوقار
«وإذا سمع إقامة الصلاة فلا يسرع إليها بل يمشي وعليه السكينة والوقار كما قال ﷺ : «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها [وأنتم] تسعون و [لكن] ائتوها [وأنتم] تمشون وعليكم السكينة [والوقار] فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا [فإن أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة]».
وهذا الحديث رواه أبو هريرة ﵁ وله عنه طرق بألفاظ متقاربة [ثم ساق ألفاظه إلى أن قال: ] وبالجملة فالحديث متواتر عن أبي هريرة ﵁.
وفي الحديث الندب الأكيد إلى إتيان الصلاة بسكينة ووقار والنهي عن إتيانها سعيا سواء في صلاة الجمعة وغيرها سواء خاف فوت تكبيرة الإحرام أم لا كذا في «شرح مسلم» للنووي.
قال الترمذي: «وقد اختلف أهل العلم في المشي إلى المسجد فمنهم من رأى الإسراع إذا خاف فوت التكبيرة الأولى حتى ذكر عن بعضهم أنه كان يهرول إلى
стр. 875
الصلاة. ومنهم من كره الإسراع واختار أن يمشي على تؤدة ووقار وبه يقول أحمد وإسحاق وقالا: العمل على حديث أبي هريرة. وقال إسحاق: إن خاف فوت التكبيرة الأولى فلا بأس أن يسرع في المشي».
قلت: الصواب كراهة الإسراع خاف فوت التكبيرة أو لا لعموم الحديث وهو مذهب الشافعية وحكاه ابن المنذر عن زيد بن ثابت وأنس وأحمد وأبي ثور واختاره ابن المنذر وحكاه العبدري عن أكثر العلماء كما في «المجموع» وذكر فيه قولا لبعض الشافعية - وهو أبو إسحاق - مثل قول إسحاق الذي نقله الترمذي فقال النووي:
«وهو ضعيف جدا منابذ للسنة الصحيحة».
قال العلماء: والحكمة في إتيانها بسكينة والنهي عن السعي: أن الذاهب إلى صلاة عامد في تحصيلها ومتوصل إليها فينبغي أن يكون متأدبا بآدابها وعلى أكمل الأحوال وهذا معنى قوله في رواية مالك وغيره: «فإن أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة».
وقوله: «إذا أقيمت الصلاة» إنما ذكر الإقامة للتنبيه بها على ما سواها لأنه إذا نهى عن إتيانها سعيا في حال الإقامة مع خوفه فوت بعضها فقبل الإقامة أولى وأكد ذلك بيان العلة فقال: «فإن أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة». وهذا يتناول جميع أوقات الإتيان إلى الصلاة وأكد ذلك تأكيدا آخر قال: «فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا». فحصل فيه تنبيه وتأكيد لئلا يتوهم متوهم أن النهي إنما هو لمن لم يخف فوت بعض الصلاة فصرح بالنهي وإن فات من الصلاة ما فات وبين ما يفعل فيما فاته.
وقد اختلف العلماء فيما فات من الصلاة: هل هي أول صلاته أو آخرها؟
والحق الأول كما سيأتي بيان ذلك في محله إن شاء الله تعالى.
«تنبيه»: وأما قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله﴾ [الجمعة: ٩] فليس المراد منه السعي المنهي عنه في الحديث بل هو بمعنى المضي والذهاب.
стр. 876
قال النووي: «يقال سعيت في كذا أو إلى كذا: إذا ذهبت إليه وعملت فيه ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] ومثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ [عبس: ٨]».
[الثمر المستطاب «١/ ٢٣٣»].
ويجوز الفصل بين الإقامة والصلاة بكلام لمصلحة
«ويجوز الفصل بين الإقامة والصلاة بكلام لمصلحة - كالأمر بتسوية الصفوف كما سياتي - أو لحاجة فقد «كانت الصلاة تقام فيكلم النبي ﷺ الرجل في حاجته تكون له فيقوم بينه وبين القبلة فما يزال قائما يكلمه - قال الراوي -: فربما رأيت بعض القوم لينعس من طول قيام النبي ﷺ له» [ثم صلى]».
هو من حديث أنس ﵁ وله عنه ثلاثة طرق [ثم ساق طرقه].
قال الحافظ: «وفيه [أي الحديث] جواز الفصل بين الإقامة والإحرام إذا كان لحاجة أما إذا كان لغير حاجة فهو مكروه، واستدل به للرد على من أطلق من الحنفية أن المؤذن إذا قال: قد قامت الصلاة وجب على الإمام التكبير».
وفي «المجموع»: «مذهبنا ومذهب الجمهور من أهل الحجاز وغيرهم: جواز الكلام بعد إقامة الصلاة قبل الإحرام لكن الأولى تركه إلا لحاجة وكرهه أبو حنيفة وغيره من الكوفيين سواء طال الكلام أو قصر ولا تعاد الإقامة لذلك ودليلنا هذه الأحاديث الصحيحة».
وإلى هذا ذهب ابن حزم في «المحلى» ثم قال: «ولا دليل يوجب إعادة الإقامة أصلا، ولا خلاف بين أحد من الأئمة في أن من تكلم بين الإقامة والصلاة أو أحدث فإنه يتوضأ ولا تعاد الإقامة لذلك، ويكلف من فرق بين قليل العمل وكثيره وقليل الكلام وكثيره أن يأتي على صحة قوله بدليل، ثم على حد القليل من ذلك من الكثير ولا سبيل له إلى ذلك أصلا».
стр. 877
وهو يشير بذلك إلى الرد على بعض علمائنا الحنفية وقد اعترف الشيخ الكشميري بأن ضبط القليل والكثير عسير.
[الثمر المستطاب «١/ ٢٣٨»].
يقيم من جمع بين الصلاتين جمع تقديم أو تأخير إقامة لكل صلاة
«- ويقيم من جمع بين الصلاتين جمع تقديم أو تأخير إقامة لكل صلاة كذلك فعل رسول الله في غزوة الخندق وفي عرفة ومزدلفة».
وفيه أحاديث: الأول: عن جابر في حديثه الطويل في الحج: أنه ﵊ أقام لصلاة الظهر ثم أقام لصلاة العصر وذلك بعرفة ثم أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين.
وقد سبق في المسألة السابعة من الأذان.
الثاني: عن أسامة بن زيد أنه قال: دفع رسول الله ﷺ من عرفه فنزل الشعب فبال ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء فقلت له: الصلاة. فقال: «الصلاة أمامك» فجاء المزدلفة فتوضأ فأسبغ ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة فصلى ولم يصل بينهما.
أخرجه البخاري من طريق مالك وهذا في «الموطأ» ومسلم وأبي داود والدارمي وابن ماجه.
والطحاوي والبيهقي وأحمد من طريق كريب مولى ابن عباس عنه.
الثالث: عن ابن عمر ﵁ قال: جمع النبي ﷺ المغرب العشاء بجمع كل واحدة منها بإقامة ولم يسبح بينهما ولا على إثر كل واحدة منهما.
أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي والدارمي والطحاوي والبيهقي وأحمد
стр. 878
عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن سالم بن عبد الله عنه.
ورواه مالك عن الزهري به مختصرا: صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا.
وعنه أحمد ومسلم.
وقد جاء هذا الحديث عن ابن عمر من طرق أخرى بلفظ: جمع رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع، صلى المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة.
أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي والطحاوي والبيهقي والطيالسي وأحمد من طرق عن سعيد بن جبير عنه به.
ثم أخرجه أبو داود والترمذي والطحاوي والطيالسي واحمد من طريق أبي إسحاق: سمعت عبد الله بن مالك قال: صليت مع ابن عمر بجمع فأقام فصلى المغرب ثلاثا ثم صلى العشاء ركعتين بإقامة واحدة قال: فسأله خالد بن مالك فقال: إن رسول الله ﷺ فعل مثل هذا في هذا المكان.
وعبد الله بن مالك هذا هو ابن الحارث قال في «التقريب»: «مقبول».
فقد اختلف على ابن عمر ففي هاتين الروايتين أنه ﷺ صلى المغرب والعشاء
بإقامة واحدة وفي رواية سالم بن عبد الله أنه صلاهما بإقامة واحدة لكل واحدة منهما. وهذه الراية مقدمة على رواية ابن جبير وابن مالك لأن معها زيادة علم وزيادة الثقة مقبولة وأيضا فإنها موافقة لرواية أسامة بن زيد وجابر بن عبد الله المتفقتين على إقامتين فتكون رواية ابن عمر الموافقة لهما أولى بالقبول والاعتماد. وقد ذهب إلى هذا النووي في «شرح مسلم» وسبقه إلى ذلك ابن حزم فرجح رواية سالم على خلافها.
وقد ذهب إلى هذا الحكم - أنه يقيم لكل صلاة في الجمع جمع تقديم أو تأخير - ابن حزم، وهو قول الشافعي في القديم، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن الماجشون المالكي والطحاوي الحنفي خلافا لأبي حنيفة وصاحبيه، وذلك أنهم كانوا يذهبون
стр. 879
في الجمع بين الصلاتين إلى أن يجعلوا ذلك بأذان وإقامة واحدة، ويحتجون في ذلك بالرواية الثانية عن ابن عمر صرح بذلك كله الطحاوي في شرحه وقوى ما اختاره بالقياس على الجمع بين الظهر والعصر بعرفة ثم قال: «والذي رويناه عن جابر من هذا أحب إلينا لما شهد له من النظر».
قال النووي في «شرح مسلم»: «وهذا هو الصحيح من مذهبنا: أنه يستحب الأذان للأولى منهما ويقيم لكل واحدة إقامة فيصليهما بأذان وإقامتين ويتأول حديث «إقامة واحدة» أن كل صلاة لها إقامة ولا بد من هذا الجمع بينه وبين الرواية الأولى «يعني: من حديث ابن عمر» وبينه أيضا وبين رواية جابر».
قلت: ومن الغريب أن علماءنا أخذوا بحديث جابر في الجمع في عرفة بأذان واحد وإقامتين وتركوه في الجمع في مزدلفة بأذان وإقامتين وهذا من عجائب الفقه فلا جرم أن خالفهم الإمام الطحاوي وتبعه الشيخ ابن الهمام ثم أبو الحسنات اللكنوي في «التعليق الممجد» فأصابوا.
[الثمر المستطاب «١/ ٢٤٢»].
يقام لكل صلاة من الفوائت المشروعة إقامة واحدة
«وكذلك يقيم لكل صلاة من الفوائت المشروعة إقامة واحدة كما فعل رسول الله ﷺ في غزوة الخندق».
وفي الباب عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال:
حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هوي من الليل حتى كفينا وذلك قول الله تعالى: ﴿وَكَفَى الله الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ الله قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥].
فدعا رسول الله ﷺ بلالا فأمره فأقام فصلى الظهر .... ثم أقام للعصر فصلاها كذلك ثم أقام للمغرب فصلاها كذلك ثم أقام للعشاء فصلاها كذلك ... الحديث.
стр. 880
وهو صحيح الإسناد وقد سبق تخريجه فيما قبل الأذان المسألة «٨» وذكرنا هناك شاهدا من حديث ابن مسعود وسقنا لفظه في الأذان مسألة «٨» نحو حديث أبي سعيد هذا وزاد فيه البيهقي في رواية: «يتابع بعضها بعضا بإقامة إقامة».
وقد ذهب إلى هذا الشافعية فقالوا: إذا أراد قضاء فوائت دفعة واحدة أقام لكل واحدة بلا خلاف عندهم كما في «المجموع».
[الثمر المستطاب «١/ ٢٤٥»].
إذا انصرف المصلي من الصلاة وخرج من المسجد وقد نسي ركعة أو غيرها مما لا تتم الصلاة إلا به وأراد أن يعود لإتمامها فعليه أن يعيد الإقامة
«وإذا انصرف من الصلاة وخرج من المسجد وقد نسي ركعة أو غيرها مما لا تتم الصلاة إلا به وأراد أن يعود لإتمامها فعليه أن يعيد الإقامة فقد «صلى رسول الله ﷺ يوما فسلم وانصرف وقد بقي من الصلاة ركعة فأدركه رجل فقال: نسيت من الصلاة ركعة فرجع فدخل المسجد وأمر بلالا فأقام الصلاة فصلى بالناس ركعة».
وهذا من حديث معاوية من حديج - بمهملة وجيم مصغرا - أخرجه أحمد: ثنا حجاج قال: ثنا ليث قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب أن سويد بن قيس أخبره عنه أن رسول الله ﷺ صلى يوما ... إلخ وزاد في آخره: فأخبرت بذلك الناس فقالوا: أتعرف الرجل؟ قلت: لا إلا أن أراه.
فمر بي فقلت: هو هذا فقالوا: طلحة بن عبيد الله.
وهذا سند صحيح.
[الثمر المستطاب «١/ ٢٤٦»].