الفرق بين الجماعة في زمن
الضعف وزمن التمكين
السائل: هناك معنى للجماعة في زمان التمكين وفي زمان الاستضعاف يختلف المعنى ويا حبذا أن تعطيهِ صورة واضحة، على هذا الأمر.
الشيخ: زمان التمكين وزمان الضعف.
السائل: وزمان الضعف.
الشيخ: هذا بارك الله فيك فيما يبدو وهذا السؤال فيه غرابة من حيث أنه لم يطرح علي سابقاً، الذي يبدو لي والله أعلم أن الجماعة هي من حيث أن معنى هذه الكلمة تقبل التوسعة والتضييق، فهي كالإيمان، فهي كالإيمان، وأنت تعلم إن شاء الله بأن الإيمان يزيد وينقص، وأن زيادتهُ بالطاعة ونقصانهُ بالمعصية، وهكذا الجماعة، الجماعة لا شك أن أنها التي تكون مؤمنة على الوجه الصحيح الثابت في الكتاب والسنة، لكن إيمانها كإيمان كل فردٍ من أفراد هذه الجماعة قابلة للزيادة وقابلة للنقص، كذلك كالجماعة قابلة أن تكون مثلاً قوية، وموكَّلة في الأرض، وقابلة أن تكون مستضعفة في الأرض، وهذا كما يقال التاريخ يعيد نفسهُ، الشعوب والأنبياء هكذا كانوا، تارة وتارة كما قال رب العالمين في القرآن الكريم ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، فوقت حنين مثلاً ووقت أُحد قبل ما ينصرهم الله على أعدائهم كانوا كانت كادت تكون الدائرة عليه وهم
стр. 1402
جماعة واحدة ثم ربنا أمدهم بمدد من عنده ونصرهم على عدوهم، الجماعة إذاً يمكن أن تقوى ويمكن أن تضعف وكل ذلك عائدٌ إلى إيمان أفراد هذه الجماعة، هذا ما يبدو لي من الحوار عن السؤال، قل ما عندك.
السائل: يا شيخ، هل ينطبق معنى الجماعة الآن في زمان الاستضعاف، يعني لا بد أن يكون لها معنى، معنى الجماعة في هذا الزمن، من هي الجماعة في زمن الاستضعاف؟
الشيخ: أنا دندنت حول الجواب عن هذا السؤال، لكن يبدو أن يتضح: الجماعة هي التي تتمسك بالكتاب والسنة، وفي حدود الاستطاعة، ولا ينبغي بل لا يجوز أن نتصور عدم وجود الجماعة في زمننا مهما كانت الجماعة غير ممكن لهم في الأرض، والجواب السابق أعتقد أنه كان كافياً، ولا نستطيع أن نتصور ألا يوجد في الأرض طائفة مؤمنة، لما تعلم من قوله ﵌: لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحق، إلى آخر الحديث وإذا الأمر كذلك فالطائفة هذه قد يكون ممكن لها في الأرض وقد لا يكون كذلك، فكونها غير ممكن لها في الأرض أي كونها ضعيفة ذلك لا ينفي عنها اسم الطائفة، كما انه بالتالي لا ينفي عنها اسم الجماعة، ويؤكد لك هذه أخيراً ما صح عن عبد الله ابن مسعود الجماعة ولو كان فرداً واحداً، لو كان شخصاً واحداً، تعرف هذا الأثر.
السائل: نعم.
الشيخ: نعم
مداخلة: إن إبراهيم كان أمة واحدة.
الشيخ: أمة واحدة، بقي شيء.
(الهدى والنور / ٥٨٠/ ٣٣: ٥١: ٠٠)
стр. 1403
العمل الجماعي
مداخلة: سؤال آخر: هل ترون أن أصل فكرة العمل الجماعي اليوم بدعة أو حرام، أم أن نقدكم يتناول أخطاء التطبيق؟
الشيخ: أم؟
مداخلة: أم أن النقد -نقدكم لهذا التجمع والحزبية- يتناول أخطاء التطبيق، أم أن الأصل في فكرة العمل الجماعي بدعة أو حرام؟
الشيخ: العمل الجماعي ليس هناك مجال لإنكاره إذا لم يقترن بالتحزب، العمل الجماعي هو مما يشمله عديد من الآيات الكريمة: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]، قول رب العالمين: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]، ومثل قوله: ﴿وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨]، ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢].
فمثل هذا التعاون الجماعي ما هناك مجال لإنكاره إطلاقاً؛ لأن الإسلام قائم على هذا التعاون، ولكن الظاهرة التي تبدو في العصر الحاضر هي قد خرجت عن هذه الغاية من التعاون على البر والتقوى؛ حيث خالطها كثير من التحزب والتعصب، إلى درجة أنه صار أمراً مهضوماً مقبولاً عند كثير من الدعاة التكتل باسم التحزب، ونحن نعلم أن الله قد نهى في كثير من الآيات القرآنية عن التحزب والتعصب لطائفة أو لجماعة لها نظامها الخاص ولها منهجها الخاص، ولو لم يكن هذا النظام أو هذا المنهاج مطابقاً للسنة من كل جانب.
стр. 1404
أصبح التحزب اليوم فرقة تمثل ما حذر عنه النبي ﵌ في بعض أحاديثه التي تعتبر تبياناً وتفصيلاً لمثل قوله ﵎: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢]، ولا يخفى على كل مسلم باحث اليوم كثرة الأحزاب المنتشرة في العالم الإسلامي، وأن لكل حزب منهجه ونظامه، وأن هذه الأحزاب متنافرة متباغضة على خلاف.
فالمقصود من التكتل والتجمع الإسلامي، فلكل منهاجه ولكل رئيسه ولكل طائفته، وكل هذه الطوائف لا تلتقي بعضها مع بعض، وهذا بلا شك مما تشمله أو يشمله عموم الآية السابقة: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢].
خلاصة الأمر: التكتل والتجمع في سبيل العمل بالإسلام الذي كان عليه الرسول ﵊ هذا أمر واجب لا يختلف فيه اثنان ولا ينتطح فيه عنزان كما كان يقال، بل لن تقوم قائمة المسلمين ولن يتحقق المجتمع الإسلامي ولن تقوم الدولة الإسلامية إلا بمثل هذا التكتل وهذا التجمع، لكن شرطه: أن يكون لا عصبية لشخص أو لطائفة دون أخرى، وإنما يكون التعصب كله لما جاء عن الله ورسوله ﵌ وعلى منهج السلف الصالح.
(الهدى والنور / ٦٩٨/ ٥٨: ١٥: ٠٠)
стр. 1405
الحد الفاصل بين التعاون
الشرعي والتنظيم البدعي
مداخلة: السؤال الثاني: عن الحد الفاصل بين التعاون الشرعي في الدعوة إلى الله وبين التنظيم البدعي أو الحزبي بالدعوة إلى الله .
الشيخ: الدعوة إلى الله ، أولاً: لا تكون صحيحةً إلا إذا صدرت من عالم، والعالم لا يكون عالماً إلا إذا كان متمكناً في علم الكتاب والسنة، وهذا وحده لا يكفي حتى يكون علمه بالكتاب والسنة على منهج السلف الصالح، وهذه نقطة مهمة جداً.
كل الجماعات الإسلامية المعروفة اليوم وقبل اليوم يتبنون الكتاب والسنة؛ لأن من لا يتبنى ذلك لا يكون مسلماً، وهذا لا يحتاج إلى بيان وشرح، ولكن الشيء الذي هو بحاجة إلى بيان وشرح هو هناك شيء ثالث لا يدندن حوله كل الجماعات الإسلامية الموجودة اليوم على وجه الأرض، إلا طائفة واحدة وهم الذين ينتمون إلى السلف الصالح.
فنحن نقول: لا يكفي العالم المسلم اليوم أن تكون دعوته على الكتاب والسنة فقط، وإنما يضم إلى ذلك: وعلى منهج السلف الصالح، ليس هذا تحزباً كما قد يتصور بعض الناس ولا هو تكتل حزبي، وإنما هو القرآن والسنة أي: لا بد من هذه الضميمة إلى الكتاب والسنة منهج السلف الصالح لماذا؟ لنصوص
стр. 1406
في الكتاب والسنة ولإجماع الأمة على أن خير الهدى هدى محمد ﵌، وخير القرون قرنه ثم الثاني ثم الثالث، كما جاء ذلك صريحاً في الأحاديث الصحيحة.
الكتاب يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] هنا ذكر سبيل المؤمنين، لم يقل: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى) بل ضم إلى مشاققة الرسول قال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] إذاً: هنا شيء مع الرسول سبيل المؤمنين، وهذه نقطة مهمة جداً.
وأرجوا من إخواننا الحاضرين إن لم يكونوا قد حفظوا في أذهانهم هذه الآية فلا أقل من أن يستحضروا المعنى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] لماذا قال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] ألا اكتفى بقوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى) أراد أن يفهمنا أن هناك شيئاً ثالثاً بالنسبة لهؤلاء الذين تأخروا وجاءوا من بعد الرسول ﵇، خاصة في هذا القرن الذي نحن فيه عليهم أن يلاحظوا هذا الشيء الثالث، وهو: وجوب اتباع سبيل المؤمنين وتحريم الخروج عن سبيل المؤمنين، من هم المؤمنون المذكورون في هذه الآية؟ هم المشهود لهم بالخيرية في القرون الثلاثة، قال ﵇: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم».
من أجل هذا ذكر في الآية السابقة: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] تأيد هذا المعنى المذكور في الآية ببعض الأحاديث الصحيحة، كلكم يذكر حديث الفرق الثلاث والسبعين، ولا حاجة أن نذكر لفظه
стр. 1407
وسياقه، والشاهد منه: أنه ﵇ ذكر أن فرقةً واحدةً من ثلاث وسبعين فرقة التي ستختلف بعده ﵇ هذه الفرقة هي الفرقة الناجية، واثنين وسبعين من الفرق الإسلامية هي هالكة .. هي في النار، أمر خطير جداً، واحد من ثلاث وسبعين هو الناجي والبقية من الهالكين.
ولذلك كان بدهياً جداً وضروري جداً أن يتوجه ذاك السؤال من بعض الأصحاب قالوا: يا رسول الله! من هي هذه الفرقة الناجية؟ كان الجواب يلتقي تماماً مع الآية قال: «هي التي ما أنا عليه وأصحابي» هنا نلاحظ أن في الحديث نكتة كالنكتة التي لفتنا النظر إليها في الآية، الآية لم يكتفِ فيها على قوله: ﴿يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥] بل عطف فقال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] كذلك في الحديث لم يكتفِ ﵊ على قوله: ما أنا عليه، وإنما قال: وأصحابي .. أصحابي هم المؤمنون، المقصودون في الآية ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.
على هذا النمط أيضاً جاء الحديث الآخر، حديث العرباض بن سارية: «عليكم بسنتي» أيضاً أذكر الشاهد منه: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» إلى آخر الحديث، لماذا لم يقتصر أيضاً الرسول على قوله: «عليكم بسنتي» وهي كافية فعلاً، لكنه عطف عليها: «وسنة الخلفاء الراشدين» الجواب عن هذه النكتة في هذا الحديث، والنكتة في الحديث الذي قبله، والنكتة في الآية التي قبلهما ما يأتي وهو:
أننا نعلم نحن جميعاً أننا تلقينا الإسلام بواسطة هؤلاء السلف الصالح، لم نعرف القرآن إلا من طريقهم، ولم نعرف سنة الرسول ﵇ إلا من طريقهم، فبقي علينا أن نعرف شيئاً آخر من طريقهم؛ لأننا سنقول حقيقةً لا مراء
стр. 1408
ولا ارتياب ولا شك فيها وهي: أن هؤلاء السلف الذين سمعوا القرآن والسنة من النبي ﵌ غضاً طرياً هم تلقوه مبيناً مفسراً .. تلقوه منه ﵇ مبيناً مفسراً، وبيان الرسول ﵇، وهنا نقطة يجب أن نتذكرها دائماً بمثل هذه المناسبة: بيانه ﵇ ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
بقوله .. بفعله .. بتقريره، فهو يقول شيئاً وهذه أحاديث الرسول القولية، ويفعل شيئاً وهذه أحاديثه الفعلية، ويرى شيئاً فيسكت عنه فيصبح شرعاً، وآنفاً ذكرت لكم قصة تيمم عمرو بن العاص خوفاً من البرد والماء متيسر، فلم يقل له ﵇ قولاً لكنه أقره على ما فعل، فأخذنا منه حكماً، من الذي نقل لنا هذا التقرير؟ هو هذا عبد الله بن عمرو الذي وقعت له القصة فهو صحابي من أولئك الصحابة.
إذاً: هؤلاء الذين نقلوا إلينا الألفاظ هم أيضاً نقلوا إلينا المعاني، فمن طريقهم كما تلقينا الألفاظ يجب أن نتلقى المعاني لماذا؟ لأن الرسول ﵇ يقول: «ليس الخبر كالعيان» نحن الآن يأتينا الخبر، لكن الصحابي مشاهد، فإذاً: هو يفهم هذا الخبر حينما شاهد الرسول يتكلم أفضل منا نحن حيث لم نشاهد وإنما جاءنا الخبر، وهذا أمر مهم جداً.
وأضرب على ذلك مثلاً: أمر الإنسان غيره بأمر ما يمكن أن يفهم: أن هذا الأمر ضروري تنفيذه، ويمكن أن يفهم بأنه غير ضروري، من هنا جاء الاختلاف الأصولي بين العلماء: أن الأمر في القرآن أو في السنة هل يقتضي الوجوب، أم لا يقتضي الوجوب؟ خلاف طويل في علم الأصول.
منهم من يقول: الأصل في كل أمر الوجوب إلا لقرينة، ومنهم من يقول: الأصل فيه الاستحباب إلا لقرينة، منهم من يقول: لا يفهم من الأمر شيء إلا
стр. 1409
بقرينة، والراجح عند علماء الأصول وهو الحق: أن الأمر يفيد الوجوب إلا لقرينه.
لولا هذا ضاعت الأوامر في القرآن كلها سدى، إذا قلنا لا يفهم من الأمر شيء إلا لقرينة هات ابحث عن القرائن؟ ! ! وأنا أذكر لكم قصة: جرى خلاف بين رجلين أحدهما سلفي المنهج والآخر تحريري الحزب، يقول هذا الحزب بالقول الأخير في علم الأصول أن الأمر لا يفيد شيئاً إلا بالنسبة للقرائن، المذهب الذي كان عليه السلف الصالح أن الأمر يفيد الوجوب إلا لقرينة.
وقع خلاف بين الرجلين فأنا نصحت الرجل الذي يتبنى أن الأمر يفيد الوجوب وكان مرؤوساً تحت رئاسة ذلك الحزبي، قلت له: الأمر سهل إن شاء الله! وأنت بالنسبة إليه ضعيف في العلم لكن سأدلك على طريق، قال: ما هو؟ قلت: كلما أمرك بشيء بالتعبير السوري: طنش، ما معنى: طنش؟ يعني: أعرض عن هذا الأمر ولا تبالي به وكأنك لم تسمعه، وسيضيق ذرعاً بإعراضك، سيكرر الأمر طنش، وهكذا حتى يضيق ذرعاً ويغضب، ويقول لك: يا أخي! مراراً أنا آمرك بهذا الشيء وأنت لا تستجيب! قل له: يا سيدي! أنت قلت: أن الأمر لا يفيد الوجوب إلا حينما يكون معه قرينة وأنت لم تضم قرينة إلى هذا الأمر؛ ولذلك أنا أعاملك على مذهبك! هذا الحقيقة تعطيل النصوص .. تعطيل الأوامر الشرعية.
فالشاهد: الآن حضر الحديث الثاني: «ليس الخبر كالعيان» لكن حديث آخر: «الشاهد يرى ما لا يرى الغائب» والحديث هذا له مناسبة طريفة جداً، يقول الرسول ﵌: أن موسى ﵇ حينما ذهب لمناجاة ربه، أخبره أخوه هارون بأن قومه عبدوا العجل، حينما أخبره بالخبر لم يغضب موسى ﵇، لكن
стр. 1410
حينما وصل إلى قومه ووجدهم فعلاً يعبدون العجل كانت الألواح التوراة التي أنزلها الله عليه في يده فغضب غضباً شديداً وألقى الألواح، حينما أخبر الخبر لم يغضب، حينما رأى المخبر عنه تأثر وغضب غضباً شديداً وألقى الألواح وهو غضبان.
إذاً: «الشاهد يرى ما لا يرى الغائب» فنحن هذه الأوامر التي تأتينا ما يدرينا أنها كانت بصيغة الحزم، أو كانت بصيغة اللطف: «الشاهد يرى ما لا يرى الغائب».
خلاصة الكلام: السر في قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] .. «ما أنا عليه وأصحابي» .. «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي»؛ ذلك لأن هؤلاء نقلوا لنا القول والفعل والتقرير .. نقلوا اللفظ والمعنى، ولذلك فلا يجوز لنا إلا أن نفهم القرآن والسنة على ما كان عليه السلف الصالح.
ومن هنا يأتي أمر عظيم جداً وهو: كيف نستطيع أن نميز هذه سنة، وهذه بدعة؟ من طريق السلف الصالح، إذا شيء فعله السلف الصالح نفعله للسبب الذي سبق ذكره، لم يفعله السلف الصالح لا نفعله.
وهذا كله في إطار الدين .. في إطار العبادات، أما في إطار العادات فالأمر واسع جداً ما لم يخالف نصاً من كتاب أو سنة.
إذا عرفنا هذه الحقيقة، إذاً: فنحن يجب أن تكون دعوتنا قائمة على الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، من الذي يمكنه أن يتحقق بهذه الأمور؟ هو الرجل العالم، إذاً: العالم هو الذي ينبغي أن يتولى الدعوة وهو الذي ينبغي أن يتولى إقامة الحجة.
كثير من إخواننا طلاب العلم يقول: أنا اجتمعت مع الشيخ الفلاني قد يكون
стр. 1411
شيخ كبير أزهري، أو اجتمعت مع الدكتور فلان يعلم الشريعة في الجامعة، ويقول: قال كذا وكذا وأنا أقمت الحجة عليه، لا يطلع بيديه هذا طويلب علم ليس بعالم، طالب علم ليس بطالب علم، إنما هو مبتدئ في طلب العلم مع ذلك يظن بأنه استطاع أن يقيم الحجة على ذاك الشيخ الأزهري، أو على هذا الدكتور الجامعي.
فأنا أقول لهؤلاء ناصحاً: يا إخواننا! لا تتحمسوا كثيراً من حيث أنكم تستطيعون أن تبلغوا الدعوة، أما أن تحملوا الدعوة في أنفسكم كما فهمتموها من مشايخكم فهذا واجبكم، أما أن تنقلوا الدعوة بأدلتها من الكتاب والسنة وعلى ما كان عليه السلف الصالح فهذا إنما يتعلق بأهل العلم.
من هنا نأتي إلى الآية ولعله يكون نهاية الجواب عن هذا السؤال الثاني قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] فالمجتمع الإسلامي قسمان من حيث العلم:
قسم عالم، وقسم غير عالم، وعل كل من القسمين واجب، واجب الذي ليس بعالم أن يسأل أهل العلم، وواجب هؤلاء أن يجيبوا من سألوهم، كما قال ﵇: «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» ولذلك تكون النتيجة إذا قصر العلماء في القيام بواجب الدعوة فسيقوم بهذا الواجب من لا يستحق أن يقوم به وهم من دونهم، وهذا هو الواقع اليوم؛ ولذلك فنحن نحذر كل من هؤلاء وهؤلاء أن يقصروا في واجبهم، نحذر العلماء أن يقصروا في القيام بواجب الدعوة إلى الله على المنهج الذي سبق بيانه، ونحذر غيرهم أن يتولوا القيام بما يجب على غيرهم ولا يستطيعون هم أن يقوموا به نحذرهم أن يقوموا به، هذا ما عندي أخيراً بالنسبة لهذا، نعم.
стр. 1412
مداخلة: إذا كان هذا الآن كلام يعني: عام كمنهج، إذا أردنا تبيانه بصورة خاصة للإخوة الذين اجتمعنا بهم في جمعيتهم وبالتالي عندهم معهد، الصورة عندهم بشكل مختصر: أنه .. طبعاً هم مستأجرين مبنى جعلوها كجمعية ومدرسة فيها المتوسط والثانوي، التدريس عندهم .. أمر الدعوة عبر حصص بدروس كأنها معهد بشكل منظم، لكن لا يوجد مثلاً أمير يدين الله بطاعته حتى في الأمور المباحة فإن عصي كأنما عصي الله ما عندهم هذا الأمر، وإنما عندهم رئيس ونائب رئيس لتنظيم أمر الدعوة في المعهد وخارج المعهد، هذه الصورة التي عندهم، فكان السؤال يعني: هل هذا يعتبر دخلنا في التنظيم الغير مشروع أم هذا ... ؟
الشيخ: لا، لا هذا أمر إداري لا بد منه.
مداخلة: وإن سموا بغير .. سموا مثلاً جمعية ... ؟
الشيخ: لا يهمنا الأسماء بقدر ما يهمنا المسميات، نعم.
مداخلة: فذكرت لهم أن النبي ﵌ حينما سئل عن الفرقة لم يقل هم أعطاهم اسم مثلاً أهل السنة أو كذا، وإنما وصف حالهم، فإن عرضتم حالكم إلى الكتاب والسنة ..
الشيخ: أخي! التنظيم المستنكر هو التنظيم الذي يراد به إقامة دولة مسلمة في دولة غير مسلمة، التنظيم المستنكر هو الذي تتخذ الوسائل للقيام بثورة ضد الحكم القائم وليس التنظيم الذي هو تنظيم علمي.
نحن .. لعل بعض الحاضرين يعلم أن دعوتنا قائمة على أساسين اثنين، ونرى أنه لا حياة ولا نجاة للمسلمين من هذا الذل الذي ران بهم في كل بلاد الإسلام مع الأسف إلا على هاتين الركيزتين: التصفية والتربية، تحقيق التصفية وتحقيق
стр. 1413
التربية هذا لا بد له من تنظيم، لكن التنظيم يدور على الناحية الأولى وهي التصفية، هو المقصود بها كما شرحت ذلك مراراً وتكراراً، هو: قيام العلماء بواجبهم العلمي أن يأخذوا هذا التراث الذي ورثناه من القرون الكثيرة والكثيرة جداً، ودخل في هذا التراث ما ليس منه تارةً خطأً، وتارةً قصداً وكيداً بالإسلام، لا بد لهؤلاء العلماء من أن يقوموا بواجب تصفية هذا الإسلام مما دخل فيه مما هو بريء منه، لماذا؟ ليتحقق أثر هذا الإسلام في المتمسكين به كما تحقق في الأولين المتمسكين به إسلاماً صافياً، لا شك أن إسلامنا اليوم كفكر لا يمكن أن يصور أنه مصفى، كيف وهناك فرق كثيرة جداً ممن ذكرنا آنفاً المعتزلة والخوارج والإباضية والشيعة والرافضة وإلى آخره، كل هؤلاء يدعون الإسلام، فإذاً: لا بد من أن يقوم العلماء بواجب تصفية هذا الإسلام وتقديمه إلى الناس، نحن قلنا آنفاً في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧].
(الهدى والنور /٧٣٥/ ٠٣: ٣٦: ٠٠)
(الهدى والنور /٧٣٥/ ٠٨: ٥٦: ٠٠)
стр. 1414
الحزبية والعمل الجماعي
الشيخ: الحزبية في الإسلام محرمة.
مداخلة: محرمة! ... الطرق الضالة.
الشيخ: لكن التجمع والتكتل بدون تحزب بحيث لا نقبل مسلمين آخرين معنا على أساس الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح هذا لا بد منه، لكن ليس تحزباً جماعة على جماعة وكلهم داخلين في دائرة الإسلام هذا لا يجوز، وأن الله يقول: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢] .. فهمتني؟
مداخلة: فهمت نعم.
الشيخ: هذا هو.
مداخلة: أنا .... البرلمان في الطريق الديمقراطي هل يجوز لهم؟
الشيخ: لا ما يجوز، ما يعلن البرلمان أنه يحكم شريعة الإسلام بتفاصيلها فلا يجوز الدخول في مثل هذا البرلمان، هذا أولاً، وثانياً: الانتخابات التي تجري اليوم في بعض البلاد الإسلامية وحديثاً وقع عندنا في عمان، هذا خلاف الإسلام؛ لأن الانتخاب بحيث يشترك فيه كل الرجال بل يشترك فيه حتى النساء فما فائدة هذا الانتخاب ... وفيه الصالح والطالح، وفيه الزاني والفاسق وإلى آخره.
(رحلة النور ١٩ a/٠٠: ١٥: ٢٤)
стр. 1415
التنظيم من أجل الدعوة
مداخلة: شيخ هناك على الساحة مما يرى جماعة ظهرت جديدة، تجمع بين الجماعة السلفية وجماعة الإخوان المسلمين، وذلك أنهم يرون أن الجماعة السلفية غير منظمين، وغير واقعيين، فيأتون إلى الجماعة السلفية بالتنظيم وبالواقعية كما يزعمون، هل هذه الجماعة شرعية؟
الشيخ: والله هذا الجواب عليه يتفرع من معرفة ما يعنون بالتنظيم، لأنه كما قلنا أكثر من مرة تنظيم الدروس واللقاءات فهو أشبه ما يكون بالمدارس النظامية، فهذا لا أحد يجادل في جواز ذلك، فإن فتح المدارس لم يكن معهودًا في عهد الرسول ﵊ وإنما حدث ذلك فيما بعد، ولا شك أن هذا نوع من التنظيم، ولا إنكار في ذلك، أما إذا كانوا يقصدون بالتنظيم كما هو واقع كثير من الجماعات هو العمل السري والاستعداد للخروج على الحاكم المسلم فهذا طبعًا لا يجوز أولًا، وثانيًا: سيكون مصير الجماعة السلفية التي تحاول أن تجمع بين الدعوة للسلف وبين أسلوب التنظيم عند بعض الخلف أنهم سوف لا يكونون لا سلفيين ولا إخوانيين كما يقال عن بعض الطيور إنه نسي مشيته؛ لأن الدعوة لا تنجح أبدًا إلا إذا تفرغ لها كشأن أي عمل علمي لا بد له من التخصص فإذا ما خلط الإنسان بين نوع من العمل ونوع آخر لم يتقن لا هذا ولا هذا.
على أننا نقول نحن دائمًا وأبدًا: إن قيام كل جماعة بواجب من الواجبات
стр. 1416
الكفائية هذا لا بد منه، لكن بشرط أن يكون تحت دائرة تجمعهم وهي دائرة الإسلام على الكتاب والسنة وعلى ما كان عليه سلفنا الصالح، فالتخصص في العمل هذا أمر لا ينكر، لكن الخلط بين هذا وبين هذا لا يجوز، فمثلًا: المدير الإداري، مدير المدرسة لا يمكن أن يكون معلمًا .. لا يمكن أن يكون مدرسًا للحديث في التفسير إلى آخره، عمله إداري، كذلك المحدث والمفسر لا يمكن أن يكون مديرًا؛ لأن عمله تعليمي، وهكذا ما يقال في الأفراد يقال في الجماعات تمامًا، فإذا أرادوا جماعة من السلفيين أن يجمعوا بين تعليم الدعوة وبين التنظيم خاصة إذا كان من النوع الذي لا يشرع فقد خسروا ولم يربحوا شيئًا.
(فتاوى رابغ (٧) /٠٠: ٠٤: ٤٧)
هل هناك من هو سلفي العقيدة حركي المنهج ؟
مداخلة: يقول السائل: أرجو من الشيخ أن يوضح لنا الفرق الحقيقي بين السلفيين عقيدًة والإخوانيين منهجًا، وبين السلفيين عقيدًة ومنهجًا علمًا بأن هذين المذهبين هما السائدين في جزيرة العرب، وكثير من طلبة العلم يقعون في الأول من حيث لا يشعرون.
الشيخ: ربما يمكننا أن نقول: بأننا في الأمس القريب كان في بعض ما تكلمنا فيه ما يمكن أن يكون جوابًا لهذا السؤال أو بعض الجواب، فإننا قلنا: إن الإسلام يجب أن يفهم كليًا من كل جوانبه فهمًا صحيحًا قائمًا على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح ﵃، وقلنا: أن الدعوة السلفية إنما تقوم على كلمتين اثنتين، وهذا اصطلاح جرينا عليه، وهما: أنه لا بد من التصفية والتربية،
стр. 1417
وشرحنا أن المقصود بالتصفية: هو أن يتوجه أهل العلم إلى أن يفهموا الإسلام من مصدريه الصافيين، وعلى منهج السلف الصالح، ثم أن ينشروا هذا العلم الصحيح بين الأمة المسلمة، هذا هو النقطة أو الركيزة الأولى للدعوة السلفية: أن يفهم الإسلام فهمًا صحيحًا من كل جوانبه بناءً على المنهج المذكور آنفًا: على كتاب الله وحديث رسول الله ومنهج السلف الصالح.
وقلنا: إن هذه المهمة لا يستطيع أن ينهض بها فرد ولا عشرة وإنما ينبغي أن يقوم بها الألوف المؤلفة من علماء المسلمين في أقطاب أرض الإسلام كلها، ثم ينبغي أن يقترن مع هذا التعليم والنشر لهذا المفهوم الصحيح للإسلام .. أن يقترن معه تربية المسلمين على هذا الإسلام الصحيح.
هذا هو المنهج، وليس مجرد ادعاء، وأن يكون الداعي أو الداعية بعيدًا عن الفهم الصحيح على هذا المنهاج، ثم هو ينادي ويصيح أن دعوته قائمة على الكتاب وعلى السنة، ثم لا شيء أكثر من مجرد هذه الدعوى.
ونحن نعرف بالتجربة من كثير من الجماعات الإسلامية، ولسنا بحاجة إلى أن نسمي بعضها؛ لأن الغاية إنما هو التذكير والذكرى تنفع المؤمنين: نعرف بعض الجماعات الإسلامية التي لها عناية أو شبه عناية بما نقول نحن في الشرط الثاني الذي ينبغي أن يقوم به الدعاة إلى الإسلام ألا وهو: التربية، أو ما يسمى بالسلوك في بعض الاصطلاحات، إن بعض هؤلاء الجماعات كنا نراهم يجتمعون كل ليل جمعة ليحيوها بالصلاة والعبادة وقيام الليل، ولا بأس من قيام، ولكن يشترط في ذلك إذا ما استندنا على المنهج الصحيح لفهم الإسلام، يشترط ألا يكون قيام الليل جماعيًا، أي: على التداعي كما كان يفعل هؤلاء يتداعون في كل أسبوع أن يجتمعوا ليلة الجمعة ليحيوا الليل، ثم كانوا بسبب بعدهم عن دراسة الإسلام من
стр. 1418
مصدريه كما ذكرنا كانوا في غفلة تامة عن قوله ﵊: «لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام ولا نهارها بصيام» فهم إذًا باسم إصلاح النفوس وتحسين السلوك كانوا يجمعون بعض سراياهم لإحياء هذه الليلة التي نهى الرسول ﵌ عن إحيائها، فكيف يمكن إذًا أن تقوم قائمة الإسلام بمثل هذا المفهوم الخاطئ بالسنة، بل بالعبادة التي جاء بها الإسلام.
لذلك فلا بد من أن يقوم كل الدعاة الإسلاميين كل بحسبهم .. أنا لا أدعي أن على كل جماعة إسلامية أن تعمل عملًا واحدًا، أي: أن يكون كل جماعة يكونوا فقهاء، أو أن يكونوا محدثين، أو أن يكونوا مفسرين، ولكن لا بد لكل هذه الجماعة أن يكونوا جميعًا متفقين على منهج واحد لا يختلفون في المنهج وإن كانوا يختلفون في الاختصاصات لكن تجمعهم دائرة الإسلام على المفهوم السلفي الصحيح، فإذا كانوا يريدون حقًا أن تكون كلمة المسلمين واحدةً، وأن تكون جماعتهم جماعة واحدة، وألا يُفَرِّقوا جماعة المسلمين فعليهم أن يكونوا جميعاً على منهج واحد، ثم من كان يستطيع منهم أن يحقق هذا المنهج علمًا فعليهم أن يتبنوا هذا العلم، وهذا لا يعني أن يتبعوا شخصًا أو أشخاص وإنما الأمر كما قلنا آنفًا: ينبغي أن يقوم به الألوف من علماء المسلمين لكن على منهج واحد.
ولذلك كنا في بعض المؤتمرات التي دعت المؤتمرين إلى أن ينطلقوا في دعوتهم المسلمين إلى دينهم على الكتاب والسنة اقترحنا مع بعض إخواننا أن يضم إلى هذه الدعوة، أي: أن تكون دعوة الدعاة قائمة على الكتاب والسنة، فاقترحنا أن يضم إلى ذلك: وعلى منهج السلف الصالح، فنحن نرى أن كثيرًا من الدعاة أولًا: لا يهتمون فكرياً بمثل هذا الشرط وهو: أن يكون فهم الكتاب
стр. 1419
والسنة على منهج السلف الصالح، لا يهتمون فكريًا وبصورة طبيعية ولازم هذا عدم الاهتمام ألا يهتموا بهذا في ذوات نفوسهم، وبعضهم قد يقول بلسانه: بأن هذا النهج هو الصحيح ولكن لا يحققه، لماذا؟ لأنه لا يستفيد من جهود المتخصصين في الدعوة إلى الإسلام على ضوء الكتاب والسنة، فإذًا: بعض الجماعات حينما تريد أن تعمل للإسلام فإذا كان عملهم ليس على هذا المنهج فسوف لا يثمر عملهم ما يبتغونه من إقامة دولة الإسلام على وجه الأرض.
فنحن إذًا: ندعو كل الجماعات الإسلامية أن يكونوا على كلمة سواء، وهذه الكلمة لا تكون إلا على هذا المنهج بدليل: أنه لا يستطيع أحد أتي ذرة من علم أن يأتي بمنهج آخر يخالف هذا المنهاج القائم على كتاب الله وعلى حديث رسول الله وعلى منهج سلفنا الصالح ﵃.
ومما لا شك فيه ولا ريب فيه أن إقامة دولة الإسلام التي هي مبتغى كل الجماعات الإسلامية، لا شك في ذلك خلافًا لما قد يقول البعض عن السلفيين بأنهم لا يهتمون بإقامة دولة الإسلام نعرفها من قديم الزمان، لكن الحقيقة أن العمل لإقامة الدولة الإسلامية هي بغية كل مسلم، لكن الأساليب تختلف، فنحن نقول: أن أي أسلوب لأية جماعة تقوم على أساس العمل بالإسلام هذا الذي ورثناه، وفيه فيما يتعلق بالعقائد ما يخالف الكتاب والسنة ويخالف منهج السلف الصالح، وفيه من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وفيه من الأحكام الشرعية ما تخالف الكتاب والسنة، وفيه من الحض على الزهد والانحراف عن السعي في الأرض ما يخالف أيضًا الكتاب والسنة، هذا السلوك الذي يسلكه بعض الجماعات دون الاهتمام بتصفية هذا الإسلام مما دخل فيه سوف لا يثمر البغية التي أنشدها أو تنشدها كل الجماعات الإسلامية، وإنما ستقوم هذه الدولة
стр. 1420
بإذن الله على أكتاف وعلى أيدي الذين يتبنون هذا المنهج الصحيح بإجماع جميع الجماعات، لا أظن ولا أتصور أن جماعة تدعي الإسلام بإمكانها أن تنكر هذا المنهاج، وإلا كان ذلك انحرافًا عن الإسلام انحرافًا كليًا، وكان داخلًا وفي وعيد قول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
فنحن إذا كنا صادقين في حسن ظننا هذا لكل الجماعات الإسلامية الموجودة اليوم في الساحة الإسلامية فعليها أن تؤكد حسن ظننا بهم أن يتعاونوا بناءً على الاتحاد معنا على هذا النهج الصحيح فكريًا، ثم أن يتعاونوا معنا على تطبيق هذا النهج عمليًا، وإلا فستكون الجماعة التي تكون هي الأحق بأن تقيم حكم الله في الأرض هي التي تتبنى هذا المنهج المجمع عليه فكرًا وتقوم بتحقيقه عمليًا.
لعلي بهذا أجبت عن السؤال السابق!
(لقاءات المدينة لعام ١٤٠٨ هـ (٩) /٠٠: ٤٥: ٣٧)
стр. 1421
حكم التحزب والعمل التنظيمي
مداخلة: كنا سألناكم في السابق على التنظيم .. تنظيم الدعوة في الجماعة، وسمعنا منكم سابقًا في حديثكم حول الجماعة يعني: أن الواجب على الجماعات أن يتكاملوا في العمل، أن يعمل كل واحد حسب تخصصه، ومن خلال استماعنا لكم في المدة الأخيرة هذه أنكم تمنعون التحزب والعمل التنظيمي، كيف نوفق بين القولين؟
الشيخ: لا لازم ... التنظيمي الآن نحن اجتمعنا هنا على تنظيم، أليس كذلك؟ نحن نقر تنظيمًا وننكر تنظيمًا، فالتنظيم الذي ننكره هو ما يهتف به الناس الذين يريدون أن يقيموا دولة الإسلام ما بين عشية وضحاها بهذه التنظيمات التي تقوم على ما يشبه التنظيمات المعروفة لدى غير المسلمين، تنظيمات سرية مثلًا .. استعدادات مادية أن تقوم مثلًا دولة في وسط دولة وما شابه ذلك أو دويلة في وسط دولة وهكذا، التنظيمات هذه التي يدندن حولها كثير من المتحزبين فهذا الذي نحن ننكره.
أما التنظيم في سبيل تدريس العلم وتوجيه الناس وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ونحو ذلك من الأحكام المقطوع بشرعيتها في الإسلام، فهذا نحن لا ننكره.
باختصار: إذا كان التنظيم ينتج منه تحزب فهذا الذي ننكره، أما التنظيم الذي لا يترتب من وراء التحزب والتحزب الذي لا يترتب من ورائه تفريق الأمة إلى
стр. 1422
شيع وفرق وأحزاب، فهذا نحن لا ننكره ولا يستطيع الإنسان أن ينكر تنظيمًا يساعد على نشر العلم وعلى توعية الناس وعلى تثقيفهم وتربيتهم على أساس الإسلام الصحيح.
ولعله لا تناقض بين ما كنت سمعت قديمًا ...
مداخلة: لكن هؤلاء الجماعات نعرف أنهم متحزبون، يعملون بعمل التنظيم السياسي ..
الشيخ: أنا ما قلت جماعة معينة هذه مشروعة أو غير مشروعة، أنا أقول: أي جماعة تتحزب وتتكتل ويترتب من وراء ذلك ما تعلمون بيعة رئيس الجماعة وما شابه ذلك فهذا مما يزيد المسلمين فرقة واختلافًا.
مداخلة: نقل من بعض أهل العلم، وأنا أعلم أن هذا النقل غير سليم وغير صحيح، نقلوا نقلًا من كتاب: حياة الشيخ الألباني للشيباني كلامًا مختصرًا، وقالوا: بأن الشيخ الألباني يرى جواز الأحزاب .. تكوين الأحزاب السياسية والدخول فيها، مع أن المعلوم عنك خلاف هذا كله.
الشيخ: ... هذا ... لكن يمكن كلام الأخ، أنا أقر أن تقوم كل جماعة بطرف بواجب من الواجبات ...
مداخلة: باختصاصها.
الشيخ: نعم، باختصاصها هذا أقره ولا ... فيه أبدًا، يعني: أضرب مثلًا سهلًا بسيطًا جدًا وهو: لا أنكر أن يكون هناك جماعة أو طائفة من المسلمين يقومون مثلًا بتمارين رياضية في حدود الشريعة الإسلامية؛ لأن هذا واجب كفائي إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وعلى ذلك فقس: أن يكون هناك جماعة يقومون
стр. 1423
بتعلم علوم، لا يقوم بها أمثالنا نحن من ... لكن كل هذه الجماعات يجب أن يعيشوا في حلقة واحدة، وهي: دائرة الكتاب والسنة، وليس هناك اختلاف في الأصل الذي ينبغي أن يقوم عليه صرح الإسلام ومجد الإسلام، فهذا أنا أقره وأقول به دائمًا وأبدًا، لكن هذا شيء والتحزب الذي ننكره والذي يترتب من ورائه أن تتحزب كل طائفة لجماعتها، ثم أن يزدادوا تباعدًا وتباغضًا ونحو ذلك هذا شيء آخر.
مداخلة: وهذا ما قلت ... القضية هذه، قلت: لما قال الشيخ هذا الكلام يعني به: أن مثل هذه الطائفة تختص بالكتابة وفي السياسية، وطائفة تختص بكتابة ... إلى أن تقوم الدولة الإسلامية فكل بعد ذلك ...
الشيخ: ولا يمكن أن تقوم الدولة الإسلامية إلا على هذه التخصصات، لا على التحزبات.
مداخلة: فإن خلال ما رأينا ما كتب هؤلاء التنظيميون مثلًا الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق في كتاب: العمل الجماعي وكثير منهم، سرور كذلك في كتاباته يعني: يقولون بأن الشيوخ السلفيين وسواء السلفية المعاصرة أو القديمة مثل الشيخ محمد بن عبد الوهاب يحتجون، يقولون: إنه كان لديه تجمع، قام بتجمع من خلال دعوته، ونشر دعوته الإبداعية وخرج خارج الجزيرة.
الشيخ: لا بأس يا أخي! التجمع .. كلمة: التجمع كلمة ... مطاطة، كلمة سياسيين، تضيقها تضييق ... تتسع، نحن الآن كما قلنا آنفًا: ألسنا متجمعين؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: أهناك أحد ينكر هذا التجمع؟
стр. 1424
مداخلة: لا.
الشيخ: لكن التجمع الذي أشرنا إليه آنفًا الذي هو في الحقيقة واقع التكتلات الحزبية اليوم في الأراضي الإسلامية: محاولة إيجاد دويلة صغيرة ضمن دولة كبيرة؛ لأن لهم آراء تتعلق بهذه الدولة، منهم من يصرح بأن الحكام كفار .. منهم من يقول: إن الحكام كفار فيجب الخروج عليهم ونحو ذلك من الأقوال، هذا لا تنبع من التجمعات العلمية ... التي نحن أشرنا إليها، وإنما تنبع من التكتلات والتحزبات السياسية، ثم هذه التحزبات والتكتلات السياسية مع الزمن إن كان عندها شيء من الثقافة الإسلامية الصافية تبدأ تضمحل وتذوب وتذوب؛ لأن الجهد سيتوجه إلى الناحية السياسية المحضة، فهذا التجمع وهذا التكتل وهذا التحزب لا ينبغي نحن أني يطغى علينا أن هذا شيء والذي يأمر به الإسلام وقامت به كل الجماعات الإسلامية على مدى الزمان فهذا شيء آخر.
انظر الآن أخونا عبد الرحمن عبد الخالق: عبد الرحمن عبد الخالق هو صاحبنا وأخونا، وهو تلميذي في الجامعة الإسلامية وله كلمات يذكر فيها أو يذكرني فيها بخير، لكن مع ذلك مع الزمن هو تطورت ناحية السلفية فيه؛ لأن العمل السياسي يضطر أن يتزحزح القائم على هذا العمل والخروج ولو بعض الشيء، وقد يكون الخروج فيما بعد أكثر وأكثر.
هو مثلًا يقر جماعة التبليغ على عجرها وبجرها! لماذا؟ لأنها تعمل للإسلام، هذا ... وأنا أقول: إن جماعة التبليغ كجماعة كثيرون منهم مخلصون، لكن الخط الذي هم سائرون فيه لا يوصل أبدًا هذه الجماعة، أولًا إلى .. إذا جاءهم الأجل أن يموتوا على التوحيد الصحيح .. على عقيدة صحيحة، وماذا يهم المسلم إذا لم يستطع أن يقيم دولة الإسلام على أرض الإسلام؟ لكنه يستطيع أن يقيم دولة
стр. 1425
الإسلام في قلبه، وماذا يهمه هو إذا لم تقم دولة الإسلام على الأرض إذا أقامها في قلبه؟ ولكن العكس تمامًا: قامت دولة الإسلام، لكن دولة الإسلام في قلبه لم تقم، ما الفائدة من ذلك؟
فجماعة التبليغ كما تعلمون ... بحاجة تفصيل القول: لا يدرسون التوحيد .. لا يدرسون الحديث والسنة، كل منهم مثل الإخوان المسلمين كما يقولوا عندنا في بلاد الشام: كل من على دينه الله يعنيه! يعني: هذا حنفي .. هذا حنبلي .. هذا مالكي .. هذا شافعي .. هذا صوفي .. هذا سلفي، كل هذا ما في اختلاف بينهم؛ لأنه ليس لهم هدف اتباع قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] هذا الأمر ممكن جماعة التبليغ لا يسعون إليه، إلى ماذا يسعى جماعة التبليغ؟ إلى شيء سهل سمح، أشبه ما تكون .. وعفوًا لا ... بهذا الكلام! دعوة النصارى .. الرهبانية .. التقدم في الأخلاق الحسنة .. لا تزني .. لا تسرق .. لا تكذب .. لا تستغل، إلى آخره، أما العقيدة فلو كان الصراع بين ... فلا بأس من ذلك، هذا ليست من الإسلام.
تركنا جماعة التبليغ جانبًا أخذنا مثلًا الإخوان المسلمين: مضى عليهم نحو نصف قرن من الزمان وهم لم يتقدموا لا إلى الإسلام الذي ينشدونه أن يكون حكمًا في الأرض، ولا إلى الإسلام الذي أمرهم رئيسهم الأول بقوله: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم في أرضكم، لا هذا أقاموا ولا ذاك، ولن يستطيعوا إلا إذا ساروا على الدرب.
جاء أخونا عبد الرحمن فأراد أن يوفق، أن يجعل سلفية إخوانية وهذا مستحيل، لا يمكن الجمع بين صفين أبدًا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
стр. 1426
أنا في الواقع ألاحظ بعض الملاحظات: أجد شباب الإخوان المسلمين قديمًا كانوا يتزيون بالزي الإفرنجي، لماذا؟ لأن الرئيس الحسن البنا هكذا عمل، لكن هو استطاع أن ... من جرأته الأدبية أن يخالف الجو المصري هناك في شيء واحد وهو أنه عفى لا أقول عن لحيته، عفى عن بعض لحيته طيب! ثم جرى الإخوان المسلمين في كل بلاد الإسلام على التزي بزيه، لن تجد رجلًا من الإخوان المسلمين له لحية طويلة، صار شعار لهم.
مداخلة: الغالب نعم.
الشيخ: لا، أنا ما رأيت أحدًا منهم، يعني: من الإخوان وله لحية كاملة، ممكن أن يكون قبل أن يكون إخوانيًا، يمكن أن يكون له لحية بناءً على ... المذهب، ثم صار من الإخوان، أما نشأ وتربى في جملة الإخوان المسلمين ومع ذلك اتبع السنة، ولم يتبع السنة ... هذا ما عرفوه، فكل الشباب المسلم الآن خاصة في بلاد أوروبا يتزيون بزي حسن البنا، لماذا؟ لأنهم تأثروا بمنهجه ولم يتأثروا بمنهج نبيهم ﵊، هذا التحفظ حسبكم مثالًا إلى ما يؤدي إليه بأصحابه.
ومن ذلك أيضًا أنهم لا يرونهم، إن وجدت من الإخوان سلفيًا فلن تجده داعيةً سلفيًا وإنما هو لنفسه ولذات نفسه، أما الآخرين فكما قلنا آنفًا: كل من على دينه الله يعينه! هكذا.
ليس هذا هو الفرق، فإذا كانت الجماعات كلها تتفق على السير على ما كان عليه السلف الصالح، وكل جماعة تعمل كما لو فرضنا أفرادًا، هذا يعمل في الحديث، وهذا في الفقه، وهذا في التفسير .. هذا في اللغة .. هذا في الاقتصاد .. هذا في السياسة، بلا شك لو فرضنا العلوم عشرين علمًا فرضًا، فقام عشرين
стр. 1427
شخص بهذه العلوم في العالم الإسلامي لا يكفي، يجب أن يكون مئات في كل علم أن يكون فيه مئات، فيقوموا بالواجب الكفائي هذا، لكن ليسوا إما متكتلين كتلة واحدة يجمعهم قال الله قال رسول الله، إذا فعلوا هذا فهو نِعْم العمل ..
مداخلة: هذا لا يعني أن طائفة منهم تختص بالسياسة وتعمل بالسياسة؟
الشيخ: تعمل في السياسة لكن في حدود ... الإسلام الكتاب والسنة، وليس يعني: تحزب وتكتل بهذا العمل، بحيث لا نتعرف على الجماعات الأخرى ونعاديها ونحاربها، ... ذلك نحن نقول: من مزايا الدعوة الإسلامية السلفية أنها تتسع لكل الجماعات، وليس هناك جماعة تتسع لكل الجماعات إلا هذه الجماعة التي تتمسك بالدعوة على الكتاب والسنة، فمن كان هكذا ويعمل في جانب من هذا الإسلام نحن لا نعيبه ولا نأخذ عليه؛ لأنه لا يمكن إلا هذا.
مداخلة: يجوزون العمل؛ لأنهم شبه سياسية .. والقاعدة: ما لا يتم إلا به فهو واجب، يعني: ما ضابط هذه القاعدة؟
الشيخ: ... الآن يا أخي كلامي واضح في هذا، يعني: الآن أنا متخصص في اللغة؟
مداخلة: في علم الحديث.
الشيخ: قد أكون متخصصًا في علم الحديث، لكن إذا كنت أنت متخصصًا في اللغة تعاديني؟
مداخلة: لا.
الشيخ: أعاديك .. تتحزب .. تتكتل أنت وجماعتك الذين تعملون في اللغة؟ لا، كل واحد منا يكمل الآخر .. كل جماعة تكمل الجماعة الأخرى، وهكذا، لما تكون جماعات على هذه الصورة، فحينئذٍ نحن نقول: هذا هو العمل الإسلامي .. هذا هو العمل الجماعي، وليس هو التحزب.
стр. 1428
مداخلة: طيب يا شيخ! هم ينتمون إلى أحزاب معينة، يعملون ... العمل السياسي، ... شخص أو داعية من الدعاة مختص مثلًا في الحديث، وهذا مختص في اللغة، هل هذا كلامكم نفهم أن نتعاون معهم؟ وهم يرون العمل الدعوي من خلال ...
الشيخ: نعم، أنا أتعاون معهم ولكن، ما موقفهم معي ومع أمثالي ... والجواب: لا، نحن نتعاون معه، ولذلك أنا عندما كنت في سوريا أنا كنت مع الإخوان المسلمين كأني واحدًا منهم، يعني: كنت أدعوهم إلى الكتاب والسنة وأجد منهم التجاوب معي كثيرًا، فمثلًا ... الذي هو ... المعروف، غير الشاويش كذلك إلى آخره، لكن تتغلب عليهم الحزبية ولا بد، لا يدعون إلى الكتاب والسنة؛ لأنهم يعتقدون أن الدعوة إلى الكتاب والسنة تفرق.
وأنا أقول بكل صراحة: نعم تفرق، لكن تفرق بين الحق والباطل .. تفرق بين المبطل وبين المحق، فهذا لا بد منه، والرسول ما أرسل إلا لهذا، ولذلك يعجبني حديث في صحيح البخاري: أن ملكين نزلا على النبي ﵌، فتحدث أحدهما عن هذا النائم الذي هو الرسول ﵇، فجاء في وصفه أنه مفرق، فالرسول مفرق، أي: مفرق بين الحق والباطل، فهؤلاء بسبب تكتلهم اللاعلمي يحاربون العلم، ويقولون جماعة التبليغ تمامًا: إذا سرت معهم ودعوت إلى ما هم يدعون إليه فقط من تعليم ... والسرقة ... وإلى آخره، فهم راضون عنك، أما إذا دندنت حول التوحيد .. دندنت حول السنة .. دندنت حول التحذير عن البدعة، يقولون أيضًا بتعبير سوري: الناحية ... لا تقترب، يعني: ناحية الشيء الحساس يعتبر لا تقترب منه.
إذًا: كيف يتفاهم هؤلاء إذا كنا نحن نمد أيدينا إليهم بالتعاون كل في مجاله فهم يأبون علينا أن يتعاونوا معنا، هذه نقطة مهمة جدًا فيجب أن نتنبه لها.
(فتاوى جدة- أهل الحديث والأثر (٢٧) /٠٠: ١٦: ٣٥)
стр. 1429
التكتل في الكويت
مداخلة: يا شيخنا بارك الله فيكم يعني كلمات منهجية عامة يعني تعرض المنهج الحق بصورة واضحة والاستدلال عليه، ثم بعد ذلك دحض حجج المخالفين في هذا الباب بهذا العرض العام، لكن الآن الحملة الجديدة تلتزم بوسائل منظمة وفكرية ويستدل فيها بمسائل جزئية وأدلة مختلفة فرعية، فهذه الأدلة يعني الآن أصبح لا يكفي كلمات العامة بل لا بد من الردود التفصيلية، وإذا استمعنا مع الأخ الشيخ علي بارك الله فيه، وأخبرنا عن الكتاب الذي شرحه أكمله ورد فيه تفصيلياً على جملة الشبه المعروضة، ولكن وهذه أنا أقولها أيضاً صراحة .. أقولها بكل صراحة الشيخ علي ممكن مثل لأني أعرفه وأعرف بعض رسائله وكذا أقبل كلامه وأقتنع بما يقول، ولكن هناك ألوف مؤلفة لا سيما يا شيخنا وأنا أخبرتك من قبل في أول رمضان عندما أتيتك مع الأخ الآخر، قلت لك: هذه الأفكار بدأت تنتشر بصورة منظمة ليس فقط في حيز الكويت ولكن كذلك إلى اليمن إلى السعودية، بل حتى التقيت ببعض الأخوة في عُمان اللي السلفيين معدودين على الأصابع ومختلفين في هذه النقاط وفي هذه المسائل ويوجد صلات تصل إليهم لتفريق صفوفهم، يعني مثال على ذلك في تفسير حديث حذيفة هذا على سبيل المثال في الفرقان في العدد الخامس عشر يقول الشيخ حفظه الله ووفقه إلى كل خير يقول بالنسبة لحديث حذيفة: ولا شك أن هذا الوقت الذي يشير إليه الرسول ﵌ ويرموه فيه بالعزلة عن الناس جميعاً وحديث حذيفة طبعاً المشهور.
стр. 1430
الشيخ: معروف.
مداخلة: ليس هو وقتنا هذا، ومن حمل هذا الحديث على اختلاف جماعات الدعوة فقد أخطأ خطأ عظيماً بل ضل ضلالاً بعيداً، يعني هذا نموذج انتقيته وعندي نماذج هنا، أنا حبيت أوفر لك الوقت يا شيخ من جهة ما نحب أنك تضيع وقتك في مثل هذه الأمور، فقمت قرأت هذه الرسائل واستخرجت النقاط الرئيسية والأدلة التي عليها.
الشيخ: يعطيك العافية.
مداخلة: ثم بعد ذلك صغتها صياغة بحيث تكون في أقصر وقت، ثم لما وجدت الشيخ علي قد اعتنى في المسألة على علم منكم فقلت ليس هناك داعي لأن نفصّل؛ لأن الشيخ قد كفانا المؤونة، ولا شك أنه بفضل الله ﵎ أفضل، لكن يبقى المسألة التي أثرتها أولاً وهي قضية أن الشيخ علي مثلما ذكرت بصراحة ..
الشيخ: يعني فيه البركة ولكن ليس مشهوراً.
مداخلة: فيه البركة لكنه ليس فقط مسألة ليس مشهوراً، قد تكون كلمته محل أخذ ورد لكن لما يأتي الشيخ ناصر ويتكلم في هذه المسائل تفصيلياً أو على الأقل يقرظ كتاب الشيخ بثلاثة أسطر، يقول: اطلعت على هذا الكتاب، يعني أنا لا أُملي عليكم يا شيخ لكن أنا أبرز لك المشكلة كما هي في الحقيقة وأقول لك اللي في قلبي يعني بصراحة، يعني تقريظ أو بس إشارة إلى أنه إذا كنتم موافقين ومضمون الردود التي ضمّنها الشيخ علي على كتابه؛ لأنه فيه بعض الشبه في محل لبس يعني، فيها محل لبس كبير جداً، وعبارات عريضة عامة مثلاً إذا شئتم أخرج لكم نماذج يعني ..
стр. 1431
الشيخ: ما فيه داعي تخرجها له.
مداخلة: نعم.
الشيخ: تساعده وتتعاون معه، لعلك فعلت ذلك؟
مداخلة: والله على وجه التفصيل ما حصل يعني بالنسبة لتتبع النقاط ولكن حصل الكلام المجمل والخطوط العريضة.
الشيخ: نحن نقول لك يجب أن تتعاون معه على وجه التفصيل، والشيء الذي تطلبه مني قد مضى زمانه بالنسبة لي، أولاً ما دام عندك اهتمام بالمسألة وهذا واجب كفائي على كثير من طلبة العلم، فالذي أراه أن تتعاون مع الأخ علي في المسألة، وأن تجمعوا كل الشبهات والنقاط التي هم يدندنون حولها، ويحتجون بها أو تكون حججاً عليهم فيرفضونها بنوع من التأويل كهذا التأويل الذي أسمعتني إياه آنفاً، ثم بعد ذلك يأتي ما اقترحته عليّ علماً بأن ظروفي العلمية الآن لا تسمح لي بأن أنصرف إلى مثل هذا البحث إطلاقاً وإلى قراءة كتاب برمته بحيث أنني آخذ عنه فكرة جامعة، ولكن على قاعدة ما لا يُدرك كله لا يُترك جله، مع عدم استطاعتي أن أُعطي وعداً قاطعاً فأقول أن الشيخ العجوز الذي بلغ من الكبر عتياً لم يعد يستطيع أن يقوم لا أقول بكل الواجبات؛ لأنه لا إنسان مهما كان قوياً وعليماً يستطيع أن يقوم بكل الواجبات، وأرجوا من إخواننا جميعاً أن يلاحظوا أشياءً قد تخفى عليهم بسبب عواطفهم الإسلامية الجامحة، وهي أن يقدروا بأن سن الشيخوخة لا يمكن أن يتصور فيها وأن يطلب منها ما كان يطلب من السن قبلها، فآنفاً لعلك سمعت عن الأستاذ علي يقول: ما بالك أن عينك محمّرة، كنت أقول: نعم لكن ليس عليك، فالمقصود أن السبب ما يحتاج إلى بيان فهو الجهد والتعب والسن .. وإلى آخره، ولذلك الآن جاء دور
стр. 1432
الشباب جاء دوركم أنتم، لكن هذا لا يعني أن لا نتعاون على البر والتقوى، ولكن عليكم أن تتحملوا مسئوليتكم بالنسبة التي تحملناها نحن من قبل في بعض الجوانب وأحسن .. تتحملونها وأحسن أيضاً، هذا ما عندي جواباً عن سؤالك.
مداخلة: فيك البركة إن شاء الله يا شيخ.
الشيخ: نعم؟
مداخلة: الله يبارك لك في وقتك وفي صحتك إن شاء الله يا شيخ.
الشيخ: جزاك الله خير.
مداخلة: لكن يبقى بالنسبة للمقصود اللي ذكرته يعني وهو أنه هل هناك مثلاً مما نعلم ... كتاب الشيخ علي إذا كان ...
الشيخ: يا أخي ما عندي وقت المشكلة .. ما عندي وقت.
مداخلة: سطر أو سطرين.
الشيخ: أنت تقول سطر أو سطرين، هذا السطر أو السطرين هل تعرف قد إيش يكلفوا؟ نقرأ سطر وسطرين من رسالته؟
مداخلة: لا بد من استعراض الرسالة.
الشيخ: طيب هذا استعراض الرسالة هذه ما هو الأمر بالسهل يا أخي، يعني ماذا يقول الإنسان، أنا ذهبت إلى السعودية خرجت لأول مرة فيها متجولاً شهرين جئت ومعي عشرات الردود والملاحظات شيء بحسن نية، وشيء بسبب سوء نية، شيء من إنسان له نضج في العلم، شيء لا نضج عنده مطلقاً .. إلى آخره، وأنا حريص أن أعرف نقصي وعيبي إلى آخره، فأريد أن أقرأ فماذا أقرأ
стр. 1433
هذا وإلا ذاك وإلا ذاك .. إلى آخره، أيضاً مثل هذه المجلات التي تصدر اليوم ماذا أقرأ هذه وإلا هذه وإلا هذه؟ يعني الكتب الجديدة ..
مداخلة: أقول هناك فكرة كنا نتناقش أنا وهو، [ما] في «السلسلة» [من] ردودكم على كتب يعني ليست بجديرة أصلاً أن تضيعوا وقتكم فيها أحياناً يعني تردون عليها وتعتنوا بها، فكنا نقول يا حبذا لو أن يكون حول الشيخ يجند من التلاميذ الذين يثق فيهم .. يجندهم ويطّلعون على مثل هذه الأمور وما كان فيه ...
الشيخ: يا أخي بارك الله فيك المثل يقول: اللي بيعدل العصي مو مثل اللي بياكلها، أنت الآن تنظم الأمور ذهنياً.
مداخلة: طيب سؤال يعني متعلق بالموضوع، الآن كما هو معلوم أن واقعنا هناك في الكويت وأيضاً بصورة صريحة؛ لأن الدين دين الله ﵎ ليس فيه شيء يخفى وشيء يُظهر، والله وصف أنبياءه بقوله تعالى: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣] أنه يبيّن للناس ما جاء به، فالآن الوضع عندنا هناك أن التنظيم بالصورة التي لكم عُيِّن بها حاصل، لكن يتفاوت حصوله من مكان إلى آخر بناءاً على طواعية الشباب الموجودين في المنطقة لهذه الأفكار من عدم طواعيتهم نعم، فيوجد بعض المناطق مثلاً لا يعرفون شيء عن مثل هذه الأمور حقيقة كيف تجري في أربطة الجمعة وكذا، لكنهم عندهم منهجهم وماشين في طريقتهم لطلب العلم وكذا وناتجهم ومحصلاتهم كلها تصب في الكيس الذي هو عليه الأكبر الذي هو للتنظيم نفسه، فما هي نصيحتك يا شيخنا بالنسبة لواقع الإنسان الآن في الكويت في مثل هذه الأوضاع، هل يعني يغض الطرف مثلاً عما هو واقع مما يراه مخالف للدليل نسبياً عناية بالمصلحة من أجل القرب من الشباب ومن أجل مخالطاتهم وكذا، أم أنه يجهر بما يرى أنه
стр. 1434
الحق وبالتالي يُنحى وممكن يطلق عليه لفظ أو لفظين كأن يقال له جهيماني مثلاً ثم بعد ذلك تحرق أوراقه في الساحة؟
الشيخ: أولاً: نقول لا يجوز للمسلمين أن يتفرقوا وأن يتنابذوا.
ثانياً: يجب على كل مسلم عرف الحق أن يصدع به.
وثالثاً: أن يكون صدره به على المبدأ الإسلامي المعروف ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].
رابعاً -لعله أخيراً-: كن عبد الله المظلوم ولا تكن عبد الله الظالم، فليقولوا هم عنك ظالمين لك، ولا تكن أنت الظالم لهم هذا الذي أنا أنصح به؛ لأنه في الحقيقة قرأت في ترجمة الإمام الشافعي ﵀ أنه تناقش مع أحد العلماء في مسألة فاختلفا، بعد يوم أو أكثر لقيه فجاء إليه وسلم عليه وصافحه وقال له: ألا تريد أن نبقى متوادين متحابين للخلاف في مسألة؟ وأعتبر هذا منقبة بحق للإمام الشافعي.
وهكذا فلا ينبغي أن يزداد المسلمون فرقة أو تفرقاً بسبب الاختلاف في مسألة أو في مسائل ما دام أنه يجمعهم الأصل الأول وهو الكتاب والسنة وعلى ما كان السلف الصالح، فأخونا عبد الرحمن (١) أنا كنت أعرفه جيداً، وحين أقول كنت أقولها مشيراً إلى شيء؛ لأن الإنسان كما قلنا اليوم في بعض المجالس، كما قال ﵊: قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ولذلك كان ﵇ يكثر أن يقول: يا مثبت القلوب ثبت قلبي على ديني وطاعتك، فأنا عبد الرحمن أعرفه يوم كان تلميذاً في الجامعة وكنت هناك
стр. 1435
أستاذاً لمادة الحديث وفقه الحديث، وما كنت أعرف منه شيء من الجنوح إلى التكتل وما يسمى اليوم بالتنظيم وهو التحزب الذي لا يجوز في الإسلام، فربما غيّرته الأيام بعدنا إذا صح هذا التعبير كثيراً أو قليلاً.
لكن مع هذا كله كتاباته لا تزال تدل على أنه لا يزال معنا على المنهج الذي نحن ندعو الناس دائماً إليه وهو الكتاب والسنة وزيادة نخالف فيها جماهير الفرق الإسلامية الموجودة اليوم في الساحة، وهي وعلى منهج السلف الصالح، ولكن قد يخالفنا كثيراً وأنا تكلمت بهذه الكلمة حول الموضوع في شريط ومرسل إليه، لكن هذا في الحقيقة لا يجوز أن نباعد بين أنفسنا وبين أفكارنا وبين أن نتعاون بعضنا مع بعض، فلذلك قلت لك بشيء من التفصيل آنفاً وخلاصة ذلك كن عبد الله المظلوم ولا تكن عبد الله الظالم مهما قالوا عنك فأنت تكون مخلصاً وتكون مجتهداً في تقريب الحق إلى من تظن أنه ضل سواء السبيل وإن كان هو في الأصل معك، وهكذا ..
مداخلة: يا شيخ أنا أحب هنا أن أقول كلمة قصيرة، يعني أيضاً نحن من أشد الناس حرصاً، يعني صلاة الجمعة ما نصلي إلا عند الشيخ عبد الرحمن حقيقة، يعني الشيخ عبد الرحمن تقريره للعقيدة وللتوحيد وبيانه من واقع القرآن العزيز بصورة يا شيخ ما شاء الله لا قوة إلا بالله ينفرد فيها بصورة عجيبة جداً.
الشيخ: نعم الحمد لله.
مداخلة: ويحبب الناس في ذلك ويربيهم عليه، وكذلك من جهة استدلالاته ليس عنده شائبة تقليد مطلقاً، لكن كل المسألة يعني مجرد ..
الشيخ: هذا هو يا أخي ولذلك ..
стр. 1436
من ذا الذي ترضيك سجاياه ... كلها كفى المرء نبلاً أن تُعد معايبه
كما قيل قديماً، ولذلك الواجب التعاون معه، ولئن اشتد هو في هذه العبارة وقسا فنحن يجب أن نلين معه، لعله يميل إلى الصواب معنا إن شاء الله، لا شك أن هذا الكلام غريب جداً يعني .. طيب ما تكلم حول الحديث بأكثر مما أسمعتني به؟
مداخلة: نعم هناك شخص آخر يفسر في ..
الشيخ: طيب ما هي حجته في هذا الكلام؟
مداخلة: نعم؟
الشيخ: ما هي حجته في هذا الكلام؟
مداخلة: الكلام المتقدم وإلا هذا؟
الشيخ: الذي أسمعتني إياه آنفاً.
مداخلة: نعم هو ذكر أن الواجب على المسلمين هو السمع والطاعة للإمام، فإن لم يكن هناك إمام فإن الواجب عليهم أن يسعوا إلى استئناف الحياة الإسلامية إذا كان ثم سبيل إلى ذلك، أو الخيار الآخر وهو أن يعتزلوا، ثم أورد حديث حذيفة وجعله في باب العزلة المطلقة التي يتبع فيها الرجل شعف الجبال يفر بدينه من الفتن، ثم قال هذه العبارة التي قرأتها عليكم، وفي موضع آخر ... له كلام آخر في كتاب ... الأمن الجنائي في نفس الحديث يقول فيه: إن المقصود: الزم جماعة المسلمين وإمامهم لزوم معتقدهم وجهادهم، حتى أنها عبارة فيها نوع من عدم الوضوح .. الزم معتقدهم وجهادهم، يعني يقول أنه ليس المقصود بلزوم الجماعة هنا لزوم للإمام نفسه لكن لزوم فقهه واجتهاده وليس
стр. 1437
اللزوم هنا عليه ... يقول: كما قال ﵌: «يد الله على الجماعة»، ويقال جماعة المسلمين لكل من اجتمعوا على إمام في زمن ما كما قال ﵌ لحذيفة بن اليمان في حديث الفتن الطويل: الزم جماعة المسلمين وإمامهم، وليس اللزوم هنا لزوم معتقدهم دينهم وإنما اللزوم لزوم جهادهم وفقههم؛ لأن هذا هو معنى اللزوم بدليل قول النبي ﵌: «ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فيكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة»، وكذلك قوله ﵌: «وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يداً من طاعته»، وكذلك قوله صلى الله عليه، وآله وسلم: «من كره من أميره شيئاً فليصبر عليه، فإن أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية .. » وهذه الأحاديث كلها ..
الشيخ: على كل حال يا أخي هذا ليس تفسير المراد، أين يذهب بسؤال حذيفة فإن لم يكن لهم إمام؟ يعني هذه مصيبة التأويل، الحديث يقول: فإن لم يكن لهم إمام، ماذا يفعل؟ يأمره بأن يدع الفرق كلها وهذا لا يعني أن لا يعمل للإسلام، فهو كلامه من ناحية صواب أنه إذا لم يكن هناك إمام فليس معنى ذلك ألا يعمل للإسلام لكن في الوقت نفسه فالحديث صريح بأنه لا يجوز حينذاك أن تتكتل جماعات وجماعات ويزادوا فرقة ويزدادوا تحزباً وإلى آخره، ولكن المسلم عليه أن يعمل كل بحسبه في سبيل إعادة الحياة الإسلامية التي لا بد لها من إمام، أما التكتل والتحزب فهذا ينافي الإسلام، وحديث حذيفة نص قاطع في الموضوع؛ لأنه سؤال وجواب وإن لم يكن لهم إمام، ماذا نفعل؟ ماذا يقول الحديث .. ؟
مداخلة: ... تلك الفرق كلها.
стр. 1438
الشيخ: الفرق كلها.
مداخلة: وهل هذا يعني أن هذه الجماعات من جماعات الدعوة هي داخلة في ضمن مدلول الفرق المذكورة في حديث رسول الله ﵌؟
الشيخ: هذا يختلف عن المسألة؛ لأن هذا قبل هذه المشكلة، أنه مثلاً هل الأشاعرة هل الماتريدية هم من الفرق؟ نحن نقول أولاً لا يجوز أن نطلق الكلام على كل من انتمى إلى مذهب بأنه ناج أو هالك فرداً فرداً، وإنما نحن ننظر إلى المنهج ثم إذا وجدناه منحرفاً عن المنهج لا نستطيع أن نقول عن كل من حاد عن المنهج الصحيح أنه في النار؛ لأننا نعتقد جميعاً أن بعض الكفار وليس بعد الكفر ذنب كما هو معلوم المبدأ العام قوله تعالى في القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ولكن قد يكون كافر ما أو أكثر من كافر عند الله معذوراً، فحسابه عند الله ، لكننا نقول هذا كافر إذا رأيناه كفر، فإذا تركنا الكافر جانباً وأخذنا فرداً من أفراد الضلال نقول هذا ضال، لكن لا نحكم عليه بخصوص أنه في النار؛ لأنه قد يمكن أن يكون له عذر عند الله ﵎، وهذا ما يشرحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتبه مع شدة حملاته على الفرق الضالة كالمعتزلة والخوارج ونحو ذلك، وعلى هذا نحن نقول لا نجيز أن نقول بأن الجماعة الفلانية أو الجماعة الفلانية هي من الفرق الضالة، وبخاصة إذا تبنت المنهج الذي ندعو إليه وندين الله به ولكن خالف في بعض الجوانب في أسلوب الدعوة أو في فهمه لبعض النصوص من الكتاب والسنة .. هذا أمر لا ينجو منه إنسان، هذا الذي ندين الله به ﵎.
مداخلة: كلمتكم يا شيخ التي أشرتم إليها في كلامكم ... أرسلتم إليه رسالة أنا استمعت إليها فرأيت أنكم نقلتم عبارة ذكرتم فيه لفظ يذكر فيه لفظ الجماعة
стр. 1439
باللفظ المفرد، فقلتم أن ذكر الجماعة بهذا السياق باللفظ المفرد يُفهم منه أنه يقر الجماعات الأخرى، وهذا ما أدري لعله قبل صدور هذه الرسالة التي هي مشروعية العمل الجماعي أم أن هذه إطلالة سريعة منكم للكتاب؛ لأنه هو صرّح بذلك بألفاظ صريحة يعني في مواضع أخرى.
مداخلة: النقل من الشيخ كان على الأسلوب العمل السياسي قبل هذه الرسالة.
مداخلة: قبل أن تطلع هذه الرسالة.
مداخلة: نعم.
مداخلة: نعم نعذره يعني، ... بأن هذه الرسالة فيها عبارات صريحة واضحة يعني في تعدد جماعات الدعوة ...
الشيخ: على كل حال يعني ما أبعدنا عن الصواب.
مداخلة: نعم هو المراد ... قصده أن هذا منك استنتاج استنتجته ولكن النصوص صريحة.
مداخلة: بل أن لتعدد الجماعات للدعوة والجهاد من المزايا أضعاف ما للتعدد من المساوئ.
الشيخ: نسأل الله لنا ولهم الهداية.
مداخلة: شيخنا بالنسبة للحديث «اعتزل تلك الفرق»، هذه إشارة لتلك الفرق إشارة إلى ما تقدم ذكره للحديث وهي الذين يدعون الناس إلى أبواب جهنم، فهذا إشارة إلى فرق معينة.
الشيخ: لكن هل تعني أن كل فرقة مما قد يوجد وليس لها إمام تكون كذلك؟
стр. 1440
وإنما يوجد بعضها كذلك.
مداخلة: يعني الأمر بالاعتزال هو اعتزال فئة خاصة من الفرق التي تقدم ذكرها في الحديث.
الشيخ: لا المقصود فيها الفرق كلها، وليس فرقة معينة، الفرق كلها ما دام ليس هناك إمام يجمعها وأنت في اعتقادي لا تشك أننا لو فرضنا أن هناك فرقاً ضالة كلها لا تكون ضلالها في نسبة واحدة، أليس كذلك؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب فكذلك أيضاً ليس من الضروري أن نفهم أن كل فرقة هو بنسبة تلك الضلالة التي أنت تلمح إليها مما جاء ذكره في الحديث، لكن يكفي أنها ليس عليها إمام، وحينئذ لا يجوز التعصب لجماعة من هذه الجماعات وإنما يعمل الإنسان متعاوناً كما قال تعالى: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] فلسنا دعاة للتكاسل ولترك العمل ولا للتحزب وللتكتل وزيادة الفرقة بين المسلمين، وإنما الصواب بين هؤلاء وهؤلاء، ونحن نرى ولعلك ترى أنت في كثير مما سمعت من التسهيلات أن هذه التكتلات وهذه التحزبات لو كانت جائزة في الإسلام فهي سابقة لأوانها؛ لأنها لم تقم على العلم الصحيح والمنتشر بين أفراد كثيرة من هذه الجماعة المتكاثرة، فنحن لأمر ما نقول وعلى منهج السلف الصالح فنحن نعني أنه يجب على الدعاة الإسلاميين أن يسعوا حثيثاً لاستئناف الحياة الإسلامية، وذلك لا يكون إلا بنشر العلم الصحيح، وذلك لا يتحقق في اعتقادي إلا إذا كما يقولون التاريخ يعيد نفسه، نقرأ في تراجم كثير من الأئمة أن الإمام الفلاني كان إذا جلس يدرس كان في درسه حوله كذا متعمم، يعني من أهل العلم الذين قد يساوونه وقد يقاربونه في العلم مع ذلك يجلسون عنده لكي