← Акыда

Акыда · id 145205

جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى

ناصر الدين الألباني

Полный текст (5 605 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

حينما قال الله في هذه الآية ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ما هي اليد المقصودة هنا؟ لغةً: سواء قطعت يد السارق من عند الرسغ، أومن عند المرفق، أومن عند الكتف، كل ذلك يد نوكل من طبق نص هذا القرآن بأي وجه من هذه الوجوه الثلاثة: الكف والذراع أواليد كلها عند الكتف، لغةً: طبق النص القرآني: يد فاقطعوا أيديهما لكن هل هذا شرع؟ الجواب: لا. من تطبيق الرسول لهذا النص القرآني، أي: حينما قطع يد السارق لم يقطعها من عند الكتف، ولا من عند المرفق، وإنما من عند الرسغ. من أين عرفنا هذا؟ من الصحابة، من هؤلاء النقلة الأمنة، هم الذين إذن نقلوا إلينا هذا الإسلام بكل تفاصيله التي أشرنا إليها ولوبكلمة مجملة. لذلك يقول الإمام ابن قيم الجوزية ﵀ في شعره العلمي: العلم: قال الله قال رسوله ... قال الصحبة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهةً ... بين الرسول وبين رأى فقيه كلا ولا جحد الصفات ونفيها ... حذراً من التعطيل والتشبيه إذن العلم ما هو؟ قال الله، قال رسول الله، قال أصحاب رسول الله هذا الذي أردت أن أؤكد على مسامعكم ترداده دائماً مع الكتاب والسنة: الصحابة. هذا إلى الآن قليل من الناس من ينتبه إلى هذا الضميمة التي أشار إليها ربنا في الآية السابقة: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] فسبيل المؤمنين في مثالنا الأمثلة كثيرة وكثيرة جداً في مثالنا سبيل المؤمنين: قطع يد السارق من عند الرسغ، وليس من عند المرفق، ولا من عند الكتف، من فعل خلاف هذا فقد شاقق الرسول اتبع غير سبيل المؤمنين، فالآن كان السؤال: أن بعض العلماء وهذا بحث طويل جداً، لكن ما أريد أن أضيع الجلسة في هذا البحث؛ لأننا في صدد

стр. 247

الإجابة عن بعض الأسئلة كان السؤال آنفاً: أن بعض العلماء يقولون: بأنه يجوز التوظف في البنوك الربوية، نرى هؤلاء العلماء الذين يشير إليهم السائل، أولا: قالوا: قال الله، قال رسول الله؟ دعونا من الضميمة الثالثة التي لا بد منها، هل قالوا: قال الله، قال رسول الله؟ الجواب: لا؛ لأن رسول الله ﵌ الذي تولى بيان القرآن قال خلاف ما يقول هؤلاء الذين جاء في السؤال: إنهم من العلماء. ماذا قال الله؟ قال : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] فمن يشك لا أقول: من شك من أهل العلم؟ بل ولا أقول: من يشك من طلبة العلم؟ بل هل هناك مسلم ذوعقل يشك في أن الذي يعمل موظفاً في البنك هويعين البنك على أكل أموال الناس بالباطل، وعلى أكل احرم الله؟ ما أظن أحداً يشك في هذه الحقيقة، وإلا لم يكن في قدرته أن يفهم معنى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. التعاون على الإثم غير ارتكاب الإثم مباشرة، هذه حقيقة علمية يعرفها، لا أقول: أهل العلم، بل طلاب العلم المبتدئين. إليكم الآن من بيان الرسول عليه الصلاة السلام المتعلق بمثل هذه الآية: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. أكل الربا لا شك فيه عند أحد من المسلمين إطلاقاً أنه من الكبائر، وأن شرب الخمر أوإدمانه أنه من المحرمات، إن لم يشرب الخمر فكذلك. ترى لولم يكن هناك التعاون على المنكر، هل استطعتم أن تجدوا مرابياً يأكل أموال الناس بطريق الربا؟ لا. هل كنتم تجدون شاربا للخمر إذا لم يكن هناك متعاونون على المنكر؟ الجواب: لا. والدليل من السنة المبينة للقرآن: «لعن الله في الخمرة عشرة» يقول رسول الله

стр. 248

- ﵌: «لعن الله في الخمرة عشرة» فأول ما ذكر ﵊: شاربها، شاربها، ثم عطف على ذلك بقية العشرة. قال: «ساقيها، ومستقيها، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه». كل هؤلاء لم يشربوا الخمر، لكنهم هم السبب في وجود شارب الخمر، لولم يكن مثلاً بائع العنب لم يعصرها خمراً، لم يوجد خمر في الدنيا. إذن: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. يلعن شرعا الذي لا يشرب الخمر مادام أنه يعين شارب الخمر، أي يهيئ الأسباب ليتمكن من شرب الخمر، هذا حديث متفق عند علماء المسلمين على صحته، وقد جاء عن النبي ﵌ من طرق عديدة صحيحة. الحديث الثاني وهوفي صلب الموضوع: «لعن الله آكل الربا، وموكله، كاتبه، وشاهديه» فهل يتصور عالم يقول: لا بأس أن يكون المسلم موظفاً في البنك المرابي، وهويكتب الربا ورسول الله يقول: «لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه»؟ هذا ليس عالماً، فد يكون عالماً من باب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣]. لا أتصور رجلاً مؤمناً بالله حقاً، وعالماً بالكتاب والسنة حقاً، مع ذلك فهويقول ويفتي بتلك الفتوى الجائرة: أنه يجوز للمسلم أن يكون موظفاً في البنك. الآن طرحنا السؤال التالي مراراً وتكراراً وكان الجواب واحداً بالإجماع. لا أقول الآن هؤلاء الموظفين، وأنا أقول: هؤلاء الأغبياء الذين هم ليسوا عمالاً في البنك، لكنهم أودعوا أموالهم في البنك، لوأنهم أجمعوا جميعهم على

стр. 249

أن يسحبوا رؤوس أموالهم من أكبر بنك من البنوك الربوية هذه ماذا يصيب البنك؟ بالإجماع ستقولون: الإفلاس. إذن من الذي أوجد البنك؟ هؤلاء الذين يطعمون، هم قد يقولون نحن نودع ونضع أموالنا في البنك محافظة عليها، ولا نأكل الربا، يظنون أنهم بذلك يحسنون صنعا، كلا ثم كلا. بدليل أنهم لوسحبوا هذه الأموال لأفلست البنوك، إذن هؤلاء الذين يودعون أموالهم في البنوك هم سبب وجود آكلى الربا، إذن صدق رسول الله ﵌ حينما قال: «لعن الله آكل الربا وموكله». فإذا كان يلتعن شرعاً من كان خارج البنك السبب أنه هوسبب وجود هذا البنك، فالآن ننتقل إلى الصورة التي لها علاقة مباشرة بالسؤال: هؤلاء المتعاملين مع البنوك لا يزالون يودعون أموالهم في البنوك، لوفرضنا أن هؤلاء الموظفين في البنك تابوا وأنابوا إلى الله ما أقول حينما سمعوا فتوى الشيخ خلاف فتوى ذلك العالم، وإنما أقول: حينما سمعوا حديث الرسول ﵇. أولاً: الحديث المتعلق بهم: «لعن اله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه». ثم الحديث: «لعن في الخمرة عشرة». سمعوا هذين الحديثين فأنابوا إلى الله وتابوا وانسحبوا، شوبيصير بالبنك؟ بيتعطل بلا شك. إذن التعاون على المنكر نص في القرآن الكريم ومبدأ إسلامي عظيم جداً لا يجوز لمسلم أن يعين مسلماً على منكر فضلاً عن أن يعين كافراً على منكر.

стр. 250

ومن مشاكل البنوك التي تُسمَّى اليوم مع الأسف الشديد بغير اسمها: البنوك الإسلامية لوكان هناك إسلامية فرؤوس أموالها مودعة في البنوك الكافرة، في أوربا، في سويسرا، في، في .. الخ. ولذلك فمن أي جانب أتيت للنظر في التعامل مع هذه البنوك ولو كانت عليها: اسم: بنك إسلامي، فستجده محرماً لا يجوز به ولوكان فقط يودع ماله للمحافظة عليه، وهذا في الحقيقة بحث طويل وطويل جداً، لكن حسبي الآن أنني ذَكَّرت السائل مباشرة والحاضرين بأن الذي يفتي: بأن المسلم يجوز له يكون موظفاً في البنك، والبنك يتعامل بالربا، أن هذا جهل أوتجاهل الآية القرآنية: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. ثم بعض الأحاديث النبوية التي تبين أن التعاون على المنكر منكر. أردت أن أختم الجواب بهذا ثم خطر في بالي حديث كنت أود ألَّا أُطِيل الكلام بذكره أيضاً لولا أنني أعلم أن أكثر المسلمين أيضا غافلين، هم غافلون عن ارتباط هذا الحديث بالآية السابقة: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. هذا من جهة، ثم إنهم يخالفونه في أنفسهم أوفي ذويهم، في عائلتهم، أعني بذلك قوله ﵊: «لعن الله النامصات والمتنمصات». المتنمصات: خلينا نقولها بالتعبير الصوري: المنتوفات، يعني المرأة تنتف مثلاً حاجبيها، لكن هي ما تستطيع أن تنتف حاجبيها، في نتافة، في نتافة، هذه التي، تنتف لها حاجبها، شوعاملة هاي؟ لولاها ما كانت المنتوفة، فأنتوعم تشوفوا أن هذا المثال مكمل أومن تمام الأمثلة الكثيرة جداً التي تفسر: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] .. «لعن الله النامصات» يعني: المزينات،

стр. 251

خلينا بقى بنقول كلمة هذه النامصات والمتنمصات، يعني: الزبونة، «والواشمات، المستوشمات»، الواشم معروف، بتلاقي ليس النساء بل الرجال أيضاً، بتلاقي هذا الحيوان الليى هوصورة إنسان راسم في عروقه وفي جلده الذي أحسن الله خلقه، جعله بشراً سويا، مصور في صورة أسد، وحامل سيف بأيش، يوشم، طيب هذا من الذي صوره؟ الواشم، فهومستوشم: أي طالب الوشم من غيره، لولم يكن الواشم ما كان المستوشم، فانظروا كيف أن الرسول ﵊ يريد أن يجعل المجتمع الإسلامي مجتمعاً متعاوناً على المعروف، متناهياً عن المنكر: «لعن الله النامصات، والمتنمصات، والواشمات، والمستوشمات، والفالجات، المتفلجات» هاى ما شفناها، ونرجو أنه ما نشوفها، لكن عما نشوف ما هوشرمنه، الظاهر كان قديماً زين الشيطان لبعض النسوة أن يغيرن من خلق الله الحسن الجميل، فكما تعلمون أن الله خلق في فم كل إنسان أسنان كاللؤلؤ المرصوص، فلا يعجبها خلق الله، فتذهب عند الفالجة، فالفالجة، يعني: مزينة، حلاقة، تأخذ مبرداً دقيقاً فتوسع بين السن والسن، فَيَحْلو لها أن يظهر السن من أسنانها بعيداً عن جانبي السنين المحيطين بها؛ فيعجبها أن تظهر لها ناب كناب الكلب مثلاً، ها خير عندها من أن تكون أسنانها كما خلقها الله هذا هوالفلج، وتلك هي الفالجات والمتفلجات. لماذا أنكر على هذين الجنسين الواقع المنكر فيه والموقع للمنكر عليه؟ لأنهم تعاونوا على المنكر في خصوص هذه الخصال المذكورة هنا، قال ﵊ في آخر الحديث: «المغيرات لخلق الله للحسن». الحقيقة يا إخواننا لوأن المجتمع الإسلامي يمشي بهذه الآية فقط: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] كنا كما كان آباؤنا الأولون يعيشون في عز ومجد يخافهم الأعداء مسيرة شهر.

стр. 252

ولكن مع الأسف أصبحوا الآن يتعاونون على المنكر، ماذا نقول: اليوم الحلاق ها الليي بيعيش بحلق ذقون الرجال، هذا تعاون على المنكر، ولا بيشعرون أبداً أنهم يأتون بمعصية، الذي يبيع الألبسة الضيقة لنساء، شوبيسموها: نوفاينه. الشيخ: نوفانيه. د: نعم. الشيخ: هادولا الليي يبيعوا نوفانيه، هادولا أكثر أموالهم محرمه؛ لأنهم يعينون على المنكر؛ ولذلك هدى الله أخانا ... وتاب من بيع نوفانيه، الحمد لله، هذا كله بيان: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ومن التعاون على الإثم والعدوان: أن تكون موظفاً ليس في البنك فقط، ولوأجير حالق، لونوفانيه، ولوولو ... الخ. ولذلك احذروا فإن ما عند الله لا ينال بالحرام. (الهدى والنور / ٧٤٨/ ٥٢: ٠٠: ٠٠)

стр. 253

باب منه مداخلة: الشباب كما ترى نحن في هذا الزمان. الشيخ: نعم. مداخلة: في أحوج ما يكونوا إلى توجيه أمثالكم من علماء أهل السنة والجماعة، فهم يريدون أن يتقربوا إلى الله بالعلم النافع والعمل الصالح، فيريدون من فضيلتكم كلمة أولاً حول هذا الموضوع سلمك الله. الشيخ: نسأل الله أن يعيننا. مداخلة: آمين. الشيخ: وأن يوفقنا وإياكم لما يحبه من العلم النافع والعمل الصالح، هل هناك غير ذلك؟ مداخلة: نريد يعني يا شيخ كلمة يعني. الشيخ: طيب. مداخلة: يعني: وكما تعلم يا شيخ بعد .. يعني: الشاب قد يحتار فيما يرى في الساحة من اختلاف في الآراء والمناهج والأفكار، فيحتاج إلى نصيحة من فضيلتكم؟ الشيخ: نستعين الله ﵎ ونقول لكم ولمن حولكم: السلام عليكم

стр. 254

ورحمة الله وبركاته. مداخلة: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وبعد: إخواننا السامعين لكلامي، أسأل الله ﵎ أن يوفقنا جميعاً لاتباع الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم، وألفت أنظاركم إلى ضرورة التمسك بهذا التمسك الأخير، أعني قولي: على منهج السلف الصالح؛ ذلك لأن الكتاب والسنة هومنهج كل مسلم يؤمن بالله ورسوله

стр. 255

حقاً، حتى تلك الفرق الضالة التي تنتمي إلى الإسلام ولا نستطيع أن نخرجها من دائرة الإسلام إلا إذا أنكرت شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة، فأقول: ليكون المسلم على الكتاب والسنة حقاً، ولا يكون من تلك الفرق الضالة التي أشار إليها رسول الله ﵌ في الحديث الصحيح الذي أخرجه أصحاب السنن والإمام أحمد وغيرهم بأسانيد متنوعة، وبألفاظ متقاربة ألا وهو قوله ﵊: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وتفرقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: هي ما أنا عليه وأصحابي»، فقوله ﵊ في هذا الحديث الصحيح: «ما أنا عليه وأصحابي»، فيه دليل واضح جداً أنه لا يكتفي المسلم بالانتساب إلى الكتاب والسنة فقط، بل لابد من أن يضم إلى ذلك أن يتبع ما كان عليه أصحاب النبي ﵌؛ لأنهم هم الذي تلقوا بيان الرسول ﵊ للقرآن بياناً شافياً بالطرق الثلاثة المعروفة عند أهل العلم أعني بذلك قوله ﵇ وفعله وتقريره، هذه الطرق الثلاث هي التي تبين كلام الله الذي أمر الله ﵎ نبيه ﵌ أن يبين القرآن بذلك في مثل قوله تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فبيانه ﵇ على هذه الصفات الثلاث: القول والفعل والتقرير، ولا سبيل لأمثالنا نحن وبخاصة في هذا الزمان أن نعرف ما قاله ﵇ أوفعله أوأقره وكل ذلك كما ذكرت آنفاً بياناً للقرآن لا سبيل لنا إلى معرفة ذلك إلا بطريق أصحاب النبي ﵌ فهم الذين نقلوا ابتداء قوله وفعله وتقريره؛ لهذا لا يكون المسلم من الفرقة الناجية إذا ما اقتصر على فهمه للقرآن على حديث الرسول ﵊ فقط، بل لابد أن يضيف إلى ذلك فهم الصحابة لقوله ﵇ ولفعله ولتقريره، وهذا أمر معلوم لدى علماء

стр. 256

الأصول لا خلاف بينهم، أن قوله ﵌ وفعله وتقريره بيان للقرآن، ولكن الذي أريد أن أذكر به في هذه الساعة المباركة إن شاء الله إنما هوبيان الفرق بين الفرقة الناجية وبين الفرق الأخرى الضالة حتى من كان منها لا يزال في دائرة الإسلام، ولكنها قد ضلت عن بعض الإسلام كثيراً أوقليلاً، هذا ربنا هوالذي يعرفه أويعلمه ويحكم به: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩]، فالفرق بين الفرقة الناجية وبين تلك الفرق كلها هوأن الفرقة الناجية تأبى أن تفهم الإسلام القرآن والسنة برأي فلان وعلان مهما كان شأنه عظيماً عند المسلمين إلا من طريق الرسول ﵇ أولاً، ثم من طريق أصحابه ﵊ ثالثاً؛ لأن النبي ﵌ حينما سئل عن الفرقة الناجية، لم يقل: ما أنا عليه، وإنما عطف على ذلك قوله: «وأصحابي»، وهذا معناه: أن العالم المسلم حقاً كما يحرص على معرفة ما كان عليه رسول ﵌ من الهدى والنور قولاً وفعلاً وتقريراً، فهوأيضاً يحرص أن يعرف ما كان عليه أصحابه ﵌ من حسن الاتباع لنبيهم ﵊، فالفرقة الناجية هذه مزيتها على الفرق الأخرى، وهذا ظاهر جداً في هذا الزمان، كما سأبينه قريباً إن شاء الله ﵎، ولكني قبل ذلك أريد أن أذكر إخواننا السامعين بآية في القرآن الكريم تعتبر هذه الآية هي النص الذي منه انطلق النبي ﵌، أومنه اقتبس قوله السابق: «ما أنا عليه وأصحابي»، أعني قول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، قال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، فقول ربنا ﵎ في هذه الآية: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] هوالذي بينه ﵇ في الحديث السابق حينما قال: «وأصحابي».

стр. 257

فسبيل المؤمنين هو سبيل أصحاب النبي ﵌، لذلك فلا يكون المسلم من الفرقة الناجية إلا إذا تبنى هذا المنهج السلفي في اتباع الكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة ﵃ وهذا هوالفارق الواضح في كل عصر وفي كل مصر بين أهل السنة حقاً، وبين تلك الفرق الضالة التي تنتمي إلى الكتاب والسنة، ولكنها تأبى أن تنتسب إلى السلف الصالح حتى من كان من أهل السنة حقاً كأتباع المذاهب الأربعة، بغض النظر عن الفرق الضالة التي تضلل بعض السلف الصالح من الصحابة كالروافض والخوارج ونحوهم، فهذا لا نعنيهم الآن، وإنما نعني أهل السنة الذين هم يلتقون معنا في تعظيم وتمجيد أصحاب النبي ﵌ لا نفرق بينهم ولا نبغض أحداً منهم، وإنما نجلهم لصحبتهم لنبيهم ﵌ مع الاحتفاظ بمقادير التفاضل بينهم، بقدم الصحبة أوبالعلم أوبقدم الجهاد والأسبقية إلى الإسلام ونحوذلك، ولكن أهل السنة كلهم يلتقون على الترضي عن أصحاب ﵌ كلهم أجمعين. فالذي أريد أن أقوله: أن كثيراً من أهل السنة الذين يلتقون معنا في الترضي على الصحابة هم نسوا أن من الضروري جداً أن نفهم الكتاب والسنة على ما كان عليه هؤلاء الصحابة؛ لأنهم كانوا أقرب عهداً من النبي ﵌ من الذين جاؤوا من بعدهم، لهذا ما يكون المسلم على الهدى وعلى النور، بل لا يكون متمسكاً بهدي الرسول الذي كان يأمر بالتمسك به في خططه دائماً أبداً إلا إذا عرف ما كان عليه أصحاب النبي ﵌، هذه المعرفة تفتح أمام العالم بها باباً من العلم لا يمكن أن يلجه وأن يدخله من كان بعيداً عن التسليم بهذا القيد والشرط، وهواتباع ما كان عليه السلف الصالح. نحن أهل السنة حقاً إن شاء الله ﵎ متفقون على عموم قوله عليه

стр. 258

الصلاة والسلام، الذي يذكر دائماً في خطبة الحاجة: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار»، وعلى عموم قوله ﵇: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» هذا النص العام لا يمكن تطبيقه تطبيقاً صحيحاً إلا إذا عرفنا ما كان عليه أصحاب النبي ﵌ من العبادات؛ لأن معرفة كون الأمر الفلاني بدعة في الإسلام لا سبيل إلى معرفة إلا إذا عرفنا ما كان عليه سلفنا الصالح؛ لأن قول القائل: هذه بدعة، إنما تعني أنها لم تكن في عهد الرسول ﵇ ولم تكن في عهد الصحابة، وبالتالي لم تكن في عهد بقية القرون المشهود لها بالخيرية. فإذاً: معرفة ما كان عليه أصحاب النبي ﵌ هوالذي يمكننا من أن نكون عند قوله ﵇: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، ولذلك يختلف منهج من انتمى إلى السلف عن منهج من انتمى فقط إلى القرآن والسنة، ويفسره أويفسرهما كما يفسره شيخه أومذهبه دون أن يرجع في ذلك إلى ما كان عليه النبي ﵌ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان. إذاً: لا ينبغي أن نغتر اليوم بدعوات كلها تلتقي على القول: بأننا نحن على الكتاب والسنة؛ لأن أصل الفرق المشار إليها في حديث الفرق لا يمكنها أن تقول: إلا أنها على الكتاب والسنة، فإذا ما قال بعضهم: لا نحتج بالسنة، فقد ارتد عن الإسلام؛ لأنه أنكر كثيراً من آيات القرآن، كمثل قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، ولذلك فلا نتصور أن طائفة من الطوائف الإسلامية تنكر السنة، وهذا هو الواقع، فالخوارج يقولون: نحن نأخذ بالسنة، والشيعة تقول: نحن نأخذ بالسنة، لكن السنة التي يأخذونها ليست على الوجه الذي كان عليه أصحاب النبي ﵌، وأتباعهم من التابعين وأتباعهم. لهذا نقول: ينبغي لنا أن نرفع راية الدعوة في خطبنا وفي دروسنا وفي مواعظنا

стр. 259

دائماً وأبداً على القول: بأن التمسك بالكتاب والسنة، لا يكون تمسكاً صحيحاً إلا إذا كان مقروناً باتباع ما كان عليه أصحاب النبي ﵌، وهنا لابد لي من ضرب مثل بين لنا أهمية الرجوع في فهم الكتاب والسنة إلى ما كان عليه السلف الصالح؛ مما نقلوه عن النبي ﵌ قولاً وفعلاً وتقريراً، نأخذ مثلاً قوله ﵎: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فهنا نصان عامان شاملان، الأول: اسم السارق، والآخر: اليد، فقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ﴾ [المائدة: ٣٨] يشمل كل سارق حتى الذي يسرق البيضة بيضة الدجاجة أو الدجاجة أو نحو ذلك مما لا قيمة له، فهذا لغة اسمه سارق، ولكن بيان ﵌ القولي هو الذي يمنعنا من أن نفسر هذا اللفظ في هذه الآية على إطلاقه وشموله، فيمنعنا أن نقول: كل سارق، مهما كانت قيمة المسروق تقطع يده، نقول: لا، هذا لا يجوز، هذا مخالف للقرآن؛ لأن الله يقول: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقد بين ﵌ السارق المذكور في هذه الآية بقوله: «لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً». إذاً: حينما نقرأ هذه الآية: ﴿وَالسَّارِقُ﴾ [المائدة: ٣٨]، ينبغي أن نفهم هذا اللفظة على ضوء قوله ﵇، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] هنا الأيدي كما تعلمون جمع يد، واليد تطلق ويراد بها الكف، كما جاء في حديث التيمم: «أن تضرب بكفيك وجه الأرض»، وتطلق ويراد بها الذراع كما هوفي حديث آية الوضوء في آية الوضوء، وتطلق ويراد بها اليد كلها من عند الكتف إلى الأصابع، فيا ترى من أخذ بعموم الآية: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وطبق النص القرآني على هذا الإطلاق هل يكون متبعاً للقرآن الكريم؟ الجواب: وضح مما سبق التعليق السارق لا؛ لأنه خالف بيان ﵌، لكن البيان هنا إنما كان منه ﵌ بياناً فعلياً عملياً، حيث كانت تقطع يد

стр. 260

السارق من عند الرسغ وليس من عند المرفقين ولا من عند الكتف، هذه آية تتعلق بإقامة الحدود الشرعية، والآيات التي ذكرت في القرآن مطلقة أو عامة فهي كثيرة وكثيرة جداً، ويروق لي أن أقترح على بعض طلاب العلم أن يجمعوا هذه الآيات المطلقة أو العامة في القرآن الكريم وأن يبينوا ما دخلها من التقييد أو التخصيص بما جاء في السنة وفي السنة الصحيحة؛ ليظهر للناس أنه لا مجال لفهم القرآن دون سنة الرسول ﵊ ودون بيان أصحابه ﵊ لما كان عليه رسول ﵌. قلت آنفاً: إن الآيات المطلقة أو العامة كثيرة وكثيرة جداً، خذوا مثلاً الآيات التي تأمر بالزكاة وتأمر بالصلاة وتأمر بالحج، لا يمكن أن تفهم إلا على ضوء الكتاب والسنة، ومن هنا يتبين لنا خروج الطائفة التي تسمى اليوم بالقرآنيين عن دائرة الإسلام والمسلمين حينما قالوا: نحن في غنى عن فهم القرآن بالسنة؛ ذلك لما أشرت آنفاً من بيان أن الذي لا يأخذ بالسنة فهولا يأخذ بالقرآن؛ لأن القرآن أمر المسلمين في غير ما آية أن يتحاكموا إلى الله وإلى رسوله، كما هو معلوم في الآية المعروفة: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، والبحث في هذا طويل وطويل جداً، إنما أردت فيه التنبيه فقط على ضرورة انتباه كل مسلم غيور على أن يكون من الفرقة الناجية ألا يكتفي لنفسه ولا لغيره أن يقول: أنا متبع للكتاب والسنة، ليس إلا، لابد من أن يقرن مع هذين المصدرين الأساسيين أن نعرف ما كان عليه أصحاب الرسول ﵇ من الهدى والنور، وبذلك نحقق صفة الفرقة الناجية، وهي أن نكون على ما كان عليه رسول الله وأصحابه. وهذا كما قلت آنفاً باب واسع، ولكن لابد أن آتي بقيد جديد لإهمال كثير من الدعاة الإسلاميين إياه، ألا وهو العناية بمعرفة ما صح من السنة وما لم يصح

стр. 261

منها؛ لأنه إذا كان القرآن لا يمكن فهمه إلا بالسنة فلابد من أن تكون هذه السنة صحيحة ثابتة عن النبي ﵌، وهنا نُذَكِّر بما اتفق علماء المسلمين قاطبة على اختلاف مذاهبهم: أنه قد دخل في السنة ما ليس منها منذ القديم ولا يزال كثير من الناس حتى اليوم ينسبون إلى النبي ﵌ أحاديث قد وضعت حديثاً، ولذلك فلابد لطائفة من علماء المسلمين أن يعنوا عناية خاصة بما يعرف عند العلماء بعلم الحديث ومصطلح الحديث وعلم الجرح والتعديل، حتى يصفوا السنة مما دخل فيها على مر العصور والدهور من الأحاديث الضعيفة والموضوعة والتي دخلت في بطون كثير من كتب التفسير والحديث والفقه فضلاً عن كتب المواعظ والرقائق والقصص. إذاً: على طائفة من علماء المسلمين أن يعنوا عناية خاصة بعلم السنة حتى يتمكنوا بها من تفسير القرآن تفسيراً صحيحاً. بعد هذا أقول: تعلمون أيها الإخوة أن العلم الصحيح هووسيلة للعمل به، فلا ينبغي لطالب العلم أن يجلل نفسه بالعلم فقط دون قرن هذا العلم بالعمل، لذلك ندعو دائماً أن يلهمنا الله العلم النافع والعمل الصالح: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]. هذا ما تيسر لي من الكلمة التي طلبها الشيخ الفاضل الشيخ عبد الله، ونسأل الله أن يلهمنا رشدنا وأن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه. مداخلة: شكر الله لك فضيلة الشيخ. الشيخ: أهلاً وسهلاً. (الهدى والنور /٨٠٥/ ١٣: ٠١: ٠٠)

стр. 262

باب منه مداخلة: ما الرد على من يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] قال: سبيل المؤمنين هو الكتاب والسنة .. الشيخ: هذا ما أشرت إليه آنفاً .. رجع الأمر إلى أنه لا فرق بين واقع الآية وبين ما لو كانت: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى﴾ هذا لهو يترفع الكلام الإلهي عن أن ينسب إليه، ليس في القرآن كلمة فضلاً عن جملة كهذه: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلا وضعت لقصد وغاية عظيمة جداً، وهذا من جملة التآويل التي لا تنتهي ولنسمها بالاسم الصحيح من جملة التعطيل الذي يوصف به معطلة الصفات، ثم ماذا يقولون فيما إذا فعل بعض الصحابة فعلاً، وانظر الآن كيف ينتشر ضلال هؤلاء من جوانب عديدة وكثيرة جداً جداً. ماذا يقولون فيما إذا جاء عن بعض الصحابة قول أو فعل أو فتوى لا تخالف الكتاب والسنة؟ هل يأخذون بها أم يقولون: نحن رجال وهم رجال؟ ! ما تظن فيهم؟ مداخلة: لا يقولون نحن رجال وهم رجال لكنهم يقولون تأدباً: أن الفهم الذي فهمناه هو الفهم المطلوب والفهم الذي تلجئنا إياه هو فهمك الذي تلجأ نفسك فقط به .. الشيخ: حدت عن الجواب.

стр. 263

مداخلة: لا يقولون نحن رجال وهم رجال .. الشيخ: لا، ما موقفهم بالنسبة لما فعله الصحابة من فعل أو ما أصدروه من فتوى، هل يتبنون هذا الفعل أو هذه الفتوى أم يقولون: نحن رجال وهم رجال؟ مداخلة: لا، يقولون: واقعنا أوحال المعصية التي بين أيدينا والقول الذي نراه بين أيدينا ليس كما تصوره سلف الأمة الأوائل .. الشيخ: الله أكبر! مداخلة: نعم. الشيخ: يعني: يؤثرون فهمهم على فهم أولئك. مداخلة: نعم. الشيخ: وما معنى: «ما أنا عليه وأصحابي»؟ أيضاً ولكن ... مداخلة: زارنا الشيخ سفر قال: المجتمع الذي كان في زمن النبي ﵌ صحابة مؤمنون كثيروالإيمان كالبحر لوأخطأ أحدهم وإن لم يقصد فإن هذه لا تؤثر في البحر، بينما من دونهم قد يتكلم أويفعل وعنده ماء قليل - يمثل بالإيمان الماء - لوقطرت فيه قطرة نجاسة لوثته ونجسته وأصبح غير قابل للطهارة أوالطبخ .. الشيخ: كلام شعري جميل، لكنه حيدة عن الجواب. أعيد عليك السؤال: أنا ما أسال عن الفرق بين خطأ الأولين والآخرين حتى يأتي هذا الجواب بهذا الكلام الشعري الجميل، إنما أنا أسال: إذا فعل بعض الصحابة فعلاً - بعض - أوأفتوا بفتوى وليس هناك في الكتاب والسنة ما يخالفهم، هل نؤثر فهمنا نحن على فهمهم أم نتنازل عن فهمنا لفهمهم؛ لأنهم أطهر قلوباً وأغزر علماً ووإلى آخر ما هنالك من صفات معروفة جداً.

стр. 264

لعل السؤال واضح؟ مداخلة: نعم. الشيخ: فلعلي أحظى بالجواب هذه المرة. مداخلة: الجواب: المسألة الثانية: أنهم هم أولى منهجاً وفهماً من غيرهم لكن التأويل أبى إلا أن يكون الأول .. الجواب الأول .. أما الحق أن يكونوا هؤلاء هم أولى منهجاً وفهماً .. الشيخ: هه، أنا أسألك ليس عن رأيك. مداخلة: عن رأيهم؟ جوابهم التالي: لكن التأويل يأبى إلا بالتقصيد أو أوإلى آخره، لا يتنزهون ويتأدبون أن يجيبوا عن هذا السؤال في الجملة الأولى .. الشيخ: أسأل عن عملهم .. مداخلة: تأويل .. الشيخ: عملهم؟ مداخلة: عملهم؟ الشيخ: نعم. مداخلة: هذا الذي يعملون به؟ الشيخ: عملهم المسألة التي عملها الصحابة؛ لأنك تقول: يتأدبون يعني: لفظاً لكن هناك فتوى صدرت منهم لنضرب مثلاً .. أنا قلت آنفاً من باب أردت التدرج وما وصلنا بعد إلى الدرجة الثانية، لا نزال في الدرجة الأولى، قلت بعضهم بمعنى يشمل واحد فأكثر.

стр. 265

مداخلة: نعم. الشيخ: الآن أضرب مثلاً من الناحية العملية بحيث لا يمكن أن يقال عنهم وحكاية عنهم: أنهم يتأدبون لفظاً، أنا أسال الآن: ماذا يفعلون عملاً؟ هناك حديث في صحيح مسلم: «نهى رسول الله ﵌ عن الشرب قائماً» وفي لفظ: «زجر رسول الله ﵌ عن الشرب قائماً» قيل لراوي الحديث أنس بن مالك خادم الرسول ﵇ كما هو معلوم: فالأكل؟ قال: شر. نحن الآن الذي نؤثر فهم الصحابي على فهمنا وبخاصة أنا لا نجد في السنة فضلاً عن القرآن ما يخالف هذا الجواب من هذا الصحابي الجليل أنس بن مالك، نحن عملاً لا نفرق بين الشرب قائماً والأكل قائماً كما أننا لا نشرب قائماً وإنما جلوساً، كذلك لا نأكل قياماً وإنما جالساً، هم ماذا يفعلون؟ مداخلة: أظن في هذه الأحكام متبعون مقتفون لطريقة السلف. الشيخ: ما أظن؛ لأنهم يحاجون حينذاك وأنا أرجو أن يكون حكايتك هذه حكاية صحيحة وليست من باب إحسان الظن، أنا أرجو أن يكون هذا حكاية عنهم حكاية مطابقة لواقعهم؛ لأننا حينئذٍ من هنا .. من هذه الجزئية، نقيم عليهم الحجة، لماذا أنتم الآن اتبعتم السلف في هذه الجزئية بل اتبعتم شخصاً واحداً بينما أنا كان كلامي السابق بعضهم يشمل الواحد والاثنين وأكثر من ذلك فأنت أجبت بجواب يخالف هذا الجواب الآن لماذا؟ لأن طورت السؤال بناءً على تطور إجابتك عنه. قلت إنهم يتأدبون باللفظ، طيب! ما يفعلون في العمل الذي عملوه؟ هذا عمل فعله صحابي واحد قال: الأكل شر، إذاً: نحن أتباع السلف حقاً إن شاء الله نحن لا نأكل قياماً، ما يفعلون؟ قلت عنهم وأرجوأن يكون هذا عنهم صواباً:

стр. 266

إنهم يتبعون السلف، نقول: بأي حجة أنتم اتبعتم السلف في هذه الجزئية أنتم مدينون ومكلفون بأن تتبعوا السلف فيما هوأهم من هذه الجزئية بكثير خاصة فيما يتعلق بالعقيدة وبصورة أخص فيما يتعلق بالتكفير، واضح هذا إن شاء الله .. مداخلة: بقي .. نقطة فقط كلمة لتأييد كلام شيخنا .. قضية فهم السلف شيخنا .. كلمة من سطرين للإمام الشاطبي .. الشيخ: بارك الله فيك. مداخلة: رائعة جداً، يقول فيها شيخنا في كتاب الموافقات الجزء الثالث صفحة (٧٧) يقول: يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به فهو أحرى بالصواب وأقوم في العلم والعمل .. الشيخ: نعم والله .. آمنت بالله وما جاء به رسول الله وبما اتبعه سلفنا الصالح .. مداخلة: الله أكبر. مداخلة: ... في كتاب .... ينقل عبارة وينسبها لأبي حنيفة وحماد بن سليم وربيعة الرأي، فيقول: كانوا يقولون رأينا لمن بعدنا خير لهم من رأيهم لأنفسهم. الشيخ: هذا ... فما بال رأي السلف في الصحابة بالنسبة لمن بعدهم من باب أولى. (الهدى والنور /٨٣٠/ ٠٢: ٤٨: ٠٠)

стр. 267

باب منه السؤال: يا شيخنا ذكرت في البداية، بأن كتاب وسنة على فهم سلف الأمة، ولا يمكن لنا أن نفهم حديث إلا بفهم السلف الصالح رضوان الله عليهم، كيف التوفيق بينها وبين قول رسوله ﵌: (نضر الله امرأ سمع مقالتي هذه فوعاها ثم بلغها كما سمعها، رب مبلغ أوعى من سامع) كيف توضيح هذا الحديث؟ الشيخ: رُبَّ للتقليل يا أخي، رُبَّ للتقليل، أي: قد يأتي بعد الصحابة من يفهم بعض المسائل أكثر من هؤلاء البعض الذين سمعوا كلام الرسول، ولكن ليس معناه أنه يأتي بشيء جديد ما سبق إليه من كل الصحابة، فهمت الجواب؟ السائل: نعم. الشيخ: طيب. (الهدى والنور/٤٩١/ ٢٠: ٥٤: ٠٠)

стр. 268

باب منه -إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا- يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١]. أما بعد: فإن خير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى اله وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وبعد ... فإنه ليس لدي ما أقدمه إليكم سوى أن أحمد الله ﵎ أن جمعنا وإخوان لنا يعيشون بأجسادهم بعيدين عنا ولكنهم بقلوبهم قريبون منا؛ لأن دعوة الحق التي هدانا الله ﵎ إليها وجمع كلمتنا حولها وهي دعوة إتباع الكتاب والسنة هذه، بعد أن هدانا الله إلى الإسلام بعامة هي أعظم النعم أن هدانا الله ﵎ إلى أن نفهم الإسلام على أساس الكتاب والسنة، هذا الأساس الذي هوالضمان لكي لا ينحرف المسلمون يمينا ويسارا

стр. 269

وأن يكونوا على هدى من ربهم في كل زمان وفي كل مكان ما دام أنهم قد تمسكوا بحفظ الكتاب والسنة مصداقاً لقول النبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض». لا أريد أن أطيل الكلام في هذه القضية لأنني أعتقد بأنكم لستم بحاجة إلى مثل هذا الكلام ولكني أريد أن أدير كلامي أوأن أدندن على قضية قد تخفى على كثير ممن قد يشتركون معنا في هذه الدعوة دعوة الحق ألا وهي الكتاب والسنة، قد يخفى على كثير من الذين يشتركون معنا في هذه الدعوة حقيقة جاء الكتاب والسنة يؤكدانها ويلفتان النظر إلى ضرورة التمسك بها ألا وهي ضرورة فهم الكتاب والسنة على منهج سلفنا الصالح ﵁، هذه الغنيمة، وهي أن يكون فهمنا لكتاب ربنا ولسنة نبينا صلى الله عليه وعلى اله وسلم على ما كان عليه السلف الصالح، ذلك لأننا في زمان قد صحا فيه كثير من الجماعات الإسلامية التي كانت من قبل في سبات عميق وفي غفوة شديدة عن ضرورة الاعتماد في المسائل الخلافية حول الكتاب والسنة لما تجلت لهم هذه الحقيقة أوهذه القضية لم يسعهم أن يظلوا مصرين على مخالفتهم في دعوتنا القائمة على الكتاب والسنة، ولكنهم لا يزالون بعيدين عنا في منهجنا الذي نلتزمه في فهمنا لكتاب ربنا وسنة نبينا، وذلك أن يكون الفهم لهذين النظيرين على ما كان عليه السلف الصالح. ذلك أن كل الجماعات الإسلامية الموجودة اليوم على وجه الأرض لا يمكن أحداً منها أوواحدة منها أن يعلن عدم اعتزازه بدعوة على الكتاب والسنة ولكنهم مع هذا الاعتزاز يفسرون النصوص من الكتاب والسنة، حسب ما

стр. 270

تقتضيه تكتلاتهم وحزبياتهم، ولا يرجعون في ذلك إلى فهم النصوص على ما كان فهمها سلفنا الصالح، أكرر على مسامعكم ثم أؤيد ما أقول لكم لا ينبغي أن تقتصر دعوتنا على الكتاب والسنة فقط، بل يجب أن نضم لذلك ما أشار الله ﵎ إليه في كتابه الكريم ثم تولى نبينا صلوات الله وسلامه عليه بيان ذلك في سنته الصحيحة انطلاقا منه وتجاوباً مع قول ربنا حين خاطبه بقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] مما ينبه ﵊ من كلام رب الأنام قوله في القران: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. الشاهد من هذه الآية قوله فيها: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فإن هذه الآية تلفت النظر أن على المسلمين في كل زمان وفي كل مكان ألا يخرجوا عن سبيل المؤمنين حيث قال رب العالمين: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] فما حكمة هذه الجملة المعطوفة على ما قبلها وهي ويتبع غير سبيل المؤمنين، كان من المفيد أن تكون الآية دون هذه الجملة: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا، لوكانت الآية هكذا بهذا الاختصار لكان معنى سليماً مستقيما لا غبار عليه إطلاقا لكن الله حينما عطف على قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ وقال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أراد بذلك أن يلفت نظر المؤمنين الذين يحذرون من أن يشاققوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى، أيضا يجب عليهم أن يحذروا أن يخالفوا سبيل المؤمنين، وكيف يمكن مخالفة سبيل المؤمنين مع إتباع سنة سيد المرسلين؟ الأمر عند أهل العلم معروف جيداً؛ لأن نصوص الكتاب والسنة

стр. 271

يمكن في بعض الأحوال أن تفسر تفسيراً ويُقرَّر هذا التفسير للمؤمنين بالكتاب والسنة على أن هذا هو المعنى المراد منهما، ويكون هذا التفسير خطأ، لأنه خالف سنة المؤمنين وسبيل المؤمنين، وتأكيداً لهذا المعنى المتضمن في هذه الجملة المعطوفة ألا وهي قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ نجد نبينا صلوات الله وسلامه عليه قد ضم هذه الضميمة في بعض الأحاديث الصحيحة تفسيراً منه لهذه الآية الكريمة أنتم مثلا قرأتم أو سمعتم حديث الفرق الثلاث وسبعين فرقة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وعلى اله وسلم: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ هنا الشاهد من هي يا رسول الله هذه الفرقة الناجية من بين ثلاث وسبعين فرقة، فرقة واحدة منها هي الناجية قال ﵇: هي التي ما أنا عليه وأصحابي» فهنا تجدون أن النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم لم يقتصر على قوله: «على ما أنا عليه» وإنما عطف على ذلك قوله: «وأصحابي» ما السر في ذلك؟ هذا الحديث يعتبر تفسيراً للآية التي ذكرناها آنفا، وكررناها على مسامعكم مراراً، لترسخ في أذهانكم، أن المعنى المقصود من قوله فيها: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قد جاء النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم في حديث الفرق وفي بيان الفرقة الناجية، ووصفها بوصفين اثنين وليس بوصف واحد، وهي أنها تكون على ما كان عليه الرسول، هذا هوالوصف الأول، ولكنه جاء بوصف ثاني وأخير وهوقوله ﵊: «وأصحابي». هذا الحديث وهذا اللفظ تفسيره بالرواية الأخرى وهي الأشهر والأقوى سنداً وهي التي تقول جواباً عن سؤال السائلين عن الفرقة الناجية، قال عليه الصلاة

стр. 272

والسلام: «هي الجماعة» هي الجماعة، فقوله هذا تفسير للآية السابقة. ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فسبيل المؤمنين هي الجماعة والجماعة هي سبيل المؤمنين. ومعنى هذا أنه يجب على علماء المسلمين خاصة في هذه الأزمنة المتأخرة ألا يُعْمَل فقط بدراسة السنة، ومعرفة ما كان عليه الرسول ﵌، وهذا أمر لا بد منه؛ لأن تفسير القران لا يستقيم ولا سبيل إليه إلا بطريق السنة التي هي بيان القرآن كما ذكرنا آنفاً، لا يمكن للعالم أن يكتفي على دراسة الكتاب والسنة في العصر الحاضر، بل لا بد أن يضم لذلك دراسةً ثالثةً وهي أن يعرف ما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم من الهدى والنور لأنهم قد تلقوا البيان من النبي ﵌ بالقرآن، وبيان الرسول ﵇ بالسنة القولية في كثير من الأحيان لفهمه أولتقريبه هذه الأمور لا يمكن الوصول إليها إلا بمعرفة آثار السلف الصالح. فلذلك فالحديث هذا أيضا يلتقي مع حديث آخر طالما سمعتموه أوقرأتموه في كتب الحديث ألا وهوحديث العرباض ابن سارية رضي الله تعالى عنه الذي قال: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وعلى اله وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا يا رسول الله: أوصنا وصية لا نحتاج إلى أحد بعدك أبداً. فقال ﵊: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن ولي عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي» هنا الشاهد لم يقتصر ﵊ على كلمته هذه «فعليكم بسنتي» بل عطف عليها أيضا كما فعل في حديث الفرق «وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل

стр. 273

محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» زاد في حديث جابر ﵁: «وكل ضلالة في النار». الشاهد أنكم تسمعون في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم جعل النجاة والخلاص من الاختلاف الذي سيقع فيما بعد الرسول ﵇ إنما هوالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده ذلك لأن طريقة هؤلاء الخلفاء الراشدين كطريقة عامة الصحابة الذي أَطْلَق عليهم في الحديث السابق لفظة «الجماعة» هم اللذين فهموا من النبي ﵌ المعاني الصحيحة للآيات والأحاديث القولية، ونقلوها إلى الأمة بيضاء نقية ليلها كنهارها. إذا لم يهتم العلماء بخاصة بهذا الجانب الثالث مما سبقت الإشارة إليه في هذه النصوص صار الكتاب والسنة هوى متبع، ونحن نجد اليوم خلافات كثيرة وكل هؤلاء المختلفين يدعون أنهم على الكتاب والسنة مهما كانت تكتلاتهم وكانت تجمعاتهم يدندنون حول الكتاب والسنة، لكنهم لا تجدون على وجه الأرض اليوم وعلى الساحة الإسلامية في هذه الجماعات من ارتضت لنفسها في فهم كتاب ربها وسنة نبيها منهج السلف الصالح، إلا جماعة واحدة على وجه الأرض لهم أسماء مختلفة والمسمى واحد، ففي بعض البلاد يسمى هؤلاء انتماءً إلى الجماعة المشار إليها وهي جماعة السلف، ويقولون دعوتنا دعوة السلف الصالح، ونحن ننتسب إليهم، ونقول إننا سلفيون، أونقول نحن من أهل الحديث، أويقولون نحن أنصار السنة، وكلهم دعاة (انقطاع). ولابد من التنبيه معتذراً لإطالة الكلام في هذه المسألة الهامة لأني أتصور أن بيننا لقاءات وولقاءات كثيرة يمكن أن يَصْدْقَ فيها ما يقال اليوم إننا سنتمكن

стр. 274

هناك من وضع النقاط على الحروف كما يقولون اليوم، لكن لا بد لي في ختام هذه الكلمة من لفتة نظر إلى أن كثيراً من الجماعات الإسلامية الأخرى التي تنتسب إلى أسماء، إما أسماء لجماعة معينة من الخلف، أوأسماء إلى حزب معين من الخلف، أو إلى أشخاص معروفين، أو نحو ذلك، هؤلاء كلهم يكادون يجمعون على إنكار استعمال كلمة السلف أو الانتساب إليهم كأن يقال: نحن أتباع السلف، أو الفرد الواحد من يقول: أنا سلفي، إنهم منكرون هذه النسبة، وفي اعتقادي أنهم لو يتنبهوا لمعنى هذه النسبة لما استطاعوا أن يبادروا إلى إنكار هذه النسبة لأن معناها الانتساب إلى السلف الصالح الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وعلى اله وسلم بالخيرية في الحديث المتواتر الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى اله وسلم: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، هؤلاء هم السلف، وعلى رأسهم محمد المصطفى صلى الله عليه وعلى اله وسلم، فَمَنْ مِنْ المسلمين يستطيع إذا ما تنبه لمعنى هذه الكلمة السلف أو السلفي المنسوب للسلف الصالح من المسلمين بعد هذا يستطيع أن يتبرأ من أن يكون تابعاً للسلف، وبالتالي من أن يكون بشخصه سلفياً، إنما يبادر إلى إنكار هذه النسبة أولئك الذين لا يعرفون قدر السلف وقيمة السلف والسبيل التي ذكرها ربنا في الآية الأولى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. لذلك نحن دعوتنا ليست محصورة في الكتاب والسنة، وهذا لا بد منه لكل مسلم، لكننا نضيف إلى ذلك، صيانةً لنا من أن ننحرف يمينا أويساراً، وأن نكون فرقة من الفرق الاثنين وسبعين، وكل هؤلاء لا يوجد فيهم لوضربنا مثلاً من أخطر الفرق الإسلامية الموجودة اليوم الحديثة على وجه الأرض كالطائفة

стр. 275

القاديانية مثلاً، والذين ينتسبون إلى الأحمدية، تضليلاً لجماهير المسلمين، هؤلاء لو قلنا لهم ما مذهبكم؟ لقالوا: الكتاب والسنة، ولكنهم يتلاعبون ويفسرون الكتاب والسنة على خلاف ما كان عليه السلف الصالح، والأمثلة في هذا المجال كثيرة وكثيرة جداً لعل لبيان هذا مجال آخر، فبهذا القدر كفاية، والحمد لله رب العالمين. الشيخ: بخطبة الحاجة، نبتدئها بخطبة الحاجة، إن شئت أنت أم شئت أنا. الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمد عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] .. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] .. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وبعد، ، فلان يفرض علي أنا شخصياً بعض الأسئلة، وأرجو ربنا ﵎، أن يوفقني للإجابة عنها كلها أو جزئها أو بعضها، ولئن وفقت للإجابة عن بعضها، فذلك فضلاً من الله ﵎، وما عجزت عنه فإني أكل العلم إلى عالمه، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]،

стр. 276

هذا ما يتعلق بي، أما ما يتعلق بكم، أيها السامعون فهوأن تحافظوا على المحافظة على عدم الاضطراب في توجيه الأسئلة، وعدم توجيهها شفهياً، وإنما كتابة، والآن أخونا أبو إسحاق (١) يوجه ما عنده من الأسئلة، نرجو من الله ﵎ التوفيق لنا ولكم. (الهدى والنور / ٣٩٦/ ٠٦: ٠٤: ٠٠) باب منه المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه، وبعد , فإن الله تعالى، قد من علينا بنعمة الإيمان، ومنَّ على الأمة بعلماء هم الذين أكرمهم الله تعالى بما أعطاهم من علم لِيُنيروا للناس السبيل إلى الله وإلى عبادة الله ، وهم ورثة الأنبياء بلا ريب، ومجيئنا كان دافعه وسيبقى إن شاء الله، مرضاة الله أولاً، وطلب العلم الذي يوصل إلى ذلك إن شاء الله، وواللهِ إنها لساعة طيبة أن نلتقي بشيخنا وبعالمنا وبأستاذنا الكبير الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، باسم أهالي الحي أولاً - حي شُويكَة - نرحب أجمل ترحيب بشيخنا الفاضل، وباسم أهالي المَفْرَقْ - وعلى وجه الخصوص طلبة العلم فيها - يرحبون أيضاً جميعاً وهم على شوقٍ كانوا في أن يلتقوا اليوم مع أستاذنا الكريم، ولا ضير فكلنا شوق إلى سماع ما عنده من دُرَرِ العلم ومن الحكمة إن شاء الله، فلنستمع إليه فيما مَنَّ الله تعالى عليه من علمه، ثم بعد أن يكتفيْ، أوأن

стр. 277

يكتفيَ شيخنا، فإن باب السؤال سيفتح، على أن يكون السؤال مكتوباً والوُرَيْقاتُ متوفرة إن شاء الله، ساعة طيبة أكرر، وأهلاً بشيخنا الكريم. الشيخ: أهلاً بكم، إن الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أشكر الأخ الأستاذ / إبراهيم على كلمته، وعلى ثنائه، وليس لي ما أقوله لقاء ذلك إلا الإقتداء بالخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، الذي كان الخليفة الحق والأول لرسول الله ﵌، ومع ذلك فكان إذا سمع شخصاً يُثْني عليه خيراً - وأعتقد أن ذلك الثناء مهما كان صاحبه قد غلا فيه فما دام أنه خليفة رسول الله - فهو بحق، ومع ذلك - الله المستعان -، ومع ذلك كان يقول: اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، هذا يقوله الصديق الأكبر، فماذا نقول نحن من بعده؟ فأقول - إقتداءً به-: اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون. الحَقَّ- والحَقَّ أقول- لَسْتُ بذاك الموصوف الذي سمعتموه آنفاً من أخينا الفاضل إبراهيم، وإنما أنا طالب علم، لا شيء آخر، وعلى كل طالبٍ أن يكون عند قول النبي ﵌: «بلغوا عني ولو آية، بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو. على هذا - وتجاوباً مع هذا النص النبوي الكريم والنصوص الأخرى

стр. 278

المتواردة والمتتابعة في كتاب الله وفي حديث رسول الله ﵌ - نقوم بجهد من تبليغ الناس ما قد لا يعلمونه، ولكن هذا لا يعني أننا أصبحنا عند حُسْنَ ظن إخواننا بنا، ليس الأمر كذلك. الحقيقة التي أشعر بها من قرارة نفسي أنني حينما أسمع مثل هذا الكلام أتذكر المثل القديم المعروف عند الأدباء، ألا وهو «إن البُغاث بأرضنا يَسْتَنْسِرُ»، «إن البُغاث بأرضنا يَسْتَنْسِرُ»، قد يخفى على بعض الناس المقصود من هذا الكلام أومن هذا المثل، البُغاث: هوطائر صغير لا قيمة له، فيصبح هذا الطير الصغير، نسراً عند الناس، لجهلهم بقوة النسر وضخامته، فصدق هذا المثل على كثيرٍ ممن يدْعُونَ بحق وبصواب، أوبخطأٍ وباطلٍ إلى الإسلام. لكن الله يعلم أنه خَلَتِ الأرض - الأرض الإسلامية كلها - إلا من أفرادٍ قليلين جداً جداً ممن يصح أن يقال فيهم: فلان عالم، كما جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌: «إن الله لا ينتزع العلم انْتِزاعا من صدور العلماء ولكنه يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً - هذا هو الشاهد - حتى إذا لم يبقِ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهَّالاً فَسُئِلوا فأفتوا بغير علمٍ فضلوا وأضلوا». إذا أراد الله أن يقبض العلم، لا ينتزعه انتزاعاً من صدور العلماء، بحيث أنه يصبح العالم كما لو كان لم يتعلم بالمرة، لا، ليست هذه من سنة الله ، في عباده، وبخاصة عباده الصالحين - أن يَذْهَبَ من صدورهم بالعلم الذي اكتسبوه، إرضاءً لوجه الله كما سمعتم آنفاً - كلمة ولو وجيزة من الأخ إبراهيم بارك الله فيه أن هذا الاجتماع إنما كان لطلب العلم، فالله عز وجل

стр. 279

حكمٌ عدلٌ لا ينتزع العلم من صدور العلماء حقاً، ولكنه جرت سنة الله في خلقه، أن يقبض العلم بقبض العلماء إليه، كما فعل بسيد العلماء والأنبياء والرسل محمد ﵌، حتى إذا لم يُبْقِ عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فَسُئِلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا، ليس معنى هذا: أن الله يُخْلي الأرض، من عالمٍ تقوم به حجة الله على عباده، ولكن معنى هذا: أنه كلما تأخر الزمن كلما قَلَّ العلم، وكلما تأخر ازداد قلةً ونقصاناً حتى لا يَبْقى على وجه الأرض من يقول: الله، الله. هذا الحديث تسمعونه مراراً - وهو حديث صحيح -: «لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول الله، الله»، «من يقول: الله الله»، وكثيراً من أمثال هؤلاء المشار إليهم في آخر الحديث المذكور، قَبْض الله العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقي عالماً اتخذ الناس رؤوسا جُهّالاً، من هؤلاء الرّؤوس، من يفسر القرآن والسنة بِتَفاسير مُخالفة لما كان عليه العلماء - لا أقول: سلفاً فقط بل وخلفاً أيضاً -. فإنهم يحتجون بهذا الحديث: «الله، الله» على جواز بل على استحباب ذكر الله باللفظ المفرد «الله، الله» ... إلى آخره، لكي لا يغتر مُغْتَر ما أويجهل جاهلٌ ما حينما يسمع هذا الحديث بمثل ذلك التأويل بدا لي ولوعرضاً أن أُذَكِّرَ إخواننا الحاضرين بأن هذا التفسير باطلٌ: - أولاً: من حيث أنه جاء بيانه في رواية أخرى عن رسول الله ﵌. وثانياً: لأن هذا التفسير لو كان صحيحاً لجرى عليه عمل سلفنا الصالح ﵃، فإذْ لم يفعلوا دل إعراضهم عن الفعل بهذا التفسير على بطلان هذا التفسير.

стр. 280

فكيف بكم إذا انضم إلى هذا الرواية الأخرى - وهذا بيت القصيد كما يقال - أن الإمام أحمد ﵀ روى هذا الحديث في مسنده بالسند الصحيح بلفظ: «لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول: لا إله إلا الله» إذن هذا هو المقصود بلفظة الجلالة المكرر، المكررة في الرواية الأولى، الشاهد: أن الأرض اليوم مع الأسف الشديد خَلَتْ من العلماء الذين كانوا يملؤون الأرض الرحبة الواسعة بعلمهم وينشرونه بين صفوف أمتهم فأصبحوا اليوم كما قيل: وقد كانوا إذا عدوا قليلاً، فصاروا اليوم أقل من القليلِ فنحن نرجومن الله أن يجعلنا من طلاب العلم الذين يَنْحَوْنَ منحى العلماء حقاً ويسلكون سبيلهم صِدْقاً، هذا ما نرجوه من الله أن يجعلنا من هؤلاء الطلاب السالكين ذلك المسلك الذي قال عنه ﵌: «من سلك طريقاً يلتمس به علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة» رواه مسلم. وهذا يفتح لي باب الكلام على هذا العلم، الذي يُذْكَرُ في القرآن كثيراً وكثيراً جداً، كَمِثْلِ قوله تعالى: ﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ وقوله : ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ ما هوهذا العلم الذي أثنى الله على أهله والمتلبسين به وعلى من سلك سبيلهم؟ الجواب - كما قال الإمام ابن قيم الجوزية ﵀ تلميذ شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀: العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتَّمْويه ما العلم نَصْبَكَ للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فقيه كلاّ ولا جَحْد الصفات ونفيها ... حذراً من التمثيل والتشبيه

стр. 281

فالعلم إذن نأخذ من هذه الكلمة ومن هذا الشعر الذي نادراً ما نسمعه في كلام الشعراء لأن شعر العلماء هو غير شعر الشعراء، فهذا رجل عالم، ويُحْسِنُ الشعر أيضاً، فهو يقول: العلم: «قال الله»، في المرتبة الأولى، «قال رسول الله» في المرتبة الثانية، «قال الصحابة» في المرتبة الثالثة، هنا سأجعل كلمتي في هذه الأمسية الطيبة المباركة إن شاء الله، كلمة ابن القيم هذه تُذَكِّرُنا بحقيقة هامة جداً جداً طالما غفل عنها جمهور الدعاة المنتشرين اليوم في الإسلام باسم الدعوة إلى الإسلام، هذه الحقيقة ما هي؟ المعروف لدى هؤلاء الدعاة جميعاً: أن الإسلام إنما هوكتاب الله وسنة رسول الله ﵌، وهذا حق لا ريب فيه ولكنه ناقص هذا النقص هوالذي أشار إليه ابن القيم في شِعْرِهِ السابق فَذَكَرَ بعد الكتاب والسنة، الصحابة، العلم: قال الله قال رسوله قال الصحابة ... إلى آخره. الآن نادراً ما نسمع أحداً يَذْكُرُ مع الكتاب والسنة، الصحابة، وهم كما نعلم جميعاً رأس السلف الصالح الذين تواتر الحديث عن النبي ﵌ بقوله: «خير الناس قرني» ولا تقولوا كما يقول الجماهير من الدعاة: خير القرون، خير القرون ليس له أصل في السنة، السنة الصحيحة في الصحيحين وغيرهما من مراجع الحديث والسنة مُطْبِقَة على رواية الحديث بلفظ: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم». هؤلاء الصحابة الذين هم على رأس القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية، ضَمَّهم الإمام ابن قيم الجوزية إلى الكتاب والسنة، فهل كان هذا الضم منه رأياً واجتهاداً واستنباطاً يمكن أن يتعرض للخطأ؟ لأن لكل جواد كَبْوَة، إنْ لم نقل: بل كبوات.

стр. 282

الجواب: لا، هذا ليس من الاستنباط ولا هو من الاجتهاد الذي يقبل احتمال أن يكون خطأً، وإنما هو اعتماد على كتاب الله وعلى حديث رسول الله ﵌، أما الكتاب: فقول ربنا في القرآن الكريم: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويَتَّبِعْ غير سبيل المؤمنين﴾، ﴿ويَتَّبِع غير سبيل المؤمنين﴾ لم يقتصر ربنا في الآية - ولو فعل لكان حقاً - لم يقل: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى﴾ وإنما قال - لحكمة بالغة وهي التي نحن الآن في صدد بيانها وشرحها قال: ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾، ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويَتَّبِعْ غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونُصْلِهِ جهنم وساءت مصيراً﴾ هذه الآية أرجو أن تكون ثابتةً في ألبابكم وفي قلوبكم ولا تذهب عنكم، لأنها الحق مثلما أنكم تنطقون وبذلك تنجون عن أن تنحرفوا يميناً أو يساراً وعن أن تكونوا ولوفي جزئية واحدة أوفي مسألة واحدة من فرقة من الفرق الغير الناجية، إن لم نقل: من الفرق الضالة، لأن النبي ﵌ قال في الحديث المعروف وأقتصر منه الآن على الشاهد منه: «وسَتَفْتَرِقُ أمتي على ثلاثٍ وسبعين فِرْقَة كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «هي الجماعة» الجماعة: هي سبيل المؤمنين، فالحديث إنْ لم يكن وحياً مباشراً من الله على قلب نبيه ﵌، وإلا فهواقتباس من الآية السابقة: ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ إذا كان من يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين قد أُوْعِدَ بالنار، فالعكس بالعكس: من اتبع سبيل المؤمنين فهومَوْعود بالجنة ولا شك ولا ريب، إذن رسول الله لما أجاب عن سؤال: ما هي الفرقة الناجية؟ من هي؟ قال: (الجماعة)، إذن، الجماعة: هي طائفة المسلمين، ثم جاءت الرواية الأخرى تُؤَكِّدُ هذا المعنى بل وتزيده إيضاحاً وبياناً، حيث قال ﵇: «هي ما أنا عليه وأصحابي»، «أصحابي» إذن هي سبيل المؤمنين، فحينما قال ابن القيم ﵀ في كلامه

стр. 283

السابق ذِكْره (والصحابة) وأصحابه ﵇، فإنما اقتبس ذلك من الآية السابقة ومن هذا الحديث، كذلك الحديث المعروف حديث العرباض ابن سارية رضي الله تعالى عنه أيضاً أَقْتَصِر منه الآن - حتى نُفْسِحَ المجال لبعض الأسئلة- على مَوْضِع الشاهد منه، حيث قال ﵇: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»، إذن، هنا كالحديث الذي قبله وكالآية السابقة، لم يَقُلِ الرسول ﵇: فعليكم بسنتي فقط، وإنما أضاف أيضاً إلى سُنَّتِهِ: سنة الخلفاء الراشدين، من هنا، نحن نقول وبخاصة في هذا الزمان، زمان تضاربت فيه الآراء والأفكار والمذاهب وتكاثرت الأحزاب والجماعات حتى أصبح كثير من الشباب المسلم يعيش حيران، لا يدري إلى أيِّ جماعة ينتسب؟ فَهُنا يأتي الجواب في الآية وفي الحديثين المذكورين، اتبعوا سبيل المؤمنين، سبيل المؤمنين في العصر الحاضر؟ الجواب: لا، وإنما في العصر الغابر، العصر الأول، عصر الصحابة، السلف الصالح، هؤلاء ينبغي أن يكونوا قدوتنا وأن يكونوا متبوعنا، وليس سواهم على وجه الأرض مطلقاً، إذن دعوتنا - هنا الشاهد وهنا بيت القصيد- تقوم على ثلاثة أركان على الكتاب والسنة وإتباع السلف الصالح، فمن زعم بأنه يتبع الكتاب والسنة ولا يتبع السلف الصالح، ويقول بلسان حاله وقد يقول بلسان قاله وكلامه: هم رجال ونحن رجال، فإنه يكون في زَيْغٍ وفي ضلال، لماذا؟ لأنه ما أخذ بهذه النصوص التي أسمعناكم إياها آنفاً، لقد اتبع سبيل المؤمنين؟ لا، لقد اتبع أصحاب الرسول الكريم؟ لا، ما اتبع؟ اتبع إن لم أقل هواه، فقد اتبع عقله، والعقل معصوم؟ الجواب: لا، إذن فقد ضل ضلالاً مبيناً، أنا أعتقد أن سبب الخلاف الكثير المتوارث في فرق معروفة قديماً والخلاف الناشئ اليوم حديثاً هو: عدم الرجوع إلى هذا المصدر الثالث: وهوالسلف الصالح فكلٌّ يدَّعي الانتماء إلى الكتاب والسنة، وطالما

стр. 284

سمعنا مثل هذا الكلام من الشباب الحيران، حيث يقول: يا أخي هؤلاء يقولون: الكتاب والسنة، وهؤلاء يقولون: الكتاب والسنة فما هو الحَكَمُ الفصل؟ الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، فمن اعتمد على الكتاب والسنة دون أن يعتمد على السلف الصالح ما اعتمد على الكتاب والسنة، وإنما اعتمد على عقله، إنْ لم أقل: على هواه، من عادتي أن أضرب بعض الأمثلة، لتوضيح هذه المسألة بل هذا الأصل الهام، وهو على (منهج السلف الصالح)، هناك كلمة تُرْوى عن الفاروق عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: إذا جادلكم أهل الأهواء والبدع بالقرآن فجادلوهم بالسنة، فإن القرآن حَمّالُ وجوه، من أجل، لماذا قال عمر هذه الكلمة؟ أقول: من أجل ذلك قال الله مخاطباً نبيه ﵇ في القرآن بقوله: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لِتُبَيِّنَ للناس ما نُزِّلَ إليهم﴾ تُرى هل يستطيع مسلم عربي - هوكما يقال سيبويه زمانه في المعرفة باللغة العربية وأدبها وأسلوبها - هل يستطيع أن يفهم القرآن من غير طريق رسولنا ﵌؟ الجواب: لا، وإلا كان قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ للناس ما نُزِّلَ إليهم﴾ عبثاً، وحاشا كلام الله أن يكون فيه أي عبث، إذن من أراد أن يفهم القرآن من غير طريق الرسول ﵇ فقد ضل ضلالاً بعيداً، ثم هل بإمكان ذلك الرجل أن يفهم القرآن والسنة من غير طريق الرسول ﵊ [أظن هنا سبق لسان من الشيخ ﵀ وأظنه يقصد الصحابة رضوان الله عليهم]؟ الجواب - أيضاً: لا، ذلك لأنهم هم الذين: - أولاً: نقلوا إلينا لفظ القرآن الذي أنزله الله على قلب محمد ﵊. وثانياً: نقلوا لنا بيانه ﵇ الذي ذُكِرَ في الآية السابقة وتطبيقه عليه

стр. 285

الصلاة والسلام لهذا القرآن الكريم، هنا لابد لي من وقفة أرجو أن تكون قصيرة، بيانه ﵇ يكون على ثلاثة أنواع: ١ - لفظاً. ٢ - وفعلاً. ٣ - وتقريراً. لفظاً: من الذي ينقله؟ أصحابه، فعله: من الذي ينقله؟ أصحابه، تقريره: من الذي ينقله؟ أصحابه، من أجل ذلك لا يمكننا أن نَسْتَقِلَّ في فهم الكتاب والسنة على مداركنا اللغوية فقط، بل لابد أن نستعين على ذلك، لا يعني هذا أن اللغة نستطيع أن نستغني عنها، لا، ولذلك نحن نعتقد جازمين أن الأعاجم الذين لم يُتْقِنوا اللغة العربية وقعوا في أخطاء كثيرة وكثيرة جداً، وبخاصة إذا وقعوا في هذا الخطأ الأصولي: وهوعدم رجوعهم إلى السلف الصالح في فهم الكتاب والسنة، لا أعني من كلامي السابق عدم الاعتماد على اللغة، كيف؟ وإذا أردنا أن نفهم كلام الصحابة فلا بد أن نفهم اللغة العربية كما أنه لابد لفهم القرآن والسنة من معرفة اللغة العربية، لكننا نقول: أن بيان ﵌ المذكور في الآية السابقة، هوعلى ثلاثة أقسام: ١ - قول. ٢ - وفعل. ٣ - وتقرير. لنضرب مثلاً أو أكثر - إذا اضطررنا إليه لنستوعب أن هذا التقسيم هو الأمر الواقع ماله من دافع -: قوله ﵎: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾
следующие страницы →