← Акыда

Акыда · id 145205

جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى

ناصر الدين الألباني

Полный текст (5 605 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

الشيخ: اللهم اجعلنا منهم. مداخلة: والحزب الآخر هو حزب الشيطان. الشيخ: نعم. مداخلة: ولكن كما تعلم منذ القرن الرابع الهجري يوم أن بدأت الفتن والمضلات وافترقت الأمة على غير هدي من هدي محمد ﵌، فكان سبب ذلك هو التناحر على الدنيا والوصول إلى ما يبتغون من حطامها، حتى أننا أصبحنا نرى في هذا الزمان ما يقال عنهم بأنهم علماء ولكننا لا نقول بذلك أنهم يتزلفون ويقفون على أبواب السلاطين، وكما تعلم لا نريد أن نبين أحوالاً أخرى؛ لأننا لسنا ... في هذا المجال ... للناس وربما يكونوا خيراً منا عند الله . في ما يقرأ الإنسان من كتب وربما يكون لك نصيب فيها في هذه المكتبة أننا لا نريد أن نفترق كما تفترق اليهود والنصارى وتختلف، بل نحن نريد الطريق الوحيد والأوحد الذي سلكه رسول الله ﵌. فنحن نريد أن نبدأ من حيث بدأ الحبيب ﵊، نبدأ على أول خطوة توصلنا إلى مرضاة الله في النهاية إن شاء الله، وهذه لها طريق واحدة بينها رسول الله ﵌ في الحديث الذي يرويه أبو ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه كما تعلم يا سيدي، أنه قال. الشيخ: نعم. مداخلة: ما مات رسول الله ﵌ إلا وأخبركم عن كل شيء، ما من طائر يطير بجناحيه في جو السماء إلا أنبأكم من أخباره، أو راع يتخبط بمخبطته أو يضرب بمخبطته في شعاف الجبال ليطعم غنمه إلا نبأنا من أخباره ﵊.

стр. 1472

الشيخ: نعم. مداخلة: فتركنا على المحجة البيضاء. الشيخ: جزاه الله خير. مداخلة: التي هي ليلها كنهارها ونشهد له أنه قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة. الشيخ: الحمد لله. مداخلة: ونرجو الله أن يوردنا حوضه. الشيخ: آمين. مداخلة: وأن يسقينا بيده الشريفة شربة لا نظمأ بعدها أبداً حتى يكون منتهانا الجنة. الشيخ: ان شاء الله. مداخلة: وحقيقة الأمر يا سيدي! أن الإنسان يسعد عندما يرى أمثالكم. الشيخ: عفواً بارك الله فيك. مداخلة: حفظاً ودراية ونضارة إن شاء الله، ونرجو الله أن ينفعك بالعلم وينفعنا كذلك بما نتعلم. الشيخ: اللهم آمين. مداخلة: فأنا ليس من حقي أن أتكلم بحضورك لأنني تلميذ، والتلميذ لا يتقدم على معلمه. الشيخ: بارك الله فيك.

стр. 1473

مداخلة: ولكن أستأذن دائماً من هو أكبر مني سناً، لأنه يوم أن سأل سائل في مكة المكرمة في وقت الحج في سنة ما وأظنها سنة سبعة وسبعين، فجاء سائل يسأل عالم كان يجلس فتردد العالم في الإجابة، يعني لم يعط الإجابة بسرعة لأنه لا بد من التروي، فقال أحد الجالسين: ولم ترددت؟ فقال: يا هذا! ربما يكون السائل أعلم من المسؤول. ربما يكون عنده علم أكثر مني. الشيخ: نعم. مداخلة: فلذلك لا بد أن يكون هناك مقارنة، والعلم لا يأتي إلا بالتعلم، وكما تعلم يا سيدي! بأن العلم له شروط: الشرط الأول: أن نتعلمه. والشرط الثاني: أن نطبقه واقعاً على أنفسنا. الشيخ: نعم. مداخلة: والشرط الثالث: أن نبلغه للناس. والشرط الرابع: أن نصبر على الأذى فيه. هذه هي دعوة محمد ﵌. الشيخ: ﵊. مداخلة: ومن أجلها أوذي في الله. فنحن حقيقة لا أقول هذا كما أسلفت ولكني أقولها حقيقة: أننا الآن بحاجة لمن يعلمون الناس دينهم، وهذا الدين لا يقتصر على مكان معين ولا على زمان معين، لأنك كما تعلم يا سيدي! بأن دعوة الإسلام قد شملت المكان والزمان كله. الشيخ: الحمد لله.

стр. 1474

مداخلة: فلم تكن مقيدة كما سبق في الدعوات غيرها أنها محددة الزمان والمكان، وهذا من فضل الله ، وكذلك فضل من الله أن اختارنا أن نكون أتباعاً لرسوله ﵊. الشيخ: الحمد لله. مداخلة: فهذه منة من الله وتحتاج منا. الشيخ: الشكر. مداخلة: الشكر. الشيخ: نعم. مداخلة: فأنا أقرأ أحياناً في مجلات قد تصدر في السعودية ومنها واحدة ربما أطلعك على واحدة منها، فيما يتعلق بحركة الوهابية ما لها وما عليها في هذا الزمان. الشيخ: طيب. مداخلة: وتحديداً يعني ما هي هذه الحركة؟ أسلوبها في الدعوة، كيفيتها. وإذا أردت أن أقرأ عليك سطوراً قليلة، يعني تسمح لي بهذا أقرأ على أساس ألا نكون ناقدين، بل لا بد أن نكون ناصحين إن شاء الله. الشيخ: لكن بارك الله فيك أنا سألتك سؤالاً ورجوت منك عليه جواباً. مداخلة: نعم. الشيخ: موضوع القراءة ما عندي مانع إطلاقا، لكن في حدود ما بلغك من دعوة الكتاب والسنة.

стр. 1475

مداخلة: نعم. الشيخ: وهي اليوم منتشرة والحمد لله في العالم الإسلامي، ودعك والدعوة التي تسمى بالدعوة الوهابية، لأنها هي نبعت من نجد ثم توزعت وتفرقت إلى بلاد إسلامية أخرى. نحن أبينا أن ننتسب إلى غير رسول الله ﵌، وأظنني ختمت كلمتي الملخَّصَة والملخصة لمحاضرتي في الأمس القريب وأنت حاضر فيها بكلمتين مختصرتين: لا نعبد إلا الله، ولا نعبد الله إلا بما شرع الله على لسان رسول الله ﵌. هذه الدعوة التي لخصتها بهاتين الكلمتين وفصلت ركائزها تفصيلاً قبل هذا التلخيص الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح، فسؤالي بارك الله فيك يدندن حول: هل لك ملاحظة تفيدنا إياها ولا أقول هذا تواضعاً لأني سأقول: أو أنا أفيدك إياها، لأن المسلم إما أن ينفع وإما أن ينتفع. هذا هو. فإذا كان عندك - بارك الله فيك - ملاحظة حول هذه الدعوة ودعك ودعوة الوهابية، لماذا؟ وأنا أقول لك الآن بصراحة: حينما تذكر أنت دعوة الوهابية وما لها وما عليها وقد تقرأ في مجلة أو في أخرى يشعرني ذكرك الوهابية أننا نحن ننتمي إلى هذه الدعوة، نحن أبينا أن ننتمي إلى من كنا ننتمي من قبل. (أنا كما تعلم ألباني والألبان كلهم أحناف ولا يعرفون الإسلام إلا من زاوية المذهب الحنفي، فأبي وجدي والى آخر جد نعرفه هو حنفي، وأنا طلبت العلم على هذا الأساس من أبي، أبي ﵀ وغفر لنا وله كان شيخاً في المذهب الحنفي، وله علي فضلان خاصان على الفضائل التي لكل أب على كل ولد، أنت تعرف قوله ﵇: «أنت ومالك لأبيك» فكل والد له أفضال على كل ولد. أما والدي فله علي فضلان تميز بهما على كل الآباء:

стр. 1476

الفضل الأول: أنه هاجر بعائلته، بأولاده الذين أنا أحدهم من ألبانيا إلى دمشق الشام، فكان ذلك سبباً أولاً للخلاص من الجهالة إذا لم نقل: اللادينية التي أحاطت بالألبان بعد هجرة أبي ﵀، فأنجانا بهذه الهجرة. هذا أولاً من هذه المصيبة. ثانياً: كان ذلك سبباً لأن أتعلم اللغة العربية فأتمكن إذا تلوت القرآن أن أفهم، حديث الرسول أنا أفهم. هذه الهجرة وما ترتب عليها هذا فضل كبير لله قبل كل شيء ثم لأبي كسبب. الشيء الثاني: أنني حينما تخرجت من المدرسة الابتدائية وأبي فقير وعائل ذو عائلة اضطررنا ألا نتابع الدراسة خاصة الدراسة النظامية الحكومية، فلا بد من اتخاذ مهنة فكانت مهنتي الأولى النجارة، والنجارة العربية واشتغلت سنتين ثلاثة، وكان في مثل هذه الأيام أمطار ثلوج هناك في دمشق كنا نتعطل عن العمل، فيوماً قال لي والدي: ما رأيك يا ابني أنا أرى أن الشغل هذا ليس شغل، ما رأيك تشتغل عندي ساعاتي؟ قلت له: كما تريد بطبيعة الحال وكان ذلك، وتعلمت المهنة وبرزت فيها ووفرت الوقت لطلب العلم، وإلى هنا ولا أطيل. فوالدي ﵀ هو له الفضل علينا بأن نجانا من بلاد الكفر وأدخلنا إلى بلاد الإسلام. فغرضي أن أقول: إن الدعوة التي أنا نشأت عليها ابتداءً هو مذهب أبي، مذهب أبي حنيفة، لكني لما تبصرت واستنرت بنور الكتاب والسنة أبيت أن أتمسك بهذا المذهب وأن أتبعه وأن أخلص له، فعدلت عن الإخلاص لهذا المذهب في الاتباع إلى نبيي محمد ﵊، لذلك كلما مضى علي زمن انتهيت إلى أنه كما يجب على المسلم أن يوحد الله في عبادته يجب عليه أيضاً أن يوحد نبيه في اتباعه.

стр. 1477

فبارك الله فيك نحن ليس لنا صلة بأي مذهب في الدنيا، لو كان لنا انتساب لمذهب لبقينا على مذهبي وجدي والى آخره، ولا سيما وأنه ينتمي إلى مذهب إمام من الأئمة الأربعة المشهود لهم بالعلم والفضل والصلاح والزهد والى آخره وهو أبو حنيفة النعمان بن ثابت ﵀، لكن ما كان لي لأخلص لفرد بأن أكون أنا تابعاً له إلا رسول الله ﵌. لذلك لا تؤاخذني يا أبا أسامة إذا قلت لك حينما ذكرت الوهابية، يشعرني بصواب أو بخطأ هذا علمه عند ربي ولا يهمني أنك تتوهم أننا نرتبط بمذهب يسمى بالمذهب الوهابي لا. وأنا أقول لك بصراحة: الذين يقال عنهم وهابية هؤلاء حنابلة. وكما نقلت أنت في مناسبة الهوي إلى السجود على الركب وإلا المناسبة هذه أو غيرها عن المغني لابن قدامة المقدسي، هذا مرجع الحنابلة في كل بلاد الدنيا ومنهم النجديون الذين يلقبون بلقب الوهابية. أما أنا لست حنبلياً، أنا ما رضيت أن أكون حنفياً فبالتالي لا أرضى أن أكون حنبلياً، لأنني فيما انتسبت إلى رسول الله ﵌ أغناني عن كل نسبة أخرى، فأنا أعبد الله وحده. (انقطاع). محمداً وحده، الله لا شريك له في عبادته، محمد لا شريك له في اتباعه. وذكرت حديث: «لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي» لذلك على هذا الضوء أقول لك مكرراً: إن كان لك ملاحظة على مثل هذه الدعوة فنرجو أن تبينها وأن نتناصح فيها، أما الوهابية فما لي ولها، أنا أنقدها ربما أكثر من غيري، وإخواننا الحاضرون يعلمون ذلك. فهذا الذي نحن جئنا لنتناصح من أجله فقط، مع ذلك فكما يقولون عندنا في دمشق الشام: بساط أحمدي. أنت على بالك أنك تسمعنا ما قرأته عن الوهابية أنا ما عندي مانع، لكن أنا أرى قبل كل شيء أن نتناصح حول هذه الدعوة التي أظن

стр. 1478

أنه لا يمكن أن يحيد عنها قيد شعرة رجل فاضل مثلك عنده شيء من الثقافة الإسلامية ومن الوعي ووالى آخره، قد يحيد عن هذا بعض العامة، بعض المتعصبة إلى آخره، نحن نعرف هذا جيداً. أما أن يحيد عن ذلك من كان على علم فأنا لا أتصور هذا، قد أكون واهماً ومن أجل هذا جئناك نستنصحك، ومن حق المسلم كما جاء في صحيح مسلم: «وإذا استنصحك فانصحه» هذا هو الذي نريده منك. مداخلة: يا سيدي! يعني من حيث المآخذ والملاحظات إن كان هناك نقد أو تقييم للدعوة فأنا أقول: إن كل دعوة في الأرض لم تصل إلى درجة الكمال، إنما هناك كمال مقدر في الأرض لكل إنسان يصل ولكنه لا يبلغ يعني درجة الكمال المطلق؛ لأنه لله، فإذا كان اتباع الدعوة السلفية بالذات هو قائم على كتاب الله وعلى سنة رسول الله ﵌ فهماً وحكماً فهي دعوة لا بأس أنها دعوة طيبة تقوم على أسس طيبة وعلى مبادئ طيبة، ونرجو الله أن يكونوا مأجورين على ذلك. الأمر الآخر. الشيخ: تسمح؟ مداخلة: تفضل. الشيخ: كلمة لا بأس لعلها سبق لسان. مداخلة: نعم. الشيخ: جزاك الله خير. مداخلة: نعم. الشيخ: امض فيما أنت فيه.

стр. 1479

مداخلة: نعم. الأمر الآخر: أن إخواننا من السلفيين أو ما ينتمون لهذه الدعوة حقيقة يتعلمون، وحقيقة يعني يمكثون في المسجد، وحقيقة ينتظرون الصلاة إلى الصلاة وأنا أرى ويتدارسون القرآن والسنة، ولكن المأخذ أنهم لا ينقلون ما يتعلمون ليكون له ثمرة. الأمر الثالث كما أسلفت لك بالأمس: أن بعضاً من هؤلاء - لا أقول الكل - تقوم دعوتهم أو أسلوبهم في الدعوة على القوة والشدة والعنف، وهذا - كما تعلم - مما يقطع الصلات بين المسلمين، ويضع التنافر والتناحر والتناجش والبغض بين المسلمين كما أخبر المصطفى ﵌. الشيخ: ﵊. مداخلة: وأنا كأنت تماماً، أنا قدوتي هو الحبيب محمد ﵊، لم أتحزب لحزب كان فقدوتي هو رسول الله ﵌، ما جاء عنه نأخذ به، وما نهى عنه ننتهي عنه إن شاء الله بالقدر الذي نستطيعه. الشيخ: أحسنت. مداخلة: فحقيقة الأمر: أنك عندما تطلب مني أن أنقد دعوة، دعوة قائمة ولها أساس ولها مبادئ وكما تفضلت أنها تقوم على كتاب الله وعلى سنة المصطفى ﵌، فليس من حقي أن أنقد إذا كانت هي تقوم على هذه الأسس. الشيخ: نعم. مداخلة: لأنه ليس هناك نقد، فالدعوة قائمة على كتاب الله هو الأصل التشريع الأول وعلى سنة الرسول ﵊ المبين عن الله وهو خير خلق الله أجمعين. فأنا يعني كما أرى يعني أنها دعوة إن شاء الله دعوة

стр. 1480

طيبة تقوم على أساس طيب إن شاء الله كما تفضلت، ولكن الأتباع ينقصهم العلم، ينقصهم العلم؛ لأنهم أنا أدلل في حادثة وأبين لك. أحياناً أقف أتكلم في قضية ما تهم المسلمين فيقف أحدهم من غير علم وأمام الناس، وإذا كانت النصيحة كما تفضلت فالنصيحة ليس فيها تشهير، إنما النصيحة بيني وبينك إذا أردنا أن نتناصح ونصل إلى الحقيقة والى المطلوب، وأنا لا أغضب أبداً لأنني مع الحق، أبداً لا أغضب بل أستفيد. الشيخ: الحمد لله. مداخلة: ولو وجدت طفلاً صغيراً أستطيع أن أستفيد منه لجلست معه في الشارع لكي أستفيد. الشيخ: بارك الله فيك. مداخلة: سأذوب شخصيتي للإسلام. فالدعوة الحمد لله إن شاء الله دعوة طيبة، ونرجو الله لها أن تقوم إن شاء الله على أسسها الطيبة، ولكن ما بينا من ملاحظات وكما قلت لك بالأمس وطلبت منك ورجوتك أن يقوم هؤلاء الناس وهؤلاء الأتباع على الطريق التي بينها الرسول ﵊، وأنا دللت على واقعة بالأمس كان عندي درس فبينت قلت: إن الله وهو يعلم كم أن الطاغية فرعون طغى وتجبر وادعى الألوهية من دون الله، قال: أنا ربكم الأعلى ومع ذلك كانت الدعوة إليه: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] مع علم الله في علمه الأزلي أنه لن يتذكر ولن يخشى لأنه مكتوب عند الله وهكذا، ولكن هذا أسلوب دعوة، دعوة الأنبياء. «إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين» فالطريق واحدة لا تتغير أبداً هي طريق محمد ﵌.

стр. 1481

الشيخ: تسمح؟ مداخلة: تفضل. الشيخ: ذكرت لك في أول هذه الجلسة المباركة إن شاء الله: أن السؤال حول الدعوة ليست حول الأسلوب، لأن الأسلوب متفق عليه بين جميع المسلمين أنه يجب أن يكون كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. وأنا أذكر لإخواني بمناسبات كثيرة ومن قريب ذكرت ذلك حديث للبخاري ومسلم من حديث السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها: «أن رجلاً من اليهود دخل على النبي ﵌ قائلاً: السام عليك يا محمد، فقال ﵊: وعليك». السيدة عائشة وراء الحجاب صاحت بأعلى صوتها وتكاد تنشق شقتين، قالت: وعليك السام واللعنة والغضب إخوة القردة والخنازير. جلس الرجل اليهود ما جلس ولما خرج قال ﵊: «ما هذا يا عائشة؟ قالت: يا رسول الله! ألم تسمع ما قال؟ قال لها: ألم تسمعي ما قلت؟ رددت عليه ما قال وانتهى الأمر. يا عائشة! ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما كان العنف في شيء إلا شانه». فأنا الذي أريد أن ألفت نظرك هو أمران اثنان، وهذا من أجل التناصح الذي نحن الآن في صدده: الأمر الأول: أنك تعلم جيداً كما أن الناس يتفاوتون في العلم فهناك جاهل مستمع وهناك طالب علم وهناك عالم، كذلك هم يتفاوتون في الأخلاق، وما كمل في خلقه سوى محمد ﵊، فقد ترى عالماً فاق الدنيا علماً لكنه ضيق الخلق، ولذلك جاءت الأحاديث بالأناة والصبر والإعراض عن

стр. 1482

الغضب والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وكثيرة جداً. فإذا كانت هذه حقيقة أو هما حقيقتان الناس يختلفون في العلم ويختلفون في الخلق، فإذا رأينا إنسانا محقاً في دعوته وفي علمه لكنه مخطئ في سلوكه فهذا يستوجب علينا أمرين اثنين: الأول: أن نذكره وأن ننصحه بأن يحسن أسلوبه كما حسن علمه حتى تظهر الفائدة وتقتطف الثمرة. الشيء الآخر: ألا نكون بعيداً عنه، ما دام نحن نقول: إن هذه الدعوة هي دعوة حق فإذاً سنكون معه في هذا الجانب ولا نكون معه في الجانب الآخر، وهو: سنكون معه في هذا الجانب العلمي الصحيح القائم على الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح، ولا نكون معه في أسلوبه، بل نكون معه في إحسان أسلوبه ونذكره بمثل قوله: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: ٣٥]. فإذا أنت - بارك الله فيك - ما دام ترى أن هذه الدعوة هي دعوة الحق فلماذا أنت لا تكون واحداً منهم؟ أنت تجمع بين الأمرين، أقول هذا في ما أسمع وأنا لا أشهد لا بهذا ولا بهذا حتى نجرب كما أنت جربت. رأيتم؟ لكن ما دام أنت تريد العلم الصحيح والأسلوب الصحيح وأنت تظن على الأقل وأرجو أن يكون ظنك ظن المؤمن أنك أنت على هذه الدعوة وعلى هذا العلم الصحيح وعلى الأسلوب الحسن أيضاً فلماذا أنت يا أخي لا تكون معهم في دعوتهم لأنها دعوة الحق أولاً؟ ثم لم لا تكون عوناً لهم في تحسين أسلوبهم؟ أي: لماذا أنت لا تتبنى هذه الدعوة وهي دعوة الحق والأمة اليوم أحوج ما تكون إلى هذه الدعوة؟ ولا بد أنك قرأت قبل أن تسمع مني: «الغرباء هم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي من بعدي» فلماذا لا. أنا أقول الآن، أنا أقلب عليك الدور

стр. 1483

فأقول: لماذا أنت يا أستاذ، يا أبا أسامة! لماذا لا تحسن أسلوبك في الدعوة؟ لماذا لا يكون أسلوبك الحسن مع علمك الصحيح طعماً لهؤلاء الذين تستنكر عليهم أسلوبهم فتجذبهم أنت إلى دعوة الحق وبالأسلوب الطيب الجميل الحسن؟ أنا أرى الذي نمى إلي، أنا ما شاهدت ولذلك لا أشهد على شيء ما سمعته لا لصالحك ولا لطالحك، لكن أرجو لك ولهم الصلاح دعوة وأسلوباً، لكني كما سمعت منك أنك تأخذ عليهم سوء الأسلوب وتقر الدعوة أنها صحيحة كما شهدت آنفاً تراهم دائماً يحضرون المساجد، يحافظون على الصلوات ويتدارسون القرآن ووالى آخره، لكن أسلوبهم ... أسلوبهم فيه شدة إلى آخره، لماذا أنت إذا لا تنبري لدعوة الناس إلى دعوة الحق وبأسلوبك الحق؟ وحينئذ فسيلتفون كلهم حولك وتكسب أجر من دخل على خير فهو كفاعله. مداخلة: الله يجزيك الخير، إن شاء الله هذا قائم ونحن دائماً ... ندعو إلى الحق بإذن الله . وكما تفضلت أنت يعني كان أبيك حنفياً ولم تقبل بذلك ولم تتمذهب ولم تقلد مذهباً إنما اجتهدت بأسلوبك الخاص. الشيخ: عفواً أنا ما قلت أستاذ، أرجوك. مداخلة: لعلي أنا أعرف. الشيخ: لا. مداخلة: أن هذا اجتهاد منك. الشيخ: أرجوك، لا بأس، أنت ينبغي أن تنقل ما تسمع مني. مداخلة: نعم، نعم. ولكن أنا.

стр. 1484

الشيخ: مش تنقل. اسمح لي. مداخلة: تفضل. الشيخ: مش تنقل ما هو في ذهنك. أنا لا أنقل إلى الناس ما في ذهني عنك، لا يجوز لي ذلك. مداخلة: نعم. الشيخ: إنما أنقل ما أسمعه منك، أنا الآن سأنقل للناس جميعاً في عمَّان وغير عمَّان أننا التقينا مع رجل فاضل يكنى بأبي أسامة والى آخره، وهو يوافق معنا على دعوة الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح لكنه يأخذ على إخواننا ... وهو القسوة والشدة في الأسلوب، لكن ما أنقل إليهم ما أنا في ذهني عنك، ولذلك هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ أنت تنقل إلى الناس ما تسمع الناس. مداخلة: نعم. الشيخ: أنا متبوعي رسول الله ﵌ فقط. مداخلة: نعم. الشيخ: لا أعبد إلا الله ولا أتبع إلا رسول الله. أما كيف أصل أنا إلى اتباع رسول الله وحده، وكيف أصل أنا إلى عبادة الله وحده دخلنا في موضوع الأسلوب، وأنا ما تباحثت معك في هذا الأسلوب، وأرجو أن يتاح لي البحث في هذا الأسلوب لأني سأقول لك وأنت الذي فتحت لي هذا الباب وجزاك الله خير: كيف بإمكانك أن تعرف دعوة الحق، دعوة الكتاب والسنة وأنت إما أن تكون حنفياً أو شافعياً أو مالكياً أو حنبلياً؟ والتجربة القصيرة التي دخلنا فيها معكم في موضوع السجود على الركب أو على اليدين أشعرني بأنك تحمل في ذهنك

стр. 1485

دعوة الكتاب والسنة لكن لا تستطيع تطبيقها فقد أكون أنا هذا الرجل أيضاً، ولذلك لا تتكلم راجياً غير آمر لك لا تتكلم عن الأسلوب، نحن نتكلم عن الغاية الآن، غايتي ألا أعبد إلا الله ولا أتبع إلا رجلاً واحداً في الدنيا هو رسول الله ﵌. رأيتك آنفاً بدأت تدخل في متاهات، في أمور أنا مستعد للدخول فيها وذلك أحب إلي من الفرار عنها، لكن ليس هذا الآن مجالها، مجالها كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان على الميزان: ألا نعبد إلا الله ولا نتبع إلا رسول الله، فإذا أنت كنت معنا بأسلوبك وبقدرتك واستطاعتك إخواننا عايشون معك هاهنا وأنا بعيد عنهم فأنت تقوم بهذا الواجب كما أقوم أنا بهذا الواجب، أنا أقوم بالواجبين: أنصحهم بأن يتمسكوا بالكتاب والسنة في حدود ما نعلم. ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] وأنصحهم أن يحسنوا أسلوبهم. فإذاً أنا معك وأنت معي كما قيل: وافق شن طبقة، وافقه فعانقه. إذاً: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤]. إذاً هذه بارك الله فيك يا أبا أسامة كلمة سواء، التقينا على صحة الدعوة وعلى وجوب تحسين أسلوب الدعوة، لذلك نحن نقول: سنشد عضدك بأخيك، هؤلاء أعوان لك على هذه الدعوة وأنت عون لهم على هذه الدعوة بعلمك في حدود ما تعلم، بعلمهم في حدود ما يعلمون، وكلكم يجب أن يحسن أسلوبه، وفي ذلك خير لهذا المجتمع الذي يعني كما وصفت الآن الإسلام في غربة، وكما قيل: وكل غريب للغريب نسيم. فإذاً نحن الغرباء علينا أن نتعاون غاية وأسلوباً، والآن حتى ما يصير عليك

стр. 1486

حرج إن أردت أن تسمعنا المقال المتعلق بالوهابية ما عندي مانع أبداً. مداخلة: الكلام طويل صحيح ولكن سنوجز إن شاء الله. مداخلة: نعم. جزاكم الله خير. الشيخ: وإياكم إن شاء الله. نعم. مداخلة: والحكم العام على هذه الحركة. يتكلم عن الحركة الوهابية. الشيخ: نعم. مداخلة: هو أنها حركة دينية إصلاحية، ولكن أخذ عليها أنها سعت إلى تحقيق أغراضها بعنف واعتمدت على القوة العسكرية وحدها، ولم تحاول أن تجتذب قلوب الناس، ولم تعبأ بأصول السياسة أو قواعد الدبلوماسية، وكان طابعها التعصب، فلا تعترف بوجهة نظر الغير، ولا تقبل معه مساومة ... ولا مفاوضة، وتشددت في فهم الدين فضيقت معنى الإيمان، بحيث يخرج منه عدد كبير من المسلمين نتيجة هذا الضيق والتشدد، ومن ثمَّ تجب محاربة، أو توجب. الشيخ: توجب. مداخلة: توجب ولكن كاتبين تجب. ومن ثم توجب محاربتهم وتستحل دماءهم وأموالهم، ثم هي حركة محدودة الأفق ركزت كل جهودها في ناحية خاصة من الدين، وتركت كثيراً من الأصول والمسائل التي تقل عنها بل تفوقها في الأهمية، وفي مقاومتها للبدع على اختلاف أنواعها كان لا بد أن تنبذ كثيراً من الوسائل التي تؤدي إلى رقي الحضارة وتقدم العمران، ولم يكن القائمون عليها أكفاء. الشيخ: لم يكن القائمون عليها ماذا؟ مداخلة: لو أتيح لهم النجاح إلى حد أن يحكموا العالم الإسلامي لأن يجاروا

стр. 1487

النهضة الحديثة لميدان الصناعة والاختراع، ولكنها مع هذا كله وفي حدودها المعينة كانت نهضة أخلاقية شاملة ووثبة روحية جريئة، ودعوة إلى الدين الحق والإصلاح، وقد أيقظت العقول الراقدة، وحركت المشاعر الخامدة، ودعت إلى إعادة النظر في الدين لتصفيه أو لتصفية العقيدة وتحرير الإيمان وتطهير العقول من الخرافات والأوهام، وقد احتوت على مبدأين كان لهما أكبر الأثر في تطور العالم الإسلامي وتقدمه، وهما: الدعوة إلى الرجوع إلى مذهب السلف مع الاعتماد على الكتب والسنة، وتقرير مبدأ الاجتهاد، نحن رجال وهم رجال. وهذا كان يقول لي هذا الكلام الأخ أحمد، أحمد ... يقول: أنا رجل والأئمة رجال. فحقيقة الأمر يعني ما تكلمت معه أنا ... لأنه لا يعرف ما يقول. فكان هذان المبدءان أساس النهضة الفلسفية الروحية. يعني كانت تختلف عن الحركة أيضاً صدرت كذلك من مكة وهي حركة سياسية التي قام بها الحسين بن علي. لا نريد أن ندخل في السياسة على أية حال. فكان هذان المبدءان أساس النهضة الفلسفية الروحية، والواقع أن كل حركات الإصلاح التي ظهرت في الشرق في القرن التاسع عشر كانت مدينة للدعوة الوهابية بتقرير هذه الأصول التي ذكرناها، ويمكن تحديد الصلة بينها وبين كل من هذه الحركات إما عن طريق الاقتباس أو المحاكاة أو مجرد التأثر. وإذا آثرنا التعبير السياسي؛ فان هذه الحركة كانت ثورة على الاستبداد وصوت احتجاج على الضعيف والانحلال الذي آلت إليه حال العالم الإسلامي حينئذ وأول تحد لخلافة آل عثمان، وأول حركة عربية تحريرية لرفع نيل السيادة التركية فهي في القرن التاسع عشر تقابل الثورة العربية في القرن العشرين كما أسلفنا وهي حركة سياسية. هذا ما أردت أن أسمعك إياه ... الشيخ: طيب. ممكن ... ممكن نتدارس بعض هذه النقاط: هو أنها حركة

стр. 1488

دينية إصلاحية. هل أنت تعتقد بأنها حركة دينية إصلاحية؟ مداخلة: الوهابية؟ الشيخ: نعم. مداخلة: الوهابية؟ الشيخ: إيه، ... عن الوهابية. مداخلة: حركة دينية إصلاحية؟ الشيخ: أنا عم أقول لك: أنت قرأت علينا ولسان حالك يقول: هذه بضاعتنا ردت ألينا، أنت تعتقد أن الوهابية حركة دينية إصلاحية كما يعتقد كاتب المقال؟ مداخلة: أنا لا أعتقد ذلك، لأن الإسلام لا يحتاج إلى إصلاح. الشيخ: من كاتب المقال؟ مش مكتوب. مداخلة: لا، في بداية المقال مكتوب، بداية المقال ... اثنين أو ثلاثة. الشيخ: الأستاذ الدكتور محمد ضياء الدين الريس أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية دار العلوم بجامعة فؤاد الأول، هذه قديمة سنة ألف وثلاثمائة وثلاثة وسبعين. أنت لا تعتقد بهذه العبارة، جميل جداً، إذاً ما لي ولها، لكن في ما بعد قرأت على مسامعنا أن الدعوة هذه قامت على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، أين هذا في الأخير؟ مداخلة: الأول الأول، الأول. الشيخ: أعلى الصفحة؟ مداخلة: في منتصف الفقرة تقريباً الأولى.

стр. 1489

الشيخ: كويس. يقول في منتصف الصفحة كما قلت: ولكنها مع هذا كله وفي حدودها المعينة كانت نهضة أخلاقية شاملة، ووثبة روحية جريئة ودعوة إلى الدين الحق والإصلاح، وقد أيقظت العقول الراقدة، وحركت المشاعر الخامدة، ودعت إلى إعادة النظر في الدين لتصفية العقيدة وتحرير الإيمان وتطهير العقول من الخرافات والأوهام. أنت تعتقد بهذه الفقرة؟ مداخلة: الاعتقاد كله مرفوض أصلاً يعني بداية ونهاية، لأنه كما قلت لك بأن الإسلام. الشيخ: هذا جواب - بارك الله فيك - يعني متناقض، لأن هذا الكاتب يقدح ويمدح. مداخلة: نعم. الشيخ: أنا رأيتك أنت وافقته. مداخلة: لا لا، لا. الشيخ: يعني هو يقدح فتقول في ما يقدح: انه مصيب، لكن في ما يمدح أنت معه أو ضده الكاتب هذا؟ مداخلة: المدح من حيث أنها دعوة إصلاحية. الشيخ: أنا أقول هذا هو قرأت على مسامعك: وقد احتوت ماذا؟ وتحرير الإيمان، أيقظت العقول وحركت المشاعر الخامدة ودعت إلى إعادة النظر في الدين وتصفية العقيدة وتحرير الإيمان وتطهير العقول من الخرافات والأوهام. أنت تعتقد؟ مداخلة: نحن مع تصفية العقول ونحن مع التصحيح، نعم. الشيخ: طيب.

стр. 1490

مداخلة: جميعنا مع التصحيح. الشيخ: لا، أنا ليس هذا سؤالي بارك الله فيك. مداخلة: نعم. الشيخ: أنت تعتقد أن الدعوة التي تسمى بالدعوة الوهابية قامت على هذا الأساس كما يقول الكاتب؟ مداخلة: هي قامت على هذا. الشيخ: إذاً يا أبا أسامة! خلينا نتفاهم في قرب. أنا قلت: نحن لسنا وهابيين وأنت الآن يتبين أنك لا تعرف الوهابية، لا تعرف خيرها ولا شرها بدليل أن هذا الكاتب يقدح ويمدح، فنحن أي عبارة نقرأها في أي كتاب في أي مجلة المفروض أن يكون في عندنا بصيرة نميز الخبيث من الطيب، لذلك أنا قلت: لست وهابياً وسأقول لك: أنت لا تعرف الوهابية ما لنا وللوهابية. القائل القديم وهو الإمام الشافعي قال: إن كان رفضاً حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي قال أحد المتهمين بأنه وهابي: إن كان تابع أحمد متوهباً ... فأنا المقر بأنني وهابي ما لنا بقى للوهابية، الدعوة يعني ذهبت مع التاريخ والآن السعوديين جرفتهم الدنيا وجرفتهم السياسة ولم يبق هذا الذي يثني عليه القارئ إلا آثار قليلة وقليلة جداً، ما لنا ولها نحن الآن أمام دعوة انتشرت في العالم الإسلامي كله، من رضي رضي ولمن لم يرض لم يرض، لأن الله قال في كتابه الكريم كما تعلم: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ

стр. 1491

الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]. فالآن الوهابية فيها ما تمدح عليه وفيها ما يقدح عليه. نعم. إلى ما اتفقنا عليه أن كل مسلم يجب عليه أن يتبع كتاب الله وحديث رسول الله ﵌ ويتبع السلف الصالح في ما فهموه ونقلوه إلينا من معاني الكتاب والسنة والسنة الصحيحة، ويجب أن نحسن الدعوة والأسلوب في ذلك. فهذه مسألة ما فيها خلاف، لذلك نرجو منك أن تظهر بدعوتك الحق وبأسلوبك اللين. مداخلة: إن شاء الله السميع العليم، أنا يعني كما تفضلت أنت: أنا أعبد الله وحده ولا أشرك به شيئاً. الشيخ: الحمد لله. مداخلة: كما أراد هو ، وكذلك أتبع الحبيب ﵊ لكل ما أستطيع تطبيقه. الشيخ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. مداخلة: وإذا يعني كان إخواننا في يوم من الأيام بحاجة أن أقف معهم أو أن أعاونهم وأن يعني سأكون إن شاء الله معهم وسأدافع عنهم إن شاء الله. الشيخ: لا، هذه لا نوافق عليها، هذه لا نوافق عليها. مداخلة: لن توافق ... الشيخ: كيف لا؟ لأنك أنت تقول يوماً ما: نحن نريد الدهر كله. مداخلة: إن شاء الله. الشيخ: أن تكون مع دعوة الحق والأسلوب الحق.

стр. 1492

مداخلة: إن شاء الله دائماً. الشيخ: هذا هو بارك الله فيك. مداخلة: دائماً. الشيخ: طيب. اعتماداً على دعوة الحق ما الذي تراه أنت الآن الأمة المسلمة الضائعة ما هي أحوج شيء إليه من هذه الدعوة؟ مداخلة: العودة إلى الكتاب والسنة. الشيخ: الكتاب والسنة واسع بارك الله فيك. مداخلة: نعم. الشيخ: ما هو أهم شيء من ما في الكتاب والسنة من ما يجب أن نبلغه الأمة، يعني مثل ما ذكرنا في الأمس القريب: العلم إن طلبته كثير ... والعمر عن تحصيله قصير فقدم الأهم منه فالأهم هنا بحثنا. مداخلة: نعم. الشيخ: ما هو الأهم؟ مداخلة: الأهم العقيدة. الشيخ: طيب ... فلعلك أنت تبين العقيدة للناس يا أبا أسامة بارك الله فيك، بدءاً من معنى لا إلا اله إلا الله وانتهاءً إلى الشهادة المكملة محمد رسول الله، على النحو الذي أنا ألمحت إليه رؤوس أقلام.

стр. 1493

مداخلة: نعم، نعم. الشيخ: وإلا شرح هذا يحتاج كما لا يخفاك في ما أظن إلى مجالس ومحاضرات عديدة وعديدة جداً. أنت تعلم بأن كثيراً من المسلمين يحلفون بغير الله وينذرون لغير الله ويذبحون لغير الله ويدعون غير الله في الشدائد والكروب والمصائب إلى آخره، وما نسمع لأحد من هؤلاء الدعاة يذكرون هؤلاء المسلمين ويعودون بهم إلى ربهم ، فهذا ينبغي أن يسمع المسلمون صوت رجل فاضل مثلك مسموع القول مطاع الكلمة حتى أنت تعرف قول الرسول ﵇: «لو آمن بي عشرة من اليهود لآمنت يهود» لماذا؟ لأن طبيعة الناس أنهم يتبعوا الكبار سواء كانوا مهتدين أو كانوا ضالين. مداخلة: نعم. الشيخ: فأنت والحمد لله ربنا هداك كما هدى إخواننا إلى دعوة الحق، فحينما ترفع صوتك بهذه الدعوة فسيدخل الناس في دين الله أفواجاً، أما تترك الدعوة مع ناس أنت تنكر عليهم أسلوبهم هذا ما ينبغي، هذا هو من تمام التدابر الذي أنت تشترك معنا في الإنكار عليه، فنرجو إن شاء الله أن نجد في سفرة أخرى لنا إلى بلدكم الطيب هذا أن نسمع من أبي أسامة كلمات طيبات يهتدي بها الناس في ظلمات البر والبحر. مداخلة: إن شاء الله. يا سيدي! أنت ضيفي. الشيخ: إن شاء الله. مداخلة: وحق على المزور أن يكرم زائره. الشيخ: جزاك الله خير. مداخلة: وسأكون عوناً لهم إن شاء الله.

стр. 1494

الشيخ: جزاك الله خير وأكرمك الله. مداخلة: باستطاعتي. الشيخ: لا نريد أنا في استطاعتي وزيد وبكر، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. مداخلة: وأنا ما نقدت يوماً أحداً من كل الدعوات لأنني أحافظ على مشاعر الناس كما كان يحافظ عليها رسول الله ﵌. الشيخ: هذه لا لا، اسمح لي كما كان هذا التشبيه ليس كذلك. اسمح لي، هذا التشبيه ليس كذلك. مداخلة: تفضل. الشيخ: رسول الله لما دعا بدعوة الحق ماذا قالوا عنه؟ لقد سفه أحلامنا. يا أستاذ! لا يمكن لإنسان يدعي الحق حينما يصدع بالحق أن يراعي شعور الآخرين، هذا أمر مستحيل، ليس لنا فقط إلا الأسلوب الحسن فقط. مداخلة: نعم. الشيخ: أما مراعاة شعور الآخرين هذا أمر مستحيل. مداخلة: أقصد من حيث النقد يا أستاذي الكريم، يعني نحافظ على مشاعر الناس حتى نجلبهم إن شاء الله .... الشيخ: حتى هذا بارك الله فيك، حتى هذا. ربنا لما قال في القرآن الكريم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] هل راعى مشاعر المشركين؟

стр. 1495

مداخلة: لا، لم يراع. الشيخ: إيه بارك الله فيك. لقد كفر. لا، ماذا قال في القرآن الكريم؟ ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤] إذاً، الله أكبر. ربنا يهدد نبيه ﵇ المصطفى: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]. مداخلة: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ [الإسراء: ٧٤]. الشيخ: نعم، أنا أريد أن أقف عند هذا التهديد يعني، لذلك ليس لنا إلا أن نصدع بالحق وبالأسلوب الحسن. مداخلة: نعم. الشيخ: أما أن نراعي شعور الآخرين فهذا شيء آخر، ولا يجوز أن نراعي شعور الآخرين، لأن دعوة الحق تنافي وتناحر وتحارب دعوة الباطل. فإذاً ليس لنا إلا أن ندعو بالحق لا تأخذنا في الله لومة لائم مع الأسلوب الحسن. مداخلة: سيدي! أنت فهمتني خطأ في ما أقول. الشيخ: قد يكون أنا فهمت خطأ، قد يكون غيري أفهمني خطأً، مش مهم هذا. مداخلة: نعم، نعم. الشيخ: فما هو الصواب الآن؟ دعوة الحق. مداخلة: نعم، نحن. الشيخ: هي دعوة الحق التي يجب تبليغها إلى الناس سواء جرح المبلغون أو لم ينجرحوا مع الأسلوب الحسن، أنت معي في هذا أو لا؟ مداخلة: أنا معك في هذا.

стр. 1496

الشيخ: إذاً ما فهمتك خطأً. مداخلة: ولكن أنا قلت لم أخصص يعني سواء كان مثلاً في خطبة أم في درس أم في كذا لم أخصص أقواماً أو أسماء من حيث النقد، لكن .... الشيخ: ما كان وارداً هذا، موضوع التخصيص ما هو وارد. مداخلة: أبداً. الشيخ: المهم بارك الله فيك. مداخلة: أما من حيث الجهر بالحق ومن حيث فاصدع بما تؤمر هذا لا بد منه. الشيخ: إيه، لكن. مداخلة: ... إلى قوة. الشيخ: لكن البدء في الأهم. مداخلة: نعم. الشيخ: البدء في الأهم والأهم. (الهدى والنور/٧١٣/ ٤٧: ٠٠: ٠٠)

стр. 1497

هل هناك تلازم بين التحزب المذموم والعمل الجماعي .. ؟ هل هناك تلازم بين التحزب المذموم والعمل الجماعي المنظم في الدعوة إلى الله؟ الشيخ: العمل الجماعي المنظم في الدعوة إلى الله قد يكون حزباً وقد لا يكون حزباً .. أنا شخصياً ومعي بلا شك أناس أفاضل لا يرون مانعاً من تقسيم الأعمال بين أفراد المسلمين بل وجماعاتهم، فكل جماعة تقوم بواجب على النحو الذي ذكرته آنفاً، بالنسبة للمجددين، ولكن كما أننا لا نتصور بين أولئك المجددين وإنما يجمعهم دائرة الإسلام الواسعة على ما قد يكون في كل فرد من هؤلاء الأفراد من نقص كما ألمحت إليه آنفاً كذلك أقول في الجماعات التي تنظم أمرها للقيام بالدعوة إلى الإسلام .. إذا كانت هذه الجماعات ليس بينها تباغض وتدابر وتعادي يصل الأمر إلى أن يتحزب الفرد في هذه الجماعة على الجماعة الأخرى بالباطل فهذه الجماعات لا بد من وجودها لكن لا بد من أن تكون مرتبطة بمبدأ وبمنهج موحد .. لا بد من هذا تماماً. ولهذا أنا أصرح أحياناً فأقول: أنا لا أنكر أن يكون في المسلمين جماعة اسمهم الإخوان المسلمين، أو جماعة اسمهم جماعة التبليغ، أو جماعة اسمهم حزب التحرير، أنا أنكر هذه الجماعات اليوم لكن لا أنكر أن يكون مثل هذه الجماعات إذا كانت تتفق مع دعوة الحق وهي اتباع الكتاب والسنة مع من كانت وحيثما كانت، فلما كانت هذه الجماعات ولنسمها الآن كما هم يسمون أنفسهم هذه الأحزاب .. لما كانت هذه الأحزاب لا تلتقي مع دعوة الحق بل ويصرحون

стр. 1498

في كثير من البلاد أن هذه الدعوة التي تدعون إليها هي تفرق ولا توفق كأنهم يعنون أن غاية الإسلام هو الجمع بين متناقضات كما هو شأن بعض الجماعات القائمة اليوم فهي تجمع بين السني وبين البدعي .. بين السلفي وبين الخلفي وهكذا. وقد يكون في بعضهم من هو ليس كما يقال اليوم هو من أهل السنة والجماعة، وهذا يذكرني بكلمة سجلتها آنفاً عندي أردت أن ألفت النظر بمناسبتها: جاء في كلمتك بارك الله فيك ذكر أهل السنة والجماعة .. هذا الاسم أرى أن استعماله اليوم لا يعبر عن دعوة الحق؛ ذلك لأن هذا الاسم أهل السنة والجماعة كان ولا يزال يطلق على مذهبين عقديين هم الأشاعرة والماتريدية فهؤلاء هم أهل السنة والجماعة وما كان يخطر في بال أحد هؤلاء الذين ورثنا منهم هذا الاصطلاح أنه يدخل في أهل السنة والجماعة أهل الحديث أتباع السلف الصالح. لهذا وقد أمرنا أن نُكَلِّم الناس على قدر عقولهم فأنا أرى أن نستعيض بديل هذه الكلمة هي التي نحن ندندن دائماً حولها وحينما نؤكد على الناس أنه لا يكفي اليوم أن نقتصر في الدعوة على الكتاب والسنة فقط وهذا لا بد منه وإنما يجب أيضاً أن نضم إلى دعوة الكتاب والسنة ضميمةً أخرى هي الحكم الفصل بين كل الجماعات التي تنتمي إلى الإسلام مع البعد الشاسع القائم بينها. فمثلاً الشيعة والرافضة هم ينتمون إلى الكتاب والسنة، وهم يزعمون أنهم يعملون بالكتاب والسنة، لكن السنة عندهم لها مفهوم غير المفهوم عند أهل السنة، يعني: عند أتباع المذاهب الأربعة، ثم هؤلاء الأتباع أتباع المذاهب الأربعة كماهم اليوم ونحن نعيش اليوم لا يفهمون السنة كما جاء في السنة حينما ذكر الرسول ﵇ الفرق الثلاث والسبعين وقال عنها: كلها في النار إلا واحدة ووصف الفرقة الناجية بأنها التي على ما كان عليه الرسول ﵇ وأصحابه الكرام، لا يفهمون السنة بهذا القيد، أي: ما كان عليه أصحاب الرسول

стр. 1499

- ﵌ وما كان عليه الخلفاء الراشدون؛ لذلك ما ينبغي للداعية المسلم أن يدندن فقط حول دعوة المسلمين إلى الكتاب والسنة وهذا لا بد منه، بل لا بد أن يضم الفارق بين هذه الدعوات التي كلها تزعم وتدعي الانتماء إلى الكتاب والسنة. وأنا في علمي أن الجماعات القائمة اليوم تأبى الانتساب عملياً - لا أقول: اسماً - تأبى الانتساب عملياً إلى السلف الصالح؛ ذلك لأن هذا الانتساب يضيق عليهم دائرة الانفلات من بعض الأحكام الشرعية باسم التأويل الذي هو عين التعطيل فضلاً عن أن يرضوا الانتساب اسماً لهذا فهم ينكرون علينا انتسابنا إلى السلف الصالح وأخيراً إذا سئل أحدنا: ما مذهبك فنقول: سلفي، سيقول لك: ما معنى سلفي؟ قل: مسلم كما سمانا الله في القرآن الكريم، وهذه كلمة ظاهرها جيدة لكن باطنها ليس كذلك! في هذه الغرفة بالذات جرى بيني وبين أحد المنتمين إلى العمل بالكتاب والسنة وهو إلى حد ما معنا في ذلك لكن تعلمون أن الأمر يختلف اختلاف .. تضلع هذا المنتسب في علم الكتاب والسنة فقد يخفى عليه شيء كثير من علم الكتاب والسنة، لكن هو يقول: لا يقول: أنا حنفي أو شافعي، أو مالكي، على الكتاب والسنة لكن بقدر ما بلغه من العلم. ففي كثير من الجلسات التي قامت بيني وبينه والمباحثات عرفت ولمست منه أنه يفر من هذا الانتساب وبخاصة اسماً: سلفي! فوجهت إليه السؤال التالي وأظن حكاية هذه الجلسة مفيدة من هذه الناحية، قلت له: لو سألك سائل: ما مذهبك؟ قال: أقول له مسلم، قلت: هذا ليس جواب السؤال، قال: لم؟ قلت: لو سألك سائل: ما دينك؟ ما جوابك؟ هو نفس الجواب، بينما ينبغي أن يختلف الجواب باختلاف السؤال .. سؤالي: ما مذهبك؟ فوضح له بداهة أن جوابه خطأ؛ ولذلك عدله لكن لم يعتدل، قال: إذاً أقول: أنا مسلم على الكتاب والسنة .. صواب لكن لا يكفي اليوم لا يكفي، قلت: لو كان المسئول غيرك من هؤلاء

стр. 1500

سواءً المذهبيين من منهم من أهل السنة والجماعة بالتعريف العصري اليوم، أو من المذاهب الأخرى. مثلاً لو سألنا إباضياً أو خارجياً: ما مذهبك؟ سيقول: إذا أراد أن يقول بقولك الأول سيقول: مسلم، واتفقنا أن هذا الجواب ليس جواباً، إذاً: سيقول بقولك الثاني، وهو: على الكتاب والسنة، وهو صادق .. في قرارة نفسه هو صادق، فإذاً: ما الفرق بينك وبين هذا والأمثلة تتعدد بتعدد المذاهب وإلى آخره. ألا ترى معي يا أستاذ! قلت له: أنه لا بد من ضميمة وهنا ألقيت كلمة تدور حول الآية السابقة: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] المؤمنون هنا بلا شك هم السلف الصالح، قال: صحيح، إذاً أنا أقول: أنا على الكتب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، قلت: حسنا! أنت رجل أديب وعلى شيء من المعرفة باللغة العربية وآدابها ألا يمكن تلخيص هذه الجملة باسم واحد: على الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح أن يقال مثلاً: أنا سلفي فصمت الرجل لم يعارض ولا أنه يعني قال كلمة الحق. الشاهد: هذه المناقشة توضح الحقيقة الواقعة الآن؛ لذلك هذا التعبير أهل السنة والجماعة لا يمثل دعوة الحق التي هي الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، هذا ما بدا ذكره في هذه المناسبة، تفضل. حول الجمعيات: مداخلة: كان السؤال هو حول إنشاء الجمعيات التي تعمل للدعوة الإسلامية، وفي جوابكم شفاء حقيقةً لما يمكن أن يطرأ على بال الإنسان لكن أنا أحب أن أضيف أمرين أو ثلاثة: أما الأمر الأول فهو أن التجارب التي وقع فيها المسلمون اليوم على اختلاف مناهجهم الفكرية والعقدية والتفكيرية والمنهجية تعطي المسلم جواباً شافياً

стр. 1501

عملياً بحيث أنه يستطيع أن يغيض الجواب في نفسه أو أن يحبسه عن لسانه أو أن يقول غير ما يرى، فلا بد له أن يقول في النهاية: أن هذه الجمعيات أو المؤسسات التي ظهرت لعالم المسلمين اليوم في كل بلاد الدنيا ما أثمرت، بل كانت ثمرتها زيادة في الفرقة وتعميق الخلاف وإثراءً كما يقال وإن كان خطأً لروح التنازع، ولا أدل على ذلك مما يجري الآن حتى بين بعض إخواننا الذين ينتسبون إلى الدعوة السلفية فإنهم كثيراً في بعض البلاد الإسلامية وجدنا أن التعادي بينهم وصل إلى حد يمكن أن يقال: إن الإصلاح يئس منهم وأعرضوا هم عن الإصلاح بيأس من الإصلاح نفسياً. لذلك أقول: إن التجارب تدل دلالة عملية على أنه إن كان هناك تفكير في زيادة مثل هذه الجمعيات أو العمل عليها الآن أن يبتعد تماماً وأن يقطع التفكير فيها؛ لأن الأمر لا يقف عند النهايات التي رأينا آثارها الذميمة في حياتنا. الأمر الثاني: أشرتم إلى بعض الأمور التي إن كانت توفرت في مثل هذه الجماعات أو الجمعيات فلا بأس من العمل عليها أو تأليفها لكي ينظم العمل الإسلامي فأقول حقيقةً من باب أيضاً إتمام المسألة الأولى فهناك القاعدة الشرعية التي لا تخفى على أحد منا وهي باب سد الذريعة، فهذه القاعدة العظيمة تقتضينا أن نفكر وإن كان العمل في ذاته أو في أصله مشروعاً كما قال ابن تيمية ﵀ يقول: بأن وجود عصابة من المؤمنين في مكان ما للأمر بالمعروف النهي عن المنكر أو تحقيق أمر إصلاحي للمسلمين إذا كان هذا العمل يهدف إلى مثل هذا فلا بأس، لكن نحن رأينا الآن في بلاد المسلمين أن نفوس المسلمين قد تغيرت وتبدلت وصار هناك داخلها حب الدنيا والهوى واستعلاء بعض الناس بعضهم على بعض؛ لذلك أقول: إن هذه القاعدة تريح وبخاصة وأننا ذكرنا .. أو تبين لنا من الواقع ما يسوء لا ما يسر.

стр. 1502

بقي الحقيقة أمر آخر: وهو أن ائتلاف الجماعات الإسلامية الموجودة في عالمنا الإسلامي اليوم لا يمكن أن تأتلف على منهج واحد ولا على طريقة واحدة، وحتى لو تسمت بهذا الاسم الذي ذكرنا، إذاً: فلا بد من العودة إلى الاسم الأم ألا وهو السلف الصالح، لكن هذا أيضاً يدعونا إلى التفكير نحن في أنفسنا، يا ترى! هل بقينا واقفين عند حدود هذا الاسم معنىً ولفظاً وحداً ورسماً، أم أننا تجاوزناه خطأ إلى عدم الوقوف على أدنى الصواب فيه؟ هذا الذي نريد أن نسأله أنفسنا قبل أن نبحث في توسيع دائرة العمل الإسلامي حتى يشمل هذه الجماعات القائمة التي أشرتم بأنه لا مانع لديكم لو وجدت مثل هذه الجماعات على حد من يقول: هذا شافعي .. هذا مالكي .. هذا .. إلى آخره، ولكن هذه التسميات التي كانت في المذاهب أوجدت ما أوجدت وحرفت ما حرفت من الدين لكن الجماعات الموجودة في عالمنا الإسلامي اليوم الحقيقة خرجت عن نطاق دائرة العلم وتعدته إلى دائرة السياسة، وعندما دخلت في هذه الحدود طمعاً أو رجاءً أو اقتداءً أو غير ذلك من النوايا التي تدفع إلى مثل هذا العلم الحقيقة أنه بدا لي من عمل هذه الجماعات ما يجب أن نحذره في أنفسنا وأن ننأى بأنفسنا عن أن نكون مثلهم أو أن نسير في الطريق الذي رسموه وقد هجر من قديم، وهم الآن يفكرون في العودة إلى ما ندعو الناس إليه في مثل هذه الأيام. وهذا ما أردت أن أقوله وبارك الله فيكم. الشيخ: تفضل. (الهدى والنور / ٧٩٢/ ٠٣: ٠١: ٠٠)

стр. 1503

حول حكم التنظيم للسلفيين مداخلة: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ارتأى بعض الدعاة السلفيين ضرورة التنظيم من أجل النهوض لمصلحة الأمة، ولكن هذا التنظيم اضطرهم إلى الوقوع في منافسة مع الجماعة الأخرى التقليدية، مما دفعهم في النهاية إلى الدفع بأناس غير مؤهلين تربوياً ولا علمياً إلى مصاف الدعاة، وتغليب الاهتمام بالكم على الكيف، وهم يعتذرون عن كل ذلك بأن دائرة الدعوة اتسعت عليهم، واضطروا إلى ذلك اضطراراً، فهل تنصحون هؤلاء بأن يجمدوا نشاطهم لحين اكتمال مؤهلاتهم، وبخاصة المؤهلات التربوية، أم تنصحونهم بتحجيم هذا النشاط، على قدر وسعهم وطاقتهم؟ الشيخ: أقول: الله المستعان. طالما تكلمنا حول هذا السؤال مراراً وتكراراً، والآن السؤال واضح ولا يقتضينا نحن أن نطيل الجواب عليه لوضوحه. فنقول: ننصح إخواننا السلفيين في كل بلاد الإسلام، بأن عليهم أن يعملوا في حدود طاقاتهم وقدراتهم، وأن لا يكلفوا أنفسهم ولا غيرهم فوق طاقتهم؛ لأن عاقبة مثل هذا التكليف أن يعود بالعاقبة السيئة التي لا يظنون أنهم سيقعون فيها

стр. 1504

أو في مثلها. إن النبي ﵌ قد قال في الحديث الصحيح، في مناسبة وصيته لبعض أصحابه بالاعتدال في العبادة التي كان هو متوجهاً إليها من قيام وصلاة وصيام، قال ﵊ في هذه المناسبة: «إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كان فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى بدعة فقد ضل». ولذلك فنحن ننصح إخواننا هؤلاء السلفيين والذين يقولون عن أنفسهم أو يقول عنهم غيرهم إنهم دعاة، نقول لهؤلاء: تمهلوا ولا تستعجلوا الأمر؛ لأن من الحكم المنقول عن بعضهم: من استعجل الشيء قبل أوانه ابتلي بحرمانه. والعبرة قائمة في كثير من الجماعات الإسلامية، ومن أقدمها في الساحة الإسلامية أنهم لما شغلوا أنفسهم بالدعوة التي يتبنونها، دعوا إليها عامة المسلمين ويكاد أن يمضي عليهم قرن كامل من الزمان، وهم لا يزالون حيث كانوا من حيث العلم ومن حيث التربية. وعلى التعبير العسكري في بعض البلاد: مكانك راوح. هناك حركة وهناك نشاط، ولكن ليس هناك تقدم، فهذه الحركة وهذا النشاط قد عاد عليهم بالخسران؛ لأن الإنسان حينما يتعاطى أمراً ولو كان هذا الأمر أمراً دنيوياً محضاً، ولكن هو أقل ما يقال فيه إنه أمر مباح أن عليه أن يعيد حسابه ونظره في كسبه أو في خسارته، فإذا قضى دهراً من الزمان, عدم حصوله على مرامه وعلى غرضه كل هذه المدة، دليل أن الخطوة أو السبيل الذي كان يسلكها للوصول إلى هدفه المنشود، مما لا يؤدي إلى مراده ومرامه، وكما قيل قديماً في مثل هذه المناسبة: أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل ولذلك نحن منذ عشرات السنين نؤكد على إخواننا المسلمين: أن الدعوة

стр. 1505

ينبغي أن تقوم على أساسين اثنين وعلى دعامتين عظيمتين، لا مجال للنهوض بالمسلمين إلا على أساسهما، ألا وهما: التصفية والتربية. نحن نكرر هذا مراراً وتكراراً، وجوابنا على السؤال هو: أننا ننصح هؤلاء الإخوان السلفيين الذين انطلقوا إلى ما لم يخلقوا له، انطلقوا إلى دعوة الناس بغير علم إلا أفراداً قليلين منهم، وليس الكلام فيهم، وإنما الكلام في أن تكون الدعوة توكل وتنسب إلى ناس ناشئين في هذه الدعوة، ليس عندهم علم ومع ذلك فهم يكلفون أن يدعوا إلى دعوة، ما هي هذه الدعوة؟ يجب أن يلاحظ إخواننا أن دعوتنا تختلف كل الاختلاف عن دعوات الجماعات الأخرى، دعوتنا دعوة علمية إصلاحية، دعوة الآخرين دعوة قد تكون تارة تربوية ولو كلاماً، والذي ينصب جهودهم عليه هو أن تكون دعوتهم تكتيل الناس وتجميعهم على أمر سهل، طائفة منهم يجمعون الناس على دين الإسلام، لكن ما هو هذا الإسلام، فأكثر المدعوين وأكثر الأفراد المتكتلين على أساس تلك الدعوة، إذا سألتهم: ما هي دعوتكم؟ قد يقولون: دعوتنا الكتاب والسنة، وهذه الدعوة أصبحت اليوم في الحقيقة أو هذان الاثنان الكتاب والسنة من فضائل الدعوة السلفية؛ لأنني أنا وقد بلغت من الكبر عتياً كما ترون، قبل ثلاثين سنة أو قبلاً من ذلك، ما كنا نسمع دعوة الكتاب والسنة، ما كنا نسمع خطيباً من الخطباء يذكر الكتاب والسنة، كل ما كانوا يدعون إليه هو الإسلام، والإسلام كما تعلمون أي: أتباع الإسلام هم فرق شتى من قرون عديدة ومديدة، فإذا أطلق الإسلام شمل كل هؤلاء الناس على عجرهم وبجرهم، على كثرة اختلافهم وتفرقهم، لكننا حينما نقول: الإسلام كتاباً وسنة على منهج السلف الصالح، حينئذ تضيق هذه الدائرة الواسعة التي تشمل كل الفرق الضالة، والتي

стр. 1506

نص عليها النبي ﵌ بالحديث المعروف: «وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة .. » إلى آخره، تضيق هذه الدائرة وتنحصر في الفرقة الناجية كما قال ﵇، التي هي: «ما أنا عليه وأصحابي». فحينما يدعو الدعاة الآخرون المسلمين بعامة، فإنما يدعونهم إلى إسلام عام، ما حقيقة هذا الإسلام؟ كل فرد منهم يجيبك جواباً تقليدياً، يعني: العمل بالدين، بالكتاب والسنة. لكن ما هو الكتاب وما هي السنة، وكيف سبيل فهمه؟ فهذا أمر لا يدندن حوله كل الدعاة الإسلاميين حاشا السلفيين، فهم الذين يدعون الناس إلى الكتاب وإلى السنة، وعلى منهج السلف الصالح. أذكر نكتة بهذه المناسبة تتعلق بالعلماء وهي: فاقد الشيء لا يعطيه. فحينما تريد أن تدعو إلى الإسلام، فبدهياً جداً جداً أن تكون عارفاً وعالماً وعاملاً بما تدعو إليه، وإلا كان مثلك مثل ذلك الكردي الذي زعموا أنه لقي رجل من اليهود في طريقه، فأشهر عليه خنجره، وقال له بلهجته العربية الأعجمية: فلان أسلِم وإلا قتلتك. قال: دخلك، ماذا أقول؟ قال: والله لا أدري. فإذاً: ينبغي أن ندعو إلى الإسلام ندري ما هو، فإذا كانت الدعوة من الدعاة الإسلاميين إلى إسلام غير مفهوم، فما فائدة هذه الدعوة، ولذلك ضربت لكم مثلاً آنفاً ببعض الأحزاب الإسلامية الذين يصيحون بأعلى أصواتهم، وقد كانت لهم جولة وصولة في بعض أيامهم الماضية، لكنهم ما استفادوا شيئاً؛ لأنك إذا سألت كبيرهم فضلاً عن صغيرهم، عن عقيدة ما من عقائد السلف القائمة على الكتاب والسنة، إما أن يجيبك بجواب جهمي اعتزالي أو أن يجيبك بلا أدري. إذاً: هو لا يدري، ولا يدري العقيدة التي ينبغي على المسلم قبل كل شيء أن يعرفها أولاً، ثم أن يؤمن بها ثانياً، فماذا يكون حال الدعاة من مثل هذا الداعي،

стр. 1507

ولذلك النكتة التي رويتها لكم آنفاً بالنسبة لذاك الكردي واليهودي، هي خير مثال لكثير من هؤلاء الدعاة الذين يدعون الجماهير المسلمة إلى الإسلام، ولكنه إسلام غير مفهوم. لذلك قيل قديماً من الحكم: من رأى العبرة بغيره فليعتبر. الإخوان السلفيون الذين مضى على انضمامهم أو قيامهم بهذه الدعوة الطيبة المباركة كجماعة، لم يمض عليهم إلا أقل من ربع قرن من الزمان، وقد لمسوا آثار دعوتهم في العالم الإسلامي، فما يجوز لهم إطلاقاً أن ينتكسوا، وأن يرجعوا القهقرى، وأن يقعوا في ما وقع فيه غيرهم من الأحزاب الأخرى مع فارق كثير، الأحزاب الأخرى ما عرفوا ولا ذاقوا طعم ولذة الدعوة السلفية، بل أهمية الدعوة السلفية، ولذلك فهم يعيشون حيارى، لا يدرون العقيدة التي أنزلها الله .. على قلب محمد ﵊، وبينها للناس كافة، لا يدرون حتى في هذه الأيام الأخيرة، أما السلفيون فقد ذاقوا حلاوة هذه الدعوة، وعرفوا قدرها وقيمتها، فما ينبغي لهم أبداً أن يتناسوها وأن يشغلوا الناس الآخرين الذين كانوا يدعونهم إلى أن يفهموها وأن يؤمنوا بها، أن يشغلوها بأمور أخرى تدخل في باب السياسة سواء أطلقت أو قيدت؛ لأن السياسة على إطلاقها لا أعتقد أن مسلماً يقول بشرعيتها، فلا بد إذاً من تقييدها بالسياسة الشرعية. السياسة الشرعية أمر مرغوب فيه بلا شك في الشرع؛ لأنه لا يمكن إدارة الدولة المسلمة إلا على الأساس من السياسة الشرعية، لكن هذه السياسة ليست من شأن الأفراد، وليست من شأن الدعاة الذين يجب عليهم أن يفقهوا المسلمون بعامة وأنا حينما أقول: بعامة كدعوة، لكن التكتل والتجمع على هذه الدعوة لا يخفى على أي مسلم عاقل؛ لأنه من المستحيل أن يمكن للدعاة أو لبعض الدعاة

стр. 1508

أن يجمعوا كل المسلمين على اختلاف نزعاتهم، ومذاهبهم، بل ونزغاتهم، وأحزابهم في كتلة واحدة قائمة على الكتاب والسنة، ومنهج السلف الصالح ... (حصل هنا انقطاع صوتي) [مصداقاً] لقول رب العالمين: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩]. وللحديث حديث الفرق الذي أشرت إليه آنفاً، ولكن على الأقل الذين يريدون أن يسلكوا سبيل الله وسبيل رسول الله ﵌ الذي حكى ربنا عنه في القرآن أنه أمره أن يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]. هؤلاء يجب أن يتكتلوا على هذا الأساس، وتكون هي الفرقة الناجية، فيوم تتكتل هذه الجماعة على هذا الفهم الصحيح للإسلام الصحيح ويربون تربية صحيحة ككتلة وكجماعة، فيومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ﵎. أما الخروج عن هذه الدعوة وإشغال عامة المسلمين بشيء آخر، فهو انحراف خطير سيكون عاقبة هذا الانحراف أن يصاب جماعة السلفيين لا سمح الله بمثل ما أصيبت جماعات الأحزاب الأخرى، أن يظلوا سنين طويلة وطويلة جداً، وهم يدعون .. ويعملون، ولكن القاعدة التي أشرت إليها آنفاً: (مكانك راوح). ولئن يستفيد الدعاة السلفيون هداية فرد فضلاً عن أفراد يدعونهم إلى الكتاب والسنة ويربونهم تربية صحيحة على هذه الدعوة خير لهم من أن يجمعوا ويكتلوا آلافاً بل ملايين من البشر، وهم لم يفهموا الإسلام ولم يؤمنوا بالإسلام الذي أنزله الله على قلب محمد ﵇، وبالتالي لم يربوا التربية على هذا الأساس من الفهم الإسلامي الصحيح. لذلك نحن ننصح أن يتراجعوا .. عن توسعهم في دعوتهم، وعن اعتذارهم

стр. 1509

المحكي في السؤال؛ لأن هذا العذر في الحقيقة هو كما يقال: عذر أقبح من ذنب؛ فلا يكلف نفساً إلا وسعها. والغلو في الدعوة دون القيد المذكور آنفاً كما ذكرت أيضاً في ... كلامي السابق أن عاقبة هذا الغلو هو الانهيار كما قال رسول الله ﵌: «إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى بدعة فقد ضل». فإذاً: علينا أن نظل ندعوا الناس كل الناس إلى فهم الكتاب فهماً صحيحاً، مبتدئين بالعقيدة التي هي أساس النجاة يوم القيامة، ثم بما يجب بعد ذلك من معرفة الفرائض العينية، ثم الفرائض الكفائية التي إذا قام بها البعض سقط عن الباقين، وهذا يجرني إلى التنبيه إلى شيء من الغلو الذي وقع المسلمون اليوم؛ حتى بعض الدعاة، وهو: أصبحت كلمة الدعوة والدعاة في اعتقادي هي من بدعة العصر الحاضر، وأنا في ظني أنكم سوف لا تسمعون هذا الكلام من غيري، لكنه الحق، و ﴿لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣]. الدعوة اليوم والدعاة أصبح كأنه أمر فرض عيني على كل مسلم، ولو كان لا يعرف من الإسلام شيئاً، والمثال تعرفونه اليوم في كتلة إسلامية ضخمة جداً يخرجون إلى الدعوة بزعمهم، ويسمون هذا الخروج بالخروج في سبيل الله، وأكثر الذين يخرجون كما يقولون في سبيل الله كما يقولون في بعض البلاد العربية: لا يفرق بين الخمسة والطمسة، وبين الألف والمسطيجي. هؤلاء ماذا يفعلون؟ هؤلاء دعاة. دعاة إلى ماذا؟ إلى الإسلام! يا جماعة اتقوا الله، فاقد الشيء لا يعطيه، اجلسوا في بلادكم وتحلقوا

стр. 1510

واجتمعوا في مساجدكم، واتلوا كتاب الله ﵎ وتدارسوه بينكم، وتفقهوا في الكتاب والسنة؛ حتى تكونوا على بينة، وتكونون كما قال ﵇: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». نعلم أن كثيراً من هؤلاء وهم رؤوس، هؤلاء يأتون بأعمال مستنكرة، إما جهلاً وإما تجاهلاً، إما جهلاً بالإسلام، وإما من باب القاعدة الكافرة التي لا أصل لها في الإسلام، ومع ذلك فبعض الدعاة الإسلاميين ينتسبون إليها ويعملون بها، ألا وهي: الغاية تبرر الوسيلة. فقد بلغنا أن جماعة من هؤلاء الدعاة وصلوا إلى قرية، فوجدوا أهلها يطوفون بقبر ولي زعموه ولياً، فرئيس الجماعة هؤلاء طاف حول القبر مع القوم، لماذا؟ قال: ليتألف قلوبهم! أهكذا يأمر الإسلام؟ ! الإسلام يقول لنا منذ خمسة عشر قرناً: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]. ولا يقول: اعمل عمل الجاهلين، وكلنا يعلم مبلغ اهتمام الرسول ﵊ في مخالفة مظاهر الشرك حتى ولو كانت لفظية وليست عملية كالطواف حول قبور الأولياء والصالحين، حتى باللفظ الذي قد يصدر من بعضهم خطأً بغير قصد ونية سيئة، فكلكم يعلم الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن أبي واقد الليثي: «أن النبي ﵌ كان في سفر لما مر أصحابه وهو معهم بشجرة ضخمة من شجر السدر، فقال بعض أصحابه ﵇: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط». هذه الشجرة كانوا يعلقون عليها أسلحتهم، فقال بعضهم: (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط) يعني: تعليقات تعلق عليها الأسلحة. فقال ﵇: «الله أكبر! هذه السنن لقد قلتم كما قال قوم موسى لموسى:
следующие страницы →