Полный текст (8 195 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
الشيخ: فهذا مُجَاز غلب عليه أحد شيئين، وأحلاهما مر؛ المُرّ أنه تأثر بعادة كل الموظفين، فالموظفين هذا الذي بالبنك وهذا الذي بالضرائب وهذا الذي بالجمارك وإلى آخره، هؤلاء لهم إيش؟ إجازات، فغلبت عليه هذه العادة عند الآخرين، فهو يقولها هكذا عفو الخاطر.
هذا مُرّ؛ لأنه يتعلق بالألفاظ التي أشرنا -آنفاً- إلى أن الشارع الحكيم هَذَّبنا وأدَّبنا وأحسن تأديبنا، ونهانا عن أن نتلفظ بشيء ما ينبغي أن نتلفظ به، هذا مُرّ، والأَمَرُّ أن يكون واقعاً يستسيغ هذه الإجازة، ومعنى ذلك أنه يستسيغ عدم القيام بالطاعة.
هذا هو تفسير هذه الإجازة في العبادات الدينية الذي يصلي بالناس إماماً له أجر من يصلي خلفه إيش معنى قوله أنا مجاز ولا يصلي إماماً، والذي يؤذن وقد عرفتم فضائله .. الشاهد: لا يجوز للموظف وظيفة دينية أن يتمتع بالإجازة التي تعطيها الأوقاف له ويتمتع بها وهو في غير حاجة لها.
أريد أن أُقَيِّد كلامي السابق حتى لا يُفْهَم على إطلاقه، وقد يكون الرجل رب عائلة ولا يتمكن بالقيام ببعض لوازم بيته أو أهل بيته إلا في وقت الإجازة، ما في مانع بذلك، ولولم يُجَزْ رسمياً ما في مانع أن يجيب عنه شخص يصلي بديلاً عنه أو يؤذن أو يخطب إلى آخره، لأن له عذراً شرعياً، وفي هذه الحالة ليس بحاجة إلى أن يأخذ إجازة نظامية أو روتينية كما يقولون فهو ليس بحاجة يشعر أنه ليس بحاجة إليها مع ذلك هو يتمتع بهذه الإجازة التي يتمتع بها كل الموظفين.
فيجب أن يشعر هذا الموظف أنه ليس كسائر الموظفين، هذا الموظف -إذا صح التعبير- عند الله في وظيفة من الوظيفة الدينية، فكيف ينسى هذه الفضيلة وهذه المنقبة ويتجاهلها ويقول أنا مجاز، هذه ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين.
«الهدى والنور / ١٩١/ ١٧: ٥٢: ٠٠»
стр. 912
باب منه
الشيخ: يقول الرسول ﵇ له: «يا عمر ما آتاك الله من مال ونفسك غير مُشْرفة إليه، فخذه وتَمَوَّله، فإنه رزق ساقه الله إليك».
يعني: إذا كنت غنياً عنه، فخذه تموله امتلكه، ثم تصدق به، فيُكْتَب لك أجر الصدقة، وقد جاءك ونفسك غير مشرفة إليه.
فالحقيقة هذه مسألة مهمة جداً: أنَّ إنسانًا موظف وغني عن راتبه، فهو يستعف عنه كما استعف بعض الصحابة ومنهم: عمر، لكن الرسول ﵇ وَجَّهه إلى ما هو أفيد له بالنسبة للآخرة، فقد يتملكه ما دام نفسك غير مشرفة، ثم حَوِّله إلى غيرك بطريقة الهبة أو الصدقة أو ما شابه ذلك.
ومما ينبغي أن يراقب هذا الموظف نفسه وإخلاصه: ألَّا ينصاع مع سائر الموظفين في ظاهرة كنا نشاهدها في سوريا، وما يستبعد من البلاد الأخرى أن تكون هذه الظاهرة موجوداً أيضاً، وإن كنت بعد لم أشهدها، كانت هناك في بعض الحكومات التي ظهرت على سوريا تخرج مظاهرة، وفي مقدمتها الذين يسمونهم ماذا؟ المشايخ يعني، ماذا يسمونهم؟
مداخلة: الدراويش.
الشيخ: لا.
مداخلة: رجال الدين
الشيخ: رجال الدين، وفي مقدمتهم رجال الدين، لماذا تظاهروا؟ يطلبون من الدولة أن ترفع رواتبهم، هذا إعلان كالراية أن هذه الجماعة لا يبتغون بوظائفهم وجه الله ، وإلا لقنعوا بما وُجِد؛ لذلك على كل مسلم قد كُلِّف بمثل هذه الوظيفة الحساسة أن يراقب قلبه، وألَّا يتورط فيأخذ مالاً أجراً، وليس راتباً أو تعويضاً، أظن هذا جواب ما سألته.
«الهدى والنور / ١٩٢/ ٢٦: ٠٠: ٠٠»
стр. 913
وجوب بروز المؤذن بشخصه للأذان، أما الإقامة فيقيم داخل المسجد
مداخلة: يعني: المُؤَذِّن يُقِيم الصلاة فهو يكون بعيداً عن السماعة، سماعة المسجد اللي قريب من المنبر قُدَّام، فهو بعيد، فقلنا له: أقم في المكان، أفضل مما تتقدم. كما سمعت لك في شرح بعض المسائل.
الشيخ: أنا لا أقول هذا، الذي أقوله: يجب التفريق من حيث المكان، بين مكان الإقامة ومكان الأذان.
فمكان الإقامة هو في المسجد، سواء كان قريباً أو بعيداً، أما مكان الأذان فيجب أن يكون على ظهر المسجد، ولو بوجود مكبرات الصوت اليوم.
والحقيقة: هذه مسألة تكلمنا فيها بتفصيل في المشوار الذي قضيناه في الإمارات، وذكرنا أن الناس اليوم -مع الأسف- أتباع كل ناعق، لا يُفَكِّرون في الأحكام الشرعية مطلقاً.
الأذان الذي ينبغي أن يُعْلَن ليس فقط لمجرد الصوت، وإنما صوتاً وشخصاً، بروز الشخص على ظهر المسجد شعيرة إسلامية، هذا البروز قضي عليه، لماذا؟
بالوسيلة الحادثة اليوم وهي مكبر الصوت، فأصبح كثير من المؤذنين نراهم في بعض المساجد يدخل تحت المنبر ما يراه أحد، لكن صوته أين؟ صوته يصل كيلو مترات.
لا بأس من استعمال آلة المكبر هذا؛ لأن هذا من مقاصد الشريعة، وفصلنا الكلام هناك تفصيلاً.
لكن ما يجوز في سبيل تحقيق عمل مستحب -وهو تبليغ الصوت إلى أبعد مكان ممكن- على حساب إضاعة سنة.
وبروز المؤذن في مكان ظاهر من المسجد هذا سنة، وهذه السنة ثبتت في
стр. 914
حديث شرعية الأذان، وهذا معروف لما الرسول ﵇ في أول الإسلام ما كان في أذان، كان ينادي بعضهم بعضاً، كما يفعل بعض المؤذنين اليوم بعد الأذان ينادي الصلاة يا مصلين الصلاة.
هذا لا يجوز بعد الأذان؛ لأن هذا كان قبل شرعية الأذان، فالرسول ﵇ عَمِل مؤتمرًا، وتشاور مع الصحابة في القصة المعروفة، كل واحد يأتي باقتراح، هذا يقول بالبوق والثاني يقول بالنار، والثالث يقول بالناقوس إلى آخر القصة، حتى رأى ذلك الصحابي عبد الله بن زيد الأنصاري، شايف حاله في المنام ماشي في طريق من طرق المدينة، رأى رجلاً بيده ناقوس، قال له: «يا عبد الله! أتبيعني هذا الناقوس؟ قال له: لِمَ؟ قال: لنضرب عليه في أوقات الصلاة. قال: ألا أدلك على ما هو خير؟ ».
الآن أقف قليلاً، كلمة «خير» ما معنى خير؟ يعني أفضل. نرجع إلى حديث: «ومن اغتسل فالغسل أفضل» ما يدل هذا أن المفضول يجوز؟ لا، هذا مش قاعدة عربية أبداً، لأنه ليس معنى: «ألا أدلك على ما هو خير من الناقوس» أن الناقوس خير.
مداخلة: نعم.
الشيخ: لكن هذا أخير أفضل، خطأ هذا.
المهم أنه فكان هناك جِذْمُ جَدْرٍ، يعني جدار منهدم باقي منه بقية كما هو مشاهد في الخرابات، يعني الجدار لما ينهدم يبقى له أصل بحيث أن الإنسان ببداهة يشوف مكان في جدار، فرأى هذا الرجل في المنام ذاك الرجل ارتفع فوق الجدار، وحط يديه في أذنيه وأذن الأذان المعروف اليوم، بدون زيادات مُقَدّمة ومُؤَخّرة، الله أكبر الله أكبر وآخرها لا إله إلا الله.
ونزل من هذا الجَذْم وعلى الأرض العادية وأقام الصلاة. من هنا صارت سنة فيما بعد، فبلال كان يصعد على ظهر بيت هناك في المدينة ويؤذن، أما الإقامة ففي
стр. 915
المسجد.
فالآن يقع خطأ مزدوج بسبب، أولاً: سكوت أهل العلم عن بيان الحقائق الشرعية والسنن النبوية.
وثانياً: الناس بطبيعة الحال إذا كان أهل العلم ساكتين، فمن أين هم يعلمون؟
هذا الحديث هو الذي جرى عليه عمل المسلمين، المؤذن يظهر بشخصه وبصوته؛ ولذلك كان من السنة أن يكون المؤذن جَهْوَري الصوت.
ولذلك: في تمام القصة السابقة لما قص الرجل المنام على رسول الله قال: «إنها رُؤْيَا حق، فألقه على بلال؛ فإنه أندى صوتاً منك».
إذاً: نداوة الصوت وقوة الصوت أمر مرغوب فيه شرعاً، وُجِدَت هذه الوسائل مكبر الصوت ما في مانع، ولكن ليس على حساب إضاعة سنة وهي بُرُوز المؤذن بشخصه.
ويقول أهل العلم: فائدة البروز، أو من فوائد البروز: وبيجوز إنسان ما يسمع لضوضاء، لغوغاء، قد يكون لا سمح الله في أذنه صمم، لكنه لما يشوف المؤذن وعامل هكذا، هذا عَمّ يؤذن يقيناً.
ضاعت هذه السنة بسبب وجود إيش؟ مكبر الصوت.
يا أخي مكبر الصوت هذا إذا ما استعملناه ما علينا إثم، لكن لو استعملناه فهو أفضل لما ذكرنا من شرعية أن يكون المؤذن نَدِيّ الصوت، لكن ليس على حساب إضاعة سنة بروز المؤذن في الأذان.
نرجع العكس، المُقِيم يقيم في المسجد، في نفس المكان الذي يؤذن فيه، لكن هذا المكان ما هو مكان المؤذن. هنا انتبه، أين مكانه؟ على ظهر المسجد، فاختلط مع حكم الأذان بالإقامة.
لما أَذَّنا ضيعنا ماذا؟ بروز المؤذن بشخصه وبدنه، لما أقمنا ماذا فعلنا؟ أذعنا
стр. 916
الإقامة كالأذان، هذا خلاف السنة، الإقامة لأهل المسجد فقط.
ومن هنا نصل إلى تنبيه إلى خطأ آخر: يذاع صلاة المصلي عصر يوم الجمعة من الإذاعة، هذه قراءة القرآن، أين .... القراءة هذه؟ وين ما يصل الراديو، .... تصل إلى المقاهي وإلى الناس المارة وإلى الذين يلعبوا بالدومنة والذين يلعبون في القمار وو .. إلى آخره.
لا يجوز إخراج صوت الإقامة، وبالتالي صوت الإمام وهو يصلي خارج المسجد، خارج الجدران الأربعة للمسجد، هذا كله خلاف السنة.
وكما ترون إما إفراط وإما تفريط، أما ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ لا إفراط ولا تفريط هذا -مع الأسف- أصبح أندر من الكبريت الأحمر.
فنسأل الله أن يُعَلِّمنا ما ينفعنا، وأن يزيدنا علماً، وأن يوفقنا للعمل بما عَلِمنا، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
«الهدى والنور /٢٢٠/ ٥٥: ٤٤: ٠٠»
كيفية وضع الإصبعين في الأذنين للمؤذن حال الأذان
مداخلة: بالنسبة لوضع اليدين عند الأذان والإقامة ..
الشيخ: وضع اليدين كيف؟
مداخلة: موضعهم عند الأذان والإقامة ...
الشيخ: أولًا ليس في الإقامة وضع، وإنما هو في الأذان.
أما كيفية الوضع: فليس هناك إلا حديث بلال: وضع إصبعيه في أذنيه، أما الكيفية فلم يتحدث بها حديث فيما علمت.
مداخلة: طيب يا شيخ! بعض المؤذنين ما يضع عند ترديد الأذان بكامله، إنما
стр. 917
إذا قال: الله أكبر الله أكبر يضع يديه.
الشيخ: لا، هذا خطأ، وإنما الوضع من أول الأذان إلى آخره.
وأيضًا بالمناسبة: بعضهم يضع يدًا واحدة، وهذا رأيناه في بعض البلاد العربية، وبعضهم لا يضعهما مطلقًا، خاصة عندما وجد مكبر الصوت، كل هذا خلاف السنة، وأزيدكم تنبيهًا: أن أذان المؤذن في المسجد صار بدعة وينبغي أن يكون المؤذن على ظهر المسجد أو في منارة وليس كالمنائر التي تكون كناطحات السحاب، وإنما المفروض أن يظهر المؤذن بشخصه وليس فقط بصوته، فهذا شعائر إسلامية يميتها الناس بسبب اغترارهم وقصور إدراكهم لحكم التشريع، بل لأحكام الشرع.
جرت السنة على التفريق بين المؤذن وبين المقيم، فالمقيم للصلاة يقيمها في المسجد، أما المؤذن فيؤذن على ظهر المسجد.
الآن: لا فرق بين المؤذن وبين المقيم، ثم أيضًا: لا بد من التنبيه على شيء شعرت به هنا أكثر من البلاد الأخرى: وهو أن الأذان الذي شرعه الله ﵎ بواسطة نبينا ﷺ في المسجد لحكمة، فعلى ذلك فارق بين الإقامة وبين الأذان كما ذكرنا فلا ينبغي إذاعة الإقامة بمكبر الصوت إلى خارج المسجد، كما أنه لا ينبغي إذاعة تلاوة الإمام للقراءة في الصلاة الجهرية وبخاصة يوم الجمعة إلى خارج المسجد، كل هذه أمور حدثت في حدوث الوسائل فيجب استعمالها في حدود الشرع وعدم التوسع فيها، فتسميع الناس قراءة الإمام وهو يقرأ القرآن، فيه حرج ولهذا لمسناه نحن في صور كثيرة، يكون الرجل يصلي في بيته .. يصلي نافلة .. يصلي السنة القبلية مثلًا، وإذا بالإقامة [يعلو] صوت المقيم فيسمعه البعيد كالمؤذن تمامًا، هذا خلاف الشرع.
فتسميع الناس قراءة القرآن وهم غير مستعدين لسماع القرآن فقد يكونوا في أحوال لا ينبغي أن يتلى القرآن عليهم والحالة هذه، هذا كله توسع غير محمود، فأنا أنصح أن من كان إمامًا ألا يستعمل مكبر الصوت إلا في الأذان، وأن يسن سنة
стр. 918
حسنة أن يظهر ببدنه ولا يختبئ تحت المنبر أو في غرفة خاصة أو ما شابه ذلك، نعم؟
وخطبة الجمعة كذلك لا تذاع إلا في حدود الحاجة في المسجد فقط، وأصبحت موضة العصر الحاضر لا بد للإمام أن يستعمل مكبر الصوت، ولو كان المصلون خلفه بضعة أشخاص [هل صوته يسمع من ورائه] أم لا، إذًا: لماذا هذا؟ هذا ما ينبغي أن يستعمل مكبر الصوت إطلاقًا؛ لأن صوته يكفي من كان ورائه صف وصفين وثلاثة، أما إذا تصورنا مسجدًا كبيرًا وكبيرًا جدًا لا يسمع المتأخرون في الصفوف الأخيرة صوت الإمام، ما في مانع أن يوضع مكبر الصوت هناك وليس في الصفوف الأول، هذا كله يحتاج إلى تنظيم جديد لو أننا فكرنا في فقه السنة.
وقد جاءت المناسبة فذكرتكم بهذا، والذكرى تنفع المؤمنين.
«فتاوى جدة «٢٨» /٠١: ١٠: ٠٨»
المؤذن الصائم هل يبدأ بالأذان أم الإفطار ؟
مداخلة: [المؤذن الصائم] المفروض أنه يُفْطِر أولاً، ثم يؤذن؟
الشيخ: ما فيه عندنا هذا التدقيق الدقيق في هذه المسألة، أيهما فعل جاز.
مداخلة: هل يجوز أن يظل صائمًا بعد الوقت؟
الشيخ: كما يجوز أن يُؤَذِّن في أول الوقت، يجوز أن يُفْطِر في أول الوقت، فسواء قَدَّم أو أَخَّر، ما فيه عندنا تمييز أحدهما عن الآخر، بحيث نقول: أفطر ثم أَذِّن، أو نقول: أَذِّن ثم أَفْطِر.
«الهدى والنور / ٢٥٧/ ٠٩: ٤٥: ٠٠»
стр. 919
سماع الأذان الموجب لشهود الجماعة
стр. 920
المراد بسماع الأذان الموجب لشهود الجماعة
سؤال: قول النبي ﷺ : «من سمع النداء فلم يأته، فلا صلاة له إلا من عذر» أو كما قال رسول الله ﷺ فهل العبرة هنا بالسماع المباشر، أم بالعلم بدخول الوقت، وخاصة أن السماع في هذه الأيام قد يتعدى عِدَّة كيلو مترات بسبب وجود المكبرات وما شابه ذلك؟
الجواب: أولاً: كما تَنَبّه السائل، الأذان يُذَكِّر بدخول وقت الصلاة.
فإذا كان المسلم ذكر وقته وجب عليه الحضور، سواء سمع الأذان أو لم يسمع، وليس له أن يتعلل بأني لا أحضر صلاة الجماعة لأني لا أسمع الأذان، هذا تَعَلُّل لا قيمة له من الناحية الشرعية؛ لأن المقصود بالأذان الإعلام، فإذا حصل الإعلام بطريقة عصرية؛ رجل جاء إلى الذي في منشره في معمله في مصنعه في داره قال: حَيَّ على الصلاة قد أُذِّن، ما سقط عنه الإجابة؛ لأنه لم يسمع الأذان مباشرة فقد علم دخول الوقت.
العبرة بالعلم وليس بالوسيلة، وسيلة الأذان، فالأذان إعلام لكن بألفاظ شرعية معروفة مضبوطة مروية عن الرسول ﵇ في الأسانيد الصحيحة.
«الهدى والنور /٢/ ٢٩: ٢٥: .. »
стр. 921
الذكر بعد الأذان
стр. 922
إذا فرغ من يسمع الأذان من الإجابة يصلي على النبي ﷺ -
«[على من سمع الأذان] إذا فرغ من الإجابة يصلي على النبي ﷺ فإنه من صلى عليه صلاة صلى الله عليه بها عشرا».
وفيه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة».
مسلم وأبو داود والنسائي وعنه ابن السني.
والترمذي والطحاوي وأحمد من طرق عن كعب بن علقمة سمع عبد الرحمن بن جبير أنه سمع عبد الله بن عمرو. وقال الترمذي:
«حديث حسن صحيح».
[الثمر المستطاب «١/ ١٨٥»].
صيغ الصلاة على النبي ﷺ الثابتة
«وصيغ الصلاة على النبي ﷺ الثابتة عنه ﷺ كثيرة جمعتها في كتاب الصلاة بثلاث صيغ نذكر هنا أخصرها وأجمعها وهي:
«اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد».
أخرجه الطحاوي وغيره كما سيأتي وسنده صحيح.
وكم أحسن صنعا الحافظ ابن السني ﵀ حيث عقد بابا خاصا بعد باب الصلاة على النبي ﷺ عند الأذان الذي ساقه من حديث ابن عمرو هذا فقال: «باب كيف الصلاة على النبي ﷺ » ثم ساق سنده إلى كعب بن عجرة قال: قلت:
стр. 923
يا رسول الله صلى الله عليك هذا السلام عليك قد علمناه فكيف الصلاة عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صل على محمد ... » الحديث.
أخرجه الستة وغيرهم وسيأتي في الصلاة.
فقد أشار ابن السني بذلك إلى أنه ينبغي أن يصلي على النبي ﷺ بعد الأذان بالوارد عنه ﷺ مما علمه أمته. وإن كان يكفي في ذلك مطلق الصلاة عليه ﷺ فإنما الكلام في الأفضل الذي غفل عنه أكثر الناس في هذا المقام.
[الثمر المستطاب «١/ ١٨٦»].
سؤال الوسيلة للنبي ﷺ بعد سماع الأذان والتنبيه على حكم زيادة «الدرجة الرفيعة»
«[على من سمع الأذان] أن يسأل له ﷺ بعد الصلاة عليه الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله قال ﷺ : «وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة».
فيه حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم وغيره. [راجع باقي الأحاديث في الأصل].
«فائدة»: «لما كان رسول الله ﷺ أعظم الخلق عبودية لربه وأعلمهم به وأشدهم له خشية وأعظمهم له محبة كانت منزلته أقرب المنازل إلى الله وهي أعلى درجة في الجنة، وأمر النبي ﷺ أمته أن يسألوها له لينالوا بهذا الدعاء زلفى من الله وزيادة الإيمان، وأيضا فإن الله سبحانه قدرها له بأسباب منها دعاء أمته له بها بما نالوه على يده من الإيمان والهدى صلوات الله وسلامه عليه» كذا في «حادي الأرواح» لابن القيم ﵀.
«وقد علمنا رسول الله ﷺ دعاء الوسيلة فلا يعدل عنه كما لا يزاد فيه ولا ينقص فقال ﷺ : «من قال حين يسمع النداء: «اللهم رب هذه الدعوة التامة
стр. 924
والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته» حلت له شفاعتي يوم القيامة».
وهو من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁.
أخرجه البخاري وفي «التفسير» وأحمد قالا: ثنا علي بن عياش: ثنا شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر عنه.
وأخرجه أبو داود عن أحمد والترمذي والنسائي وعنه ابن السني وابن ماجه والبيهقي والطبراني في «الصغير» كلهم من طرق عن علي بن عياش به. والزيادة عند البيهقي وهي مما ثبت للكشميهني في «صحيح البخاري» كما قال السخاوي وظني أنها شاذة.
ورواه الطحاوي فجعله من فعله ﵊ فقال: كان رسول الله ﷺ إذا سمع المؤذن قال: «اللهم .. إلخ».
وسنده هكذا: ثنا عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي قال: ثنا علي بن عياش به. وهذا كما ترى إسناده إسناد البخاري غير عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي وهو أبو زرعة الثقة الحافظ فالإسناد صحيح ولكن الرواية شاذة.
وقد جاء في هذه الرواية: «المقام المحمود» بالتعريف وهي رواية النسائي والطبراني والبيهقي وهي في «صحيح ابن خزيمة» وابن حبان أيضا كما في «الفتح» قال: «وفيه تعقب على من أنكر ذلك كالنووي».
لكن الصحيح التنكير لثبوتها في «صحيح البخاري» ولموافقتها للفظ القرآن: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] ولوجوه أخرى ذكرها المحقق ابن القيم في «بدائع الفوائد» فأبدع فليراجعه من شاء.
تنبيه: قد اشتهر على الألسنة زيادة «الدرجة الرفيعة» في هذا الدعاء وهي زيادة لا أصل لها في شيء من الأصول المفيدة وقد قال الحافظ السخاوي في «المقاصد الحسنة»:
стр. 925
«لم أره في شيء من الروايات» وقال شيخه الحافظ العسقلاني في «التلخيص»: «وليس في شيء من طرقه ذكر: الدرجة الرفيعة».
نعم ذكرت هذه الزيادة في رواية ابن السني ولكنني أقطع بأنها مدرجة من بعض النساخ لأنها لو كانت ثابتة في النسخ الصحيحة من ابن السني لما خفيت على مثل هذين الحافظين: العسقلاني والسخاوي ويؤيد ذلك ان ابن السني رواها من طريق النسائي كما سبق وليست هذه الزيادة في «سننه» فثبت أنها مدرجة. كما أنه قد جاء ذكرها في كتب بعض الحفاظ المحققين فوقعت في كتاب «التوسل والوسيلة» لشيخ الإسلام ابن تيمية وفي كتاب «حادي الأرواح» لابن القيم عزاها الأول إلى البخاري والآخر إلى «الصحيحين» وهذا وهم مضاعف فالحديث لم يروه مسلم مطلقا، كما صرح بذلك في «المنتقى» وكذا الحافظ في «الفتح».
[الثمر المستطاب «١/ ١٨٨»].
صيغة أخرى ثابتة للدعاء بعد الأذان
وقال أيضًا: «ما من مسلم يقول إذا سمع النداء فيكبر المؤذن فيكبر ثم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فيشهد على ذلك ثم يقول: اللهم أعط محمدا الوسيلة [والفضيلة] واجعل في الأعلين درجته وفي المصطفين محبته وفي المقربين ذكره إلا وجبت له الشفاعة [مني] يوم القيامة».
وهو حديث صحيح. [يراجع التخريج في الأصل].
فيقول تارة هذا وتارة هذا.
[الثمر المستطاب «١/ ١٩٢»]
صيغة لم تثبت للدعاء بعد الأذان
«تنبيه»: وأما حديث أم سلمة قالت: علمني رسول الله ﷺ أن أقول عند
стр. 926
أذان المغرب: «اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لي» فلا يثبت إسناده.
أخرجه أبو داود والحاكم وابن السني عن عبد الله ابن الوليد العدني: ثنا القاسم بن معن المسعودي عن أبي كثير مولى أم سلمة عنها. وقال الحاكم:
«صحيح» ووافقه الذهبي.
وأقره الحافظ في «التلخيص»، وليس بجيد فإن أبا كثير هذا مجهول لا يعرف كما يأتي عن الترمذي.
وقد أخرجه من طريق حفصة بنت أبي كثير عن أبيها أبي كثير به نحوه وقال:
«هذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه وحفصة بنت أبي كثير لا نعرفها ولا أباها» وقال النووي في «المجموع»: «رواه أبو داود والترمذي وفي إسناده مجهول».
[الثمر المستطاب «١/ ١٩٤»].
مشروعية سؤال العبد ربه ما شاء من أمور الدنيا والآخرة بعد سماع الأذان وبيان أن ما بين الأذان والإقامة من أوقات الإجابة
«رابعاً [مما يشرع لمن سمع الأذان]: أن يسأل بعد ذلك ما شاء من أمور الدنيا والآخرة فإنه يعطاه».
قال رجل: يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا فقال رسول الله ﷺ : «قل كما يقولون فإذا انتهيت فسل تعط».
وهو من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
أخرجه أبو داود وأحمد من طريق حي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عنه.
стр. 927
وهذا سند حسن وقد حسن هذا الإسناد المنذري في «الترغيب» مرارا وكذا الهيثمي وصححه الحاكم في غير ما حديث ووافقه الذهبي.
- وكان ﷺ يقول: «ثنتان لا تردان - أو قل ما تردان -: الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يلحم بعضها بعضا».
وهو من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ [والحديث قوي].
- وعند وقت الإجابة من الأذان إلى الإقامة فادعوا، لقوله ﷺ : «إن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة». [صحيح راجع تخريجه في الأصل].
تنبيه: قال الشوكاني: وقد عين ما يدعى به ﷺ لما قال: «الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد» قالوا: فما نقول يا رسول الله؟ قال: «سلوا الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة». قال ابن القيم: «هو حديث صحيح».
قلت: نعم أصل الحديث صحيح وأما هذه الزيادة فضعيفة فلا يقال حينئذ أنه ﵊ قد عين ما يدعى به في هذا المقام. فتنبه ولا تكن من الغافلين.
[الثمر المستطاب «١/ ١٩٥»].
التنبيه على زيادات شاذة في الدعاء بعد الأذان
«روى البخاري، وغيره عن جابر مرفوعاً: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذى وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة». صحيح.
تنبيه: وقع عند البعض زيادات في متن هذا الحديث فوجب التنبيه عليها: الأولى: زيادة: «إنك لا تخلف الميعاد» في آخر الحديث عند البيهقي.
وهى شاذة لأنها لم ترد في جميع طرق الحديث عن على بن عياش اللهم إلا في رواية الكشميني لصحيح البخاري خلافا لغيره فهي شاذة أيضا لمخالفتها لروايات
стр. 928
الآخرين للصحيح، وكأنه لذلك لم يلتفت إليها الحافظ، فلم يذكرها في «الفتح» على طريقته في جمع الزيادات من طرق الحديث ويؤيد ذلك أنها لم تقع في «أفعال العباد» للبخاري والسند واحد، ووقعت هذه الزيادة في الحديث في كتاب «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة» لشيخ الإسلام ابن تيمية في جميع الطبعات «ص ٥٥» طبعة المنار الأولى، و «ص ٣٧» الطبعة الثانية منه و «ص ٤٩» الطبعة السلفية، والظاهر أنها مدرجة من بعض النساخ، والله أعلم.
الثانية: في رواية البيهقي أيضا: اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة». ولم ترد عند غيره، فهي شاذة أيضا، والقول فيها كالقول في سابقتها.
الثالثة: وقع في نسخة من «شرح المعاني» «سيدنا محمد» وهى شاذة مدرجة ظاهرة الإدراج.
الرابعة: عند ابن السنى «والدرجة الرفيعة» وهى مدرجة أيضا من بعض النساخ فقد علمت مما سبق أن الحديث عنده من طريق النسائي وليست عنده ولا عند غيره، وقد صرح الحافظ في «التلخيص» «ص ٧٨» ثم السخاوى في «المقاصد» «ص ٢١٢» أنها ليست في شيء من طرق الحديث، قال الحافظ: «وزاد الرافعي في «المحرر» في آخره: يا أرحم الراحمين.
وليست أيضا في شيء من طرقه»، ومن الغرائب أن هذه الزيادة وقعت في الحديث في كتاب «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة» لابن تيمية وقد عزاه لصحيح البخاري: وانى أستبعد جدا أن يكون الخطأ منه لما عرف به ﵀ من الحفظ والضبط، فالغالب أنه من بعض النساخ، ولا غرابة في ذلك، وإنما الغريب أن ينطلى ذلك على مثل الشيخ السيد رشيد رضا رحمه الله تعالى، فإنه طبع الكتاب مرتين بهذه الزيادة دون أن ينبه عليها «ص ٤٨» «الطبعة الأولى» و «ص ٣٣» من الطبعة الثانية، وكذلك لم ينبه عليها الشيخ محب الدين الخطيب في طبعته «ص ٤٣»!
[إرواء الغليل تحت حديث رقم «٢٤٣»]
стр. 929
هل صح الدعاء عند أذان المغرب: اللهم هذا إقبال ليلك ..
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: قوله: وعن أم سلمة قالت: علمني رسول الله ﷺ عند أذان المغرب: «اللهم هذا إقبال ليلك ... ».
قلت: سكت عنه المصنف فأوهم ثبوته وليس كذلك فإنه حديث ضعيف وسكت عن تخريجه وليس بجيد وقد أخرجه الترمذي وغيره من طريق أبي كثير مولى أم سلمة عنها وقال الترمذي: «حديث غريب وأبو كثير لا نعرفه» ولذلك قال النووي: «رواه أبو داود والترمذي وفي إسناده مجهول».
فمثل هذا الحديث لا يجوز نشره بين الأمة إلا مع بيان حاله من الضعف.
[تمام المنة ص «١٤٩»]
ترديد الإقامة وحال حديث: أقامها الله وأدامها
قوله: «يستحب لمن يسمع الإقامة أن يقول مثل ما يقول المقيم إلا عند قوله: «قد قامت الصلاة» فإنه يستحب أن يقول: أقامها الله وأدامها فعن بعض أصحاب النبي ﷺ أن بلالا أخذ في الإقامة فلما قال: قد قامت الصلاة قال النبي ﷺ : «أقامها الله وأدامها».
قلت: بل المستحب أن يقول كما يقول المقيم: «قد قامت الصلاة» لعموم قوله ﷺ : «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ... ». وتخصيصه بمثل هذا الحديث لا يجوز لأنه حديث واه وقد ضعفه النووي والعسقلاني وغيرهم ولا يغتر بقول صاحب «التاج الجامع للأصول»: «سنده صالح» لأنه اغتر بسكوت أبي داود عليه وقد بينا قيمة سكوت أبي داود على الحديث في «المقدمة» فراجعها وقد بينت ما في سنده من العلل في «ضعيف أبي داود» ٨٣ ثم في «الإرواء» ٢٤١.
وبهذه المناسبة أقول: إن كتاب «التاج» هذا ملئ جدا بالأخطاء العلمية وقد
стр. 930
كنت نقدت الجز الأول منه منذ أكثر من عشر سنين من تأليف هذا الكتاب ومسودته موجودة عندي ولو تسنى لنا نشره لفعلنا نصحا للأمة.
[تمام المنة ص «١٤٩»]
هل التفات المؤذن يمنة ويسرة يكون برأسه وصدره؟
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
قوله فيما يستحب للمؤذن: «أن يلتفت برأسه وعنقه وصدره يمينا ... ».
قلت: أما تحويل الصدر فلا أصل له في السنة البتة ولا ذكر له في شيء من الأحاديث الواردة في تحويل العنق ولعله سبق قلم من المؤلف وإن كان استمر عليه في كل طبعات الكتاب.
ومما يحسن التنبيه عليه أيضا أنه ليس في رواية البخاري قوله: «يمينا وشمالا» وإنما هو عند مسلم فقط كما كنت ذكرت ذلك في تخريج الحديث في «إرواء الغليل ٢٣٣» فعزو المؤلف تبعا للنووي للشيخين فيه تساهل واضح وانظر إن شئت «فتح الباري ٢/ ١١٤ - ١١٥».
[تمام المنة ص «١٥٠»]
بيان الذكر المشروع بعد الأذان، وحكم زيادة: «إنك لا تخلف الميعاد» فيه .
الشيخ: [الكلام أوله مبتور] ما بيصلوا على الرسول ﷺ ، تركوا هذه الصلاة للمؤذن بس، مع أن القضية معكوسة، المؤذن وظيفته: الأذان وبس، بينتهي أذانه بـ «لا إله إلا الله»، الآخرين وظيفتهم: يصلوا على الرسول ﵇، والمِنِيح منهم: اللّي بيقول: اللهم صلِ على محمد، بينما لازم تكون صلاة كاملة، فيه صلاة بنصليها في الصلاة التي اسمها: «الصلاة الإبراهيمية» فهذا بعد الإجابة يأتي الأذان -أي: يأتي الصلاة- بعد الصلاة يأتي الدعاء له ﵇ بالوسيلة، وهو أن
стр. 931
يقول: «اللهم رَبَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته»، بس، لهون ما فيه «إنك لا تخلف الميعاد» ما فيه هذه الحاشية، أما هو قال ﵇، كما في صحيح البخاري: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حَلَّتْ له شفاعتي يوم القيامة» هكذا الحديث.
فتذكروا هذه القضايا؛ من شان نكسب شفاعة الرسول ﵊، نجيب المؤذن، ثم نصلي على محمد ﷺ ، ثم ندعو له بدعاء الوسيلة.
«الهدى والنور / ٣/ ٩.: ٢٥: .. »
المسح على الوجه بعد دعاء الفراغ من الأذان
الشيخ: ما أدري هل شغل بإجابة المؤذن، أم شغل بدعاء ما، ثم لاحظته فعل بيده هكذا، فأنا أقول: إن هذا المسح للوجه ليس مشروعاً، ولا أصل له في السنة، وبخاصة لو رفع يديه، فإذا لم يرفع فمن باب أولى لا يُشْرَع له أن يمسح وجهه هكذا؛ لأنه إن كان هناك بعض العلماء يقولون بشرعية مسح الوجه بالكفين بعد الدعاء فلهم مستند، ولو أن هذا المستند كان ضعيفاً من حيث الرواية، لكن لا أحد يقول: بأنه أُذِّن وَدُعِى بدعوة مثلاً، وفُعِل هكذا، فهذا لا أصل له إطلاقاً في السنة.
«الهدى والنور/٢٨٥/ ١٠: ٥٥: ٠٠»
حكم الجهر بالصلاة على النبي ﷺ بعد الأذان
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: قوله: «الجهر بالصلاة والسلام على الرسول ﷺ ... محدث مكروه».
قلت: مفهومه أن الإسرار بها سنة فأين الدليل على ذلك؟ فإن قيل: هو قوله
стр. 932
- ﷺ : «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ثم صلوا علي ... » وقد مضى في الكتاب في فقرة الذكر عند الأذان فالجواب: ان الخطاب فيه للسامعين المأمورين بإجابة المؤذن ولا يدخل فيه المؤذن نفسه وإلا لزم القول بأنه يجيب أيضا نفسه بنفسه وهذا لا قائل به والقول به بدعة في الدين.
فإن قيل: فهل يمنع المؤذن من الصلاة عليه ﷺ سرا؟
قلت: لا يمنع مطلقا وإنما يمنع من أن يلتزمها عقب الأذان خشية الزيادة فيه وأن يلحق به ما ليس منه ويسوى بين من نص عليه ﷺ وهو السامع - ومن لم ينص عليه - وهو المؤذن - وكل ذلك لا يجوز القول به. فليتأمل.
[تمام المنة ص «١٥٨»]
حكم الصلاة على رسول الله عقيب الأذان
السؤال: ما حكم الصلاة على سيدنا رسول الله عقيب الأذان؟
الشيخ: تدور عليه أحكام كثيرة: تارةً يكون فرضاً، وتارةً يكون واجباً، وتارةً يكون سنةً أو مستحباً، وتارةً يكون بدعةً، هذا هو الجواب.
السائل: بعد الأذان.
الشيخ: أنا ما سمعت كلمة بعد الأذان.
السائل: ما حكم الصلاة على سيدنا رسول الله ﷺ عقيب الأذان؟
الشيخ: أنا ما سمعت عقيب الأذان، لذلك أجبتك بهذا الجواب التفصيلي، الجواب بالنسبة للصلاة على الرسول بعد الأذان:
بالنسبة لمن يسمع الأذان فهو إما واجب وإما سنة، لقوله ﵇: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صَلُّوا عليَّ، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لرجل، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة
стр. 933
حلت له شفاعتي يوم القيامة» وفي الحديث عبارة ذهبت عني: «فصلوا عليَّ، فمن صلى علي مرةً واحدة صلى الله عليه بها عشراً، ومن سأل لي الوسيلة حَلَّت له شفاعتي يوم القيامة».
أما بالنسبة للمؤذن -وبخاصة ما هو واقع اليوم- فلا شك في أن الصلاة على الرسول ﵇ بأنها بدعة لم يفعلها السلف الصالح، ولذلك يجب التفريق بين صلاة وصلاة، فالعلماء -مثلاً- يقولون: بأن النبي ﷺ إذا ذُكِرَ في مجلس وجب الصلاة عليه على الأقل مرةً واحدة، لكن الأفضل كلما ذكر الصلاة عليه، كما قال ﵇ في أحاديث كثيرة منها: «البخيل من ذكرت عنده ولم يُصَلِّ عليَّ» هذا بيان أن الصلاة قد تكون مرةً هكذا، وقد تكون مرةً هكذا.
ولذلك: فالمسلم يجب أن يكون بصيراً في دينه، ولا يخلط بين صلاة وصلاة، فأنا ذكرت لك آنفاً أن الذي يسمع الأذان فعليه أن يصلي على النبي ﷺ إما وجوباً كما هو ظاهر الحديث وإما استحباباً كما هو رأي جمهور العلماء.
فأقول: الصلاة على الرسول تختلف أحكامها باختلاف مواطنها، مثلاً: الخطيب يوم الجمعة روى حديثاً أو أحاديث، قال رسول الله ﷺ ، بعد ما قال:
قال الله تعالى في القرآن الكريم كذا وكذا، هل يجوز لنا أن نصلي على نبينا والخطيب يخطب؟ نقول: لا، لماذا؟
لأن قوله ﵇: «إذا قلتَ لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصت، فقد لغوت» قولك: «أنصت» أمر بمعروف، هذا الأمر الواجب يسقط والخطيب يخطب يوم الجمعة، فإذا صلى على النبي ﷺ وبخاصة إذا كان مبتلىً، ولا تستعجلوا عليّ تستنكروا تعبيري، إذا كان مبتلى بحبه لحديث نبيه ﷺ فهو لا يكاد يتكلم بكلمة إلا ويتبعها بقوله: ﷺ ؛ لأن الله يقول: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥].
إذاً: الابتلاء يكون بالخير ويكون بالشر، فإذا كان الله يبتلي إنساناً بالإكثار من
стр. 934
أحاديث الرسول ﵇ في يوم الجمعة، وكلما ذكر الرسول: اللهم صل على محمد، ﷺ ، صار مجلس يوم الجمعة فوضى، وخالفنا بذلك حكمة قول نبينا: «إذا قلت أنصت ... إلخ» الحديث، فقد لغوت.
لذلك: ليس على كيفنا نحن متى ما نريد نصلي ومتى ما نريد لا نصلي، لا، إنما هو كما قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
فنحن نعود كما قلنا في بحثنا السابق: نفهم شريعة ربنا من كتاب ربنا وأحاديث نبينا وتطبيق السلف الصالح لذلك، فالسلف الصالح كما هو متفق عليه بين المسلمين كان مُؤَذِّنهم يبتدئ الأذان بالتكبير وينهيه بالتهليل لا إله إلا الله وينزل، إن شاء بعد نزوله كما قال في الحديث الصحيح: «كم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت، قال: إذاً: أجعل لك صلاتي كلها، قال: إذاً: يُغفر لك ذنبك» .. أيضاً رزقك أو أي شيء في الحديث.
الشاهد: بعد ما ينزل هذا المؤذن من منارته أو مكان أذانه، فيكثر ما شاء من الصلاة، أما أن نجعل شعيرة ونوجد خلافاً بين المسلمين: لا هذه بدعة، لا هذه سنة، لا .. إلخ، ويسعنا ما وسع سلفنا الصالح، كان يؤذن أحدهم وينتهي أذانه بلا إله إلا الله وينزل، ولا أحد بعد ذلك يقول له: قرأت قرآن، أو ذكرت الله، أو صليت على النبي ﷺ ، ما أحد له علاقة به إطلاقاً، أما أن تصبح الصلاة على الرسول شعيرة مع الأذان، وشعيرة خطيرة جداً، هذا محب للرسول ﵇، أما هذا الذي يؤذن ولا يصلي على الرسول هذا مبغض للرسول ﵇، الله أكبر، ما الذي أوقع المسلمين في هذا؟
هذا من شؤم الابتداع في الدين ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١] ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢].
نعلم -مع الأسف الشديد- أن أكثر الناس في بلدنا هذا وفي سوريا وفي غيرها
стр. 935
أن الذي ما يصلي على الرسول بعد الأذان هذا هو المبتدع وهذا هو المبغض للرسول ﵇، والحقيقة كما قيل: رمتني بدائها وانسلت.
الحقيقة: أن المُحِّب للرسول ﵇ هو الذي يتبع الرسول ﷺ ، كما قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، ومن هنا قال الشاعر:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليَبَسِ
وماذا قال أيضاً:
تعصي الإله وأنت تُظْهِر حبه ... هذا لعمرك في القياس بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع
المحب لمن يحب مطيع على عماها، أين هذا؟ هذا بين الناس، واحد يحب امرأة مثلاً دنسة قذرة .. إلخ، فينفق في سبيلها كل غالي ورخيص كما يقولون، لكن نحن ندعي حُبّ الرسول ﵇، لماذا لا نكبح من جماح نفوسنا، ونوقفها عند حدود سنة نبينا، لنثبت تماماً أننا نحب الرسول ﵇، دليل الاتباع: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] هذا جوابي على ما سألت، بارك الله فيك.
سؤال: نفس الموضوع أستاذي، ذكر الحافظ ابن حجر في «إنباه الغمر» أن إلحاق الصلاة على النبي ﵊ بعد الأذان لم تكن إلا في سنة ٨١٢ هـ، قال: وأول من ابتدعه الفاطميون الذين هم العبيديون المعروفون.
الشيخ: صحيح هذا معروف، الذين كانوا في مصر.
السائل: فانظر ثمانمائة سنة لم يفعلها لا القرن الأول ولا الثاني ولا الثالث، مؤذنوا النبي ﵊ وكذا، إنما جاءت .. والاقتداء ينبغي أن يكون في الأول.
стр. 936
الشيخ: هذا صحيح، نسأل الله أن يُلْهِمنا الاتباع.
«الهدى والنور /٢٩٤/ ٤٣: ٣٤: ٠٠»
«الهدى والنور /٢٩٤/ ٠٠: ٢٩: ٠٠»
هل تصح زيادة: إنك لا تخلف الميعاد
مداخلة: زيادة: ﴿إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] هل ورد في بعض الروايات للبخاري .. ؟
الشيخ: لا، لا تصح رواية البخاري المعروفة هي دونها، لكن في بعض النسخ جاءت، لكن لا يقال: في بعض روايات البخاري؛ لأنه يوهم أن للبخاري روايتين على الأقل في رواية جاءت، وفي الأخرى لم تأت، ليس الأمر كذلك، إن كنت تريد هذا فليس الأمر كذلك.
مداخلة: هذا الذي أريد.
الشيخ: لا، ليس الأمر كذلك، إنما الذي يمكن أن يقال: جاءت هذه الزيادة في بعض نسخ البخاري ليس في بعض روايات البخاري؛ لأن الحديث له طريق واحد فالبخاري يرويه عن شيخه عن ابن عياش، وأحمد أيضاً يرويه عن علي بن عياش، وأبو بكر البيهقي يرويه أيضاً من طريق هذا الشيخ، كلهم يلتقون مع هذا الشيخ، بعضهم مباشرة كالبخاري وأحمد وبعضهم بالواسطة.
رواية البخاري في النسخ المتداولة اليوم وعليها شراح الحديث ليس فيه هذه الزيادة وإنما جاءت في بعض النسخ التي كانت قديماً ولا تعرف الآن مطبوعة، أما الرواية فهي فقط من هذه الطريق علي بن عياش، في مسند أحمد ليس فيه هذه الزيادة، في النسخ المعروفة من صحيح البخاري قديماً والمطبوعة حديثاً ليس فيه هذه الزيادة.
جاءت هذه الزيادة فقط صريحة في نسخة سنن البيهقي الكبرى المطبوعة في
стр. 937
الهند فتعتبر من هذه الحيثية شاذة؛ لأن الطرق كلها دارت على علي بن عياش، وأبو بكر البيهقي لم يروه عن علي بن عياش مباشرة وإنما بالواسطة، لو كان البيهقي نفسه قد روى هذا الحديث عن هذا الشيخ مباشرة لكانت زيادته شاذة لمخالفته لرواية إمام السنة الجبل في الحفظ والإتقان، ثم مخالفاً لما في صحيح البخاري في هذه النسخ المتداولة اليوم؛ لذلك لا أرى العمل بهذه الزيادة.
مداخلة: يقول الشيخ: هي ما تضمنت حكماً زائداً وإنما محمد بن عوف الطائي الذي تفرد بها.
الشيخ: يعني: ثقة؟
مداخلة: نعم، ليس فيها منافاة، على تعريف الشذوذ هو أن يروي الثقة ما يخالف الثقات.
الشيخ: ما معنى: أن يخالف الثقات في المعنى أو في الزيادة؟
مداخلة: قد يكون هذا وهذا.
الشيخ: دعك من القدقدة، يقول الإمام الشافعي كما تعلمون من كتب المصطلح: ليس الحديث الشاذ بأن يروي الثقة ما لم يرو غيره، وإنما الحديث الشاذ أن يروي الثقة ما خالف فيه غيره، هذا يفيدك أن المخالفة المقصودة هنا هو مجرد الزيادة؛ لأنه قال: إذا روى الثقة حديثاً من أصله ولم يروه الثقات فهذا فيه معنى وفيه ألفاظ كثيرة، فما دام ما فيه مخالفة لمن هو أوثق منه وإنما تفرد برواية حديث ما، هذا الحديث لا يسمى شاذاً بل هنا يأتي أول ما يأتي زيادة الثقة مقبولة، لكن الحديث الشاذ فمن كلام الإمام الشافعي: أن يروي الثقة ما رواه غيره.
وأنا ذكرت هذا البحث إخواننا الذين صحبونا من جدة بإمكانهم أن يتذكروا في مكان بحثت في تفصيل الفرق بين قولهم: زيادة الثقة مقبولة، وبين قولهم: الحديث الشاذ هو أن يروي الثقة ما يخالف فيه من هو أوثق منه أو أكثر عدداً، والشاهد: أنني ضربت على ذلك مثلاً: والمثال لعله يوضح ويؤكد ما أنا في صدد
стр. 938
بيانه، الحديث طويل ولا أريد أن أطيل، في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب ولا عذاب وجوههم كالقمر ليلة البدر» ثم قال في قصة أختصرها الآن: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون جاء هذا الحديث في الرواية لمسلم: «هم الذين لا يرقون ولا يسترقون» فالآن: حسب فهمك السابق هذه الزيادة تخالف رواية الشيخين؟ ما تخالف حسب ما فهمت منك، زيادة: ﴿إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤].
مداخلة: يعني: تضمنت استدلال الحكم ..
الشيخ: ﴿إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] لا تتضمن زيادة لو لم يأت بها الحديث لم يجز أن تزاد؟
الشيخ: انتهى الأمر، لعلك تذكر الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه [أن النبي] ﷺ قال له: «إذا أخذت مضجعك فقل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجئت ظهري إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت» ومن حديث البراء ﵁ على أن يحفظ هذا الوجه من فم النبي ﷺ أعاده بين يديه، لكنه لما وصل إلى آخره أخطأ فقال: «برسولك الذي أرسلت» فقال له ﵊: «لا، وبنبيك الذي أرسلت» وفي رواية الترمذي: «أنه ضرب صدره وقال: لا، وبنبيك الذي أرسلت» فهذا الحديث صريح أن الأوراد توقيفية فلا يجوز استبدال لفظ بلفظ فيها، فكيف يجوز الزيادة عليها؟ !
فإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك دون شك أو ريب فلا يجوز لنا إذا دعونا برسول الله ﷺ وقلنا: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، أن نزيد من عندنا: إنك لا تخلف الميعاد، وإن كان فيها آية في القرآن الكريم، لكن ما دام أنها لم تصح عن النبي
стр. 939
- ﷺ فلم تجز الزيادة على هذا لحديث.
وقولنا: أنها لا تنافي من حيث المعنى إذا أدركنا كما يقال في بعض البلاد وهذا قول صحيح: أن الزائد أخ الناقص فكما لا يجوز النقص من [حديث] ما كذلك لا يجوز الزيادة فيه إلا بنص صحيح، وهذا كان البحث بأن هذه الزيادة إنما جاءت في سنن البيهقي، ومن طريق ثقة لكن خالف فيه الثقات الذين ذكرناهم آنفاً أو الأقل استحضرناهم آنفاً وهو الإمام أحمد والإمام البخاري رويا الحديث دون هذه الزيادة، فلا يقال إن زيادة الثقة لا تخالف زيادة الثقات؛ لأن المخالفة ولو بزيادة لفظ لا يغير الحكم، لكن يغير الحكم لأن الزيادة لا تجوز.
«رحلة النور: ٢١ ب/٠٠: ٣٧: ٠٣»
بعد انتهاء الأذان هل يبدأ المستمع بالصلاة على النبي ﷺ أم الدعاء ؟
السائل: نرى كثيراً من الناس عندما ينتهي المؤذن يقولون: «اللهم رب هذه الدعوة التامة» إلى آخره ولكن قرأت حديث ولفظه «إذا انتهى المؤذن من»، فيما معناه يقول: «قولوا كما يقول المؤذن ثم صلوا عليَّ ثم سلوا لي الوسيلة» فما هو القول الصحيح في هذه المسألة بارك الله فيكم.
الشيخ: هو في الحديث الذي قرأه، هو حديث صحيح وأيضاً ذكرناه أكثر من مرة وهو مما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليَّ فإنه من صلى عليَّ مرةً واحدةً صلى الله عليه بها عشراً ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة أو منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لرجل فمن سأل لي الوسيلة حلت له شفاعتي يوم القيامة» هذا الحديث كما ذكرنا حديث صحيح رواه الإمام مسلم في صحيحه وهو يأمر بثلاثة أمور:
стр. 940
الأول: أن يقول مثل ما يقول المؤذن تماماً كأنه يؤذن لكنه لا يرفع صوته بالإجابة.
والأمر الثاني: أن يصلي على النبي ﷺ سلم، والصلاة إما أن تكون الصلاة الإبراهيمية وهي الأفضل ولها صيغ كثيرة ويمكنه أن يختار منها ما كان أوجز عبارة ويجوز أن يقتصر على أي عبارة أخرى كما هو المعتاد في الكتب وفي رواية الحديث أن يقول: «اللهم صلِّ على محمد وسلم»، هذا الأمر الثاني.
والأمر الثالث: أن يطلب من الله ﵎ لنبيه ﷺ تلك الوسيلة وذلك باللفظ والدعاء الذي حضَّ عليه النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال حين يسمع النداء: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة» فهذه أوامر ثلاثة على التسلسل:
الأمر الأول: الإجابة.
والأمر الثاني: الصلاة على النبي ﷺ .
والأمر الثالث: الدعاء له بحديث جابر.
وهنا لا بد من التنبيه على بعض الفوائد:
منها: أن الأمر المذكور في هذا الحديث ليس للوجوب وهذا له علاقة بسؤال سبق ذلك لقيام بعض القرائن الدالة على عدم الوجوب أهمها في اعتقادي ما جاء في موطأ الإمام مالك ﵀ بالسند الصحيح أن الصحابة كانوا يوم الجمعة إذا صعد عمر المنبر وأخذ المؤذن بالأذان أخذنا بالحديث فإذا سكت المؤذن سكتنا وخطب عمر بن الخطاب هذا فعل يقع على مشهد من عمر بن الخطاب وهو على المنبر يرى الناس يتكلمون والمؤذن يؤذن ولا يُسَكِّتُهم ولا ينكر عليهم فكان ذلك السكوت دليلاً على أن عملهم ليس مستنكراً وإلا لما سكت عمر وأنتم تعلمون
стр. 941
جيداً من هو عمر.
عمر الفاروق الذي كان يخطب يوم جمعة حينما دخل رجل فقال له منكراً عليه تأخره، قال: «ما كان إلا أن سمعت الأذان فتوضأت ثم جئت فقال له: «آلوضوء أيضاً وقد قال -أو قال سمعت- رسول الله ﷺ يقول: «من أتى الجمعة فليغتسل».
فهذا الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رأى رجلاً تأخر عن الحضور في أول الخطبة ومع ذلك لم يسكت عليه فكيف يسكت على الناس الذين هم بين يديه وهم يتكلمون والمؤذن يؤذن على افتراض أن إجابته واجبة فدل هذا العمل من سكوت عمر على فعل أولئك الناس الحاضرين في المسجد أن الإجابة ليست واجبة.
ومن ذلك أيضاً أنه جاء في بعض الأحاديث أن النبي ﷺ سمع المؤذن يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله» فلم يزد على قوله: «وأنا أشهد» لم يقل العبارة بكاملها إلى غير ذلك مما لا يحضرني من القرائن هذا شيءٌ.
وشيءٌ آخر ألا وهو أن دعاء جابر ينتهي بقوله ﵊: «آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته»، أما زيادة: «إنك لا تخلف الميعاد» فهي شاذة إن لم تكن منكرة لأن الإمام البخاري والإمام أحمد كلاهما رويا هذا الحديث عن جابر من طريق شيخ لهما وهو علي بن عياش بإسناده الصحيح إلى محمد بن المنكدر عن جابر عن رسول الله ﷺ ليس عندهما هذه الزيادة: «إنك لا تخلف الميعاد» وإنما تفرد بروايتها من بين كتب السنن المشهورة الإمام أبو بكر البيهقي في كتابه المعروف بالسنن الكبرى رواها أيضاً من طريق علي بن عياش ولا يشك باحث على أن رواية الإمام أحمد زائد رواية الإمام البخاري عن نفس هذا الشيخ أتقن وأنظف وأحفظ من رواية الشيخ الذي رواه عن علي بن عياش وعنه أبو بكر البيهقي بواسطة ولذلك فلا ينبغي أن يزيد الداعي بهذا الدعاء على ما صح عن رسول الله ﷺ به كما ذكرت آنفاً.
«فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- ٢٠»
стр. 942
حكم الصلاة على الرسول ﷺ بعد الأذان
السائل: ما حكم الصلاة على سيدنا رسول الله ﷺ عقيب الأذان؟
الشيخ: أنا ما سمعت «عقيب الأذان» لذلك أجبتك بهذا الجواب التفصيلي، الجواب بالنسبة للصلاة على الرسول بعد الأذان:
بالنسبة لمن يسمع الأذان فهو إما واجب وإما سنة، لقوله ﵇: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ثم صلوا علي، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لرجل، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حَلَّت له شفاعتي يوم القيامة».
وفي الحديث عبارة ذهبت عني: «فصلوا علي، فمن صلى علي مرة واحدة صلى الله عليه بها عشراً، ومن سأل لي الوسيلة حَلَّت له شفاعتي يوم القيامة».
أما بالنسبة للمؤذن وبخاصة ما هو واقع اليوم: فلا شك في أن الصلاة على الرسول ﵇ بأنها بدعة لم يفعلها السلف الصالح، ولذلك يجب التفريق بين صلاة وصلاة، فالعلماء مثلاً يقولون بأن النبي ﷺ إذا ذُكِرَ في مجلس وجب الصلاة عليه على الأقل مَرَّة واحدة، لكن الأفضل كلما ذُكِرَ الصلاة عليه كما قال ﵇ في أحاديث كثيرة منها: «البخيل من ذكرت عنده ولم يُصِلِّ علي» هذا بيان أن الصلاة قد تكون مَرَّة هكذا وقد تكون مرة هكذا.
ولذلك فالمسلم يجب أن يكون بصيراً في دينه، ولا يخلط بين صلاة وصلاة، فأنا ذكرت لك آنفاً أن الذي يسمع الأذان فعليه أن يصلي على النبي ﷺ إما وجوباً كما هو ظاهر الحديث، وإما استحباباً كما رأي جمهور العلماء.
فأقول: الصلاة على الرسول تختلف أحكامها باختلاف مواطنها، مثلاً: الخطيب يوم الجمعة روى حديثاً أو أحاديث، قال رسول الله ﷺ ، بعد ما قال: قال الله تعالى في القرآن الكريم كذا وكذا، هل يجوز لنا أن نصلي على نبينا والخطيب يخطب؟ نقول: لا، لماذا؟
стр. 943
لأن قوله ﵇: «إذا قُلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب: أنْصِت، فقد لغوت» قولك: «أنصت» أمر بمعروف، هذا الأمر الواجب يسقط والخطيب يخطب يوم الجمعة، فإذا صلى على النبي ﷺ وبخاصة إذا كان مبتلىً ولا تستعجلوا عليّ تستنكروا تعبيري، إذا كان مبتلى بحبه لحديث نبيه ﷺ فهو لا يكاد يتكلم بكلمة إلا ويُتْبِعها بقوله ﷺ ، لأن الله يقول: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥].
إذاً: الابتلاء يكون بالخير ويكون بالشر، فإذا كان الله يبتلي إنساناً بالإكثار من أحاديث الرسول ﵇ في يوم الجمعة، وكلما ذُكِرَ الرسول: اللهم صَلِّ على محمد، ﷺ ، صار مجلس يوم الجمعة فوضى، وخالفنا بذلك حِكْمَة قول نبينا: «إذا قلت أنصت ... » إلخ الحديث «فقد لغوت».
لذلك: ليس على كَيْفِنَا نحن متى ما نريد نصلي ومتى ما نريد لا نصلي، لا، إنما هو كما قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
فنحن نعود كما قلنا في بحثنا السابق، نفهم شريعة رَبِّنا من كتاب رَبِّنا وأحاديث نبينا وتطبيق السلف الصالح لذلك.
فالسلف الصالح كما هو متفق عليه بين المسلمين كان مُؤَذِّنهم يبتدئ الأذان بالتكبير وينهيه بالتهليل لا إله إلا الله وينزل، إن شاء بعد نزوله كما قال في الحديث الصحيح: كم أجعل لك من صلاتي؟ قال: «ما شئت» قال: إذاً: أجعل لك صلاتي كلها، قال: «إذاً يُغْفَر لك ذنبك» .. أيضاً «رزقك» أو أي شيء في الحديث.
الشاهد: بعد ما ينزل هذا المؤذن من منارته أو مكان أذانه فيكثر ما شاء من الصلاة، أما أن نجعلها شعيرةً ونوجد خلافاً بين المسلمين: لا هذه بدعة، لا هذه سنة، لا .. إلخ، ويسعنا ما وسع سلفنا الصالح، كان يُؤَذِّن أحدُهم وينتهي أذانه بلا إله إلا الله وينزل، ولا أحد بعد ذلك يقول له: قرأت قرآن، أو ذكرت الله، أو
стр. 944
صليت على النبي ﷺ ، ما أحد له علاقة به إطلاقاً.
أما أن تصبح الصلاة على الرسول شعيرة مع الأذان وشعيرة خطيرة جداً، هذا محب للرسول ﵇، أما هذا الذي يؤذن ولا يصلي على الرسول هذا مبغض للرسول ﵇، الله أكبر، ما الذي أوقع المسلمين في هذا؟
هذا من شؤم الابتداع في الدين، ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١] ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢].
نعلم مع الأسف الشديد أن أكثر الناس في بلدنا هذا وفي سوريا وفي غيرها أن الذي ما يصلي على الرسول بعد الأذان هذا هو المبتدع وهذا هو المُبْغِض للرسول ﵇، والحقيقة كما قيل: «رمتني بِدَائها وانسلت».
الحقيقة: أن المُحب للرسول ﵇ هو الذي يَتّبع الرسول ﷺ ، كما قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، ومن هنا قال الشاعر:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليَبَس
وماذا قال أيضاً:
تعصي الإله وأنت تُظْهر حبه ... هذا لعمرك في القياس بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع
المحب لمن يحب مطيع على عماها، أين هذا؟ هذا بين الناس، واحد يحب امرأة مثلاً دنسة قذرة .. إلخ، فينفق في سبيلها كل غالٍ ورخيص كما يقولون.
لكن نحن نَدَّعي حُبَّ الرسول ﵇، لماذا لا نكبح من جماح نفوسنا ونوقفها عند حدود سنة نبينا، لنثبت تماماً أننا نحب الرسول ﵇ دليل الاتباع: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
هذا جوابي على ما سألت، بارك الله فيك.
стр. 945
سؤال: نفس الموضوع أستاذي ذكر الحافظ ابن حجر في «إنباء الغمر» أن إلحاق الصلاة على النبي ﵊ بعد الأذان لم تكن إلا في سنة ٨١٢ هـ، قال: وأول من ابتدعه الفاطميون الذين هم العبيديون المعروفون.
الشيخ: صحيح هذا معروف، الذين كانوا في مصر.
السائل: فانظر ثمانمائة سنة لم يفعلها لا القرن الأول ولا الثاني ولا الثالث، مؤذنوا النبي ﵊ وكذا، إنما جاءت .. والاقتداء ينبغي أن يكون في الأول.
الشيخ: هذا صحيح، نسأل الله أن يلهمنا الاتباع.
«الهدى والنور /٢٩٤/ ٤٣: ٣٤: ٠٠»
كيفية الصلاة على الرسول ﵊ بعد الأذان ؟
مداخلة: كيفية الصلاة على الرسول ﵊ بعد الأذان؟
الشيخ: نعم.
مداخلة: اللهم صل على محمد كافي وإلا اللهم صل على محمد إلى آخر اللفظ؟
الشيخ: الأفضل: إلى آخر اللفظ، ويجوز الاختصار.
«الهدى والنور / ١٩٢/ ١٦: ٣٣: ٠٠»
صيغة الدعاء عقب الأذان
الشيخ: أذكر يا أخواننا بمناسبة الأذان وما ينبغي .. ولا أقول: وما يجب، أن يقال في إجابة المؤذن: جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر بن العاص -رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا عليَّ؛ فإنه من صلى علي مَرَّة واحدةً صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا
стр. 946
الله لي الوسيلة؛ فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لرجل، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حَلَّت له شفاعتي يوم القيامة».
الحقيقة أنني أردت أن أُذَكِّر بصيغة دعاء الوسيلة، فإنني أسمع كثيراً من الأئمة فضلاً عن العامة يقولون في دعاء الوسيلة: «اللهم رَبّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة» يزيدون هنا ويقولون: والدرجة الرفيعة! هذا أولاً: زيادة على النَّص النبوي؛ لأن الرسول ﵇ قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رَبّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته؛ حَلَّت له شفاعتي يوم القيامة».
هنا زيادتان لا أصل لهما في هذا الدعاء أولاً.
ثانياً: الأولى منهما لغواً من الكلام وهي «الدرجة الرفيعة» هي الدرجة الرفيعة هي الوسيلة، لكن المهم في الموضوع: أن على كل مسلم أن يُخْلِص لرسوله ﷺ في اتباعه كما يُخْلِص لربه في عبادته؛ لذلك نحن في مثل هذه المناسبة نقول، وهذا اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح، وبخاصة إذا كان المقصود منه هو تذكير الناس بشيء هم عنه غافلون، فأقول: هناك توحيدان .. اصطلاح، أنتم سمعتم -آنفاً- أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد ربوبية .. توحيد العبودية .. توحيد الصفات.
الآن نقول: هناك توحيدان: أحدهما يتعلق بالله والآخر برسول الله، توحيد الله عرفتم تفصيل الكلام فيه، أما توحيد الرسول، توحيده في اتّباعه فلا يُتَّبع معه سواه .. لا تتخذ مع رسول الله متبوعاً إلا هو، فلا رسول بعد رسول الله ﷺ ، تأكيداً لهذا المعنى: قال ﵊ في حديث طويل، الشاهد منه قوله: «لو كان موسى حياً ما وَسِعَه إلا اتّباعي» موسى كليم الله لو كان حياً ما زاد على رسول الله ﷺ فما بالنا نحن المسلمين اليوم لا نهتم بتوحيد الرسول في اتباعه.
نحن الآن نتبع أهواءنا .. نتبع عاداتنا .. آباءنا وأجدادنا إلى آخره، اتباعنا
стр. 947
لأهوائنا إذا قيل كما قلت آنفاً: لا تقولوا: والدرجة الرفيعة .. يقول لك: يا أخي! ما فيها؟ قوله هذا يَدُلُّكم أنه لا يتبع رسول الله، أنت تقول له: رسول الله قال لك كذا: «من قال حينما يسمع النداء: اللهم رَبّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته» انتهى الدعاء .. نحن نقول: «الدرجة الرفيعة» ونزيد في آخره: «إنك لا تُخلف الميعاد» فلماذا أنت لا تخلص لرسول الله في اتباعه؟ إذا عرفت أن رسول الله قال كذا، فحينئذٍ تأتي: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] إذاً: لا تزيدوا «الدرجة الرفيعة» في هذا الدعاء ولا تختموا هذا الدعاء «بإنك لا تخلف الميعاد».
أنا أرجو أن تنتبهوا لهذه القضايا؛ لأنها ليست كما يقول بعض الناس: هذه من القشور، هذه أمور ثانوية، ألا تريد أن تعبد الله كما أمرك الله وكما علمك رسول الله؟ كل من عَبَد الله على غير طريق رسول الله لا يكون مؤمناً بالله إيماناً حقاً.
«الهدى والنور / ٧٤٤/ ١٩: ٠٣: ٠٠»
стр. 948
ترديد الأذان والإقامة
стр. 949
اختلاف العلماء في حكم إجابة المؤذن وكيفية الإجابة
واعلم أن العلماء اختلفوا هنا في موضعين:
الأول: في حكم إجابة المؤذن: فذهب قوم من السلف وغيرهم إلى وجوب ذلك على السامع عملا بظاهر الأمر الذي يقتضي الوجوب، وبه قال الحنفية وأهل الظاهر وابن رجب كما في «الفتح».
وخالفهم آخرون فقالوا: ذلك على الاستحباب لا على الوجوب حكى ذلك كله الطحاوي في «شرح المعاني».
وفي «شرح مسلم»: «الصحيح الذي عليه الجمهور أنه مندوب». وبهذا قال الشافعية وبعض علمائنا الحنفية.
قال الحافظ: «واستدل للجمهور بحديث أخرجه مسلم وغيره أنه ﷺ سمع مؤذنا فلما كبر قال: «على الفطرة» فلما تشهد قال: «خرج من النار». قال: فلما قال ﵊ غير ما قال المؤذن علمنا أن الأمر بذلك للاستحباب، وتعقب بأنه ليس في الحديث أنه لم يقل مثل ما قال فيجوز أن يكون قاله ولم ينقله الراوي اكتفاء بالعادة ونقل القول الزائد ويحتمل أن يكون ذلك وقع قبل صدور الأمر، ويحتمل أن يكون الرجل لما أمر لم يرد أن يكون نفسه في عموم من خوطب بذلك».
قلت: ولعل من حجة الجمهور ما في «الموطأ» أن الصحابة كانوا إذا أخذ المؤذن بالأذان يوم الجمعة أخذوا هم في الكلام فإنه يبعد جدا أن تكون الإجابة واجبة فينصرف الصحابة مع ذلك منها إلى الكلام فراجع «الموطأ».
ومثله ما رواه ابن سعد عن موسى بن طلحة بن عبيد الله قال: رأيت عثمان بن عفان والمؤذن يؤذن وهو يتحدث إلى الناس يسألهم ويستخبرهم عن الأسعار والأخبار. وسنده صحيح على شرط الشيخين.
والموضع الثاني: اختلفوا في الإجابة كيف تكون على أربعة مذاهب:
стр. 950
١ - أن يقول مثل قول المؤذن حتى في الحيعلتين وهو مذهب بعض السلف كما في «شرح المعاني ٨٦» عملا بقوله ﷺ : «فقولوا مثل ما يقول».
٢ - أن يقول مثل قوله إلا في الحيعلتين فيقول مكانهما: «لا حول ولا قوة إلا بالله» وهذا مذهب الجمهور الشافعية وغيرهم عملا بحديث عمر ومعاوية المفصل.
٣ - أن يجمع بين الحيعلة والحوقلة. وهو مذهب بعض المتأخرين من الحنفية كابن الهمام وغيره وهو وجه عند الحنابلة قال الحافظ: «وحكى بعض المتأخرين عن بعض أهل الأصول أن الخاص والعام إذا أمكن الجمع بينهما وجب إعمالهما» قال: «فلم لا يقال: يستحب للسامع أن يجمع بين الحيعلتين والحوقلة وهو وجه عند الحنابلة».
٤ - أن يحوقل تارة ويحيعل تارة. وبه قال ابن حزم وبعض المحققين من متأخري الحنفية. وهو الحق إن شاء الله تعالى لأن فيه إعمالا للحديثين العام والخاص كلا في حدود معناهما وأما الجمع بينهما - كما في المذهب الثالث - ففيه تركيب معنى لا يقول به كل من الخاص والعام كما لا يخفى. وكذلك قال ابن المنذر: «يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح فيقول تارة كذا وتارة كذا».
وهذا التنويع له أمثلة كثيرة في الشرع كأدعية الاستفتاح وغيرها كما سيأتي بيان ذلك هناك وتقدم مثله في أنواع الأذان.
قال الشيخ محمد أنور الكشميري في «فيض الباري»: «فالسنة عندي أن يجيب تارة بالحيعلة وتارة بالحوقلة وما يتوهم أن الحيعلة في جواب الحيعلة يشبه الاستهزاء فليس بشيء لأنه في جملة الكلمات كذلك إن أراد بها الاستهزاء - والعياذ بالله - وإلا فهي كلمات خير أريد بها الشركة في العمل لينال بها الأجر فإنها نحو تلاف لما فاته من الأذان فلا بد أن يعمل بعمله ليشترك في أجره». وقال في الحاشية بعد أن ذكر كلام ابن الهمام في «الجمع»: «وبالجملة كنت أقوم إلى نحو خمس عشرة سنة على
следующие страницы →