المتبعة والجمود عليها، وبين أن يُصبح كل مسلمٍ مُدعيا العلم مُدَّعيا الاجتهاد، فلا شك أن البقاء على ما كان عليه الآباء والأجداد من إتباع المذهب وعدم الاعتداء بآراء الجهلة الذين ما درسوا العلم، ذلك خير، وهذا من باب حنانيك بعض الشر أهون من بعض.
صحيح أن بعض الحكماء أو الأدباء من العراقيين قال كلمة جميلة جدا ولكن فيها استدراك جميل قال: لأن اجتهد فأخطئ أحبُّ إلي من أن أقلد فأصيب، قال: إنما قلت أحبُّ إليَّ وليس خير لأن أجتهد فأخطي أحب إلي من أن أقلد فأصيب، عفوا أحب إليَّ من أن أجتهد فأصيب، قال: ولم أقل خيرا لأن الخطأ ليس خير من الصواب.
لذلك يجب أن ننصح إخواننا الذين يشتركون معنا في الدعوة وتبني الكتاب والسنة ألا يغتروا بنفوسهم وألا يغتروا ببعض المعلومات التي أخذوها من غيرهم، وليس كانت بدراستهم الشخصية، فإن هذا يفتح علينا بابا بالنسبة للآخرين لا قِبَلَ لنا برده، لأن الآخرين يحتجون علينا بأنكم تسمحون لمن لا يعرف بيقولوا عنا بالشام: «الألف من البسطية» البسطية: هي العصا الطويل، وبعض البلاد هنا يقولون: «ما بيعرف الخمسة من الطمسة»، هذا بلا شك عيب يؤخذ على الدعوة السلفية، لكن بلا شك الدعوة السلفية لا تقر ببناء الآراء الشخصية التي تنبع من ناس ليسوا من طلبة العلم، ولو كانوا كذلك من طلبة العلم ولكنهم بعد ما نضجوا في العلم، ولذلك فنحن نقترح على هؤلاء أن لا يعتدوا بآرائهم وأن يستعينوا بأهل العلم؛ لأن القران الكريم كما تعلمون جعل المسلمين قسمين: عالم، وغير عالم وهكذا كان الأمر في كل العهود السابقة وبخاصَّة في القرن الأول، القرن الأنور، وهو قرن الرسول ﵇ وعصره،
стр. 212
فقد كان الناس قسمين: عالم، وغير عالم، وهذا ما عناه الله بقوله ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
يقول ابن القيم وغيره: بأن العلماء من الصحابة الذين كانوا يفتون الناس يعني بالكاد أن يبلغ عددهم مائتي شخص، مائتي عالم، والألوف المؤلفة والألوف المؤلفة ما كانوا كما هوشأن الملايين وليس الألوف لكثرة المسلمين ما شاء الله اليوم على وجه الأرض، ما كان هؤلاء الذين هم الألوف المؤلفة من الصحابة كل واحد بيعطى رأي، بيدي رأي، وإنما كانوا يطبقون قوله تعالى ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾.
وبناءً على هذه الآية يجب أن ننشر هذه الحقيقة بين شبابنا السلفي ونعيشهم عليها بحيث تكون نصب أعينهم دائماً وأبداً أنت عالم تجتهد تفهم الكتاب والسنة ما أنت عالم إذاً ليس واجبك أن تقول أنا أرى كذا، وأنا اجتهدت فرأيت كذا، سواء كان ذلك في تصحيح حديث وهو ليس من أهل الحديث، أو كان في استنباط حكم وهو ليس من الفقهاء.
فعليه إذاً أن يحقق هذه الآية ﴿فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ لأن هؤلاء الذين يتجرءون على الإفتاء وهم ليسوا من أهل العلم والإفتاء، مثلهم كمثل ذلك الرجل الذي دعا عليه الرسول ﵇ بأن يهلكه الله لأنه أفتى بفتوى قضى بسببها على نفس بريئة مسلمة، تعلمون هذا الحديث الذي رواه أبو داوود في «سننه» (١): «أن النبيَّ ﵌ أرسل سرية، فلما قاتلوا الكفار وأمسوا وأصبح بهم الصباح، قام أحدهم وقد احتلم وفي جسده جراحات كثيرة، فسأل من حوله هل يجدون له رخصة في أن لا يغتسل؟ قال لا بد لك من أن
стр. 213
تغتسل، فاغتسل فمات، فلما بلغ خبره رسول الله ﵌ فدعا عليه، فقال: قتلوه قاتلهم الله، ألا سألوا حين جهلوا، فإنما شفاء العَيِّ السؤال» هذا الحديث يجب أن يكون ماثلا دائما وأبدا أمام أعين طلاب العلم حتى لا يتجرؤوا على الإفتاء فيصيبهم مثلا ما أصاب ذلك الرجل الذي دعا عليه الرسول ﵇ بأن يقاتله الله ﵎.
والتجرؤ على الإفتاء يبدو مما سبق من الكلام يعود وباله على المفتي أولاً، وعلى المفتى به ثانياً، وحينئذٍ إذا استقر هذا المعنى في طلاب العلم الذين لم يصلوا إلى معرفة الكتاب والسنة وتتبع أقوال الأئمة والمفاضلة والمراجحة بينها، وإنما مجرد أن يقول أنا أرى كذا، وأنا فهمت كذا، هؤلاء ليريحوا أنفسهم من المصيبتين الذين أشرت لهما أولا أن يقعوا هم في الخطأ، وأن يوقعوا غيرهم في الخطأ وذلك بأن يسألوا أهل العلم ولا عليهم بعد ذلك أخطأ هذا الذي أفتاه أو أصاب، لأنه إن أصاب فبها ونعمت وإن اخطأ فإنما إثمه على مفتيه، فبدل أن يتحمل هو بنفسه لأنه أفتى بغير علم وورَّط الذي أفتاه بغير علم فليجعل، الإثم على غيره، إن أفتاه بغير علم.
وهذا لا يعنى أن لا يتحرى شبابنا في سؤالهم لأهل العلم أن يميزوا بين عالم وعالم، بين مدعي للعلم وعالم حقيقة، وبين عالم بمذهب وجهال للكتاب والسنة، هذه قضية أخرى المهم أن يسأل من يثق بعلمه، ويثق بدينه، حين ذاك لا يقع في المشكلة التي وقع فيها ذاك الذي أفتى بأنه لا بد أن يغتسل، ولجهله بالسنة، لم يفته بجواز التيمم لأن الماء يضره، وفعلاً أضره وكان سبب وفاته، فهذه كلمة ولعلي أطلت بها فأرجوا من الله أن يوفقنا للعمل بالعلم النافع، وأن يعرفنا بذوات أنفسنا، وألا يجعلنا من المغترين بها؛ لأن الغرور مهلكهٌ ما بعدها مهلكة.
(الهدى والنور /١٨١/ ٥١: ١٦: ٠٠)
стр. 214
من تمسك بالسنة لا يضيعه الله أبداً
قال الإمام:
يجب عليك أيها المسلم أن تعتقد أن لله في كل ما شرع لعباده من أمر أونهي وإباحة- حكمة بل حكماً بالغة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، تظهر لبعضهم، وتخفى على آخرين، ولذلك فالواجب على المسلم حقاً أن يبادر إلى طاعة الله، ولا يتلكأ في ذلك حتى تتبين له الحكمة، فإن ذلك مما ينافي الإيمان الذي هو التسليم المطلق للشارع الحكيم، ولذا قال في القرآن الكريم: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما﴾.
وعلى هذا عاش سلفنا الصالح، فأعزهم الله، وفتح لهم البلاد وقلوب العباد، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، ولقد كان لأبي بكر الصديق ﵁ قصب السبق فيه، وكان مثالاً صالحاً لغيره، كما يدل على ذلك موقفه الرائع في قصة صلح الحديبية، فيما رواه سهل بن حنيف ﵁ قال:
أيها الناس! اتهموا أنفسكم، لقد كنا مع رسول الله ﵌ يوم الحديبية ولونرى قتالاً لقاتلنا-وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله ﵌ وبين المشركين-فجاء عمر بن الخطاب، فأتى رسول الله ﵌ فقال: يا رسول الله! ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار قال:
стр. 215
بلى، قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال:
«يا ابن الخطاب! إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبداً».
قال: فانطلق عمر- فلم يصبر متغيظاً-فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر؟ ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية من ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: «يا ابن الخطاب! إنه رسول الله، ولن يضيعه الله أبداً».
قال: فنزل القرآن على رسول الله ﵌ بـ (الفتح)، فأرسل إلى عمر، فأقرأه إياه، فقال: يا رسول الله؟ أوفتحٌ هو؟ قال: «نعم»، فطابت نفسه ورجع.
أخرجه البخاري (٣١٨٢ - فتح) ومسلم (٥/ ١٧٥ - ١٧٦) والسياق له، وأحمد (٣/ ٤٨٦)، وفي رواية لهما عنه:
«أيها الناس اتهموا رأيكم .. » وهي لسعيد بن منصور (٣/ ٢/٣٧٤) وابن أبي شيبة (١٥/ ٢٩٩).
قال الحافظ (١٣/ ٢٨٨): «كأنه قال: اتهموا الرأي إذا خالف السنة، كما وقع لنا حيث أمرنا رسول الله ﵌ بالتحلل، فأحببنا الاستمرار على الإحرام وأردنا القتال لنكمل نسكنا، ونقهر عدونا، وخفي علينا ما ظهر للنبي ﵌ مما حدث عقباه».
وأروع مثال مر بي في سيرة أصحابه ﵌ الدالة على إيثارهم طاعته، ولو كان ذلك مخالفاً لهواهم ومصلحتهم الشخصية قول ظهير بن رافع قال: «نهانا رسول الله ﵌ عن أمر كان لنا نافعاً، وطواعية لله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحاقل بالأرض فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمى».
стр. 216
رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في «الإرواء» (٥/ ٢٩٩).
لقد ذكرتني هذه الطواعية، بتلك المطاوعة التي تعجب منها مؤمنوا الجن حينما أتوا النبي ﵌ يستمعون إلى قراءته في صلاة الفجر المشار إليها في أول سورة الجن: ﴿قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجباً، يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً﴾، فرأوا أصحابه ﷺ يصلون بصلاته؛ يركعون بركوعه، ويسجدون بسجوده، قال ابن عباس ﵄:
«عجبوا من طواعية أصحابه له».
رواه أحمد (١/ ٢٧٠) وغيره بسند صحيح.
والمقصود أن هذه الطواعية يجب أن تكون متحققة في كل مسلم ظاهراً وباطناً، سواءً كانت موافقة لهواه أو مخالفة.
(تحريم آلات الطرب (١٣٧ - ١٣٩ - ٠٠)
стр. 217
رأي الشيخ في كتاب السلفية للبوطي
مداخلة: يقول السائل: رأيك في كتاب البوطي السلفية؟
الشيخ: أنا الحقيقة ما قرأت هذا الكتاب؛ لأني أعرف الرجل معرفة شخصية ولنا معه لقاءات ومناقشات، فالرجل أولاً يعني إذا أحسنا الظن به، قلنا إنه لا يفقه الدعوة السلفية ما هي، وإن أسأنا الظن به وواقعه الآن مع جلساته التي تعلن في التلفاز السورية يؤكد أنه يعرف الدعوة السلفية ويحاربها؛ لأنه الآن يدافع عن نظام حافظ الأسد، بل ويزعم أن الإسلام في سوريا هو خير من كل البلاد الإسلامية الأخرى، فهذا رأيي في الرجل.
(الهدى والنور /٦٣٣/ ١٤: ٣٢: ٠٠)
стр. 218
الكلام على أهمية إضافة قيد فهم
السلف إلى جانب الكتاب والسنة
стр. 219
أهمية إضافة قيد فهم السلف
للكتاب والسنة
الشيخ: قبل أن نقدم إليكم ما ييسر الله لي من ارتجال كلمة حول الدعوة التي بعث الله ﵎ بها محمداً صلى الله عليه وآله سلم أرى لزاماً علي أن أذكر بأدب من آداب المجالس العلمية التي أخل بها جماهير الناس وفيهم بعض طلبة العلم.
فإننا نجد في كثير من المجالس تعقد حلقة علمية واسعة كما كان الأمر حينما دخلنا في هذا المكان المبارك إن شاء الله تعالى، حيث كان المفروض أن الناس يجلسون على أطراف هذا المكان الوسيع، لا بأس من الجلوس مثل هذه الجلسة في غير الجلسة العلمية، أما الجلسة العلمية فأدبها الانضمام والتجمع والتكتل لكي لا يكون المسلمون المجتمعون لطلب العلم بعيدين بأجسامهم بعضهم عن بعض؛ لأن الظاهر عنوان الباطن كما جاء في أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وآله سلم.
من هذه الأحاديث التي تتعلق بأدب الجلوس في طلب العلم أن النبي ﵌ دخل يوماً مسجده ورأى الناس متفرقين حلقات حلقات، فقال لهم: «ما لي أراكم عزين» أي: متفرقين. والحديث هذا في صحيح الإمام مسلم.
فلفت النبي صلى الله عليه وآله سلم نظر الجالسين في المسجد النبوي يومئذ أن لا تتعدد حلقاتهم وأن يوحدوا الحلقة العلمية، وأن يجتمع بعضهم إلى بعض،
стр. 220
بل ..
لقد اهتم النبي صلى الله عليه وآله سلم بتجميع الناس وحذرهم من أن يتفرقوا في أجسامهم وأجسادهم حتى ولو كانوا في العراء أو الصحراء، فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله تعالى عنه قال: «كنا إذا سافرنا مع النبي صلى الله عليه وآله سلم تفرقنا في الشعاب والوديان، فقال لنا يوماً: إنما تفرقكم هذا من عمل الشيطان» ليسوا في جلسة علمية، وإنما في سفرة في البرية، كانوا يتفرقون كل ينتحي ناحية من أشجار ظليلة أوواد رطب أونحوذلك، فأنكر ﵊ ذلك التفرق، وقال: «إنما تفرقكم هذا من عمل الشيطان».
قال أبو ثعلبة رضي الله تعالى عنه: فكنا بعد ذلك إذا نزلنا وادياً اجتمعنا، حتى لو جلسنا على بساط لوسعنا.
استجابوا لله وللرسول حينما دعاهم، فكانوا لا يتفرقون في منازلهم وهم قوم سفر، مسافرون، كانوا يجتمعون، ما السر في اهتمام النبي صلى الله عليه وآله سلم في تجميع الناس، وأن لا يسمح لهم أن يتفرقوا في أبدانهم حتى في الصحراء، ما هو السر؟
سبق مني آنفاً الإشارة إلى ذلك ولكن الإشارة في كثير من الأحيان لا تغني عن صريح العبارة، بل صريح العبارة تحتاج أحياناً إلى البيان والشرح والتوضيح، فلا بد لي من شيء من هذا.
قلت آنفاً: لأن الظاهر عنوان الباطن، أي: أن المسلمين إذا تفرقوا في ظواهرهم، كان ذلك سبباً ومدعاة لأن يتفرقوا في قلوبهم، وهذا ما كان النبي صلى الله عليه وآله سلم يصرح به حينما كان يقوم إلى الصلاة، ولا يدخل فيها إلا
стр. 221
بعد أن يأمر بتسوية الصفوف كما هو معلوم لدى الجميع، ولكن القليل من الناس الذين يعلمون أولاً ماذا كان النبي صلى الله عليه وآله سلم يقول للناس حينما يأمرهم بتسوية الصفوف، كان يقول ﵊: «لتُسوونَّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم».
وهذا الحديث مع الأسف الشديد من سنة النبي صلى الله عليه وآله سلم العملية من ناحية والقولية من ناحية أخرى، ذلك لأنه كان يُسَوِّي الصفوف ويحضهم على الاعتناء بالتسوية، ويحذرهم من المخالفة، وينبؤهم بأن هذه المخالفة تكون سبباً للتفريق بين قلوبهم، «لتُسوونَّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم».
نحن نرى اليوم أن أكثر أئمة المساجد لا أستثني منهم أئمة المسجد الحرام والمسجد النبوي فضلاً عن غيرها من المساجد، كلهم قد أخلوا بالاهتمام بتسوية الصفوف، وتحذير الناس من المخالفة في تسويتها، فلا تكاد تسمع منهم أحسنهم من يقول: استووا يميناً ويساراً، وانتهى الأمر.
أما النبي صلى الله عليه وآله سلم، أما أصحابه الخلفاء الراشدين من بعده، فقد كانوا يهتمون اهتماماً بالغاً جداً جداً، فلا يكبر أحدهم تكبيرة الإحرام إلا بعد أن يطمئن أن الناس استجابوا للأمر بتسوية الصفوف من جهة، وأن النبي صلى الله عليه وآله سلم وكذلك أصحابه من بعده كانوا لا يكتفون فقط بكلمة: استووا .. استووا، ولا أن يقول فقط لهذا تقدم ولهذا تأخر، وإنما كان يقدم ﵇ وأصحابه الكرام بين يدي ذلك المرغبات والمنشطات لأن يستجيب الناس لدعوة الرسول ﵇ في تسوية الصف، بالإضافة إلى الحديث السابق: «لتُسوونَّ صفوفكم» كان يقول عليه الصلاة السلام: «سووا صفوفكم؛
стр. 222
فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة» وفي رواية: «من حسن الصلاة». والروايتان صحيحتان.
وأمره صلى الله عليه وآله سلم للشيء يقتضي أن هذا الشيء واجب تطبيقه وتنفيذه؛ لأن الله قال في حق نبيه ﵇: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَويُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
لهذا ينبغي الاهتمام بأن يستوي الناس في الصلاة وأن يتقاربوا في المجلس العلمي خارج الصلاة استجابة لأمر النبي صلى الله عليه وآله سلم، وفي بعض هذه الأوامر تعليل ذلك؛ لأن إصلاح الظواهر سبب شرعي في إصلاح البواطن.
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله سلم هذا المعنى أيضاً في بعض الأحاديث الصحيحة التي لا بد أنكم كثيراً ما سمعتموها، ولكني أعتقد أن القليل من العلماء من يُذَكِّركم بالحكمة التي جاء ذكرها أوالإشارة إليها في الحديث الذي سمعتموه دائماً، ألا وهوقوله صلى الله عليه وآله سلم: «إن الحلال بين، والحرام بَيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا -وهنا الشاهد- وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».
فإذاً: صلاح القلب فيه صلاح البدن، وهذه من أسرار الشريعة التي نَبَّه عليها النبي ﵌ في هذا الحديث؛ لأنه يشير في هذا الحديث وفي الأحاديث الأخرى أن
стр. 223
ظاهر الجسد مرتبط بباطنه ألا وهو القلب، والقلب أيضاً مرتبط بظاهر البدن، فكأن هناك حركة دائمة مستمرة تشبه ما كنا ولا نزال نسمعه، وأنهم يحاولون أن يصلوا إلى اكتشاف ما يسمونه بالحركة الدائمة، الحركة الدائمة أوجدها الله ﵎ في هذا الإنسان الذي صوره وأحسن صوره، تلك الحركة هي إذا أصلحت قلبك لزم منه صلاح بدنك، وإذا أصلحت جسدك لزم منه صلاح قلبك.
فإذاً: لا يقولَنَّ أحدٌ كما نسمع ذلك في كثير من الأحيان من بعض الشباب الذين لم يربوا تربية إسلامية، وأخلُّوا بكثير من الأركان الشرعية كالصلاة مثلاً، إذا قيل لهم: يا أخي لِمَ لا تصلي؟ يقول لك: العبرة بما في القلب، كأنه يقول أوكأنه يتصور أنه من الممكن أن يكون القلب صالحاً وصحيحاً وسليماً، أما الجسد فلا يتجاوب مع الأحكام الشرعية، هذا أمر باطل تمام البطلان.
فلا بد أن نلاحظ هذه الحقيقة ألا وهي ارتباط الظاهر بالباطن، وأن صلاح أحدهما لا يعني إلا صلاح الآخر، وأن فساد أحدهما لا يعني إلا فساد الآخر.
إذاً: من هنا نفهم لماذا كان النبي صلى الله عليه وآله سلم يأمر الناس بأن يجتمعوا وأن يتضاموا في مجلس العلم لأن هذا التضام الظاهري البدني يؤثر في تضام القلوب والتحابب الذي لا بد أن يكون متحققاً في قلب كل مسلم كما جاء في كثير من الأحاديث من الحض على الحب في الله والتزاور في الله مما هومعلوم لديكم، والقصد أنني أردت الإشارة إلى هذه السنة التي ينبغي على طلاب العلم أن لا يكبروا الحلقة العلمية، وإنما أن يصغروا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فيكون بعضهم قريباً إلى بعض، ويكونوا جميعاً قريبين أيضاً من هذا الشخص الذي يتولى تعليمهم وتوجيههم إلى ما ينفعهم في دنياهم وفي آخرتهم.
стр. 224
بعد هذه الكلمة أريد أن أُذَكِّر كما قال تعالى: ﴿الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، كل مسلم يعلم أن الإسلام بُنِي على أصلين لا ثالث لهما ألا وهوكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله سلم، هذه حقيقة لا يختلف فيها اثنان ولا ينتطح فيها عنزان كما كانوا يقولون في قديم الزمان، وحينئذ إذا كانت هذه حقيقة يعرفها كل مسلم، فلماذا اختلف المسلمون قديماً وحديثاً، وكلهم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ولا يتم إيمان مسلم إلا بهاتين الشهادتين، بالكلمة الطيبة: لا إله إلا الله، وبالشهادة للنبي صلى الله عليه وآله سلم بالنبوة والرسالة، ولكن هل يكفي لينجو المسلم في الدنيا قبل الآخرة أن يقول هذه الكلمة الطيبة والشهادة الثانية بلسانه ولما يفقه بعد ما معنى لا إله إلا الله، وما لوازمها، ولا يدري أيضاً ما لوازم قوله: وأشهد أن محمداً رسول الله.
يجب أن نقف عند هذه النقطة، وأُكَرِّر التنبيه: كل المسلمين يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإن فرض أن أحداً يأبى فهو ليس من الإسلام بسبيل، وإذ الأمر كذلك، فما هو السبب في ما وقع قديماً ولا يزال يقع حديثاً من الاختلاف الذي أخبر الله عنه إخباراً مجملاً وفصَّله النبي ﵌ في بعض أحاديثه تفصيلاً، قال تعالى: ﴿وَلَو شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩]، خبر الله لا يمكن أن يتأخر، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢].
هذا خبر من الله في كتابه مجمل: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩].
تفصيل هذه الآية الكريمة في الحديث الذي أيضاً لا بد أنكم سمعتموه أو
стр. 225
قرأتموه كثيراً وكثيراً، ألا وهو قوله عليه الصلاة السلام: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقه، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة».
إذاً: هذا الحديث يفصل قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.
قال: ستتخلفون إلى ثلاث وسبعين فرقة.
ثم بين ﵊ ما أشار ربنا بالاستثناء في الآية السابقة: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) من هؤلاء المرحومين؟
قال في تمام الحديث: «كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله! قال: هي الجماعة». وفي الرواية الأخرى وهي مفسرة ومبينة للرواية الأولى، قال: الفرقة الناجية هي التي تكون «على ما أنا عليه وأصحابي».
إذاً: قد أعطانا رسول الله صلى الله عليه وآله سلم صفة الفرقة الناجية التي هي واحدة من ثلاث وسبعين فرقة، ومعنى هذا أن المسلم لا ينبغي أن يكتفي بأن يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله؛ لأن هذه الأمة التي ستقول هذه الكلمة الطيبة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة.
فإذاً: على المسلم أن يكون حريصاً كل الحرص أن يعرف صفة هذه الفرقة عقيدتها، أن يعرف عقيدتها، أن يعرف فقهها، أن يعرف سلوكها، تعاملها بعضها مع بعض، تعاملها مع خصومها، مع أعداءها .. وهكذا.
من أين يمكن للمسلم أن يصل إلى معرفة هذه الأمور المتعلقة بالفرقة الناجية، هذه هي النقطة التي أريد أن أدندن حولها، وأن أفصل الكلام فيها بعض التفصيل؛ لذلك لأننا قلنا لا خلاف بين المسلمين أن الإسلام لا إله إلا الله، ولكن
стр. 226
الواقع يشهد أن أقل المسلمين هم الذين يحرصون ليعرفوا أنفسهم هل هم من الفرقة الناجية أم لا؟
كيف يمكن معرفة الفرقة الناجية؟
لعلنا نعلم جميعاً، بعضنا يعلم يقيناً، لكن لعلنا جميعاً نحن الحاضرين نعلم الآية التالية، قال تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وآله سلم: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، ﴿الذِّكْرَ﴾ أي: القرآن الكريم، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
الآية الأولى يقول ربنا فيها: وأنزلنا إليك يا محمد هذا الذكر القرآن لتتلوه فقط على الناس؟ لا بد من أن يتلوه ولولم يتله ﵇ ما عرفنا ولا وصل إلينا، ولكن هل واجبه ﵊ قاصر على أن يتلوالقرآن فقط على الناس، وأن يتعلموه منه كما وقع، أم هناك واجب آخر أمره ربنا بأن يقوم به؟
الجواب: نعم، حيث قال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ففي هذه الآية ما يمكن الإشارة إليه بكلمتين اثنتين، أو بلفظين، الأول: في هذه الآية مبين ألا وهو القرآن، وفي هذه الآية مبين، ألا وهو الرسول ﵊.
فالقرآن المبيَّن هو كلام الله، وكلام الرسول صلى الله عليه وآله سلم المبيَّن هو حديثه وهو سنته.
إذاً: لا سبيل لكي نكون على معرفة بما كانت عليه الفرقة الناجية إلا باللجوء إلى سنة النبي صلى الله عليه وآله سلم، وهذه أيضاً حقيقة لا يختلف فيها أحد من المسلمين إطلاقاً، أي أن القرآن تولى الرسول ﵇ بيانه، ومن أوضح
стр. 227
الأمثلة على ذلك أننا نصلي في كل يوم خمس صلوات، لا نجد في القرآن الكريم خمس صلوات ..
لا نجد في القرآن الكريم تفاصيل الركعات، الصبح ركعتان، الظهر العصر والعشاء أربع، والمغرب امتازت عن كل هذه الصلوات بأنها ثلاث ركعات، من أين عرفنا هذه التفاصيل؟ من المبين وهو ﵌.
بيانه إذاً في سنته ﵌، سنته كما يذكر علماء الحديث تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
قوله ﵌، وفعله، وتقريره.
قوله ﵌ معلوم كل ما جرى على لسانه ﵊ مما يتعلق بذلك البيان: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فهذا هوقوله كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أنه كان في مجلس فيه خليط من المشركين وكان ابن عمر هذا رضي الله تعالى عنه من بين كل الصحابة أحرصهم على الكتابة، أن يكتب ما يسمع من النبي ﵌ حرصاً منه على حفظه، فأورد المشركون في ذلك المجلس عليه إشكالاً، قالوا له: أنت تكتب عن رسول الله ﵌ ما يتكلم به في حالة الرضا والغضب، كأنهم يقولون: معقول أن تكتب ما يتكلم به في حالة الرضا، أما وأن تكتب أيضاً ما يقوله في هذا الغضب، أنكروا عليه هذا الحرص الشديد على الكتابة، كأنه دخل في نفسه شبهة، فسارع إلى النبي ﵌ وذكر له ما قال له المشركون وما كان منه عليه الصلاة السلام إلا أن رفع إصبعه إلى فمه وقال له: «اكتب فوالذي نفس محمد بيده! لا يخرج منه إلا حق»، هذا من السنة قوله ﵌.
القسم الثاني فعله، فكل ما فعله ﵌ ففيه الهدى والنور على تفصيل لا مجال الآن لذكره، يأتي القسم الثالث ما رآه ﵇ فعلاً من غيره ثم سكت عنه
стр. 228
وأقره، فهذا دخل في السنة التي ينبغي نحن أن نتمسك بها لا نفرق بين قوله وبين فعله وبين تقريره.
يأتي هنا بعد هذا البيان للسنة بيان لشيء جاء ذكره في حديث الفرقة الناجية ..
الآن الوضع طبيعي والحمد لله الجو طيب.
قال ﵇ وأرجو أن تتذكروا معي قوله لما سؤل عن الفرقة الناجية، قال: «ما أنا عليه وأصحابي» لم يقتصر على قوله: «ما أنا عليه» أي: ما هوعليه من السنة القولية والفعلية والتقريرية، أضاف إلى ذلك: «وأصحابي».
إذاً: لا نستطيع أن نغض الطرف عن ما كان عليه أصحاب النبي ﵌ لماذا؟
إذا تأملتم في القسم الثالث من سنته ﵇ وهو أن يرى غيره يعمل عملاً ويأتي فعلاً ثم يقره، صار هذا الشيء من السنة، من الذي كان يعمل هذا العمل، هو غيره ﵇، هو أصحابه.
إذاً: لا يستطيع المسلم أن يعيش حياة إسلامية صحيحة إلا بأن يعرف سنة النبي ﵌، ويعرف ما كان عليه أصحابه.
ومن هنا تعرفون معي أهمية ما جاء في حديث العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه الذي قال فيه: «وعظنا رسول الله ﵌ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! أوصنا؟ قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن ولي عليكم عبد حبشي؛ فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً».
اربطوا الآن بين هذا القول وبين الآية السابقة: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩].
стр. 229
قال ﵇: «فإنه من يعش منكم فسرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بستني» ثم عطف عليها وقال: «وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».
وفي الحديث الآخر: «وكل ضلالة في النار».
هكذا تجدون الأحاديث تتجاوب بعضها مع بعض ويأخذ بعضها برقاب بعض، وكلها ومجموعها يلفت نظرنا إلى أن من يريد حقاً أن يكون من الفرقة الناجية، فعليه أن يعرف ليس فقط سنة الرسول ﵇، بل وما كان عليه أصحابه الكرام.
هذه النقطة الأخيرة أكثر المسلمين اليوم عنها غافلون، كلهم يقولون: سنة رسول الله ﵌، وكلهم يدعون إلى اتباع سنة رسول الله ﵌ وإن كانوا يختلفون في تطبيق هذه السنة؛ لأنهم يختلفون في كثرة التعرف عليها علماً أو قلة التعرف عليها، ولكن كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، أكثرهم لا ينتبهون إلى ما جاء في حديث الفرقة الناجية، وفي حديث العرباض بن سارية من الأمر أيضاً بشيء آخر إضافة على سنة النبي ﵌ وهي سنة الصحابة، وبخاصة الخلفاء الراشدين منهم.
هل في القرآن الكريم الذي أحصى كل شيء مما يتعلق بأصول الدين وقواعده، هل في القرآن الكريم ولو عبارة واحدة تشير إلى هذا المعنى الذي لممته وجمعته لكم من أحاديث عديدة وعديدة؟
الجواب: نعم؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
стр. 230
نلاحظ هنا ملاحظة هامة جداً جداً جداً، وهي أن الله كان بإمكانه وهو الحكيم العليم القدير أن يقول مثلاً: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً، أي: دون أن يعطف على مشاققة الرسول ﵌ قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كان الله على ذلك قديراً، فلماذا إذاً؟ ما الحكمة من عطفه قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على: ﴿يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾؟
أظن عرفتم السر من الأحاديث التي أوردناها لكم.
﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ السر أن هؤلاء المؤمنين الأولين هم الذين نقلوا إلينا ما سمعوه من الرسول ﵇ من فمه غضاً طرياً ووجدوه مطبقاً في عهده ﵌ تطبيقاً عملياً، فهم يستطيعون أن يفهموا ما أنزل الله على نبيه من كتابه وما نطق به هونبيه ﵇ بلفظه، هم يستطيعون أن يفهموا ذلك أحسن من كل من يأتي من بعدهم، كيف لا والأمر كما قال ﵊: «الشاهد يرى ما لا يرى الغائب» (١).
خذوا مثلاً، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، اليد في اللغة تطلق ويراد الكف، وتطلق ويراد مع الكف الذراع، وتطلق ويراد بها الذراع مع العضد.
ترى! كيف بنا أن نفهم اليد في هذه الآية: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾؟
كما أن هناك في آية التيمم: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣].
стр. 231
كيف نفهم الأيدي هنا، أنفهما كما هي هناك أم بمعنى أوسع؟
إذا لم نعد إلى المُبَيِّن المشار إليه في الآية الأولى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، اختلفنا واضطربنا؛ ذلك لأن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، واليد لها هذه المعاني العديدة، لكننا حينما نعود إلى الصحابة ونجدهم ينقلون شريعة الله مطبقة من رسول الله ﵌، وفهموا هذه الشريعة فهماً صحيحاً، فلا جرم أن النبي ﵌ أثنى عليهم فقال: «خير الناس قرني»، وقال: «أكرموا أصحابي».
وقال: «أحسنوا إلى أصحابي، فوالذي نفس محمد بيده! لوأنفق أحدكم مثل جبل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». ذلك لأنهم جاهدوا في سبيل الله، وهاجروا في سبيل الله، وتركوا أوطانهم في سبيل الله، وصاحبوا رسول الله ﵌، وعرفوا شريعة الله كما قلنا عن كثب وعن قرب.
فإذاً: هم كما قال ﵇ في بعض الأحاديث: «هم القوم لا يشقى جليسهم».
فإذاً: على كل من كان يريد أن يكون من الفرقة الناجية أن لا يقنع فقط أن يعرف القرآن والسنة فقط، فهو إن قنع وإن استطاع أن يصل إلى فهم الكتاب والسنة فقط، ولو بهذا التفقيط (١) فسيخسر أن يكون من الفرقة الناجية، أن يكون على ما كان عليه أصحابه ﵊.
إذاً: يمكننا أن نلخص الآن ما مضى من الكلام مفصلاً مشروحاً لنبني على هذه الخلاصة بحثاً جديداً.
стр. 232
لا بد لكل مسلم بعد أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﵌، أن يعلم أن طريق معرفة ما كان عليه رسول الله هي السنة وهي الصحابة، وبعبارة أخرى السلف الصالح؛ لأن النبي ﵌ قال في الحديث المتواتر: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم». فلا بد من أن يتعرف المسلم على ما كان عليه أصحابه ﵌ وإلا ضل ضلالاً بعيداً من حيث أنه يحسب أن يحسن صنعاً.
الشيء الجديد الآن الذي أريد أن أتوسع فيه قليلاً هو، ما هو الطريق لمعرفة ما كان عليه رسول الله ﵌ من قول وفعل وتقرير، وما ورثه أصحابه ﵇ منه من الهدي أو الهدى والنور، ما هو الطريق؟
لو سألنا سائل ما هو الطريق لمعرفة كلام الله ، الجواب والحمد لله ميسر مذلل هو: القرآن الكريم.
ليس لدينا كتاب تعهد الله بحفظه إلا هذا القرآن الكريم كما قال في الآية السابقة الذكر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فالله تعهد بحفظ هذا الكلام الإلهي ألا وهو القرآن، لم يتعهد بحفظ التوراة ولا الإنجيل ولا صحف إبراهيم وموسى؛ ذلك لأن حكمته اقتضت أن تكون هذه الشرائع السابقة تمهيداً للشريعة الإسلامية التي لا شريعة بعدها، فكان من الحكمة البالغة أن يتعهد ربنا بحفظ هذا القرآن الكريم.
إذاً: جواب سؤال كيف الطريق إلى معرفة كلام الله؟ هوالقرآن الكريم.
ولكن السؤال المهم جداً جداً: ما هو السبيل لمعرفة سنة النبي ﵇ وما كان عليه أصحابه الكرام؟
هنا البحث المهم جداً جداً، هوما يسمى عند علماء المسلمين كافة بعلم
стр. 233
الحديث وعلم الآثار.
والله أكبر الله أكبر.
علم الحديث يتضمن علمين اثنين، أحدهما يعرف بعلم مصطلح الحديث والآخر علم الجرح والتعديل، علم مصطلح الحديث عبارة عن قواعد علمية جمعها علماء الحديث مع مرور الزمن ودوَّنوها وصنَّفوها وذلَّلوها وبيَّنوها للناس؛ حتى يتمكنوا من تمييز الصحيح من الضعيف من الحديث، فما هو هذا؟ هو العلم الثاني علم الجرح والتعديل.
علم الجرح والتعديل يدور حول معرفة تراجم الألوف المؤلفة من رواة الحديث والسنة، لعلكم جميعاً تعرفون شيئاً يعرف عند علماء الحديث بالإسناد، الإسناد هو عبارة عن سلسلة من الرجال يأخذ بعضهم عن بعض، يبدأ الصحابي ينقل عن النبي ﵌، التابعي عن الصحابي، تابعي التابعي عن التابعي، وهكذا دواليك؛ حتى دُوِّنت هذه الأحاديث بهذه الأسانيد في كتب السنة المعروفة والتي عددها ما شاء الله يجاوز الألوف المؤلفة، لكن أشهرها هي الكتب الستة وهي المتداولة اليوم على أيدي علماء السنة.
هذا الإسناد مركب من رجال، هؤلاء الرجال يُعَدُّوا كما قلنا الألوف المؤلفة، كل رجل منهم له ترجمة في كتب الجرح والتعديل يبينون متى كان هذا الراوي، ومتى ولد، ومتى عاش، ومن هم شيوخه، ومن هم تلامذته الآخذون عنه .. وهكذا. يضاف إلى ذلك هل هو ثقة، هل هو عدل، هل هو فاسق، هل هو حافظ، هل هو سيء الحفظ، كل هذه الأوصاف وغيرها أيضاً مذكورة في هذا العلم علم الجرح والتعديل، وكلكم في ظني يعرف بأن الأحاديث الموجودة في بطون الكتب والمتداولة على ألسنة الناس فيها ما صح وفيها ما لم يصح.
стр. 234
إذاً: إذا أردنا أن نعرف ما كان عليه ﵌ وما كان عليه أصحابه الكرام فلا مناص من التعرف على هذين العلمين، ودراستهما دراسة واسعة جداً مصطلح الحديث والجرح والتعديل، فمن جمع بين هذين العلمين يتمكن من تمييز الصحيح من الضعيف، فأين نحن اليوم من هذا العلم الذي يمكننا من معرفة الصحيح من الضعيف، هذه المعرفة هي التي تربطنا بالفرقة الناجية، وإلا سنكون بعيدين بعداً بعيداً كثيراً أو قليلاً على حسب العلم والجهل بهذا العلم الحديث وعلم الجرح والتعديل.
إذا عرفتم هذه الحقيقة فالخلاف الذي وقع قديماً بين الفرق الإسلامية والذي لا يزال مستمراً إلى هذا اليوم من أعظم أسبابه هو انصراف لا أقول عامة المسلمين، بل أقول انصراف خاصة المسلمين عن دراسة هذا العلم وعن إشاعته، وعن تقديم ثمراته إلى كافة المسلمين ليكونوا كما قال رب العالمين في القرآن الكريم: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨].
فإذاً: من أسباب الخلاف المستمر هو الابتعاد عن دراسة هذا العلم باختصار علم الحديث، هناك سبب آخر كان هذا قديماً، كان قبل أن يتوفر لجمع السنة علماء سخرهم الله لخدمة الإسلام بخدمة سنة النبي ﵊، أما اليوم فهذا السبب قد زال وبقي سبب إهمال دراسة هذا العلم، أما السبب الذي قد زال فيجب أن تعرفوه؛ لأنه يترتب من وراء ذلك أن تعرفوا سبب اختلاف علماء المسلمين قديماً حتى اليوم في بعض المسائل الفقهية.
أنتم تعلمون جميعاً إن شاء الله بأن النبي ﵌ كان له أحوال حينما يتكلم، تارة يتكلم في المسجد، وعلى حسب عدد الناس الموجودين في المسجد يكون
стр. 235
الحافظون لحديثه، تارة يكون هناك في المسجد بعض الأصحاب فيتحدث فيحفظون منه، أما الأصحاب الآخرون فهم ما يعلمون ما تحدث به ﵌ في ذلك المجلس الذي لم يكن حوله إلا أفراد قليلون، كذلك كان يسافر فمن كان معه من المسافرين أخذوا منه من العلم ما فات المقيمين في المدينة أوفي مكة أو .. إلى آخره، وهكذا الصور تتعدد وباستطاعة كل واحد منكم أن يتفنن في تعدادها وفي استحضارها بذهنه.
من ذلك مثلاً أنه كان يعيش في داره مع أهله مع أزواجه مع أحفاده، فكان يجري بينه ﵇ وبين أهله من الكلام الذي هو حديث لا يعلمه أصحابه إطلاقاً، الذين هم خارج الدار ليس لهم علم إنما أهله ونسائه هم الذين يعلمون ما جرى في الدار.
فإذاً: لا نستطيع أن نتصور فرداً من أفراد الصحابة أحاط علماً بكل أحاديث الرسول ﵇، هذا أمر مستحيل؛ لأنه لا يمكن أن يكون فرد هوظل الرسول ﵇ حيثما ذهب، حيثما حضر، حيثما جلس، حيثما سافر يكون معه، هذا أمر مستحيل.
والمقصود من هذا الكلام كله وهو بدهي جداً أن سنة النبي ﵌ وقد عرفنا أنها قوله وفعله وتقريره كانت متفرقة بين أصحابه، فهل وجد شخص في ذلك الزمان يستطيع أن يتصل مع كل فرد من أفراد الرسول ﵇ ويجمع منهم ما سمعوه وما شاهدوه منه ﵇.
هذا تصوره يغنيكم عن أن تقولوا هذا أمر مستحيل، وبخاصة إذا تذكرتم الفتوحات الإسلامية التي اقتضت أن أصحاب النبي ﵌ يتفرقون في البلاد، فالذين كانوا في مكة، كانوا في المدينة، كانوا في الطائف، كانوا في اليمن، شرقوا
стр. 236
وغربوا وتفرقوا في البلاد في سبيل إعلاء كلمة الله ، وكما تعلمون ما شاء الله الفتوحات الإسلامية وصلت شرقاً إلى الصين وغرباً إلى إسبانيا التي كانت تعرف يومئذ بالأندلس، هل كان يمكن يومئذ لشخص أن يلحق بهؤلاء الصحابة الذين تفرقوا في البلاد في سبيل الجهاد، هذا أمر أيضاً مستحيل، ولكن بدأت نواة كمحاولة أولى لجمع ما عند بعض هؤلاء الأفراد من بعض التابعين، كانوا وقد حرصوا على أن يتصلوا ببعض الصحابة والذي استن لهؤلاء التابعين سنة الجمع من مختلف الصحابة على ما تيسر له هو أبوهريرة ﵁، أبو هريرة هو الحافظ الذي يمكن أن يستحق هذا اللفظ من بين أصحاب الرسول ﵊ مع أنه ما أسلم إلا قبل وفاته ﵇ بنحو سنتين ونصف، مع ذلك كان أكثر أصحاب النبي ﵌ حديثاً لماذا؟
هو يحدثنا عن نفسه، يقول: كنت أقنع بشبع بطني بلقيمات ثم بعد ذلك أجلس مع رسول الله ﵌ وآخذ الحديث منه، هذا سبب.
ويضيف إلى ذلك بأن أصحابه ﵇ كانوا مشغولين بالصفق في الأسواق، مشغولين بالتجارة؛ لكن هم الذين مدحهم رب العالمين بقوله: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ﴾ [النور: ٣٧]، لكن أبو هريرة تفرد عنهم بأنه كان زاهداً وكان يكتفي بلقيمات ثم سائر الوقت مع الرسول عليه الصلاة السلام وكأنه عرف أنه تأخر إسلامه، فأراد أن يعوض إسلامه ما فاته من الصحبة الطويلة التي حضي بها أمثال أبي بكر وعمر والسابقون الأولون من الصحابة، ولذلك أعرض عن الدنيا كلها وأقبل على رسول الله ﵌.
الشيء الثاني مما جعله حافظ الصحابة أن النبي ﵌ قال ذات يوم: «من يبسط ثوبه ثم يحفظ كل ما يسمعه مني»؟ فكان السابق إلى ذلك أبو هريرة، فبسط ثوبه
стр. 237
ثم طواه قال أبو هريرة: فما نسيت بعد ذلك شيئاً سمعته من النبي ﵌. هذا السبب الثاني.
والسبب الثالث وهو الشاهد، ما كان يقنع بأن يسمع من الرسول ﵌ فقط، كان يروح عند الصحابة أبو بكر وعمر وغيره .. وغيره، ويلتقط منه ما كان حفظه من رسول الله ﵌.
فإذاً: هو الذي سَنَّ للتابعين ولمن بعدهم جمع الأحاديث من مختلف الرواة، ولذلك يلاحظ الدارس لحديث أبي هريرة أنه يجد أحاديثه تنقسم إلى قسمين، في بعضها يقول سمعت رسول الله ﵌، في أكثرها يقول: قال رسول الله ﵌، وهذا من دقته وأمانته فيما كان سمعه منه ﵇ يقول: سمعت رسول الله يقول، وفيما سمعه من غيره، ما يقول: سمعت من رسول الله ﵌، وإنما يقول قال رسول الله ﵌؛ والسبب هوأنه تأخر إسلامه وما سمعه من الرسول ﵌ كان قليلاً، فأراد أن يستدرك ما فاته أن يتصل مع أصحابه القدامى فجمع منه فكان بهذه الأسباب الثلاثة أكثر أصحاب الرسول ﵇ حديثاً، ولذلك الآن المشتغلون بعلم الحديث وبكتب الحديث يجدون أحاديث أبي هريرة في كل كتاب من كتب السنة لها السبق الأعلى في العدد وفي الكمية، خذوا مثلاً مثالاً واضحاً جداً مسند الإمام أحمد ستة مجلدات، المجلد الثاني منه نصفه هولأبي هريرة، من ستة مجلدات فيها أحاديث الصحابة كلهم، هذا الذي الإمام أحمد استطاع بالطريقة التي أشرت إليها الاتصال مع الناس وجمع الأحاديث، فكان مسند أبي هريرة في مسند الإمام أحمد أخذ نصف المجلد الثاني أي: واحد من اثنا عشر.
فبارك الله لأبي هريرة بهذه الأسباب ومنها التي بها يتمكن المسلم
стр. 238
من أن يجمع أكبر كمية ممكنة من السنة، بسبب تفرق الصحابة أولاً، ثم التابعين تفرقت السنة، ولكن بدأ التابعون يجمعون من هذا الصحابي ومن هذا الصحابي فلو اقتصر على أحاديث صحابي واحد لكانت الكمية قليلة، لكنه ضم إليها أحاديث الصحابة الثاني والثالث على حسب ما يتيسر له، ثم جاء دور أتباع التابعين، فاتسعت دائرة الجمع، ثم جاء دور أتباع التابعين وفيهم الأئمة الستة، أصحاب الكتب الستة، الإمام بخاري ومسلم وأبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
فهؤلاء بسبب سفرهم إلى البلاد التي كان الصحابة الأولون افتتحوها ثم تبعهم التابعون وهكذا، بسبب هذا الانتقال توفر لكل منهم ما شاء الله من السنة الكثيرة، كان أكثرهم الأمام أحمد ﵀؛ لأنه سافر في سبيل جمع الحديث إلى أكثر بلاد الدنيا يومئذ، وقد شهد له بالحفظ الإمام الشافعي علماً أن الإمام الشافعي من شيوخ الإمام أحمد في الحديث والتفسير والفقه الإمام الشافعي من شيوخ الإمام أحمد، لكن الإمام أحمد امتاز على علماء عصره بأن تفرغ كأبي هريرة تماماً، فلم يعمل بالدنيا وزخرفها، طاف في البلاد واتصل مع رواة الحديث، فجمع الألوف المؤلفة من السنة، شهد له بذلك شيخه الإمام الشافعي، فقال له يا أحمد: أنت أعلم بالحديث مني. الشيخ يقول لتلميذه: أنت أعلم بالحديث مني، فإذا جاءك الحديث صحيحاً فأخبرني به أو أعلمني به سواء كان حجازياً أو شامياً أو مصرياً أو .. أو .. إلى آخره، يشير إلى أن الإمام أحمد طاف وسافر إلى هذه البلاد وجمع من السنة ما لم يتمكن إمامه الشافعي أن يجمع، ولذلك قال له: أنت أعلم بالحديث مني.
الشاهد من هذا الكلام كله أن من أسباب اختلاف العلماء الأربعة الأئمة
стр. 239
الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد هو هذا الذي أقول لكم، أن السنة كانت تفرقت بتفرق حملتها من الصحابة ثم التابعين، وبعد ذلك جاء دور الأئمة الأربعة هؤلاء؛ لأن أولهم كما تعلمون أبو حنيفة ﵀، وهو توفي سنة ٢٥٠ هـ فهو يعتبر من التابعين الصغار، لكنه ﵀ كان تخصص في الفقه ولم يخرج من الكوفة إلا حاجاً أو معتمراً، فكان حديثه قليلاً، جاء من بعده الإمام مالك حيث ولد الإمام مالك في السنة التي مات فيها أبو حنيفة وهو أقام في دار الهجرة المدينة المنورة، والمدينة المنورة كما هي واقعها اليوم باعتبار أنها مطروقة ومقصودة من العُمَّار والحُجَّاج، فيكون العلماء هناك كثيرون، ولذلك كان حديث مالك وهو أيضاً لم يسافر ولم يخرج لجمع الحديث، كان حديثه أكثر من أبي حنيفة، ثم جاء دور الإمام الثالث وهو الإمام الشافعي فهو أقام ﵀ في بغداد، وبغداد كانت عاصمة الخلفاء العباسيين كما تعلمون، فكانت أيضاً موئلاً وملجئاً لمختلف العلماء فحصل من العلم والسنة ما شاء الله، ثم سافر من بغداد إلى مصر ومن هنا حصل مادة جديدة من العلم وخاصة علم الحديث، ففاق الإمامين الأولين الإمام أبا حنيفة والإمام الشافعي، بسبب أنه أقام شطراً كبيراً من حياته في بغداد بالإضافة إلى أنه كان يحج ويعتمر، ثم في آخر حياته قضاها في مصر، فاجتمع له من الحديث ما لم يجتمع للإمامين الأولين.
جاء الإمام الفقيه الرابع وهوأحمد بن حنبل فلم يفق الأئمة الثلاثة فقط، بل فاق جماهير من علماء الحديث لكثرة الإحاطة بالسنة، فكان أحفظهم للسنة وأعلم من أكثر من كثير من علماء الحديث بالحديث.
لهذا السبب كان العالم مثل أبي حنيفة يُسأل عن مسألة فينظر فيما عنده من كتاب الله ومن حديث رسول الله ﵌ فيفتي على ما عنده، فإن لم يجد اجتهد،
стр. 240
والاجتهاد ضروري؛ لأن النبي ﵌ قال: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد». ولكن كما تفهمون من هذا الحديث الاجتهاد مُعَرَّض للصواب والخطأ، فقد يسأل أحد الأئمة الآخرين نفس السؤال فيجيب بجواب من ما عنده من مادة الحديث التي لم يحصل عليه الإمام الذي أفتى باجتهاد من عنده، فإذا عرفتهم هذه الحقيقة التاريخية المتعلقة بطريقة جمع الحديث زال الاضطراب من أذهانكم عن سبب اختلاف الأئمة.
والاختلاف ذكرنا آنفاً قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩].
وهم بلا شك مرحومون، فلماذا اختلفوا؟ معذورون لأنهم لم يتمكنوا يومئذ من جمع السنة.
أما اليوم فلسنا معذورين، والسبب أننا اليوم نستطيع أن نجمع جهود الأئمة الذين مضوا وقضوا حياتهم في كل العصور، نجمعها بأن نشتري ثروتهم التي لا تقدر بثمن بدراهم معدودة، وهوكتاب مسند أحمد ست مجلدات حياته العلمية ضمنها فيه، أنت ممكن أن تخصص من حياتك سنة فقط بالكثير، فتحصل على علم الإمام أحمد ما حصله بسنين وبالجهد الكبير الكثير وهوالتطواف في البلاد والسفر إليها، ولكن علة الناس اليوم هوالزهد في علم الحديث، والإعراض عن دراسة الحديث والقناعة بأن أي حديث وجدناه في أي كتاب مثلما قال ذلك البدوي: (خوش حديث)، لكن أنت تعرف أن أحاديث الرسول ﵇ فيها الصحيح وفيها الضعيف، والرسول ﵇ كان الله قد نبأه سلفاً بأن الناس سيكذبون عليه ويكذبون عليه حتى في عهده ﵇ في قيد حياته وجد من كذب عليه، فقال ﵌: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من
стр. 241
النار». كيف كان هذا؟
رجل أحب امرأة فذهب إلى أهلها يخطبها منهم، ولكي يتجاوبوا معهم ولا يردوه، قال لهم: أنا رسول رسول الله ﵌ إليكم يأمركم بأن تزوجوني فتاتكم.
استغرب الناس وولي الفتاة مثل هذا الأمر؛ لأنهم يعلمون أن النبي ﵌ كما وصفه رب العالمين: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، معقول أن الرسول ﵌ يبعث لهم أمر بأن يزوجوا فلاناً وهم لا يعرفوه، ليس معقول، لكن ممكن يكون في وحي أوشيء، إذاً: نبعث إلى رسول الله ﵌، فلما جاءوا إليه وقالوا: يا رسول الله! أنت أرسلت فلان؟ قال: لا. أدركوا الرجل؛ فإن لقيتموه فحرقوه في النار، وما أرى أنكم تدركونه، وفعلاً لما لحقوا به وجدوا آفة حية لدغته وكان موته فيها.
هذا سبب قوله ﵇: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار».
وقد قال ﵊: «إنه سيكذب علي؛ فمن كذب علي ... » إلى آخره.
وجاءت أحاديث أخرى لكي لا يغتر المسلم أن يقول: أنا ما أتعمد الكذب عليه، فيستهون رواية الحديث ونسبة الحديث إلى الرسول ﵇ دون أن يتثبت من صحته، فقال ﵊: «من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين» من حدث بحديث يظن أنه كذب على رسول الله ﵌ فهو أحد الكذابين، فلكي تعرف أن هذا الحديث مكذوب عن الرسول ﵌ أم لا؟ ما هو الطريق؟
طريق من طريقين لا ثالث لهما كالأحكام الشرعية، لكي تعرف أن هذا حلال وهذا حرام، ما هو الطريق؟
стр. 242
طريق من طريقين إما أن تطلب العلم لتصبح عالماً فتعرف من كتاب الله ومن حديث رسول الله ﵌ الحلال والحرام، وإما أن تكون من عامة الناس حينئذ يتوجه إليك قوله تعالى في القرآن الكريم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
فإما أن تكون عالماً فاستفت نفسك، وإما أن تكون غير عالم فاستفت عالمك، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون، كل علم له رجال سواء كان هذا العلم شرعياً أو كان دنيوياً، أي إنسان الآن يريد أن يبني داراً، لا يتصرف من رأسه، ولكن يأتي بالمهندس والمعماري والبناء .. وهكذا إذا أراد أن يعالج نفسه أو يعالج المريض لا يعالج هو وإنما يذهب عند الطبيب والطبيب المختص إلى آخره.
العلم الشرعي بقسميه الحديثي والفقهي أولى أن يعنى المسلمون بهذه القاعدة التي وضعها رب العالمين في الآية السابقة: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، فما هو طريق معرفة الحلال والحرام؟
قلنا إما أنت عالم فاسأل علمك، وإما لست بعالم فاسأل الفقهاء، ما هو طريق معرفة الحديث الصحيح من الضعيف؟ إن كنت عالماً فاسأل علمك، إن كنت غير عالم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
الناس اليوم لم يُعْطُوا علم الحديث حتى في هذا الجانب الأخير ما يستحقه من اهتمام، الفقه أكثرهم يهتمون بدينهم أن يعرفوا الحرام الحلال، ولذلك فالناس من هذه الزاوية لا يزالون بخير، لكن نادر جداً جداً من يهتم بمعرفة الحديث الذي يسمعه أوالحديث الذي يقرأه أن يسأل أهل العلم أن هذا الحديث صحيح أولا، مجرد أن يسمع أويقرأ يقف عند ما سمع أو قرأ، وليتذكر الوعيد
стр. 243
المُحَذِّر عن رواية الأحاديث إلا بعد تبين صحتها.
إذاً: هنا أيضاً لا بد من خلاصة بعد تلك الخلاصة.
فأقول: ليكون المسلم على السنة وعلى ما كان عليه الصحابة فلا سبيل إلى ذلك إلا بمعرفة علم الحديث، فعلم الحديث هو الذي يُعرِّفك ما كان يقوله ﵇ ويفعله وما كان يقره، وعلم الحديث هو الذي يَدُلُّك على ما كان عليه أصحابه ﵌ من الهدي، من العلم، من الأخلاق والسلوك ونحو ذلك، فأنا أنصح كل المسلمين بعامة أن يهتموا بعلم الحديث والتثبت فيما يقرؤون وما يسمعون، وأنصح خاصتهم أن يعنوا بدراسة علم الحديث حتى يذيعوا في الناس الأحاديث الصحيحة؛ لأن هذه الأحاديث الصحيحة فقط هي التي توصلهم إلى أن يعرفوا أولاً الفرقة الناجية وأن يكونوا منها ثانياً، وإلا كانوا على خطر عظيم.
وبهذا القدر كفاية لاسيما وأرى أن بعض العيون قد بدأ النعاس يداعبها، وفي تجربتي أن نفتح باب الأسئلة قد يوجد شيء من الحركة ومن اليقظة والبركة إن شاء الله، فمن كان عنده ملاحظة من كان عنده سؤال يتعلق بما سبق طرحه وبيانه من النهج العلمي الذي يجب على المسلمين خاصتهم وعامتهم أن يسلكوه، فيؤثر ويقدم السؤال المتعلق بما مضى، وإذا كان لا يوجد أي سؤال يتعلق بما مضى، فنحن نتقبل أي سؤال آخر يتعلق بالتفقه في الدين.
(الهدى والنور /٤٤٥/ ٤٦: ١٩: ٠٠)
(الهدى والنور /٤٤٥/ ٤٨: ٤٧: ٠٠)
стр. 244
باب منه
الشيخ: هذه صحوة، هذه بدء الصحوة، لكننا نريد أن نسمع شيئاً ثالثاً، ألا وهو: قال الله قال رسول الله، قال السلف الصالح.
بدون القولة الثالثة والأخيرة لا يمكن أن العالم مؤمن حقاً بما جاء في الكتاب والسنة، لا يمكنه أبداً أن يكون على هدى من ربه في تفسيره لكتاب الله ولسنة رسول الله ﵌ إلا إذا لجأ إلى تلقى ذلك عن أصحاب الرسول، وسلك سبيل المؤمنين الأولين.
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: ١١٥]. ما قال الله رأساً: ﴿مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥] وإنما عطف على مشاققة الرسول فقال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] هل قال الله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] عبثاً؟ حاشا لله .
إذن لماذا هذه الجملة؟ أليس كان يكفي أن يقول الله: ومن يشاقق الرسول نوله ما تولى؟ ولومن بعد ما تبين له الهدى؟
كان يكفي لو أردنا الاعتماد فقط على الكتاب والسنة، لكن الله لحكمة جلية ظاهرة قال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥].
و- ﵌ حينما يعظ أصحابه يلفت نظرهم، ويدندن على مسامعهم مراراً وتكراراً أن يأخذوا بسنته وسنة أصحابه، وقال ﵇ حينما وصف الفرقة الناجية إنها التي تكون على ما كان عليه الرسول فقط، وإنما عطف فقال: «ما أنا عليه
стр. 245
وأصحابي». ما أنا عليه وأصحابي، كذلك في حديث العرباض بن سارية وهومعروف ولا حاجة بي أن أوأسوقه بتمامه، وإنما الشاهد منه: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» السر في هذا: أنهم هم النقلة الأمنة الذين نقلوا لنا تطبيق النبي ﵌ لنصوص الكتاب وألفاظ أحاديثه.
خذوا مثلاً بعض الآيات القرآنية، ومن أهمها ما يتعلق ببعض الحدود الشرعية، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
السارق لغةً: لا أحد يستطيع وهو عربي أن يجهل أيش معنى السارق.
وأن أي إنسان سرق شيئا مهما كان هذا الشيء يسيراً وقليلاً جداً؛ فهو سارق.
كذلك اليد: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. أيضاً اليد معروفة، لكن السارق كما هو معروف له عدة صور: يسرق الإبرة، يسرق البيضة، يسرق الدجاجة، يسرق إلى ما لا نهاية له.
كل هذه السرقات بكل أنوعها، يقال للسارق: سارق، فهل كل سارق تقطع يده الجواب: لا.
من أين لنا من القرآن، القرآن أطلق قال: والسارق، نعم من بيان الرسول ﵇ حيث قال: «لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً» لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً. إذن من سرق ما هو أقل من ربع دينار لا يجوز قطع يده يكون بغياً وظلماً عليه إذا ما قطعت يده، هذا واضح، لكن الذي يحتاج إلى أكثر من هذا التوضيح أن الله حينما قال: ﴿اقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. نجد اليد تطلق في بعض المرات فيراد بها:
الذراع إلى المرفقين، ونجد أحياناً اليد تطلق فيراد: الكفين فقط، فيا ترى
стр. 246
حينما قال الله في هذه الآية ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ما هي اليد المقصودة هنا؟ لغةً: سواء قطعت يد السارق من عند الرسغ، أومن عند المرفق، أومن عند الكتف، كل ذلك يد نوكل من طبق نص هذا القرآن بأي وجه من هذه الوجوه الثلاثة: الكف والذراع أواليد كلها عند الكتف، لغةً: طبق النص القرآني: يد فاقطعوا أيديهما لكن هل هذا شرع؟ الجواب: لا.
من تطبيق الرسول لهذا النص القرآني، أي: حينما قطع يد السارق لم يقطعها من عند الكتف، ولا من عند المرفق، وإنما من عند الرسغ.
من أين عرفنا هذا؟ من الصحابة، من هؤلاء النقلة الأمنة، هم الذين إذن نقلوا إلينا هذا الإسلام بكل تفاصيله التي أشرنا إليها ولوبكلمة مجملة. لذلك يقول الإمام ابن قيم الجوزية ﵀ في شعره العلمي:
العلم: قال الله قال رسوله ... قال الصحبة ليس بالتمويه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهةً ... بين الرسول وبين رأى فقيه
كلا ولا جحد الصفات ونفيها ... حذراً من التعطيل والتشبيه
إذن العلم ما هو؟ قال الله، قال رسول الله، قال أصحاب رسول الله هذا الذي أردت أن أؤكد على مسامعكم ترداده دائماً مع الكتاب والسنة: الصحابة.
هذا إلى الآن قليل من الناس من ينتبه إلى هذا الضميمة التي أشار إليها ربنا في الآية السابقة: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] فسبيل المؤمنين في مثالنا الأمثلة كثيرة وكثيرة جداً في مثالنا سبيل المؤمنين: قطع يد السارق من عند الرسغ، وليس من عند المرفق، ولا من عند الكتف، من فعل خلاف هذا فقد شاقق الرسول اتبع غير سبيل المؤمنين، فالآن كان السؤال: أن بعض العلماء وهذا بحث طويل جداً، لكن ما أريد أن أضيع الجلسة في هذا البحث؛ لأننا في صدد
стр. 247
الإجابة عن بعض الأسئلة كان السؤال آنفاً: أن بعض العلماء يقولون: بأنه يجوز التوظف في البنوك الربوية، نرى هؤلاء العلماء الذين يشير إليهم السائل، أولا: قالوا: قال الله، قال رسول الله؟ دعونا من الضميمة الثالثة التي لا بد منها، هل قالوا: قال الله، قال رسول الله؟ الجواب: لا؛ لأن رسول الله ﵌ الذي تولى بيان القرآن قال خلاف ما يقول هؤلاء الذين جاء في السؤال: إنهم من العلماء. ماذا قال الله؟ قال : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] فمن يشك لا أقول: من شك من أهل العلم؟ بل ولا أقول: من يشك من طلبة العلم؟ بل هل هناك مسلم ذوعقل يشك في أن الذي يعمل موظفاً في البنك هويعين البنك على أكل أموال الناس بالباطل، وعلى أكل احرم الله؟ ما أظن أحداً يشك في هذه الحقيقة، وإلا لم يكن في قدرته أن يفهم معنى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
التعاون على الإثم غير ارتكاب الإثم مباشرة، هذه حقيقة علمية يعرفها، لا أقول: أهل العلم، بل طلاب العلم المبتدئين.
إليكم الآن من بيان الرسول عليه الصلاة السلام المتعلق بمثل هذه الآية: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
أكل الربا لا شك فيه عند أحد من المسلمين إطلاقاً أنه من الكبائر، وأن شرب الخمر أوإدمانه أنه من المحرمات، إن لم يشرب الخمر فكذلك.
ترى لولم يكن هناك التعاون على المنكر، هل استطعتم أن تجدوا مرابياً يأكل أموال الناس بطريق الربا؟ لا. هل كنتم تجدون شاربا للخمر إذا لم يكن هناك متعاونون على المنكر؟ الجواب: لا.
والدليل من السنة المبينة للقرآن: «لعن الله في الخمرة عشرة» يقول رسول الله
стр. 248
- ﵌: «لعن الله في الخمرة عشرة» فأول ما ذكر ﵊: شاربها، شاربها، ثم عطف على ذلك بقية العشرة.
قال: «ساقيها، ومستقيها، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه». كل هؤلاء لم يشربوا الخمر، لكنهم هم السبب في وجود شارب الخمر، لولم يكن مثلاً بائع العنب لم يعصرها خمراً، لم يوجد خمر في الدنيا.
إذن: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. يلعن شرعا الذي لا يشرب الخمر مادام أنه يعين شارب الخمر، أي يهيئ الأسباب ليتمكن من شرب الخمر، هذا حديث متفق عند علماء المسلمين على صحته، وقد جاء عن النبي ﵌ من طرق عديدة صحيحة.
الحديث الثاني وهوفي صلب الموضوع: «لعن الله آكل الربا، وموكله، كاتبه، وشاهديه» فهل يتصور عالم يقول: لا بأس أن يكون المسلم موظفاً في البنك المرابي، وهويكتب الربا ورسول الله يقول: «لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه»؟ هذا ليس عالماً، فد يكون عالماً من باب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣].
لا أتصور رجلاً مؤمناً بالله حقاً، وعالماً بالكتاب والسنة حقاً، مع ذلك فهويقول ويفتي بتلك الفتوى الجائرة: أنه يجوز للمسلم أن يكون موظفاً في البنك.
الآن طرحنا السؤال التالي مراراً وتكراراً وكان الجواب واحداً بالإجماع.
لا أقول الآن هؤلاء الموظفين، وأنا أقول: هؤلاء الأغبياء الذين هم ليسوا عمالاً في البنك، لكنهم أودعوا أموالهم في البنك، لوأنهم أجمعوا جميعهم على
стр. 249
أن يسحبوا رؤوس أموالهم من أكبر بنك من البنوك الربوية هذه ماذا يصيب البنك؟ بالإجماع ستقولون: الإفلاس.
إذن من الذي أوجد البنك؟ هؤلاء الذين يطعمون، هم قد يقولون نحن نودع ونضع أموالنا في البنك محافظة عليها، ولا نأكل الربا، يظنون أنهم بذلك يحسنون صنعا، كلا ثم كلا.
بدليل أنهم لوسحبوا هذه الأموال لأفلست البنوك، إذن هؤلاء الذين يودعون أموالهم في البنوك هم سبب وجود آكلى الربا، إذن صدق رسول الله ﵌ حينما قال: «لعن الله آكل الربا وموكله».
فإذا كان يلتعن شرعاً من كان خارج البنك السبب أنه هوسبب وجود هذا البنك، فالآن ننتقل إلى الصورة التي لها علاقة مباشرة بالسؤال: هؤلاء المتعاملين مع البنوك لا يزالون يودعون أموالهم في البنوك، لوفرضنا أن هؤلاء الموظفين في البنك تابوا وأنابوا إلى الله ما أقول حينما سمعوا فتوى الشيخ خلاف فتوى ذلك العالم، وإنما أقول: حينما سمعوا حديث الرسول ﵇.
أولاً: الحديث المتعلق بهم: «لعن اله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه».
ثم الحديث: «لعن في الخمرة عشرة».
سمعوا هذين الحديثين فأنابوا إلى الله وتابوا وانسحبوا، شوبيصير بالبنك؟
بيتعطل بلا شك.
إذن التعاون على المنكر نص في القرآن الكريم ومبدأ إسلامي عظيم جداً لا يجوز لمسلم أن يعين مسلماً على منكر فضلاً عن أن يعين كافراً على منكر.
стр. 250
ومن مشاكل البنوك التي تُسمَّى اليوم مع الأسف الشديد بغير اسمها: البنوك الإسلامية لوكان هناك إسلامية فرؤوس أموالها مودعة في البنوك الكافرة، في أوربا، في سويسرا، في، في .. الخ.
ولذلك فمن أي جانب أتيت للنظر في التعامل مع هذه البنوك ولو كانت عليها: اسم: بنك إسلامي، فستجده محرماً لا يجوز به ولوكان فقط يودع ماله للمحافظة عليه، وهذا في الحقيقة بحث طويل وطويل جداً، لكن حسبي الآن أنني ذَكَّرت السائل مباشرة والحاضرين بأن الذي يفتي: بأن المسلم يجوز له يكون موظفاً في البنك، والبنك يتعامل بالربا، أن هذا جهل أوتجاهل الآية القرآنية: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. ثم بعض الأحاديث النبوية التي تبين أن التعاون على المنكر منكر.
أردت أن أختم الجواب بهذا ثم خطر في بالي حديث كنت أود ألَّا أُطِيل الكلام بذكره أيضاً لولا أنني أعلم أن أكثر المسلمين أيضا غافلين، هم غافلون عن ارتباط هذا الحديث بالآية السابقة: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. هذا من جهة، ثم إنهم يخالفونه في أنفسهم أوفي ذويهم، في عائلتهم، أعني بذلك قوله ﵊: «لعن الله النامصات والمتنمصات».
المتنمصات: خلينا نقولها بالتعبير الصوري: المنتوفات، يعني المرأة تنتف مثلاً حاجبيها، لكن هي ما تستطيع أن تنتف حاجبيها، في نتافة، في نتافة، هذه التي، تنتف لها حاجبها، شوعاملة هاي؟ لولاها ما كانت المنتوفة، فأنتوعم تشوفوا أن هذا المثال مكمل أومن تمام الأمثلة الكثيرة جداً التي تفسر: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] .. «لعن الله النامصات» يعني: المزينات،