← Акыда

Акыда · id 145205

جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى

ناصر الدين الألباني

Полный текст (5 605 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

مداخلة: نعم. الشيخ: طيب، ينتج من وراء هذا التدقيق في مناقشة الأثر: أن من كان لا يلتفت ولا ينتهي بصلاته ببصره فهولا ينبغي له أن يغمض عينيه أليس كذلك؟ مداخلة: أي نعم. الشيخ: إذاً: المثال ما يصلح به السؤال. مداخلة: لكن ما مر بكم مثل هذا الفعل؟ الشيخ: لا. مداخلة: نعم. الشيخ: إلا أننا نحن سنقول: أليس من السنة أن ينظر المصلي إلى موضع سجوده؟ مداخلة: بلى. الشيخ: طيب، إذاً: هذا خلاف السنة، غمض العينين خلاف السنة، لكن أنا لا أقول: بالنسبة للمثال، وهذا كله قائم على إغماض العينين عن صحة سند هذا الأثر .. مداخلة: صحيح يا شيخ. الشيخ: فهل أنت على صحة منه؟ مداخلة: نعم، على صحة منه، في ابن أبي شيبة. الشيخ: وهذا لا يكفي. مداخلة: لا، على صحة ..

стр. 317

الشيخ: يعني: درست إسناده؟ مداخلة: نعم، رأيت إسناده ودرسته. الشيخ: طيب، هل تعرف أين هو بسهولة؟ مداخلة: يصعب شوية، لكن أظنه في المجلد الثاني من ابن أبي شيبة، ولكن ... الشيخ: إن السنة كما يقرر ذلك ابن قيم الجوزية في زاد المعاد في هدي خير العباد: ألا يغمض عينيه، ويستدل على ذلك بأمور: منها حديث سعد بن الحنظلية المروي في سنن أبي داود: «أن النبي ﵌ أرسل طليعة، فكان وهو يصلي ينظر إلى الشعب الذي سيطل منه ذلك الطليعة»، وأشياء منها قوله ﵇ كما هو ثابت في الصحيحين: «لا تسبقوني بالركوع والسجود فإني أراكم من خلفي كما أراكم من أمامي»، فهذا أيضاً يدل أن الرسول ﵇ لم يكن من هديه أن يغمض عينيه في الصلاة، لكن الأثر هنا معالجة خاصة بمن يغلب عليه الالتفات فيقول: يغمض عينيه، لكن هذا ليس مثالاً، أنا ودي أقول بما جاء في السؤال. غيره. نعم. (الهدى والنور /٧٣٤/ ٣٣: ٣٠: ٠٠)

стр. 318

كلمة هامة حول منهج السلف الشيخ: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد ﵌ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أمامي سؤالان يلتقيان في نقطة واحدة، وهي: السؤال عن حزب التحرير. السؤال الأول يقول: قرأت كثيراً عن حزب التحرير، وقد أعجبني كثير من أفكارهم، فأريد منك أن تشرح أوأن تفيدنا بنبذة عن حزب التحرير؟ . السؤال الثاني: يدندن حول الموضوع، ولكن يريد شرحا فيقول: نريد منك

стр. 319

شرحا موسعا عن حزب التحرير، وأهدافه، وأفكاره، وأخطائهم، وهل تغلغلت في العقيدة؟ . جواب عن هذين السؤالين: أنا أقول: إن أي حزب وليس فقط أعني حزب التحرير، من دون الأحزاب الإسلامية، أو التكتلات الإسلامية، أو التجمعات الإسلامية، أي جماعة من هذه الجماعات لم تقم جماعتها ولم تقم أحزابها على كتاب الله وعلى سنة رسول الله ﵌ زيادة على المصدرين المذكورين، أقول: وعلى منهج السلف الصالح، أي حزب لا يقوم على الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح فهو بلا شك ستكون عاقبة أمره خسراً، وأنه مهما كان مخلصاً في دعوته، وبحثي أو جوابي هذا إنما هو عن هذه الجماعات الإسلامية التي يفترض أن تكون مخلصة لدين الله وناصحة للأمة كما جاء في الحديث الصحيح ألا وهو قوله: ﵌: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، . قالوا: لمن يا رسول الله؟ . قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». فإذا لم تكن دعوة أي حزب من هذه الأحزاب قائمة على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح فسوف لا يجنون من دعوتهم إلا خساراً، ذلك لأن الأمر كما قال ربنا في القرآن الكريم: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾. فمن كان جهاده لله، وعلى كتاب الله وعلى سنة رسول الله، وعلى منهج السلف الصالح فهؤلاء هم الذين ينطبق عليهم قول الله : ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]. أُكَرِّر على مسامعكم هذا الأصل العظيم الذي لا بد لكل جماعة مسلمة أن تقوم دعوتها عليه: الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح.

стр. 320

إذا كان الأمر كذلك فأنا أقول بناء على معرفتي بكل الجماعات والأحزاب القائمة اليوم على الأرض الإسلامية: أنهم جميعاً إلا جماعة واحدة، ولا أقول: إلا حزبا واحدا؛ لأن هذه الجماعة لا تتحزب، ولا تتكتل ولا تتعصب إلا للأصل المذكور أنفا، ألا وهو: كتاب الله وسنة رسول الله، ومنهج السلف الصالح. فأنا أعرف جيدا أنه سوى هذه الجماعة لا تدعو إلى هذا الأصل الذي وضَّحته آنفاً, وكررَّته مرارا وتكرارا على مسامعكم، وإنما يعودون إلى الكتاب والسنة فقط، ولا يقرنون إلى الكتاب والسنة قولنا السابق ذكره: وعلى منهج السلف الصالح. وحينئذ سيتبين لكم أهمية هذا القيد الثالث؛ وعلى منهج السلف الصالح، سيتبين لكن حيث واقع الجماعات الإسلامية بل الفرق الإسلامية من يوم بدأ يمد رقبته، أو يظهر قرنه بين الجماعات الإسلامية الأولى: أي من يوم خرجت الخوارج على أمير المؤمنين: علي بن أبي طالب، ومن يوم الجعد الذي دعا بدعوة المعتزلة، والذين جاءوا من بعده مقلدين له في الاعتزال، إلى غير ذلك من الفرق المعروفة أسماؤها قديما، والتي تتجدد مسمياتها حديثا بأسماء حديثة. هذه الفرق كلها سواء ما كان منها قديماً أو حديثاً، لا يوجد فيها فرقة تقول وتعلن: أننا لسنا على الكتاب والسنة، كل هذه الفرق على ما بينها من اختلاف، سواء كان هذا الاختلاف في العقائد والأصول أو كان هذا الاختلاف في الأحكام والفروع، هؤلاء المتُفَرِّقون في دينهم كلهم يقولون، كما نقول نحن الكتاب والسنة، ولكنهم يفترقون عنا فلا يقولون قولتنا: الذي هي تمام دعوتنا: وعلى منهج السلف الصالح. إذن ما الذي يحكم بين هذه الفرق وكلها تنتمي وعلى الأقل كلاما ودعوة إلى

стр. 321

الكتاب والسنة؟ . ما هو الحكم الفصل بين هؤلاء الذين يقولون كلمة واحدة؟ . الجواب: على منهج السلف الصالح. هنا كما يقال في العصر الحاضر: سؤال يطرح نفسه بالنسبة لبعض الناس وهو: من أين جئنا بهذه الضميمة: وعلى منهج السف الصالح؟ جئنا بها من كتاب الله ومن حديث رسول الله ﵌ ومما جرى عليه أئمة السلف المتبعين من جماهير أهل السنة والجماعة كما يقولون اليوم. أول ذلك قوله ﵎: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. فأنتم تسمعون قوله في هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾. فلو أن الله لم يذكر: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لو أن الآية كانت: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً على دعوة أولئك الفرق القديمة والحديثة، لا يخسرون شيئا لولم تكن هذه الجملة الطيبة في الآية الكريمة ألا وهو قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأنهم يقولون: نحن على الكتاب والسنة، هذه القولة يجب تحقيقها با تباع الكتاب والسنة تحقيقا شاملا أولا ومطبقا عملياً ثانياً. مثلا قوله المعروف لدى علماء المسلمين: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. المُقَلِّدة من العالم الإسلامي كله إذا دعوا إلى الله ورسوله،

стр. 322

إلى كتاب الله وحديث رسوله، قالوا: لا، نحن نتبع مذهبنا، هذا يقول مذهبي حنفي، وهذا شافعي الخ. فهل هؤلاء الذين أقاموا تقليدهم للأئمة مقام إتباعهم لكتاب الله ولسنة رسول الله صلى الله علي وآله وسلم قد طبقوا هذه الآية الكريمة التي ذكرتها أخيرا: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]؟ . الجواب: لم يفعلوا شيئاً من ذلك إذن لم يفدهم قولهم: نحن على الكتاب والسنة؛ لأنهم لا يطبقون عمليا الكتاب والسنة، هذا مثال أريد به تقريب الموضوع الأول؛ لان هذا المثال أقصد به المقلدة. أما البحث الأول فإنما أقصد به الدعاة الإسلاميين الذين يفترض فيهم ألا يكونوا من المقلدين، من الذين يؤثرون أقوال الأئمة غير المعصومين على أقوال الله ورسوله المعصوم. فإذا كان الأمر إذن يعود على العقيدة والعقيدة تؤخذ من الكتاب والسنة وما كان عليه السلف؛ لأن هذا السلف هو المقصود بالآية الأولى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] فيتبع غير سبيل المؤمنين لم يذكر الله هذه الجملة في منتصف هذه الآية عبثاً؛ وإنما ليؤصل بها أصلا، ويقعد بها قاعدة وهي: أنه لا يجوز لنا أن نتكل في فهم كتاب ربنا وسنة نبينا على عقولنا المتأخرة زمنا، والمختلفة فهما، وإنما يكون المسلمون متبعين للكتاب والسنة تأصيلا وتقعيداً إذا أضافوا إلى الكتاب السنة: وما كان عليه السلف الصالح، لأن هذه الآية تضمنت النص: أنه يجب علينا ألا نخالف الرسول، وألا نشاقق الرسول، كما تضمنت ألَّا نخالف وألَّا نتبع غير سبيل المؤمنين ومعنى كل من القيد الأول في هذه الآية والقيد الآخر: أنه يجب

стр. 323

علينا اتباع الرسول ﵇ وترك مشاققته، كما يجب علينا اتباع سبيل المؤمنين، وعدم مخالفته. من هنا نقول، من هنا أولا نقول: بأن على كل حزب أوجماعة إسلامية أن تُصَحِّح أصل منطلقها وهو: أن يعتمد على الكتاب والسنة وعلى ما كان عليه السلف الصالح، هذا القيد لا يتبناه حزب التحرير فكراً ولا الإخوان المسلمين ولا أمثالهم من الأحزاب الكثيرة وإنما نعني الأحزاب الإسلامية، أما التي أعلنت محاربة الإسلام كالبعثية والشيوعية فلس لنا معهم الكلام الآن. فالشاهد هذا الأصل الثالث: اتباع سبيل المؤمنين، حزب التحرير لا يتبناه، كذلك كل الأحزاب الأخرى. إذا كان الأمر كذلك، فينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يعلم أن الخط إذا اعوجَّ من رأسه فكلما مضى قدما يمشى فإنما يزداد انحرافا وابتعاد من الخط المستقيم الذي قال عنه رب العالمين في القرآن الكريم: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. هذه الآية الكريمة صريحة الدلالة، قطعية الدلالة كما يجب، وكما يلهج حزب التحرير من بين الأحزاب الإسلامية الأخرى في دعوتهم وفي رسائلهم ومحاضراتهم هذه الآية قطعية الدلالة؛ لأنها تقول: أن السبيل الموصل إلى الله هوواحد وأن السبل الأخرى هي التي تبعد المسلمين عن سبيل الله؛ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وقد زاد رسول الله ﵌ هذه الآية بياناً وتوضيحاً كما هو سنة النبي ﵌ دائما وأبدا، كما ذكر الله في القرآن الكريم حين خاطب نبيه بقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].

стр. 324

فسنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هي البيان الكامل للقرآن، والقرآن هو الأصل، هو الدستور للإسلام، وأما السنة فهي المُبَيِّنة المُؤَصِّلة للقرآن: أي بلا تشبيه وإنما من باب التقريب: القرآن بالنسبة للنظم الأرضية كالدستور فيها، والسنة بالنسبة لهذه القوانين الأرضية كالقانون الموضِّح للدستور. لذلك كان من المتفق عليه بين المسلمين قاطبةً: أنه لا يمكن فهم القرآن إلا ببيان الرسول ﵊ وهذا أمر مجمع عليه، لكن الشيء الذي اختلف المسلمون عليه واختلفت أثارهم من بعد ذلك هو أن كل الفرق الضالة القديمة لم ترفع رأسها إلى هذا القيد الثالث وهو: اتباع السلف الصالح، فخالفوا بذلك الآية التي ذكرتها آنفا مراراً وتكراراً، ثم خالفوا سبيل الله، لأن سبيل الله واحد وهو: ما جاء ذكره في الآية السابقة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. قلت أن النبي ﵌ قد زاد هذه الآية بيانا حينما روى عنه أحد أصحابه ﵇ المشهورين بالفقه ألا وهو عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه حيث قال: خط رسول الله ﵌ يوما خطاً مستقيما على الأرض، ثم خطَّ حول هذا الخط خطوطاً قصيرة، ثم مد أصبعه الكريمة على الخط المستقيم وقرأ الآية السابقة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. قال ﵇ وهو يمر بأصبعة على الخط المستقيم: «هذا صراط الله» ثم أشار على الخطوط القصيرة من حوله فقال: «وهذه طرق، وعلى رأس كل طريق منها شيطان يدعو الناس إليه». إذن هذا الحديث أيضا يفسره حديث آخر، وهذا الحديث الآخر وحديث الخط يعتبر من الموضحات لآية سبيل المؤمنين.

стр. 325

ذاك الحديث والذي رواه أهل السنن كأبي داود والترمذي وأمثالهما من أئمة الحديث من طرق عديدة عن جماعة من الصحابة ﵃ كأبي هريرة ومعاوية وأنس بين مالك وغيرهم أن النبي ﵌ قال: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: هي ما أنا عليه وأصحابي». هذا الحديث يوضح لنا سبيل المؤمنين المذكور في الآية، من هم المؤمنون فيها؟ هم الذين ذكرهم الرسول ﵇ في حديث الفرق حينما سئل عن الفرقة الناجية، عن منهجها، عن صفتها، عن منطلقها. فقال ﵇: «ما أنا عليه وأصحابي»، ما أنا عليه وأصحابي، فأرجو الانتباه، لأن جواب الرسول ﵊ إن لم يكن وحيا من الله، فهو تفسير من رسول الله لسبيل المؤمنين المذكور في قول الله الذي رويته مراراً آنفاً. حيث إن الله ذكر الرسول في الآية وذكر سبيل المؤمنين، هكذا الرسول ﵇ جعل علامة الفرقة الناجية التي ليست من تلك الفرق الاثنين والسبعين من الفرق الضالة جعل علامتها: أنها تكون على ما عليه الرسول وأصحابه، فنجد في هذا الحديث ما وجدنا في الآية، كما أن الآية لم تقتصر على ذكر الرسول فقط، كذلك الحديث لم يقتصر على ذكر الرسول فقط، وإنما ذكرت الآية سبيل المؤمنين كذلك ذكر الحديث أصحاب النبي الكريم، فالتقى الحديث مع القرآن؛ لهذا قال ﵊: «تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض».

стр. 326

كثير من الفرق القديمة والحديثة لا تنتبه لهذا القيد المذكور في الآية وفي هذا الحديث، حديث الفرق الضالة، حيث جعل من صفة الفرقة الناجية، بل علامة الفرقة الناجية: أنها تكون على ما كان عليه الرسول وأصحابه أيضاً. مثل هذا الحديث تقريباً حديث العرباض بن سارية، وهومن أصحاب النبي من أهل الصفة الذين كانوا فقراء يلزمون المسجد، ويلزمون حلقات الرسول ﵇ وتلقى العلم من كتاب الله ومن فم رسول الله غضاً طريا، قال العرباض هذا: وعظنا رسول الله ﵌ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون. فقلنا: أوصنا يا رسول الله قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن وَليَ عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». الشاهد من هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقتصر على حض المسلمين حينما يختلفون قال ﵇ «إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيرا». لذا أجاب النبي ﵌ كما هو أسلوب الحكيم، ومن أحكم منه من بعد أحكم الحاكمين؟ لا أحد في البشر أحكم من رسول الله ﵌ ولذلك فحينما قال: «وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيرا» أجاب عن سؤال مفروض؛ فماذا نفعل يا رسول الله قال: «فعليكم بسنتي»؟ ولم يكتف ﵇ بأمر الذين يعيشون في وقت الاختلاف كوقتنا هذا، لم يكتف بقوله: «عليكم بسنتي» فقط، وإنما عطف على

стр. 327

ذلك فقال. «وسنة الخلفاء الراشدين». إذن ليضم المسلم الناصح لنفسه في عقيدته أنه يجب الرجوع إلى الكتاب والسنة وإلى سبيل المؤمنين بدلالة الآية وحديث الفرق وحديث العرباض بن سارية. هذه حقيقة مع الأسف الشديد يغفل عنها كل الأحزاب الإسلامية وبخاصة منها حزب التحرير الذي يتميز عن أي حزب إسلامي آخر أنه يقيم للعقل البشري وزنا أكثر مما أقامه الإسلام له، نحن نعلم يقيناً أن الله حينما يكلم الناس بكلامه إنما يخاطب العقلاء، ويخاطب العلماء، ويخاطب الذين يتفكرون، ولكننا نعلم أن العقل البشري مختلف، فالعقل عقلان: عقل مسلم وعقل كافر. هذا العقل الكافر ليس عقلاً، فقد يكون ذكاء ولكن لا يكون عقلاً، لأن العقل في أصل اللغة العربية هو الذي يَعْقِل صاحبه، ويربطه ويقيده أن ينفلت يمينا وشمالا، ولا يمكن العقل ألا ينفلت يمينا وشمالا إلا إذا اتبع كتاب الله وسنة رسول الله ﵌؛ ولذلك حكى الله عن الكفار والمشركين حينما يعترفون بحقيقة أمرهم: أنهم حينما كانوا كما قال الله في القرآن الكريم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]. يعترفون أنهم حينما كانوا عارفين بأمور الدنيا أنهم لم يكونوا عقلاء، ذلك هوقولهم فيما حكاه ربنا عنهم: ﴿وَقَالُوا لَوكُنَّا نَسْمَعُ أَونَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]. إذن هناك عقلان: عقل حقيقي وعقل مجازي. العقل الحقيقي: هو العقل المسلم الذي آمن بالله ورسوله، أما العقل المجازي: فهو عقل الكفار؛ لذلك قال تعالى في القرآن كما سمعتم آنفا عنهم: ﴿وقالوا لوكنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾.

стр. 328

وقال بصورة عامة عن الكفار: ﴿أم لهم قلوب لا يعقلون بها﴾. فإذن هم لهم قلوب، ولكنه لا يعقلون بها، لا يفهمون بها الحق. إذا عرفنا هذه الحقيقة وهي حقيقة ما أظن أنه يختلف فيها اثنان، وينتطح فيها عنزان؛ لأنها صريحة في القرآن وفي أحاديث الرسول ﵇ لكني أريد أن أتوصل من هذه الحقيقة إلى حقيقة أخرى التي هي نقطة البحث في هذه اللحظة مني. إذا كان عقل الكافر ليس عقلا، فعقل المسلم ينقسم أيضا إلى قسمين: عقل عالم وعقل جاهل. فالعقل المسلم الجاهل لا يمكن أن يكون مساوياً في عقله وفي فهمه لعقل العالم، لا يستويان مثلا أبدا. لذلك قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. إذن لا يجوز للمسلم الحق المؤمن بالله ورسوله حقاً أن يُحَكِّم عقله، وإنما يخضع عقله لما قال الله وقال رسول الله ﵌. من هنا نضع نقطة في دعوة حزب التحرير: أنهم تأثروا بالمعتزلة في منطلقهم في طريق الإيمان، وطريق الإيمان هو عنوان لهم في بعض كتبهم التي ألفها رئيسهم: تقى الدين النبهاني ﵀ وأنا لقيته أكثر من مرة وأنا عارف به تماماً، وعارف بما عليه حزب التحرير كأحسن ما تكون المعرفة؛ ولذلك فأنا أتكلم إن شاء الله عن علم بما عليه تقوم دعوتهم، فهذا أول نقطة تؤخذ عليهم: أنهم جعلوا للعقل مزية أكثر مما ينبغي. أُكَرِّر على مسامعكن ما قلته آنفاً؛ أنا لا أنفى أن العقل له قيمته لما سبق ذكره،

стр. 329

لكن ليس للعقل أن يحكم على الكتاب والسنة وإنما العقل يخضع لحكم الكتاب والسنة وما عليه إلا أن يفهم ما جاء في الكتاب وفي السنة. من هنا انحرف المعتزلة قديما؛ فأنكروا حقائق شرعية كثيرة، وكثيرة جدا؛ بسبب أنهم سلطوا عقولهم على نصوص الكتاب والسنة فحرفوها، وبدلوا فيها وغيروا، وبتعبير علماء السلف: عطلوا نصوص الكتاب والسنة. هذه النقطة أُريد أن أُلفت نظركن إليها وهي: أنه ينبغي إخضاع العقل المسلم لنص الكتاب والسنة بعد فهم الكتاب والسنة. من هنا انحرف المعتزلة قديما، فأنكروا حقائق شرعية كثيرة، وكثيرة جدا؛ بسبب أنهم سلطوا عقولهم على نصوص الكتاب والسنة فحرفوها، وبدلوا فيها وغيروا، وبتعبير علماء السلف: عطلوا نصوص الكتاب السنة. هذه نقطة أريد أن ألفت نظركن إليها وهي: أنه ينبغي إخضاع العقل المسلم لنص الكتاب والسنة بعد فهم الكتاب السنة. فالحكم هو الله ورسول الله، وليس الحاكم عقل البشر لما ذكرنا: أن عقل البشر يختلف من عقل مسلم وعقل كافر، ثم عقل المسلم يختلف من عقل مسلم جاهل ومن عقل مسلم عاقل، فليس فهم المسلم العالم كفهم المسلم الجاهل، لذلك قال تعالى، ولا بأس من التكرار؛ لأنني أعلم أن هذا الموضوع قليلا يطرق مسامع الملايين المملينة من المسلمين، من الرجال فضلاً عن المخدرات من النساء، ولذلك فأنا مضطر إلى أن أكرر هذه النقاط وهذه الأدلة ما يعقلها إلا العالمون. هنا نحن نقف قليلاً: من هم العالمون؟ أهم العلماء الكفار؟ لا. لا نقيم لهم وزناً؛ لما ذكرناه آنفاً أنهم ليسوا عقلاء، والحقيقة أنهم أذكياء لأنهم اخترعوا وابتدعوا ... و ... الخ.، وارتقوا في الحضارة المادية المعروفة لدى الجميع.

стр. 330

كذلك عقل المسلمين، هذا العقل في كل أفرادهم ليس سواء، فلا يستوي عقل العالم مع عقل الجاهل، وسأقول شيئا آخر: لا يستوي عقل العالم العامل بعلمه مع عقل العالم اللا عامل بعلمه، لا يستوون مثلا إطلاقاً. لذلك فانحرفت المعتزلة في كثير من الأصول التي وضعوها مخالفين فيها طريقة الشرع: كتابا وسنة ومنهج السلف الصالح، هذه هي النقطة الأولى: اعتماد حزب التحرير على العقل أكثر مما ينبغي. النقطة الثانية وهي تتفرع في ظني من النقطة الأولى: لقد قسموا نصوص الكتاب والسنة إلى قسمين من حيث روايتها ومن حيث دلالتها. أما من حيث روايتها: فقالوا: الرواية قطعية الثبوت وقد تكون ظنية الثبوت. أما الدلالة فكذلك، قد تكون قطعية الدلالة وقد تكون ظنية الدلالة. لا نناقش في هذا الاصطلاح، فإن الأمر كما قيل: لكل قوم أن يصطلحوا على ما شاءوا، لكننا نناقش فيما إذا رتبوا على هذا الاصطلاح مفارقات تخالف ما كان عليه المسلمون الأولون. ومن هنا يظهر لكم أهمية سبيل المؤمنين، لأنها قيد من أن ينفلت العالم المسلم فضلا عن الجاهل المسلم أن ينفلت من نص الكتاب والسنة برجوعه إلى مثل هذا الاصطلاح الذي لا يجوز أن يكون له الثمرة التالية وهي: إنهم قد رتبوا من ذلك الاصطلاح بالقطعي والظني الذي يشمل الرواية والدراية رتبوا على ذلك ما يلي: فقالوا: إذا جاء في القرآن الكريم وهو بلا شك في الاصطلاح السابق ذكره: قطعي الثبوت، إذا جاء نص ليس بقطعي الدلالة فليس يجب على المسلم أن

стр. 331

يأخذ بما فيه من المعنى، لأنه ظني الثبوت، فلا يجوز له أن يبنى عقيدة على نص قطعي الثبوت لكنه ظني الدلالة. وكذلك العكس عندهم تماماً: إذا جاء الدليل قطعي الدلالة لكن ليس قطعي الثبوت فأيضاً لا يأخذون منه عقيدة. ومن هنا جاءوا بعقيدة لا يعرفها السلف الصالح، ووضعوا اصطلاحا لهم وكتبهم معروفة وأعني الآن بكتبهم: القديمة؛ لأنهم قد أجروا فيها تعديلاً، وأنا من أعرف الناس بهذا التعديل، لكنه في الواقع تعديل شكلي وهولوسلم به فإنما يدل أن القوم كانوا حتى في عقيدتهم مضطربين؛ حيث قالوا: العقيدة لا تثبت إلا بدليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة؛ فأقاموا عليها عقيدتهم وهي: أن الحديث الصحيح رواية والقطعي الدلالة لا يؤخذ منه العقيدة. فقلنا لهم فيما ناقشناهم وجادلناهم: من أين لكم هذه القاعدة: وهي قاعدة تتضمن عقيدةً، فمن أين جئتم بهذه العقيدة؟ ما الدليل على أنه لا يجوز للمسلم أن يبني عقيدته على حديث صحيح لكن ليس بطريق التواتر الذي يفيد القطع قطعي الدلالة؟ من أين جئتم بهذا؟ فاضطربوا هنا في الجواب، والبحث هنا طويل، وطويل جدا، واستدلوا بمثل قوله تعالى: ﴿إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس﴾ ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ (خطأ في الآية والصواب): ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]. هنا البحث الآن يخرجنا عما نحن في صدده من بيان ما نعرفه عن حزب التحرير،

стр. 332

لأن مناقشة هذه القاعدة وبيان ما عليها من اعتراضات، وأنها أقيمت على دليل كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء. ولذلك نكتفي الآن ببيان أن هذه العقيدة: أي أن المسلم لا يجوز له أن يتبنى عقيدة من حديث صحيح، من حديث صحيح لكن لم تصدق عليها فلسفة: قطعي الثبوت، فهو ليس قطعي الثبوت، لكنه قطعي الدلالة، من أين جاءوا بهذا؟ . لا دليل عليه، لا من الكتاب ولا من السنة، ولاما كان عليه السلف، بل ما كان عليه السلف ينقض هذا الذي تبناه بعض الخلف، منهم المعتزلة قديماً، وأتباعهم اليوم في هذه العقيدة وهم حزب التحرير. أقول الآن شيئا ولعله نمر مرًّا سريعا حتى نتابع الحديث؛ كلنا يعلم أن النبي صلى الله علي وآله وسلم حينما أرسله الله بشيرا ونذيرا، وقال له: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] كان تبليغه ﵊ رسالته إلى الناس تارة بشخصه حينما كان يحضر ندواتهم ومجتمعاتهم فيخاطبهم مباشرة، وتارة يرسل رسولا من طرفه يدعوا المشركين إلى أتباع دعوة النبي الكريم، وتارة يرسل خطابا كما هو معلوم من السيرة إلى هرقل ملك الروم وإلى كسرى ملك فارس وإلى و .. و .. الخ أمراء العرب كما هو مشروح في كتب السيرة النبوية. ومن ذلك أنه أرسل على اليمن معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري وعلى بن طالب، وأرسل إلى الروم دحية الكلبي و ... والخ. هؤلاء كانوا أفرادا لا يمثلون، أولا يمثل خبرهم الخبر القطعي؛ لأنهم أفراد فمعاذ في مكان، وأبو موسى في مكان وعلي في مكان، وقد يختلف أيضا الزمان، كما اختلف المكان.

стр. 333

وهناك حديث في الصحيحين ... بالسند الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي ﵌ لما أرسل معاذاً على اليمن، قال له: «ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله». فمن من المسلمين يشك بأن هذه الشهادة هي الأصل الأول من الإسلام؟ أي هو العقيدة الأولى الذي ينبني عليها الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله فإذا معاذ ﵁ ذهب وحده مبلغا وداعياً المسلمين عفوا وداعيا المشركين أن يؤمنوا بدين الإسلام. ترى هل قامت الحجة بمعاذ بن جبل حينما دعاهم إلى الإسلام، ويقول لهم: إن الرسول يأمركم بأن تصلوا خمس صلوات في كل يوم وليلة، وهذه الصلاة ركعتان، وتلك ثلاث، والبقية أربع، إلى آخر ما هنالك من تفصيلات معروفة اليوم لدينا والحمد لله؟ ويأمرهم بالزكاة، وذكر لهم تفاصيل أحكام الزكاة: ما يتعلق بالفضة، ما يتعلق بالذهب، ما يتعلق بالثمار وبما يتعلق بالخضار، ما يتعلق بالأبقار والجمال، و .. والخ؟ هل قامت حجة الإسلام على أولئك المشركين بمعاذ وحده؟ على مذهب حزب التحرير مع الأسف: لا: لم تقوم الحجة؛ لأنه فرد يجوز عليه كما يقولون هم يجوز عليه الكذب وإذا قلنا: لا، الكذب بعيد عنهم، فلا أقل أن يقال: يجوز عليهم الخطأ والنسيان. فإذن جاءوا بفلسفة: أن الحديث الصحيح لا يجوز أن نأخذ منه عقيدة إسلامية. إذن اليمانيون حينما دعاهم معاذ إلى الإسلام، وبلا شك أول ما دعاهم

стр. 334

دعاهم إلى العقيدة، إذن لم تقم حجة الله على اليمانيين الذين كان منهم الوثنيين وكان منهم صليبين، وكان منهم من المجوس، لم تقم حجة الله عليهم في العقائد، أما في الأحكام يقولون حزب التحرير كما يقول عامة المسلمين: نعم حديث الآحاد تثبت به الأحكام الشرعية، أما العقائد الإسلامية فلا تثبت بحديث الآحاد، هذا معاذ يمثل عقيدة الآحاد في الإسلام كله، أصولا وفروعا، عقائد وأحكاما، فمن أين جاءوا بهذا التفصيل؟ . ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣]. وأُنهي الكلمة المتعلقة بحديث الآحاد التي ضرب بها حزب التحرير عشرات الأحاديث الصحيحة بحجة: أن هذا والله حديث آحاد لا تقوم به حجة في العقيدة فذكر بعضهم النكتة التالية: زعموا أن أحد الدعاة من حزب التحرير ذهب إلى اليابان وألقى عليهم بعض المحاضرات ومنها: طريق الإيمان وفي هذا الطريق: أن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، وكان هناك في الحاضرين شاب عاقل حقا كيس فطن، قال له: يا أستاذ، أنت جئت داعية هنا في بلاد اليابان، بلاد الكفر والشرك كما تقول، تدعوهم إلى الإسلام وتقول: إن الإسلام يقول: إن العقيدة لا تثبت بخبر الآحاد، وأنت تقول لنا: إن من العقيدة ألا تأخذوا العقيدة من الفرد الواحد، أنت الآن تدعونا إلى الإسلام وأنت وحدك، فينبغي عليك بناء على فلسفتك هذه: أن تعود أدراجك إلى بلدك، وأن تأتي بالعشرات من أمثالك من المسلمين الذين يقولون بقولك، فيصبح خبرك حينئذ خبراً متواتراً. فأسقط في يدا المحاضر، وهذا مثال من الأمثلة الكثيرة التي تدل على سوء عاقبة مخالفة منهج السلف الصالح.

стр. 335

من ذلك أن المسلمين يعلمون، وأعني منهم طلاب العلم، وأرجو أن تكون السامعات لهذا الكلام منهن. لقد جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﵌ قال: «إذا جلس أحدكم في التشهد الآخر فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال». هنا الحديث حديث آحاد، لكنه من الأحاديث العجيبة الغريبة بالنسبة لفلسفة حزب التحرير، إنه من جهة يتضمن حكما شرعيا، والحكم الشرعي عندهم يثبت بحديث الآحاد، فإذن بالنظر إلى هذا الجانب من الحديث يجب الأخذ به، لأنه حكم شرعي، قال: ﵇: «فليستعذ بالله من أربع في التشهد الأخير». ومن جهة أخرى يتضمن عقيدة وهي أن هناك في القبر عذاب، وأن هناك فتنة الدجال، فهم لا يؤمنون بعذاب القبر، ولا يؤمنون بفتنة الدجال الأكبر الذي حدث عنه الرسول ﵇ بأحاديث كثيرة منها: قوله ﵇: «ما بين خلق آدم والساعة فتنة أضر على أمتي من فتنة المسيح الدجال». هم لا يؤمنون بهذا الدجال؛ لأنه بزعمهم حديث غير متواتر. فنحن نقول لهم الآن: ماذا تفعلون بحديث أبي هريرة؟ إنه من جهة يتضمن حكما شرعيا، فعليكم أن تقولوا في آخر الصلاة: وأعوذ بك من عذاب القبر، لكن هل تستعيذ من عذاب القبر وأنت لا تؤمن بعذاب القبر؟ نقيضان لا يجتمعان. فجاءونا، بمخلص، حيلة من الحيل التي ينهى الله المسلمين عنها، ماذا؟ قالوا: نحن نصدق بعذاب القبر ولا نؤمن به، نصدق بعذاب القبر ولا نؤمن به.

стр. 336

فلسفة عجيبة غريبة، ما الذي يحملهم؟ جاءوا بفلسفة أولى فتسلسلت معهم إلى فلسفات أخيرة كثيرة، خرجوا بها عن الصراط السوي، الذي كان عليه أصحاب النبي صلى الله عيه وآله وسلم. الآن أمضى والحديث كما قلت: طويل الذيل؛ لأُبَيِّن أن من دعوة حزب التحرير التي يدندنون حولها: أنهم يريدون أن يقيموا حكم الله في الأرض. نحن أولاً: نلفت النظر إلى أنهم ليسوا منفردين بهذه الدعوة، فَكُل الجماعات الإسلامية والأحزاب الإسلامية تنتهي كلها إلى هذه الغاية: أي يريدون أن يقيموا حكم الله في الأرض، فهم ليسوا منفردين. جاءني سؤال الآن وإن كنت أن أؤجل الأسئلة إلى ما بعد، لأن هذا السؤال قد يقطع علي سلسلة أفكاري، ومع ذلك فأنا لا أُخَيِّب السائل؛ فأجيب عن السؤال هو: السؤال: يقولون: إن هناك رواية تقول: لما سئل الرسول عن الفرقة الناجية، أجاب الرسول بأنها الجماعة. نعم هذه الرواية صحيحة ونؤمن بها، ولكن هذه الرواية: الجماعة، مفسرة بالرواية التي ذكرناها؛ لأننا لو ذكرنا لفظة الجماعة، أي هذه الروية التي جاء السؤال عنها أخيرا؛ لوجب علينا أن نشرحها بالشرح الذي سبق ذكره آنفاً. ننهي إذن هذه الجلسة بالإجابة عن السؤال الأخير. وأقول: هاي روايتان اثنتان، لما سئل الرسول ﵇ عن الفرقة الناجية, أجاب بروايتين اثنتين. الأولى: هي التي ذكرتها آنفاً: «ما أنا عليه وأصحابي». والأخرى هي التي جاء السؤال عنها: قال: «هي الجماعة».

стр. 337

لكن أشعر بأن السائلة كأنها تتوهم بناء على ما قرأت من كتابات حزب التحرير أن هذه الرواية: رواية الجماعة تخالف الروية التي أدرت الحديث حولها. فأقول لها ولتقريب هذا الجواب النافي: أنه لا اختلاف بين الروايتين، افترض الآن أن الرواية الأولى وهي: «ما أنا عليه وأصحابي». لا أصل لها إطلاقا، وإنما الرواية هي: الجماعة فسنقول: من هي الجماعة؟ من هي الجماعة اليوم يا أم المؤمنين؟ أهم حزب التحرير؟ أهم الإخوان المسلمين؟ أهم جماعة التبليغ؟ . الجواب: وكل يَدّعي وصلا بليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاك الجماعة كما صح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه من كان الحق معه ولوكان فرداً واحداً. حينما بعث الله الرسل والأنبياء مبشرين ومنذرين، كانوا أفراداً، وكانوا هم الجماعة، كان إبراهيم أمة وحده، فمن اتبع هذا الأمة: أي الجماعة: وهو في الحقيقة واحد في ذاته لكن هو الجماعة في دعوته، من سار على وتيرته، وسار مثل مسيرته فهو الجماعة ولو كان فرداً واحداً. فالآن على افتراض أن الرواية الأولى في وصف الفرقة الناجية لا وجود لها إطلاقا، الجماعة هذه هي سبيل المؤمنين، الجماعة هذه هي جماعة الخلفاء الراشدين. فحديث العرباض بن سارية ما فيها روايتان حتى يقال أويشكك فيها كما قد

стр. 338

يمكن أن يراد التشكيك في رواية: «ما أنا عليه وأصحابي».، الجماعة إذن هي سبيل المؤمنين التي شرحتها آنفا كتابا وحديثا، فماذا يضرنا إذا فسرنا الجماعة هنا بالرواية الأولى: «ما أنا عليه وأصحابي»؟ . لأن أصحابه، أصحابه ﵇ هم المؤمنون الذين أوعد المخالفون بأن لهم جهنم في الآية التي بدأت الاستدلال بها، أنه لا يجوز الاعتماد فقط على الكتاب والسنة؛ بل ولا بد من إضافة: سبيل المؤمنين المذكور في الآية الكريمة. فمن فسر الجماعة في حديث الفرقة الناجية بأنه طائفته فقط دون أن يأتي بالأدلة من الكتاب والسنة على ذلك: أنه على ما كان عليه المؤمنون الأولون؛ فيكون قد حمل الحديث: حديث الجماعة على غير المحمل الصحيح، وحينئذ يكون تأول هذا الحديث غير صحيح. وأختم كلمتي هذه بمناقشة جرت بين أحد السلفيين وآخر من الإسلاميين، وآخر من الإسلاميين ممن يدعو إلى الكتاب والسنة، ولكن لم يكن متنبها لهذه الضميمة التي لا تستقيم دعوة الأحزاب الإسلامية إلا بتبنيها فكرا أولا، وتطبيقها عمليا ثانيا، وهي: اتباع سبيل المؤمنين. قلت له: هذا جواب قاصر. قال: لما؟ . قلت: لأن كل مسلم مهما كان منحرفا أو مستقيما يقول: أنا مسلم. مثلا: نبدأ بالأهون فالأهون. إذا سئل الحنفي: ما مذهبك ولا يريد أن يحشر نفسه في مناقشة، يقول: أنا مذهبي مسلم، والشافعي كمان يقول: أنا مسلم، و ... و ... الخ.

стр. 339

لكن الحنفي يقول: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، الشافعي يقول: الإيمان يزيد وينقص الخ. إذن جوابك: بأنك مسلم، وجواب ذاك بأنه مسلم، لا يحدد مذهبك تماماً، ففهم فقال: أقول حينئذ أنا مسلم على الكتاب والسنة. قلت له: كذلك كل مسلم حتى الأمثلة التي ضربتها لك آنفا هل هناك حنفي يقول: أنا مسلم لست على الكتاب والسنة؟ . هل هناك شافعي يقول: لست على الكتاب والسنة؟ . سأقول لك: هل هناك إباضي من الخوارج الموجودون اليوم في الأرض الإسلامية يقول: أنا لست على الكتاب والسنة؟ . بل هل هناك شيعي، هل هناك رافضي يقول: أنا لست على الكتاب والسنة؟ . كلهم يقولون نحن على الكتاب والسنة؟ . هذا ما سبق بيانه آنفا. كل المسلمين مهما كان الخلاف بينهم شديداً وكثيراً، كلهم يقول: على الكتاب والسنة، ولكن لا أحد منهم يقول: وعلى منهج السلف الصالح إلا الذين ينتمون إلى منهج السلف الصالح، ونقول إذا ما سئلنا: أنا سلفي انتهى الأمر؛ لأنه معنى سلفي: على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح. فلما بينت له هذا، قلت له: لا يكفي أن تقول: أنا مسلم على الكتاب والسنة؛ لأن كل الطوائف والجماعات يقولون: على الكتاب والسنة. قال: أقول إذن: أنا على الكتاب والسنة لأنه آمن معي بعد مثل هذه المحاضرة، بل محاضرات قال: إذن أنا أقول: أنا على الكتاب والسنة وعلى

стр. 340

منهج السلف الصالح. وقلت وأنا أعرف أنه أديب من الأدباء وكاتب من الكُتَّاب ألا تجد في لغتك العربية التي تأدبت بها، وتكلمت بها، وتكتب بها، ألا تدلك لفظة تختصر جوابك هذا: أنا مسلم على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح؟ . فصمت. قلت يعني إذا قلنا: أنا سلفي ألا يؤدي عبارتك الطويلة: أنا على الكتاب والسنة؟ . فأجاب بالإيجاب. هذه هي حقيقة الدعوة السلفية، وتلك هي مخالفات حزب التحرير، وكل الجماعات القائمة وإنما نحن دائرتنا أوسع من أي دائرة يتبناها أي حزب على وجه الأرض. أنا عارف من حزب التحرير أنه من نظامه: إذا تبنى فرد من أفراده رأيا يخالف رأيه: أي الرأي الذي يتبناه الحزب يفصل، ويقال له: لست منا. نحن لا نقول هكذا، أنا أعرف مثلا أن من أفكار حزب التحرير أن المرأة لها حق أن تنتخب وأن تُنتخب، فلن تجد تحريريا منهم من الكُتاب: أن المرأة ليس لها مجال للتدخل في هذه الأمور التي تسمى اليوم: بالسياسة. لها أن تتعلم ما يناسب أنوثتها، ما يناسب رقتها ولطفها إلى آخره. أما أن تنتخب وتُنتخب لوتبنى شخص من حزب التحرير هذا الرأي يخالف فيه حزب التحرير فسوف يفصل، أما نحن فنقبل حزب التحرير، والإخوان المسلمين، وجماعة التبليغ، ولكن على أساس: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤].

стр. 341

فنحن ندعو كل مسلم إلى أن يتبنى هذا الأصل، ثم يتفرع عليه فروع كثيرة، وكثيرة جداً. حينئذ يصبحون معنا، قد يختلفون معنا في التطبيق، لأن التطبيق يحتاج إلى علم، ونحن نقول: أن العلم بالكتاب والسنة مع الأسف الشديد لا يعتني الجماعات الإسلامية به، ومع ذلك فهم يريدون أن يقيموا دولة الإسلام على الجهل بالإسلام. فنقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُواللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]. فرسول الله بدأُ بتعليم الناس، وبدعوتهم إلى العقيدة أولا، ثم إلى العبادات وتحسين السلوك ثانياً، وهكذا ينبغي أن يعيد التاريخ نفسه. وبهذا القدر كفاية والحمد لله رب العالمين. (الهدى والنور / ٧٤٠/ ٠٦: ٠١: ٠٠) (الهدى والنور / ٧٤٠/ ١٢: ١٤: ٠١)

стр. 342

حجية قول الصحابة، والكلام على الخلاف بينهم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين، صاحب الفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني سلمه الله هذا الكلام سلمك الله يا شيخ يجرنا إلى موضوع آخر وهو موضوع قديم جرى بين الصحابة ومن بعدهم وهو خلاف أهل العلم، كما قال الإمام مالك كل منا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر. ﵀. قد يفسر بعض ردود الشيخ ناصر الألباني سلمه الله على بعض أهل العلم في المملكة العربية السعودية بأنه ينحى منحى غير المنحى الشرعي المطلوب في الردود وما أشبه ذلك، ثم في الردود ثم أيضاً يعني قد يجر هذا إلى أمر آخر يفسر بأن الشيخ ناصر الدين الألباني على خلاف مع أهل العلم في المملكة العربية السعودية وطبعاً ما لا أظنه ولله الحمد فأريد من سماحتكم تعليقاً على مثل هذا؟ نعم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أما بعد: -نحن والحمد لله مع كل العلماء حيث ما كانوا وفي أي أرض عاشوا ممن

стр. 343

يتبنوا منهجنا القائم على اتباع الكتاب والسنة وعلى ما كان عليه سلفنا الصالح وأعتقد أن البلاد السعودية إلى الآن لا يزال الكثيرون من أهل العلم فيهم على هذا المنهج متأثرين بما تأثرنا نحن مثلهم بدعوة شيخ الإسلام بحق أحمد بن تيمية ﵀ ثم تلميذه ابن القيم الجوزية ثم بمن سار على منهجهم وسلك سبيلهم (كالشيخ محمد بن عبد الوهاب) الذي كان له الفضل الأول بإحياء دعوة التوحيد في بلاد نجد وبتفصيل دقيق حتى لمسناه في الصغار قبل الكبار هناك، كما أنه أسس لدعوة اتباع السنة وعدم إيثار أي مذهب من مذاهب أهل السنة الأربعة على الكتاب والسنة وإن كنت أعتقد أن ما كان فيه من الاجتهاد للدعوة لدعوة التوحيد أولاً في تلك البلاد التي كانت تشبه بلاد مصر من حيث انتشار الشركيات والوثنيات فيها أعتقد أنه لم تتح له الفرصة لتوسيع دائرة الدعوة إلى الكتاب والسنة وجعل الكتاب والسنة فقهاً يمشي على وجه الأرض كما وفق في مثل ذلك فيما يتعلق بالتوحيد ولكن على كل حال كان له الفضل ... بعد الشيخين المشار إليهما ابن تيمية وابن قيم الجوزية في اعتقادي بإحيائه منهج الشيخين في العالم النجدي أولاً ثم في العالم الإسلامي ثانياً، له الفضل في عصره في نشر هذه الدعوة المباركة وقد إلتزمها كثيرٌ من العلماء ليس في نجد فقط ثم الحجاز التي تليها بل وفي سائر العالم الإسلامي في الهند والباكستان وفي بلاد أخرى وإن كان مع الأسف لا تزال كثير من البلاد الأعجمية لم يشموا بعد رائحة الدعوة السلفية إلا لماماً في هذا العصر الحاضر وفي بعض تلك البلاد أقول هذا اعترافاً بفضل هؤلاء الشيوخ أولاً وبياناً لما أدين الله به ثانياً وأعتقد أن العلماء في نجد هم غالبهم نشأوا على مذهب الإمام أحمد بن حنبل وأجد فرقاً كبيراً جداً بين هؤلاء العلماء الذين يتبنون المذهب الحنبلي مذهباً وبين حنابلة أخرين يعيشون في بلاد أخرى غير البلاد السعودية لنقلها باللفظة الاصطلاحية

стр. 344

المعاصرة فإنهم لا فرق بين هؤلاء الحنابلة الذين يعيشون خارج البلاد السعودية وبين أصحاب المذاهب الأخرى من حيث جمودهم على مذهبهم وعدم خروجهم عنه قيد شعرة بخلاف العلماء الحنابلة في نجد فهم متأثرون إلى حد كبير بدعوة الشيوخ المشار إليهم أنفاً لكني أقول كلمة حق هؤلاء الشيوخ ليسوا سواءَ، فمنهم من يغلب عليهم اتباع الكتاب والسنة وقبل ما يفتون بالمذهب إلا إذا لم يتبين له خلافه أما الجمهور منهم فهم حنابلة لكن لما كان مذهب الإمام أحمد أولاً أقرب المذاهب إلى السنة وثانياً لما كان هذا المذهب روعي من علماء قديماً وحديثاً يتبنون منهجنا منهج الكتاب والسنة خَفَّت وطأة التعصب المذهبي الحنبلي في البلاد السعودية بخلاف البلاد الأخرى التي نحن نعرفها فهناك مثلاً في الناحية الشرقية من دمشق بعض القرى كلها حنابلة مثل ضبير ورحيبة وبير عطية ونحو ذلك هؤلاء نشأوا على المذهب الحنبلي لكن هم في التوحيد فضلاً عن غير التوحيد قبل أن تبلغهم الدعوة السلفية لا يعرفون شيئاً عن التوحيد إلا ما يعرفه هؤلاء الخلف، أما الحنابلة في نجد ففرق بينهم وبين أولئك تماماً ولذلك فأنا كما أقول في غير هذه المناسبة أتمنى أن يكون أصحاب المذاهب الأخرى في البلاد الإسلامية الأخرى على مذهب الإمام أحمد لسببين اثنين الأول لأن الإمام هو نفسه إمام السنة والسبب الأخر أن مذهبه الآن يصان ويحفظ بالسنة إلى حد كبير وكبير جداً ثم أعود لأجيب عن خلافي مع بعض المشايخ هناك في السعودية أنا لا أجد فرقاً في مثل هذا الخلاف بيني وبين مشايخ هناك أوفي أي بلد أخر ولو كانوا من دمشق مثلاً فضلاً عن أن يكونوا ألبانيين مثلي فلا فرق عندي أن أخالف سعودياً نجدياً حجازياً مصرياً دمشقياً إلخ ذلك أولاً كما كنا تكلمنا في مناسبة أخرى أن الخلاف أمر طبيعي جداً وله أسبابه المعروفة التي شرحها ابن تيمية ﵀ في رسالته المعروفة بإعلام

стр. 345

أيش؟ - الملام. - رفع الملام عن الأئمة الأعلام لهذا السبب لا غرابة أن أخالف بعض العلماء من أي بلد كانوا لأن هذا هوالأمر الطبيعي وكما أشرت في مطلع سؤالك إلى كلمة الإمام مالك ﵀، الذي قال ما منا من أحد إلا رد ورد عليه إلا صاحب هذا القبر، لكن أقول كلمة صريحة قد يكون أحياناً مني بعض الكلمات يجدها بعض من يقرأها ولم يقرأ كلام المردود مني عليه وله قراءة إمعان يجدها فيها شيء من الشدة والقسوة أنا لا أنكر مثل هذه الشدة ولا أنكر مثل هذه القسوة في بعض كتاباتي لكني أعترف أني لا أكون البادئ بها وإنما أخذاً شيئاً من حقي ممن جنى علي وقال في ربما ما لا يعتقده كبعض الذين نسبوا إلي شيئاً ما أذكر ... من الزندقة أويخشى أن يؤدي إلى الزندقة بسبب أنني قلت ما قاله العلماء بل ما قاله جمهور العلماء أن وجه المرأة ليس بعورة، طيب أنا إذا قلت مثل هذه الكلمة واستدللت ودعمتها بالسنة والآثار السلفية إلخ، مع ذلك نسبني بعضهم إلى أنني فتحت باب الفتنة وباب التبرج إلى النساء وربما وصفني بشيء مما ذكرته أنفاً، فقد يكون في ردي على مثل هذا الذي يتهمني بمثل هذا الكلام بشيء من القسوة لا أنكر، لكني ما استطعت لا أبتدئ إنساناً يرد علي رداً علمياً بشيء من القسوة وأنا أرجوا من كل محب مخلص لي إذا رأى مني ابتداءً بالهجوم وبالطعن على أي رجل عالم في أي بلد من بلاد الدنيا أن يُذَكِّرني وأقول له رحم الله امرءاً أهدى إلي عيوبي، فإذاً: إذا كان الخلاف أمراً طبيعياً فيكون أيضاً من الطبيعي جداً ... أن نخالف بعض العلماء هناك لكني أحمد الله أن الخلاف كما يقولون وإن كنت لا أؤيد هذا التعبير الخلاف في الفروع وليس في

стр. 346

الأصول أي نعم، يعني الخلاف في بعض المسائل الفقهية أما في العقيدة فنحن والحمد لله جميعاً متفقون فلا جرم أننا اتهمنا زمناً طويلاً بأننا من الوهابيين ومضى علينا زمن أننا نعيش بين حجري الرحى فلا هؤلاء الذين ينسبون إلى الوهابية راضون عن منهجنا ولا الذين ننسب إليهم بعضهم أيضاً لا يرضى عنا لكننا نرجو من الله أن يرضى عنا جميعاً، نعم. - يا شيخ يعني لكم منزلتكم الكبيرة عند كبار العلماء هناك عند الشيخ عبد العزيز وعند الشيخ ابن عثيمين، سئل الشيخ ابن عثيمين في رمضان لما كان يوزع جوائز على الطلاب حينما يأتون الطلاب بأسئلة فيجيبهم كان يوزع عليهم بعض أشرطتكم فقال مرة ومن الجوائز أشرطة محدث الشام بل نقول (محدث العصر الشيخ ناصر الألباني). - جزاه الله خير. -والشيخ هكذا الشيخ عبد العزيز بن باز يعرفون فضلكم لا أحد ينكر هذا. - هذا من حسن ظنه جزاه الله خير. - وهكذا أهل العلم وكل منصف لا شك وعلى كل فالخلاف قد يجري مثلاً بين أهل العلم في البلد الواحد في نجد أوفي غيرها، لكن أنا أقول ينبغي في مثل هذه الأمور إحسان الظن بالمؤمن والمسلم. - هذا هو الواجب نسأل الله أن يجعلنا منهم. - والحقيقة في الختام ما يسعنا إلا أن نشكر سماحتكم على سعة صدركم لنا وأيضاً حقيقة قلت للأخ علي إما أن الشيخ سلمه الله علق كتابي إرشاد القارئ، أقول لو لم أؤلف إلا هذا الكتاب لما أن الشيخ علق عليه لكان هذا منقبة وفضلاً.

стр. 347

- هذا من لطفك وأدبك وتواضعك. - فنحن حقيقة شاكرون ومقدرون والأخوة هناك يعني حملونا إليكم السلام، وعلى كل حال. - عليك وعليهم السلام. - وعلى كل حال الأخ إلى الأخ من قديم موجود الخلاف ليس من جديد وكما تقدم ينبغي أن يحسن الظن بالمؤمنين أسأل الله أن يمتع بكم بالإسلام والمسلمين وأن يبارك في عمركم إلى مزيد من نشر العلم ونصر سنة النبي ﵌. - بهذه المناسبة جاءني شخص منذ يومين ثلاثة؛ يحدثني عن رد الشيخ عبد القادر الباكستاني السندي حول الحجاب وأخذ يثني على خلقه وأدبه وأنا أعرفه (لأنه تلميذي في الجامعة) ويقول بأنه يثني عليك ثناءً عاطراً جداً وحينما في بعض المناسبات يعني يبكي أنت رأيته؟ المهم وبيقول أنا ما بيآخذني الشيخ أنا رأيي أبديته وذكر هذا المعنى لما انصرف الرجل من عندي قلت له هنا الشاهد قلت له سلم على من يسأل وبخاصة على أخونا الشيخ عبد القادر وبتذكره أنه خلافنا يجمع ولا يفرق بخلاف خلاف الآخرين فكل إنسان يقول رأيه ما في مانع إذا كان في حدود الأدب ما في غمز ما في لمز إلخ ولكل وجهة ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُومُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] يعني قبل هذه الكلمة قلت له ما في مانع أنه يخالفني وأنا أخالفه فنحن لا نزال على منهج هذا هو، وهذا خير مثال على ما سألتم. علي حسن: شيخنا حفظكم الله بعد حج هذا العام تفضل علينا أخونا أبو صهيب الدكتور عاصم القريوتي جزاه الله خيرا. - جزاه الله خير.

стр. 348

علي حسن: بأن زرنا الشيخ عبد القادر حبيب الله السندي وفي الحقيقة أنا أول زيارة أزوره. - ما شاء الله ما شفته سابقاً. علي حسن: ما رأيته من قبل نعم، فكان مريضاً ذهبنا إليه في البيت فلم نجده قالوا في المستشفى. - عافاه الله. علي حسن: فذهبنا إليه في المستشفى والله يا شيخ لما عرف أني من عندكم يعني سبحان الله العظيم تأثر كثيراً وبكى وقال يشهد الله أننا نتقرب إلى الله بحب شيخنا الألباني واذكروا هذا له ومحبتنا إياه و .. وتكلم بكلام يعني أضعاف هذا الذي ذكرت بل أنا أخبرني شيخنا أخونا الدكتور أبو صهيب عاصم القريوتي حفظه الله سماعاً من الشيخ عبد القادر نفسه عبد القادر السندي سماعاً منه قال: بأنني لو استقلبت من أمري ما استدبرت ما كتبت الردود على الشيخ الألباني في مسألة الحجاب لا للمسألة العلمية ولكن خشية أن يستغلها أهل البدع في ضرب الشيخ ومنهجه وهو المنهج الذي ندين الله به ونعتقده كأصل علمي بغض النظر عن هذه المسألة التي فيها خلاف بين أهل العلم في قديم الزمان. - بارك الله فيه جزاه الله خيرا. - الله يحفظكم يا شيخ. - الله يسلمكم. (الهدى والنور /٨٨٠/ ٠٠: ١٠: ٠٠) (الهدى والنور /٨٨٠/ ٥٥: ٢٣: ٠٠)

стр. 349

أهمية الرجوع إلى فهم الصحابة للأحكام الشرعية السؤال: يا شيخ، وهذا حقيقة الذي أتمناه من الله ﷻ يعني أن يقوم به فضيلتكم؛ يعني دعوت في السنين الكثيرة الماضية إلى لزوم هدي النبي ﵌ في العقيدة وفي العبادة وفي الأخلاق والسلوك، وأيضاً لم تكتفوا بهذا بل دعوتم إلى أنه لا يمكن للمسلمين أن يفهموا كلام الله وكلام النبي ﵌ إلا من خلال فهم صحابة النبي ﵌ فكما أنهم نقلوا لنا ألفاظ الكتاب والسنة فكذلك نقلوا لنا معاني الكتاب والسنة فأقول لما لا يكون هذا في جميع أمور الدين. الشيخ: جميع أيه. مداخلة: في جميع أمور الدين يعني بمعنى وأنتم دعوتم إلى ذلك نحمد الله ونشكره، بمعنى أن كل ما ثبت عن أحد من أصحاب النبي ﵌ قولاً أوفعلاً يكون له حكم ما ثبت عن النبي ﵌ على خلاف المعروف فيما اشتهر قول الصحابي أولم يشتهر، فما اشتهر واضح إن كان يدل على الوجوب قلنا أنه واجب وما لم يشتهر أقل ما يقال أنه هو الأفضل وهو الأقرب إلى الكتاب والسنة، لأن الصحابة علموا من الكتاب والسنة ما لم نعلم ويعلموا من اللغة العربية ما لم نعلم، والقرائن الحالية في الخطاب لا يمكن لنا أن نعلمها من ظاهر الحديث فقط من غير من عاينوا وجلسوا مع النبي ﵌، ولذا أضرب على هذا مثالاً واحداً

стр. 350

بينه فضيلتكم في غير ما كتاب وهو قول النبي ﵌ (زادك الله حرصاً ولا تعد) هذه الجملة ولا تعد هذه مجملة اختلف العلماء في تفسيرها، منهم من حملها على كذا، ومنهم من حملها على كذا، فلما عدنا إلى المنبع الأول الأصيل علمنا أنه ليس مراد النبي لا تعد أي لا تعد إلى الركوع قبل الصف لأن الصحابة فعلوه وهم الذين شاهدوا القرائن الحالية للخطاب. فأقول من هذا الباب لماذا لا يدعى الناس وأهل العلم كلهم لما لا يدعون إلى الأخذ بما كان عليه الصحابة وسواء كما قلنا فيما اشتهر وجوباً عنهم، أو استحباباً فيما لم يشتهر عنهم وبذلك ينتهي الخلاف وينقطع، أولاً يتربى الناس على أنه إذا اختلف العلماء في فهم حديث ردوه إلى ما كان عليه الصحابة هذه ناحية مهمة جداً، لماذا إذا قرأنا كتب الفقه يجعل قول الصحابي أو أكثر من صحابي كقول غيره من العلماء لما ذلك؟ فالواجب هو ماذا أن يقال ليس الإمام أحمد أولى من الشافعي ولا الشافعي أولى من أبو حنيفة ولا أبو حنيفة أولى من مالك، بل يقال الفهم الذي يوافق ما كان عليه الصحابة فعلاً أو تركاً أو قولاً هو الموافق لكتاب الله ولسنة النبي ﵌ هذا الأصل تنبني عليه آلاف المسائل لا أقول مئات المسائل بل آلاف المسائل، ومع الأسف الواقع اليوم يدل على البعد العظيم في طريقة التعليم، ولا زلنا مع أن الدعوة دعوتكم إلى السنة وإلى لزوم قول الصحابة قائمة، وحصل فيها خير كثير، لكن لا زالت يربى الطلاب على ماذا على كتب ألفها رجل ربما في القرن التاسع أوفي القرن العاشر على اختلاف المذاهب ثم يدور الطالب في فلك هذه الكتب لا يمكن أن يتعداها، وربما قيل له إياك ويحذر من تعدي هذه الكتب إلى ما ورائها، يعني أقول أنا وبعبارة أخرى وأرجو أني ما أطلت على

стр. 351

الشيخ أقول ألا يرى سماحتكم أن مثل هذه الكتب حالت بين الطالب المريد للحق وبين ما كان عليه النبي وصحابته ﵃ بحيث أن ما وافق هذا الكتاب وهذا المذهب صارت له فتوى، وما خالف هذا الكتاب وهذا المذهب فإنه وإن لم يشنع على صاحبه لكنه يكون صاحبه في غربه، فما رأي سماحتكم؟ الشيخ: أقول إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ لا شك فضيلة الشيخ عبد الله أن ما تدندن حوله هو أمر هام جداً جداً وهو أن يعود المسلمون إلى فهم كتاب ربهم وسنة نبيهم ﵌ على ما كان عليه سلفنا الصالح وبخاصة منهم أصحاب النبي ﵌ للسبب الذي ذكرته، ولبعض الأمثلة التي ذكرتها، لكن الذي أراه والله أعلم أن القضاء على الخلاف أمر مستحيل، أمر مستحيل ولذلك الذي ينبغي علينا كطلاب علم كما يقولون اليوم والصحيح أن نقول على اعتبارنا من طلاب العلم، أن نطلب الممكن وأن نتحاشى طلب المستحيل لأن في طلب المستحيل إضاعة للوقت والجهود. لا يمكن الاتفاق والقضاء على الخلاف لسببين اثنين: السبب الأول ما نص عليه في كتاب الله في مثل قوله ﴿وَلَوشَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ*إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] والشيء الأخر: أن الواقع ينبئنا بأن الاتفاق على أمر غير ممكن، لأنه لو كان أمراً ممكناً لكان السلف الأوائل أولى بهذا الأمر الممكن والجميل جدا جدا، وإن لم يكن فلن يكون فيما بعد وهم القرون المشهود لهم بالخيرية، إذا كان الأمر كذلك وهذه في اعتقادي نقطة اتفاق ليس فيها اختلاف فعلينا أولاً أن نسعى لاتخاذ الوسائل

стр. 352

العلمية الممكنة والتي تساعد على القضاء على هذا الاختلاف، ولست أشك معك بأن ما أشرت إليه من الكتب سواءً كانت كتب في علم أصول الفقه أوفي فروع الفقه أنها صدت الجماهير من طلاب العلم إن لم أقل من العلماء أنفسهم عن اتباع الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح لا أشك في ذلك أبداً، ولكن ماذا نفعل قد كان ما قد خفت أن يكونا إنا لله راجعونا، فهذه كتب موجودة الآن علينا إذاً أن نحاول صرف الطلاب والعلماء الذين أشرت إليهم بالأدلة الشرعية التي تقنع من كان مخلصاً منهم بوجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح، وأنا وضعت هنا كلمة من كان مخلصاً منهم لأشير أيضاً لوجود هذا الإخلاص وعدمه هو من أسباب استمرار الخلاف، فلوكان ذاك المستحيل ممكناً وجعلناه واقعنا لما خلصنا من الخلاف أيضاً بسبب وجود مثل هذه الآفة آفة الظهور وآفة المخالفة ووإلخ، لذلك نحن ما علينا باختصار إلا أن نتخذ الأسباب التي تساعد ذوي الإخلاص على الرجوع إلى هذا [الفهم] الصحيح الذي ألمحت إليه ونحن معك فيه. ولقد لاحظت في كلامك شيئاً مهماً ودقيقاً وهو التفريق بين ما كان من أقوال الصحابة مشهوراً بينهم، وبين ما لم يكن كذلك، فنعطي للقسم الأول من هذه الأقوال ما لا نعطي للقسم الأخر، فنلزم الجماهير من هؤلاء المخلصين بالخضوع لقول أولئك الصحابة الذي قالوه واشتهر من بينهم وعلى ما فَصَّلت من دلالة لذلك القول عن الحكم الشرعي وجوباً استحباباً تحريماً كراهة إلخ. فإذاً بقي عندنا القول الآخر الذي وردنا عن صحابي ولم يشتهر ذلك الاشتهار هنا الآن ينبغي أن نقف قليلاً، أنا لمحت من تضاعيف كلامك أنك ترى أن لا نعامل هذا النوع من أثار الصحابة معاملتنا للنوع الآخر من آثار الصحابة وهذا ما

стр. 353

كنت قد ذكرته لك في حديث عابر جرى بيني وبينك في عهد قريب وضربت لك مثلاً بالنسبة لحديث «نهى رسول الله ﵌ عن الشرب قائماً فقيل لأنس فالأكل؟ قال: الأكل شر» أنا شخصياً ألحق حكم الأكل بالشرب فلا أجيز الأكل قائماً لكني لا أقطع به، بخلاف الشرب قائما فأقطع به، ولا أريد أن أعيد البحث الذي لا بد أنك على ذكر منه، فإذا كان المراد الآن من هذا البحث هو البقاء عند هذا التفريق الظاهر فأنا لا أرى من الحق سواه، أما إذا كان المقصود أن نعامل القسم الثاني معاملتنا للقسم الأول فالأمر يحتاج إلى بحث وإلى دليل يقنعنا نحن قبل أن نحاول أن نقنع غيرنا فإذا كان عندك شيء حول هذا فنريد أن نستفيد منكم، وإلا فالموضوع عندي منتهي تماماً كما قلت قول الصحابي رأي الصحابي خير من رأي فلان وعلان لكن هل عندنا في الشرع ما يلزمنا بأخذه ولو لم يكن مشهوراً بين الصحابة هذا هو نقطة المحك، تفضل؟ مداخلة: من باب تكميل ما سبق قبل الانتقال إلى ما تفضلتم به أخيراً، قد يسأل أوقد يسأل سائل أو يقول قائل: ما هو الضابط بين الشهرة وغيرها؟ الشيخ: هذا وإن كان لا يمكن وضع ضابط كما يقال جامع مانع، لكن بلا شك أن هناك آثار يظهر فيها الشهرة وتلزم من يتبنى التفريق الذي ذكرناه آنفاً بأن يأخذ به ولا يحكم مذهبه أورأيه، وأنا أستحضر الآن بعض الأمثلة عمر بن الخطاب لما كان يخطب يوم جمعة فتلى آية سجدة فنزل وسجد وسجد الناس معه، ثم في خطبة أخرى تلي آية سجدة فهم الناس بأن يسجدوا فما سجد، فقال قولته الثابتة في صحيح البخاري إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء، هذا مثال يحتاج إلى ضابط؟ ما يحتاج إلى ضابط، ولا يخفاك أن كثيراً من المسائل ليس لها ضوابط، لكن كل مسألة تدرس على حدها، فإذا أردنا أن نقول مثلاً ما حكم

стр. 354

سجود التلاوة واجب كما يقول المذهب الفلاني أو سنة نجد القائلين بالوجوب يستدلون بآيات عامة، وبعضها يخاطب بها المشركون حينئذ نحن نعود إلى هذه القاعدة، يا جماعة هذه الآيات تلاها الرسول على الصحابة أولئك مباشرة وكما أشار الشيخ آنفاً أنهم نقلوا اللفظ والمعنى معاً إلخ، وهذا الفاروق عمر بن الخطاب يخطب على ملأ من الناس ويقول إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء وما سجد، فإذاً دعوا آراءكم هذه وسلموا لهؤلاء السلف الصالح. ولعل من هذا القبيل أيضاً إنكاره أعني عمر ﵁ على الرجل الذي قيل أنه عثمان بن عفان عندما دخل المسجد وعمر يخطب فقال ما بال أحدكم يتأخر عن صلاة الجمعة، قال: هووالله يا أمير المؤمنين ما كان إلا أن سمعت الأذان فجئت قال: والأذان أيضاً ألم تسمع قول النبي ﵌. مداخلة: الوضوء. الشيخ: نعم الوضوء ألم تسمع قول النبي ﵌: «من أتى الجمعة فليغتسل» فأنكر تأخره أولاً، ثم أنكر عليه الاقتصار على الوضوء دون الغسل، هنا تأتي تأويلات للذين يقولون بعدم وجوب الغسل، ما احنا بحاجة الآن للخوض فيها، قصدي هذا الإنكار أيضاً علنا يحشر في زمرة أيضاً القرائن التي دلت على أن هذا أعلنه على الناس وأنه معروف عندهم أنه لا ينبغي الاقتصار يوم الجمعة على الوضوء، وقد قال ﵇: «من أتى الجمعة فليغتسل» فإذا لم يمكنا وضع تلك الضوابط التي تساءلت عنها فهذا لا يمنعنا نحن من أن ندرس كل أثر دراسة موضوعية كما يقولون وحينئذ نلحقه إما بالقسم الأول أو بالقسم الأخر، هذا ما عندي والله أعلم. - علي حسن: هذا شيخنا واضح لكن في مباحثة بيني وبين الشيخ عبد الله

стр. 355

جزاه الله خيراً في الموضوع ورد ذكر بعض الآثار التي نقلت لا على ملأ كما تفضلتم في المثلين ولكن نقل فتوى يعني، فتيا مثلاً عن ابن عمر، فتيا عن أبي هريرة، فتيا عن ابن مسعود، ثلاثة مثلاً، فهل مثل هذه الفتيا المنقولة عن صحابي اثنين ثلاثة نعدها مشهورة مع وجود مثلاً فتوى عن صحابي فقط مخالف آخر له فهل نقول بأن هذه الثلاثة يعني لها حظ من الشهرة المشار إليها مع وجود واحد يخالف حيناً أو عدم وجود المخالف حيناً أخر. الشيخ: في فرق طبعاً في فرق بين وجود المخالف وعدم وجود المخالف. مداخلة: الكلام في حالة عدم وجود المخالف. الشيخ: هو هذا يعني لازم نفرق بين الأمرين، لأن أيضاً بحث هذا الموضوع وكان اشترط أن لا يكون هناك خلاف. مداخلة: عشرة صحابة يقولون قولاً ثم صحابي يخالفهم فهل هذا أيضاً داخل في حيز الخلاف؟ الشيخ: نحن خلينا ننتهي قبل كل شيء من مثل عدم وجود خلاف. مداخلة: جميل جداً. الشيخ: طيب، فإذا انتهينا منها ننتقل إلى الأخرى التي أنت تسأل عنها، أنا باقول إذا كان هناك عدة أقوال عن عديد من الصحابة وصدرت منهم في مناسبات مختلفة ودون أي تواطؤ منهم أي دون ما أقول تقليد دون اتباع أحدهم للأخر وإنما هو كان بمحض الاجتهاد وأنا ألحق هذا القسم بالنوع الأول. مداخلة: هذا فتح من الله ما شاء الله. الشيخ: أنا ألحق هذا القسم بالنوع الأول، لكن تحقيق الموضوع ليس هو
следующие страницы →