يكون داعيًة إلى الإسلام إلا كنحوما أشرت لكم آنفًا، وأرجوأن تقفوا عند لفظي حتى لا يساء نقل كلامي .. إلا كنحو- ما أقول: كمثل - ما ذكرت آنفًا عن القاديانيين فإنه أنشط الفرق الإسلامية في الدعوة إلى الإسلام، لكن هذه الدعوة ليست إلى الإسلام وإنما إلى إسلامهم هم الذي أخرجهم عن دائرة الإسلام المتوارث خلفًا عن سلف.
كذلك يوجد اليوم بعض الدعاة لم يُؤْتَوا حظاً وافراً وعلماً كثيرًا بالسنة التي على ضوئها يمكن تفسير القرآن الكريم تفسيرًا صحيحًا، فماذا يقول الإنسان في مثل هؤلاء، بل ماذا نقول في النابتة العصرية التي لا يكاد أحدهم يتخرج من المدرسة الثانوية فضلًا عن يأخذ شهادة أعلى من ... حتى الشهادة البروفيسوراة وحتى في الشريعة فإنهم لم يتعلموا بعد كثيرًا من أحكام الشريعة، ماذا نقول في هؤلاء وقد نصبوا أنفسهم للدعوة إلى الإسلام، وقد قال ﵊ كما في صحيح البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمروبن العاص قال: قال رسول الله ﵌: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعًا من صدور العلماء، ولكنه يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا».
أنا أعرف بعض المفتين في بعض البلاد الإسلامية العربية وليس البلاد الأعجمية، سئل عن الخادمات الأجنبيات التي يؤتى بها إلى بعض البلاد الإسلامية كخدم، هل يجوز لهذه النساء الكافرات الخادمات أن تتكشف سيدة الدار المسلمة أمامها، أم يجب أن تحتجب أمامها كما تحتجب عن الرجال الأجانب كما هوصريح القرآن لقوله ﵎: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوآبَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] إلى أن قال تعالى في آخر الآية:
стр. 177
﴿أَونِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] أونسائهن المسلمات، فهن اللاتي يجوز للمرأة المسلمة أن تظهر برأسها وبذراعيها وقدميها، والقسم الأدنى من ساقيها، أما غير ذلك كما تعيش حاسرة كاشفة عن صدرها .. كاشفة عن عضدها؛ لأنها تأخذ حريتها في عقر دارها لكن عندها كافرة .. خادمة كافرة، تدرون ماذا أجاب؟ أجاب بأنه يجوز قياسًا على الإماء أي العبيدات اللاتي كن يؤخذن بطريق شرعية فتكون هي سيدتها.
ونحن نعلم من السنة أن غلام المرأة وهو ذكر يجوز لها ويجوز له أن يرى منها ما يجوز للمحرم منها أن يرى منها، فقد جاء في سنن أبي داود أن النبي ﵌ دخل يومًا على فاطمة ابنة النبي ﵌ ومعه عبد لها وهي ... فلما رأت الرسول ﵇ ومعه عبدها حاولت أن تتستر وأن تتسجى بغطائها فقال لها ﵊: «لا بأس عليك إنما هو أبوك وغلامك» (١) فبالأولى والأحرى إذا كانت امرأة، فقاس هذه الخادمة الكافرة التي ليست عبدة مملوكة على العبدة المملوكة، ألا يصدق على مثل هذا قوله ﵇ الآنف الذكر: «اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» هذا وله منصب كبير فماذا نقول عن الناشئة الحديثة التي تنصب نفسها للدعوة زعموا إلى الإسلام وهم لا يعلمون من الإسلام إلا شيئًا قليلًا.
وهنا نكتة: في سوريا في بلادنا فتروى هاي نكتة لتلطيف الجوقليلًا؛ ولأنها حقيقة واقعة مع الأسف الشديد: يزعمون أن رجلًا أعجميًا متحمس للإسلام وعامي ليس عالمًا ولا طالب علم لقي رجلًا ... في الطريق فأخرج السكين أوالمدية ووجهها إليه وقال: أسلم وإلا قتلتك، قال: لحظة! ماذا أقول؟ قال: والله لا أدري، هذا مسكين ويدعوه إلى الإسلام ويهدده بالقتل لكن لا يحسن أن
стр. 178
يقول: قل: لا إله إلا الله، هذا مثال تقريبي وليس تحديدي، المهم: أن الدعوة إلى الله يجب أن تكون قبل كل شيء على علم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] إذا لم يكن عاملًا عالمًا فسوف لا يكون عاملًا صالحًا، وفاقد الشيء كما يقال قديمًا لا يعطيه، فالذي ينبغي أن يكون داعيةً يجب أن يكون عالمًا، ثم لا يكفي هذا يجب أن يكون عالمًا بالكتاب والسنة ليس ببعض الآراء الفقهية المتأخرة فيقع في مثل ذاك القياس الذي سمعتموه آنفًا قاس الخادمة الكافرة الحرة على العبدة الكافرة وشتان ما بينهما.
هذا أولًا: أن يكون عالمًا، ثانيًا: أن يكون عالمًا بالكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح.
وأخيرًا: أن يكون عاملًا بعلمه، فإن الدعوة إلى الله ﵎ ولوكانت صحيحة مائة بالمائة إذا لم تكن مقرونة بعمل هذا الداعية فلا تؤثر التأثير المطلوب لجماهير الناس؛ لأن الناس يهتمون بالاقتداء بأهل العلم والفضل في أعمالهم أكثر من أقوالهم.
هذا ما يتعلق بطريق الدعوة إلى الله، أما ما يسمى اليوم بالتنظيم فالتنظيم له صورتان: لا شك أن أي عمل يراد الاستفادة منه فلا بد من تنظيم له كالدروس التي قد تلقى مثلًا في بعض المدارس أوفي بعض الجامعات هذا تنظيم؛ لأنه إن لم يفعل ذلك صار أمر التعليم فوضى، لا مانع من هذا التنظيم على الطريقة الموجودة اليوم في العصر الحاضر كما كان نحو ذلك قديمًا حيث كانت توجد الحلقات العلمية في كل المساجد التي كانت في البلاد، وأنا شخصيًا أدركت أكبر مسجد في سوريا وهو المعروف بالمسجد الأموي مسجد بني أمية، أدركت فيها حلقات متعددة صباحًا ومساءًا، هذا يدرس في تفسير، وهذا يدرس في الفقه الحنفي، وذاك في الفقه الشافعي، وإن كان لم يكن هناك إلا درس واحد في الأسبوع في الحديث النبوي وهكذا، وأما اليوم فقد أصبحت المساجد قاعًا صفصفًا ...
(رحلة النور ٣٧ أ/٠٠: ٠٠: ٤٥)
стр. 179
هل هناك أوصياء على الصحوة الإسلامية
مداخلة: يحاول بعض أدعياء العلم من العلماء تنصيب أنفسهم أوصياء على كما قلت الصحوة الإسلامية، فما رأيكم في ذلك؟
الشيخ: رأيي هو الرأي السابق: أنه لا فائدة من ذلك إلا أن يعودوا إلى المنهج الصحيح الذي ندندن حوله دائمًا وندعو إليه، ففاقد الشيء لا يعطيه كما قلنا، فالصحوة ستبقى تمشي ... بطيئة جدًا حتى يقيض الله ﵎ لها من يأخذ بيدها ويدلها على الطريق التي يجب على الأمة كلها أن تسلكها تحقيقًا لقوله ﵎: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] ولا شك أن نصر المسلمين لله إنما هو لدينه والعمل بأحكامه، ولا يمكن ذلك إلا بأمرين اثنين طالما دعونا المسلمين جميعًا إلى تطبيقهما وهو ما أسميه: بالتصفية والتربية، فإذا لم يكن هناك علم مُصَفَّى مأخوذ من الكتاب والسنة فلا ينفع إلا قليلًا، ثم هذا العلم إن نفع فإنما ينفع إذا كان مقرونًا بالعمل، وإلا كان العلم وبالًا على صاحبه كما هو معروف من أدلة الشريعة كمثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣] فقيام بعض الناس ممن ينتمي إلى العلم وهو ليس على العلم الصحيح فهذا لا يفيد شيئًا.
وقد ضربنا مثلًا في الاجتماع الذي كان معقودًا في الأمس لذلك العالم الذي اختير في منصب عالٍ كما أفتى بأن الخادمات الأجنبيات هن بمنزلة السبايا اللاتي يجوز لهن أن يرين النساء في لباسهن في بيوتهن، مع أن الكافرات الحرائر
стр. 180
هن كالرجال بالنسبة للنساء المسلمات، لا يجوز لهن أن يرين من المرأة المسلمة إلا وجهها وكفيها فقط، ولما كان أرباب البيوت من الأزواج والزوجات يضطرن إلى أن تتكشف نساؤهم أمام هذه الأجنبيات فأفتى تلك الفتوى بجهل بالغ ما يفيد مثل هذا العلم الذي لم يقم على الفهم لكتاب الله وحديث رسول الله ﵌.
(رحلة النور ٣٩ أ/٠٠: ٠٩: ٢٢)
стр. 181
السلفية: علم وعمل
الشيخ: إن الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
أما بعد:
فالواجب على كل مسلمٍ أن يعبد الله ﵎ على العلم النافع والعمل الصالح، ولعلكم جميعًا أو أكثركم يعلم أن العلم النافع لا يكون إلا إذا كان مستقىً ومستنبطًا من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﵌، ثم ما جاءنا عن السلف الصالح؛ لأنهم هم القوم لا يشقى جليسهم.
وقد جاء الأمر باتباع الكتاب والسنة والسلف الصالح في غير ما حديثٍ
стр. 182
واحد، لعلنا نقتصر على التذكير منها بحديثٍ واحد، ألا وهوحديث العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه، قال: وعظنا رسول الله ﵌ موعظةً وجلت منها القلوب، وذرفت منها الأعين، فقلنا: يا رسول الله أوصنا، قال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع، والطاعة، وإن ولي عليكم عبدٌ حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة».
في هذا الحديث كما سمعتم الأمر بشيءٍ زائدٍ على الكتاب والسنة، وذلك اتباع سنة الخلفاء الراشدين من بعد النبي الكريم ﵌، وما ذاك إلا لأن الخلفاء الراشدين تلقوا العلم والكتاب والسنة من النبي ﵌ مباشرةً دون واسطةٍ ما، وفهموا هذه السنة والقرآن الكريم كما علمهم رسول الله ﵌.
ولذلك فينبغي على كل طالبٍ للعلم ألا ينسى هذا الأمر النبوي الكريم في اتباع الخلفاء الراشدين، ويلحق بهم من كان من أهل العلم من الصحابة الآخرين، فإذ الأمر كذلك علينا أن تكون دعوتنا وأن يكون علمنا مستنبطًا من الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح.
من أجل ذلك يقول ابن القيم الجوزية ﵀:
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتمويه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهةً ... بين الرسول وبين رأي فقيه
كلا ولا جحد الصفات ونفيها ... حذرًا من التعطيل والتشبيه
هذا ما يتعلق بالعلم النافع الذي يجب أن يكون هدف كل طالب علمٍ، وليس أن يكون هدفه طلب العلم التقليدي القائم على التعصب المذهبي، هذا حنفيٌ
стр. 183
وذاك مالكيٌ، والثالث شافعيٌ والرابع حنبلي، هؤلاء الأئمة لا شك ولا ريب أننا نجلهم ونقدرهم حق قدرهم، ولذلك فنحن نتبع سبيلهم الذي انطلقوا وساروا عليه، وما هو إلا شبيه للسلف الصالح كما ذكرنا آنفًا، ولكننا لا نتعصب لواحدٍ منهم على الآخر، هذا هو العلم النافع، أي: المستقى من الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح.
أما العمل، فيجب أن يكون المسلم فيه مخلصًا لله لا يبتغي من وراء ذلك جزاءً ولا شكورا .. لا يبتغي من وراء ذلك أجرًا ولا غرورًا ولا وظيفةً ولا ما شابه ذلك، وإنما يعمل العمل الصالح لله ﵎ كما قال في القرآن الكريم: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
قال علماء التفسير والفقه في هذه الجملة الأخيرة من الآية الكريمة: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا﴾ قالوا: لا يكون العمل صالحًا إلا إذا كان موافقًا للسنة، ولا يكون مقبولًا عند الله ولو كان موافقًا للسنة، إلا إذا كان خالصًا لوجه الله ﵎، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وكثيرةٌ جدًا، فحسبنا بين يدي هذه الأسئلة هذه الكلمة الوجيزة.
فهي تتلخص بأنه يجب على كل مسلم أن يحسن طلب العلم على ضوء الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح، وألا يبتغي من أعماله الصالحة إلا وجه الله ﵎، هذا ما يسَّر الله بناءً على هذا الطلب.
(سلسلة الهدى والنور (١٨٨) /٠٠: ٠٠: ٠٣)
стр. 184
الدعوة السلفية في اضطراب
مداخلة: ما رأي فضيلتكم في ... الدعوة السلفية عمومًا، وفي الكويت ومصر والسعودية خصوصًا؟
الشيخ: أنا أقول أن الدعوة السلفية الآن مع الأسف في اضطراب، وأعزو السبب إلى ذلك: هو إلى تسرع كثير من الشباب المسلم إلى ادَّعاء العلم، فهو يتجرأ على الإفتاء، وعلى التحريم والتحليل قبل أن يعرف بعضهم كما سمعنا كثيرًا، لا يحسن أن يقرأ آيةً من القرآن، ولو أن أمامه المصحف الكريم، فضلًا عن أنه كثيرًا ما يلحن في قراءة حديث الرسول ﵊، فيصدق فيه المثل المعروف في بعض البلاد: إنه تزبب قبل أن يتحصرم، الحصرم تعرفونه، مستعمل هذه الكلمة عندكم؟ والعنب حينما يبدأ يصير حب أخضر وهذا حصرم، والحصرم يكون حامض جدًا، فهو قبل أن يتحصرم جعل نفسه كالزبيب، يعني: كالعنب الذي نضج وصير زبيبًا.
ولذلك فركوب كثير من هؤلاء الناس رؤوسهم وتسرعهم في ادعاء العلم والكتابة، وهم بعد ما مشوا إلى منتصف طريق العلم، هو الذي جعل الآن الذين ينتمون للدعوة السلفية، مع الأسف شيعًا وأحزابا.
ولذلك فالعلاج أيضًا ليس له علاج إلا بأن يتقي هؤلاء المسلمون ربهم ، وأن يعرفوا أنه ليس لكل من بدأ في طلب العلم أن يتصدر في الإفتاء في التحريم والتحليل، وفي تصحيح الحديث وتضعيفه، إلا بعد عمرٍ طويل يتمرس
стр. 185
في هذا العمر على معرفة كيف يكون الإفتاء وكيف يكون الاستنباط من الكتاب ومن السنة.
وفي هذا الصدد لا بد من أن يتقيد هؤلاء الدعاة أوالسلفيون بالقيد الثالث الذي سبق أن ذكرته في أثناء الكلام عن العلم النافع والعمل الصالح، وقد قلنا بأن العلم النافع يجب أن يكون على منهج السلف الصالح.
فحينما يحيد كثيرٌ من الدعاة الإسلاميين اليوم عن التقيُّد بهذا القيد الثالث الذي أشار إليه الإمام ابن القيم ﵀ في شعره السابق، حين قال:
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتمويه
عدم الالتفات إلى ما كان عليه سلفنا الصالح يعود بالناس بعد أن اتفقوا إلى الفرقة التي تباعد بينهم كما باعدت من قبل بين كثيرٍ من المسلمين فجعلتهم شيعًا وأحزابا، كل حزبٍ بما لديهم فرحون، هذا رأيي في هذا الواقع.
فعليهم إذا كانوا مخلصين كما نرجو أن يتمسكوا بالمبادئ العلمية الصحيحة، وألا يتجرأ من لم يكن قد وصل إلى مرتبة العلم صحيحًا أن يتوارى عن ذلك وأن يكل العلم إلى عالمه.
في هذا الصدد بعض الروايات التي وردت في كتب الحديث، أنا أظن عبد الرحمن بن أبي ليلى ﵀ من كبار علماء السلف الصالح، قال: لقد أدركت في هذا المسجد، ولعله يشير إلى مسجد المدينة، روى كذا عددًا من الصحابة، نسيت أنا العدد، فكان أحدهم إذا سئل.
مداخلة: سبعين.
الشيخ: وربما يكون كذلك، المهم لقد أدركت في هذا المسجد سبعين من
стр. 186
الصحابة، كان أحدهم إذا سئل عن مسألة أواستفتي عن فتوى يتمنى أن يتولى ذلك غيره من العلماء الصحابة الحاضرين، والسبب في ذلك: هوأنهم يخشون أن يقعوا في خطأ فيوقعون غيرهم في الخطأ، فيتمنى أحدهم ألا يتحمل هذه المسئولية ويتحملها غيره.
أما الآن فالظاهرة معاكسة تمامًا مع الأسف الشديد، وذلك يعود إلى سبب واضح وأنا أذكره دائمًا وأبدًا: هوأن التفتح الذي نشعر به الآن للكتاب والسنة والدعوة السلفية هوأمرٌ حادث، ولم يمضي على هذا التفتح الذي يسمونه بالصحوة، لم يمضي زمن طويل حتى يجني هؤلاء الناس ثمرة هذه الصحوة أو هذا التفتح في أنفسهم.
أي: أن يتربوا على أساس الكتاب والسنة، ثم هم بالتالي يفيضون بهذه التربية الصحيحة القائمة على الكتاب والسنة، يفيضون بها على غيرهم ممن حولهم الأدنى فالأدنى.
فالسبب أن هذه الدعوة لم يظهر أثرها؛ لأنها حديثة العهد بهذا العصر الذي نحن نعيش فيه، ولذلك نجد الظاهرة المعاكسة لما ذكرناه آنفًا مما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أولئك الصحابة الذين كانوا يتورعون عن أن يسألوا، ويتمنون أن يسأل غيرهم، وما كانوا يجيبون على السؤال إلا لعلمهم بأنه لا يجوز لهم أن يكتموا العلم، لكن في قرارة قلوبهم كانوا يتمنون أن يتولى ذلك غيرهم.
أما الآن فتجد في كثير من المجتمعات السلفية فضلًا عن غيرها، يسأل أحد مِمَّن يظن فيه أنه أكثر من الحاضرين علمًا، وإذا بك تجد فلاناً بدأ يتكلم وهو غير مسؤول، وفلان بدأ يتكلم وهو غير مسؤول، ما الذي يدفع هؤلاء؟ هوحب الظهور .. هوالأنانية، أنا هنا، أي: أنا عندي علم وما شاء الله علي، هذا يدل على
стр. 187
أننا لم نتربى التربية السلفية، نحن نشأنا على العلم السلفي وكلٌّ بحسب اجتهاده وسعيه إلى هذا العلم، أما التربية فما حصَّلنها بعد كمجتمع إسلامي سلفي.
ولذلك فهذه الجماعات وهذه التكتلات وهذه الأحزاب في كل حزبٍ، نجد مثل هذا التفرق، ما سببه إلا عدم التربية الإسلامية الصحيحة.
عشرين سنة تقريبًا أقول: علاج هذه الأمة ليعود إليها مجدها ولتتحقق لها دولتها، فليس لذلك سبيلٌ إلا البدء بما أُلخِصّه بكلمتين اثنتين: بالتصفية والتربية، خلافًا لجماعات كثيرة يسعون إلى إقامة الدولة المسلمة بزعمهم بوضع أيديهم على الحكم، سواءً كان ذلك بطريقٍ سلمي كما يقولون بالانتخابات، أوكان ذلك بطريقٍ دموي كانقلابات عسكرية وثورات دموية ونحو ذلك.
نقول: هذا ليس هوالسبيل لإقامة دولة الإسلام على أرض الإسلام، وإنما السبيل هوسبيل رسول الله ﵌، الذي دعا في مكة كما تعلمون ثلاثة عشر سنة، ثم أتم الدعوة في المدينة، فهناك بدأ بعد أن استصفى له ممن اتبعه وآمن به رجالًا لا تأخذهم في الله لومة لائم، فبدأ بوضع أسس الدولة المسلمة.
والتاريخ كما يقولون يعيد نفسه، فلا سبيل أبداً وأنا على يقين مما أقول، والتجربة الواقعية منذ نحو قريب قرن من الزمان تدل على أنه لا مجال إطلاقًا لتحقيق نهضة إسلامية صحيحة، ومن ورائها إقامة الدولة المسلمة إلا بتحقيق هذين الهدفين:
وهو التصفية، وهو كناية عن العلم الصحيح.
والتربية: وهو أن يكون الإنسان مربىً على هذا العلم الصحيح .. على الكتاب والسنة.
стр. 188
نحن الآن في صحوة علمية، ولكننا لسنا في صحوة تربوية، لذلك نجد كثيرًا من أفراد من بعض الدعاة يستفاد منه العلم، لكن لا يستفاد منه الخلق؛ لأنه هو نشَّأ نفسه على العلم، ولكنه لم يكن في بيئة صالحة رُبِّي فيها منذ نعومة أظفاره، ولذلك فهو يحيى ويعيش وهو يحمل الأخلاق التي ورثها من ذاك المجتمع الذي عاش فيه ووجد فيه، وهو مجتمع بلا شك ما هو مجتمع إسلامي، لكنه استطاع بشخصه أو بدلالة بعض أهل العلم أن ينحوا منحًا علميًا صحيحًا، لكن هذا العلم ما ظهر أثره في خلقه .. في سلوكه .. في أعماله.
هذه الظاهرة التي نحن الآن في صدد الكلام عنها، سببها: هوأننا لم ننضج علميًا إلا أفراد قليلين.
وثانيًا: الأفراد أكثر من ذلك لم يربوا تربية إسلامية صحيحة، ولذلك فتجد كثيرًا من المبتدئين في طلب العلم يُنَصِّب نفسه رئيسًا .. رئيس جماعةٍ أورئيس حزب، وهنا تأتي حكمة قديمة لتعبر عن أثر هذا الظهور، وهي التي تقول: حب الظهور يقطع الظهور، فهذا أسبابه يعود إذًا إلى عدم التربية الصحيحة على هذا العلم الصحيح.
(سلسلة الهدى والنور (١٨٨) /٠٠: ١٣: ٢٧)
стр. 189
الجمع بين حديثي: مثل أمتي، وخير الناس
مداخلة: كيف نجمع بين هذين الحديثين: الحديث الأول: قول الرسول ﵊: «أمتي كالمطر لا يُدرى أوله خير أم آخره» وبين قوله: «خير الناس قرني».
الشيخ: الحديث الأول لا يخالف الحديث الآخر: «خير الناس قرني» إلى آخره فإن هذا الحديث يفضل القرن الأول على الثاني والثاني على الثالث، لكن الحديث الثاني وهو قوله ﵇: «أمتي كالمطر لا يدرى الخير في أوله أم في آخره» ليس فيه إلا أن الخير قد يكون في آخر الأمة كالمطر، قد لا يدرى الخير في أوله أم في آخره، أما بالنسبة للسلف فقد عُرِف الخير فيهم، بل عرف فيه أنه أفضل خير وجد على وجه الأرض على الترتيب المذكور في خير الناس، أما الحديث الآخر: «أمتي كالمطر لا يدرى الخير في أوله أم في آخره» فإنما هو بشارة من النبي ﵌ أنه قد يكون في آخر الأمة خير، ولا ينفي أن يكون في أول الأمة خير، فقد أثبت ذلك الحديث المتواتر الذي أشرت إليه آنفًا، وإنما يريد أن يلقي الروح في الأمة، وأن يقطع عنهم اليأس من الرحمة فيقول: أن الخير قد يكون في آخر هذه الأمة كما كان في أولها، والأحاديث التي تصرح بمثل قوله ﵊: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله» أوفي راوية: حتى تقوم الساعة، هذا دليل أن الخير مستمر في الأمة وليس ينقطع، ولكن ليس كالخير الذي كان في أول الأمة
стр. 190
في القرون الثلاثة.
كذلك تبشيره ﵊ لهذه الأمة بخروج المهدي ونزول عيسى ﵉ في آخر الزمان بمثل قوله ﵌: «لا تذهب الدنيا حتى يخرج رجل يوافق اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا» وكقوله ﵇ في نزول عيسى: «كيف بكم إذا نزل عيسى ابن مريم فيكم وأمكم منكم» وكذلك الأحاديث التي جاءت في خصوص عيسى ﵇، وفي بعضها أن السجدة في تلك الأيام تكون خيرًا من الدنيا وما فيها، فإذًا: قوله ﵌: «أمتي كالمطر لا يدرى الخير في أوله أم في آخره» إنما يعني أن الخير لا ينقطع عن هذه الأمة وإن كان أكثر في القرون الأولى.
وبهذا القدر كفاية.
(فتاوى جدة أهل الحديث والأثر- ٣/ ٠٠: ٥٥: ٠٣)
стр. 191
هل توجد جماعات تدعو إلى الله
على الكتاب والسنة ؟
مداخلة: ... تدعو إلى الله في الكتاب والسنة ...
الشيخ: الحمد لله هذا موجود في كثير من البلاد، في سوريا وفي عمان أوفي هذه البلاد بصورة خاصة وفي مصر والهند والباكستان ما شاء الله، لكن نسأل الله أن يجمع المسلمين كلهم على كلمة واحدة.
(لقاءات المدينة لعام ١٤٠٨ هـ (٣) /٠٠: ٠٠: ٠٦)
كن رجلاً يعرف الرجال بالحق
وليس يعرف الحق بالرجال
[قال الإمام بعد أن خَطَّأ الإمام الطبري في بعض كلامه]:
قلت هذا؛ وأنا أعرف علمه وفضله وقدره، ولكن قدر كلام رسول الله ﵌ أعظم عندي من أي شخص بعده، فكن رجلاً يعرف الرجال بالحق، وليس يعرف الحق بالرجال. والله المستعان.
الصحيحة (٧/ ٢/٩٦٢).
стр. 192
من هم الغرباء ؟
قال رسول الله ﵌:
«إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء. قيل: من هم
يا رسول الله؟ قال: الذين يَصْلُحون إذا فسد الناس».
[بوب له الإمام بقوله]:
من هم الغرباء الذين لهم الطوبى.
الصحيحة (٣/ ٢٦٧).
أهل السنة يذكرون ما لهم وما عليهم
[قال الإمام]
ما عليه أهل السنة أنهم حين ردهم على أهل البدعة يذكرون ما لهم وما عليهم ثم يبينون الصواب من ذلك.
الصحيحة (٢/ ٧٢١).
стр. 193
مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم
قال الإمام:
مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم وليس العكس، خلافا لما اشتهر عند المتأخرين من علماء الكلام.
الضعيفة (١١/ ١/٥٠٧).
السلفية والغزو الفكري
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «مَنَعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا، وَمَنَعَتِ الشَّأْمُ مُدْيَهَا وَدِينَارَهَا، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ». شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ لَحْمُ أَبِى هُرَيْرَةَ وَدَمُهُ.
(أخرجه مسلم)
قال الإمام:
معنى الحديث أن العجم والروم يستولون على البلاد في آخر الزمان فيمنعون حصول ذلك للمسلمين. وقيل: معناه أن الكفار الذين عليهم الجزية تقوي شوكتهم في آخر الزمان، فيمتنعون مما كانوا يؤدونه من الجزية والخراج وغير ذلك. قال الشارح: "وقد وجد ذلك كله في هذا الزمان الحاضر في العراق
стр. 194
والشام ومصر، واستولى الروم يعني النصارى على أكثر البلاد في هذه المائة الثالثة عشر".
قلت: وقد انسحبوا والحمد لله من البلاد المذكورة، فاستقلت سوريا والعراق ومصر، ولكن الكفار قد خلفوا في هذه البلاد من ثقافتهم وقوانينهم وعاداتهم، ما لا تزال البلاد تشكومن شرورها وويلاتها، كما لوكانوا لا يزالون فيها، أوشر من ذلك، فقد دبت الفرقة والخلاف والحزبية بين سكانها، وتعددت الانقلابات العسكرية فيها، والله يعلم متى يعود الهدوء إليها، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالرجوع إلى الشرع: الكتاب والسنة.
تحقيق مختصر صحيح مسلم (ص ٥٣٣).
الوقوف عند الدليل ليس جمودًا
قال الإمام:
الوقوف عند الدليل ليس جمودًا بل هو واجب كل عالم ..
"تحقيق إصلاح المساجد" (ص ٢٣)
نصيحة للأمة بالرجوع للكتاب والسنة
صوت العرب: بم تنصحون للأمة في الفترة الراهنة من حياتها؟
ج _ أنصح لها أن ترجع إلى التمسك بدينها وكتاب ربها وسنة نبيها الصحيحة، وأن تعمل بأحكامه في كل ميادين الحياة، وأن تتحلى بفضائله وأخلاقه، وأن تعرض كل ما تتخذه دينا على كتاب الله وسنة رسوله، فتستمسك بما وافقهما، وتنبذ ما خالفهما، فإن الأمر كما قال الإمام العظيم مالك بن أنس
стр. 195
إمام دار الهجرة:
" من ابتدع في الإسلام بدعة رآها حسنة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة، اقرأ قول الله : ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ".
"صوت العرب تسأل ومحدث الشام يجيب" (سؤال رقم ١٠).
السلفية وحركات العنف
مداخلة: فيه سؤال الله يجزيك خير! قد كنت دائماً الله يجزيك الخير تنهي الشباب هؤلاء المتسرعين المتحمسين عن الأعمال اللي كانوا يسووا, أعمال الضفة الغربية يقولوا عنها أعمال استشهادية، طبعاً الأعمال كأنه تصورت والعياذ بالله أن الفتن هذه قد تحصل في هذا البلد، فالشباب ما يعمل في هذا الوقت الله يجزيكم الخير في مثل هذه الظروف؟
الشيخ: النصيحة هي هي، كما قال ﵇ بالنسبة لزمن الفتن كلها «كونوا أحلاس بيوتكم» (١)، كلما اشتدت الفتنة كلما قوي هذا الأمر النبوي الكريم: «كونوا أحلاس بيوتكم» ومع الأسف من الملاحظ في العالم الإسلامي أن ما هذا الذي يدندن به كثيراً ونرفع من أجله رؤوسنا عالية ألا وهي الصحوة الإسلامية أننا نلاحظ أن في هذه الصحوة شيء من الغرور واتباع الهوى والابتعاد عن طلب العلم الصحيح وعن الصبر عليه، ولذلك فنجد في هؤلاء الشباب الذين بهم تتمثل الصحوة المشار إليها انحرافاً عن أمر مهم جداً جداً
стр. 196
وهو الانطلاق من العلم الصحيح وعدم الانطلاق من التفرقات الأرضية الشخصية.
فتجد في كثير من البلاد حركات أشبه بالحركات الثورية إن لم نقل الدموية التي لم يكن يعرفها الإسلام من قبل ولا يتعرف إليها الإسلام من بعد؛ لأن الإسلام إنما هو دين دعوة كما قال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، فكثير من هؤلاء الشباب لا يفرقون بين وضع ووضع، وبين عهد وعهد لا يفرقون بين أن تكون الدولة الإسلامية قائمة على ساقها وقوية في حكمها وفي انطلاقاتها وبين ما هو واقع اليوم في العالم الإسلامي كله مع الأسف الشديد حيث أن العالم الإسلامي اليوم ينطبق عليه تماماً إنذار النبي ﵌ لأمته أن تنحرف عن شريعة ربه وأن تتباهى بكثرة عددها دون أن تكون عند حسن الظن بها، ذلك هو قوله ﵊: «تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: لا، بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله الرهبة من صدور عدوكم وليقذفن في قلوبكم الوهن قالوا: وما الوهن يا رسول الله! قال: حب الدنيا وكراهية الموت»، لا يفرق هؤلاء الشباب بين أن تكون الدولة الإسلامية قائمة لها حاكمها المسلم الذي يتحاكم إلى الله ورسوله ولا يتحاكم إلى الطواغيت والقوانين الأرضية، وبين أن يكونوا كما قال ﵇ في هذا الحديث الصحيح: «أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل».
وقد ابتلينا في عصرنا الحاضر بكثير من الحركات إن لم نقل الثورات الإسلامية قامت في بعض البلاد من باب إصلاح الأوضاع القائمة بسبب هذه
стр. 197
الحكومات التي تحكم بغير ما أنزل الله فيريدون أن يصلوا إلى تحقيق الحكم الإسلامي وإقامة الدولة الإسلامية على طريقة الثورات الدموية وهذا بلا شك كما قلت بمطلع هذه الكلمة شيء لم يأت به الإسلام ولا يتعرف عليه الإسلام إطلاقاً ولذلك فلم تفد هذه الحركات إن لم نقل الثورات لم تفد العالم الإسلامي شيئاً بل أضرت به ضرراً بالغاً كبيراً، حيث رجع بالدعوة القهقرى ما شاء الله من سنين كثيرة.
ولذلك فنحن ننصح دائماً وأبداً بأن يعنى المسلمون قبل كل شيء بأن يصلحوا أنفسهم على حد قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥].
لقد ترك جماهير المسلمين هذا الأمر الإلهي فقط على الأقل وأخذوا ينشغلون بالفرض الكفائي عن الفرض العيني وينشغلون بالفرض الكفائي قبل أن تتهيأ له أسبابه وظروفه الفرض العيني: «لا يضركم من ضل إذا اهتديتم» «عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم» تجد في العالم الإسلامي كله الذين يقومون بهذه الحركات القائمة على الاستعجال بالأمر وعدم الاستعداد له إنما يقوم بذلك بعض الشباب المتحمسين الذين لم يعرفوا الإسلام في أصوله وقواعده المتخذة أو المستنبطة من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﵌ ولذلك تكون العاقبة مع الأسف الشديد ضرراً على العالم الإسلامي تحقيقاً للحكمة التي أخذت من نصوص من الكتاب والسنة تلك الحكمة التي تقول: «من استعجل الشيء قبل أوانه ابتلي بحرمانه».
وقد ذكرت في أكثر من جلسة وقد تكون منها جلسة في هذا المكان بالذات أن الله حينما يخاطب الناس بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ
стр. 198
وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُواللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] إنما وجه هذا الخطاب ليس لعامة الناس وإنما لخاصة الناس ألا وهم المؤمنون حقاً.
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] بداهة لا أحد أوتي شيئاً من الفهم والفقه في اللغة فضلاً عن الكتاب والسنة لا يتبادر إلى ذهنه أن الخطاب في قوله ﴿وَأَعِدُّوا﴾ إنما هو موجه للكفار، لا أحد يفهم هذا، لكن أنا أدري هذا وأقول ما هو كالشمس في واضحة النهار بداهة تمهيداً للفهم الآخر أيضاً الذي لا يمكن أن يتبادر إلى ذهن أحد وإن كان أخفى قليلاً من الأول.
فأقول: قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا﴾ كما أنه ليس خطاباً للكفار فليس خطاباً إلى المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر بالله ورسوله، هذا الأمر الثاني.
والثالث: وهو أخفى من الأمرين السابقين: ليس المقصود بهذا الأمر هم فساق المسلمين، ﴿وَأَعِدُّوا﴾ ليس المقصود بهذا الأمر هم فساق المسلمين وعصاتهم، وإنما المقصود بهذا الأمر هم المؤمنون حقاً.
ولست أشك أن مثل هؤلاء المؤمنين لهم وجود في كل زمان وفي كل مكان ولو بنسب متفاوتة كثرة وقلة، ذلك مما يدل عليه قوله ﵊: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة».
فإذاً أول ما يتبادر الذهن أن المقصود بهذا الأمر الموجه في الآية السابقة ﴿وَأَعِدُّوا﴾ هم المؤمنون ولا أقول: فانتبهوا هم هؤلاء المؤمنون، يعني: سأقول أخيراً، إنما المقصود هؤلاء المؤمنون إذا كانوا متكتلين ولم يكونوا متفرقين، على الأقل لم يكونوا متفرقين في أبدانهم وفي بلدانهم، أي: إنه لا يكفي أن يكونوا مجتمعين في أفكارهم وفي عقائدهم وأفهامهم على الكتاب والسنة كما هي
стр. 199
دعوتنا منذ أكثر من نصف قرن من الزمان لا يكفي الالتقاء على هذا الفكر وعلى هذه العقيدة فقط بل يجب أيضاً أن يكونوا مجتمعين في مكان واحد وأن يكونوا كما لوكانوا رجلاً واحد وعلى قلب رجل واحد، هل هذا فيما تعلمون له وجود في زمانكم؟
مداخلة: لا ...
الشيخ: الجواب مع الأسف الشديد: لا، إذاً كيف يتعجل هؤلاء الناس البسطاء الذين يلملمون بعض الشباب المتحمس لإسلامه، قد يكون تحمساً فائقاً جداً ولكنه من حيث العلم ومن حيث العمل. نعم. فأقول: هؤلاء قد يكونون متحمسين أشد التحمس ولكن قلوبهم لم تمتلئ بعد بهذا الإيمان الذي يدفع أولاً إلى أن يكونوا يداً واحدة كما ذكرت آنفاً ثم بعد ذلك قد يمكن وأقول وأنا أعني ما أقول: قد يمكن أن يحققوا هذا الأمر القرآني ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ قد يكونون على العكس من ذلك، قد يكونون في وضع محيط بهم الكفار من كل جانب ولا يدعون لهم مجالاً لحمل ولوسلاح سهل بسيط من الأسلحة القديمة كالسهام والرماح والسيوف ونحوذلك فضلاً عن هذه الأسلحة الحديثة التي لا يمكن الاستغناء اليوم في مقاتلة الكفار إلا بها.
فإذاً نستلخص مما سبق أن قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] إلى آخر الآية، فيها أمر صريح بإعداد السلاح المادي ولكن فيه أمر ضمني وهوأن السلاح الأول من هذا السلاح المادي هوسلاح الإيمان الذي إذا استقر في القلب لن يبالي بحطام الدنيا وزخرفها وزينتها.
وإذا كانوا كذلك بإمكانهم حينئذ أن يكونوا هم الذين قال عنهم رسول الله
стр. 200
- ﵌: «لن يغلب اثنا عشر ألف من قلة» (١) فاثنا عشر ألف لا يعني: أن يكونوا مبعثرين هكذا، أفراد في هذا البلد وأفراد في بلد آخر وثالث ورابع وإلى آخره وإنما يكونون على قلب رجل واحد، هيؤوا في أنفسهم الإيمان الصحيح القائم على الكتاب والسنة ثم طبقوا هذه الآية الكريمة ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ يومئذ يجب على هؤلاء المسلمين أن يعلنوها صراحة ويومئذ يمكن تحقيق الحكم الإسلامي الذي عليه رئيس يأمر وينهى فيجب إطاعته فيما يأمر وفيما ينهى إلا في معصية الله ﵎.
فقوله ﵌: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله».
هذا القول يجب أن نتنبه إنما صدر من الحاكم المسلم الذي لم يكن ولن يكون له مثيل في الدنيا إطلاقاً ألا وهو رسول الله ﵌، ثم إنما يصدر هذا ممن ينوب عنه من الحكام المسلمين.
فإذاً يجب أن نفرق بين وضع كوضع المسلمين اليوم متفرقون شذر مذر كما ذكر ﵊ في الحديث السابق، فيوم يصبحون على قلب رجل واحد كما ذكرنا، يومئذ يختارون منهم رجلاً يبايعونه على الإسلام يبايعونه على الموت، هذا الرجل مع هذه الجماعة هم الذين يحق لهم ديناً وإسلاماً أن يقاتلوا من حولهم إذا لم يستجيبوا لدعوتهم دعوة الحق؛ ولذلك فمن الخطأ الفاحش ما وقع بعيداً وما وقع قريباً في الجزائر مثلاً من الثورة التي ثار فيها بعضهم فكانت العاقبة كتلك العواقب الأخرى التي أشرنا إليها آنفاً.
стр. 201
ولذلك فأنا أنصح كل الشباب، مهما قامت فتن من بعض الدول سواء كانت دول اسماً دول إسلامية أو انحرفت عن الإسلام كثيراً أو قليلاً فثارت هناك فتن في الداخل أو جاءت من الخارج فأنا أنصح أن يلزموا دورهم إلا في حالة واحدة حينما يغزى أحدنا بعقر داره وهو قد ابتعد عن الفتن تجاوباً مع أمر النبي ﵌ المذكور آنفاً فيومئذ له الحق أن يدافع عن نفسه.
أما أن يلقي بنفسه في خضم الخلاف والفتنة القائمة بين طائفة وأخرى أو دولة وأخرى فهنا يرد قوله ﵇: «كونوا أحلاس بيوتكم» هذا ما عندي جواباً عن ذاك السؤال.
(الهدى والنور / ٣٥٤/ ٤٠: ٠٠: ٠٠)
стр. 202
السلفية وأهمية العلم
السؤال: ما هو السبيل إلى تطبيق كتاب الله وسنة رسول الله ﵌ في واقعنا في تجارتنا؟
الشيخ: هذا كله مربوط بدراسة العلم على الوجه الصحيح من كتاب الله ومن حديث رسول الله، وهذا واجب أهل العلم، فإن كان مستطيعاً لفهم حديث رسول الله ﵌، فهذا من واجبه، ولا يجوز له أن يدرس الإسلام على غير هذا السبيل لكثرة الآيات التي جاءت تأمرنا بالرجوع إلى الكتاب والسنة، وقد سبق ذكر بعضها، أما من كان لا يستطيع فلا يكلف الله نفساً إلى وسعها، وآنفاً ذكرنا آية: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وأهل الذكر هم أهل القرآن فهماً وعملاً وتطبيقاً، فمن استطاع أن يفهم ثم لم يفعل فلا شك هوآثم، وإلا فما هو القصد من تنزيل الكتاب على قلب الرسول ﵇، وأمر الله له في القرآن بأن يبين للناس ما نزل إليهم، أليس هو العمل بذلك؟ ! لا شك ولا ريب:
ولا شك ولا ريب أيضاً أن سبيل العمل بالكتاب والسنة هو العلم، فالعلم يتقدم العمل عادة، فإذا كل إنسان مثلاً يريد أن يأتي بعبادة، أنت تريد أن تصلي، وتعرف أنه يجب عليك أن تتوضأ، فإذا ما تعلمت الوضوء لم تصل، وإذا صليت لم تحسن الصلاة، فأمر بدهي جداً أن العلم بالطاعة والعبادة يتقدم العبادة، فإذا كنت مأموراً بالصلاة فأنت مأمور بأن تعرف كيفية الصلاة، أن تعلم كيفية الصلاة،
стр. 203
وهكذا كل العبادات، وهكذا كل الشريعة، فبلا شك يكون آثماً، لكن ليس كل المسلمين, لأن طلب العلم ينقسم إلى قسمين:
العلم العيني فهذا واجب على كل مسلم، مثاله مثلاً: رجل فقير يجب عليه أن يصلي، لكن لا يجب عليه الزكاة، ولا يجب عليه الحج، فيجب عليه أن يعرف كيفية الصلاة حتى يحسنها، وتكون مقبولة عند الله ﵎، لكن لا يجب عليه أن يعرف أحكام الزكاة وأحكام الحج، لكن إذا بلغ النصاب ماله وحال عليه الحول وجب عليه أن يعرف ما يجب عليه من الزكاة وهكذا.
والعلم الثاني هو العلم الكفائي، وهو أن يكون في المسلمين ناس يتفقهون في كتاب الله في كل أحكام الشريعة، حتى إذا سأل سائل عن مسألة نادرة مثلاً فيكون عنده جواب لأنه قد تفقه في كتاب الله وفي حديث رسول الله ﵌، ومن هنا يتبين خطورة الإعراض عن دراسة الكتاب والسنة، لأن المسائل تجد في كل زمان وكل مكان، ولا يستطيع إنسان أن يعطي جواباً فيما إذا كان متقيداً بمذهب من المذاهب ولم يكن متفقهاً في كتاب الله وفي حديث رسول الله ﵌.
ما أدري حتى ما أذهب بعيداً، لعلي دندنت في الجواب حول سؤالك، أنت سؤالك كان: هل هم آثمون؟
بلا شك أن الذين يستطيعون أن يدرسوا الكتاب والسنة ثم يعرضون عنه أوعنهما فهم آثمون، أما العاجزون فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
مداخلة: الذي ما يطبق؟
الشيخ: عفواً الذي أفهم منك أنت الآن تسأل عن التطبيق أم عن العلم؟
مداخلة: العلم ثم يأتي التطبيق:
стр. 204
الشيخ: إذاً: الآن تركنا الناحية العلمية، الآن أنت تسأل: إنسان من الناس لا يستطيع التطبيق، الجواب سهل، لكن في كثير من الأحيان يكون السؤال غير واقعي، يقال: لا يستطيع أن يصلي مثلاً، هذا إذا سلمنا جدلاً نقول: لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، لا يصلي، لكن صحيح أنه لا يستطيع أن يصلي؟ ! ماهو بصحيح، لكن هو في تصوره أنه لا يستطيع أن يصلي، وأنا أعرف كثير من المرضى يكونون محافظون على الصلوات في صحتهم، فإذا ما أقعدوا على فراشهم تركوا الصلاة، ما لك يا فلان؟ والله أنا لا أقدر أتوضأ، ثيابي وسخة .. إلخ، طيب صلي في حدود استطاعتك لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
إذاً: قول هذا الإنسان لا يستطيع أن يصلي غير صحيح، فأنت الآن إذا أردت صحيح تضبط هذه الناحية يجب أن تضرب المثال، ما هوالحكم الشرعي الذي تتصوره أنت أن المكلف به لا يستطيعه، مهما كان هذا الحكم إذا كانت الدعوة صحيحة أي: تقول: لا يستطيع فنقول: سقط عنه الفرض، لأنه لا يستطيع، لكن أنا أخشى ما أخشاه أنه يكون يدور في ذهنك مثال يشبه المثال الذي قدمته أنا آنفاً، أن زيداً من الناس لا يصلي بدعوى لا يستطيع أن يصلي، لا أنا أقول هُوَ لا يستطيع أن يصلي لجهله، هنا يرجع ... ضرورة العلم، وإلا هو يستطيع أن يصلي، كما جاء في الحديث الصحيح في صحيح البخاري من حديث عمران بن حصين قال: كانت بي بواسير، فجئت إلى النبي ﵌ فقال: «صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب».
إذاً: استطاع أن يصلي لكن بعد أن عرف كيفية الصلاة لهذا الذي لا يستطيع أن يصلي قائماً، فهل نستطيع نحن الآن نفهم منك مثال حول سؤالك؟
مداخلة: مثلاً موظف في شركة، [وهناك تعامل مع البنوك والربا ... ].
стр. 205
الشيخ: شفت المثال كيف يوضح القضايا، هذا المثال مثل مثالي أنا سابقاً، أنت الآن تقول مجبور، هل هو مجبور أنه يعمل بهذه الشركة؟ ستقول بداهة: لا، هل هو مجبور أنه يشتغل بكل الشركات؟ سيقول هو هذا وأنت من قبل: لا ما هو مجبور، إذاً: السؤال مبني على من ليس مجبوراً، يقولوا عندنا بالشام مثل: الذي بده ما يشوف من الموت مكربة لا ينام بين القبور، فإذا نام بين القبور سيشوف من الموت مكربة، فإذا هو يدخل في شركة لا تلتزم أحكام الشريعة سيتعرض هو لأشياء يخالف فيها الشريعة، لكن هل هو مجبور؟ ما هو مجبور بعمل.
مداخلة: ...
الشيخ: هذا بحث ثاني، بس أنت مقتنع بقولي أنه ما هو مجبور زيد من الناس أن يعمل بشركة فلانية؟
أنا أضرب لك مثال له علاقة وقد سئلت بالأمس القريب، له علاقة بالصلاة: ناس أيام الأسبوع يسمح كثر خيره أنه يصلوا الظهر مثلاً حيث هم يعملون، لا يسمح لهم بالذهاب إلى المسجد، أنت ولا مؤاخذة يمكن هذا مثال أنه ما يستطيع أن يصلي يوم الجمعة، لكن أنا أنظر إلى المسألة جذرياً: هل هوواجب عليه أن يعمل بهذه الشركة التي لا تسمح له بأن يستجيب لأمر الله حين يسمع قول المؤذن يوم الجمعة: حي على الصلاة حي على الفلاح، هل هولا يستطيع إلا أن يعمل إلا بهذه الشركة، بالتالي لا يستطيع أن يصلي صلاة الجمعة؟
الجواب: لا، ما بني على فاسد فهوفاسد، عمله في هذه الشركة وبخاصة إذا كان يعلم من قبل أن الموظفين هناك ليسوا أحراراً في عبادتهم، ثم تبين له بعد شهر شهرين أخذ معاش شهر شهرين إلخ، وهو مجبور على أنه يطيع الكافر هذا ولا يطيع رب العالمين فيما أمره من الصلاة، هذا يا أخي لا يصلح أن يقال أنه لا
стр. 206
يستطيع، الذي لا يستطيع هو الاستطاعة التي خرجت منه، كالذي مثلاً ضربنا آنفاً الشخص المفلوج لا يستطيع أن يقف ويصلي، صح لا يستطيع، لكن هو يروح يتعاطى كل الأسباب التي تحول بينه وبين طاعة الله، منها أنه يدخل في عمل يمنعه من القيام بالطاعة، فهو يقول حينذاك لا يستطيع، لا، هو يستطيع، لكنه آثر الحياة الدنيا على الآخرة، لهذا كنت حذراً من ذاك السؤال، لأنه يطرح كثيراً، أنه واحد لا يستطيع، أنا أتصور في كثير من الأحيان كون السائل يستطيع، لكن السائل لأنه غير فقيه بالإسلام وبالشرع يتصور فعلاً بكل صفاء نفسي أنه هولا يستطيع، لكن الفقيه بالكتاب والسنة يوضح له الموضوع، وإذا به يستطيع، ولذلك أنا أجبتك سلفاً إذا كان السؤال في محله لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
أما لما نكون في مجال للخلاص من عدم الاستطاعة المدعاة فعليه أن يتعاطى الخلاص، ولا يرمي نفسه فيما يعلم أنه سيقصر في القيام بما فرضه الله عليه.
(الهدى والنور / ٤٠/ ٢٩: .. : .. )
стр. 207
السلفية وأهمية العلم ..
مداخلة: شورأيك شيخنا توجه نصيحة عامة للدعاة يعني يعني نصيحة حول كيفية الدعوة إلى إقامة منهجاً علمياً صحيحاً في الأردن؟
الشيخ: يجب قبل كل شيء على إخواننا الحريصين على اتباع الكتاب والسنة أن يتدارسوها دراسة علمية دقيقة فيها الوعي والفهم الصحيح وفيها التأني في عدم تبني الآراء الشخصية من الذين يرون أنفسهم أنهم صاروا من طلاب هذا العلم الشريف، ويجب بالإضافة إلى هذا وهو دراسة هذا العلم يجب أن يكون كلُّ دارس حريصا على العمل بما علم، حتى لا يكون علمه حجة عليه من جهة، وحتى ينفع الله ﵎ الناس بعلمه، ثم ينبغي أن يُلاحظ في ذلك أمر ثالث وهو: إذا أردنا أن ندعو الناس إلى ما امتن الله به علينا من الهدى والنور فيجب أن نترفق بهم وألا نتشدد عليهم وألا نظهر أمامهم بأننا متميزون عليهم بهذا العلم، يجب أن نعتبر الناس كل الناس الذين نراهم بعيدين عن هدي الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن نعتبرهم مرضى، ولا شك أن المرض المعنوي أشد وأضر على صاحبه من المرض المادي البدني، وإذا كان من المفروض للطبيب البدني أن يترفق بالمريض حتى يقول كثير منهم أن بعض المرضى يعافون بمجرد أن يسمعوا كلاما لطيفا من طبيبهم، فأولى وأولى أن يكون طالب العلم الذي يتولى إرشاد الناس وهدايتهم إلى إتباع السنة، وإتباع ما كان عليه سلفنا الصالح، أن يكون رفيقاً في دعوتهم لطيفاً في معاملتهم، وإذا كان النبي صلى الله عليه
стр. 208
وعلى آله وسلم ينكر على السيدة عائشة ﵂ حينما قست في رد السلام على ذلك اليهودي الذي دخل على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فألوى لسانه بالسلام، فقال: السام عليكم.
فسلامه غير واضح أنه سلام المسلمين، ولا هوواضح أنه دعاء على سيد المرسلين بالموت، الذي هو السام، وهولم ينطق بها فصيحةً صريحةً، وبالطبع لا يتجرأ أن يخاطب الرسول ﵇، والدولة له يومئذٍ بقوله: «السام عليك»، أي: الموت، ولكنه أيضاً لما في قلبه من ذُلٍّ وحقد وكُفر بالنبي ﵌ لا ينطلق ليلقي عليه ﵌ السلام الذي هواسم من أسماء الله ، كما جاء في الحديث الصحيح، وإنما غمغمها وضَيَّعَهَا فقال: «السام عليكم»، ومن الأمر البدهي ألا يخفى ذلك على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فردَّ ﵇ بإيجاز وغاية الإيجاز بقوله: «وعليكم». أما السيدة عائشة وهي من وراء الحجاب فما كادت تسمع هذا الإلواء من ذاك اليهودي بالسلام حتى قالت: «وعليكم السام واللعنة والغضب إخوة القردة والخنازير» فلما خرج اليهودي قال الرسول ﵇: ما هذا يا عائشة؟ قالت: يا رسول الله ألم تسمع ما قال؟ قال لها: ألم تسمعي ما قلته يا عائشة -وهنا الشاهد- «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما كان العنف في شيء إلا شانه».
وإذا كان هكذا يقول الرسول ﵇ لمن خاطب اليهود بتلك اللهجة القاسية وهي السيدة عائشة وحُقَّ لها ذلك؛ لأنها فهمت من اليهودي أنه يدعوا على النبي ﵌ بالموت، فماذا ينبغي أن يكون موقفنا مع إخواننا الذين يشتركون معنا على الأقل في الشهادتين، فلا شك أننا يجب أن نترفق بهم وألا نتشدد عليهم.
стр. 209
ولهذا كان من وصية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمعاذ ابن جبل وأبي موسى الأشعري ﵄ أن النبي ﵇ لما أرسلهما دعاة إلى اليمن قال لهما «اذهبا وتطاوعا، ويسرا ولا تُعَسِّرا»، فهذا كله وذاك مما يجعلنا ننتبه لنكون في دعوتنا متسامحين متياسرين مع الناس.
وكما أقول في هذه المناسبة وكثيراً ما أقول إن دعوتنا والحمد لله هي دعوة الحق، والناس عن الحق غافلون، وكلمة الحق بطبيعة الحال على الناس ثقيلة، فيكفي إثقالاً على الناس أن ندعوهم إلى هذا الحق الثقيل عليهم، فحسبهم ثقل كلمة الحق، وذلك ما ينبغي أن يردعنا وأن يصدنا عن أن نزيد في الإثقال عليهم في استعمالنا أسلوب الشديد في دعوتنا إياهم إلى الحق لأنه إذا انضم إلى شدة الحق، وثقله على الناس شدة الأسلوب، إذا انضم إلى دعوة الناس شدة الحق وثقله عليهم وهو حق، فلا ينبغي أن نضم إلى هذا الثقل ثقلا آخر ليس بحق، وحينئذ إذا يكون هذا الثقل الثاني صادًّا للناس عن تقبل الحق الثقيل بطبيعته كما قال تعالى ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥].
ولهذا كان من كلامه ﵇ بالنسبة لمعاذ في قصة إطالته للقراءة في صلاة العشاء تلك الإطالة التي حملت أحد الأنصار على أن يقطع الصلاة خلفه، وأن يصلي وحده، وينطلق إلى داره، ويترك الجماعة، فكان معاذ لما بلغه الخبر يشتد في الحمل على هذا الأنصاري، حتى كان يقول فيه: إنه منافق، واستعمل معاذ ﵁ استعمل هذه الكلمة انطلاقاً منه مع المبدأ العام ,المبدأ العام الذي يتحدث عنه ابن مسعود في حديثه الطويل في «صحيح مسلم»: «أنه ما كان يتخلف عن صلاة الجماعة إلا منافق»، وكذلك هناك حديث آخر: «أن الذي يكون في المسجد ثم يسمع الأذان ثم يخرج فهو منافق»، استعمل معاذ هذا
стр. 210
الاستعمال العام في حق ذلك الإنسان وكان مخطئا؛ لأن هذا الرجل لم يخرج إتباعاً للهوى، وإنما لعذر بينه للرسول ﵇ حينما شكى معاذاً إليه فأرسل الرسول ﵇ وراء معاذ، كما هو معلوم فقال له الرسول ﵇: «أفَتَّانٌ أنت يا معاذ؟ أفتان أنت يا معاذ؟ أفتان أنت يا معاذ؟ بحسبك أن تقرأ بالشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، ونحوها من السور، إذا أمَّ أحدكم فليخفف» إلى آخر الحديث، فالشاهد أن القسوة والشدة تضر في الدعوة، ونحن للأسف نلاحظ في كثير من إخواننا وكلما كان هذا الحديث حديث عهده بالدعوة كلما كان شديداً فيها؛ لأنه يتصور أن الشدة تنفع في الدعوة، والواقع أنه تضر وحسبكم بهذا الصدد قوله ﴿وَلَوكُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وأرى أيضا أن أذكر بأننا اليوم ابتلينا بنقيض ما كنا ابتلينا في القرون الماضية السابقة كنا ابتلينا في القرون السابقة بجمود العلماء، فضلاً عن طلاب العلم، فضلاً عن العامة، ابتلينا بالجمود عن التقليد المذهبي، ومضى هذا الجمود على المسلمين قرون طويلة، الآن في فيئة، في صيحة مباركة للرجوع إلى الكتاب والسنة، ولا شك قد آتت أكلَهَا وثمارَهَا اليانعة، ولكننا نشكوا الآن نقيض ذلك الأمر الذي كنا نشكوا عليه من قبل، كنا نشكوا الجمود فأصبحنا الآن نشكوا من الانطلاق، فأصبح كل من سمع كلمة الكتاب والسنة وهولا يفقه من الكتاب والسنة شيئا إنما بعض العبارات وبعض الكلمات يسمعها من بعض الدعاة، وقد تكون هي كلمات حق، وقد تكون في بعضها خطأ، فيظن أنه أصبح بذلك عالما يجوز له أن يقول: أنا أرى كذا، وأنا رأيي كذا، وأنا أرى هذا القول خطأ، ويتدخل في كل كبيرٍ وصغير، وهولا يُحسن أن يقرأ حديثا ... وهذه لها أخطارها، وإذا دار الأمر -هذا رأيي الشخصي- إذا دار الأمر بين اتباع مذهب من المذاهب الأربعة
стр. 211
المتبعة والجمود عليها، وبين أن يُصبح كل مسلمٍ مُدعيا العلم مُدَّعيا الاجتهاد، فلا شك أن البقاء على ما كان عليه الآباء والأجداد من إتباع المذهب وعدم الاعتداء بآراء الجهلة الذين ما درسوا العلم، ذلك خير، وهذا من باب حنانيك بعض الشر أهون من بعض.
صحيح أن بعض الحكماء أو الأدباء من العراقيين قال كلمة جميلة جدا ولكن فيها استدراك جميل قال: لأن اجتهد فأخطئ أحبُّ إلي من أن أقلد فأصيب، قال: إنما قلت أحبُّ إليَّ وليس خير لأن أجتهد فأخطي أحب إلي من أن أقلد فأصيب، عفوا أحب إليَّ من أن أجتهد فأصيب، قال: ولم أقل خيرا لأن الخطأ ليس خير من الصواب.
لذلك يجب أن ننصح إخواننا الذين يشتركون معنا في الدعوة وتبني الكتاب والسنة ألا يغتروا بنفوسهم وألا يغتروا ببعض المعلومات التي أخذوها من غيرهم، وليس كانت بدراستهم الشخصية، فإن هذا يفتح علينا بابا بالنسبة للآخرين لا قِبَلَ لنا برده، لأن الآخرين يحتجون علينا بأنكم تسمحون لمن لا يعرف بيقولوا عنا بالشام: «الألف من البسطية» البسطية: هي العصا الطويل، وبعض البلاد هنا يقولون: «ما بيعرف الخمسة من الطمسة»، هذا بلا شك عيب يؤخذ على الدعوة السلفية، لكن بلا شك الدعوة السلفية لا تقر ببناء الآراء الشخصية التي تنبع من ناس ليسوا من طلبة العلم، ولو كانوا كذلك من طلبة العلم ولكنهم بعد ما نضجوا في العلم، ولذلك فنحن نقترح على هؤلاء أن لا يعتدوا بآرائهم وأن يستعينوا بأهل العلم؛ لأن القران الكريم كما تعلمون جعل المسلمين قسمين: عالم، وغير عالم وهكذا كان الأمر في كل العهود السابقة وبخاصَّة في القرن الأول، القرن الأنور، وهو قرن الرسول ﵇ وعصره،
стр. 212
فقد كان الناس قسمين: عالم، وغير عالم، وهذا ما عناه الله بقوله ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
يقول ابن القيم وغيره: بأن العلماء من الصحابة الذين كانوا يفتون الناس يعني بالكاد أن يبلغ عددهم مائتي شخص، مائتي عالم، والألوف المؤلفة والألوف المؤلفة ما كانوا كما هوشأن الملايين وليس الألوف لكثرة المسلمين ما شاء الله اليوم على وجه الأرض، ما كان هؤلاء الذين هم الألوف المؤلفة من الصحابة كل واحد بيعطى رأي، بيدي رأي، وإنما كانوا يطبقون قوله تعالى ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾.
وبناءً على هذه الآية يجب أن ننشر هذه الحقيقة بين شبابنا السلفي ونعيشهم عليها بحيث تكون نصب أعينهم دائماً وأبداً أنت عالم تجتهد تفهم الكتاب والسنة ما أنت عالم إذاً ليس واجبك أن تقول أنا أرى كذا، وأنا اجتهدت فرأيت كذا، سواء كان ذلك في تصحيح حديث وهو ليس من أهل الحديث، أو كان في استنباط حكم وهو ليس من الفقهاء.
فعليه إذاً أن يحقق هذه الآية ﴿فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ لأن هؤلاء الذين يتجرءون على الإفتاء وهم ليسوا من أهل العلم والإفتاء، مثلهم كمثل ذلك الرجل الذي دعا عليه الرسول ﵇ بأن يهلكه الله لأنه أفتى بفتوى قضى بسببها على نفس بريئة مسلمة، تعلمون هذا الحديث الذي رواه أبو داوود في «سننه» (١): «أن النبيَّ ﵌ أرسل سرية، فلما قاتلوا الكفار وأمسوا وأصبح بهم الصباح، قام أحدهم وقد احتلم وفي جسده جراحات كثيرة، فسأل من حوله هل يجدون له رخصة في أن لا يغتسل؟ قال لا بد لك من أن
стр. 213
تغتسل، فاغتسل فمات، فلما بلغ خبره رسول الله ﵌ فدعا عليه، فقال: قتلوه قاتلهم الله، ألا سألوا حين جهلوا، فإنما شفاء العَيِّ السؤال» هذا الحديث يجب أن يكون ماثلا دائما وأبدا أمام أعين طلاب العلم حتى لا يتجرؤوا على الإفتاء فيصيبهم مثلا ما أصاب ذلك الرجل الذي دعا عليه الرسول ﵇ بأن يقاتله الله ﵎.
والتجرؤ على الإفتاء يبدو مما سبق من الكلام يعود وباله على المفتي أولاً، وعلى المفتى به ثانياً، وحينئذٍ إذا استقر هذا المعنى في طلاب العلم الذين لم يصلوا إلى معرفة الكتاب والسنة وتتبع أقوال الأئمة والمفاضلة والمراجحة بينها، وإنما مجرد أن يقول أنا أرى كذا، وأنا فهمت كذا، هؤلاء ليريحوا أنفسهم من المصيبتين الذين أشرت لهما أولا أن يقعوا هم في الخطأ، وأن يوقعوا غيرهم في الخطأ وذلك بأن يسألوا أهل العلم ولا عليهم بعد ذلك أخطأ هذا الذي أفتاه أو أصاب، لأنه إن أصاب فبها ونعمت وإن اخطأ فإنما إثمه على مفتيه، فبدل أن يتحمل هو بنفسه لأنه أفتى بغير علم وورَّط الذي أفتاه بغير علم فليجعل، الإثم على غيره، إن أفتاه بغير علم.
وهذا لا يعنى أن لا يتحرى شبابنا في سؤالهم لأهل العلم أن يميزوا بين عالم وعالم، بين مدعي للعلم وعالم حقيقة، وبين عالم بمذهب وجهال للكتاب والسنة، هذه قضية أخرى المهم أن يسأل من يثق بعلمه، ويثق بدينه، حين ذاك لا يقع في المشكلة التي وقع فيها ذاك الذي أفتى بأنه لا بد أن يغتسل، ولجهله بالسنة، لم يفته بجواز التيمم لأن الماء يضره، وفعلاً أضره وكان سبب وفاته، فهذه كلمة ولعلي أطلت بها فأرجوا من الله أن يوفقنا للعمل بالعلم النافع، وأن يعرفنا بذوات أنفسنا، وألا يجعلنا من المغترين بها؛ لأن الغرور مهلكهٌ ما بعدها مهلكة.
(الهدى والنور /١٨١/ ٥١: ١٦: ٠٠)
стр. 214
من تمسك بالسنة لا يضيعه الله أبداً
قال الإمام:
يجب عليك أيها المسلم أن تعتقد أن لله في كل ما شرع لعباده من أمر أونهي وإباحة- حكمة بل حكماً بالغة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، تظهر لبعضهم، وتخفى على آخرين، ولذلك فالواجب على المسلم حقاً أن يبادر إلى طاعة الله، ولا يتلكأ في ذلك حتى تتبين له الحكمة، فإن ذلك مما ينافي الإيمان الذي هو التسليم المطلق للشارع الحكيم، ولذا قال في القرآن الكريم: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما﴾.
وعلى هذا عاش سلفنا الصالح، فأعزهم الله، وفتح لهم البلاد وقلوب العباد، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، ولقد كان لأبي بكر الصديق ﵁ قصب السبق فيه، وكان مثالاً صالحاً لغيره، كما يدل على ذلك موقفه الرائع في قصة صلح الحديبية، فيما رواه سهل بن حنيف ﵁ قال:
أيها الناس! اتهموا أنفسكم، لقد كنا مع رسول الله ﵌ يوم الحديبية ولونرى قتالاً لقاتلنا-وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله ﵌ وبين المشركين-فجاء عمر بن الخطاب، فأتى رسول الله ﵌ فقال: يا رسول الله! ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار قال:
стр. 215
بلى، قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال:
«يا ابن الخطاب! إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبداً».
قال: فانطلق عمر- فلم يصبر متغيظاً-فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر؟ ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية من ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: «يا ابن الخطاب! إنه رسول الله، ولن يضيعه الله أبداً».
قال: فنزل القرآن على رسول الله ﵌ بـ (الفتح)، فأرسل إلى عمر، فأقرأه إياه، فقال: يا رسول الله؟ أوفتحٌ هو؟ قال: «نعم»، فطابت نفسه ورجع.
أخرجه البخاري (٣١٨٢ - فتح) ومسلم (٥/ ١٧٥ - ١٧٦) والسياق له، وأحمد (٣/ ٤٨٦)، وفي رواية لهما عنه:
«أيها الناس اتهموا رأيكم .. » وهي لسعيد بن منصور (٣/ ٢/٣٧٤) وابن أبي شيبة (١٥/ ٢٩٩).
قال الحافظ (١٣/ ٢٨٨): «كأنه قال: اتهموا الرأي إذا خالف السنة، كما وقع لنا حيث أمرنا رسول الله ﵌ بالتحلل، فأحببنا الاستمرار على الإحرام وأردنا القتال لنكمل نسكنا، ونقهر عدونا، وخفي علينا ما ظهر للنبي ﵌ مما حدث عقباه».
وأروع مثال مر بي في سيرة أصحابه ﵌ الدالة على إيثارهم طاعته، ولو كان ذلك مخالفاً لهواهم ومصلحتهم الشخصية قول ظهير بن رافع قال: «نهانا رسول الله ﵌ عن أمر كان لنا نافعاً، وطواعية لله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحاقل بالأرض فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمى».