← Акыда

Акыда · id 145205

جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى

ناصر الدين الألباني

Полный текст (5 605 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فالعلم إذن نأخذ من هذه الكلمة ومن هذا الشعر الذي نادراً ما نسمعه في كلام الشعراء لأن شعر العلماء هو غير شعر الشعراء، فهذا رجل عالم، ويُحْسِنُ الشعر أيضاً، فهو يقول: العلم: «قال الله»، في المرتبة الأولى، «قال رسول الله» في المرتبة الثانية، «قال الصحابة» في المرتبة الثالثة، هنا سأجعل كلمتي في هذه الأمسية الطيبة المباركة إن شاء الله، كلمة ابن القيم هذه تُذَكِّرُنا بحقيقة هامة جداً جداً طالما غفل عنها جمهور الدعاة المنتشرين اليوم في الإسلام باسم الدعوة إلى الإسلام، هذه الحقيقة ما هي؟ المعروف لدى هؤلاء الدعاة جميعاً: أن الإسلام إنما هوكتاب الله وسنة رسول الله ﵌، وهذا حق لا ريب فيه ولكنه ناقص هذا النقص هوالذي أشار إليه ابن القيم في شِعْرِهِ السابق فَذَكَرَ بعد الكتاب والسنة، الصحابة، العلم: قال الله قال رسوله قال الصحابة ... إلى آخره. الآن نادراً ما نسمع أحداً يَذْكُرُ مع الكتاب والسنة، الصحابة، وهم كما نعلم جميعاً رأس السلف الصالح الذين تواتر الحديث عن النبي ﵌ بقوله: «خير الناس قرني» ولا تقولوا كما يقول الجماهير من الدعاة: خير القرون، خير القرون ليس له أصل في السنة، السنة الصحيحة في الصحيحين وغيرهما من مراجع الحديث والسنة مُطْبِقَة على رواية الحديث بلفظ: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم». هؤلاء الصحابة الذين هم على رأس القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية، ضَمَّهم الإمام ابن قيم الجوزية إلى الكتاب والسنة، فهل كان هذا الضم منه رأياً واجتهاداً واستنباطاً يمكن أن يتعرض للخطأ؟ لأن لكل جواد كَبْوَة، إنْ لم نقل: بل كبوات.

стр. 282

الجواب: لا، هذا ليس من الاستنباط ولا هو من الاجتهاد الذي يقبل احتمال أن يكون خطأً، وإنما هو اعتماد على كتاب الله وعلى حديث رسول الله ﵌، أما الكتاب: فقول ربنا في القرآن الكريم: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويَتَّبِعْ غير سبيل المؤمنين﴾، ﴿ويَتَّبِع غير سبيل المؤمنين﴾ لم يقتصر ربنا في الآية - ولو فعل لكان حقاً - لم يقل: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى﴾ وإنما قال - لحكمة بالغة وهي التي نحن الآن في صدد بيانها وشرحها قال: ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾، ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويَتَّبِعْ غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونُصْلِهِ جهنم وساءت مصيراً﴾ هذه الآية أرجو أن تكون ثابتةً في ألبابكم وفي قلوبكم ولا تذهب عنكم، لأنها الحق مثلما أنكم تنطقون وبذلك تنجون عن أن تنحرفوا يميناً أو يساراً وعن أن تكونوا ولوفي جزئية واحدة أوفي مسألة واحدة من فرقة من الفرق الغير الناجية، إن لم نقل: من الفرق الضالة، لأن النبي ﵌ قال في الحديث المعروف وأقتصر منه الآن على الشاهد منه: «وسَتَفْتَرِقُ أمتي على ثلاثٍ وسبعين فِرْقَة كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «هي الجماعة» الجماعة: هي سبيل المؤمنين، فالحديث إنْ لم يكن وحياً مباشراً من الله على قلب نبيه ﵌، وإلا فهواقتباس من الآية السابقة: ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ إذا كان من يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين قد أُوْعِدَ بالنار، فالعكس بالعكس: من اتبع سبيل المؤمنين فهومَوْعود بالجنة ولا شك ولا ريب، إذن رسول الله لما أجاب عن سؤال: ما هي الفرقة الناجية؟ من هي؟ قال: (الجماعة)، إذن، الجماعة: هي طائفة المسلمين، ثم جاءت الرواية الأخرى تُؤَكِّدُ هذا المعنى بل وتزيده إيضاحاً وبياناً، حيث قال ﵇: «هي ما أنا عليه وأصحابي»، «أصحابي» إذن هي سبيل المؤمنين، فحينما قال ابن القيم ﵀ في كلامه

стр. 283

السابق ذِكْره (والصحابة) وأصحابه ﵇، فإنما اقتبس ذلك من الآية السابقة ومن هذا الحديث، كذلك الحديث المعروف حديث العرباض ابن سارية رضي الله تعالى عنه أيضاً أَقْتَصِر منه الآن - حتى نُفْسِحَ المجال لبعض الأسئلة- على مَوْضِع الشاهد منه، حيث قال ﵇: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»، إذن، هنا كالحديث الذي قبله وكالآية السابقة، لم يَقُلِ الرسول ﵇: فعليكم بسنتي فقط، وإنما أضاف أيضاً إلى سُنَّتِهِ: سنة الخلفاء الراشدين، من هنا، نحن نقول وبخاصة في هذا الزمان، زمان تضاربت فيه الآراء والأفكار والمذاهب وتكاثرت الأحزاب والجماعات حتى أصبح كثير من الشباب المسلم يعيش حيران، لا يدري إلى أيِّ جماعة ينتسب؟ فَهُنا يأتي الجواب في الآية وفي الحديثين المذكورين، اتبعوا سبيل المؤمنين، سبيل المؤمنين في العصر الحاضر؟ الجواب: لا، وإنما في العصر الغابر، العصر الأول، عصر الصحابة، السلف الصالح، هؤلاء ينبغي أن يكونوا قدوتنا وأن يكونوا متبوعنا، وليس سواهم على وجه الأرض مطلقاً، إذن دعوتنا - هنا الشاهد وهنا بيت القصيد- تقوم على ثلاثة أركان على الكتاب والسنة وإتباع السلف الصالح، فمن زعم بأنه يتبع الكتاب والسنة ولا يتبع السلف الصالح، ويقول بلسان حاله وقد يقول بلسان قاله وكلامه: هم رجال ونحن رجال، فإنه يكون في زَيْغٍ وفي ضلال، لماذا؟ لأنه ما أخذ بهذه النصوص التي أسمعناكم إياها آنفاً، لقد اتبع سبيل المؤمنين؟ لا، لقد اتبع أصحاب الرسول الكريم؟ لا، ما اتبع؟ اتبع إن لم أقل هواه، فقد اتبع عقله، والعقل معصوم؟ الجواب: لا، إذن فقد ضل ضلالاً مبيناً، أنا أعتقد أن سبب الخلاف الكثير المتوارث في فرق معروفة قديماً والخلاف الناشئ اليوم حديثاً هو: عدم الرجوع إلى هذا المصدر الثالث: وهوالسلف الصالح فكلٌّ يدَّعي الانتماء إلى الكتاب والسنة، وطالما

стр. 284

سمعنا مثل هذا الكلام من الشباب الحيران، حيث يقول: يا أخي هؤلاء يقولون: الكتاب والسنة، وهؤلاء يقولون: الكتاب والسنة فما هو الحَكَمُ الفصل؟ الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، فمن اعتمد على الكتاب والسنة دون أن يعتمد على السلف الصالح ما اعتمد على الكتاب والسنة، وإنما اعتمد على عقله، إنْ لم أقل: على هواه، من عادتي أن أضرب بعض الأمثلة، لتوضيح هذه المسألة بل هذا الأصل الهام، وهو على (منهج السلف الصالح)، هناك كلمة تُرْوى عن الفاروق عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: إذا جادلكم أهل الأهواء والبدع بالقرآن فجادلوهم بالسنة، فإن القرآن حَمّالُ وجوه، من أجل، لماذا قال عمر هذه الكلمة؟ أقول: من أجل ذلك قال الله مخاطباً نبيه ﵇ في القرآن بقوله: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لِتُبَيِّنَ للناس ما نُزِّلَ إليهم﴾ تُرى هل يستطيع مسلم عربي - هوكما يقال سيبويه زمانه في المعرفة باللغة العربية وأدبها وأسلوبها - هل يستطيع أن يفهم القرآن من غير طريق رسولنا ﵌؟ الجواب: لا، وإلا كان قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ للناس ما نُزِّلَ إليهم﴾ عبثاً، وحاشا كلام الله أن يكون فيه أي عبث، إذن من أراد أن يفهم القرآن من غير طريق الرسول ﵇ فقد ضل ضلالاً بعيداً، ثم هل بإمكان ذلك الرجل أن يفهم القرآن والسنة من غير طريق الرسول ﵊ [أظن هنا سبق لسان من الشيخ ﵀ وأظنه يقصد الصحابة رضوان الله عليهم]؟ الجواب - أيضاً: لا، ذلك لأنهم هم الذين: - أولاً: نقلوا إلينا لفظ القرآن الذي أنزله الله على قلب محمد ﵊. وثانياً: نقلوا لنا بيانه ﵇ الذي ذُكِرَ في الآية السابقة وتطبيقه عليه

стр. 285

الصلاة والسلام لهذا القرآن الكريم، هنا لابد لي من وقفة أرجو أن تكون قصيرة، بيانه ﵇ يكون على ثلاثة أنواع: ١ - لفظاً. ٢ - وفعلاً. ٣ - وتقريراً. لفظاً: من الذي ينقله؟ أصحابه، فعله: من الذي ينقله؟ أصحابه، تقريره: من الذي ينقله؟ أصحابه، من أجل ذلك لا يمكننا أن نَسْتَقِلَّ في فهم الكتاب والسنة على مداركنا اللغوية فقط، بل لابد أن نستعين على ذلك، لا يعني هذا أن اللغة نستطيع أن نستغني عنها، لا، ولذلك نحن نعتقد جازمين أن الأعاجم الذين لم يُتْقِنوا اللغة العربية وقعوا في أخطاء كثيرة وكثيرة جداً، وبخاصة إذا وقعوا في هذا الخطأ الأصولي: وهوعدم رجوعهم إلى السلف الصالح في فهم الكتاب والسنة، لا أعني من كلامي السابق عدم الاعتماد على اللغة، كيف؟ وإذا أردنا أن نفهم كلام الصحابة فلا بد أن نفهم اللغة العربية كما أنه لابد لفهم القرآن والسنة من معرفة اللغة العربية، لكننا نقول: أن بيان ﵌ المذكور في الآية السابقة، هوعلى ثلاثة أقسام: ١ - قول. ٢ - وفعل. ٣ - وتقرير. لنضرب مثلاً أو أكثر - إذا اضطررنا إليه لنستوعب أن هذا التقسيم هو الأمر الواقع ماله من دافع -: قوله ﵎: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾

стр. 286

السارق - انظروا الآن كيف لا يمكننا أن نعتمد في تفسير القرآن على اللغة فقط - السارق لغةً: هوكل من سرق مالاً من مكانٍ حَريز، مهما كان هذا المال ليس ذا قيمة، سرق بيضة - مثلاً - سرق فلساً، قرشاً، هذا لغةً: سارق، قال تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، هل كل من سرق تُقْطَعُ يدُه؟ الجواب: لا، لِمَ؟ لأن المُبَيِّن الذي تولى تَبْيينَ المُبَيَّن - المُبَيِّن رسول الله، والمُبَيَّن كلام الله - قد بين لنا رسول الله من الذي تقطع يده من السارقين فقال: «لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً» أخرجه البخاري ومسلم من طريق أبي بكر بن محمد بن عمروبن حزم عن عمرة عن عائشة ﵂، فمن سرق أقل من رُبْع دينار - وإن كان يُسَمّى لغةً: سارق - ولكنه لا يُسَمّى شرعاً سارق، إذن من هنا نتوصل إلى حقيقة علمية كثير من طلاب العلم هم غافلون عنها، هناك لغةٌ عربية متوارثة ولغة شرعية، الله اصطلح عليها لم يكن للعرب الذين يتكلمون بلغة القرآن التي نزل بها القرآن ما كانوا يعرفون من قبل مثل هذا الاصطلاح، فإذا أطلق السارق لغةً: شَمِلَ كل سارق، أما إذا ذُكِرَ السارق شرعاً، فلا يشمل كل سارق، وإنما من سرق ربع دينار فصاعداً، إذن هذا مثالٌ واقعي أننا لا نستطيع أن نستقل في فهم الكتاب والسنة على معرفتنا باللغة العربية، وهذا ما يقع فيه كثير من الكُتّاب المعاصرين اليوم، يُسَلِّطون معرفتهم باللغة العربية على آياتٍ كريمة والأحاديث النبوية فيفسرونها، فيأتوننا بتفسير بِدْعِيٍّ لا يعرفه المسلمون من قبل، لذلك نقول يجب أن نفهم أن دعوة الإسلام الحق هي قائمة على ثلاثة أصول وعلى ثلاثة قواعد: ١ - الكتاب. ٢ - والسنة.

стр. 287

٣ - وما كان عليه سلفنا الصالح. ﴿والسارق والسارقة﴾ إذن لا تُفَسَّر هذه الآية على مُقْتَضى اللغة، وإنما على مُقْتَضى اللغة الشرعية التي قالت: «لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً» ثم قال في تمام الآية: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾ ما هي اليد في اللغة؟ هذه كلها يد من أنامل إلى [ .. ] فهل تقطع من هنا أم من هنا أم من هنا بين ذلك الرسول بفعله، ليس عندنا هناك حديث صحيح - كما جاء في تحديد السرقة التي يستحق السارق أن تُقْطَع يده من أجلها ليس عندنا حديث - يحدد لنا مكان القطع من بيانه القولي، وإنما عندنا بيان فعلي تطبيقي عملي، من أين نعرف هذا التطبيق؟ من سلفنا الصالح أصحاب النبي ﵌، هذا هوالقسم الثاني وهوالبيان الفعلي. القسم الثالث: إقرار الرسول ﵇ للشيء لا يُنْكِرُهُ ولا ينهى عنه، هذا الإقرار ليس قولاً منه، ولا فعلاً صدر منه، إنما هذا الفعل صدر من غيره، كل ما صدر منه أنه رأى وأقر، فإذا رأى أمراً وسكت عنه وأقره صار أمراً مقرراً جائزاً، وإذا رأى أمراً فأنكره ولوكان ذلك الأمر واقعاً من بعض الصحابة ولكن ثبت أنه نهى عنه حينئذٍ هذا الذي نهى عنه يختلف كل الاختلاف عن ذلك الذي أقره، وهاكم المثال للأمرين الاثنين - وهذا من غرائب الأحاديث -: يقول عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما: كنا نشرب ونحن قيام، ونأكل ونحن نمشي، في عهد الرسول ﵊، تحدث عبد الله في هذا الحديث عن أمرين اثنين: ١ - عن الشرب من قيام. ٢ - وعن الأكل ماشياً. وأن هذا كان أمراً واقعاً في عهد الرسول ﵇، فما هو الحكم الشرعي

стр. 288

بالنسبة لهذين الأمرين: الشرب قائماً والأكل ماشياً؟ إذا طبقنا كلامنا السابق نستطيع أن نأخذ الحكم طبعاً بضميمة لا بُدَّ منها وهي: من كان على علمٍ بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قولاً وفعلاً وتقريراً، فإذا رجعنا إلى السنة الصحيحة فيما يتعلق بالأمر الأول الذي ابْتُلِيَ كثير من المسلمين إنْ لم أقل ابْتُلِيَ به أكثر المسلمين بمخالفة قول الرسول الكريم، ألا وهو: الشرب قائماً - كانوا يشربون قياماً كانوا يلبسون الذهب كانوا يلبسون الحرير هذه حقائق لا يمكن إنكارها - لكن هل أقر الرسول ذلك؟ الجواب: أنكر شيئاً وأقر شيئاً، فما أنكره صار في حدود المُنْكَر، وما أقره صار في حدود المعروف، فأنكر الشرب قائماً في أحاديث كثيرة - ولا أريد الإفاضة فيها حتى ما نخرج -: أولاً: عما خططنا لأنفسنا من أن نختصر الكلام في هذا الموضوع إفساحاً لمجال الأسئلة. وثانياً: إن هذه المسألة لِوَحْدِها تحتاج إلى جلسة خاصة. لكن حسبي أن أروي لكم حديثاً صحيحاً أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «نهى رسول الله ﵌ عن الشرب قائماً» وفي لفظٍ: «زَجَرَ رسول الله ﵌ عن الشرب قائماً» إذن هذا الذي كان يفعل بشهادة حديث ابن عمر في عهد الرسول ﵇ قد نهى هوعنه، فصار ما كانوا يفعلونه أمراً ملغياًّ، بِنَهْيِ الرسول عنه، لكن الشطر الثاني من الحديث وهو: أنهم كانوا يأكلون وهم يمشون، ما جاءنا نَهْيٌ عن رسول الله ﵌ فاستفدنا من هذا الإقرار حكماً شرعياً، إلى هنا أكتفي الآن لبيان ضرورة الاعتماد على فهم الكتاب والسنة على ما كان عليه السلف الصالح وليس أن يستقل

стр. 289

الإنسان بفهم الكتاب والسنة كيف ما بدا لعلمه إن لم نقل: لجهله، لكن لابد بعد أن تَبَيَّنَ أهمية هذا القيد (على منهج السلف الصالح) أن أُقَرِّبَ لكم بعض الأمثلة: قديماً تفرق المسلمون إلى فرق كثيرة: تسمعون بالمعتزلة، تسمعون بالمرجئة، تسمعون بالخوارج، تسمعون بالزيدية فضلاً عن الشيعة الرافضة وهكذا، ما في هؤلاء طائفة مهما كانت عريقةً في الضلال لا يشتركون مع سائر المسلمين، في قولهم: نحن على الكتاب والسنة، ما أحد منهم يقول: نحن لا نتبنى الكتاب والسنة، وإلا لوقال أحد منهم هذا خرج من الإسلام بالكلية، إذن، لماذا هذا التفرق ما دام أنهم جميعاً يعتمدون على الكتاب والسنة؟ وأنا أشهد أنهم يعتمدون على الكتاب والسنة، ولكن كيف كان هذا الاعتماد؟ دون الاعتماد على الأصل الثالث: (على ما كان عليه السلف الصالح) مع ضميمةٍ أخرى لابد أيضاً من التنبيه عليها وهي: أن السنة تختلف كل الاختلاف عن القرآن الكريم، من حيث: أن القرآن الكريم محفوظ بين دفتي المصحف كما هومعلوم لدى الجميع، أما السنة فهي: أولاً: موزعة في مئات الكتب - إن لم أقل: ألوف الكتب - منها قسم كبير جداً لا يزال في عالم الغيب في عالم المخطوطات، ثم حتى هذه الكتب المطبوعة منها اليوم فيها الصحيح وفيها الضعيف، فالذين يعتمدون على السنة سواء كانوا من الذين ينتمون إلى أهل السنة والجماعة وعلى منهج السلف الصالح، أوكانوا من الفرق الأخرى، كثير من هؤلاء من لا يميزون السنة الصحيحة من الضعيفة، فيقعون في مخالفة الكتاب والسنة، بسبب اعتمادهم على أحاديث ضعيفة أوموضوعة، الشاهد: هناك بعض الفرق التي أشرنا إليها تُنْكِرُ بعض الحقائق القرآنية والأحاديث النبوية قديماً وأيضاً حديثاً، القرآن الكريم يثبت ويبشر المؤمنين بنعمة عظيمة جداً يحظَوْن بها يوم يلقون الله عز

стр. 290

وجل في جنة النعيم، حيث يتجلى رب العالمين عليهم فيرونه، كما قال ذلك العالم السلفي: يراه المؤمنون بغير كيف ... وتشبيهٍ وضربٍ من مثال هذا عليه نصوص من القرآن وعشرات النصوص من أحاديث الرسول ﵇، كيف أَنْكَرَ هذه النعمة بعض الفرق القديمة والحديثة؟ أما القديمة: المعتزلة اليوم لا يوجد فيما علمت على وجه الأرض من يقول: نحن معتزلة، نحن على مذهب المعتزلة، لكنني رأيت رجلاً أحمق، يعلن أنه معتزلي وينكر حقائق شرعية جداً، لأنه ركب رأسه، فأولئك المعتزلة أنكروا هذه النعمة، وقالوا: بعقولهم الضعيفة، قالوا: مستحيل أن يُرَى الله ، فماذا فعلوا؟ هل أنكروا القرآن؟ الله يقول في القرآن الكريم: ﴿وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة﴾ هل أنكروا هذه الآية؟ لا، لوأنكروها لكفروا وارتدوا، لكن إلى اليوم أهل السنة حقاً يحكمون على المعتزلة بالضلال، لكن لا يُخْرِجونهم من دائرة الإسلام، لأنهم ما أنكروا هذه الآية، وإنما أنكروا معناها الحق الذي جاء بيانه في السنة كما سنذكر، فالله حين قال في حق المؤمنين أهل الجنة: ﴿وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة﴾ تأولوها، [دوبَلوا عليه] آمنوا بها لفظاً، وكفروا بها معنىً، والألفاظ - كما يقول العلماء: - هي قوالب المعاني، فإذا آمنا باللفظ وكفرنا بالمعنى فهذا الإيمان لا يُسْمِنُ ولا يغني من جوع، لكن لماذا هؤلاء أنكروا هذه الرؤيا؟ ضاقت عقولهم أن يتصوروا وأن يتخيلوا أن هذا العبد المخلوق العاجز، بإمكانه أن يرى الله جهرةً، كما طلب اليهود من موسى، فأعجزهم الله بالقصة المعروفة: ﴿انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾ ضاقت عقولهم، فاضطروا أن يتلاعبوا بالنص القرآني وأن يؤولوه، لماذا؟ لأن إيمانهم بالغيب ضعيف وإيمانهم بعقولهم أقوى من إيمانهم بالغيب الذي أُمِروا به في

стр. 291

مطلع سورة البقرة: ﴿ألم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب﴾ فالله غيب الغيوب، فمهما ربنا تحدث عن نفسه، فعلينا أن نصدق وأن نؤمن به، لأن مدارِكِنا قاصرة جداً، ما اعترف المعتزلة بهذه الحقيقة، ولذلك جحدوا كثيراً من الحقائق الشرعية، منها: قوله ﵎: ﴿وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة﴾ كذلك الآية الأخرى وهي قد تكون أخفى بالنسبة لأولئك الناس من الآية الأولى، وهي قوله : ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾، ﴿للذين أحسنوا الحسنى﴾ أي: الجنة، ﴿وزيادة﴾ أي: رؤية الله في الآخرة، هكذا جاء الحديث في صحيح مسلم بسنده الصحيح عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول ﵌: ﴿للذين أحسنوا الحسنى﴾ قال ﵇: (الجنة)، ﴿وزيادة﴾: (رؤية الله). أنكر المعتزلة وكذلك الشيعة - وهم معتزلة في العقيدة -، الشيعة معتزلة في العقيدة أنكروا رؤية الله، المصرَّح في الآية الأولى والمُبَيَّن من رسول الله في الآية الأخرى، مع تواتر الأحاديث عن النبي ﵌ فأوقعهم تأويلهم للقرآن في إنكار الأحاديث الصحيحة عن الرسول ﵇، فخرجوا عن أن يكونوا من الفرقة الناجية: «ما أنا عليه وأصحابي» الرسول كان على الإيمان بأن المؤمنين يرون ربهم، لأنه جاء في الصحيحين من أحاديث جماعة من أصحاب الرسول ﵇، منهم: أبو سعيد الخدري، منهم: أنس بن مالك، خارج الصحيح أبو بكر الصديق وهكذا، قال ﵊: «إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته»، روايتين: ١ - «لا تضامُون» بالتخفيف. ٢ - و «لا تضامُّون» بالتشديد.

стр. 292

والمقصود: لا تَشُكّون في رؤيته كما لا تشكون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب، أنكروا هذه الأحاديث بعقولهم، إذن هم ما سَلَّموا وما آمنوا، فكانوا ضعيفي الإيمان هذا مثال مما وقع فيه بعض الفرق قديماً، وعلى هذا حديثاً اليوم: الخوارج، ومنهم: الإباضية، الذين الآن نشطوا في الدعوة إلى ضلالهم، ولهم مقالات الآن ورسائل ينشرونها، ويُحْيون الخروج الذي عُرِفَ به الخوارج من قديم في كثير من انحرافاتهم، منها: إنكارهم رُؤْيَة الله في الجنة، الآن نأتيكم بمثال حديث: القاديانيون، ربما سمعتم بهم، هؤلاء يقولون كما نقول: نحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، يصلون الصلوات الخمس، يقيمون الجمعة، يحجون إلى بيت الله الحرام، ويعتمرون، لا فرق بيننا وبينهم هم كمسلمين، لكنهم يخالفوننا في كثير من العقائد منها - وهنا الشاهد - قولهم: بأن النبوة لم تُغْلَق بابها، يقولون بأنه سيأتي أنبياء بعد محمد ﵇، ويزعمون بأنه جاء أحد منهم في قاديان في بلدة في الهند، فمن لم يؤمن بهذا النبي عندهم فهو كافر، كيف قالوا هذا مع الآية الصريحة: ﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾؟ كيف قالوا هذا مع الأحاديث المتواترة بأنه: «لا نبي بعدي»؟ فأوَّلوا القرآن والسنة، وما فسروا القرآن والسنة كما فسرها السلف الصالح وتتابع أيضاً المسلمون على ذلك، دون خلاف بينهم، حتى جاء هذا الزائغ الضال المسمى بـ (ميرزا غلام أحمد القادياني)، فزعم بأنه نبي، وله قصة طويلة لسنا الآن في صددها، فاغتر به كثير ممن لا علم عندهم بهذه الحقائق التي هي: صيانة للمسلم من أن ينحرف يميناً ويساراً كما انحرف القاديانيون هؤلاء مع دجالهم هذا الذي ادعى النبوة، ماذا فعل بالآية: ﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ [الأحزاب: ٤٠]؟ قالوا: (خاتم النبيين): مِشْ معناها: لا نبي بعده، معناها: زينة النبيين، كما أن الخاتم هو: زينة الإصبع، كذلك

стр. 293

محمد زينة الأنبياء، إذن هم ما كفروا بالآية، ما قالوا: هذا ما أنزلها الله على قلب محمد، لكن كفروا بمعناها الحقيقي، إذن، ماذا يفيد الإيمان بالألفاظ دون الأيمان بحقائق المعاني، إذا كانت هذه حقيقة لا شك فيها، ما هو الطريق للوصول إلى معرفة حقائق المعاني للكتاب والسنة؟ قد عرفتم الطريق، ليس هو أن نعتمد نحن على عِلْمِنا باللغة وآدابها ونفسر القرآن والسنة بأهوائنا أو عاداتنا أو تقاليدنا أو مذاهبنا أو طرقنا، وإنما كما قيل - وأنهي الكلام بهذا القول-: وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف لعل في هذا ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .. انتهي بحمد لله الشريط (٦٤٠) والفضل لله وحده ...

стр. 294

باب منه قال الإمام: نُلِحُّ دائمًا في دروسنا ومحاضراتنا أنه لا يكفي إذا دعونا الناس إلى العمل بالكتاب والسنة أن نقتصر على هذا فقط في الدعوة، بل لابد أن نضم إلى ذلك جملة: (على منهج السلف الصالح) أونحوها، لقيام الأدلة الشرعية على ذلك وهي مذكورة في غير هذا الموضع. لابد من ذلك وخصوصًا في هذا العصر، حيث صارت الدعوة إلى الكتاب والسنة موضة العصر الحاضر، ودعوة كل الجماعات الإسلامية، والدعاة الإسلاميين - على ما بينهم من اختلافات أساسية وفرعية-، وقد يكون فيهم من هومن أعداء السنة عمليًّا، ومن يزعم أن الدعوة إليها يُفَرِّق الصف! عياذًا بالله. أسأل الله أن يحيينا على السنة، أن يميتنا عليها، متبعين لمن أثنى الله ﵎ عليهم بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. وأن يجعلنا ممن قال فيهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُومِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. "أصل صفة صلاة النبي ﷺ " (٣/ ٨٩١).

стр. 295

باب منه إنما تتميز الدعوة السلفية في هذا المجال الذي يدندن الجميع حول الكتاب والسنة أنهم يدعون إلى فهم الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح، لا يكتفون فقط بدعوة المسلمين إلى الرجوع للكتاب والسنة بل يزيدون على ذلك الرجوع إلى الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح، لأن هذه الطرق الكثيرة التي أشار إليها الرسول ﵌ إشارة عابرة في حديث الفرق الثلاث والسبعين قال عنها: "كلها في النار إلا واحدة، قال: من هي يا رسول الله؟ قال: ما عليه أنا اليوم وأصحابي"، وفي طريق أخرى وهي أصح قال: هي الجماعة، وفي الحديث الآخر: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ... إلى آخر الحديث. فنجد هنا في الحديثين تنبيها إلى هذا القيد الذي يتمسك به السلفيون من بين سائر الدعاة (الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح) لأن الرسول ﵇ ما قال: ما أنا عليه فقط، وإنما قال: وأصحابي، ما قال: عليكم بسنتي فقط، وإنما قال: وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، وهذا في الواقع اقتباس من القرآن الكريم مثل قوله عزوجل: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) فالله عزوجل قال (ويتبع غير سبيل المؤمنين) لماذا جاء بهذه الجملة؟ هذه الجملة بيانية خطيرة جدًا، كان يكفي أن يقول: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى، ولكنه أضاف إلى مشاققة الرسول قوله : ويتبع غير سبيل المؤمنين لحكمة بالغة ألا وهي: أن مشاققة الرسول إنما تظهر بمخالفة سنة المؤمنين

стр. 296

ومنهج السلف الصالح الذي سمعتم عنه سابقًا، لذلك يقول ابن القيم تأكيدا وإشارة عابرة سريعة إلى هذا القيد في فهم الكتاب والسنة يقول: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة، أيضا لم يكتف بقوله: العلم قال الله قال رسوله كما يقول جماهير المسلمين، وإنما أضاف إلى ذلك: قال الصحابة: العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فقيه كلا ولا جحد الصفات ونفيها ... حذرا من التعطيل والتشبيه أريد باختصار أن أوضح أن الدعوة السلفية تدندن من جملة ما تدندن حول فهم الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح، ومن هنا تأتيهم العصمة من الوقوع في العقائد التي تكلم عنها علماء الإسلام وأنها انحرفت عن الجادة كالمعتزلة والمرجئة والجبرية ونحو ذلك، ومن الأفكار الحديثة التي يتكلم بها ويسطرها كثير من الكُتَّاب الإسلاميين باسم الإسلام وهي ليست من الإسلام في شئ ولا يمكن لأحد من أهل العلم أن يعرف ذلك إلا إذا كان متمسكًا بالكتاب والسنة على منهج السلف الصالح، هذه ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين. "التعليق على محاضرة الدعوة السلفية وموقفها من الحركات الأخرى" (ص ٣٠ - ٣١).

стр. 297

باب منه و كلمة على شروط قبول العمل الصالح إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. دعوتنا التي اصطلحنا ولكل قوم أن يصطلحوا على ما شاءوا، الدعوة التي اصطلحنا على تسميتها بالدعوة السلفية هي قائمة على ما اتفق عليه كل الفرق الإسلامية وهو الكتاب والسنة، ولكن رأينا مع التجارب طيلة هذه القرون الطويلة وبخاصة في العصر الحاضر أنه لا يكفي لمن كان يريد أن يكون على بَيِّنة من ربه وعلى هدى من سنة نبيه ﵌ تبين لنا من قديم عهد المسلمين وحاضرهم أنه لا يكفي هذا الانتساب إلى هذين الأصلين اللذين لا بد منهما لكل مسلم ولكن لا يكفي ذلك بل لا بد من أن يضم إليهما على منهج السلف الصالح. فدعوتنا قائمة إذاً على الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، نقول هذا؛ لأن المسلمين جميعاً كما كررنا هذا على مسامع كثير من إخواننا ولا نزال نكرر؛

стр. 298

لأنها حقيقة هامة جداً، ومع ذلك فهي غائبة عن أذهان أكثر المسلمين في العصر الحاضر وفيهم كثير ممن ينتمون إلى الدعوة الإسلامية ويقال: إنهم من الدعاة إلى الإسلام، بل وفيهم من يريد أن يقيم دولة الإسلام ولكن ليس على المنهج هذا الذي نحن ندندن حوله وإنما على فهم له إما أن يستقيه من بعض من مضى، وهذا الذي استقاه منه لم يكن مصيباً فيما ذهب إليه وإما أن يجتهد هذا المعاصر أو هذا الداعية في العصر الحاضر فيفهم الآية أو يفهم الحديث كما يبدوا له دون أن يعود إلى المرجع الثالث وهو المرجع السلفي. من أين جئنا بهذه من الضميمة الثالثة نقول: الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح؟ نقول: نحن دائماً وأبداً أخذنا ذلك من الكتاب ومن السنة ومن أقوال السلف الصالح أيضاً، فالكتاب كلكم يقرأ فيه قول الله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، لوكان الله لا يريد أن يشرع للناس ضرورة التمسك بهذا المرجع الثالث ألا وهوسبيل المؤمنين لم يقل عطفاً على قول رب العالمين ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى قال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، فإذاً رب العالمين، فإذاً رب العالمين ﵎ ذكر في هذه الآية شيئاً ثالثاً غير ما كان عليه الرسول ﵇ حيث قال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]. فإذاً على كل من كان حريصاً على اتباع كتاب الله وحديث رسول الله ﵌ أن يفهم كلاً من هذين المصدرين الكتاب والسنة على سبيل المؤمنين، على ما كان عليه المسلمون الأولون، والأمثلة تكثر في مثل هذا الموضوع، ولا أريد أن

стр. 299

أتوسع لأني أريد أن أضيف إلى ذلك شيئاً آخر كما ستسمعون قريباً إن شاء الله لكني أوجز بكلام حول هذه الدعوة دعوة الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، لماذا نحن ندندن دائماً وأبداً وعلى منهج السلف الصالح؟ . عرفتم أولاً في هذه الآية الكريمة، حيث أن الله حذر من مخالفة سبيل المؤمنين، ولم يقتصر في تحذيره على مخالفة ما كان عليه الرسول، فجمع بين الأمرين فقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، كذلك السنة تؤكد هذا المعنى الإضافي إلى الكتاب والسنة. قوله ﵊ في حديث الفرق: «وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله! قال: هي الجماعة» فإذاً ألفت النظر هنا وكأنه اقتباس من الآية السابقة، الجماعة أي ما كان عليه الرسول ﵇ وجماعته من الصحابة الكرام، هذا الحديث يلتقي تمام الالتقاء مع الآية السابقة. كذلك حديث العرباض بن سارية الذي فيه وأختصر الذي فيه «أنه لما خطب فيهم قالوا: أوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن ولي عبد حبشي وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي» ولم يقف هنا وإنما عطف على سنته فقال: «وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»، إذاً هنا سنتان سنة الرسول ﵇ وسنة الأصحاب الكرام وبخاصة منهم الخلفاء الراشدين، هذا كتاب الله، وهذه أحاديث رسول الله ﵌. أما أقوال السلف الصالح الذين ننتمي إليهم ونتشرف بالانتساب إليهم ونرجوا الله ﵎ أن يوفقنا لأن نتمسك بهديهم؛ لأنهم هم الذين نستطيع

стр. 300

نقول: إنهم كانوا على هدىً من ربهم بينما كلما تأخر الزمن كلما ابتعد الناس عن فهم هدي الرسول ﵌ من جهة وعن تطبيق ما فهمهوه من جهة أخرى. فمن أقوال هؤلاء السلف التي تلتقي مع ما سبق من الكتاب والسنة ما يذكر في كتب البدع التي أُلِّفت للتحذير منها والنهي عنها قول حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه: «كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله ﵌ فلا تعبدوها» أي: فلا تتعبدوها. كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله ﵌ فلا تعبدوها، أحالنا حذيفة بن اليمان كان صاحب سر رسول الله ﵌ يحذرنا وينهانا عن أن نتعبد الله ﵎ بعبادة لم يكن عليها أصحاب رسول الله ﵌. من ذلك أيضاً عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، عليكم بالأمر العتيق»، «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، عليكم بالأمر العتيق». وهناك قصة ذكرناها مراراً وتكراراً خلاصتها أن ابن مسعود وقف على حلقات في المسجد لا يرقصون رقص الرقاصين من الدراويش ومن أصحاب الطرق كالمعروفين من المولوية أوبأمثالهم ممن يدورون يزعمون أنهم يذكرون الله ﵎ لا، كانت هذه الحلقات التي رآها ابن مسعود في المسجد يذكرون الله، يسبحون الله، ويحمدون الله، ويكبرون الله، ومع ذلك أنكر عليهم، هل أنكر عليهم التسبيح والتحميد والتكبير؟ لا، وإنما لأنه رأى فيهم أمراً مُحْدَثاً نكراً، ماذا؟ وجد أمام كل واحد من أصحاب الحلقات حصى يعد به التسبيح والتكبير والتحميد وفي وسط كل حلقة شيخ رئيس حلقة، رئيس ذكر، خلينا نسميه هكذا الآن، تفضل، يقول لمن حوله: سبحوا كذا، احمدوا كذا، كبروا كذا،

стр. 301

فيطقطقون بالحصى أو بالحصاة يعدون العدد الذي أمرهم به شيخ الحلقة، هذا فقط الذي رآه ابن مسعود من أصحاب الحلقات، فماذا كان موقفه، قال لهم: مُحَذِّراً ومؤنِّباً: «وَيْحَكم ما هذا الذي تصنعون؟ وكان قد تلثم فأزال اللثام من وجهه وقال: أنا صحابي رسول الله ﵌ عبد الله بن مسعود، ما هذا الذي تصنعون؟ قالوا: حصى» كما يقول المبتدعة اليوم: يا أخي ما فيها؟ بنصلي على الرسول ونذكر الله، «قالوا: حصى نعد به التسبيح والتكبير والتحميد، قال: عدوا سيئاتكم وأنا الضامن لكم أن لا يضيع من حسناتكم شيء؟ ويَحْكَم ما أسرع هلكتكم، هذه ثيابه ﵌ لم تبلَ، وهذه آنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده أئنكم لأهدى من أمة محمد» أي: أصحاب محمد، «والذي نفسي بيده أئنكم لأهدى من أمة محمد ﵌ أوإنكم متمسكون بذنب ضلالة» انظر البلاغة العربية الفصيحة، ما قال: أوإنكم متمسكون بضلالة وإنما بذنب ضلالة تحقيراً للضلالة، فكان جوابهم جواب المبتدعة في كل زمان وفي كل مكان، فاحفظوا الرد من ابن أم معبد هذا ابن مسعود جاء الكناية عنه بهذا التعبير في حديث: « من أحب القرآن غضاً طرياً كما أنزل فليقرأه على قراءة أبن أم عبد» فهذا أحفظوا جوابه. ماذا قال: جواب على قولهم: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير قال: «وكم من مريد للخير لا يصيبه» «وكم من مريد للخير لا يصيبه»، يستدل على ذلك قال: «لقد حدثنا رسول الله ﵌ فقال: سيكون أقوام في آخر الزمان يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم وقيامه مع قيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». يقول ابن مسعود لأصحاب الحلقات: إنا نحن سمعنا أن الرسول ﵇ يحدث عن أقوام هم أشد عبادة مما نحن معشر أصحاب الرسول ﵇، ومع ذلك «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».

стр. 302

العبرة من هذه القصة أن راويها قال: قد رأينا أولئك الأقوام يقاتلوننا يوم النهروان أي: أصبحوا من الخوارج الذين خرجوا الذي خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فقاتلوه وهم مبطلون وهوالمحق حتى استأصل شأفتهم وقضى على ضلالهم ولم ينج منهم إلا أفراد قليلون. فأَوْدَت بهؤلاء المبتدعة هذه البدعة الصغيرة التي كانوا يتحاقرونها ولا يهتمون بها ويظنون أن لا شيء فيها أَوْدَتْهم إلى البدعة الكبرى وهي الخروج على الخليفة الراشد. من هنا قلنا: اقتباساً من قول العلماء قالوا: الصغائر بريد الكبائر، يعنون بهذه الكلمة أن المسلم لا ينبغي أن يحقر ارتكابه للصغائر فيقول: ما عليش؛ لأنها إذا صارت ديدناً وصارت عادة للمرتكب لهذه الصغائر فسيوصله ذلك إلى ارتكاب الكبائر، اقتبست أنا من كلمة هؤلاء العلماء أن البدعة الصغيرة بريد البدعة الكبيرة، وهذا هوالمثال واقع في هذه القصة وهي مروية بالسند الصحيح في سنن الدارمي. إذاً اجتمع الكتاب والسنة وأقوال سلفنا الصالح على أن المسلمين إذا أرادوا أن يفهموا دينهم فهماً صحيحاً فعليهم أن يلزموا ثلاثة أشياء كأصل لهم: الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح، وهذا أمر واضح جداً لأنهم كانوا شهود أعيان يرون الرسول كيف فعل؛ ولذلك هم نقلوا لنا كل ما كان عليه الرسول ﵌ حتى ما يتعلق بثيابه، ما يتعلق بشعره، ما يتعلق حتى بنعله، فقد جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: «كان لرسول الله ﵌ نعلان لهما قبالان» يعني: سيرين صندل أوشاروخ أولا أدري ماذا يسمى باختلاف البلاد، اللي مستعملة في البلاد الحجازية أربع أصابع في حجرة

стр. 303

والإبهام في حجرة، هذه الحجرتين هؤلاء قبالان في اللغة العربية. ما هو المهم في هذا الموضوع؟ «أن الرسول ﵌ كان له نعلان لهما قبالان» ليس لهذا علاقة بالعبادة وبالدين إطلاقاً؛ لكن هذا إن دل على شيء كما يقال اليوم فإنما يدل على حرص أصحاب النبي ﵌ أن ينقلوا إلى من يخلفهم من بعده ما شاهدوه من النبي ﵌. وفي ذلك فائدة أخرى أرجو الانتباه لها، كأنهم نقلوا كل شيء وتركوا البحث في هذه الأشياء لمن يأتي من بعدهم متأثرين بقوله ﵌: «فَرُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» «فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»، يعني: ممكن أن يأتي في الجيل الثاني، في القرن الثاني الذين هم من التابعين أفراد يفهمون مما سمعوه من بعض الصحابة ما لم يفهمه بعض الصحابة، إذاً هم نقلوا كل شيء يتعلق بالرسول ﵌ سواء كان مما يسميه بعض الفقهاء بسنة العبادة أو كان مما يسمونه بسنة العادة. إذاً لا مناص لكل مسلم من أن يتعرف ليس فقط على الكتاب والسنة بل وعلى ما كان عليه السلف الصالح. ولا بد من التذكير هنا بأن التعرف على ما كان عليه الصحابة سبيله سبيل واحدة وليس هو سبيل المفسرين ولا الفقهاء ولا اللغويين ولا ولا عُدُّوا ما شئتم من أهل الاختصاص في مختلف العلوم وإنما هو سبيل جماعة واحدة هم أهل الحديث، أهل الحديث هم الذين يستطيعون أن يُقَدِّموا الشرطين اللذين يليان الشرط الأول. الكتاب، الشرط الأول: هذا والحمد لله كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٤٠].

стр. 304

أما السنة فلا يستطيع أن يُقَدِّمها إلى المسلمين إلا طائفة واحدة هم أهل الحديث، ولذلك جاء عن بعض السلف وعلى رأسهم أحمد بن حنبل إمام السنة أن قوله ﵊ في الحديث المتواتر: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة» قال: هم أهل الحديث. هؤلاء الطائفة المنصورة هم أهل الحديث في كل زمان ومكان؛ لأنهم هم الذين يستطيعون أن يعرفوا ما كان عليه الرسول ﵌ أولاً، ثم هم الذين يستطيعون أن يعرفوا ما كان عليه أصحابه ﵌، لذلك فالحكم الفصل وهذه خلاصة الكلمة الحكم الفصل في تمييز المتمسكين بالكتاب والسنة حقيقة وليس اسماً إنما هم الذين يعرفون ما كان عليه السلف الصالح أولاً ثم يمشون على طريقتهم كما سمعتم في الآية السابقة من التحذير عن مخالفة سبيل المؤمنين وأول ما ينصرف ذهن التالي في هذه الآية الكريمة أن المقصود بسبيل المؤمنين هم أصحاب ﵌ لما امتازوا به من خصال معروفة لديكم جميعاً. إذاً عرفتم لماذا نحن ندعوا إلى الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح؛ لأن كل المذاهب وكل الطرق وكل الأحزاب التي حدثت خاصة في هذا الزمان هي ... لا تخرج عن دائرة الإسلام لا يوجد فيها جماعة أوحزب يقول: نحن لسنا على الكتاب والسنة، لكن حطهم على سبيل المؤمنين فتجدهم خارجين عن سبيل المؤمنين لماذا؟ لأنهم يفسرون نصوص الكتاب والسنة على مفاهيمهم الخاصة التي تنقدح في أذهانهم ويخالفون في ذلك ما كان عليه السلف الصالح من الهدى ومن النور. الشيء الثاني الذي أريد أن أضمه بعد أن لخصت لكم سبب دعوتنا إلى

стр. 305

الكتاب والسنة وهو على منهج السلف الصالح. أريد أن أربط الكلمة التالية وأرجو أن تكون أيضاً موجزة بقصة ابن مسعود الآنفة الذكر، حيث أنكر ابن مسعود على أصحاب الحلقات تسبيحهم وتحميدهم وتكبيرهم كل ذلك لله ، لماذا؟ لأنهم أحدثوا شيئاً لم يكن عليه العمل في عهد النبي ﵌، لكن هل هذه عبادة أم ليست عبادة؟ يمكن الجواب بجوابين متناقضين، هذه عبادة لأن فيها تسبيح وتحميد وتكبير، لكنها ليست عبادة لماذا؟ لأن العبادة كما عرفتم هي ما كان موافقاً لما كان عليه الرسول ﵇ والصحابة، هذا مما أشار إليه علماء التفسير في آية واحدة ألا وهي قوله ﵎: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، في هذه الآية قالوا شرطان ليكون العمل صالحاً، الشرط الأول: أن يكون موافقاً للسنة وهذا الذي كنا ندندن حوله آنفاً، لماذا أنكر ابن مسعود على أصحاب الحلقات وهم يذكرون الله؛ لأنهم ذكروا الله على وجه لم يكن ذلك الوجه معهوداً ومعروفاً في عهد النبي ﵌، فإذاً هذا ليس عملاً صالحاً، فالعمل الصالح يشترط فيه أن يكون على السنة وهذا له أدلة كثيرة منها وأقف عنده قوله ﵇: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». إذاً العبادة ولو كانت في ظاهرها عبادة كما سمعتم تسبيح وتحميد وتكبير لكن إذا لابسها أو أحاط بها شيء حادث لم يكن في عهد الرسول ﵇ خرج هذا العمل عن كونه صالحاً وضرب به وجه صاحبه بما سمعتم من الإشارة في الآية على ما قال علماء التفسير وصريح الحديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».

стр. 306

الشيء الثاني الذي أُريد أن أُلفت النظر إليه، وهذا قلما نتطرق إليه؛ لأنه في الحقيقة أمر لا يخفى على كل المسلمين مهما كانت مذاهبهم ومهما كانت طرقهم، ولذلك فنحن نادراً ما نُذَكِّر به، وعلى العكس من ذلك إنما ندندن في التذكير حول أمور الناس عنها غافلون، فلا يحسن أن نتحدث عن الزنا وعن السرقة وشرب الخمر؛ لأنها موبقات وذنوب وكبائر لا يوجد في المسلمين من يجهل ذلك، لكن على طريق الوعظ والتذكير لا بأس، لكن الذي يجب التحديث به والدندنة حوله دائماً وأبداً هوإذا رأينا الناس قد انقلبت عليهم المفاهيم، كما أشار إلى ذلك رب العالمين بمثل قوله : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا)) * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤]. فاليوم المسلمون في غفلة ساهون، هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ولكنهم في الواقع يسيئون صنعاً في كثير من العبادات أكثرها بروزاً وأكثرها تكراراً ووجوباً هي الصلاة فلا تكاد في جماهير المصلين تجد فيهم من يحقق أمره ﵇ في الحديث الصحيح في البخاري: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، ولذلك إن كان يحسن أن نقول: «من ترك الصلاة فقد كفر»، تحذيراً من ترك الصلاة، هذا واجب؛ لأن كثيراً من الناس اليوم لا يعبؤون بالصلاة ولا يقيمونها، ولكن يجب تنبيه المصلين أنفسهم؛ لأنهم يصلون ولا يصلون، هذه هي المشكلة، يصلون ولا يصلون كما قال ﵊ لذلك الرجل الذي اصطلح العلماء على تسمية حديثه بحديث المسيء صلاته. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه «أن النبي ﵌ كان يوماً في المسجد فدخل رجل وقام يصلي ولما انتهى من

стр. 307

الصلاة جاء إلى النبي ﵌ فقال: السلام عليك يا رسول الله! قال: وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل»، إذاً هذا صلى وما صلى، هذه مشكلة إذا ما قلنا أكثر المصلين فيقيناً مشكلة كثير من المصلين أنهم يصلون ولا يصلون، فرجع الرجل وصلى، ثم عاد قائلاً: السلام عليك يا رسول الله! قال: «وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل» وهكذا ثلاث مرات. أخيراً عرف الرجل أنه لا يحسن الصلاة؛ لأنه صلى ثلاث مرات وكل مرة يقول له ﵇: لم تصل فقال: «يا رسول الله! والله لا أحسن غيرها علمني فقال له ﵊: إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله ثم أذن ثم أقم» جملة معترضة «ثم أذن ثم أقم» هذه ليست في الصحيحين، وأنا أروي لكم كما صدرت الرواية لقولي: أخرج الشيخان في صحيحيهما وفي سنن أبي داود وغيره ثم أذن وأقم، أقول هذا للفائدة؛ لأن كثيراً من الناس إذا فاتتهم الصلاة في المسجد قال: الله أكبر، لا أذن ولا أقام وبخاصة إذا صلى في العراء، هذا خطأ يخالف الحديث الصحيح «ثم أذن ثم أقم» ولا نريد أن نقف هنا، ثم استقبل القبلة، ثم أذن ثم أقم ثم كبر ثم اقرأ ما تيسر من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ثم ارفع حتى تطمئن قائماً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها فإن أنت فعلت ذلك فقد تَمَّت صلاتك، وإن أنت أنقصت منها فقد أنقصت من صلاتك. فالشاهد أن كثيراً من الناس اليوم عباداتهم لم يتحقق فيها الشرط الأول للقبول وهي أن توافق السنة، إنما أريد كما أشرت أن أتكلم على الشرط الثاني وهو: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، الآية تقول: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا

стр. 308

لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠]، ما قال فليعمل عملاً، وضع شرطين اثنين: الشرط الأول: عملاً صالحاً وقد شرحنا ما هوالعمل الصالح الموافق للسنة. الشرط الثاني والأخير: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، ما قال لا يشرك بالله، الشرك بالله شيء والإشراك في عبادة الله شيء آخر، ومن هنا أخذ علماء التفسير هذا الشرط الثاني فقالوا: لا تقبل صلاة المصلي وصيام وحج وكل الطاعات والعبادات إلا إذا تحقق الشرط الثاني وهو أن يكون مخلصاً لله في عبادته، أي شيء كانت هذه العبادة ولا يمكن إحصاؤها وحصرها، فإذاً مثلاً الخطيب يخطب يوم الجمعة أو غير يوم الجمعة أو مدرس يدرس في أي يوم في أي وقت وهولا يرجو بتلك الخطبة أو بهذا الدرس وجه الله خالصاً له ينعكس خيره إلى شره، تنعكس عبادته إلى ضلالة، ذلك؛ لأنه أخل بالشرط الثاني، فلو فرضنا خطيباً يخطب على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح ولكنه إنما يريد بذلك أن يظهر أمام الناس، أو يدرس درساً على الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح لكن لا يبتغي به وجه الله فدرسه هذا يعود عليه أولاً هباءً منثورا، وثالثاً ينقلب أجره إلى وزر، ذلك ما جاءت به أحاديث. الكلمة الأولى كما عرفتم؟ هي لماذا ننتمي إلى السلف الصالح؛ لأن دعوة الإسلام لا يمكن أن تفهم إلا من طريق منهج السلف الصالح، فالإسلام كتاب وسنة ومنهج السلف الصالح. أما الكلمة الثانية: فأردت بها أن ألفت نظر الحاضرين وكما قال ﵇: «وليبلغ الشاهد الغائب» أن أي عمل يأتي به المسلم وهو عمل صالح أي على الكتاب والسنة فلا يقبل عند الله إلا إذا كان خالصاً لوجهه تبارك

стр. 309

وتعالى، أما إذا لم يكن كذلك فهوكما سمعتم في نهاية الكلام السابق ينقلب أجره إلى وزر عليه، والأحاديث والآيات التي جاءت لتؤكد هذا المعنى كثيرة وكثيرة جداً فالله يقول في القرآن الكريم: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، فالعبادة يشترط فيها علاوة على الشرط السابق وأعود فأقول: لا حاجة للتذكير فقد عرفتم ما هو الشرط السابق أن يكون على السنة. الشرط الآخر: هو أن يكون ليس لإنسان ما شركة في هذه العبادة التي هو يعبد الله بها وإنما جعلها خالصة لوجهه ﵎ ذلك هو قوله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، كذلك قال ﵊: «بشر هذه الأمة بالرفعة والسناء والمجد والتمكين في الأرض» أي إذا قامت بعبادة الله وحده لا شريك له بدليل تمام الحديث: «ومن عمل منهم عملاً للدنيا فليس له في الآخرة من نصيب» ومن عمل منهم عملاً للدنيا فليس له في الآخرة من نصيب. والعبادة تشمل كل العبادات، لا فرق في ذلك بين صلاة وصيام وجهاد، فلعلكم جميعاً طرق سمعكم على الأقل يوماً ما قوله ﵊: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه». الآن تعلمون أن هناك جهاداً لا يزال قائماً في أفغانستان فهل هذا الجهاد يؤجر عليه كل مجاهد؟ الجواب: لا، من كان ذهابه إلى أفغانستان للجهاد في سبيل الله لا ليقال فيه فلان راح جاهد شهر شهرين ثلاثة ورجع ما شاء الله

стр. 310

ومتمرن على القتال واستعمال أنواع الأسلحة وإلى آخره لا تقبل هذه الخصلة من الجهاد إلا إذا كان خالصاً لوجه الله ﵎. وعلى ذلك فقيسوا أي جهاد تسمعون به مما لا يزال مثلاً في أرض فلسطين مما يسمى بالانتفاضة، ومما وقع حديثاً مما يسمى بحرب الخليج، هذه كلها هي عبادة لله : الجواب على التفصيل السابق: ما كان منه موافقاً للكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح أولاً ومن كان في ذلك مخلصاً لله ﵎ ثانياً، فهوالذي تقبل عبادته وترفع إلى الله كما قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. وأشد الأحاديث ترهيباً وتحذيراً من أن يتطلب المسلم بعبادة من العبادات شيئاً من حطام الدنيا هو حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الذي أخرج له الإمام مسلم في «صحيحه» ومن هول هذا الحديث حينما يشعر المسلم الممتلئ رهبة وخوفاً من الله وخشية أن يكون عمله الصالح غير مقبول عند الله الذي يستحضر هذه الخشية حينما يريد أن يسوق هذا الحديث لا يكاد ينطق لسانه به كما وقع لراوي الحديث وهو أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، حيث كان في مجلس في حضرة معاوية بن أبي سفيان ﵁ فطلب منه أحد الجالسين أن يروي له حديث الرسول ﵇ في الثلاثة الذين تسعر بهم النار يوم القيامة: فتهيأ أبو هريرة ليتحدث بهذا الحديث ولكنه سرعان ما أغمي عليه، وغشي عليه لرهبة الحديث، ثم نضحوا في وجهه الماء حتى أفاق، وهكذا ثلاث مرات حتى عادت إليه روحه ونفسه وقدرته وقوته فابتدأ الحديث يقول: قال رسول الله ﵌: «أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة عالم ومجاهد وغني» هؤلاء قمة الناس الذين يستطيعون أكثر من غيرهم أن يعموا الناس

стр. 311

بالفائدة العامة، ثلاثة عالم ومجاهد وغني، قال أبو هريرة، قال رسول الله ﵌: «يؤتى بالعالم فيقال له: أي عبدي ماذا عملت فيما علمت فيقال: يا رب! يقول: يا رب! نشرته في سبيلك فيقال: له كذبت إنما فعلت ليقول الناس فلان عالم وقد قيل: خذوا به إلى النار»، من هو العالم، والعالم المفروض أنه يصدق به قول الله ﵎: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، هؤلاء المفروض فيهم أن يرفعهم الله درجات عاليات في الجنات وإذا بهم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، لماذا؟ لأنه حينما عَلَّمَ الناس ما قصد بذلك وجه الله وإنما قصد أن يتحدث الناس ويحسنون الثناء عليه وأن يقولوا فيه: ما شاء الله، فلان رجل عالم، هكذا كان قصده. وهنا نقطة لا بأس منها، القصد في القلب كما سمعتم في الحديث السابق «إنما الأعمال بالنيات» ولا يطلع على النيات إلا علام الغيوب، فمن علم الله منه أنه يعلم الناس بوجهه فلا يضره بعد ذلك أحسن الناس الثناء عليه أم أساؤوا، فالأمر عنده سيان. وعلى العكس من ذلك إذا لم يقصد بعلمه وجه الله ﵎ فلا ينفعه ثناء الناس عليه مطلقاً؛ لأن الله العليم بما في الصدور قد علم منه أنه لم يقصد بعلمه وجه الله ﵎، فمن علم الناس ليقول الناس عنه فلان عالم فهولم يحقق الغاية من العبادة التي ذكر الله في الآية السابقة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، هذا هوالعالم، يلقى في النار قبل كثير من الناس الآخرين لماذا؟ لأنه لم يكن مخلصاً لله في علمه. «ثم يؤتى بالمجاهد فيقال له: أي عبدي ماذا عملت فيما أعطيتك من قوة؟ فيقول: يا رب! قاتلت في سبيلك فيقال له: كذبت، إنما قاتلت ليقول الناس:

стр. 312

فلان بطل، فلان شجاع وقد قيل» هنا يقال: وقد قيل: «خذوا به إلى النار» كما قيل في العالم. كذلك يقال للجنس الثالث وهم الأغنياء، «فيؤتى بالغني فيقال له: ماذا فعلت بما أنعمت عليك من مال؟ فيقول: يا رب أنفقته في سبيلك فيقال له: كذبت إنما فعلت ليقول الناس فلان كريم وقد قيل خذوا به إلى النار» قال ﵊ خاتماً لهذا الحديث: «فهؤلاء الثلاثة أول من تسعر بهم النار يوم القيامة». ويعني: بذلك ثلاثة أجناس: العلماء، والمجاهدون، والأغنياء، قصدوا بما أوتوا من نعمة العلم والقوة والمال قصدوا غير وجه الله ﵎، قصدوا حسن الثناء عليهم من الناس، فحصلوا على ما إليه قصدوا ولذلك كأن الله يقول لهم: قد حصلتم ما أردتم، أنت أيها العالم أردت أن يقول الناس فلان عالم قد قالوا فأخذت أجرك، وأنت أيها المجاهد قاتلت شجاعة ليقول الناس فلان بطل وقد قالوا فقد حصلت أجرك، وأنت أيها الغني أنفقت وقيل فلان أكرم من حاتم الطائي مثلاً، هذا الذي قصدته بإنفاقك قد حصلته فأخذت أجرك، أما اليوم فلكم النار لماذا؟ لأنكم أشركتم معي في عبادتي غيري، لذلك قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. فإذاً حصيلة هاتين الكلمتين في هذه الليلة أنه كما يجب على كل مسلم أن يكون مخلصاً في كل عبادة يتعبد الله بها، فيجب عليه أيضاً أن يكون في كل عبادة يتعبد الله بها أن تكون عبادته على منهج السلف الصالح، فإذا اختل شرط من هذين الشرطين فلا تكون العبادة عبادة مقبولة عند الله ﵎، فنسأل الله

стр. 313

عز وجل أن يجعلنا مخلصين في عباداتنا ومتبعين لنبينا ﵌ في كل عباداتنا. وبهذا القدر الكفاية والحمد لله رب العالمين. (الهدى والنور / ٣٥٧/ ٤٠: .. : ٠٠)

стр. 314

هل يجوز تقليد السلف فيما لم يأت عليه دليل في السنة ؟ مداخلة: قلنا: نقرأ عن بعض السلف أنهم كانوا يعملون أشياء لا نعرف سنة جاءت بذلك الأمر الذي يفعلوه هل يجوز لأحد أن يقلدهم لجلالة قدرهم ومعرفتهم بالسنة في ذلك الأمر الذي لا يعرف فيه سنة؟ الشيخ: هل تستحضر مثالاً؟ مداخلة: أستحضر مثالاً عن ابن سيرين. الشيخ: ابن سيرين؟ مداخلة: أي نعم. الشيخ: هاه، مثلاً؟ مداخلة: أنه في مصنف ابن أبي شيبة قال: من كان يكثر التفاته في الصلاة فلا بأس أن يغمض عينيه. الشيخ: من كان أيش؟ مداخلة: يكثر الالتفات .. الشيخ: الالتفات في الصلاة؟ مداخلة: أي نعم.

стр. 315

الشيخ: هاه. مداخلة: فلا بأس أن يغمض عينيه، يقول: كان على هذا من أدركنا. الشيخ: هاه، إيه، لكن هذا مثال لما قلت؟ مداخلة: يعني .. هذا ما نعرف سنة جاءت تحث على مثل هذا .. الشيخ: لكن هذه ليست سنة. مداخلة: هذه .. الشيخ: هذه لا يقال فيها سنة بارك الله فيك. مداخلة: أي نعم. الشيخ: على كل حال، احفظ سؤالك هذا فسأجيبك عليه، الجواب بالنسبة للسؤال وأرجو أن كل سؤال مسجل عندك حتى تربط الجواب به: إذا كان الشيء الذي لا نعرفه في السنة المروية عن الرسول ﵇، إذا كان من عمل السلف ليس من عمل فرد من أفراد السلف، وإنما هومن عمل جماعة من السلف فنحن نعمل به، ونرى الاقتداء بهم لما ذكرته، ماشي إلى هنا جواب سؤالك؟ مداخلة: أي نعم. الشيخ: طيب، لكن مثالك لا يصلح تمثيلاً للسؤال وللجواب، لم؟ إنما كان يمكن أن يكون المثال مثلاً صالحاً للسؤال فيما لو كانوا يتعبدون الله بغمض العينين، والمثال ليس كذلك، المثال كما قرأت، إنما هو بالنسبة لمن يلهيه النظر ويحمله النظر إلى الالتفات يمنة ويسرة، حينئذ مجاهدة لنفسه يغمض عينيه، وليس تعبداً إلى ربه ، هذا فرق بين أمرين؟

стр. 316

مداخلة: نعم. الشيخ: طيب، ينتج من وراء هذا التدقيق في مناقشة الأثر: أن من كان لا يلتفت ولا ينتهي بصلاته ببصره فهولا ينبغي له أن يغمض عينيه أليس كذلك؟ مداخلة: أي نعم. الشيخ: إذاً: المثال ما يصلح به السؤال. مداخلة: لكن ما مر بكم مثل هذا الفعل؟ الشيخ: لا. مداخلة: نعم. الشيخ: إلا أننا نحن سنقول: أليس من السنة أن ينظر المصلي إلى موضع سجوده؟ مداخلة: بلى. الشيخ: طيب، إذاً: هذا خلاف السنة، غمض العينين خلاف السنة، لكن أنا لا أقول: بالنسبة للمثال، وهذا كله قائم على إغماض العينين عن صحة سند هذا الأثر .. مداخلة: صحيح يا شيخ. الشيخ: فهل أنت على صحة منه؟ مداخلة: نعم، على صحة منه، في ابن أبي شيبة. الشيخ: وهذا لا يكفي. مداخلة: لا، على صحة ..

стр. 317

الشيخ: يعني: درست إسناده؟ مداخلة: نعم، رأيت إسناده ودرسته. الشيخ: طيب، هل تعرف أين هو بسهولة؟ مداخلة: يصعب شوية، لكن أظنه في المجلد الثاني من ابن أبي شيبة، ولكن ... الشيخ: إن السنة كما يقرر ذلك ابن قيم الجوزية في زاد المعاد في هدي خير العباد: ألا يغمض عينيه، ويستدل على ذلك بأمور: منها حديث سعد بن الحنظلية المروي في سنن أبي داود: «أن النبي ﵌ أرسل طليعة، فكان وهو يصلي ينظر إلى الشعب الذي سيطل منه ذلك الطليعة»، وأشياء منها قوله ﵇ كما هو ثابت في الصحيحين: «لا تسبقوني بالركوع والسجود فإني أراكم من خلفي كما أراكم من أمامي»، فهذا أيضاً يدل أن الرسول ﵇ لم يكن من هديه أن يغمض عينيه في الصلاة، لكن الأثر هنا معالجة خاصة بمن يغلب عليه الالتفات فيقول: يغمض عينيه، لكن هذا ليس مثالاً، أنا ودي أقول بما جاء في السؤال. غيره. نعم. (الهدى والنور /٧٣٤/ ٣٣: ٣٠: ٠٠)

стр. 318

كلمة هامة حول منهج السلف الشيخ: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد ﵌ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أمامي سؤالان يلتقيان في نقطة واحدة، وهي: السؤال عن حزب التحرير. السؤال الأول يقول: قرأت كثيراً عن حزب التحرير، وقد أعجبني كثير من أفكارهم، فأريد منك أن تشرح أوأن تفيدنا بنبذة عن حزب التحرير؟ . السؤال الثاني: يدندن حول الموضوع، ولكن يريد شرحا فيقول: نريد منك

стр. 319

شرحا موسعا عن حزب التحرير، وأهدافه، وأفكاره، وأخطائهم، وهل تغلغلت في العقيدة؟ . جواب عن هذين السؤالين: أنا أقول: إن أي حزب وليس فقط أعني حزب التحرير، من دون الأحزاب الإسلامية، أو التكتلات الإسلامية، أو التجمعات الإسلامية، أي جماعة من هذه الجماعات لم تقم جماعتها ولم تقم أحزابها على كتاب الله وعلى سنة رسول الله ﵌ زيادة على المصدرين المذكورين، أقول: وعلى منهج السلف الصالح، أي حزب لا يقوم على الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح فهو بلا شك ستكون عاقبة أمره خسراً، وأنه مهما كان مخلصاً في دعوته، وبحثي أو جوابي هذا إنما هو عن هذه الجماعات الإسلامية التي يفترض أن تكون مخلصة لدين الله وناصحة للأمة كما جاء في الحديث الصحيح ألا وهو قوله: ﵌: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، . قالوا: لمن يا رسول الله؟ . قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». فإذا لم تكن دعوة أي حزب من هذه الأحزاب قائمة على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح فسوف لا يجنون من دعوتهم إلا خساراً، ذلك لأن الأمر كما قال ربنا في القرآن الكريم: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾. فمن كان جهاده لله، وعلى كتاب الله وعلى سنة رسول الله، وعلى منهج السلف الصالح فهؤلاء هم الذين ينطبق عليهم قول الله : ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]. أُكَرِّر على مسامعكم هذا الأصل العظيم الذي لا بد لكل جماعة مسلمة أن تقوم دعوتها عليه: الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح.

стр. 320

إذا كان الأمر كذلك فأنا أقول بناء على معرفتي بكل الجماعات والأحزاب القائمة اليوم على الأرض الإسلامية: أنهم جميعاً إلا جماعة واحدة، ولا أقول: إلا حزبا واحدا؛ لأن هذه الجماعة لا تتحزب، ولا تتكتل ولا تتعصب إلا للأصل المذكور أنفا، ألا وهو: كتاب الله وسنة رسول الله، ومنهج السلف الصالح. فأنا أعرف جيدا أنه سوى هذه الجماعة لا تدعو إلى هذا الأصل الذي وضَّحته آنفاً, وكررَّته مرارا وتكرارا على مسامعكم، وإنما يعودون إلى الكتاب والسنة فقط، ولا يقرنون إلى الكتاب والسنة قولنا السابق ذكره: وعلى منهج السلف الصالح. وحينئذ سيتبين لكم أهمية هذا القيد الثالث؛ وعلى منهج السلف الصالح، سيتبين لكن حيث واقع الجماعات الإسلامية بل الفرق الإسلامية من يوم بدأ يمد رقبته، أو يظهر قرنه بين الجماعات الإسلامية الأولى: أي من يوم خرجت الخوارج على أمير المؤمنين: علي بن أبي طالب، ومن يوم الجعد الذي دعا بدعوة المعتزلة، والذين جاءوا من بعده مقلدين له في الاعتزال، إلى غير ذلك من الفرق المعروفة أسماؤها قديما، والتي تتجدد مسمياتها حديثا بأسماء حديثة. هذه الفرق كلها سواء ما كان منها قديماً أو حديثاً، لا يوجد فيها فرقة تقول وتعلن: أننا لسنا على الكتاب والسنة، كل هذه الفرق على ما بينها من اختلاف، سواء كان هذا الاختلاف في العقائد والأصول أو كان هذا الاختلاف في الأحكام والفروع، هؤلاء المتُفَرِّقون في دينهم كلهم يقولون، كما نقول نحن الكتاب والسنة، ولكنهم يفترقون عنا فلا يقولون قولتنا: الذي هي تمام دعوتنا: وعلى منهج السلف الصالح. إذن ما الذي يحكم بين هذه الفرق وكلها تنتمي وعلى الأقل كلاما ودعوة إلى
следующие страницы →