← Акыда

Акыда · id 145205

جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى

ناصر الدين الألباني

Полный текст (5 605 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

مداخلة: بلى يا شيخ. الشيخ: فإذا كان هذا الأصل بارك الله فيك موجود بيننا جميعاً حينئذ إذا وقفنا على عبارة لأحدهم نقول إنها توهم خلاف المعروف عندهم، حينئذ لا يجوز بارك الله فيك أن نتمسك بها وننقض القاعدة التي هم متفقون معنا عليها، وإنما نحاول أن نوجد توجيهاً مقبولاً معقولاً لمثل هذا الكلام الذي يمكن أن يخالف العقيدة المجمع عليها بيننا، وقد ذكرنا آنفاً وأظن أنك صرحت أيضاً أن هذا الكلام خطأ، ليس بحثنا هذا خطأ أو لا، هل هو كلام مثلاً خطابي، أو عقائدي، ليس هذا موضوعنا، موضوعنا أن هات دليل من كلامهم الصريح بأنهم يكفرون مرتكبي الكبيرة، وهذا لا يوجد بل الموجود العكس، فإذاً هذه الكلمة تفسر على ضوء تلك القاعدة، وأنا ذكرت آنفاً أنه هذا كلام قد يصدر منا نحن الذين نظن بأننا نتئد في إصدار الأحكام، قد يصدر منا شيء ولسنا هناك، وما فكرنا أن الناس سيفهمون منها خلاف ما نريد، فكل إنسان معرض للسهو في التعبير عما يستقر في قلبه وفي داخل نفسه، لكن أنا الحقيقة هذه العبارة أنا لا أفهم منها أن الرجل يخالف ما نعرفه عنه من أنه لا يكفر المسلم بارتكاب الكبيرة، وأنه يدندن أن تكفير مسلم بكبيرة هو مذهب الخوارج وهو ضدهم صراحة. إذاً: فعلنا مخرج يا أخي أنه نحمل هذا الكلام على شيء من معنى نحن نتفق عليه وهو قلناه سابقاً أنه يفهم من لسان هؤلاء الفساق أنهم يستحلون ذلك الفسق والفجور بقلوبهم، لا والله هو مخطئ هب أنه مخطئ لكن ليس

стр. 1892

مخطئ في العقيدة، مخطئ في الحكم على شخص من الناس، يعني أنت تعرف جيداً أن القاضي الشرعي الذي يحكم بما أنزل الله يحكم بقتل من قتل عمداً، لكن بناء على شهود قد يكونون شهود زور، فحكم بقتل نفس بريئة لكنه مخطئ، مخطئ، لكن مبدأه الذي أقام القتل عليه ليس خطأً. فإذاً: بارك الله فيك نحن نريد أن نمسك الأصول، لا نريد أن نمسك الفروع التي تطبق على الأصول صواباً أم خطأً، ولذلك فأنا أنصح أنه ما تجعل مثل هذه الكلمات سبب فرقة بينك وبينهم، ما دام أن الأصول أنتم متفقون عليها، ثم ما ذكرته آنفاً بالنسبة لأخينا وأقول أخونا في الغيب؛ لأنه ما أنا عرفته ولا هو عرفني وهو .. سفر الحوالي، فأنت ذكرت بأنه من جهة يفرق بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي، لكن من جهة أخرى لا يفرق بالنسبة للحاكمية لله ، أنا أظن هذه موضع يحتاج إلى إمعان النظر؛ لأنه أيضاً نحن نقول: الحاكمية لله لا تقبل القسمة، فلعله يعني هذا، أما أنه يحكم أنه كل من خالف الشرع في قضية ما في حكومة ما فهو كافر، ما أظن أن الرجل يقول هكذا، فهل أنت عندك دليل على هذا؟ مداخلة: ... يا شيخ أنا أريد أن أقول فيما يتعلق بما مضى، أنا قد ذكرت عندما سألتني هل هم يخالفون في العقيدة أم هم معنا، فقلت لكم معنا في العقيدة فيما يظهر، وإنما هم في المنهج، وأنا أظن أن العقيدة جزءاً من المنهج، لكن قلت لي في موطن، قلت لك لكن هو ظهر منهم بعض الأقوال التي نظن أنها تمس العقيدة، ليس أنهم يتبنون عقيدة الخوارج مثلاً، نعوذ بالله

стр. 1893

ولا نتهمهم بهذا، ولا أظن أن مثل سلمان وهو عاقل ومتعلم ما أظنه يتبنى مثل هذه العقيدة الباطلة الزائفة، لكن هذا الموطن أنا في وجهة نظري يا شيخ ويمكن أكون مخطئ، أنا في وجهة نظري هذا الموطن هذه عقيدة الخوارج، من أجل هذا أقول هذا الكلام خطأ، أردت أن أستدرك، الموطن الذي أسمعتكم إياه فيما يتعلق بالمستخف بالمعصية. الشيخ: يا أخي فسرنا الاستخفاف قد يكون قلبياً وقلنا بأن لسان الحال أنطق من لسان المقال. نعم. فأنت تستطيع أن تخطئه في هذه الجزئية، لكن لا تستطيع أن تخطئه في القاعدة. مداخلة: ما أخطئه في القاعدة، أنا أقول هذه الجزئية يا شيخ، هذه الجزئية وهذا الكلام هذه عقيدة عند الخوارج. الشيخ: ليست عقيدة هذه، هذا حكم. مداخلة: الذي فهمته أنا من كلامه، هو ما يحكم على رجل بذاته ... هو يقسم الناس أصناف ويقول أن هذه الفئة حكمها كذا هم خالدون مخلدون في النار، أنا أرى أن هذا خطأ لا يحكم على سلمان بأنه يتبنى عقيدة الخوارج، كيف ونحن مثل ما تفضلت يا شيخ نسمع منه ومن غيره أنهم يبتعدون عن الخوارج، وأنهم لهم مواقف، و .. إلى آخره، هذا لا شك فيه. لكن أنا إنما أردت فقط قلت معك موطن من مواطن التي نخشى أن في

стр. 1894

المستقبل يستجرهم الشيطان خصوصاً وأنهم يخالفوننا في المنهج. الشيخ: ما كان هذا الطلب يا أخي بارك الله فيك. مداخلة: أنا هذا الذي فهمته يا شيخ. الشيخ: ما كان هذا السبب بارك الله فيك، أنت لك أنت تتكلم كما تشاء لكن ليس لك أن تجيب عما لم تسأل، لك أن تتكلم كما تشاء، لكن نحن سؤالنا كان واضحاً وتكرر سمعاً، أعطنا ... (الهدى والنور /٦٠٦/ ٤٨: ٢١: ٠٠) وشريط ٦٠٧ ليس في الهدى والنور

стр. 1895

جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى

стр. 1896

حقوق الطبع محفوظة

стр. 1897

جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى صَنَعَهُ د. شادي بن محمد بن سالم آل نعمان (المجلد الخامس) [التعصب المذهبي- الحكم بغير ما انزل الله-فقه الخلاف]

стр. 1898

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1899

التعصب المذهبي

стр. 1900

رأي العلامة الألباني في التمذهب

стр. 1901

بيان خطر التعصب المذهبي ونهي أئمة المذاهب عنه وَرَدّ بعض الشبهات [قال الإمام في مقدمة كتابه: أصل صفة صلاة النبي ﵌]: ولما كان موضوع الكتاب إنما هو بيان هدي النبي ﵌ في الصلاة؛ كان من البدهي أن لا أتقيد فيه بمذهب معين؛ للسبب الذي مر ذكره، وإنما أورد فيه ما ثبت عنه ﵌ كما هو مذهب المحدثين قديماً وحديثاً-، وقد أحسن من قال: أهل الحديث هم أهل النبي وإن ... لم يصحبوا نفسه أنفاسهم صحبوا ولذلك فإن الكتاب سيكون-إن شاء الله تعالى- جامعاً لشتات ما تفرق في بطون كتب الحديث والفقه- على اختلاف المذاهب مما له علاقة بموضوعه، بينما لا يجمع ما فيه من الحق أي كتاب أو مذهب، وسيكون العامل به-إن شاء الله- ممن قد هداه الله ﴿لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]. ثم إني حين وضعت هذا المنهج لنفسي-وهو التمسك بالسنة الصحيحة-، وجريت عليه في هذا الكتاب وغيره- مما سوف ينتشر بين الناس إن شاء الله تعالى-؛ كنت على علم أنه سوف لا يُرْضِي ذلك كل الطوائف والمذاهب، بل سوف يوجه بعضهم-أو كثير منهم-ألسنة الطعن، وأقلام اللوم إلي، ولا بأس

стр. 1902

من ذلك علي؛ فإني أعلم أيضاً أن إرضاء الناس غاية لا تدرك، وأن: «من أرضى الناس بسخط الله؛ وكله الله إلى الناس»؛ كما قال رسول الله ﵌ ولله در من قال: ولست بناحٍ من مقالة طاعنٍ ... ولو كنتُ في غارٍ على جبل وعر ومن ذا الذي ينجو من الناس سالماً ... ولو غاب عنهم بين خافيتي نسرٍ فحسبي أنني معتقد أن ذلك هو الطريق الأقوم، الذي أمر الله تعالى به المؤمنين، وبينه نبينا محمد سيد المرسلين، وهو الذي سلكه السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وفيهم الأئمة الأربعة-الذين ينتمي اليوم إلى مذاهبهم جمهور المسلمين-، وكلهم متفق على وجوب التمسك بالسنة، والرجوع إليها، وترك كل قول يخالفها، مهما كان القائل عظيماً؛ فإن شأنه ﵌ أعظم، وسبيله أقوم. ولذلك فإني اقتديت بهداهم، واقتفيت آثارهم، وتبعت أوامرهم بالتمسك بالحديث؛ وإن خالف أقوالهم، ولقد كان لهذه الأوامر أكبر الأثر في نهجي هذا النهج المستقيم، وإعراضي عن التقليد الأعمى. فجزاهم الله تعالى عني خيراً. أقوال الأئمة في اتباع السنة وترك أقوالهم المخالفة لها: ومن المفيد أن نسوق هنا ما وقفنا عليه منها أو بعضها، لعل فيها عظة وذكرى لمن يقلدهم- بل يقلد من دونهم بدرجات- تقليداً أعمى، ويتمسك بمذاهبهم وأقوالهم؛ كما لو كانت نزلت من السماء، والله يقول:

стр. 1903

﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣]. ١ - أبو حنيفة ﵀: فأولهم الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت ﵀، وقد روى عنه أصحابه أقوالاً شتى، وعبارات متنوعة؛ كلها تؤدي إلى شيء واحد وهو: وجوب الأخذ بالحديث، وترك تقليد آراء الأئمة المخالفة له: ١ - «إذا صح الحديث؛ فهو مذهبي». ٢ - «لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا؛ ما لم يعلم من أين أخذناه». وفي رواية: «حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي». زاد في رواية: «فإننا بشر؛ نقول القول اليوم، ونرجع عنه غداً». وفي أخرى: «ويحك يا يعقوب! -وهو أبو يوسف- لا تكتب كل ما تسمع مني؛ فإني قد أرى الرأي اليوم، وأتركه غداً، وأرى الرأي غداً، وأتركه بعد غد». ٣ - «إذا قلتُ قولاً يخالف كتاب الله تعالى، وخبر الرسول ﵌، فاتركوا قولي». ٢ - مالك بن أنس ﵀: وأما الإمام مالك بن أنس ﵀؛ فقال: ١ - «إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي؛ فكل ما وافق الكتاب والسنة؛ فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة؛ فاتركوه».

стр. 1904

٢ - «ليس أحد-بعد النبي ﵌ إلا ويؤخذ من قوله ويترك؛ إلا النبي ﵌». ٣ - قال ابن وهب: سمعت مالكاً سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء؟ فقال: «ليس ذلك على الناس». قال: فتركته حتى خف الناس، فقلت له: عندنا في ذلك سنة. فقال: «وما هي؟ ». قلت: حدثنا الليث بن سعد وابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن المستورد بن شداد القرشي قال: رأيت رسول الله ﵌ يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه. فقال: «إن هذا الحديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة». ٣ - الشافعي ﵀: وأما الإمام الشافعي ﵀؛ فالنقول عنه في ذلك أكثر وأطيب وأتباعه أكثر عملاً بها وأسعد؛ فمنها: ١ - «ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله ﵌ وتعزب عنه، فمهما قلت من قول، أو أصلت من أصل، فيه عن رسول الله ﵌ خلاف ما قلت؛ فالقول ما قال رسول الله ﵌، وهو قولي». ٢ - «أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة عن رسول الله ﵌؛ لم يحل له أن يدعها لقول أحد».

стр. 1905

٣ - «إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﵌؛ فقولوا بسنة رسول الله ﵌، ودعوا ما قلت». وفي رواية: «فاتبعوها، ولا تلتفتوا إلى قول أحد». ٤ - «إذا صح الحديث؛ فهو مذهبي». ٥ - «أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث الصحيح؛ فأعلموني به-أي شيء يكون: كوفياً، أو بصرياً، أو شامياً-؛ حتى أذهب إليه إذا كان صحيحاً». ٦ - «كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله ﵌ عند أهل النقل بخلاف ما قلت؛ فأنا راجع عنها في حياتي، وبعد موتي». ٧ - «إذا رأيتموني أقول قولاً، وقد صح عن النبي ﵌ خلافه؛ فاعلموا أن عقلي قد ذهب». ٨ - «كل ما قلت؛ فكان عن النبي ﵌ خلاف قولي مما يصح؛ فحديث النبي أولى، فلا تقلدوني». ٩ - «كل حديث عن النبي ﵌؛ فهو قولي، وإن لم تسمعوه مني». ٤ - أحمد بن حنبل ﵀: وأما الإمام أحمد؛ فهو أكثر الأئمة جمعاً للسنة وتمسكاً بها، حتى «كان يكره وضع الكتب التي تشتمل على التفريع والرأي»؛ ولذلك قال: ١ - «لا تقلدني، ولا تقلد مالكاً، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري،

стр. 1906

وخذ من حيث أخذوا». وفي رواية: «لا تقلد دينك أحداً من هؤلاء، ما جاء عن النبي ﵌ وأصحابه، فخذ به، ثم التابعين بعد؛ الرجل فيه مخير» وقال مرة: «الاتباع: أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي ﵌ وعن أصحابه، ثم هو من بعد التابعين مخير». ٢ - «رأي الأوزاعي، ورأي مالك، ورأي أبي حنيفة؛ كله رأي، وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار». ٣ - «من رد حديث رسول الله ﵌؛ فهو على شفا هلكة». تلك هي أقوال الأئمة رضي الله تعالى عنهم في الأمر بالتمسك بالحديث، والنهي عن تقليدهم دون بصيرة، وهي من الوضوح والبيان بحيث لا تقبل جدلاً ولا تأويلاً. وعليه: فإن من تمسك بكل ما ثبت في السنة، ولو خالف بعض أقوال الأئمة؛ لا يكون مبايناً لمذهبهم، ولا خارجاً عن طريقتهم؛ بل هو متبع لهم جميعاً، ومتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وليس كذلك من ترك السنة الثابتة لمجرد مخالفتها لقولهم؛ بل هو بذلك عاص لهم، ومخالف لأقوالهم المتقدمة، والله تعالى يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى:

стр. 1907

«فالواجب على كل من بلغه أمر الرسول ﵌، وعرفه؛ أن يبينه للأمة، وينصح لهم، ويأمرهم باتباع أمره، وإن خالف ذلك رأي أي معظم قد خالف أمره في بعض الأشياء خطأ، ومن هنا رد الصحابة ومن بعدهم على كل مخالف سنة صحيحة، وربما أغلظوا في الرد، لا بغضاً له؛ بل هو محبوب عندهم معظم في نفوسهم، لكن رسول الله أحب إليهم، وأمره فوق أمر كل مخلوق، فإذا تعارض أمر الرسول وأمر غيره؛ فأمر الرسول أولى أن يقدم ويتبع، ولا يمنع من ذلك تعظيم من خالف أمره، وإن كان مغفوراً له، بل ذلك المخالف المغفور له لا يكره أن يخالف أمره؛ إذا ظهر أمر الرسول ﵌ بخلافه». قلت: كيف يكرهون ذلك؛ وقد أمروا به أتباعهم- كما مر-، وأوجبوا عليهم أن يتركوا أقوالهم المخالفة للسنة؟ ! بل إن الشافعي ﵀ أمر أصحابه أن ينسبوا السنة الصحيحة إليه، ولو لم يأخذ بها، أو أخذ بخلافها؛ ولذلك لما جمع المحقق ابن دقيق العيد ﵀ المسائل التي خالف مذهب كل واحد من الأئمة الأربعة الحديث الصحيح فيها-انفراداً، واجتماعاً- في مجلد ضخم؛ قال في أوله: «إن نسبة هذه المسائل إلى الأئمة المجتهدين حرام، وإنه يجب على الفقهاء المقلدين لهم معرفتها؛ لئلا يعزوها إليهم؛ فيكذبوا عليهم». ترك الأتباع بعض أقوال أئمتهم اتباعاً للسنة: ولذلك كله كان أتباع الأئمة ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ -

стр. 1908

١٤]. لا يأخذون بأقوال أئمتهم كلها؛ بل قد تركوا كثيراً منها لما ظهر لهم مخالفتها للسنة، حتى إن الإمامين: محمد بن الحسن، وأبا يوسف رحمهما الله قد خالفا شيخهما أبا حنيفة (في نحو ثلث المذهب)، وكتب الفروع كفيلة ببيان ذلك، ونحو هذا يقال في الإمام المزني، وغيره من أتباع الشافعي وغيره، ولو ذهبنا نضرب على ذلك الأمثلة؛ لطال بنا الكلام، ولخرجنا به عما قصدنا إليه في هذا البحث من الإيجاز؛ فلنقتصر على مثالين اثنين: ١ - قال الإمام محمد في «موطئه» (ص ١٥٨): «قال محمد: أما أبو حنيفة ﵀؛ فكان لا يرى في الاستسقاء صلاة، وأما في قولنا؛ فإن الإمام يصلي بالناس ركعتين، ثم يدعو، ويحول رداءه ... » إلخ. ٢ - وهذا عصام بن يوسف البلخي-من أصحاب الإمام محمد، ومن الملازمين للإمام أبي يوسف- «كان يفتي بخلاف قول الإمام أبي حنيفة كثيراً؛ لأنه لم يعلم الدليل، وكان يظهر له دليل غيره؛ فيفتي به»؛ ولذلك «كان يرفع يديه عند الركوع، والرفع منه»؛ كما هو في السنة المتواترة عنه ﷺ ، فلم يمنعه من العمل بها أن أئمته الثلاثة قالوا بخلافها، وذلك ما يجب أن يكون عليه كل مسلم-بشهادة الأئمة الأربعة وغيرهم؛ كما تقدم-. وخلاصة القول: إنني أرجو أن لا يبادر أحد من المقلدين إلى الطعن في مشرب هذا الكتاب، وترك الاستفادة مما فيه من السنن النبوية بدعوى مخالفتها للمذهب؛ بل أرجو أن يتذكر ما أسلفناه من أقوال الأئمة في وجوب العمل بالسنة، وترك أقوالهم المخالفة لها، وليعلم أن الطعن في هذا المشرب؛ إنما هو

стр. 1909

طعن في الإمام الذي يقلده أياً كان من الأئمة، فإنما أخذنا هذا المنهج منهم-كما سبق بيانه-، فمن أعرض عن الاهتداء بهم في هذا السبيل؛ فهو على خطر عظيم؛ لأنه يستلزم الإعراض عن السنة، وقد أمرنا عند الاختلاف بالرجوع إليها، والاعتماد عليها؛ كما قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. أسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن قال فيهم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥١ - ٥٢]. شبهات وجوابها: ذلك ما كنت كتبته منذ عشر سنوات في مقدمة هذا الكتاب، وقد ظهر لنا في هذه البرهة أنه كان لها تأثير طيب في صفوف الشباب المؤمن؛ لإرشادهم إلى وجوب العودة في دينهم وعبادتهم إلى المنبع الصافي من الإسلام: الكتاب والسنة؛ فقد ازداد فيهم-والحمد لله- العاملون بالسنة، والمتعبدون بها، حتى صاروا معروفين بذلك؛ غير أني لمست من بعضهم توقفاً عن الاندفاع إلى العمل بها، لا شكاً في وجوب ذلك-بعد ما سقنا من الآيات والأخبار عن الأئمة في الأمر بالرجوع إليها-؛ ولكن لشبهات يسمعونها من بعض المشايخ المقلدين؛ لذا رأيت أن أتعرض لذكرها، والرد عليها، لعل ذلك البعض يندفع بعد ذلك إلى العمل بالسنة مع العاملين بها؛ فيكون من الفرقة الناجية بإذن الله تعالى.

стр. 1910

١ - قال بعضهم: «لا شك أن الرجوع إلى هدي نبينا ﵌ في شؤون ديننا أمر واجب، لا سيما فيما كان منها عبادة محضة، لا مجال للرأي والاجتهاد فيها؛ لأنها توقيفية؛ كالصلاة مثلاً، ولكننا لا نكاد نسمع أحداً من المشايخ المقلدين يأمر ذلك، بل نجدهم يقرون الاختلاف، ويزعمون أنه توسعة على الأمة، ويحتجون على ذلك بحديث- طالما كروره في مثل هذه المناسبة رادين به على أنصار السنة-: «اختلاف أمتي رحمة». فيبدو لنا أن هذا الحديث يخالف المنهج الذي تدعو إليه، وألفت كتابك هذا وغيره عليه، فما قولك في هذا الحديث؟ ». والجواب من وجهين: الأول: أن الحديث لا يصح؛ بل هو باطل لا أصل له؛ قال العلامة السبكي: «لم أقف له على سند صحيح، ولا ضعيف، ولا موضوع». قلت: وإنما روي بلفظ: « ... اختلاف أصحابي لكم رحمة». و: «أصحابي كالنجوم، فبأيهم اقتديتم؛ اهتديتم». وكلاهما لا يصح: الأول: واه جداً، والآخر: موضوع. وقد حققت القول في ذلك كله في «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة» (رقم ٥٨ و ٥٩ و ٦١).

стр. 1911

الثاني: أن الحديث-مع ضعفه- مخالف للقرآن الكريم؛ فإن الآيات الواردة فيه- في النهي عن الاختلاف في الدين، والأمر بالاتفاق فيه-أشهر من أن تذكر، ولكن لا بأس من أن نسوق بعضها على سبيل المثال؛ قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]. وقال: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢]. وقال: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩]. فإذا كان من رحم ربك لا يختلفون، وإنما يختلف أهل الباطل؛ فكيف يعقل أن يكون الاختلاف رحمة؟ ! فثبت أن هذا الحديث لا يصح؛ لا سنداً ولا متناً، وحينئذٍ يتبين بوضوح أنه لا يجوز اتخاذه شبهة للتوقف عن العمل بالكتاب والسنة، الذي أمر به الأئمة. ٢ - وقال آخرون: «إذا كان الاختلاف في الدين منهياً عنه؛ فماذا تقولون في اختلاف الصحابة، والأئمة من بعدهم؟ وهل ثمة فرق بين اختلافهم، واختلاف غيرهم من المتأخرين؟ فالجواب: نعم؛ هناك فرق كبير بين الاختلافين، ويظهر ذلك في شيئين: الأول: سببه. والآخر: أثره. فأما اختلاف الصحابة؛ فإنما كان عن ضرورة واختلاف طبيعي منهم في الفهم؛ لا اختياراً منهم للخلاف، يضاف إلى ذلك أمور أخرى كانت في زمنهم، استلزمت اختلافهم، ثم زالت من بعدهم، ومثل هذا الاختلاف لا

стр. 1912

يمكن الخلاص منه كلياً، ولا يلحق أهله الذم الواردُ في الآيات السابقة، وما في معناها؛ لعدم تحقق شرط المؤاخذة، وهو القصد، أو الإصرار عليه. وأما الاختلاف القائم بين المقلدة؛ فلا عذر لهم فيه غالباً؛ فإن بعضهم قد تتبين له الحجة من الكتاب والسنة، وأنها تؤيد المذهب الآخر الذي لا يتمذهب به عادة، فيدعها لا لشيء؛ إلا لأنها خلاف مذهبه، فكأن المذهب عنده هو الأصل، أو هو الدين الذي جاء به محمد ﵌، والمذهب الآخر هو دين آخر منسوخ! وآخرون منهم على النقيض من ذلك؛ فإنهم يرون هذه المذاهب-على ما بينها من اختلاف واسع- كشرائع متعددة؛ كما صرح بذلك بعض متأخريهم: «لا حرج على المسلم أن يأخذ من أيها ما شاء، ويدع ما شاء، إذ الكل شرع»! وقد يحتج هؤلاء، وهؤلاء على بقائهم في الاختلاف بذلك الحديث الباطل: «اختلافُ أمتي رحمة» وكثيراً ما سمعناهم يستدلون به على ذلك! ويعلل بعضهم هذا الحديث، ويوجهونه بقولهم: «إن الاختلاف إنما كان رحمة؛ لأن فيه توسعة على الأمة»! ومع أن هذا التعليل مخالف لصريح الآيات المتقدمة، وفحوى كلمات الأئمة السابقة؛ فقد جاء النص عن بعضهم برده، قال ابن القاسم: «سمعت مالكاً والليث يقولان في اختلاف أصحاب رسول الله ﵌: ليس كما قال ناس: «فيه توسعة»؛ ليس كذلك، إنما هو خطأ وصواب».

стр. 1913

وقال أشهب: «سئل مالك عمن أخذ بحديث حدثه ثقة عن أصحاب رسول الله ﵌؛ أتراه من ذلك في سعة؟ فقال: لا والله! حتى يصيب الحق، ما الحق إلا واحد، قولان مختلفان يكونان صواباً جميعاً؟ ! ما الحق والصواب إلا واحد». وقال المزني صاحب الإمام الشافعي: «وقد اختلف أصحاب رسول الله ﵌؛ فخطأ بعضهم بعضاً، ونظر بعضهم في أقاويل بعض وتعقبها، ولو كان قولهم كله صواباً عندهم؛ لما فعلوا ذلك، وغضب عمر بن الخطاب من اختلاف أبي بن كعب وابن مسعود في الصلاة في الثوب الواحد؛ إذ قال أبي: إن الصلاة في الثوب الواحد حسن جميل. وقال ابن مسعود: إنما كان ذلك والثياب قليلة. فخرج عمر مغضباً، فقال: اختلف رجلان من أصحاب رسول الله ﵌ ممن ينظر إليه، ويؤخذ عنه! وقد صدق أبي، ولم يألُ ابن مسعود، ولكني لا أسمع أحداً يختلف فيه بعد مقامي هذا؛ إلا فعلت به كذا وكذا». وقال الإمام المزني أيضاً: «يقال لمن جوز الاختلاف، وزعم أن العالِمَيْن إذا اجتهدا في الحادثة؛ فقال أحدهما حلال، والآخر: حرام. أن كل واحد منهما في اجتهاده مصيب الحق:

стр. 1914

أبأصلٍ قلت هذا، أم بقياس؟ فإن قال: بأصل. قيل له: كيف يكون أصلاً، والكتاب ينفي الاختلاف؟ ! وإن قلت: بقياس. قيل: كيف تكون الأصول تنفي الخلاف، ويجوز لك أن تقيس عليها جواز الخلاف؟ ! هذا ما لا يجوزه عاقل؛ فضلاً عن عالم». فإن قال قائل: يخالف ما ذكرته عن الإمام مالك أن الحق واحد لا يتعدد ما جاء في كتاب «المدخل الفقهي» للأستاذ الزرقا (١/ ٨٩): «ولقد هم أبو جعفر المنصور، ثم الرشيد من بعده أن يختارا مذهب الإمام مالك وكتابه «الموطأ» قانوناً قضائياً للدولة العباسية، فنهاهما مالك عن ذلك وقال: «إن أصحاب رسول الله ﵌ اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان، وكل مصيب». وأقول: إن هذه القصة معروفة مشهورة عن الإمام مالك ﵀، لكن قوله في آخرها: «وكل مصيب». مما لا أعلم له أصلاً في شيء من الروايات، والمصادر التي وقفت عليها، اللهم! إلا رواية واحدة أخرجها أبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٣٣٢) بإسناد فيه المقدام بن داود، وهو: ممن أوردهم الذهبي في «الضعفاء»، ومع ذلك فإن لفظها: «وكل عند نفسه مصيب». فقوله: «عند نفسه». يدل على أن رواية «المدخل» مدخولة، وكيف لا تكون

стр. 1915

كذلك؛ وهي مخالفة لما رواه الثقات عن الإمام مالك أن الحق واحد لا يتعدد؛ كما سبق بيانه؟ ! وعلى هذا كل الأئمة من الصحابة، والتابعين، والأئمة الأربعة المجتهدين وغيرهم. قال ابن عبد البر (٢/ ٨٨): «ولو كان الصواب في وجهين متدافعين؛ ما خطأ السلف بعضهم بعضاً في اجتهادهم، وقضائهم، وفتواهم، والنظر يأبى أن يكون الشي وضده صواباً كله، ولقد أحسن من قال: إثبات ضدين معاً في حال ... أقبح ما يأتي من المحال فإن قيل: إذا ثبت أن هذه الرواية باطلة عن الإمام؛ فلماذا أبى الإمام على المنصور أن يجمع الناس على كتابه «الموطأ»، ولم يجبه إلى ذلك؟ فأقول: أحسن ما وقفت عليه من الرواية ما ذكره الحافظ ابن كثير في «شرح اختصار علوم الحديث» (ص ٣١)، وهو أن الإمام مالكاً قال: «إن الناس قد جمعوا واطلعوا على أشياء لم نطلع عليها». وذلك من تمام علمه وإنصافه؛ كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى. فثبت أن الخلاف شر كله، وليس رحمة، ولكن منه ما يؤاخذ عليه الإنسان؛ كخلاف المتعصبة للمذاهب، ومنه ما لا يؤاخذ عليه؛ كخلاف الصحابة ومن تابعهم من الأئمة؛ حشرنا الله في زمرتهم ووفقنا لاتباعهم. وخلاصته:

стр. 1916

إن الصحابة اختلفوا اضطراراً، ولكنهم كانوا ينكرون الاختلاف، ويفرون منه ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً. وأما المقلدة-فمع إمكانهم الخلاص منه، ولو في قسم كبير منه-؛ فلا يتفقون، ولا يسعون إليه؛ بل يقرونه، فشتان إذن بين الاختلافين. ذلك هو الفرق من جهة السبب. وأما الفرق من جهة الأثر؛ فهو أوضح؛ وذلك أن الصحابة ﵃-مع اختلافهم المعروف في الفروع- كانوا محافظين أشد المحافظة على مظهر الوحدة، بعيدين كل البعد عما يفرق الكلمة، ويصدع الصفوف؛ فقد كان فيهم-مثلاً- من يرى مشروعية الجهر بالبسملة، ومن يرى عدم مشروعيته، وكان فيهم من يرى استحباب رفع اليدين، ومن لا يراه، وفيهم من يرى نقض الوضوء بمس المرأة، ومن لا يراه؛ ومع ذلك؛ فقد كانوا يصلون جميعاً وراء إمام واحد، ولا يستنكف أحد منهم عن الصلاة وراء الإمام لخلاف مذهبي. وأما المقلدون؛ فاختلافهم على النقيض من ذلك تماماً؛ فقد كان من آثاره أن تفرق المسلمون في أعظم ركن بعد الشهادتين؛ ألا وهو الصلاة، فهم يأبون أن يصلوا جميعاً وراء إمام واحد، بحجة أن صلاة الإمام باطلة، أو مكروهة على الأقل بالنسبة إلى المخالف له في مذهبه، وقد سمعنا ذلك، ورأيناه كما رآه غيرنا، كيف لا؛ وقد نصت كتب بعض المذاهب المشهورة اليوم على الكراهة، أو البطلان؟ ! وكان من نتيجة ذلك أن تجد أربعة محاريب في المسجد الجامع، يصلي فيها أئمة أربعة متعاقبين، وتجد أناساً ينتظرون إمامهم

стр. 1917

بينما الإمام الآخر قائم يصلي! بل لقد وصل الخلاف إلى ما هو أشد من ذلك عند بعض المقلدين؛ مثاله منع التزاوج بين الحنفي والشافعية، ثم صدرت فتوى من بعض المشهورين عند الحنفية-وهو الملقب بـ: (مفتي الثقلين) -؛ فأجاز تزوج الحنفي بالشافعية، وعلل ذلك بقوله: «تنزيلاً لها منزلة أهل الكتاب»! ومفهوم ذلك-ومفاهيم الكتب معتبرة عندهم- أنه لا يجوز العكس، وهو تزوج الشافعي بالحنفية؛ كما لا يجوز تزوج الكتابي بالمسلمة! ! هذان مثالان من أمثلة كثيرة، توضح للعاقل الأثر السيء الذي كان نتيجة اختلاف المتأخرين وإصرارهم عليه؛ بخلاف السلف، فلم يكن له أي أثر سيء في الأمة؛ ولذلك فهم في منجاة من أن تشملهم آيات النهي عن التفرق في الدين؛ بخلاف المتأخرين. هدانا الله جميعاً إلى صراطه المستقيم. وليت أن اختلافهم المذكور انحصر ضرره فيما بينهم، ولم يتعده إلى غيرهم من أمة الدعوة، إذن؛ لهان الخطب بعض الشيء، ولكنه-ويا للأسف! - تجاوزهم إلى غيرهم من الكفار في كثير من البلاد والأقطار، فصدوهم بسبب اختلافهم عن الدخول في دين الله أفواجاً! جاء في كتاب «ظلام من الغرب» للأستاذ الفاضل محمد الغزالي (ص ٢٠٠) ما نصه: «حدث في المؤتمر الذي عقد في جامعة «برينستون» بأمريكا أن أثار أحد المتحدثين سؤالاً- كثيراً ما يثار في أوساط المستشرقين، والمهتمين بالنواحي

стр. 1918

الإسلامية-؛ قال: بأي التعاليم يتقدم المسلمون إلى العالم؛ ليحددوا الإسلام الذي يدعون إليه؟ أبتعاليم الإسلام كما يفهمها السنيون؟ أم بالتعاليم التي يفهمها الشيعة من إمامية، أو زيدية؟ ثم إن كلاً من هؤلاء وأولئك مختلفون فيما بينهم. وقد يفكر فريق منهم في مسألة ما تفكيراً تقدمياً محدوداً، بينما يفكر آخرون تفكيراً قديماً متزمتاً. والخلاصة؛ أن الداعين إلى الإسلام يتركون المدعوين إليه في حيرة؛ لأنهم هم أنفسهم في حيرة». وفي مقدمة رسالة «هدية السلطان إلى مسلمي بلاد جابان» للعلامة محمد سلطان المعصومي رحمه الله تعالى: «إنه كان ورد علي سؤال من مسلمي بلاد جابان-يعني: اليابان- من بلدة (طوكيو) و (أوصاكا) في الشرق الأقصى، حاصله: ما حقيقة دين الإسلام؟ ثم ما معنى المذهب؟ وهل يلزم من تشرف بدين الإسلام أن يتمذهب على أحد المذاهب الأربعة؟ أي: أن يكون مالكياً، أو حنفياً، أو شافعياً، أو غيرها، أو لا يلزم؟ لأنه قد وقع هنا اختلاف عظيم، ونزاع وخيم؛ حينما أراد عدة أنفار من

стр. 1919

متنوري الأفكار من رجال (يابونيا) أن يدخلوا في دين الإسلام، ويتشرفوا بشرف الإيمان، فعرضوا ذلك على جمعية المسلمين الكائنة في (طوكيو). فقال جمع من أهل الهند: ينبغي أن يختاروا مذهب الإمام أبي حنيفة؛ لأنه سراج الأمة. وقال جمع من أهل أندونيسيا (جاوا): يلزم أن يكون شافعياً! فلما سمع الجابانيون كلامهم؛ تعجبوا جداً، وتحيروا فيما قصدوا، وصارت مسألة المذاهب سداً في سبيل إسلامهم! ». ٣ - ويزعم آخرون أن معنى هذا الذي تدعون إليه من الاتباع للسنة، وعدم الأخذ بأقوال الأئمة المخالفة لها؛ ترك الأخذ بأقوالهم مطلقاً، والاستفادة من اجتهاداتهم وآرائهم. فأقول: إن هذا الزعم أبعد ما يكون عن الصواب؛ بل هو باطل ظاهر البطلان، كما يبدو ذلك جلياً من الكلمات السابقة؛ فإنها كلها تدل على خلافه، وأن كل الذي ندعو إليه إنما هو ترك اتخاذ المذاهب ديناً، ونصبها مكان الكتاب والسنة؛ بحيث يكون الرجوع إليها عند التنازع، أو عند إرادة استنباط أحكام جديدة لحوادث طارئة؛ كما يفعل متفقهة هذا الزمان، وعليه وضعوا الأحكام الجديدة للأحوال الشخصية، والنكاح والطلاق، وغيرها؛ دون أن يرجعوا فيها إلى الكتاب والسنة، ليعرفوا الصواب منها من الخطأ، والحق من الباطل، وإنما على طريقة: «اختلافهم رحمة»! وتتبع الرخص، والتيسير، أو المصلحة-زعموا-، وما أحسن قول سليمان التيمي رحمه الله

стр. 1920

تعالى: «إن أخذت برخصة كل عالم؛ اجتمع فيك الشر كله». رواه ابن عبد البر (٢/ ٩١ - ٩٢)، وقال عقبه: «هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً». فهذا الذي ننكره، وهو وفق الإجماع-كما ترى-. وأما الرجوع إلى أقوالهم، والاستفادة منها، والاستعانة بها على تفهم وجه الحق فيما اختلفوا فيه، مما ليس عليه نص في الكتاب والسنة، أو ما كان منها بحاجة إلى توضيح؛ فأمر لا ننكره، بل نأمر به، ونحض عليه؛ لأن الفائدة منه مرجوة لمن سلك سبيل الاهتداء بالكتاب والسنة. قال العلامة ابن عبد البر رحمه الله تعالى (٢/ ١٧٢): «فعليك يا أخي! بحفظ الأصول والعناية بها، واعلم أن من عني بحفظ السنن والأحكام المنصوصة في القرآن، ونظر في أقاويل الفقهاء-فجعله عوناً له على اجتهاده، ومفتاحاً لطرائق النظر، وتفسيراً لجمل السنن المحتملة للمعاني-، ولم يقلد أحداً منهم تقليد السنن، التي يجب الانقياد إليها على كل حال دون نظر، ولم يرح نفسه مما أخذ العلماء به أنفسهم من حفظ السنن وتدبرها، واقتدى بهم في البحث والتفهم والنظر، وشكر لهم سعيهم فيما أفادوه ونبهوا عليه، وحمدهم على صوابهم الذي هو أكثر أقوالهم، ولم يبرئهم من الزلل؛ كما لم يبرئوا أنفسهم منه؛ فهذا هو الطالب المتمسك بما عليه السلف الصالح، وهو المصيب لحظه، والمعاين لرشده، والمتبع لسنة نبيه ﵌ -

стр. 1921

وهدي صحابته ﵃. ومن أعف نفسه من النظر، وأضرب عما ذكرنا، وعارض السنن برأيه، ورام أن يردها إلى مبلغ نظره؛ فهو ضال مضل، ومن جهل ذلك كله أيضاً، وتقحم في الفتوى بلا علم؛ فهو أشد عمى، وأضل سبيلاً». فهذا الحق ليس به خفاء ... فدعني من بنيات الطريق ٤ - ثم إن هناك وهماً شائعاً عند بعض المقلدين، يصدهم عن اتباع السنة، التي تبين لهم أن المذاهب على خلافها، وهو ظنهم أن اتباع السنة يستلزم تخطئة صاحب المذهب، والتخطئة معناها عندهم: الطعن في الإمام، ولما كان الطعن في فرد من أفراد المسلمين لا يجوز؛ فكيف في إمام من أئمتهم؟ ! والجواب: أن هذا المعنى باطل؛ وسببه الانصراف عن التفقه في السنة، وإلا؛ فكيف يقول ذلك المعنى مسلم عاقل؟ ! ورسوله ﵌ هو القائل: «إذا حكم الحاكم، فاجتهد، فأصاب؛ فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، فأخطأ؛ فله أجر واحد». فهذا الحديث يرد ذلك المعنى، ويبين بوضوح لا غموض فيه أن قول القائل: (أخطأ فلان) معناه في الشرع: (أثيب فلان أجراً واحداً)، فإذا كان مأجوراً في رأي من خطأه، فكيف يتوهم من تخطئته إياه الطعن فيه؟ ! لا شك أن هذا التوهم أمر باطل، يجب على كل من قام به أن يرجع عنه، وإلا؛ فهو الذي يطعن في المسلمين، وليس في فرد عادي منهم، بل في كبار أئمتهم؛ من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من الأئمة المجتهدين وغيرهم، فإننا نعلم

стр. 1922

يقيناً أن هؤلاء الأَجِلَّة كان يُخَطِّئ بعضهم بعضاً، ويرد بعضهم على بعض، فيقول عاقل: إن بعضهم كان يطعن في بعض. بل لقد صح أن رسول الله ﵌ خطأ أبا بكر ﵁ في تأويله لرؤيا كان رآها رجل، فقال ﵌ له: «أصبت بعضاً، وأخطأ بعضاً» فهل طعن ﵌ في أبي بكر بهذه الكلمة؟ ! ومن عجيب تأثير هذا الوهم على أصحابه؛ أنه يصدهم عن اتباع السنة المخالفة لمذهبهم؛ لأن اتباعهم إياها معناه عندهم: الطعن في الإمام، وأما اتباعهم إياه- ولو في خلاف السنة- فمعناه احترامه: وتعظيمه! ولذلك فهم يصرون على تقليده؛ فراراً من الطعن الموهوم. ولقد نسي هؤلاء-ولا أقول: تناسوا- أنهم بسبب هذا الوهم؛ وقعوا فيما هو شر مما منه فروا، فإنه لو قال لهم قائل: إذا كان الاتباع يدل على احترام المتبوع، ومخالفته تدل على الطعن فيه؛ فكيف أجزتم لأنفسكم مخالفة سنة النبي ﵌، وترك اتباعها إلى اتباع إمام المذهب في خلاف السنة، وهو غير معصوم، والطعن فيه ليس كفراً؟ ! فلئن كان عندكم مخالفة الإمام تعتبر طعناً فيه؛ فمخالفة الرسول ﵌ أظهر في كونها طعناً فيه؛ بل ذلك هو الكفر بعينه-والعياذ بالله منه-. لو قال لهم ذلك قائل؛ لم يستطيعوا عليه جواباً؛ اللهم! إلا كلمة واحدة- طالما سمعناها من بعضهم-وهي قولهم: إنما تركنا السنة؛ ثقة منا بإمام المذهب، وأنه أعلم بالسنة منا. وجوابنا على هذه الكلمة من وجوه يطول الكلام عليها في هذه المقدمة؛ ولذلك فإني أقتصر على وجه واحد منها، وهو جواب فاصل بإذن الله، فأقول:

стр. 1923

ليس إمام مذهبكم فقط هو أعلم منكم بالسنة؛ بل هناك عشرات؛ بل مئات الأئمة هم أعلم أيضاً منكم بالسنة، فإذا جاءت السنة الصحيحة على خلاف مذهبكم- وكان قد أخذ بها أحد من أولئك الأئمة-؛ فالأخذ بها-والحالة هذه- حتم لازم عندكم؛ لأن كلمتكم المذكورة لا تنفق هنا، فإن مخالفكم سيقول لكم معارضاً: إنما أخذنا بهذه السنة؛ ثقة منا بالإمام الذي أخذ بها؛ فاتباعه أولى من اتباع الإمام الذي خالفها. وهذا بين لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى. ولذلك؛ فإني أستطيع أن أقول: إن كتابنا هذا لما جمع السنن الثابتة عنه ﵌ في صفة صلاته؛ فلا عذر لأحد في ترك العمل بها؛ لأنه ليس فيه ما اتفق العلماء على تركه-حاشاهم من ذلك-؛ بل ما من مسألة وردت فيه؛ إلا وقد قال بها طائفة منهم، ومن لم يقل بها؛ فهو معذور، ومأجور أجراً واحداً؛ لأنه لم يرد إليه النص بها إطلاقاً، أو ورد لكن بطريق لا تقوم عنده به الحجة، أو لغير ذلك من الأعذار المعروفة لدى العلماء. وأما من ثبت النص عنده من بعده؛ فلا عذر له في تقليده؛ بل الواجب اتباع النص المعصوم، وذلك هو المقصود من هذه المقدمة، والله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤]. والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل، وهو نعم المولى ونعم النصير. وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. صفة صلاة النبي (١/ ٢١ - ٥٢) مع تصرف بحذف الحواشي

стр. 1924

هل القول باتباع الكتاب والسنة يعني أن المذاهب مُطَّرحة ؟ السؤال: بالنسبة للمذاهب هل القول باتباع الكتاب والسنة يعني: القول بأن المذهب يطرح؟ الشيخ: إذا كان المقصود بالمذهب يطرح ككل فهذا غير ممكن، وهذا له صلة بجوابي السابق، أن أكبر عالم لابد له من أن يُقَلِّد من هو أعلم منه، أما إذا كان المقصود بأنه يطرح بعض المسائل التي تبناها من هذا المذهب حينما تبين له أن الصواب في المذهب الآخر، هنا يأتي قولنا: لا يجوز التدين به، التمذهب أو بتقليد مذهب، لأن هذا أمر لم يفرضه الله ﵎ على أحد من الناس أن يقلد شخصاً أو إماماً أو جماعة بأعيانهم، وهذا صريح في كتاب الله ، وفي سنة رسول الله ﵌، كقوله تعالى مثلاً: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، اسألوا أهل الذكر، أهل الذكر هم بلا شك أهل القرآن، وليس المقصود هنا بالذكر هو أن يقولوا: سبحان الله والحمد لله، الذي يشترك فيه عامة الناس عالمهم وتابعهم وجاهلهم، إنما هذه الآية تفسر بقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] الذكر المعرف في هذه الآية، والتي لا يمكن تفسيرها بالتسبيح والتكبير والتحميد

стр. 1925

ونحو ذلك من الأذكار، هو عينه المقصود بالآية السابقة: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] فهذا واجب من لا يعلم، وهنا في الواقع هذه الآية تضع منهجاً للمسلمين جميعاً عالمهم وجاهلهم، يوجب على هؤلاء ما لا يوجب على هؤلاء، ويوجب على هؤلاء ما لا يوجب على هؤلاء، يوجب على من لا يعلم أن يسأل أهل العلم، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، ويوجب على هؤلاء أن يجيبوا وأن لا يكتموا العلم، كما جاء في الحديث الصحيح: «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» فقوله تعالى: أهل الذكر، يعني: أهل العلم بكتاب الله، وبالتالي ببيان رسول الله ﵌ الذي ذكر في الآية السابقة: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] لتبين للناس ما نزل إليهم هذا البيان هو سنة الرسول ﵇، ولذلك فيجب على كل مسلم أن يتلقى القرآن مع بيانه، أي: أن يتلقى القرآن مع سنة الرسول ﵊؛ لأن هذه السنة هي بيان القرآن الذي أمر الرسول ﵊ بالآية السابقة أن يقوم بهذا الواجب ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. لهذا قال ﵊ مبيناً وجوب التمسك بالقرآن وبيانه: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض». فإذاً: أنت عالم فيجب عليك أن تتبع العلم، وهو: قال الله، قال رسول الله، أنت جاهل عليك أن تسأل أهل العلم، فهم أهل ذكر ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] من أجل هذا يحرم على من ليس عالماً أن يفتي

стр. 1926

الناس بغير علم، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، وكما جاء في الحديث في سنن أبي داود وغيره: أن النبي ﵌ أرسل سرية فجرح فيها رجل، فلما أصبح الصباح وجد نفسه جنباً، وهو يعلم أنه يجب عليه الغسل، لكن عليه جراحات كثيرة، فسأل من حوله: هل يجدون له رخصة في أن لا يغتسل لما به من جراحات؟ قالوا: لا، لابد لك من الغسل، فاغتسل فمات، فلما بلغ خبره رسول الله ﵌ دعا على الذين أفتوه وكانوا سبب موته بقوله: «قتلوه قاتلهم الله، ألا سألوا حين جهلوا، فإنما شفاء العي السؤال» ففي هذا الحديث وجوب سؤال غير العالم العالم، وتحريم إفتاء غير العالم، الذين أفتوه بوجوب الاغتسال مع وجود جراحات في بدنه كانوا غير علماء، فكان من الواجب عليهم أن يعودوا إلى علمائهم في تلك السرية، فيسألوهم حتى ما يقعوا في مثل هذه الفتوى القاتلة: «قتلوه قاتلهم الله، ألا سألوا حين جهلوا، فإنما شفاء العي السؤال». إذاً: نحن نفرق بين أن يتدين المسلم باتباع مذهب من ألفه إلى يائه، لا يخرج عنه قيد شعرة، وكأنما هو كتاب الله وحديث رسول الله ﵌ الذي يجب الاستسلام له بالكلية، ليس الأمر كذلك، لأن المذهب أي مذهب اليوم عليه المسلمون هو أولاً ابتداء اجتهاد إمام من أئمة المسلمين، وانتهاء دخل في هذا المذهب مئات بل ألوف الآراء والأقوال للذين ينتمون إلى الإمام، فالمسائل الموجودة الآن في كل مذهب ليس كما يتوهم كثير من الناس أن هذه المسائل كلها صدرت ونبعت من نفس الإمام، لا، أصول هذه المسائل وأمهاتها هي من

стр. 1927

الإمام سواء كان أبا حنيفة أو مالكاً أو الشافعي أو أحمد، لكن مع الزمن توسعت هذه المسائل كثيراً كثيراً جداً، ولذلك فإذا خرج أحد المتمسكين بمذهب ما عن مسألة ما اتباعاً لحديث ما أو آية ما لا يكون في ذلك أولاً خالف الإمام ضرورة، يمكن يكون خالف من جاء بعد الإمام بمئات السنين. ثم لو فرض أنه خالف الإمام فهو خالف الإمام الدون لاتباع الإمام الأعلى الذي ليس بعده اتباع ألا وهو رسول الله ﵌، ولذلك فما أجمل كلام أحد علماء الحنفية الهنود وهو أبو الحسنات اللكنوي، لما ترجم لأحد تلامذة لتلميذ من تلامذة أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة، وهو عصام البلخي، هو حنفي تلميذ أبي يوسف الذي هو تلميذ الإمام أبي حنيفة، يقول: كان يرفع يديه في الصلاة، عصام البلخي تلميذ أبي يوسف الذي هو تلميذ أبي حنيفة كان يرفع يديه في الصلاة، يعني: عند الركوع والرفع منه، وهذا مكروه تحريماً عند الحنفية، فيعلق صاحب الكتاب أبو الحسنات اللكنوي فيقول ونعم ما يقول، قال: ومنه نأخذ أن الحنفي إذا ترك مسألة من مسائل إمامه اتباعاً للدليل لم يخرج بذلك عن التقليد، بل هو لا يزال في رقة التقليد في صورة ترك التقليد. كلام شويه من كلام الفقهاء صعب فهمه، لكن هو واضح جداً، لا يزال في رقة التقليد في صورة ترك التقليد. يشير أن هناك تقليدين: تقليد في الأصول وتقليد في الفروع، من الأصول قول الأئمة كلهم: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وإذا جاءكم الحديث عني خلاف قول رسول الله ﵌ فخذوا به واضربوا بقولي عرض الحائط، هذا شأن كل مسلم، هذه القاعدة: «إذا صح الحديث فهو مذهبي» حينما رفع عصام

стр. 1928

البلخي يديه، فهو أخذ بالأحاديث التي أبلغها الإمام الحافظ الزيلعي الحنفي نحو خمسة عشر حديثاً، عن خمسة عشر صحابياً أن الرسول كان يرفع يديه عند الركوع والرفع منه، لما فعل هذا عصام البلخي وخالف إمامه في هذا الفرع فهو ترك تقليده في الفرع، لكنه لا يزال مقلداً في الأصل، ولذلك قال أنه عصام هذا لما رفع يديه ما خرج عن التقليد، وإن كان هو لا يزال في رقة التقليد، هذا هو الأصل، في صورة ترك التقليد أي: في الفرع، هذا هو موقف العلماء، أنهم لا يعرضون عن السنة من أجل أقوال أئمة، ولا أيضاً يعرضون عن أقوال الأئمة كلها إذا لم تخالف السنة، بل كما قلنا آنفاً أن من لا علم عنده عليه تقليد من كان عنده علم، إلا في مخالفة السنة. (الهدى والنور / ٣٩/ ٢٨: ٨.: .. )

стр. 1929

ما الجواب على من يقول: إن الأئمة هم القرون الأولى فوجب اتباعهم السؤال: بعض المشايخ يردوا علينا، قالوا: إن الأئمة هم القرون الأولى، فوجب علينا اتباعهم. الشيخ: بدليل؟ مداخلة: ... الشيخ: معليش هذا مذهب في التاريخ، أبو حنيفة تابعي على قول بعضهم، ويقيناً من أتباع التابعين، فهو من السلف الصالح، لكن ما الدليل أنه يجب اتباعه بعينه، ولماذا لا يكون اتباع أبو بكر مثلاً وعمر كما قلنا آنفاً؟ مداخلة: يقول لك: أبو بكر ما عنده مؤلفات ولا عمر. الشيخ: ولا أبو حنيفة له مؤلفات حقيقة، لكن له أتباع، ترى أبو بكر ليس له أتباع؟ ! ! ثم إذا فرضنا ما له أتباع هذه مصيبة الدهر، أفضل إنسان بعد رسول الله ليس له أتباع، ثم من يأتي بعده على رأسنا وعيننا: عالم صالح تقي ورع .. إلخ، لكن لماذا ذاك الأفضل لا يكون له أتباع؟ وهذا مفضول بالنسبة لي أن يكون له

стр. 1930

أتباع، معناه أننا قلبنا الحقيقة. المهم أن المسألة فيها الحقيقة صعوبة بالغة جداً من الناحية الدينية ومن الناحية العلمية، ربنا يقول: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] فقول من يقول كذا أي شيء كان، هذا أولاً ليس مما أنزل علينا، فضلاً عن أن يكون أحسن ما أنزل إلينا، واضح هذا؟ ثم لو أن الأئمة كانوا متفقين على رأي واحد في كل مسألة وجاء إنسان قميء يعني: لا قيمة له، بده يأتي إلينا بفهم يخالف هؤلاء الأئمة، هذا نرفضه، لكن إذا اتبعنا واحداً منهم مع وجود آخر يخالفه في رأيه، فمن الذي نتبعه حين ذاك؟ نعم صريح كتاب الله الذي نزل لحل مشاكل الناس، لحل الخلافات بينهم، فهو يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. الآن نأخذ مسألة كثيرة الوقوع، وكثيراً ما نسأل عنها: ربما يكون في الحاضرين من يخطر في باله إن ما خطر له الآن، يخطر في باله في غير هذا الزمان، لأنه مسألة كما يقول الفقهاء: تكثر بها بلوى بلوى، هو مثلاً يأخذ حاجة من زوجته من امرأة غريبة عنه، فمس يدها، وهو متوضئ انتقض وضوءه أم لا؟ من نتبع الآن أبو حنيفة يقول: ما انتقض، الشافعي يقول: انتقض مطلقاً، مالك يقول: إن كان اللمس بشهوة انتقض وإلا فلا، هات نرى هؤلاء الجماعة الذين يقولوا: لازم نتبع الأئمة، هل أنت تستطيع أن تتبع الأئمة الثلاثة هؤلاء في هذه الأقوال المتناقضة؟ لا يمكن، إذاً: ما العمل؟ كل واحد الآن سيقول: إمامي، الحنفي راح يقول: إمامي الله يرضى عنه، المالكي راح
следующие страницы →