Полный текст (5 605 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
مداخلة: نعم! هنا لفتنا النظر إلى مسألة مهمة؛ لأن بعض الناس يظنون، ذكرنا هذا في التفصيل لا بد من هذا وذكرنا قاعدة تحت هذا الأصل وهي: إصلاح تصحيح عقائد الناس وإصلاح عباداتهم وتحسين سلوكهم.
الشيخ: طيب!
مداخلة: طيب! الأصل الثالث: ديننا دين اتباع لا دين فكر وابتداع، وفَرَّقنا بين الفكر الذي يخالف الكتاب والسنة والتفكر الذي أُمِرْنا به بالكتاب والسنة هذا شيء وذا شيء آخر.
الشيخ: أكيد.
مداخلة: طيب! الأصل الرابع: السمع والطاعة، وطبعاً هناك تفصيل في هذا المقام لا يخفى على أمثالكم.
الأصل الخامس: إذا صح النقل سلم العقل، وقلنا: أو شهد .. وسلم وجدناها أبلغ من شهد، أو أنهما واحد.
الشيخ: لا اصرف عن كلمة شهد.
مداخلة: اصرف .. إذا صح النقل سلم العقل.
الشيخ: نعم.
مداخلة: قلنا: هذه القاعدة وسط بين قاعدتين ضالتين، الأولى تقول: إذا ورد النقل حكم العقل فهم يختلفون معنا في مسألتين: الأولى: إذا ورد النقل، لا يصححون ولا يضعفون، والثاني: يجعلون العقل حكماً وهذه طريقة المعتزلة.
стр. 2592
الشيخ: نعم.
مداخلة: والقاعدة الثانية الضالة في الطرف الآخر: إذا ورد النقل بطل العقل، وهي ما يعتمد عليه الشيعة.
الشيخ: لكن أهناك أحد يقول: بطل العقل؟
مداخلة: هم هكذا ..
الشيخ: لا، هو يقولون: إذا ورد الأثر بطل النظر.
مداخلة: ربما أتينا بالكلمة للسياق.
الشيخ: نعم، لكنها فيها مبالغة ..
مداخلة: يعني: أنهم إذا ورد الأثر بطل نعم .. النظر هذا القصد.
الشيخ: نعم، هذا كلام صحيح.
مداخلة: نعم، طيب!
مداخلة: ...
الشيخ: إذا ورد الأثر بطل النظر، أما العقل؟
مداخلة: لا، إذا ورد الأثر بطل النظر هذا عند أهل السنة والجماعة.
الشيخ: هذا هو.
مداخلة: يعني: لا ينظرون في ..
الشيخ: أنا أقول: بناءً على قولك أنه هناك قول يقول: إذا جاء النقل بطل
стр. 2593
العقل، من يقول هذا؟
مداخلة: أقول: الشيعة، هذا مذهبهم بأنهم يقبلون تلك الروايات دون إعمال عقلهم في السند ... دون إعمالهم عقلهم في الصحة .. , دون تشغيل فكرهم ونظرهم ...
الشيخ: هنا ... الشيء .. إذا تكلمنا عن أنفسنا تكلمنا بأي عبارة شئنا، أما إذا تكلمنا عن غيرنا ليس فيما نفهم منهم وإنما فيما ننقل عنهم، فهل هناك منهم إن كانوا زيدية أو شيعة أو رافضة وإلا وإلا أياً كان من الفرق الضالة، هل فيهم من يقول: بطل العقل؟
مداخلة: لا أستحضر الآن نصاً بهذا وقد ..
الشيخ: قصدي: هذه لفتة نظر لا بد من مراعاتها.
مداخلة: نعم، الباب الثاني: من صفات الطائفة المنصورة: صفة الاستمرارية، فالطائفة المنصورة لها صفة الاستمرارية من لدن الرسول ﵌ إلى يومنا هذا غير مقطوعة ولا مبتورة، فليس لها مؤسس بعد النبي ﵌ ولا راعي ولا إمام سوى الرسول ﵌ ومن سلك هذا المسلك.
الشيخ: هو كذلك.
مداخلة: الصفة الثانية: الاجتماع على التوحيد والمنهاج والمفارقة عليهما، فالطائفة المنصورة لا تجتمع إلا على التوحيد والمنهاج ولا تفارق الناس إلا عليهما، وقد ورد من باب الشرح لتتضح هذه الصفة، فهي لا تجتمع على مجرد فقه أو زهد أو سنة أو واجب فضلاً عن سياسة أو جهاد، ولا تفترق لخلاف في
стр. 2594
سنة أو واجب أو مكروه أو محرم أو نزاعات شخصية أو خلافات إدارية أو مواقف سياسية، والمقصود بالاجتماع هنا أن لا يكون أساس اجتماعها إلا على هذا.
الشيخ: صحيح.
مداخلة: الصفة الثالثة: الشمولية في دعوة الناس كافة، فالطائفة الناجية هي التي تشمل دعوتها كل عباد الله فلا تخص طبقة دون طبقة، ولا فئة دون فئة، هكذا كانت دعوة الرسل، وهكذا كانت دعوة رسولنا ﵌ تشمل الغني والفقير والعظيم والصعلوك والشريف والوضيع إلى غير ذلك .. تشمل المثقف على تعبير إخواننا المعاصرين والعامي والمتعلم والجاهل والجامعي إلى غير ذلك من الأمة.
الشيخ: هو كذلك: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨].
مداخلة: هنا مفاهيم نختصرها وأعني بالمفاهيم التي يجب على الطائفة المنصورة أن تسلك سبيلها في تغيير هذا المجتمع:
المفهوم الأول: كل ما أصابنا بما كسبت أيدينا، وهذا لا يعني تبرئة الكفار مما يفعلون.
الشيخ: نعم.
مداخلة: المفهوم الثاني: تغيير واقعنا إنما يكون بتغيير أنفسنا أولاً.
الشيخ: هو كذلك.
стр. 2595
مداخلة: المفهوم الثالث: تربية الفرد ووحدة الصف قبل مناجزة العدو.
الشيخ: تلك سنة رسول الله.
مداخلة: انتهينا من بعض هذه الفصول التي ذكرناها وإن شاء الله سنقيد ما ذكرتموه في تصحيح أو ضبط بعض العبارات.
الشيخ: إن شاء الله.
مداخلة: بعض الناس يشيعون أن ثمة سلفية تجديدية وسلفية تقليدية، ما كاتبين سلفية عرورية، فحبذا لو علق الشيخ على مثل هذا ببعض الضوابط.
الشيخ: ماذا نقول؟ السلفية هي الإسلام بالمفهوم الصحيح الذي كان عليه رسول الله ﵌ وأصحابه، فلا يوجد هنا سلفية قديمة وسلفية حديثة إلا إذا قصد بها طائفة معينة تنتمي إلى شخص أو أشخاص معينين ولا ينتهجون منهج السلف الصالح في فهم نصوص الكتاب والسنة على ما كان عليه السلف الأول المشهود لهم بالخيرية في الحديث الصحيح بل المتواتر ألا وهو قوله ﵇: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» ونحن نلاحظ في العصر الحاضر التفنن في استعمال بعض الألفاظ للفت أنظار الناس إلى هؤلاء المستعملين لها وهي في الواقع لا تعبر عن منهج علمي صحيح، فالدعوة السلفية تختلف كل الاختلاف عن الدعوات الأخرى الحزبية فهي لا تقبل تغييراً ولا تبديلاً إلا إن كان الإسلام يقبل تغييراً وتبديلاً وهذا مستحيل؛ ولذلك فالله حينما قال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] نعتقد أنه لا يعني بهذا الإسلام الذي لا يرضى به بديلاً
стр. 2596
إسلاماً بمفاهيم شتى، وإنما يعني الإسلام الذي أنزله الله ﵎ على قلب محمد ﵊، ثم تولى هو بيانه للناس تجاوباً منه مع قوله له: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
هذا الإسلام المُبَيَّن بكلام الرسول ﵇ المُبَيَّن للقرآن هذه هي الدعوة السلفية ولذلك فهي لا تقبل تغييراً ولا تبديلاً، فمن كان يتبنى منهجاً هو الرجوع إلى هذا الإسلام بهذا المفهوم الصحيح فهو المسلم الذي نستطيع أن نعبر عنه بأنه سلفي حقاً، وقد يخطئ في بعض الأعمال وقد يخطئ في بعض الأفكار فهذا لا ينجو منه إنسان مهما سمى وعلا، لكن المنهج هو قال الله قال رسول الله كما قال ابن القيم ﵀ في بعض أشعاره العلمية الجميلة:
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتمويه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فقيه
كلا ولا جحد الصفات ونفيها ... حذراً من التعطيل والتشبيه
إذاً: السلفية لا تقبل تقسيماً إطلاقاً، لكن الناس مع الأسف الشديد يتبعون أهواءهم، ومن ذلك أنهم يأتون بمصطلحات جديدة يرمون بها تكثير الناس حولهم.
ولعل بهذا القدر كفاية، والحمد لله رب العالمين، وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
(الهدى والنور / ٧٩٥/ ٥٨: ٠٠: ٠٠)
стр. 2597
نصيحة الشيخ للشباب بعدم الانشغال
بالأشخاص تجريحاً وتبديعاً
مداخلة: أريد أن تُقَدِّم نصيحة إلى بعض الإخوان طلبة العلم هنالك في الكويت، لا يخفى عن حضرة الشيخ الوضع الحالي الموجود في قضية الفتنة الموجودة التي تترى على شباب الصحوة ومن ضمنها فتنة الإخوان الذين في المملكة العربية السعودية الأخ سفر وسلمان وما إلى ذلك، ومن يؤيد ما هم عليه في بعض القضايا التي يدندنون حولها، هذا الأمر وصل إلينا يعني في مناطقنا في الكويت ثم أصبح هنالك يعني: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] وكل إنسان يَدَّعي وصلاً بليلى، وكل منهم يقول أنا على الصراط المستقيم، وأنا صاحب اللواء .. لواء السلفية وأدافع عنها.
ثم أصبحت الآن في النفوس بين الإخوان من منهم على النهج السلفي إن شاء الله ﵎ بسبب هذه القضايا، ولا لنا شيء إلا هذه المسألة تركنا طلب العلم وتركنا قضية حفظ كتاب الله ﵎ وتركنا أموراً كثيرة فقمنا ندندن حول هذه المسألة، وأخذنا حتى كثير من إخواننا الشباب ليس لهم هَمٌّ إلا هذه المسألة يتكلمون بعرض ذلك الرجل وذلك الإنسان، وهذا جعله مطية ماذا؟ مطية الدعوة السلفية والدفاع عن السنة يتكلمون بعرض فلان وفلان وفلان، وفلان ثم وصل الأمر إلى لتجريح بأشخاص هؤلاء وليس ما عندهم من أخطاء.
стр. 2598
الشيخ: من خطأ.
مداخلة: نعم، فالشباب الآن شبابنا في مقتبل العمر عندما يأتي، وأضرب لك مثل واحد يعني: الذي نعرفه عن الإخوان المسلمين عندما يلتزم الشاب في دين الله ﵎ ينتهج هذا النهج يحذرونه من ماذا؟ يحذرونه من السلفيين، الآن أول ما يأتي هذا الشاب لكي يتدين أو ما يحذرونه من شريط فلان، وشريط فلان، وشريط فلان وهذا هم الهم الآن، والآن هذا ديدن كثير من الشباب حتى أصبح يميزون ويعرفون: هذا مبتدع، وهذا ضال، وهذا فيه كذا، وهذا فيه كذا، وهذا يمدح أهل البدع وهذا يتكلم بكذا، وإن قلنا للرجل هذا به يعني: .. سئلت مرة أنا أتاني قال: ما تقول في الشيخ قطب؟ قلت: يا أخي! أنا أحبه في الله هذا مسلم، وأبغض ما عنده من أخطاء، أحبه هذا مسلم المحبة العامة وأبغض ما عنده من أخطاء، ثم أخذوا هذا يمدح أهل البدع ويقول فيهم كذا وكذا ويجب أن يحذر من هؤلاء وهذا الدليل الموجود، شيخ نصيحتك لهؤلاء الشباب، بارك الله فيك.
الشيخ: والله يا أخي أنا رأيي عدم التعرض للأشخاص الذين يمدحون أو يقدحون اليوم، وحقيقةً تأتيني في كثير من الليالي أسئلة من الكويت ومن الإمارات وغيرها، ما رأيك في فلان؟ مما هو يبدوا أنه يميل إليه أو عليه، فأنا أصده عن مثل هذا السؤال وأقول له: اسأل يا أخي عما ينفعك مما يتعلق بإصلاح عقيدتك وعبادتك وتحسين خلقك، لا تسأل عن زيد وبكر وعمرو؛ لأن في هذا السؤال زيادة تشعيل النار ناراً، فهو قد يكون السائل مع هؤلاء على أولئك أو مع أولئك على هؤلاء، فإن مدحت في هذا طعنت في ذاك أو مدحت
стр. 2599
ذاك طعنت في هذا، فهذا يزيد النار كما قلنا ضراماً واشتعالاً.
لهذا نحن ننصح بكلمة مجملة تُذَكِّرني بكلمة أبو بكر الصديق في مناسبة وفاة الرسول ﵇ وهو الشخص الوحيد الذي يُجْمِع المسلمون كلهم على حبه وإلا من عدل عن هذا الحب كفر بخلاف اختلافهم في حب كثير من الصحابة والطعن في بعضهم فهذا في الغالب يكون فسقاً ولا يكون كفراً.
أريد أن أقول: مع أن الرسول ﵇ هو سيد البشر وحبيب كل مسلم بادرهم أبو بكر الصديق حينما وقف عمر متحمساً ضد من نقل الخبر بأن الرسول مات، تعرفون القصة، الشاهد: أن أبا بكر قال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي باقي لا يموت.
فأنا لا أرى لكل طائفة من هذه الطوائف أن يتحزبوا لفلان على فلان أو العكس تماماً، وإنما أقول بقول رب العالمين: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وأولئك الشباب الذين أشرت إليهم هم أحق الناس في هذه الكلمة على هؤلاء الذين يتحمسون لزيد على بكر أو لبكر على زيد أن يهتموا بأن يُصَحِّحوا عقيدتهم وعبادتهم وسلوكهم ولا يتعصبوا لشخص من هؤلاء الأشخاص أو عليهم؛ لأن مثل هذا التعصب أولاً: هو أشبه ما يكون بعبادة الأشخاص التي هذه العبادة التي حذر منها أبو بكر الصديق في كلمته السابقة: «من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن حي لا يموت».
فالتحمسُّ لهؤلاء الأشخاص تَحَمُّس لغير العصمة، والأمر كما قال الإمام مالك .. إما دار الهجرة ﵀: ما منا من أحد إلا رَدّ ورُدَّ عليه إلا صاحب هذا
стр. 2600
القبر وأشار إلى قبر النبي ﵌، فأي إنسان يتعصب لشخص .. لعالم .. لداعية .. فسوف يجد فيه أخطاءً، أو يتعصب على آخر فسوف يجد فيه صواباً وسوف يجد فيه خيرا.
ولذلك نحن قبل كل شيء ننصح هؤلاء الذين اختلفوا وكانوا سبب تفرق الشباب من حولهم إلى طائفتين أو أكثر ننصح هؤلاء المختلفين بعضهم مع بعض في بعض المسائل، وأنا أحمد الله أن هذا الاختلاف ليس في اعتقادي اختلاف عقيدة وإنما هو اختلاف في بعض المسائل التي يمكن أن نسميها في اصطلاح المتأخرين مسائل فرعية ليست أصولية أو جوهرية، فإذا اختلف العلماء فما ينبغي أن يتفرق من حولهم بتفرق علمائهم؛ لأن الأمر كما قال ﵊: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد».
فننصح هؤلاء العلماء أو الدعاة المختلفين أن لا يتحامل بعضهم على بعض، وأن يتعاملوا على أساس قوله ﵇: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» فإذا ما أخطأ زيد من الناس فعلينا أن نبين له خطأه بالتي هي أحسن وليس بالتي هي أسوء، وكل من المتخالفين يسلك هذا السبيل؛ لأننا ندعي جميعاً أننا سلفيون أي: أننا نتبع السلف الصالح في ما كانوا عليه من هدي ومنهج وسلوك.
ونحن نعلم أنهم قد اختلفوا في كثير من المسائل لكن لم يكن هذا الاختلاف سبباً لأن يتفرقوا ولأن يعادي بعضهم بعضاً، هناك بعض الأقوال التي صحت عن بعض السلف الصالح لو تبناها شخص اليوم خطأ؛ لأنه لا وجه له من الصواب
стр. 2601
لقامت القيامة ضده لكن لم تقم القيامة ضد ذلك الصحابي الذي شذ في رأي ما .. في حكم ما .. عن الحكم الذي يتبناه الآخرون.
فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ينهى أن يحج الحاج متمتعاً وسلك سبيله في هذا النهي من بعده عثمان بن عفان ﵄ جميعاً، ولما حج عثمان في عهد خلافته أيضاً نهى الحجاج معه أن يتمتعوا بالعمرة إلى الحج فوقف في وجهه علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وهو فرد من أفراد الأمة وهو الخليفة من بعده قال له: ما لك تنهى عن شيء فعلناه في عهد رسول الله ﵌! لبيك اللهم بعمرة وحج.
ذاك ينهى عن التمتع بالعمرة إلى الحج وهذا يعلنها في وجهه أنه هكذا السنة مع ذلك لم يتفرق الشعب من بينهم وإنما ظلوا يحترمون رأي كل واحد وقد يميلون لرأي الخليفة؛ لأنه خليفة المسلمين إلى آخره، لماذا؟ لأن الخلاف إذا نشب بين العلماء فينبغي أن يبقى محصوراً بينهم ولا ينتقل عدوى هذا الخلاف إلى الشعب؛ لأن الشعب ليس عنده من الرصانة ومن الحصافة والفكر بحيث أنه يمنعه من أن يشتط في الخلاف.
كذلك مثلاً: كان عثمان بن عفان يرى بأن الرجل إذا جامع زوجته ولم يمني فيكفيه الوضوء دون الغسل، مع أن هذا مخالف للحديث الصحيح الصريح: «إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل أنزل أو لم ينزل» مع ذلك ما صار هناك فتنة ولا صار خلاف بينه وبين عائشة مثلاً التي هي تروي الحديث المخالف لقول عثمان رضي الله تعالى عنه.
стр. 2602
وأغرب من ذلك كله والمسائل كثيرة، وإنما المقصود التمثيل والتقريب: أن عمر الخطاب كان ينهى الرجل المسافر الذي لا يجد الماء أن يتيمم وإنما يظل هكذا بدون صلاة حتى يجد الماء، مع أن الآية أولاً في ظاهرها صريحة الدلالة: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] وبلغ عمر بن الخطاب أن أبا موسى الأشعري كان يفتي في زمن عمر بظاهر الآية: أن المسافر إذا لم يجد الماء تيمم، فأرسل خلفه قال: بلغني أنك تقول كذا وكذا؟ قال له: نعم يا أمير المؤمنين! ألا تذكر أننا كنا في سفر، وأننا أجنبنا فتمرغت أنت وأنا بالتراب ولما جئنا إلى الرسول ﵇ وأخبرناه الخبر قال: «إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك الأرض ضربةً واحدة وتمسح بها وجهك وكفيك».
طيب! المفروض: ألا تذكر أن الرسول ﵇ قال: «إنما كان يكفيك أن تضرب ضربةً واحدة وتمسح بهما وجهك وكفيك» قال: لا أذكر، قال هل أمتنع عن الفتوى؟ قال: لا، إنما نوليك ما توليت، يعني: كما يقولون اليوم: على مسؤوليتك على ذمتك، أنا لا أذكر القصة هذه، إنسان ليس أنت فقط تنسى هذا أمير المؤمنين نسي.
مداخلة: ... ما دليل عمر ... ما هو دليل عمر أنه عندما يأتي ...
الشيخ: دليله الأصل، الأصل الماء.
مداخلة: الأصل.
الشيخ: الأصل هو الماء، المهم: كل هذا الخلاف وأكثر بكثير جداً ما كان سبباً لتفريق الأمة المسلمة؛ لأن العلم يأخذ مجراه والأمة تبقى وراء علمائها من
стр. 2603
اقتنع بهذا الرأي فهو على هدى ومن اقتنع بذاك الرأي وهو على هدى، لأننا نقول نحن كلمة بهذه المناسبة ينبغي أن تُسَجَّل وأن تُنْشَر أيضاً:
كما أن المجتهد: «إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد» كذلك الذي يتبع المجتهد حكمه حكم المجتهد أي: الذي يتبع رأياً صواباً أصاب الإمام المجتهد فله أجران، فهذا الذي اتبعه على هذا الصواب فهو مأجور أيضاً أجرين - طبعاً الأجر متفاوت - لكن أجرين، أما الذي اتبع إماماً آخر وكان مخطئاً فهو مأجور أجر واحد، كذلك الذي اتبعه فهو مأجور أجراً واحداً.
فإذا وقع الخلاف بين العلماء فما ينبغي أن يكون هذا الخلاف سبب فُرْقَة بينهم أولاً، وما ينبغي أن يكون سبب فرقة بين الشعب ثانياً؛ لأنهم جميعاً مأجورون سواء من كان مصيباً أو من كان مخطئاً.
هكذا كان سلفنا الصالح ونحن نزعم أننا نمشي على منهجهم وعلى طريقتهم، لكني أقول مع الأسف الشديد: كثير منا يَدَّعي هذه الدعوى ويطبقها إلى حد كبير ولكنه ينحرف في بعض التطبيق انحرافاً خطيراً جداً، وهذه آثارها الآن تظهر، وفي الشعب كنا نظن أنه سيكون القدوة للشعوب الأخرى في تلميم وتجميع هذه الشعوب على اتباع السلف الصالح .. اتباع الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، مع الأسف وقع شيء من التفرق لذلك نحن كما ننصح المختلفين أنفسهم من الدعاة أو من العلماء أو طلاب العلم أن لا يتعادوا وإنما أن يتحابوا وأن يعذروا بعضهم بعضاً مع التزام التذكير والنصيحة بالتي هي أحسن.
стр. 2604
كذلك ننصح الأمة بكل طبقاتها ممن ليسوا من العلماء ولا من طلاب العلم وإنما هم من عامة المسلمين عليهم أيضاً أن لا يتأثروا بمثل هذه الخلافات التي يرونها تقع بين بعض الدعاة؛ لأننا نقرأ في القرآن الكريم أن التفرق في الدين ليس من طبيعة المسلمين وإنما هي من صفة المشركين: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢].
في سبيل المحافظة على وحدة الصف وجمع الكلمة قال ﵇ كما في صحيح البخاري في حق الأئمة الذين يُصَلُّون بالناس: «يصلون بكم فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطؤوا فلكم وعليهم» إذاً: أنت أيها العامي الذي لا يدخل في قسم العلماء الذين ذُكِروا في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣] هؤلاء العلماء وإنما يدخل في الطرف الثاني من الآية: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
فأنتم معشر المسلمين الذين لا تعلمون أي: لستم من أهل الذكر الواجب عليكم أن تسألوا أهل الذكر، وليس الواجب عليكم أن تتعصبوا لفرد من أفراد هؤلاء العلماء إلا رسول ﵌ الذي كما وصفه الله بحق: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤].
ينبغي أن نتذكر بهذه المناسبة أن أيَّ داعية أو أيَّ عالم لا يمكن أن نَدَّعي له العصمة ولا يمكن أن نَدَّعي له أنه بريء من أن يتبع هواه ولو في مسألة واحدة، ولذلك فلا تربط أيها المسلم مصيرك بفرد من أفراد العلماء أو بداعية من الدعاة لأمرين اثنين:
стр. 2605
أحدهما: مقطوع به بكل من دون الرسول ﵇ وهو الخطأ.
والأمر الآخر: محتمل أن يكون قد عرف الصواب لكنه اتبع هواه فأفتى بغير ما يعلم من الحق والعلم؛ لذلك فما يجوز للعامة من المسلمين أن يتعصبوا لداعية على داعية، وإنما الأمر كما قال تعالى في القرآن الكريم وبهذا القول الكريم أنهي الجواب عن هذه المسألة، ألا وهو قوله تعالى: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].
كما نحن نقول بالنسبة للأئمة الأربعة لا نتعصب لواحد منهم وإنما نأخذ الحق من كل فرد منهم والحق مشاع بينهم، كذلك ينبغي على كل من ينتمي إلى إتباع السلف الصالح أن لا يكون زيدياً، ولا أن يكون عمرياً وإنما يأخذ الحق من حيث ما عرفه من أي شخص جاءه، هكذا ينبغي على عامة المسلمين أن يكونوا، ونسأل الله لنا ولعامة المسلمين الهداية، والحمد لله رب العالمين.
مداخلة: شيخ هنا حفظك الله اسمح لي طبعاً في.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: لكي أرفع إن شاء الله ﵎ عن إخواني الجهل في هذه المسألة، يقول لك بعض الأمثلة التي ذكرتها عن صحابة رسول الله ﵌ كعمر ﵁ وعثمان، هذه من المسائل الفقهية وليس من المسائل المنهجية، وأما الذي يخطئ في المنهج ويخطئ .. أما أنه يمدح أهل البدع أو أنه يُحَرِّض أو يهيج الناس على الحكام أو غيره فهذا يجب أن يحذر منه، فهذا فرق وهذا فرق، المسألة هذه بينها فرق فالرد عليه يا شيخ كيف .. ما المسألة، وأجعلها ديدن أو
стр. 2606
تكلم دائماً بها، وأضرب لك مثل حي بارك الله فيك.
الشيخ: نعم.
مداخلة: أتت فتوى للشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله في قضية السؤال عن أشرطة سلمان وسفر وما إلى ذلك وأنها يستفاد منها إذا كانت فيها مواد علمية وأما الخطأ فكل يؤخذ من قوله ويرد إلا النبي ﵌، فتكلم أحد الإخوة وقرأ هذه الفتوى .. عرضت عليه في درس من الدروس فقرأ الفتوى، وبعدما قرأ الفتوى قال: نعم وزاد على تلك الفتوى بكلام معين وقال: نأخذ هذه الأخطاء وتوضع في شريط إذا كان هذا الأمر .. يعني: ونحذر من الأخطاء الموجودة ولكن لا نحذر من الرجال والطعن في الأشخاص وإنما نحذر من الكلمات الموجودة الخطأ ونأخذ ما فيها من خير إذا كان فيها خير، بعد هذا كثير من الشباب قال: كيف يقرأ هذه الفتوى أمام جمع من الناس هذا دليل على مدح هؤلاء والاستماع إلى أشرطتهم وما إلى ذلك ثم أخذوا يحذرون من ذلك الشخص، وصلت المرحلة إلى هذه الدرجة، بل الطعن في دين الرجل، سبحان الله الذي لا إله إلا هو.
مداخلة: هذا الشيخ بن باز؟
مداخلة: لا هو قال: والله ما قرأت هذه الفتوى إلا لشخص ذلك العالم الجليل أنا عندما أقرأ هذه الفتوى لكي أهدئ هؤلاء الناس، أن هذه المسألة تكلم بها عالم من علماء الأمة الذي يشار إليهم بالبنان، فإن المسألة أتت من الشيخ ناصر أو الشيخ ابن باز أو ابن عثيمين وهؤلاء أئمة هذه الدنيا فيقول: لكي يهدأ الوضع
стр. 2607
ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله أخذوا يهيجون ذلك الأمر وأصبحت مشكلة لا نهاية لها.
الشيخ: على كل حال يا أستاذي! الآن القضية ليست قضية علمية قضية أخلاقية، قضية أخلاقية وقد أشرت آنفاً إلى أنه قد يتدخل الهوى في الموضوع وحسم هذا الموضوع من الناحية العلمية هو كما قلت في آخر الكلام:
كما أننا لا نتعصب لإمام من الأئمة الأربعة وهم مجمع على علمهم وفضلهم وخوفهم من ربهم، وأنهم ما كانوا يقولون شيئاً إلا وهم مطمئنون لصوابه وإن كانوا معرضين للخطأ كما ذكرنا، فنحن ننصح هؤلاء ألا يتعصبوا لأشخاص هم ليسوا في العير ولا في النفير بالنسبة للأئمة المتقدمين، وإنما يأخذون الصواب من أي شخص صدر منه هذا الصواب.
معالجة الأهواء هذه من أصعب الأمور، لذلك نأمرهم بتقوى الله وعدم التباغض والتنافر الذي نهينا عنه في كتاب الله وفي حديث رسول الله ﵌، فمساوئ الأخلاق وسوء التربية لا تعالج بكلمة موعظة أو نصيحة، الخطأ يدلل عليه بالكتاب والسنة، أما إذا كان إنسان يعرف الحق ويحيد عنه .. يعرف أن هذا الإنسان ليس معصوماً فيتعصب له ... يعرف أن هذا الإنسان الآخر هو مثل الأول فيتعصب عليه، هذا ليس له علاج إلا أن يتقي الله في نفسه، وهذا ما يتيسر لنا.
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
(الهدى والنور / ٧٩٩/ ٢٦: ٢٧: ٠٠)
стр. 2608
التعصب لبعض المشايخ
مداخلة: قال: السؤال الرابع: هناك بعض الأشخاص يتعصبون لبعض المشايخ، فماذا تقول لهؤلاء؟
الشيخ: لا شك أنه لا يجوز لمسلم أن يتعصب لشخص في الدنيا إلا لنبينا ﵌؛ لأنه هو الذي أرسل رحمًة وهدايًة للعالمين، وهو الذي فقط ﵊ أمرنا باتخاذه أسوة حسنة، وكل العلماء الذين نستفيد من علومهم إنما نستفيد منهم لا لذواتهم وأشخاصهم وإنما لأنهم أدلاء يدلوننا على ما كان عليه نبينا ﵌ من الهدى والنور، فإذا ما تعصب المسلم لواحد من المشايخ سواء كان من الأحياء أو الأموات فمعنى ذلك أنه نسي رسالة الرسول ﵇ وتشبث بهذا الشخص الذي لا يجوز أن يقرن مع النبي ﵌ في العلم أو في الخلق أو في الكمال، فلا غرابة حينما أقول: إن تعصب المسلم لشخص أو لشيخ واحد إنما هو إخلال منه بشهادته أن محمدًا رسول الله.
ولذلك فأنا حينما أشرح الشهادة بأن الله وحده لا شرك له وأن محمدًا عبده رسوله أقول: إن الشهادة الأولى تستوجب على المسلم ألا يتخذ معبودًا مع الله أحدًا وإلا فهو الشرك بعينه، كذلك بالنسبة للشهادة الثانية: أن محمدًا رسول الله أي: عبده ورسوله من اتخذ أسوًة أو قدوًة له في هذه الحياة غير رسول الله ﵌ كما يفعل كثير من المتعصبة اليوم وكما هو مذهب الصوفية الذين يقتدون
стр. 2609
بشيوخهم وقد علا بعض هؤلاء فخططوا لمريديهم هذه الضلالة الكبرى ألا يتخذوا مع الشيخ أسوًة أخرى فقالوا دون خجل أو حياء: مثل المريد يتخذ شيخين كمثل المرأة تتخذ زوجين، ولذلك فقد استعبدوا المريدين وجعلوهم عبيدًا لهم بحيث كنا نسمع عن بعضهم بأنه لا يتصرف في شيء من شؤون حياته إلا أن يستشير شيخه، لقد اتخذوا شيوخ أسوًة أكثر من أصحاب الرسول للرسول ﵌، ذلك لأن أصحاب النبي ﵌ كانوا يسألونه فيما يتعلق بشؤون عباداتهم، أما في شؤون دنياهم في بيعهم وشرائهم وتجارتهم هل يذهبون .. هل يسافرون أم لا، فكانوا أحرارًا؛ لأن النبي ﵌ كان من كمال دعوته وتبليغه لشريعة ربه أن قال لهم: «ما أمرتكم من شيء من أمر دينكم فأتوا منه ما استطعتم، وما أمرتكم من شيء من أمر دنياكم فأنتم أعلم بأمور دنياكم».
لقد أوضح النبي ﵌ لأصحابه أنه لم يأت ليعلمهم أمور الدنيا والسعي والضرب في الأرض في سبيل طلب الرزق وإنما جاء ليعلمهم ما يتقون الله ﵎ به من الطاعات والعبادات واجتناب المحرمات، أما شيوخ الصوفية فقد استعبدوا مريديهم استعبادًا كاملًا وأوهموهم أنهم عليهم أن يستشيروهم في كل شيء من أمور دنياهم فضلًا عن دينهم، فقد كان هناك أشخاص نعرفهم بأسمائهم لا يتزوج إلا برأي الشيخ ولا يسافر سفرة إلا برأي الشيخ، إن قال له سافر سافر، وإن قال له: لا تسافر لا يسافر، استعباد سبق أي استعباد كافر مهما سما وعلا؛ لأن الكافر يستعبدون الناس من الناحية المادية، أما هؤلاء فقد استعبدوهم من الناحية النفسية، فهم أذل من العبيد مع أسيادهم.
وأنا أقص لكم قصة فيها عبرة لمن يعتبر: أحد المشايخ هناك في دمشق الشام
стр. 2610
وفي مسجد في سوق من أشهر الأسواق في دمشق اسمه سوق ... وفي مسجد اسمه مسجد ذهب عن ذهني .. في وسط سوق ... لعله يحضرني فيما بعد، قرر في الدرس القصة التالية:
أن أحد الشيوخ شيوخ الطريق قال يومًا لأحد مريديه: اذهب وأتني برأس أبيك، ففعل وجاء إلى الشيخ وهو فرح مسرور؛ لأنه نفذ أمر الشيخ، فما كان من الشيخ إلا أن تبسم في وجه مريده ضاحكًا، قال له: أنت تظن أنك فعلًا قتلت والدك؟ قال: أجل، قال: أنا آمرك بقتل أبيك، إنما أمرتك بقتل ذاك الرجل؛ لأنه صاحب أمك، أما أبوك فهو غائب ومسافر، قص هذه القصة والناس الجالسون كأنهم مسحورين، ما أحد ينطق بكلمة: كيف هذا يمكن أن يقال؟ ! الشيخ يقول للمريد: اذهب واقتل أباك وينفذ الأمر وإن كان في الباطل أباه ما قتله، ما أحد يتكلم بكلمة.
الشاهد: قص هذه القصة ثم بنى عليها حكمًا شرعيًا، قال: من هنا يؤخذ بأن الشيخ إذا أمر مريده بحكم يخالف الشرع في الظاهر فيجب إطاعته، لماذا؟ لأن الشيخ يرى ما لا يرى المريد، ألم ترو في القصة كيف أمر المريد بقتل الأب لكن تبين فيما بعد أن هذا صاحب الأم، وعلى ذلك لو رأى أحدكم الصليب معلقًا في عنق الشيخ فلا يجوز أن ينكر عليه؛ لأن الشيخ يرى ما لا يرى المريد.
وانفض الدرس، ونحن كنا يومئذٍ نصلي التراويح في مسجد على السنة ونجتمع في دكان لأصلح فيها الساعات، ونجتمع فيها بعد كل صلاة من كل ليل من رمضان، جاءني شاب من إخواننا فقص علي هذه القصة كان حاضرًا الجلسة، ولحكمة يريدها الله مر الشخص أمام الدكان وهو قريب لصاحبي،
стр. 2611
فركض وراءه وناداه، قالوا له: يا أبا يوسف تعال، دخل فأثار معه موضوع قصة الشيخ مع المريد، ما رأيك يا أبو يوسف في هذا الدرس اليوم؟ مساكين قال: ما شاء الله ... من هذا الكلام السوي هناك، فأخذ يناقشه: كيف يأمر الشيخ أن ... بأن يذبح أباه؟ قال له: أنتم تذكروا كرامات الأولياء، قال: ... كلام، أخيرًا دخلت أنا معه في الموضوع فالقصة طويلة، إن كان الجدار إذا وجهت إليه آية أو حديث يفهم منك فهو يفهم منك! ما فهم منا شيئًا.
أخيرًا: قلت في نفسي: اضرب مع هذا الإنسان الذي ... حس ولا يشعر بكلام الله ولا بحديث رسول الله، اضرب على الوتر الحساس كما يقولون، قلت له وهنا الشاهد من كل هذه القصة: يا أبا يوسف! الآن دعنا نكون صريحين مع بعضنا البعض: لو أن شيخك أمرك بأن تذبح والدك، هل تفعل؟ ماذا يتصور من إنسان معه ذرة من عقل أو إيمان سوى أن يقول: أعوذ بالله، لا! هو ما قال هذا، قال: أنا ما وصلت بعد إلى هذه المنزلة.
انظروا كم فعلوا في هؤلاء الناس، يعني: أفشلوا عقولهم فعلًا، أثروا في عقولهم لم يعد يميزوا الحرام من الحلال، ما يجوز مما لا يجوز، بل وصلوا إلى هذه المنزلة يعترف أنه يطمع أن يصل إلى منزلة إذا قال له الشيخ: اقتل والدك أن ينفذ، لما قال لي: أنا ما وصلت بعد إلى هذه المنزلة، قلت له باللغة السورية: إن شاء الله عمرك ما تصل! عمرك ما تصل إلى هذه المنزلة هذه! قال هو ...
فانظروا الآن كيف أدى الإخلال لأن محمدًا رسول الله الإخلاص له في الاتباع وحده لا شريك له في الاتباع كيف وقع الناس في الشرك وفي الضلال؛ لأنهم أشركوا في الاتباع مع رسول الله ﵌ غيره، لذلك لا يجوز لمن كان يؤمن
стр. 2612
بالله واليوم الآخر أن يتخذ في هذه الدنيا شيخًا واحدًا مهما سما وعلا .. مهما كان في ظنه عالمًا وصالحًا وإلى آخره، وإنما يكون كالنحلة تطوف على كل الأشجار والأزهار وتأخذ منها ما تخرج من بطونها ذاك العسل المشهود بأنه شفاء للناس، هكذا ينبغي أن يكون المسلم يأخذ من كل عالم ما عنده من علم كما كان علماء السلف ﵃، فهم قد ترجموا لكثير من العلماء بأنهم كان لهم مئات الشيوخ أبو حنيفة مثلًا ﵀ ذكروا في ترجمته أنه كان له ألف شيخ.
وأنا لا يهمني أن يكون هذا الخبر صحيحًا بالسند والرواية لكن هذا موجود، فإن الكتاب السابق: الروض النظير في ترتيب وتخريج معجم الطبراني الصغير، أسلوبه فيه .. وهذا أسلوب فيه فن .. فيه إبداع ليحفظ أسماء شيوخه رتب أسمائهم على حروف ألف با .. حروف المعجم، وروى لكل شيخ من هؤلاء الشيوخ حديثًا واحدًا، كم عدد شيوخه؟ أكثر من ألف شيخ، هذا مسجل في كتاب اسمه: معجم الطبراني الصغير، أكثر من ألف شيخ روى عن كل شيخ في هذا الكتاب فقط حديثًا واحدًا، يقصد أن يحفظ ويجمع أسماء شيوخه، هو له ثلاثة كتب: معجم الطبراني الصغير، ومعجم الطبراني الأوسط، ومعجم الطبراني الكبير، الصغير والأوسط أسلوبهما واحد من حيث أنه رتب أسماء الشيوخ، لكن يختلف المعجم الأوسط عن المعجم الصغير فقط من حيث أنه يذكر في الأوسط للشيخ الواحد أكثر من حديث واحد، أما في الصغير فيذكر فيه حديث واحد فله أكثر من ألف شيخ.
هكذا كان العلماء سابقًا؛ لأنه في الحقيقة كل عالم يتميز عن غيره بعلم أو بخلق أو دين أو صلاح أو ما شابه ذلك، وأما المعجم الكبير وهو المعجم الثالث
стр. 2613
للطبراني فأسلوبه فيه يختلف تمامًا عن المعجم الصغير والأوسط، وخلاصة ذلك: أنه على طريقة المسانيد، من كان منكم يعرف مسند الإمام أحمد ومسند الطيالسي ونحوهما من المسانيد التي بدأت تظهر الآن في عالم المطبوعات، فمعجم الطبراني الكبير رتبه على أسماء الصحابة، بدأ بالعشرة المبشرين بالجنة ثم بدأ بالألف والباء أبي بن كعب وهكذا، ويذكر هناك لكل صحابي كثيرًا من الأحاديث ولا يستوعب أحاديثهم.
وبهذا القدر كفاية والحمد لله رب العالمين.
(فتاوى رابغ (٥) /٠٠: ٤٠: ٤٥)
стр. 2614
التعادي والتدابر بين طلاب
العلم للاختلاف
مداخلة: يا شيخ ما ... بارك الله فيك! بالنسبة للشباب الذين مَنَّ الله عليهم بالدعوة السلفية، والذين قد اتفقوا بالأصول، ولكن عندما يفترقون ببعض الفروع، تجدهم يتعادون في ذلك، وكذلك ما هي نصيحتك بالنسبة للشباب سواء الذين انضموا إلى الدعوات الإسلامية الأخرى، أو الذين انضموا إلى الدعوة السلفية ممن يعملون المظاهرات والهتافات، وهل هذا من منهج السلف أم لا؟
الشيخ: أما طلاب العلم الذين يدرسون الأصلين: أصول الحديث وأصول الفقه، فهؤلاء عليهم أن يُطَبِّقوا الفروع على الأصول وألَّا يُقَلِّدوا أحدًا من خلق الله وإنما يستفيدون من كل عالم من علماء السلف الذين كانوا على الكتاب والسنة ومنهج الصحابة والذين تبعوهم بإحسان، هذا نصيحتي لطلاب العلم.
من جانب آخر: يجب أن نبتعد عن التعصب الممقوت والتشدد المذموم وألا نتعادى .. ألا يعادي بعضنا بعضًا بسبب الحزبية أو التكتل أو الانتماء إلى جماعة من الجماعات، وينبغي أن نتناصح ونتوادد، وإذا رأينا بعض الناس بعيدين عن الكتاب والسنة عملًا وإن كانوا قد ينهجون في الانتساب إلى الكتاب والسنة قولًا
стр. 2615
إذا رأيناهم عملًا بعيدين عن ذلك فعلينا أن نترفق بهم وأن ندعوهم إلى أن يكونوا معنا في تطبيق ما ننتمي إليه جميعًا قولًا أن نجعله لنا منهجًا في حياتنا، ندعوهم كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].
أما هذه الهتافات التي تتبناها بعض الجماعات فهذه في الحقيقة كما سبق من الإنكار السابق من التعارف فهو لم يكن في كل القرون، لا أقول في السلف الصالح فقط الذين هم حجتنا وهم قدوتنا فقط، بل حتى القرون التي جاءت من بعدهم لم تكن فيهم مثل هذه الهتافات، إنما هذه الهتافات قَلَّدنا فيه الغربيين والكفار والمشركين الذين ليس عندهم منهاج مُنَزَّل من الله ﵎، فهم في كل يوم في بدعة بل في ضلالة، فعلى المسلمين أن يقتدوا فقط بما كان عليه السلف الصالح ولا يزيدوا على ذلك شيئًا، فهذه الهتافات تُذَكِّرني بعادة أخرى لبعض الناس إذا دخلوا مجلسًا كان هذا المجلس أو أهل هذا المجلس جلوسًا بحيث يمكن أن هذا الداخل يصافح كل فرد من أفراد الجالسين، فكلما سلم على فرد أتبعه بسلام آخر للفرد الآخر وهكذا حتى ينتهي من مصافحة الجالسين كلهم، هذه أيضًا بدعة وهو بدعة إضافية؛ لأن السنة أن المسلم إذا دخل المجلس يلقي سلامًا واحدًا: السلام عليكم .. السلام عليكم ورحمة الله .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن تيسر له مصافحتهم فالمصافحة سنة لقول بعض الصحابة: ما لقينا رسول الله ﵌ إلا وصافحنا.
وهناك حديث في سنن الترمذي أذكره لتمام صلته بهذا الموضوع من باب كما يقال: نرمي عصفورين بحجر واحد، معناه يلتقي مع ما نحن فيه وإسناده ضعيف،
стр. 2616
ألا وهو: «من تمام التحية المصافحة» فإذا دخل الداخل فالسنة أن يلقي سلامًا مرة واحدة، ثم إن تيسر له أن يصافح الحاضرين فذلك أفضل وأفضل للحديث الصحيح الذي ذكرته آنفًا من فعله ﵇، ولهذا الحديث الضعيف، في مثل هذا الحديث الضعيف يمكن أن يقال: يعمل به في فضائل الأعمال، وهذه نقطة دقيقة وحساسة جدًا يغفل عنها القائلون بجواز القول بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال؛ لأنهم في الحقيقة إن أرادوا بهذه الكلمة: يجوز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، أي: يجوز إثبات شرعية عمل ما وفضل هذا العمل بالحديث الضعيف فهذا لا يقوله عالم؛ لأن فيه تشريعًا بالحديث الضعيف.
والعلماء متفقون إلا من شذ من بعض المتأخرين كبعض الغماريين وأمثالهم حيث قالوا: يجوز إثبات الأحكام الشرعية بالأحاديث الضعيفة، وزعم أن الأئمة - وهذا كذب وافتراء عليهم - أنهم أثبتوا أحكامًا بأحاديث ضعيفة وغفل هذا أو تغافل الله أعلم بنيته؛ لأن بعض الأئمة قد يُثْبِتون أحكامًا بدون حديث مطلقًا وإنما بالقياس، وبغض النظر أن هذا القياس صحيح أو ليس صحيح هذا شيء آخر، فلا يجوز أن نقول: إنهم يثبتون أحكامًا شرعية بالأحاديث الضعيفة، فإذا كان الذين يقولون: يجوز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، أي: تشريع أعمال لها فضل شرعًا بالحديث الضعيف فهذا لا يقوله عالم مما يقول، أما إن كانوا يعنون: يجوز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال التي ثبت شرعيتها بدليل يصلح الاحتجاج به شرعًا، ثم جاء الحديث الضعيف يثبت فضلًا لهذا الذي ثبت بالحديث الصحيح فلا مانع من ذلك، وهاهو المثال جاءكم ...
стр. 2617
الخاطر.
«ما لقينا إلا وصافحنا» .. «من تمام التحية المصافحة» إذًا: هو لما لقيهم بلا شك سلم عليهم، ثم صافحهم، فمن تمام التحية المصافحة، لا بأس من المصافحة تمامًا للتحية، لكن نحن ما نثبت هذا في الحديث الضعيف، إنما نثبته من مجموع أحاديث فرضية إلقاء السلام وأعني ما أقول .. فرضية إلقاء السلام وليس سنية إلقاء السلام؛ لأن الرسول يقول: «إذا لقيته فسلم عليه» فلا بد أن الرسول حينما لقي أصحابه سلم عليهم، ثم لهذا الحديث الذي ذكرناه: «ما لقينا إلا وصافحنا» إذًا: ثبت من مجموع هذين الحديثين على الأقل أن من تمام التحية المشروعة المصافحة، فإذا جاء مثل هذا الحديث وذكرناه مع بيان ضعفه فلا بأس من ذلك، وهو مثال صالح لجواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال التي ثبتت ليس بالحديث الضعيف، وإنما بالحديث الصحيح.
هذا ما يحضر جوابًا على السؤال السابق.
مداخلة: ... أيضًا تنبيه ... للشباب.
الشيخ: تفضل.
(لقاءات المدينة لعام ١٤٠٨ هـ (٣) /٠٠: ٠٥: ٢٦)
стр. 2618
الاختلاط بالجماعات
ليتبين الحق لهم
مداخلة: شيخ! هناك كثير من الشباب يُنْصَحون من قبل أناس لكي يذهبون مع بعض الجماعات من أجل أن يبينوا لهذه الجماعات، وكما تعلم يا شيخ لأن التبيين عندما الشخص جالسًا في بيته يبين له، لكن عندما يكون الشخص قد تَصَدَّى للدعوة لكي يعطي الناس ما لديه من علم فكيف يذهبون معهم ويبينون لهم؟ وخصوصًا أن هناك كثيرًا من الشباب قد ذهبوا بهذه الطريقة ولم يعودوا، حيث انضموا لتلك الجماعات ولم يرجعوا إلى بحبوحة السلفية.
الشيخ: هذا الحقيقة أمر واقع مع الأسف ما له من دافع، نحن لا نرى مانعًا من أن يخالط المسلم هذا المتمسك بالكتاب والسنة أن يخالط الجماعة الأخرى ليس من باب المداهنة ... وإنما من باب الدعوة إلى الله كما قلنا في الآية السابقة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥] فلا نرى مانعًا من أن يخالط الداعية أولئك الجماعات الأخرى الذين هم بحاجة إلى دعوتنا، ولكن هنا شرط لا بد من أن نلاحظه وهو: أن هذا الذي نستحب له أن يخالط أولئك الناس يجب أن يكون أولًا مُتَمَكِّنًا في علمه بما يدعو إليه، وثانيًا: متخلقًا بالأخلاق ومتأدبًا بالآداب التي تأدب هو بها على هذا المنهج الذي سار عليه هو وأصحابه، أما إذا كان ضعيف العلم .. ضعيف الشخصية، فلا نجيز له أن يخالط أولئك الناس؛
стр. 2619
لأنهم كما أشار السائل سَيَجُرُّونه، وكما قيل في المثل السائر: الصاحب ساحب، والرسول ﵇ يقول: «لا تصاحب - وهذا معنى ذلك المثل - إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي» لا تصاحب إلا مؤمنًا يدلك عمله لسان حاله فضلًا عن لسان قاله على ما أنت بحاجة إليه من العلم والخلق والأدب الإسلامي.
من هنا يجب أن ... وهذا أهم من الأمر السابق: أننا لا نرى في الشباب المسلم أن يسافر من بلاد الإسلام إلى بلاد الكفر والفجور والفسق والخلاعة في سبيل أن يتعلم علمًا أقل ما يقال فيه: إنه ليس بفرض ولا واجب عليه، فيذهب إلى هناك فيتأثر بالمحيط الذي يعيش فيه بالعادات والتقاليد والأخلاق ويتأثر بما يرى من تبرج وفسوق وفجور علني، لا نرى لهؤلاء الشباب أن يذهبوا إلى تلك البلاد في سبيل تحصيل ما قد يكون جائزًا فيرجعون وهم قد خسروا شيئًا من دينهم أو قسمًا من ... وأخلاقهم، لذلك قال ﵊: «أنا بريء من مسلم أقام بين ظهراني المشركين» وفي الحديث الآخر: «من جامع المشرك فهو مثله» من جامع: أي: خالط، وفي حديث ثابت: «المسلم والمشرك لا تتراءى نارهما» وإنما نار كل منهما بعيد عن نار الآخر، كناية: انج بنفسك .. ابعد أن تجاور الكافر والفاسق؛ لأن الطبع سراق.
ولعله من المفيد أن نُذَكِّر بحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه وربما البخاري أيضًا في صحيحه، حديث رائع جدًا، فيه إثبات ما قد يظن بعض من يدرسون علم النفس من الشباب المسلم دراسًة عصريًة مجردًة عن التأثر بالتوجيه القرآني والحديث النبوي يظن أن ما قرأه في علم النفس هذا من اكتشاف الأوربيين، من ذلك مثلًا قولهم: إن البيئة تؤثر سواء كانت هذه البيئة
стр. 2620
مادية أم كانت معنوية، هذا مأخوذ من شريعتنا! فاسمعوا حديث نبيكم الذي أثبت تأثير البيئة وشرع لنا أن نعيش في البيئة الصالحة ولا نعيش في البيئة الطالحة حتى لا نتأثر بأخلاق أهلها، قال ﵊: «كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعًة وتسعين نفسًا، ثم أراد أن يتوب إلى الله فسأل عن أعلم أهل الأرض فَدُلَّ على راهب» من كان حظه سيئًا، هو سأل أين أعلم أهل الأرض فدل على جاهل لكنه متعبد.
وهذا من مصيبة الناس في كل عصر ودهر، يظنون الرجل المتعبد أنه يتعبد على علم كأنهم يتصورون أن اجتماع العلم والصلاح أمر ضروري متلازم، مع الأسف ليس الأمر كذلك، فكم من متعبد جاهل وكم من عالم فاسق، وقَلَّما يجتمع العلم والصلاح، لذلك كان هذا الرجل الفاجر الذي قتل تسعًة وتسعين نفسًا بغير حق كان عاقلًا حينما سأل أن يَدُلُّوه على أعلم أهل الأرض لكن أساؤوا الدلالة فدلوه على راهب، «فجاء ... وقال له: إني قتلت تسعًة وتسعين نفسًا فهل لي من توبة؟ قال: قتلت تسعًة وتسعين نفسًا وتسأل عن التوبة! لا توبة لك، فأكمل به العدد المائة» لكنه رجل مُصِر على التوبة والرجوع إلى الله «فما زال يسأل عن أعلم أهل الأرض حتى دل عليه، فأتاه، وقص له القصة: إني قتلت مائة نفس بغير حق، فهل لي من توبة؟ قال: من يحول بينك وبين التوبة؟ ! » والشاهد في قوله الآتي: «ولكنك بأرض سوء فاخرج منها» هذه البيئة وتأثيرها!
« .. بأرض سوء فاخرج منها إلى القرية الفلانية الصالح أهلها، فخرج» خروجه دليل أنه كان جادًا في توبته إلى ربه، ويشاء الله أن يتوفاه وهو
стр. 2621
في طريقه للقرية الصالحة، فتنازعته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، كل من الطائفتين يدعي بأنه من حقه أن يتولى قبض روحه، ملائكة العذاب يعلمون منه أنه قتل مائة نفس بغير حق، فمن أولى بأن يقبض روحه إلا من ملائكة العذاب؟ ملائكة الرحمة نظروا إلى العاقبة وهي الخاتمة، وكما جاء في الحديث الآخر بغير هذه المناسبة: «إنما الأعمال بالخواتيم».
فأرسل الله إليهم ملكًا يحكم بينهم، فقال لهم .. كأنه يقول: الحكم سهل .. قيسوا ما بينه وبين كل من القريتين فإلى أي القريتين كان أقرب فألحقوه بأهلها، فقاسوا ما بينه وبين القرية التي خرج منها وما بينه وبين القرية التي قصدها فوجدوه أقرب إلى هذه القرية الصالح أهلها بمقدار ميل الإنسان في أثناء مشيه، لأنه كان ما يمشي هكذا، وإنما ... إلى الأمام فتولته ملائكة الرحمة.
الشاهد: «اخرج من هذه القرية» فإنها قرية شِرِّيرة منها تعلمت سفك الدماء، وانتقل إلى القرية الصالحة، إذًا:
عن المرء لا تسل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
(لقاءات المدينة لعام ١٤٠٨ هـ (٣) /٠٠: ١٤: ٣١)
стр. 2622
ظاهرة طعن طلاب العلم في بعضهم
روي عن النبي ﵌ أنه قال:
«يقبض الله العلماء قبضاً، ويقبض العلم معهم، فينشأ أحداث ينزوا بعضهم على بعض نزو العير على العير، ويكون الشيخ فيهم مستضعفا».
قال الإمام: منكر بجملة: (النزو).
ثم قال: هذا؛ ومن أجل النكارة المشار إليها في صدر هذا البحث خَرَّجت الحديث هنا، وبيان عللها، مع أنها تمثل واقع كثير من شباب الصحوة المزعومة اليوم، الذين يرد بعضهم على بعض، ويطعن بعضهم في بعض للضغينة لا النصيحة، ووصل تَعَدِّيهم وشَرِّهم إلى بعض العلماء وأفاضلهم، ونبزوهم بشتى الألقاب، غير متأدبين بأدب الإسلام: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويُوَقِّر كبيرنا، ويعرف لعالمنا حقه»، ومغرورين بنتف من العلم جمعوه من هنا وهناك حتى توهموا أنهم على شيء، وليسوا على شيء كما جاء في بعض أحاديث الفتن وصرفوا قلوب كثير من الناس عنهم، بأقوال وفتاوى ينبئ عن جهل بالغ، مما يذكرنا بأنهم من الذين أشار إليهم النبي ﵌ بقوله في الحديث الصحيح:
" إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً؛ اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا ". متفق عليه، وهو مخرج في" الروض النضير" (٥٧٩).
الضعيفة (١٤/ ٢/٥٥٥ - ٥٥٧).
стр. 2623
حكم من يقول: المسلم: سلفي أو خلفي
السؤال: يقول بعض الإخوة: لا يوجد في المسلمين إلا سلفياً أو خلفياً، فغير ذلك خلفي، وإما أن تكون سلفياً فغير ذلك فأنت خلفي، يعني: مسلم عادي لا يجوز، فأفيدونا؟
الشيخ: وضح، لأن الكلمة هذه أخشى أن تعطي معنى ربما أكثر مما أنت تريده، يعني: هل يعني هذا القائل أنه من كان سلفي فهو المسلم، ومن ليس سلفياً فهو كافر؟
مداخلة: ليس بمسلم، خلفياً.
الشيخ: ما عليك، إذاً: أجب أنت عن سؤالي: هل يعني: وهذا الذي خشيته، وتحفظت، هل يعني أن من كان سلفياً فهو المسلم ومن لم يكن سلفياً فليس بمسلم بل هو كافر؟
مداخلة: الله أعلم.
الشيخ: كيف الله أعلم، أنت سائل، أنا أريد أجاوبك.
مداخلة: بأنه لا يوجد إلا سلفي، فغير السلفي فهو خلفي ليس بمسلم.
الشيخ: رجعت إلى كلامي الذي خفت منه.
стр. 2624
مداخلة: أصل هذه كلمة غير مسلم الله أعلم بزيادتها.
الشيخ: أنا خايف، انظر يا أخي، المسلم كما قال ﵊ في الحديث الصحيح، وأرجو أن لا يصرفنا تحمسنا نحن السلفيين للدعوة الإسلامية الحق أن لا يصرفنا ذلك إلى الوقوع فيما وقعت فيه الخوارج قديماً وحديثاً، من القول أن من كان سلفياً فهو مسلم وإلا فهو الكافر، أرجو ألا نقع في هذه المصيبة التي وقع فيها الخوارج قديماً وحديثاً؛ لأنها تنافي الشريعة التي قالت بلسان نبيها ﵌: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» فكل من قال: لا إله إلا الله فهو مسلم، ولا يجوز تكفيره إلا بشيء صريح مما هو داخل في باب إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، هذا أولاً، وثانياً: بعد تبليغه الحجة وليس هكذا التفكير على عماها، فنحن نعلم اليوم وجود طوائف كثيرة جداً، وكلهم يشهدون معنا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويصلون صلاتنا، ويستقبلون قبلتنا، ويصومون صيامنا، ويحجون بيت ربنا ..
إلخ، ومع ذلك فهم يختلفون عنا في قليل أو كثير ليس فقط من الأحكام التي تسمى بالأحكام الفرعية بل وفي كثير من العقائد الفكرية، ومع ذلك لا يجوز لنا أن نكفرهم، وإنما أولاً كخطوة أولى نكتفي بأن نقول: إنهم في ضلال مبين، لكن الضلال درجات، ثانياً: من أقيمت الحجة عليه من طرف رجل عالم بالكتاب والسنة ثم أصر هو بينه وبين ربه على المكابرة وعلى جحد الحقيقة التي تبينت له فهذا هو الكافر؛ لأن الكافر يتضمن معناه لغة، وشرعاً يتضمن معنى ستر الحق بعد ظهوره، ولهذا جاء في القرآن آية: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا
стр. 2625
أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] فمن تبينت له حقيقة من حقائق الشريعة ثم كابر وأنكر فهذا هو الكافر، ونحن كأفراد لا نستطيع أن نحكم بأنه زيد من الناس هذا كافر، إلا إذا أعلن بلسانه صراحة كأن يقول: هذا الذي تقوله حق لكن أنا لا أؤمن به، هذا يكون كافراً.
نأخذ مثلاً بعض المسائل الخلافية المعروفة قديماً وحديثاً: بعض الأشاعرة الذين ينكرون علو الله على خلقه، تعرف هذه المسألة؟ هؤلاء بلا شك هم ضالون، في قولهم هذا، وإنكارهم لعلو الله على خلقه، لكن لو أتيتهم بالآيات والأحاديث هم يسلمون بها ولكن يقولون: أنتم تفهمونها على وجه ونحن نفهمها على وجه، وهكذا قل على الذين ينكرون رؤية الله في الآخرة، والمعتزلة الذين ينكرون هذا أو هذه الرؤيا وينكرون أن كل شيء بقدر، كل هؤلاء لا ينكرون نصوصاً مقطوع ثبوتها ليس فقط عند غيرهم، وإنما عندهم، ليست مقطوع بثبوتها، فهؤلاء لم يكن من عقيدة السلف الصالح تكفيرهم، وإنما كانوا يُضَلِّلونهم ويُكَفِّرون من تَبَيّن لهم عناده وإصراره على إنكار الحق.
فإذا عرفنا هذه الحقيقة فنحن لا نستطيع أن نقول: من كان سلفياً فهو المسلم أما الخلفي فليس بمسلم، لا، لكننا نقول: أولاً: هؤلاء الخلف منهم من لا يعرف ما السلف وما الخلف، يعني: ذهنه خالي، والدعوة لم تبلغه كما بلغتنا نحن السلفيين، وأنا يبدو لي أن هناك في بعض البلاد الإسلامية حماس للدعوة السلفية حماس عاطفي غير علمي، ولذلك فينبغي أن نكبح جماح نفوسنا ولا نتوسع في إطلاق كلمة الكفر على غيرنا، وإنما نحن في قرارة نفوسنا نحمد الله أن هدانا لهذا الحق الذي اختلف فيه الناس، ثم يكون موقفنا بالنسبة للآخرين موقف المشفقين كالطبيب العارف بمرض المريض، فهو يشفق عليه
стр. 2626
لمرضه، ويحاول أن ينقذه منه بكل وسيلة يستطيعها، ليس نجعلها مسألة حرب وقتال، لأن هؤلاء مسلمون إخواننا وهم مرضى، وعليهم أن نعينهم على مرضهم ونقدم لهم ما به يشفون من أمراضهم.
(الهدى والنور/٤٦٨/ ٠٧: ٣٣: ٠٠)
стр. 2627
الدعاة والوقوع في أهل العلم
الملقي: شيخ، اللي له علاقة بهذا الموضوع أن كثير من الشباب قد وقعوا في المشايخ.
الشيخ: هذا صحيح.
الملقي: فما نصيحتكم لهؤلاء؟
الشيخ: إخواننا سمعوا الجواب عن مثل هذا السؤال، وهو أنه لا يجوز لهؤلاء الشباب أن ينالوا من أهل العلم الذين لهم قدم صدق في العلم؛ لأنهم أخطؤوا في وجهة نظر هؤلاء الشباب، علماً أنه هؤلاء الشباب حينما يخطؤون أولئك العلماء لا ينطلقون من علم، وإنما ينطلقون من عاطفة، ولذلك فإن أعجبهم فتوى زيد من العلماء فسيوجد في الطرف الآخر الذين يتحمسون للعلماء المخالفين لذاك العالم، بل -أيضاً- سيقفوا نفس الموقف بالنسبة للشيخ الذي هم معجبون بفتواه وبرأيه، ولذلك فنحن ننصح الشباب أن لا يتدخلوا في مثل هذه المسائل والطعن والغمز واللمز في العلماء الذين يرون أنهم أخطؤوا، نحن بلغنا أن بعضهم وصل به أن يطلق كلمة الكفر والعياذ بالله، على بعض العلماء الذين نجلهم ونكبرهم ونحترمهم كل الاحترام، وهذا سببه كله هو انطلاق الناس كما قلنا آنفاً سواء أصابوا أو أخطؤوا من العاطفة وليس عن علم، وليس عن فكر، وإنما عاطفة جامحة، هؤلاء يتعصبون للفتوى الفلانية، وهؤلاء يتعصبون
стр. 2628
للفتوى الأخرى المخالفة للأولى، وهكذا، ويكون ذلك سبباً للزيادة في اشتعال النار والاختلاف بين المسلمين، ولذلك فنحن أنكرنا على هؤلاء الشباب، ولو كانوا معنا مثلاً في الرأي أن يطعنوا في الآخرين من العلماء الذين لهم رأيهم واجتهادهم.
(الهدى والنور/٥١١/ ٢٠: ٤٦: ٠٠)
стр. 2629
ذكر حسنات المخالف عند الرد عليه
مداخلة: فضيلة الشيخ! هل من منهج السلف في أثناء الرد على المخالف ذكر الحسنات؟ نرجو الإجابة مُفَصَّلة على هذا السؤال؟
الشيخ: هذا إذا كان المقصود هو بيان الحق الذي جاءت مناسبته فهذا شيء، وإذا كان المقصود ترجمة من نرى أنه أخطأ في مسألة ما فهذا شيء آخر، في الحالة الأولى ليس شرطاً حينما يرد على المخالف أن تذكر حسناته، أما إذا كان الوضع خلاف هذا وهو مما أشرت إليه آنفاً أن يتحدث عن الشخص ذاته ونفسه فهنا بلا شك ينبغي ألا يتوجه الناقد إلى ذكر أخطائه وإنما يقرن معها أن يذكر محاسنه وحسناته على أساس من الانطلاق من قوله ﵎: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] أما مجرد عن الرد هذا خلاف منهج السلف الصالح وخلاف المعهود من رد الرسول ﵇ على من وجد من بعض أصحابه خطأً، وفي اعتقادي الأحاديث التي وردت بمثل هذه المناسبة لو جمعت لكان منها رسالة.
مثلاً: قال لمن مدح صاحبه في وجهه: «ويحك قطعت عنق أخيك .. ويحك قطعت عنق أخيك» هكذا ثلاث مرات، «إن كان أحدكم مادحاً أخاه فليقل: أحسبه كذا وكذا ولا أزكي على الله أحداً» أو كما قال ﵇.
كذلك مثلاً ذاك الرجل الذي كان حاضراً قوله ﵌ أو خطبته أو موعظته، فقال
стр. 2630
له: «ما شاء الله وشئت يا رسول الله» فانبرى له الرسول ﵇ بصيغة الاستفهام الاستنكاري: «أجعلتني لله نداً، قل: ما شاء الله وحده» فالأمثلة كثيرة وكثيرة جداً.
ولذلك فأنا أعتبر هذا الشرط إن كان يقوله أحد فهذا في الواقع من ليونة بل من ميوعة بعض الدعاة العصريين اليوم، حيث أنهم لا يقبلون الصدع بالحق؛ لأن الصدع بالحق مر، فيريدون أن يُقَدِّموا بين يدي ذلك شيء من ترطيب الجو وتليينه، فأنا أعتقد هذا خلاف السنة، أساليب تخالف السنة في كثير من النواحي، لكن المخالفة كما نقول نحن في الشرك إنه ينقسم إلى أقسام منها: شرك لفظي، مع أنه شرك فهو شرك لفظي لا يخرج عن الملة، لكن هناك أيضاً ألفاظ ليست من الشرك بسبيل لكنها أيضاً ليست من السنة بسبيل، مثلاً: وأنا أعتقد أن بعض إخواننا الدعاة السلفيين عقيدةً لكنهم ليسوا سلفيين سلوكاً ومنهجاً؛ لأن هذا السلوك يتطلب أمرين اثنين:
الأمر الأول: التوسُّع في معرفة حياة الرسول ﵇ بعامة بتفاصيلها الكاملة.
وثانياً: الثبات على هذا الحق الذي ندين الله به وعدم مجاراة الناس على أساليبهم وعاداتهم.
مثلاً: أول من عرفنا في مخاطبة الجماهير بكلمة: يا أحبابنا! فهم جماعة التبليغ، فأنا أتساءل في نفسي: ترى! هم أهدى من نبينا ﵌ في مخاطبة الناس وألين وأحكم، وهو المخاطب مباشرة بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ
следующие страницы →