← Акыда

Акыда · id 145205

جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى

ناصر الدين الألباني

Полный текст (5 605 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

مداخلة: من فمك ... الشيخ: أحلى. مداخلة: .. أحلى وأحلى، فنريد نسمع منكم يا شيخنا .. الشيخ: على كل حال ونحن ضيوفك فليس لنا إلا أن نأتمر بأمرك. مداخلة: جزاك الله خير. الشيخ: أنا أشرت آنفاً إلى أن أولئك النصارى الذين كانوا في عهد النبي ﵌، كانوا في عقيدة الإسلام وصريح النص في القرآن، كانوا مشركين، يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، فصرح القرآن بكفرهم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وقلت أيضاً مع هذا فربنا أو أشرت مع هذا أن الله ألهم نبيه ﵇ بأن يقول أن من الثلاثة الذين يؤتون أجرهم مرتين أهل الكتاب إذا أسلم أحدهم فله أجره مرتين، لم يكن في عهد نزول تلك الآية أوغيرها منها الآية التي ذكرها الأستاذ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، لم يكن هناك مجتمع أو أمة أو على الأقل شعب نصراني أومسيحي موحد، لم يكن لهؤلاء وجود، كان هناك أفراد لا يمثلون الأمة النصرانية، بل لا يمثلون شعباً من شعوب النصارى الكثيرة، وإنما كلهم كانوا مشركين، كانوا يقولون: الأب والابن والروح القدس إله واحد، مع ذلك قال الله في حقهم: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، هذه الآية لا تعني طعامهم مطلقاً؛ لأن من طعامهم الأشياء المحرمة يقيناً في الإسلام من ذلك مثلاً الخنزير، لحم الخنزير فهو من طعام النصارى، لكن لا يعني في الآية الكريمة: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، أي: ما يأكلونه هم سواء كان في شريعة الإسلام حلالاً أم كان حراماً، وإنما يعني بدل طعام ليفسر المسلم

стр. 142

الطعام هنا بالذبيحة، أي: وذبائح الذين أوتوا الكتاب حل لكم. هذا هو الذي قاله ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله ﵌ وأشهر الصحابة، بل وأعلمهم بالتفسير وإحاطة به. إذاً: قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ﴾ [المائدة: ٥]، أي: وذبائح الذين أوتوا الكتاب من قبلكم حل لكم. الآن يوجد فرق لا يزال قائماً بين أهل الكتاب المقيمين في البلاد الإسلامية، وأهل الكتاب المقيمين في بلاد الكفر والشرك والفسق والضلال. هنا فيما نعلم لا يزالون يذبحون الذبائح كالمسلمين يذبحونها ذبحاً، أما في الغرب وفي أمريكا فهم يذبحون، حتى لا يذبحون ذبحاً وإنما يقتلون قتلاً، هذه الذبائح التي ترد إلينا باسم أنها ذبائح، فالحكم في الإسلام يدور على حالة من ثلاثة حالات: إذا عرفنا أنهم ذبحوا ذبحاً ولم يقتلوا قتلاً وهم أهل الكتاب، فذبائحهم كذبائح أهل الكتاب في بلاد الإسلام، فهي حلال. وإذا عرفنا أنهم لا يذبحون، وإنما يقتلون قتلاً فذبائحهم والحالة هذه ليست بالحلال، وإنما هي حرام، وإذا دار الأمر بَيَّن هذا وهذا أي: لم يعرف الطاعم أن هذه قتيلة أم هذه ذبيحة حينئذ يأتي أمر ثالث وهو أن يحتاط في دينه كما قال ﵇ في الحديث الصحيح: «إن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرئ لدينه وعرضه، ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه، ألا ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه .. » إلى آخر الحديث. والحديث الآخر: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».

стр. 143

وهناك حديث ثالث أنا أذكره لعلو معناه ودقته مع التنبيه على عدم صحته رواية عن النبي ﵌ .. (حصل هنا انقطاع) مداخلة: فكان أشبه آدم أنه من غير أب ولا أم، وأشبه حواء التي هي من آدم، فهو من أنثى بلا ذكر خالف سائر الناس، وهو آية من آيات الله ﵎، لكنه عبد الله ورسوله، فهم لماذا لم يقولوا عن آدم أنه ابن الله، لماذا لم يقولون عن حواء أنها بنت الله، وجاءوا فقالوا عن عيسى أنه ابن الله؛ لأنه خلق من أنثى بلا ذكر، فليس لهم بذلك دليل عقلي فضلاً عن أن يكون لهم الدليل النقلي. إذاً: هنا هم متخبطون متناقضون، تناقشهم في هذه النقط فقط بهذا لتبين ضلالهم في ذلك، وأنهم ليسوا على شيء كما تبين لهم أن عيسى قد بَشَّر وما زالت البشارات في التوراة حتى المحرفة واقرأ في ذلك من الكتب المحدثة ما كتبه هذا أحمد ديدات، وغيره وما ذكره غيره من ذكر البشارة باسم رسول الله ﵌ وأنه ما تزال في التوراة والإنجيل المحرفين ما يزال ذكر الرسول ﵌، فالله قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١]. يقول ابن عباس ﵁ في صحيح البخاري: ما بعث الله نبياً إلا وأخذ عليه العهد والميثاق، لئن بعث محمد وهوحي ليؤمنن به ولينصرنه. كل نبي عيسى ومن قبله عليهم الصلاة والسلام قد أخذ الله عليهم العهد لئن بعث الله محمداً وهم أحياء أن يؤمنوا به وأن ينصروه وأن يكونوا من أتباعه، وكذلك أخذ الله عليهم العهد والميثاق أن يأخذوا على أقوامهم العهد والميثاق

стр. 144

لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه، فالأنبياء بأشخاصهم يجب أن يكونوا أتباعاً لمحمد إذا بعث وهم أحياء، وكذلك أقوامهم عليهم أن يكونوا أتباعاً ومناصرين لرسول الله ﵌ إذا بعث، وبدون ذلك فليس لهم طريق إلى الجنة، وعيسى ﵊ الذي كان من آيات الله أن رفعه الله إليه، وهذا ما ضل به النصارى، سيهبط وسينزل إلى الأرض ويحكم بكتاب الله وبسنة محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وهذا لعله أيضاً من بيان تمام العهد الذي أخذه الله ﵎ على الأنبياء وخاصة على عيسى ﵊ الذي بَشَّر بمحمد ﵌، وهو كذلك سينزله الله إلى الأرض، فيحكم بما حكم به محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ويكسر الصليب ويقتل الخنزير. هذا بهذه العجالة والأمر يحتاج إلى تفصيل أكثر، لكن لعل الله ينفعك بهذه الكلمات، ونسأل الله أن يغفر لنا ولك، وأن يحشرنا تحت لواء سيد المرسلين. مداخلة: ... سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه، وكيف عانى المتاعب والمشاق وفي بداية الطريق، طبعاً عندما بيع عبداً وكان قد التقى مع ذلك ... وكان ... من ذاك ... يدعوالناس إلى الصدقات ويُرَغِّبهم فيها ويكنزها لنفسه، حتى اكتنز سبع جراب ذهب وورق. الشيخ: شأن أكثر القسيسين والرهبان. مداخلة: أي نعم، وهوفي بداية الطريق ما زال، كان ممكن أن تكون صدمة ينتكس فيها سلمان ﵁ وأرضاه ويترك الدين وكما ورد في البخاري أنه تنقلت ... الشيخ: من رب إلى رب ...

стр. 145

مداخلة: .. سبعة عشر رباً، يعني من رب إلى رب، وينتقل من بلد إلى بلد، ويعاني مما يعاني، يعني أمور كثيرة عاناها سبحان الله حتى تم أمره، فأسأل الله أن ينالك أجرك والثواب. مداخلة: ... إن شاء الله .. في حياتك، وكما قلنا لا يمنعك أن تسعى وراء الرزق بالطرق المشروعة والتي تتناسب مع عزة المسلم، وربك يقول: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. فنحن نأمرك، بل أستغفر الله من الأمر، وإنما نذكرك بأن تصبر نفسك على ... الذي صدمت بها، وكنت ترجو سوى ما صدمت به آنفاً، فعليك بالصبر وتذرع به حتى تكون من هؤلاء الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون، ورسول الله ﵌ يقول: «نحن معاشر الأنبياء أشد ابتلاءً الأمثل فالأمثل، والمؤمن يُبْتَلى على قدر دينه». أرجو أن تتأمل معي في هذه الفقرة من حديث الرسول ﵇: «والمؤمن يُبْتَلى على قدر دينه» كلما اشتدت البلوى في المؤمن حقاً كثر صبره، فذلك دليل قوة إيمانه وهذا الذي نرجوه لك أن تكون قوي الإيمان لتتدرع بالصبر أمام أي شيء تراه مما لا ترضاه. تفضل. مداخلة: وأيضاً أشير طالما أنك درست اللاهوت، فأنت أقدر الآن على أن تبين بطلان عقائد القوم وما عندهم من تناقضات وما في الأناجيل من تناقضات

стр. 146

ومن أشياء، تحتاج إلى دراسة الإسلام أيضاً دراسة متأنية واعية مبصرة، ثم تبين الحق وتبين الضلال والباطل الذي عند القوم، هذا تكون فيه على ثغرة من الثغرات وتدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، ولعل ذلك أيضاً يكون سبباً وليس هذا الذي يهمني، لكن لعله يكون سبب من الأسباب التي يمكن فيها أن تؤلف بعض الكتب التي تنصر فيها الإسلام، وتبين الحق وتكون سبب في أن تدر عليك شيئاً من المال الذي ينفعك في دنياك، وإن كان ليس هذا هو القصد، وإنما نصرتك لدين الله هو الأصل، فباعتبار أنك درست اللاهوت، فالمسلمون الآن بحاجة إلى جهودك في بيان ضلال هؤلاء القوم. مداخلة: جزاكم الله خيراً. مداخلة: وإياكم. مداخلة: ... الشيخ: تفضل. مداخلة: .. في بداية حديثه ذكر أنه محارب من أهله وسحبت أمواله وسحب البساط من تحت رجله، فأقول ليس هو فقط لوحده، نحن الشباب المسلمون أصلاً أباً عن جد، عندما نلتزم ونتمسك بديننا نجد محاربة من بعض أهلنا. الشيخ: بارك الله فيك. مداخلة: يعني ليس هو وحده في هذا المجال، هو أيضاً انضم إلينا في هذا المجال، فهذه من باب قد تكون ... مداخلة: ... متوقع منه ... أتكلم فيه أنه تفاجئت بعد ذلك لما رجعت أنا بالمسئولين و ... بعض أمور ...

стр. 147

مداخلة: وهو الذي تعنيه أيضاً ربما يكون من المسئولين أيضاً .. مداخلة: إذا كان .. فذلك من باب أولى، إذا الأهل ... هذا الشيء منهم، فمن باب أولى شخص غريب مسلم مثلك مثلي، فأنا الآن قبل فترة كنت أراجع الأوقاف، فقلت لبعض الناس: لوأني جئت أراجع وزارة الفنون أووزارة السياحة لوجدت احترام وتقدير منهم أكثر مما وجدته في وزارة الأوقاف، هذا الشيء طبيعي احنا بهذا المجتمع. مداخلة: ... هذا صدر من قريب عمل غير عمل البنك، فلم يتيسر له ذلك، فهو الآن يحارب، فلما يسألوه ماذا جرى لك؟ ... أنت مجنون ... الآن ... أشتغل في البنك ... نقول له: كيف تترك البنك وأنت موظف بنك ... مداخلة: .. مداخلة: ... وربنا يكشف عن ... الذي جاء فيه ... فهذه نعمة من ربنا ... أن يكون هناك مسلمين شباب وشيوخ ونساء وبنات ... ويصنفوها، هذا المعنى عظيم .. مداخلة: أنا ... الشيطان في صدرك ولا ... في صدرك مثل هذا الوهم، أنت يجب أن توطن نفسك لو كان الناس كلهم حرباً عليك أن تكون على إيمانك، وبذلك تعرف طعام الإيمان ويكون مطمئن أنك لا تريد أن تتخلى عن إيمانك مهما أصابك من ضرر في الدنيا، وأنك لوألقيت في النار فلا تتخلى عن الإيمان، فحينئذ تعرف طعم الإيمان وحلاوة الإيمان وتذوق طعمه. مداخلة: ... الوقت ... أن نتحدث، لكن وجدت لا بد من ... أتحدثه أنا، وسؤالي للأخ: أنه كان لك أصدقاء من المسلمين، فما كان ... تصور الفرق بينه وبينهم، ونحن يا شيخ ... كان أصدقاؤنا نحضر معهم الكريسمس، ونروح معهم ونأتي وكذا، إلا أنه سبحان الله ما كان ذلك الفرق، يعني اسم هذا مسلم وهذا

стр. 148

نصراني، فأنا أصلاً تاجر .. ملابس وكنت أبيع من الملابس حقيقة يعني أفضع الموديلات وأسوأ الموديلات من إيطاليا ومن فرنسا، كان محلي مشهور شهرة كبيرة جداً، حتى يعني خليعات البلد وخلاع ... يشترين من عندي، وكان محلي كثير موفق توفيق دنيوي، كان محلي يعمل عمل جيد، وفجأة هداني الله تعرفت على شيخنا الله يحفظه، وكنت مبتلى بالديون مع البنوك، فسألت شيخنا كان أو لقائي مع شيخنا الله يحفظنا، ربنا يجزيه الخير عنا وعن المسلمين جميعاً، سألته سؤال عن المعاملة البنكية، فروى لي حديثين عن النبي ﵌ الأول الذي هو شيخنا لما ذكرت صاحب الفرق، والثاني: الرجل الذي كان ماشي في الصحراء وسمع صوتاً في السماء، وقال في الأخير لست أنا رجل اقتصادي، لكن أنا أفتيتك أنه لا يجوز المعاملة مع البنوك، فسبحان الله هميت وبدأت مع التجار ... وأتصل بالتجار أي واحد له عندي قرش واحد، ليس هناك بنك، تصرف الشيك عندي أنا، وانظر كيف بدأت أتحول من الحرام في البيع والشراء من التنورة والفستان والبنطلون الجينز وهؤلاء الزباين الذين كانوا يأتون عندي إلى عالم آخر، صدقني يا أخي بعد أن كنت يومياً أصرف عشرات الدنانير، أنه مرت علي شيخنا أيام أبل الخبز وآكله، أبله من قساوته وأوزعه على أولادي في البيت، بعدما كنت آكل يوماً الكباب .... ؛ لأني الآن انتقلت من مرحلة إلى مرحلة، يأتوا عندي زباين لا يجدون الموديلات، لأن الآن بدأت بالملابس الشرعية، فعندي بضاعة بنص الدنانير، البضاعة .. بعضها في البيع والشراء، فصبرت حتى أخيراً أتلفت بعضها، كنت أشاور شيخنا في مسألة التنورة أتلفها، المكياجات العطورات .. كذا، والحمد لله الله صبرت والحمد لله، الآن يعتبر محلي من أفضل المحلات التجارية لبيع الجلباب الشرعية والملابس الشرعية الإسلامية، ولا نقرب الحرام بفضل الله ، والإنسان عليه أن يصبر ...

стр. 149

الشيخ: هذا وبيت القصيد الصبر. مداخلة: أي نعم. الشيخ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، صار الوقت. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. مداخلة: ربنا يحفظكم ويطيل عمركم .. (الهدى والنور /٦٢٤/ ٤٣: ٠٠: ٠٠) (الهدى والنور /٦٢٤/ ٢٧: ٠٧: ٠٠) (الهدى والنور /٦٢٤/ ٥١: ٢١: ٠٠)

стр. 150

ما المقصود بالمفارق للجماعة مداخلة: يقول الرسول ﵌: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والقاتل النفس، والمفارق للجماعة» فما هو المقصود بالمفارق للجماعة هل الجماعة من الجماعات الحالية الآن الموجودة على الساحات؟ أم المفارق للجماعة الذي هي جماعة الصلاة؟ وجزاكم الله خيراً. الشيخ: لاشك أنه ليس المقصود الجماعات الحالية؛ لأنه شأن هذه الجماعات مع الأسف كما قال الشاعر قديماً: وكل يَدَّعي وصلاً بليلى ... وليلى لا تقر له بذاك إذا فارق هذه الجماعة ما فارق هذه الجماعة، فإذاً: الحديث يطبق عليه إذا فارق هذه أو تلك لا، الجماعة التي يريدها الرسول ﵊ في هذا الحديث هي الجماعة التي أرادها في حديث معروف لديكم فأذكر الشطر الأخير منه: «وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: هي الجماعة» هذه هي الجماعة. وفي رواية أخرى مُوَضِّحة للجماعة قال: «هي ما أنا عليه وأصحابي». يكفيك هذا الجواب موضحاً؟ مداخلة: نعم. الشيخ: جزاك الله خير.

стр. 151

فإذاً: كل جماعة على وجه الأرض اليوم. كل جماعة على وجه الأرض اليوم لا تنتسب إلى الجماعة الأولى فهي أولاً في خطر. هي أولاً في خطرين: أن تكون من الفرق الهالكة غير الناجية. وثانياً: ليست هي الجماعة التي يحل دم قتل من خرج عنها وفارق الجماعة. الحقيقة هذا الحديث حديث الفرق ينبغي أن يكون منهج كل مسلم خاصة في هذا الزمن الذي كثرت فيه الجماعات والفِرَق، وكل فرقة منها تَدَّعي أنها على الحق. أرى لزاماً علي أن أتوسع قليلاً حول حديث الفرق ذلك؛ لأنه من المستحيل أن تكون الجماعات الإسلامية الموجودة اليوم في البلاد الإسلامية كلها في النار، هذا مستحيل. كما أنه من المستحيل تماماً: أن تكون كلها في الجنة، هذا نقيض هذا، وهذا نقيض ذاك، وكله يستحيل شرعاً لماذا؟ لأن الله ذكر في القرآن الكريم حقائق شرعية لا مجال لأي مسلم أن ينكرها: من هذه الحقائق: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣]. ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]. إذاً: نحن نرى في نصوص القرآن فضلاً عن نصوص الأحاديث الثابتة عن

стр. 152

الرسول ﵇ والتي من وظيفتها: بيان ما في القرآن نرى في هذه النصوص كلها أن الأكثرية دائماً هي المذمومة، والقلة هي الممدوحة، هذا من جهة. ومن جهة أخرى: نرى ربنا ينهى عن التفرق في الدين، ويجعل ذلك من شيم وطبيعة المشركين، فقال رب العالمين: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ* مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢]. إذاً: التفرق في القرآن مذموم، بل الرسول ﵇ وضح ذلك أتم البيان فقال ﵊ في حديث الفرق الذي أشرت إليه آنفاً، والآن نذكره بكامله تماماً كما جاء في سنن الترمذي ومسند أحمد وغيرهما من كتب السنة عن جمع من الصحابة منهم: أبو هريرة ومعاوية، وأنس بن مالك وغيرهم من الصحابة فقال ﵊: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: هي الجماعة». هذه الجماعة هي التي لا يجوز الخروج عنها، ويكون الخارج عنها هو الذي يستحق ذلك الحكم الشديد بحق وهو: أنه يحل دمه لمفارقته للجماعة، ما هي هذه الجماعة؟ قد جاء تفسيرها تلميحاً في القرآن، وتوضيحاً في حديث الرسول ﵇ هذا. أما القرآن فقال من قائل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. هنا ترون معي أن الله ذكر في هذه الآية سبيل المؤمنين، بعد أن ذكر الرسول ﵇ فقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ

стр. 153

غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]. ترى لو كانت الآية بحذف جملة سبيل المؤمنين، لو كانت سياقاً مختصراً من هذا السياق، مثلاً: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى ... ﴾ إلى آخر الآية. ترى هل نخسر شيئاً أم لا؟ بمعنى: في كثير من الأحيان تأتي جملة توضيحية وبيانية هل هذه الجملة هي على سبيل البيان للرسول ﵊ المذكور في هذه الآية من القرآن أم هي تتضمن فائدة زائدة عما يتضمنه لفظة الرسول ﵇: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] لماذا ذكر الله: ويتبع غير سبيل المؤمنين؟ ألا يكفيه أنه شاقق الرسول؟ يكفيه، لكن لماذا ذكر: ويتبع غير سبيل المؤمنين؟ هنا البلاغة القرآنية، هنا الإعجاز القرآني، ذكر سبيل المؤمنين؛ لكي يكونوا قدوة للخالفين من بعدهم لأمثالنا نحن، فلا يجوز لنا أن نأتي مثلاً إلى النص في القرآن أوفي حديث الرسول ﵊ فنفسره نحن من عندنا تفسيراً يخالف ما صار عليه المؤمنون الأولون من قبلنا، والمؤمنون الأولون من قبلنا وهم المقصودون في آية ربنا هذه المذكورة آنفاً في القرآن: ليسوا هم إلا المشهود لهم بالخيرية في قوله ﵌ الصحيح بل المتواتر صحة عن رسول الله ﵌: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». هؤلاء الذين زُكُّوا بلسان الرسول ﵇، أما من بعدهم فيقول الرسول ﵇ في بعض الروايات الصحيحة: «أنهم يشهدون ولا يستشهدون». كناية على أنهم يشهدون شهادة الزور، وعلامتهم السمن البطر في الطعام والشراب ولا هَمَّ لهم إنما كما قال تعالى: ﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ

стр. 154

الأَنْعَامُ﴾ [محمد: ١٢]. فالمسلمون المذكورون في الآية هم المسلمون الصحابة التابعون وأتباعهم لماذا؟ لأنهم كانوا قريبى عهد بالنبي ﵊ فأصحابه تلقوا القرآن غضاً طرياً كما أنزل دون أن يُغَيَّر أو يُبَدَّل منه شيء من حيث مفهومه، أما من حيث ملفوظه فلا تبديل ولا تغيير؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وإن كان هناك مع الأسف الشديد بعض الفرق الإسلامية تقول: بأن القرآن الموجود الآن بين أيدي المسلمين هذا جزء من مصحف فاطمة ﵍ حيث أن مصحف فاطمة زعموا ضاع، وهذا الذي بقي لدينا هو الربع كذبوا إنما القرآن كما أنزله على قلب محمد ﵊ فهو بين أيدي المسلمين اليوم، ولكن مع الأسف في الوقت الذي يتلفظ به المسلمون كما أنزل، لكنهم يحرفون ويغيرون ويبدلون من معانيه، ولذلك حتى نكون على بَيِّنَة من صحة المعنى كما نحن على بينة من صحة المبنى أي: الكلام الإلهي ما هوالطريق للوصول إلى معرفة المعنى الصحيح؟ هو الرجوع إلى ما كان عليه المسلمون الأولون القرون المشهود لها بالخيرية، ويُكنَّى عنهم بلفظة واحدة وهي: السلف والسلف الصالح، هذا الذي أشار ربنا في الآية: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] قد أوضحه النبي ﵊ في حديث الفرق حينما قال: «إلا واحدة قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: هي الجماعة». في رواية أخرى - وهي الموضحة أولاً للآية سبيل المؤمنين. وثانياً: للجماعة المذكورة في الرواية الأولى. قال ﵇ في الفرقة الناجية: «هي ما أنا عليه وأصحابي».

стр. 155

ما أنا عليه وأصحابي ما قال ﵇: «ما أنا عليه فقط» وإنما للحكمة التي ذكرتها في الآية أضاف إليها: «وأصحابي» لماذا؟ لأنه لا طريق لنا لنعرف ما كان عليه رسولنا ﵌ إلا من طريق الصحابة. ومن هنا: يظهر لكم ضلال بعض الفرق القديمة والتي لا تزال أذنابها موجودة، وبعض الفرق الحديثة التي تطعن في بعض أصحاب الرسول ﵇. كثير من هؤلاء المطعون فيهم أوقليل، المهم: أن هؤلاء الذين يطعنون في بعض الصحابة أوفي كثيرين منهم هم يُعَطلون دلالة هذا النص النبوي الكريم وهو: «ما أنا عليه وأصحابي». ولذلك نجدهم لا يهتمون بمعرفة ما كان عليه الصحابة، وإنما يُسَلطون أفهامهم وعقولهم إن لم نقل أهواءهم في تفسير القرآن فضلاً عن أحاديث الرسول ﵇ بأهوائهم، وضلالاتهم، لا أريد أن أضرب لكم أمثلة قديمة إلا مثلاً واحداً، ثم أعود إلى ضرب أمثلة حديثة من واقعنا اليوم؛ لأنه هذا الواقع هو الذي يتعلق بالجماعات القائمة اليوم على أرض الإسلام. قديماً وجد في بعض الطوائف المنحرفة عن الكتاب والسنة من فسروا القرآن بأهوائهم كالرافضة مثلاً الذين يفسرون قوله تعالى مع أن الآية لها علاقة بما جرى في بني إسرائيل من عصيانهم لنبيهم موسى ﵇ قال ربنا في القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] قالوا: بقرة أي: عائشة، هذا لا يكاد يُصَدَّق لبعد الضلال في هذا التفسير. الآية تتعلق ببني إسرائيل وهم: حَوَّلوها إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ فقالوا: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة أي: عائشة لماذا؟ لأنهم يتهمونها في

стр. 156

عرضها! ويصدقون أهل الإفك الذين أشاعوا عنها فرية الفاحشة مع أن الله طهرها من ذلك، هذا مثال قديم وله نماذج كثيرة وكثيرة جداً، وكما قلت آنفاً: لا أريد أن أكثر من هذه الأمثلة، فمن شاء منكم أن يتوسع فعليه بكتاب الكليني الذي اسمه ماذا؟ الكليني كتاب يعتبر عند الشيعة. كتاب «الكافي» للكليني فسيجد هناك العجب العجاب من تحريف الكلم عن مواضعه، لكن الذي أريده الآن إنما هو بعض الأمثلة الموجودة الآن بين الطوائف الإسلامية أو بين بعضها على الأقل. لابد أنكم تسمعون بطائفة اسمها القاديانية ينتسبون إلى بلدة أو قرية في الباكستان تسمى بقاديان هنا خرج رجل من الصوفية عالم، لكن كان صوفياً صاحب طريقة فادعى أولاً: بأنه المهدي، ثم ادعى بأنه عيسى المبشر بنزوله في آخر الزمان، ثم ادعى أنه يوحى إليه، وله كتاب مطبوع باللغة العربية اسمه: حقيقة الوحي، وله هناك كفريات عجيبة جداً من هذا النبي الذي كذب وافترى على الله . يقول هناك مثلاً يزعم أن اسمه أحمد وكان اسمه الذي سماه أبوه غلام أحمد ترجمة غلام أحمد في لغتهم أي: خادم أحمد والمقصود بأحمد هنا: نبينا محمد ﵇، وهذا الوليد سموه تبركاً بغلام أحمد أي: خادمه، ثم لما ترقى في الضلال حذف كلمة غلام وبقي اسمه: أحمد، ثم زعم بأن الله أوحى إليه ذلك الكتاب المعروف بحقيقة الوحي ماذا يقول فيه؟ قال الله له: يا أحمد أنت مني بمنزلة توحيدي أنت مني بمنزلة تفريدي يعني: التوحيد هو بمنزلة توحيد الله . وله من مثل هذه الضلالات كثيرة وكثيرة جداً، لكنه لما ادعى النبوة اتبعه ناس

стр. 157

إلى اليوم وهو مضى عليه تقريباً نحو سبعين سنة، مات له أتباع اليوم منتشرون في بريطانيا في ألمانيا في فرنسا ولهم نشاط عجيب في الدعوة لا أقول في الدعوة إلى الإسلام، وإنما في الدعوة إلى إسلامهم؛ لأن من إسلامهم أن النبوة لم تنقطع خلافاً للآية المعروفة: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] خلافاً لقوله ﵊: «إن النبوة والرسالة قد انقطعت فلا نبي بعدي ولا رسول بعدي». وخلاف قوله ﵇ لعلي لما ذهب ﵇ إلى تبوك وخلفه في المدينة نائباً عنه قال له ﵊: «أنت بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي». هؤلاء القاديانيون لا تظنوا أنهم ينكرون شيئاً من أركان الإيمان، أو شيئاً من أركان الإسلام لا هم يؤمنون معنا في كل هذه الأركان، فهم يصلون ويصومون ويحجون، وأسماؤهم أسماء إسلامية تماماً، فهل ترونهم مسلمين وهم يعتقدون بأنه هذا الرجل نبي صادق؟ ثم هذا الرجل يقول: بأنه سيأتي أنبياء من بعده؟ طبعاً: هؤلاء ليسوا من المسلمين؛ لأنهم أنكروا كما يقول الفقهاء: ما هومعلوم من الدين بالضرورة، معلوم من الدين بالضرورة عند كل مسلم أنه لا نبي بعد رسول الله ﵌ للآية المذكورة آنفاً، وللأحاديث التي ذكرت بعضها أيضاً آنفاً. الشاهد: هل يؤمنون بهذه الآية؟ الجواب: نعم. هل يصدقون بهذه الأحاديث؟ الجواب: نعم. كيف هذا وهم يقولون بخلاف الآية، وبخلاف الأحاديث؟ هنا تأتي مصيبة التأويل، هنا تأتي مصيبة التأويل الذي كان سبباً لتفريق المسلمين تلك الفرق القديمة، والتي لا يزال شيء من آثارها حتى اليوم. المعتزلة مثلاً: ضلوا وخرجوا عن الجماعة، هل كفروا بشيء من آيات

стр. 158

القرآن؟ الجواب: لا. إذاً: لماذا ضلوا؟ لأنهم سلطوا معول التأويل على نصوص القرآن والسنة، فضلوا ضلالاً بعيداً. كذلك هؤلاء القاديانيون ما خرجوا عن القرآن والسنة لفظاً، ولكنهم خرجوا عن القرآن والسنة تأويلاً، وتحريفاً فقالوا مثلاً في الآية السابقة: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٠] أي: هورسول الله حقاً وصدقاً، لكن خاتم النبيين معنى هذا الوصف أنه زينة النبيين، وليس آخرهم، ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] قالوا: هذا تشبيه، وهذا مجاز كما أن الخاتم في الإصبع زينة الأصابع واليد، كذلك محمد هوخاتم الأنبياء أي: زينتهم وليس آخرهم، فإذاً: هم آمنوا وهم كفروا، أي: آمنوا بلفظ القرآن وكفروا بمعناه ترى، هل ربنا حينما يريد منا أن نؤمن بالقرآن يريد منا أن نؤمن بلفظه دون معناه، أوبمعناه دون لفظه، أم يريد منا أن نؤمن بهما كليهما لفظاً ومعناً؟ لاشك أن الجواب: لفظاً ومعنى. وجد في المسلمين من الفلاسفة الذين يعتبرون من الذين خرجوا من دين الله أفواجاً، وكما تخرج الشعرة من العجين قالوا: الآيات التي جاءت تأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ليس المقصود بهذه الآيات هوهذه الصلاة التي يفعلها المسلمون حتى اليوم والحمد لله، صلوات في أوقات خمسة بركعات معروفة، بشروط وأركان ووإلى آخره، لا، هذا خطا في فهم الآية إنما المقصود: أقيموا الصلاة يعني: الدعاء، والزكاة يعني: تطهير النفس. فعطلوا هذه الشرائع كلها، ومعنى هذا: أنهم لا يؤمنون بالله ورسوله حقاً، هذا ما يقوله بعض الفلاسفة الإسلاميين. لكن هناك ضلال أدنى درجة من هذا الضلال، لكنه ضلال أيضاً، ولا أريد أن أعود إلى بعض الأمثلة القديمة حسبنا هذا المثال الجديد الآن: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ

стр. 159

اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] أي: زينتهم أي: هو ليس آخرهم؛ لأنه جاء بعد الرسول غلام أحمد القادياني، وسيأتي من بعده أنبياء كُثُر، والآية فَسَّروها أَوَّلوها عطلوا دلالتها كاليهود يحرفون الكلم من بعد مواضعه، فوقعوا في الكفر وهم يعتمدون على القرآن، وهم يعتمدون على القرآن زعموا مؤولين للآية خلاف تأويلها الصحيح، ماذا فعلوا بالحديث! سمعتم آنفاً قوله ﵇ لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي» قالوا: لا نبي معي، أما بعد موته فهناك أنبياء هكذا. إذاً: هؤلاء هم من الفرق التي جاء الإشارة إليها في قوله ﵊: «وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» هذه الفرقة من هذه الفرق الاثنين والسبعين الهالكة لماذا؟ لأنهم ولو آمنوا بالقرآن، ولكنهم سلكوا غير سبيل المؤمنين في تفسير القرآن من أجل ذلك قال الله في الآية السابقة في القرآن: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. فإذاً: هؤلاء القاديانيون وأمثالهم قديماً، وربما حديثاً: لما آمنوا بالآية وأولوها غير تأويل المؤمنين إذاً: جزاؤهم ما جاء في الآية: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] ... (الهدى والنور/٧٠٥/ ٤١: ٠٠: ٠٠)

стр. 160

حول تعيين العدد في حديث الفرق مداخلة: فضيلة الشيخ، هل الحديث الذي جاء في ذكر عدد الفرق، الحديث المشهور الذي فيه: «أن الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة»، هل هذا الحديث جاء على حصر الفرق، أوأنه جاء بيان للكثرة ولما سيحصل من الفُرقة والتمزُّق بين المسلمين في آخر الزمان؟ الشيخ: أنا أعتقد أولاً أن هذا السؤال لا ينطوي تحته كبير أمر؛ لأنه إن الكثرة كما جاء في السؤال أو للتهديد فهذا أمر غيبي، والواجب على المسلم أن يؤمن بالغيبيات دون توسع فيها، لنفترض أننا كنا في عهد الصحابة، هل كان هناك ثلاث وسبعون فرقة؟ لا، انزل إلى التابعين، لا، إلى تابعيهم، لا، إذاً: ماذا يكون موقف المسلم يومئذ، هل يتساءل مثل هذا السؤال، يقول: هل هو هذا العدد للكثرة أم للتهديد؟ ما تظن سيكون موقفه؟ مداخلة: أظن أن يعني كونه يرى أن هذا الأمر يتحقق في عصر الصحابة، الأدلة الذي يظهر أنها على خلاف ذلك، أن هذا الأمر يحصل عند غربة الإسلام؟ الشيخ: هو هذا، لكن هذا ليس هو جواب السؤال بارك الله فيك، يومئذ إذا تساءل هل يتساءل: هل هذا للكثرة، أي: لا يفيد التحديد أم هو الأصل في العدد التحديد، ولا يفيد الكثرة بمعنى: أنه يحتمل أن يكون أكثر من ذلك، لكن لا يحتمل أنه يكون أقل من ذلك إلا إذا ثبت عملياً وفعلاً وهذا الذي يعني قلته لا

стр. 161

يمكن أن يتصوره الصحابي أو التابعي أو تابعي التابعي؛ لأنه بعدما جاء الزمان الذي تتكاثر فيه الفرق ويمكن أن يصل عددها هذا العدد. قصدي من السؤال: يومئذ ألا يسع هذا الصحابي أو التابعي أو تابع التابعي إلا أن يؤمن بهذا العدد وأنه حق، ولا يتفلسف ويقول: هل هوللكثرة أم للتهديد، واضح السؤال؟ مداخلة: أي نعم. الشيخ: هذا هو الجواب، فغرضي هذا السؤال كما قلته في أول الأمر ليس تحته طائل، لا يتعلق بأمر عملي نحن يجب أن نعرفه بوضوح حتى نتعامل معه؛ لأن هذا أمر غيبي، لكن لو سأل سائل مثلاً، أقول مثلاً لبيان الفرق بين ذاك السؤال وبين السؤال التالي: هل هذه الفرق حينما قال الرسول ﵇: «كلها في النار إلا واحدة» ذلك يشمل كل فرقة مهما كانت انحرافها قليلاً أو كثيراً، ويكون حكمها النار بمعنى الخلود، أم قد وقد؟ هذا السؤال غير ذاك السؤال، ولهذا فأنا أقول: لعل وراء الأكمة ما وراءها؛ لعل هذا السؤال الذي أنا قلت: لا طائل تحته شيء آخر، قله إن شئت. مداخلة: نعم، وراءه شيء آخر، وهوأن المشاهد في هذا العصر، أن الأحزاب والفرق قد كثرت جداً حتى عجز كثير من أهل العلم من حصرها ومن ذكر عددها، بل بعضهم الذي أراد أن يحصر، يعني: رأى أنها تجاوزت الخمسة والسبعين، بل بعض الفرق في نفسها تفرقت إلى فرق لا تحصر ولا تذكر من كثرتها. الشيخ: هذا هو. مداخلة: هذا يعني الإشكال يا شيخ.

стр. 162

الشيخ: هذا هو. مداخلة: نعم. الشيخ: فالآن أقول: هنا شيئان: متى تكون الفرقة فرقة ضالة؟ لا تكون بمجرد الانحراف في جزئية كما سبق الجواب عنه آنفاً، إنما تكون الفرقة فرقة ضالة حينما تتكتل جماعة على أساس منهج تضعه لها وتتبناه وتتحزب وتتعصب له، حينذاك هذه تصبح فرقة، أما أن يخطئ فرد من أفراد المسلمين خطأً وأن يقع في بدعة سواء كانت عقيدة أو حكماً فقهياً فهذا لا يعتبر فرقة، ولذلك حينما نريد أن نصنف الفرق وأن نقول: إنها جاوزت الرقم المذكور في الحديث هذا يحتاج كما يقولون اليوم: مسح ودراسة لهذه الفرق، ومعرفة مناهجها، فإن كان فعلاً لها مناهج تتمايز إحداها عن الأخرى، وكل واحدة منها تخالف الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح، حينذاك نتمكن أن نقول: هذه فرقة ضالة، وهذه فرقة ضالة، وهذه فرقة ضالة، فإذا حصرنا الفرق هذه وضبطنا مناهجها وحكمنا عليها بأنها مخالفة للمنهج الذي كان عليه الرسول ﵇ وأصحابه الكرام، حينئذ سنقول: كل فرقة من هذه هي من الفرق الضالة، فإن زادت على ثلاث وسبعين فرقة، حينذاك نقول بقولة أهل العلم: العدد لا مفهوم له، لكن العدد لا مفهوم له من حيث الأكثر، وليس من حيث الأقل واضح؟ مداخلة: نعم. الشيخ: آه، لكن أنا أقول لك بكل صراحة: لا يمكن لإنسان أن يحصي الفرق الموجودة اليوم وأن يجري دراسة حول كل فرقة، ويحكم بميزان الشرع العدل أن هذه فرقة ضالة وهذه فرقة ضالة، ثم يقول: زاد عددها على ثلاث وسبعين فرقة لا يمكن هذا، وإنما هواندفاع قد يصاحبه شيء من الهوى، قد يصاحبه شيء

стр. 163

من العاطفة الهوجاء، وقد لا تكون مقرونة بالهوى، لذلك نحن لا يفيدنا مثل هذا البحث، بقدر ما يفيدنا أن نعرف هل هذا الشخص أو هذه الطائفة ... فيما خالفت فيه، هل يجوز لنا أن نبدعها وأن نخاصمها وأن نخرجها عن جماعة أهل السنة والجماعة هذا هو المهم، أما أن نفرغ قليلاً أو كثيراً من الوقت لإحصاء الفرق، ثم لنقول بعد ذلك: هذه الفرق زادت على العدد المذكور في الحديث، ما الفائدة من هذا؟ لا فائدة، هذا الذي عندي جواب الآن هذا السؤال. (الهدى والنور /٧٣٤/ ٠٦: ٢٢: ٠٠)

стр. 164

نصيحة للمسلمين -شيخنا إتماماً للكلام الطيب الذي تفضلتم به بماذا تنصحون المسلم الذي يحب أن يحافظ على ما عليه من دين وإيمان يعني لا بد أن هناك نصيحة نصح النبي ﵌ أصحابه فلوتتكرم علينا بنصيحة توجهنا لها في الوقت الذي نعيش فيه من فتن ومحن وزلل ونحوذلك وبارك الله فيكم. الشيخ: على كل حال إذا كنت تذكر حديثا فذكِّرنا به وجزاك الله خير وإلا فما ذكرت آنفا من الآية وحديث أبي بكر كافٍ إن شاء كجواب ما سألت مع ضميمة أخرى وهي التي ندندن حولها دائما وأبدا وهي أن يستمر المسلم في طلب العلم النافع مقرونا بالعمل الصالح، وأن يتذكر الحكمة التي وردت في بعض الأحاديث ولوأنها أحاديث ضعيفة من حيث إسنادها، ولكنها من حيث دلالتها فيها حكم بالغة، منها «طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس» لأنني أرى حقيقة أن كثيراً من إخواننا طلاب العلم يهتمون بغيرهم أكثر مما يهتمون بأنفسهم، ولذلك فأنا أذكر في هذه الحكمة ولا أقول بهذا الحديث طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ولست أعني بطبيعة الحال أن انشغاله بعيبه ومحاسبته لنفسه ينبغي أن يشغله أيضا عن التوجه بنصحه إلى إخوانه لا، لكن لا أريد أن يعكس طالب العلم المسلم الأمر فينشغل بهداية الناس وإرشادهم ثم هو ينسى نفسه ﴿ .. عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ... ﴾ [المائدة: ١٠٥] ومع ذلك أعيد الكرة لعل في ذهنك حديث حول هذا فتذكرنا به وجزاك الله خيرا.

стр. 165

مداخلة: وصية الرسول ﵌ لمعاذ اتق الله حيثما كنت. الشيخ: ... وصايا كثيرة والحمد لله. حديث تذكرته في سياق الكلام ولعله كنا تكلمنا معكم حوله في الهاتف مرة وهوحديث غريب وما نسمعه يتكرر في مجالس إخواننا السلفيين يعني على عظمته في المنهج ولله الحمد حديث في «مشكل الآثار» للطحاوي وفي «معجم الطبراني» الأوسط عن معاذ قال قال رسول الله ﵌: «إنها ستكون فتن، قال: قلنا وما المخرج منها يا رسول الله؟ فكرر الكلمة ذاتها، إنها ستكون فتن، قال: قلنا وما المخرج منها يا رسول الله، فكررها ثالثة، ثم كرر معاذ السؤال ذاته، ثم كان رسول الله ﵌ متكئ فجلس، وقال: ترجعون إلى أمركم الأول، ترجعون إلى أمركم الأول، وهذا يؤكد القاعدة التي دائما أستاذنا يكررها التي هي التصفية والتربية لا يمكن للأمة أن تخرج من الفتن إلا بالرجوع إلى أمرها الأول ولا يمكن في هذه الأيام أن ترجع إلى أمرها الأول دون المرور بالتصفية والتربية. الشيخ: لا شك ولا ريب والحمد لله على هذه النصيحة ومن ذلك قول أحد السلف وهو عبد الله ابن مسعود رضي الله تعالى عنه الذي قال اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم، عليكم بالأمر الأول هذا مستقى من حديث الرسول ﵇ عليكم بالأمر الأول. مداخلة: شيخنا تذكرت أيضا متعلقة بهذا يقول الله ﷻ ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] الله يجزيكم الخير يا شيخ. الشيخ: نعم فاتقوا الله هي الأساس في النجاح لكن أيضا هذا ينبغي ربطه بالعلم النافع لأن كثير مما يُدَّعى أنه من تقوى الله ليس منها بسبيل فالعلم

стр. 166

كما نذكر أيضا هو الأمر الأساسي الأول حتى في العقيدة ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ... ﴾ [محمد: ١٩] فهذه القضية العلم النافع والعمل الصالح هو منطلق المسلمين إذا أرادوا أن يعود إليهم عزهم ومجدهم الغابر والله المستعان. (الهدى والنور/٧٨٨/ ٠٠: ١١: ٠٠)

стр. 167

أولوية الدعوة السلفية مداخلة: فضيلة الشيخ! لقد انقسم الشباب إلى أحزاب وجماعات، فمنهم من يقول: الدعوة إلى التوحيد هي الأصل الأصيل لهذا الدين، وإليه يرجع عقيدة السلف أوترجع عقيدة السلف، ومنهم من يقولك: التربية والتصفية واجتماع الأمة هو الآن الذي تحتاجه الأمة في هذا الزمان، والبعض يقول: انتشال الشباب من الحضيض إلى الرفعة هو هدف الأمة وهدف الإسلام، فنرجو كلمة متوسطة في هذا المجال، والحث والتوجيه إلى المنهج الصحيح السليم. الشيخ: في اعتقادي أن ما سبق من الكلام يمكن اعتباره جوابًا عن هذا السؤال، ولا بد من شيء من البيان: في السؤال أن بعض المسلمين اليوم يهتمون أو يرون الاهتمام بالدعوة إلى التوحيد، وناس بالتصفية والتربية، وناس بجمع الكلمة، ونحو ذلك، فأقول: إن البدء في الدعوة إلى التوحيد هي سنة الأنبياء والرسل من قبل، فإن الآيات متوفرة على أن الله ما أرسل نبيًا إلا دعا قومه إلى عبادة الله ﵎ وحده لا شريك له، وما قصة نوح ﵇ في السورة التي سميت باسمه عنكم ببعيد، ولكن الابتداء بالتوحيد لا يعني الانصراف عن الدعوة، الإسلام ككل لا يتجزأ وذلك لا بد من أن يكون الداعي، وأنا قلت في الأمس القريب وفي اجتماع مبارك كاجتماعكم هذا أو أكبر: الدعوة إلى الله ينبغي أن يكون الدعاة على قسم وافر من العلم، وقد ذكرنا لكم آنفًا ما هو العلم، وأنه هو

стр. 168

كتاب الله وسنة النبي ﵌، وعلى ما كان عليه سلفنا الصالح. فالداعية ينبغي أن يكون من أهل العلم وليس ممن أوتي شيئًا قليلًا من الثقافة ثم هولا يعلم ربما التوحيد نفسه من كل وجوهه حتى يتم فهمه بكلمة الشهادة: لا إله إلا الله، فكيف به يستطيع أن يكون داعيةً، وهوالذي يؤتى حظًا وافرًا من العلم، فالدعوة يجب أن تكون أولًا من العلماء، ثم يجب أن تكون كاملة وجامعةً لهذا الإسلام الذي قال الله فيه في القرآن: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. فلئن كان بعض الناس يهتمون بالدعوة إلى التوحيد وهذا واجبهم فذلك لا يعني أنهم لا يدعون إلى كل ناحية من نواحي الإسلام لكن هذا يعني أن الداعية يجب أن يكون على علم بكل .. أوعلى الأقل بأكثر أبواب الشريعة، والناشئون اليوم ممن ينتمون إلى ما يسمون بالدعاة، ثم يختلفون في الطريق الذي ينبغي أن يسلكوه في الدعوة، وكما سمعتم في السؤال وإن كان هذا السؤال ليس واضحًا جدًا؛ لأنه لا اختلاف اختلافًا كثيرًا بين خطة وأخرى، ولكن الذي يجب أن تكون كل الدعوات التي نسمع صوتها في كل البلاد الإسلامية على كلمة سواء ألا وهي: أن ندعو إلى الله على كتاب الله وسنة رسول الله ﵌، وعلى منهج السلف الصالح، مع الحض للناس على أن يحرصوا على الفعل أكثر من ... على القول، وهذا كله سبق تفصيل الكلام فيه فيما سبق فنكتفي بهذه الكلمة. (رحلة النور ٤٢ ب/٠٠: ٠١: ١٣)

стр. 169

هل السلفية حزب ؟ مداخلة: فضيلة الشيخ! سمعت منك أنك لا ترى الحزبية، والذي نعرفه أنك من أبرز قيادات السلفيين فهل هناك فرق بينكم وبين الجماعات السلفية المنظمة ... الشيخ: لا شك أنه لا حزبية في الإسلام، وأن المسلمين يجب عليهم أن يكونوا كتلة واحدة، وعلى قلب رجل واحد، وأنه لا يجوز لهم أن يتفرقوا إلى جماعات وإلى فرق وإلى طوائف لكل جماعة منهم رئيس يأتمرون بأمره ويتوجهون بتوجيهاته، فنحن لا ندعو إلى تكتل ولا إلى تحزب ولا إلى تجمع وإنما ندعو كافة المسلمين إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﵌ وعلى منهج السلف الصالح .. وعلى منهج السلف الصالح، هذه دعوتنا لكل المسلمين في كل بلاد الدنيا. والفرق بين دعوتنا ودعوة غيرنا سواء كان في الأصل دعوته سلفية ثم تحزب وتكتل، وبين أيضاً الكتل الأخرى أو الجماعات الأخرى أن الدعوة السلفية تجمع المسلمين كلهم وتتسع لهم جميعهم بخلاف أي جماعة أوأي حزب آخر فلا يتسع حزبهم لجميع الأحزاب والكتل الأخرى، وكما قيل: وحسبكم هذا التفاوت بيننا ... وكل إناء بما فيه ينضح (رحلة النور ١٦ ب/٠٠: ٣٦: ٤٨)

стр. 170

ما هي الفرقة الناجية ؟ مداخلة: فضيلة الوالد حفظك الله! ما هي الفرقة الناجية، وما أصول دعوة السلف الصالح؟ الشيخ: لقد جاء الحديث جوابًا عن هذا السؤال في كتب الحديث كسنن الترمذي وغيره عن النبي ﵌ أنه قال: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال - في رواية -: الجماعة» يعني: جماعة الرسول ﵇ أي: الصحابة، والدليل على هذا الرواية الأخرى: «قال: هي التي على ما أنا عليه وأصحابي» فالفرقة الناجية هي التي تتمسك بسنة النبي ﵌ وسنة أصحابه، وبخاصة سنة الخلفاء الراشدين التي أمر بها ﵊ في حديث العرباض بن سارية، حيث قال هذا الصحابي الجليل وهو من أهل الصُفَّة: «وعظنا رسول الله ﵌ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: أوصنا يا رسول الله، فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن ولي عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة». ففي هذا الحديث تخصيص سنة الخلفاء الراشدين بالاتباع بعد سنة النبي

стр. 171

- ﵌، لماذا ذكر مع سنته في الحديث السابق أصحابه وفي الحديث اللاحق الخلفاء الراشدين من أصحابه؟ ذلك لأنهم قد تلقوا الشرع مبينًا من النبي ﵌ بقوله وبفعله، فنحن ما سمعنا أقواله ولا رأينا أفعاله وإنما تعلمنا ذلك من طريق أصحابه، وأصحابه هم الذين طبقوا شريعة الله التي فهموها من رسول الله ﵌ تطبيقًا صحيحًا. ولذلك فلا يجوز للمسلم أن يكتفي بالرجوع إلى الكتاب وإلى السنة فقط، وإنما يضيف إلى ذلك ما أضافه الرسول ﵇ في حديث الفرق، وفي حديث الخلفاء الراشدين، وذلك مما أشار إليه رب العالمين في القرآن الكريم حينما قال : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] قال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] ما قال الله : ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تين له الهدى نوله ما تولى﴾ وإنما عطف على مشاققة الرسول فقال: ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ أذكر هذا ربنا عبثًا؟ حاشى لله ﵎، فما في القرآن كلمة إلا لحكمة بالغة فضلاً عن جملة كهذه الجملة: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] الحكمة في ذلك هو ما ذكرته آنفًا. ولذلك احتج الإمام الشافعي على أنه لا يجوز مخالفة سبيل المؤمنين، ولا تكون هذه المخالفة إلا بركوب بعض الناس رؤوسهم وتأويلهم لبعض النصوص من الكتاب والسنة دون الاستعانة على فهم تلك النصوص بما كان عليه سلفنا الصالح، ولذلك فنحن نعلم يقينًا أن سبب تفرق المسلمين إلى ثلاثة وسبعين فرقة واحدًة منها هي الفرقة الناجية ذلك؛ لأنها تمسكت بالكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، أما من تمسك بالكتاب والسنة على تفسيره هو، وأعرض عما كان عليه السلف الصالح فقد خالف الآية: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ

стр. 172

الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] وخالف الحديثين السابقين ذكرًا. لسنا بحاجة الآن إلى أن نُذَكِّرَكُم ببعض الفرق الإسلامية القديمة كالمعتزلة والخوارج والمرجئة وغيرهم، فإن هؤلاء معروف مخالفتهم للكتاب والسنة، وما ذاك إلا أنهم لا يرجعون قسم منهم إلى السنة، فيردون الأحاديث الصحيحة، وقسم منهم يتأولون الأحاديث بغير ما فهمه سلفنا الصالح، لا نذهب بعيدًا لنضرب لكم بعض الأمثلة من عقائد هذه الفرق القديمة الظاهرة، ولكننا نضرب لكم مثلًا بانحراف بعض المسلمين اليوم انحرافًا خطيرًا جدًا هو الكفر بعينه والردة بعينها، ألا وهم طائفة يعرفون بالقاديانيين وهم يسمون أنفسهم بالأحمديين، وهؤلاء من عرف تاريخهم ونشاطهم في الدعوة إلى إسلامهم يعجب كيف يفرغون أنفسهم بهذا النشاط في الدعوة إلى دينهم وهم يزعمون أن دينهم الإسلام. ولا شك ولا ريب أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلون ويصومون ويحجون ويزكون، أي: يأتون بالأركان الإسلامية الخمسة، ولكن مع ذلك هم ليسوا مسلمين، لماذا؟ لأنهم جاءوا إلى بعض الآيات القرآنية وفسروها بأهوائهم ولم يفسروها على طريقة المسلمين، فاتبعوا غير طريق المسلمين، فصدق عليهم قول رب العالمين: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. هؤلاء يعتقدون بأن الله لم يختم النبوة بمحمد ﵌ بل سيأتي من بعده أنبياء، وفعلًا زعموا هم، بأن الله قد أرسل إليهم نبيًا من الهند من قرية اسمها قاديان، واسم ذلك النبي المزعوم ميرزا غلام أحمد القادياني، فهم يعتقدون بأن هذا نبي بعد نبينا ﵌، فهل كفروا بالقرآن؟ هل كفروا بأحاديث الرسول ﵊ وهي في الآية والأحاديث كلها مجمعة على أنه لا نبي بعده؟ لا،

стр. 173

ما كفروا بلفظ القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ما كفروا بهذا اللفظ ولكن احتالوا عليه وعطلوا دلالته، ما كفروا بقوله ﵌: «لا نبي بعدي» بل أيضًا فسروه بغير ما تلقاه المسلمون، فالآية السابقة، قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] قالوا: معنى خاتم النبيين: أي: زينة الأنبياء، كالخاتم في الإصبع، ليس معناه أنه لا يأتي بعده نبي، فإذا عرضوا للأحاديث الصحيحة: «لا نبي بعدي» قالوا: معنى لا نبي بعدي: لا نبي معي، ولم يكن معه نبي، أما بعده يعني: بعد موته فيأتي نبي وقد جاء فعلًا. إذًا: من مثل هذا المثال الحديث يظهر لكم أنه لا يكفي المسلم أن يفهم القرآن وحديث الرسول ﵇ منفصلًا عن فهم سلفنا الصالح للقرآن وللسنة، من هنا تظهر الحكمة البالغة في ذكر الآية سبيل المؤمنين، وذكر الرسول الصحابة والخلفاء الراشدين حتى لا ينحرف المسلم في فهم بعض النصوص من الكتاب والسنة فيضل ضلالًا بعيدًا، والعصمة في ذلك هواتباع السلف كما قال ﵊ في حديث الفرق: «ما أنا عليه وأصحابي» لم يقل: ما أنا عليه فقط، لأن الصحابة هم الذين نقلوا إلينا ما كان عليه الرسول ﵇ وبَيَّنوه بيانًا لم يَدَعُوا لأحد بعد ذلك أن يأتي ويتفلسف ويفسر بعض النصوص حسب أهوائهم. هؤلاء القاديانيون من انحرافهم عن الإسلام أنهم أنكروا خلقًا أنزل الله سورًة باسم الجن، فأنكروا وجود هذا الخلق مع تصريح القرآن بذلك في غير ما آية، ويكفي السورة المذكورة آنفًا، هل أنكروا السورة؟ هل أنكروا قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] هل أنكروا لفظة الجن المذكورة في هذه السورة، وفي آيات أخرى؟ الجواب: لا، لكنهم فسروا الجن بالذكر، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ

стр. 174

النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ١ - ٦] أنكروا الجنة وقالوا: الجنة هنا: هم البشر، والناس: هو بيان لكلمة الجن وهم البشر، هذا هو التعطيل الذي كان علماؤنا من السلف يتوجهون بالإنكار على الفرق القديمة الذين كانوا يتأولون الآيات كتأول هذه الفرقة الحديثة، ولذلك سموا بالمعطلة؛ لأنهم يعطلون النصوص الشرعية. فإذًا: العصمة من أن يكون المسلم وبخاصة في آخر الزمان فرقة من اثنين وسبعين فرقة، والحجة في أن يكون ... هو ما سبق بيانه على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، لذلك يقول ابن قيم الجوزية ﵀: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة .. ما قال فقط: العلم قال الله قال رسوله، بل قال في الثالثة: قال الصحابة، من أين أخذ؟ من الأدلة السابقة: العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم ذكر الخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فقيه كلا ولا جحد الصفات ونفيها ... حذرًا من التعطيل والتشبيه فإذا تذكرتم هذه النصوص من الكتاب والسنة كنتم حريصين معنا كل الحرص على ألا نستقل في فهم الكتاب والسنة، ولا ننفرد في ذلك فنخالف ما كان عليه السلف الصالح؛ لذلك اشتهر عن العلماء أنهم كانوا يقولون: وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف (رحلة النور ٢٩ أ/٠٠: ٠١: ٢٧)

стр. 175

المنهج الصحيح في الدعوة السلفية مداخلة: فضيلة الوالد الكريم! نرجو منك أن تبين لنا ما هو المنهج الصحيح في الدعوة السلفية، خاصة في هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن وقل فيه العلم، وما الفرق بين التنظيم ... ؟ نرجو التوضيح وجزاك الله خير. الشيخ: أما الدعوة فلا ينهض بها إلا أولو العلم القائمين بالقسط، أما ما شاع في هذا الزمان أن كثيرًا من الناس الذين لم يؤتوا من العلم إلا نصيبًا لا يكاد يذكر يُسَمُّون أنفسهم بالدعاة إلى الله، فهذا في اعتقادي وربما تستغربون لكن أنا أتحمل مسئولية ما أقول من بدع العصر الحاضر، من بدع العصر الحاضر أن يشاع الآن بين الناس أن هناك ألوفًا من الدعاة وليسوا على علم لا بالكتاب ولا بالسنة وبآثار السلف، بل ولا بالمذاهب القائمة التقليدية اليوم وإنما يعرفون بعض الأحكام البسيطة وربما بعض الآيات وبعض الأحاديث التي يمكن أن يلقيها أقل الناس علمًا ثم ينصبون أنفسهم دعاةً، فإذا سئلوا عن مسألة ما، حاروا ولم يستطيعوا جواب، وقد يجيبون على جهل بالغ وهذا من آفة العصر الحاضر، وليس الأمر يقف عند هؤلاء الشبيبة النابتة بل قد نجد رجالات كبارًا لم يؤتوا ذلك الحض الوافر من العلم مع ذلك قد اشتهروا بأنهم دعاة إلى ماذا؟ إلى الإسلام وهم يحاربون الإسلام بمحاربة السنة التي لا يمكن للمسلم أن يفهم كتاب الله إلا من طريق رسول الله ﵌ فكيف يكون داعيةً للإسلام من يجهل السنة علمًا، ثم من يحاربها في بعض جوانبها على الأقل عقيدًة، هذا لا يصلح أن

стр. 176

يكون داعيًة إلى الإسلام إلا كنحوما أشرت لكم آنفًا، وأرجوأن تقفوا عند لفظي حتى لا يساء نقل كلامي .. إلا كنحو- ما أقول: كمثل - ما ذكرت آنفًا عن القاديانيين فإنه أنشط الفرق الإسلامية في الدعوة إلى الإسلام، لكن هذه الدعوة ليست إلى الإسلام وإنما إلى إسلامهم هم الذي أخرجهم عن دائرة الإسلام المتوارث خلفًا عن سلف. كذلك يوجد اليوم بعض الدعاة لم يُؤْتَوا حظاً وافراً وعلماً كثيرًا بالسنة التي على ضوئها يمكن تفسير القرآن الكريم تفسيرًا صحيحًا، فماذا يقول الإنسان في مثل هؤلاء، بل ماذا نقول في النابتة العصرية التي لا يكاد أحدهم يتخرج من المدرسة الثانوية فضلًا عن يأخذ شهادة أعلى من ... حتى الشهادة البروفيسوراة وحتى في الشريعة فإنهم لم يتعلموا بعد كثيرًا من أحكام الشريعة، ماذا نقول في هؤلاء وقد نصبوا أنفسهم للدعوة إلى الإسلام، وقد قال ﵊ كما في صحيح البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمروبن العاص قال: قال رسول الله ﵌: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعًا من صدور العلماء، ولكنه يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». أنا أعرف بعض المفتين في بعض البلاد الإسلامية العربية وليس البلاد الأعجمية، سئل عن الخادمات الأجنبيات التي يؤتى بها إلى بعض البلاد الإسلامية كخدم، هل يجوز لهذه النساء الكافرات الخادمات أن تتكشف سيدة الدار المسلمة أمامها، أم يجب أن تحتجب أمامها كما تحتجب عن الرجال الأجانب كما هوصريح القرآن لقوله ﵎: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوآبَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] إلى أن قال تعالى في آخر الآية:

стр. 177

﴿أَونِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] أونسائهن المسلمات، فهن اللاتي يجوز للمرأة المسلمة أن تظهر برأسها وبذراعيها وقدميها، والقسم الأدنى من ساقيها، أما غير ذلك كما تعيش حاسرة كاشفة عن صدرها .. كاشفة عن عضدها؛ لأنها تأخذ حريتها في عقر دارها لكن عندها كافرة .. خادمة كافرة، تدرون ماذا أجاب؟ أجاب بأنه يجوز قياسًا على الإماء أي العبيدات اللاتي كن يؤخذن بطريق شرعية فتكون هي سيدتها. ونحن نعلم من السنة أن غلام المرأة وهو ذكر يجوز لها ويجوز له أن يرى منها ما يجوز للمحرم منها أن يرى منها، فقد جاء في سنن أبي داود أن النبي ﵌ دخل يومًا على فاطمة ابنة النبي ﵌ ومعه عبد لها وهي ... فلما رأت الرسول ﵇ ومعه عبدها حاولت أن تتستر وأن تتسجى بغطائها فقال لها ﵊: «لا بأس عليك إنما هو أبوك وغلامك» (١) فبالأولى والأحرى إذا كانت امرأة، فقاس هذه الخادمة الكافرة التي ليست عبدة مملوكة على العبدة المملوكة، ألا يصدق على مثل هذا قوله ﵇ الآنف الذكر: «اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» هذا وله منصب كبير فماذا نقول عن الناشئة الحديثة التي تنصب نفسها للدعوة زعموا إلى الإسلام وهم لا يعلمون من الإسلام إلا شيئًا قليلًا. وهنا نكتة: في سوريا في بلادنا فتروى هاي نكتة لتلطيف الجوقليلًا؛ ولأنها حقيقة واقعة مع الأسف الشديد: يزعمون أن رجلًا أعجميًا متحمس للإسلام وعامي ليس عالمًا ولا طالب علم لقي رجلًا ... في الطريق فأخرج السكين أوالمدية ووجهها إليه وقال: أسلم وإلا قتلتك، قال: لحظة! ماذا أقول؟ قال: والله لا أدري، هذا مسكين ويدعوه إلى الإسلام ويهدده بالقتل لكن لا يحسن أن

стр. 178

يقول: قل: لا إله إلا الله، هذا مثال تقريبي وليس تحديدي، المهم: أن الدعوة إلى الله يجب أن تكون قبل كل شيء على علم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] إذا لم يكن عاملًا عالمًا فسوف لا يكون عاملًا صالحًا، وفاقد الشيء كما يقال قديمًا لا يعطيه، فالذي ينبغي أن يكون داعيةً يجب أن يكون عالمًا، ثم لا يكفي هذا يجب أن يكون عالمًا بالكتاب والسنة ليس ببعض الآراء الفقهية المتأخرة فيقع في مثل ذاك القياس الذي سمعتموه آنفًا قاس الخادمة الكافرة الحرة على العبدة الكافرة وشتان ما بينهما. هذا أولًا: أن يكون عالمًا، ثانيًا: أن يكون عالمًا بالكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح. وأخيرًا: أن يكون عاملًا بعلمه، فإن الدعوة إلى الله ﵎ ولوكانت صحيحة مائة بالمائة إذا لم تكن مقرونة بعمل هذا الداعية فلا تؤثر التأثير المطلوب لجماهير الناس؛ لأن الناس يهتمون بالاقتداء بأهل العلم والفضل في أعمالهم أكثر من أقوالهم. هذا ما يتعلق بطريق الدعوة إلى الله، أما ما يسمى اليوم بالتنظيم فالتنظيم له صورتان: لا شك أن أي عمل يراد الاستفادة منه فلا بد من تنظيم له كالدروس التي قد تلقى مثلًا في بعض المدارس أوفي بعض الجامعات هذا تنظيم؛ لأنه إن لم يفعل ذلك صار أمر التعليم فوضى، لا مانع من هذا التنظيم على الطريقة الموجودة اليوم في العصر الحاضر كما كان نحو ذلك قديمًا حيث كانت توجد الحلقات العلمية في كل المساجد التي كانت في البلاد، وأنا شخصيًا أدركت أكبر مسجد في سوريا وهو المعروف بالمسجد الأموي مسجد بني أمية، أدركت فيها حلقات متعددة صباحًا ومساءًا، هذا يدرس في تفسير، وهذا يدرس في الفقه الحنفي، وذاك في الفقه الشافعي، وإن كان لم يكن هناك إلا درس واحد في الأسبوع في الحديث النبوي وهكذا، وأما اليوم فقد أصبحت المساجد قاعًا صفصفًا ... (رحلة النور ٣٧ أ/٠٠: ٠٠: ٤٥)

стр. 179

هل هناك أوصياء على الصحوة الإسلامية مداخلة: يحاول بعض أدعياء العلم من العلماء تنصيب أنفسهم أوصياء على كما قلت الصحوة الإسلامية، فما رأيكم في ذلك؟ الشيخ: رأيي هو الرأي السابق: أنه لا فائدة من ذلك إلا أن يعودوا إلى المنهج الصحيح الذي ندندن حوله دائمًا وندعو إليه، ففاقد الشيء لا يعطيه كما قلنا، فالصحوة ستبقى تمشي ... بطيئة جدًا حتى يقيض الله ﵎ لها من يأخذ بيدها ويدلها على الطريق التي يجب على الأمة كلها أن تسلكها تحقيقًا لقوله ﵎: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] ولا شك أن نصر المسلمين لله إنما هو لدينه والعمل بأحكامه، ولا يمكن ذلك إلا بأمرين اثنين طالما دعونا المسلمين جميعًا إلى تطبيقهما وهو ما أسميه: بالتصفية والتربية، فإذا لم يكن هناك علم مُصَفَّى مأخوذ من الكتاب والسنة فلا ينفع إلا قليلًا، ثم هذا العلم إن نفع فإنما ينفع إذا كان مقرونًا بالعمل، وإلا كان العلم وبالًا على صاحبه كما هو معروف من أدلة الشريعة كمثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣] فقيام بعض الناس ممن ينتمي إلى العلم وهو ليس على العلم الصحيح فهذا لا يفيد شيئًا. وقد ضربنا مثلًا في الاجتماع الذي كان معقودًا في الأمس لذلك العالم الذي اختير في منصب عالٍ كما أفتى بأن الخادمات الأجنبيات هن بمنزلة السبايا اللاتي يجوز لهن أن يرين النساء في لباسهن في بيوتهن، مع أن الكافرات الحرائر

стр. 180

هن كالرجال بالنسبة للنساء المسلمات، لا يجوز لهن أن يرين من المرأة المسلمة إلا وجهها وكفيها فقط، ولما كان أرباب البيوت من الأزواج والزوجات يضطرن إلى أن تتكشف نساؤهم أمام هذه الأجنبيات فأفتى تلك الفتوى بجهل بالغ ما يفيد مثل هذا العلم الذي لم يقم على الفهم لكتاب الله وحديث رسول الله ﵌. (رحلة النور ٣٩ أ/٠٠: ٠٩: ٢٢)
следующие страницы →