Полный текст (5 605 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
الشيخ أقول ألا يرى سماحتكم أن مثل هذه الكتب حالت بين الطالب المريد للحق وبين ما كان عليه النبي وصحابته ﵃ بحيث أن ما وافق هذا الكتاب وهذا المذهب صارت له فتوى، وما خالف هذا الكتاب وهذا المذهب فإنه وإن لم يشنع على صاحبه لكنه يكون صاحبه في غربه، فما رأي سماحتكم؟
الشيخ: أقول إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ لا شك فضيلة الشيخ عبد الله أن ما تدندن حوله هو أمر هام جداً جداً وهو أن يعود المسلمون إلى فهم كتاب ربهم وسنة نبيهم ﵌ على ما كان عليه سلفنا الصالح وبخاصة منهم أصحاب النبي ﵌ للسبب الذي ذكرته، ولبعض الأمثلة التي ذكرتها، لكن الذي أراه والله أعلم أن القضاء على الخلاف أمر مستحيل، أمر مستحيل ولذلك الذي ينبغي علينا كطلاب علم كما يقولون اليوم والصحيح أن نقول على اعتبارنا من طلاب العلم، أن نطلب الممكن وأن نتحاشى طلب المستحيل لأن في طلب المستحيل إضاعة للوقت والجهود.
لا يمكن الاتفاق والقضاء على الخلاف لسببين اثنين: السبب الأول ما نص عليه في كتاب الله في مثل قوله ﴿وَلَوشَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ*إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] والشيء الأخر: أن الواقع ينبئنا بأن الاتفاق على أمر غير ممكن، لأنه لو كان أمراً ممكناً لكان السلف الأوائل أولى بهذا الأمر الممكن والجميل جدا جدا، وإن لم يكن فلن يكون فيما بعد وهم القرون المشهود لهم بالخيرية، إذا كان الأمر كذلك وهذه في اعتقادي نقطة اتفاق ليس فيها اختلاف فعلينا أولاً أن نسعى لاتخاذ الوسائل
стр. 352
العلمية الممكنة والتي تساعد على القضاء على هذا الاختلاف، ولست أشك معك بأن ما أشرت إليه من الكتب سواءً كانت كتب في علم أصول الفقه أوفي فروع الفقه أنها صدت الجماهير من طلاب العلم إن لم أقل من العلماء أنفسهم عن اتباع الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح لا أشك في ذلك أبداً، ولكن ماذا نفعل قد كان ما قد خفت أن يكونا إنا لله راجعونا، فهذه كتب موجودة الآن علينا إذاً أن نحاول صرف الطلاب والعلماء الذين أشرت إليهم بالأدلة الشرعية التي تقنع من كان مخلصاً منهم بوجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح، وأنا وضعت هنا كلمة من كان مخلصاً منهم لأشير أيضاً لوجود هذا الإخلاص وعدمه هو من أسباب استمرار الخلاف، فلوكان ذاك المستحيل ممكناً وجعلناه واقعنا لما خلصنا من الخلاف أيضاً بسبب وجود مثل هذه الآفة آفة الظهور وآفة المخالفة ووإلخ، لذلك نحن ما علينا باختصار إلا أن نتخذ الأسباب التي تساعد ذوي الإخلاص على الرجوع إلى هذا [الفهم] الصحيح الذي ألمحت إليه ونحن معك فيه.
ولقد لاحظت في كلامك شيئاً مهماً ودقيقاً وهو التفريق بين ما كان من أقوال الصحابة مشهوراً بينهم، وبين ما لم يكن كذلك، فنعطي للقسم الأول من هذه الأقوال ما لا نعطي للقسم الأخر، فنلزم الجماهير من هؤلاء المخلصين بالخضوع لقول أولئك الصحابة الذي قالوه واشتهر من بينهم وعلى ما فَصَّلت من دلالة لذلك القول عن الحكم الشرعي وجوباً استحباباً تحريماً كراهة إلخ.
فإذاً بقي عندنا القول الآخر الذي وردنا عن صحابي ولم يشتهر ذلك الاشتهار هنا الآن ينبغي أن نقف قليلاً، أنا لمحت من تضاعيف كلامك أنك ترى أن لا نعامل هذا النوع من أثار الصحابة معاملتنا للنوع الآخر من آثار الصحابة وهذا ما
стр. 353
كنت قد ذكرته لك في حديث عابر جرى بيني وبينك في عهد قريب وضربت لك مثلاً بالنسبة لحديث «نهى رسول الله ﵌ عن الشرب قائماً فقيل لأنس فالأكل؟ قال: الأكل شر» أنا شخصياً ألحق حكم الأكل بالشرب فلا أجيز الأكل قائماً لكني لا أقطع به، بخلاف الشرب قائما فأقطع به، ولا أريد أن أعيد البحث الذي لا بد أنك على ذكر منه، فإذا كان المراد الآن من هذا البحث هو البقاء عند هذا التفريق الظاهر فأنا لا أرى من الحق سواه، أما إذا كان المقصود أن نعامل القسم الثاني معاملتنا للقسم الأول فالأمر يحتاج إلى بحث وإلى دليل يقنعنا نحن قبل أن نحاول أن نقنع غيرنا فإذا كان عندك شيء حول هذا فنريد أن نستفيد منكم، وإلا فالموضوع عندي منتهي تماماً كما قلت قول الصحابي رأي الصحابي خير من رأي فلان وعلان لكن هل عندنا في الشرع ما يلزمنا بأخذه ولو لم يكن مشهوراً بين الصحابة هذا هو نقطة المحك، تفضل؟
مداخلة: من باب تكميل ما سبق قبل الانتقال إلى ما تفضلتم به أخيراً، قد يسأل أوقد يسأل سائل أو يقول قائل: ما هو الضابط بين الشهرة وغيرها؟
الشيخ: هذا وإن كان لا يمكن وضع ضابط كما يقال جامع مانع، لكن بلا شك أن هناك آثار يظهر فيها الشهرة وتلزم من يتبنى التفريق الذي ذكرناه آنفاً بأن يأخذ به ولا يحكم مذهبه أورأيه، وأنا أستحضر الآن بعض الأمثلة عمر بن الخطاب لما كان يخطب يوم جمعة فتلى آية سجدة فنزل وسجد وسجد الناس معه، ثم في خطبة أخرى تلي آية سجدة فهم الناس بأن يسجدوا فما سجد، فقال قولته الثابتة في صحيح البخاري إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء، هذا مثال يحتاج إلى ضابط؟ ما يحتاج إلى ضابط، ولا يخفاك أن كثيراً من المسائل ليس لها ضوابط، لكن كل مسألة تدرس على حدها، فإذا أردنا أن نقول مثلاً ما حكم
стр. 354
سجود التلاوة واجب كما يقول المذهب الفلاني أو سنة نجد القائلين بالوجوب يستدلون بآيات عامة، وبعضها يخاطب بها المشركون حينئذ نحن نعود إلى هذه القاعدة، يا جماعة هذه الآيات تلاها الرسول على الصحابة أولئك مباشرة وكما أشار الشيخ آنفاً أنهم نقلوا اللفظ والمعنى معاً إلخ، وهذا الفاروق عمر بن الخطاب يخطب على ملأ من الناس ويقول إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء وما سجد، فإذاً دعوا آراءكم هذه وسلموا لهؤلاء السلف الصالح.
ولعل من هذا القبيل أيضاً إنكاره أعني عمر ﵁ على الرجل الذي قيل أنه عثمان بن عفان عندما دخل المسجد وعمر يخطب فقال ما بال أحدكم يتأخر عن صلاة الجمعة، قال: هووالله يا أمير المؤمنين ما كان إلا أن سمعت الأذان فجئت قال: والأذان أيضاً ألم تسمع قول النبي ﵌.
مداخلة: الوضوء.
الشيخ: نعم الوضوء ألم تسمع قول النبي ﵌: «من أتى الجمعة فليغتسل» فأنكر تأخره أولاً، ثم أنكر عليه الاقتصار على الوضوء دون الغسل، هنا تأتي تأويلات للذين يقولون بعدم وجوب الغسل، ما احنا بحاجة الآن للخوض فيها، قصدي هذا الإنكار أيضاً علنا يحشر في زمرة أيضاً القرائن التي دلت على أن هذا أعلنه على الناس وأنه معروف عندهم أنه لا ينبغي الاقتصار يوم الجمعة على الوضوء، وقد قال ﵇: «من أتى الجمعة فليغتسل» فإذا لم يمكنا وضع تلك الضوابط التي تساءلت عنها فهذا لا يمنعنا نحن من أن ندرس كل أثر دراسة موضوعية كما يقولون وحينئذ نلحقه إما بالقسم الأول أو بالقسم الأخر، هذا ما عندي والله أعلم.
- علي حسن: هذا شيخنا واضح لكن في مباحثة بيني وبين الشيخ عبد الله
стр. 355
جزاه الله خيراً في الموضوع ورد ذكر بعض الآثار التي نقلت لا على ملأ كما تفضلتم في المثلين ولكن نقل فتوى يعني، فتيا مثلاً عن ابن عمر، فتيا عن أبي هريرة، فتيا عن ابن مسعود، ثلاثة مثلاً، فهل مثل هذه الفتيا المنقولة عن صحابي اثنين ثلاثة نعدها مشهورة مع وجود مثلاً فتوى عن صحابي فقط مخالف آخر له فهل نقول بأن هذه الثلاثة يعني لها حظ من الشهرة المشار إليها مع وجود واحد يخالف حيناً أو عدم وجود المخالف حيناً أخر.
الشيخ: في فرق طبعاً في فرق بين وجود المخالف وعدم وجود المخالف.
مداخلة: الكلام في حالة عدم وجود المخالف.
الشيخ: هو هذا يعني لازم نفرق بين الأمرين، لأن أيضاً بحث هذا الموضوع وكان اشترط أن لا يكون هناك خلاف.
مداخلة: عشرة صحابة يقولون قولاً ثم صحابي يخالفهم فهل هذا أيضاً داخل في حيز الخلاف؟
الشيخ: نحن خلينا ننتهي قبل كل شيء من مثل عدم وجود خلاف.
مداخلة: جميل جداً.
الشيخ: طيب، فإذا انتهينا منها ننتقل إلى الأخرى التي أنت تسأل عنها، أنا باقول إذا كان هناك عدة أقوال عن عديد من الصحابة وصدرت منهم في مناسبات مختلفة ودون أي تواطؤ منهم أي دون ما أقول تقليد دون اتباع أحدهم للأخر وإنما هو كان بمحض الاجتهاد وأنا ألحق هذا القسم بالنوع الأول.
مداخلة: هذا فتح من الله ما شاء الله.
الشيخ: أنا ألحق هذا القسم بالنوع الأول، لكن تحقيق الموضوع ليس هو
стр. 356
بالأمر السهل أنا أقول هذا وأدقق هذا التدقيق لأني بحدود ما علمت وما اطلعت كنت أرى أن لعمر بن الخطاب ﵁ من بين الصحابة الآخرين له رهبة في صدور كبار الصحابة فضلاً عمن دونهم من الصحابة، قصة مثلاً عمار بن ياسر في مسألة التيمم وأن عمر بلغه بأنه يفتي للجنب أن يتيمم فأرسل خلفه وكأنه أنكر ذلك عليه، فذكره بالقصة التي وقعت لهما معاً وأنهما لم يجدا الماء وأنهما تمرغا بالتراب ولما جاء إلى النبي ﵌ قال لعمار إنما كان يكفيك ضربة بالوجه والكفين ذكره بهذا الحديث فما تذكر، لما رأى عمار عمر لم يتذكر قال له: إن شئت أمسكت، قال لا إنما نوليك ما توليت، هذا يلفت النظر إلى ضرورة التأكد من أن تكون تلك الأقوال صادرة بدون أن يكون ارتباط بين الواحد والأخر منهم.
كذلك مثلاً لما جاء أبو موسى ما أدري أين كان وهو يفتي بمتعة الحج قيل له هذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ينهى عن متعة الحج، الآن ذهب عن ذاكرتي ماذا أجاب أبو موسى بشيء يلتقي مع قصة عمار بن ياسر هل تذكرونها؟
مداخلة: أنا أذكر أنه امتنع عن الفتوى.
الشيخ: لأي شيء هذه لماذا لأن أمير المؤمنين يرى، أي إذا أمنا هذه الناحية في تلك الآثار المتعددة، فأنا ألحقها بالقسم الأول وعلى هذا نعود إلى إذا كان هناك خلاف حينئذ هذا الخلاف يذكرنا بقول ابن تيمية لنا أن نختار من اختلافهم وليس لنا أن نحدث قولاً ثالثاً عليهم.
لكن يا شيخ عبد الله هنا أمر مهم جداً جداً جداً واعتقادي لعله أهم من أصل هذه المسألة من الناحية الأصولية الفقهية وهي أن آثار الصحابة حتى اليوم لم تعامل معاملة الأحاديث النبوية ولذلك تجد كتب الخلاف لا أستثني منها كتاباً تذكر فلان الصحابي قال كذا وفلان الصحابي قال كذا وإذا ما رجعنا على الأقل
стр. 357
إلى المصادر التي بين أيدينا سنجد كثيراً من هذه الآثار لا تصح من حيث إسنادها، فما قيمة البحث الفقهي حينذاك والأمر كما قيل وهل يستقيم الظل والعود أعوج.
-والكلام سلمك الله حينما يثبت الإسناد إلى أحد الصحابة؟
- بلى لكن الواقع أنه ليس عندنا كتب نعود إليها لنميز الثابت من هذه الآثار من غيرها ما في عندنا.
- بعدما تصورت ما تريد سلمك الله إن كان مثلاً يعني وجود كتب اعتنت بجمع آثار الصحابة فهذا موجود؟
- ليس بالجمع.
- والأسانيد ..
- ليس بالجمع وإنما بالتصحيح والتضعيف، يعني جرى عمل جماهير العلماء على أن يتساهلوا في رواية الآثار بخلاف ما جرى عليه عملهم في الحديث النبوي، فنحن حينئذ إذا ما أردنا أن نطبق القاعدة وموقفنا الذي أراه معتدلاً في آثار الصحابة فهذا ينبغي أن نعامل آثار الصحابة من حيث البحث في صحتها كما نعامل الأحاديث النبوية، لكن هذا البحث لا يساعد جماهير العلماء فضلاً على أن يساعد جماهير طلاب العلماء ما دام أن هؤلاء لا يستطيعون أن يميزوا الصحيح من الآثار من ضعيفها، يعني لو نحن أقنعنا الناس بهذا الذي نحن مقتنعون الآن من التفريق بين أثر وأثر لكن من الناحية العملية لا يستطيعون أن يطبقوها لأنه سيعودون مثلاً إلى فتح الباري، سيعودون إلى نيل الأوطار للشوكاني يحصل هناك أقوال كثيرة وكثيرة جداً أنه ثبت أو جاء عن الصحابة أو روي عن الصحابة إلخ، لكن جربنا في كثير من هذه الآثار ثم نعود إلى
стр. 358
المصنفات التي أشرت إليها آنفاً نجدها مراسيل أو معاضيل أوفيها مجاهيل أونحوذلك، بحيث لا يصح حين ذاك أن نعتبر مثل هذه الآثار مساعداً لتأويل النص إلى ما ذهب إليه بعض العلماء الذين يحتجون بهذه الآثار فإذا ضم إلى تساؤلك واقتراحك أيضاً العناية بدراسة هذه الآثار يتم الموضوع حينذاك ويفيد الناس ويوقظهم من إخلالهم بالمبدأ الذي اتفقنا عليه بناءً على النصوص الشرعية وهو وجوب الرجوع إلى ما كان عليه سلفنا الصالح.
مداخلة: وأرى أن يتوج سماحتكم هذا المجهود العظيم خلال النصف قرن أو أكثر من نصف قرن ولو بشيء من اليسير يعني نموذج يسير عليه طلاب العلم في هذا الباب؟
الشيخ: يعني أفعل ماذا؟
مداخلة: يعني لو تحقق جملة ولو ليست كبيرة ... كما سار طلاب العلم على نهجكم في الحديث يسيروا كذلك على نهجكم في أثر الصحابة؟
الشيخ: طيب ما في شيء في كتبي فيما تعلمون؟
مداخلة: لا في فيه الكثير.
مداخلة: هو قصده يعني مثلاً باب معين من أبواب الفقه لتحرير أقوال الصحابة فيه لوفي باب واحد حتى ... ؟
الشيخ: على كل حال نسأل الله أن يوفقني إلى ما تقترحونه ويجعل فيه الخير الكثير إن شاء الله.
(الهدى والنور /٨٨٠/ ١٨: ٢٧: ٠٠)
стр. 359
بين حديث سنة الخلفاء الراشدين،
وحديث: اقتدوا باللذين من بعدي
مداخلة: فضيلة الشيخ حفظك الله يقول السائل: قال ﵌: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» ثم جاء في حديث آخر عند الترمذي قوله ﵌: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» فلماذا عَمَّم في الحديث الأول وخصص في الحديث السابق؟ نرجو التوضيح وجزاك الله خيراً؟ ؟ .
الشيخ: لا تخالف بين الحديثين؛ لأن الأقل لا يخالف الأكثر، نحن ذكرناكم بالحديث الأول: تفرق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة إحداها هي الفرقة الناجية وعلامتها: أن تكون متمسكةً بما كان عليه رسول الله وأصحابه، فشمل الصحابة، ثم ذكرنا لكم الحديث الثاني: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» فدخل هؤلاء في أصحابه وهم أفضلهم، ثم جاء هذا الحديث الذي سأل عنه السائل ففيه أن هؤلاء أيضًا لهم مكانة خاصة من بين الصحابة من بعد الخلفاء الراشدين، فصار مجموع من خصصوا بالذكر من أصحاب النبي ﵌ في هذا الحديث وذاك ستة وهم من أصحابه ﵇ الذين ذكروا في الحديث الأول.
أما التخصيص بالذكر فلا شك أن ذلك أسلوب عربي معروف عند أهل العربية: أن تخصيص الشيء بالذكر يعني: تنبيه السامعين على خصوصية لهذا الشيء المُخَصَّص، فحينما ذكر سنته وقرن معهم الخلفاء الأربعة ففي ذلك تنبيه قوي إلى فضيلة الخلفاء الراشدين، فلا غرابة أنهم كانوا من العشرة المبشرين
стр. 360
بالجنة، ثم لما خصص ابن مسعود (١) ومن معه فيه تنبيه على أنهما لهم أيضًا مكانة في الصحبة وفي العلم بما كان عليه ﵌، هذا أسلوب معروف، كما نعود لنقول: لماذا خص الصحابة في ذاك الحديث من بين القرون التي تأتي بعد الصحابة؟ وقد شملهم جميعًا في الحديث الصحيح بل المتواتر: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» ففي هذا الحديث ذكر ثلاثة قرون، وحديث الفرق ذكر القرن الأول، لماذا خصهم بالذكر؟ لأنهم أفضل من القرون التالية وهكذا، فتخصيص الشخص أو الجماعة أو أي شيء، أو أي حكم بالذكر يدل على أن له عناية خاصة في الشرع.
من أشهر الأمثلة التي تُقَرِّب إليكم هذا الذي نقول: قول ﵌: «الحج عرفة» من لم يكن عارفًا بهذا الأسلوب الذي لفت النظر إليه آنفًا يفهم أن الإنسان إذا وقف في عرفات فقط هذا هو الحج فليس عليه طواف ولا عليه سعي؛ لأن الرسول حصر الحج في الوقوف بعرفة، والأمر ليس كذلك، إذًا: لماذا ذكر الرسول عرفة بين سائر الأركان أو الفرائض في الحج؟ قالوا: ذلك تنبيه منه ﵊؛ لأن الوقوف في عرفة هو من أعظم أركان الحج، فلا صحة في الحج إلا بالوقوف في عرفه وغيره.
(رحلة النور ٤٨ أ/٠٠: ٠٨: ٢٢) стр. 361
المقصود بسنة الخلفاء الراشدين
مداخلة: هل يجيز قول النبي ﵌: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» ... إلى آخر الحديث، ... أفعال الخلفاء الراشدين، نرجو ...
الشيخ: لا شك في أن ما اجتمع عليه الخلفاء الراشدون ولم يكن بطبيعة الحال هناك سنة تخالفهم، لا شك في ... على شيء، لكن لعل السائل أوعلى الأقل بعض الحاضرين يتوهمون من الحديث أنه يدل على حجية قول أحد الخلفاء الراشدين ولوكان لوحده، فلذلك أقول: لا يعني الحديث شيئًا من هذا، وبمعنى أوضح: قوله ﵇: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» إما أن يقدر المضاف المحذوف لفظة أحد فيقال: وسنة أحد الخلفاء الراشدين وإما أن يقدر لفظ مجموع الخلفاء الراشدين وحينئذٍ يظهر الفرق بين المعنى الأول والمعنى الآخر، المعنى الأول يفيد لو صح أن أحد الخلفاء الراشدين لو تفرد برأي صار حجة، بخلاف التأويل الآخر وهو التأويل الصحيح فإنما يعني أن اجتماع الخلفاء الراشدين على رأي فهو حجة وكما قلت هذا هو الصواب، وهذا التعبير النبوي كأنه مقتبس من التعبير القرآني في مثل قوله ﵎: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] فإن قوله : ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] يأتي فيه ما ذكرناه من الاحتمالين في الحديث السابق: «وسنة الخلفاء الراشدين» كذلك يمكن أن يقال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ
стр. 362
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] أي: ويتبع غير أحد سبيل المؤمنين، ولا شك أن هذا المعنى غير مراد في هذه الآية، وإنما المقصود مجموع المسلمين ... ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] جميعًا، ولهذا كان الإمام الشافعي ممن لفت النظر من السابقين الأولين إلى أن هذه الآية حجة في إثبات حجية الإجماع .. إجماع المسلمين، ومعنى ذلك أنه لم ...
أن معنى الآية ويتبع غير سبيل أحد المؤمنين، هذا المعنى لا يراد وإنما كما فهم الشافعي ويتبع غير سبيل المؤمنين جميعًا، كذلك الحديث تمامًا: «وسنة الخلفاء الراشدين» جميعًا وليس أحد منهم فقط، هذا معنى الحديث نعم.
(أسئلة وفتاوى الإمارات - ٣/ ٠٠: ٠٩: ٣٨)
стр. 363
قيد هام حول اشتراط فهم السلف:
أنه في النصوص التي تحتمل أوجه
السائل: سؤالي نحن دائما ندندن حول الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة فبعضهم يقول يعني فهم سلف الأمة لهذا الحديث مَن مِن سلف الأمة قال بظاهر هذا الحديث.
الشيخ: نحن أجبنا عن هذا لكن طبعا السائل الطارح للسؤال ما كان حاضراً، جوابنا من ناحيتين حينما نقول نحن سلفيون ولا نقول بقول إلا أن نسبق إليه أظنك تعلم أن هذا نقوله في فهم النص الذي يمكن أن يكون له أكثر من وجه واحد وبخاصة أنه أنا أنا شخصيا كما هو معلوم أعجمي الأصل، فأنا أتهم نفسي، والعرق دساس، ولذلك فلما بيكون في هناك نص يحتمل أكثر من وجه فأنا [لابد] حين ذاك إلا أن يكون لي سلف أما إذا كان الأمر واضحا مثل ما جرى البحث آنفا في قوله تعالى ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦].
هذه ما بدها من سبقنا إلى القول بحيوا بأحسن منها، عرفت كيف؟ لأنه هذا نص صريح، وفي مثل هذا بيقول الإمام الشافعي ﵀ وكنت ذكرت نصه في ذلك في «آداب الزفاف» حينما ناقشنا الجماعة الذين يقولون بأن الذهب كله حلال للنساء، نقلت كلام ابن القيم والإمام الشافعي إلى آخره أن الحديث يعني الحكم يثبت به وحده وليس بحاجة أن يدعم بعمل بعض أهل العلم، هذا في
стр. 364
الحديث الذي يكون هكذا واضحاً، هذا جواب رقم واحد.
الجواب رقم اثنين: أن أحدا من هؤلاء المتعصبين الذين لم يطرأ على مسامعهم هذا الحديث إلا في الآونة الأخيرة «لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افترض عليكم، ولو لم يجد أحدكم إلا لحاء شجرة أوعنبة فليمضغه» , فوجؤوا بهذا الحديث ولسان قالهم: وبعضهم قد يكون لسان حالهم ما سمعنا بهذا في أبائنا الأولين، فيبدؤن ويطرحون إشكالات، أنت بتقول إنه نحن لا نعمل بالحديث الذي لم نسبق من أحد إلى العمل به، كيف أنت بتقول هكذا، الجواب رقم اثنين عِرفنا رقم واحدِ: هل أنتم تدعون الإجماع على صيام يوم السبت لأنه كان فيه يوم عرفه أو يوم عاشوراء أو أي يوم فضيلة؟ عادةً ما يستطيعون يدعون بالإجماع على ذلك، هذا يريحنا ويكفينا دفعا لشبهتهم؛ لأن هم يقولوا بالإجماع فنحن بالأولى ألا نقول بالإجماع، إذاً طلبهم ساقط الجواب.
رقم ثلاثة وهو الأخير نعم ذهب قوم إلى شرعية صيام يوم السبت مفردا مطلقا وهذا مذكور يقينا في كتاب «شرح معاني آثار» الإمام أبي جعفر الطحاوي، ولعله مذكور أيضا في بحث قديم كنت قرأته في «اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم».
المهم المسألة خلافية والإمام الطحاوي ينقل هذا عن قوم من أهل العلم فإذا لسنا منفردين بهذا.
مداخلة: ينقلون عدم إفراد يوم السبت لا ينقلوا عدم جواز صيام يوم السبت.
الشيخ: هو هذا أي نعم.
هذا يساعدنا في الموضوع هذا يساعدنا في الموضوع، هناك حديث رواه ابن لهيعة مرفوعا ورواه غيره ممن هو أوثق منه موقوفا على راوي الحديث الأول:
стр. 365
«لا تصوموا يوم السبت إلا في المفروض عليكم»، وهو عبد الله ابن بسر، وهو آخر صحابي مات في الشام، يقول عبد الله ابن بسر هذا صيام يوم السبت لا لك ولا عليك، ونحن معشر السلفيين نفهم من قوله: «لا لك» أي لا يُشرع لك لأن هذا كمثل قوله ﵇ مَنْ صَامَ الدهر فلا صام ولا أفطر، فهل يجوز أن يصوم الدهر ما دام هولا صام ولا أفطر، لا صام شرعاً، ولا أفطر واقعاً، فإذا فيما يتعب الإنسان نفسه فيجوعها بالامتناع عن الطعام والشراب وكل الملذات المباحة إلا طمعا في الثواب والرسول يقول: «ما صام»، إذا لا يشرع بشهادة راوي الحديث صيام يوم السبت.
مداخلة: ولا عليك يا شيخ أيش معناه.
-ولا عليك هذا معناه انك إن صمته فليس عليك، وزر تؤاخذ عليه لكن كيف يمكن فهم هذا النص مع فهم الشطر الأول من الحديث، هذا لا يمكن فهمه إلا على أساس أن من فهم أن الصيام يوم السبت ليس يشرع له وهو سيكون عليه؛ لأنه يكون على معنى من صام الدهر فلا صام ولا أفطر، لكن كثير من الناس -وهذا هو الواقع- يصومون على أساس طمعاً في الأجر، لكن لا يتوهمون أنه منهي عنه، ولذلك قال: «لا لك ولا عليك»، أما من يفهم معنى «لا لك» بالمعنى الذي شرحناه، فهوسيفهم أنه «لا عليك» ليس بالنسبة لهذا الذي فهم الحكم الشرعي خاصة إذا جاءه الحديث: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم».
مداخلة: شيخنا -ابن القيم رحمة الله عليه في «تهذيب السنن» إلى هذا القول بخلاف ما ذهب إليه في زاد المعاد.
-لا ما أعتقد هذا هو بحث هذا بحثاَّ طويلاً في أول كلامه هو هذا الذي تقوله لكن في نهاية الكلام يذهب مع الجمهور.
(الهدى والنور /١٨١/ ٥٧: ٥٤: ٠٠)
стр. 366
التصفية والتربية
стр. 367
هل البيعة فرض على كل مسلم ولمن تكون في هذا
الزمان وبيان أن حل مشكلة العالم الإسلامي
هي عن طريق التصفية والتربية
السؤال: بالنسبة لهذا الموضوع حساس، حساس لأنه يمس كل مستطيع ..... موضوع البيعة، هل ترى أن البيعة فرض على كل مسلم يريد أن يلاقي ربه بوجه سليم، وبقلب سليم وبعمل سليم، وإن كان هذا فلمن تكون البيعة في هذا الزمان.
الشيخ: هذا الذي كنت أريد أسألك عنه أنت تعرضت له، البيعة لمن لمفقود أم موجود؟ البيعة لمفقود غير وارد، إذاً: البيعة يجب أن تكون لموجود، فأين هذا الموجود الذي يجب أن يبايع من جهة، ويصدق عليه إذا لم يبايع هذا الموجود قوله ﵇: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» أين هذا الذي ينبغي أن يبايع بناء على هذا الحديث وأمثاله من الأحاديث، لذلك من الخطأ البحث في أمر غير موجود هل يجب مبايعته أم لا، إنما الواجب السعي لإيجاد المجتمع الذي ينبع منه الشخص الذي يجب مبايعته.
أنا أشعر بأن هذا الكلام على قلته هو جواب سؤالك، لكن من ناحية الأخرى قد أشعر أنك أنت ما ارتويت من الجواب، فالري هذا يحتاج إلى النضح، فهات نرى أنت انضح ما عندك، وبعد هذا الجواب.
стр. 368
مداخلة: لا شك أنك تتورط كاره في هذا.
العمل لإيجاد المجتمع الذي ينبع منه أو يوجد من خلاله هذا الشخص كما أنه من الصعب جداً في هذا الزمان وفي هذا الواقع أن نعالج وأن نسأل ونستفسر .... عن واقع ذلك، واقعنا صعب جداً، كيف تعمل الآن لإيجاد هذا المجتمع، .... والحركات كثرت، حتى إن الحركة الواحدة انفصلت في حد ذاتها إلى حركات كثيرة، فكيف تعمل؟ وكلٌّ يدعي أنه على حق، فأنا الحقيقة أريد إيضاح من خلال النظر إلى واقعنا الحالي بالضبط في واقع البلاد الإسلامية والحركات الإسلامية؟
الشيخ: هذا الجواب ... جوابك سيكون غريب شوية مبدئياً لكن ستجده صواباً، تعرف أمرئ القيس ماذا قال لصاحبه، قال:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقين بقيصر
فقلت له لا تبك عينيك إنما ... نحاول ملكاً أونموت فنعذر
ما رأيك في هذا الكلام الذي نبع من جاهلي، هويسعى وراء الملك الدنيوي، لكن انظر ماذا قال:
وإنما نحاول ملكاً أو نموت فنعذر
إما أن نُحَصِّل الملك وإما أن نموت ونحن معذورين، هذا كلام جاهلي وضعه في أمر دنيوي، نحن نضعه في أمر ديني، أعني بهذا بشيء من التوضيح:
نحن لا نستطيع أن نحل المشكلة التي أنت وصفت جانباً منها، لما ذكرت الأحزاب وما ذكرت مثلاً الدول المحيطة المستعمرة إشي مباشرة وإشي فكرياً .. إلخ، نحن ما نستطيع بعجزنا وبعجرنا وبجرنا ما نستطيع أن نحل المشكلة، لكن
стр. 369
علينا أن نسعى، وهنا الشاهد، وعلى الله التمام، علينا أن نسعى.
لنرجع فكرياً إلى ما قبل أربعة عشر قرن، إذا تصورنا ضعف الرسول وأصحابه من الناحية العَدَدِية والعُدَدِية، واستحضرنا أيضاً قوة الدولتين العظيمتين يومئذٍ واللتين تشبهان الدولتين العظيمتين اليوم فارس والروم، هل كان يخطر في بال أحد أنه يمكن هذه القلة القليلة عَدَداً وعُدَداً أنها تنتصر على الدولتين العظيمتين؟
هذا من حيث الحسابات المادية مستحيل، لذلك المسلم لا يحصر فكره فقط في الأسباب المادية التي يجب أن يأخذ بها، لذلك أنا قلت: علينا أن نأخذ بالأسباب، أما القضاء على المشكلة ما هي باتخاذنا نحن الأسباب، هناك شيء من وراء الغيب يأتي حتماً بوعد الله الصادق حين قال: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، فالخطأ الذي يقع فيه كثير من الشباب المسلم أنه يفكر تفكير غربي، أي: يفكر تفكير مادي، أنه هذه الأمة المتفرقة بعضها على بعض، والمسيطر عليها كما ذكرنا آنفاً وهو معلوم لديكم، كيف يمكن هذه تعود لها مجدها؟
الجواب: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] ليس بقوتنا، وإنما بقوة الله التي لا تقهر، ولكن هذا لا يعني أن نظل ضعفاء مادة ومعنى، لا، ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُواللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] إذاً: المسألة سهلة وصعبة، سهلة فيما إذا نحن أخذنا بالأسباب الكونية والشرعية، ولا يهولنا بعد ذلك هذا العدد الضخم المعادي لهؤلاء المسلمين ... ، لأن التاريخ يعيد نفسه، معنى هذه الجملة: سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
مما جاء في القرآن: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا
стр. 370
فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: ١١٠] الرسل هؤلاء، فما بالك نحن؟ لكن نحن علينا أن نأخذ بالأسباب فنتوكل على رب الأرباب، ما نقعد نفكر بالأسباب نحن ما نعمل بالنسبة لكلا الدولتين العظيمتين؟ نحن نقدر ننتصر عليهم؟ لا ما نستطيع، إذا ما اعتمدنا على أنفسنا، أما إذا اعتمدنا على ربنا وعلى أحكام شريعته التي أمرنا بها، لا شك أن الله عزوجل سينصرنا، لأن الله لا يخلف وعده، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧].
ولذلك أنا عندي فكرة ووضعت لها عنواناً من نحو أكثر من عشر سنوات، طريق الخلاص من الوضع الذي نحن فيه هو ما أعبر عنه بكلمتين: لابد من التصفية والتربية، تصفية الإسلام مما دخل فيه، والذي دخل فيه أكثر مما فيه.
مداخلة: ... أعداء الإسلام من الإسلام؟
الشيخ: لا، هو من المسلمين الجهلة، يعني: إذا تعددت الأسباب، تعددت الأسباب والموت واحد، فيه شيء نبع من أنفسهم، وفيه شيء طرأ عليهم من أعدائهم، أظن تبين لك ماذا نعني بالتصفية، التصفية تعني تصفية العقائد التي دخلت في أفكار المسلمين والإسلام بريء منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب كما يقال.
تصفية الأحاديث النبوية من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وما أكثرها، ما تسمع خطبة في مسجد في إذاعة إلا وتجد فيها حديث أو أكثر ضعيف أو موضوع، تصفية الفقه الإسلامي مما فيه من آراء وأفكار بعضها نبعت من مجتهدين علماء، لكنهم غير معصومين، وبعضها صدرت من ناس ليسوا من أهل العلم، وإنما مقلدين، تصفية تصفية، وبعدين تصفية السلوك من الانحراف عن الكتاب والسنة، والسلوك الصوفي مثلاً الذي يزهد في الدنيا، ويخالفوا مثل قوله
стр. 371
تعالى: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]، وإن كان هذا الخطاب خلافاً لما يظن كثير من المسلمين بسبب عدم دراستهم للقرآن الكريم، هذا الخطاب ليس موجهاً من الله للمسلمين مباشرة، وإنما هوحكاية عن المؤمنين أتباع موسى قالوا لقارون: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]، فهذا كلام المؤمنين ينصحون قارون، معروف هذا الذي كان من أغنى الناس في ذاك الزمان.
لكن هذا كلام حق، إذ أنه ينبغي أن نفرق بين أن يكون هذا الكلام خرج من الله موجهاً إلى المؤمنين مباشرة وبين أن يكون الله حكاه عن المؤمنين ينصحون مثل قارون هذا، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣] كثير من الناس يتوهموا أن هذا كلام يوسف، بينما هوكلام امرأة العزيز، هي التي قالت: وما أبرئ نفسي.
الشاهد: فيجب التصفية والتربية، تصفية الإسلام من كل ما هوغريب عنه، وهذا يحتاج إلى جهود جبارة جداً، وأن يقترن مع هذه التصفية تربية المسلمين على هذا الإسلام المصفى، الآن ما أظن فيه خلاف أن من مصائب المسلمين اليوم تكالبهم على الدنيا، بدليل ما يسألوا حرام أحد، الربا يحاولوا يغطوه بما يسمونه بالحيل الشرعية، ومن هنا نبعت البنوك الإسلامية زعموا، وهي واجهة فقط، ما فيه فرق بينها وبين غيرها إطلاقاً، بل بعض من يتعامل مع البنوك يقول لك: بعض البنوك التي ما هي واضعة الواجهة هذه واللافتة أرحم من البنك الإسلامي، بالأمس سأل أبومحمد يريد يشتري له ...
مداخلة: الطريقة هذه تحايل.
الشيخ: .. ربا مكشوف، وهذا من أخطر ما دخل في الإسلام، وهوالاحتيال على ما حرم الله بأدنى الحيل، وقد حذرنا الرسول ﵇ بطريق حكايته عن
стр. 372
معاقبة الله لليهود بسبب أكلهم الحرام وهم يعلمون لكن مع الاحتيال، قال ﵇: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها، ثم باعوها، ثم أكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه» ما معنى الحديث؟ في القرآن الكريم ما يشير إلى هذا الذي حرمه الله على اليهود، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] ما هي الطيبات التي حرمت عليهم؟
يذبحوا الذبيحة الحلال ما يجوز يأكلوا الشحم، كيف نحن نرمي الغائط الذي في الكرش ... الدهن منه، ويأكلوا اللحم الأحمر، عقوبة من الله بسبب ظلمهم، وقتلهم الأنبياء بغير حق، ما صبر اليهود على هذا الحكم الإلهي، هذا بيانه في الحديث الذي ذكرته آنفاً، ماذا فعلوا؟ أخذوا هذه الشحوم ووضعوها في القدور الحلل الضخمة الكبيرة، أوقدوا النار تحتها، سالت، أخذت شكلاً غير الشكل الطبيعي، هذا هوالاحتيال، فبهذا زين لهم الشيطان أن هذا ما بقى شحم، هذا غير الشحم الذي الله حرمه، فباعوه، صاروا يبيعوه ومن قبل كانوا يرموه، هكذا الله حكم عليهم، فباعوه وأكلوا ثمنه، قال ﵇: «وإن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه».
وقصة السبت مذكورة في القرآن ما تخفى على مسلم، ما تصطادوا يوم السبت، يوم حرم الله عليهم العمل، لكن وضعوا السدود وحبسوا السمك ليجدوا الخلجان يوم الأحد تغلي غلياناً من السمك.
المسلمون اليوم وقعوا في مثل هذا في جوانب كثيرة كثيرة جداً ظاهرة مكشوفة في البنوك الإسلامية، وكل يوم تطلع فتاوى لاستباحة ما تفعله البنوك من أكل أموال الناس بالباطل، فهذا لا يمكن أن الله ينصر المسلمين
стр. 373
وهم في هذا الوضع من الاحتيال على ما حرم الله .
فإذاً: كلمتان لابد من التصفية والتربية، كثير من الناس صالحون يقومون الليل والناس نيام، لكن لا تقبل صلاتهم وعبادتهم، لأنه على خلاف السنة، وفي السنة الصحيحة في البخاري ومسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهورد» نحن نعرف بعض الجماعات الإسلامية يجتمعوا كل يوم جمعة يحيوها، فيه سرايا عندهم، تجتمع هذه السرايا ليلة الجمعة ويتعبدوا، هذا جهل، لأن الرسول يقول: «لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام ولا نهارها بصيام» فإذاً: هذه الأفكار تحتاج إلى نقض من جديد، وإقامة السنة الصحيحة مقام هذه الأفكار الدخيلة في الإسلام.
وهذا بحث طويل وطويل جداً، لكن عنوانه: لابد من التصفية والتربية، اليوم تصفية لا يوجد إلا في أفراد في العالم الإسلامي، وأنا أعتقد أنه يجب أن يكون هناك ألوف مؤلفة من علماء المسلمين منتشرين في هذا البحر الإسلامي يدعون المسلمين ليلاً نهاراً للرجوع إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﵌.
ثم أن يعنى بالأطفال بتربيتهم منذ نعومة أظفارهم على هذا الإسلام المصفى، وحينئذٍ يستقيم المسلمون على الجادة، ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله.
السؤال: بالنسبة يا شيخ الجهود الكلام عن جهود العلماء، لكن أسلوب الدعوة سيكون كيف، العلماء هؤلاء فيه ناس تقول: نحن لابد أن نكون ضمن جماعة، أنا أعرف أنه بالزمن السالف من التاريخ الإسلامي ما كان فيه حركات إسلامية تعمل، حركة فلان وحركة فلان، كان أسلوب علماء، هم الذين ينشروا، هم الذين لهم ... وإقامة الدعوة في أكثر من مكان.
الشيخ: التحزب هو ينافي الإسلام، ويفرق المسلمين، وإن كان فيهم قوة يبددها ويضعفها، لأنه قال تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣].
стр. 374
مداخلة: إذاً: كيف تكون الجهود؟
الشيخ: الكيفية كل إنسان بعلمه يدعو الناس إليه بدون تحزب لشخص معين أو جماعة معينة، كما أنت تلاحظ في كلامك كيف كان الأولون، لهذا من الكلمات المأثورة:
وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف
لم يكن في الزمن الأول تحزبات وتكتلات بين المسلمين، فيجب أن يستمر الأمر كذلك، فيتعاون المسلمون جميعاً كلهم في حدود اختصاصه في الدعوة إلى الإسلام والعمل به، دون تكتل حزبي.
مداخلة: معنى هذا أنه لا يشترط أن المسلم يتبع جماعة معينة، ممكن يعمل لوحده.
الشيخ: مش معنى هذا لا يشترط، لا يجوز، ليس فقط لا يشترط؛ لأن معنى لا يشترط يجوز، بينما نحن نقول: لا يجوز.
مداخلة: المنظمات الإسلامية قد يكون لها دور في هذا.
الشيخ: قد يكون لها دور في ماذا؟
مداخلة: في موضوع مثل هذا التصفية والتربية.
الشيخ: لا، لأنه لو كان كذلك ما كانوا كذلك، لو كان لهم دور في التصفية والتربية البدء من التصفية هي عدم التكتل وعدم التحزب، ونحن عشنا نصف قرن من الزمان ورأينا التكتلات والتحزبات، ما جنى المسلمون منها إلا زيادة فرقة واختلاف، هذا من جهة، من جهة ثانية هذا التكتل والتحزب صرفهم عن التصفية، لأنه ما معنى التصفية؟ معناها العلم الصحيح، العلم الصحيح بالكتاب
стр. 375
والسنة، والإنسان طاقته محدودة لما يحشر نفسه في منهج معين بيصرفه على منهج ثاني، الآن نضرب مثال: أنه كون الإنسان اختص في الطب، لا بأس هذا جيد، لكنه ما يستطيع يختص باب الشريعة، لابد يختص في الشريعة الذي ما اختص بالطب، لكن في النتيجة هوعنده اختصاصات، فالنتيجة هؤلاء كلهم لابد يكونوا قطعة واحدة، بوتقة واحدة.
سؤال: موضوع الكتاب والسنة الحقيقة هذا موضوع كثير أثار النقاش والجدل، يعني بعض الإخوة في الساحة الإسلامية يقول لك: صحيح أنا آخذ من الكتاب والسنة، آخذ الكتاب والسنة كما فسرها أحد الأئمة، على سبيل المثال حسن البنا ﵀، أخذ بالكتاب والسنة، أتباعه الآن هناك سمعنا من يقول: يا أخي أنا لا آخذ إلا كما قال حسن البنا تماماً، يا أخي عود إلى الكتاب والسنة، قال لك: هويأخذ بالكتاب والسنة، فبالتالي أنا آخذ بالكتاب والسنة، وكثيرون يقول هذا الكلام ... ، فكلكم تأخذون الكتاب والسنة، واجلس مع واحد أواثنين منهم أول شيء يتقاتلوا مع بعض، طيب أين الكتاب والسنة بينكم؟
الشيخ: لماذا يتقاتلون، لأنهم متحزبين، ليسوا عايشين في بوتقة واحدة، ثم حسن البنا على الكتاب والسنة، الكتاب والسنة هذه كلمة قليلة الألفاظ، لكن يدخل فيها حياة المسلم كلها في كل نواحي الحياة، هنا يرد:
وكل يدعي وصلاً بليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاك
حسن البنا أولاً ليس رجلُ علمٍ، إنما هورجل دعوة، ونفع الله به الشباب المسلم حيث أنقذهم من القهاوي والسينماء وإلخ، لا شك ولا ريب فيه، لكن أين كتب حسن البنا التي تدل على علمه، أبوه الذي اسمه عبد الرحمن له بعض الكتب تدل على علمه، لكن ابنه حسن البنا ليس له إلا بعض الرسائل الصغيرة،
стр. 376
هذه الرسائل الصغيرة كمنهج لدعوته يعني، لكن ما تدل على أن الرجل كان عالماً، فالذي يقول لك: أنا على الكتاب والسنة وعلى منهج حسن البنا، هذا دليل أنه مغمض عينيه، ومستسلم لهوى الحزبية العمياء أن حسن البنا، حسن البنا له رسالة صغيرة في الأذكار صغيرة لا أعرف ... ، أحد كبار الإخوان المسلمين في الشام عرض علي تخريج هذه الرسالة، وطبعها طبعة بهذا التخريج العلمي، لأنه هويثق بي كرجل مختص في علم الحديث.
قلت له: أنا أفعل ذلك، لكن أنا أخشى أن تضيع جهودي سدى، قال: لماذا؟ قلت: لأن أنت عاطفتك العلمية والدينية هي التي تحملك على هذا الاقتراح، أني أنا أخرج رسالة حسن البنا، لكن من الناحية الحزبية ما يمشي الحال، لأنه جماعة الإخوان حينما يقال لهم: هذا رسالة حسن البنا بتخريج الألباني سيحكموا الإعدام على هذا التخريج، لأنه يعظم عليهم ويكبر عليهم جداً أن رسالة للبنا بتخريج الألباني، لماذا؟ لأنه فيه تعصب، فيه تحزب على عماها، ومثل رجل كان ... وما طبعت الرسالة إلا كما وضعها حسن البنا ﵀.
ما هي هذه الرسالة؟ واضع كم كتاب من كتب العلماء القدامى، ومن فقه بعض الآثار الأحاديث الأذكار والمأثورات حسب ما يبدوله، ليس حسب القواعد العلمية الحديثية، لأنه ليس هومن أهل الحديث، أبوه بعض الشيء من أهل الحديث، لكنه كذلك، بينما أحمد شاكر مصري أيضاً هذا رجل إمام في هذا العلم، لذلك فحسن البنا المأثورات هذه انتقاها كيفياً ليس علمياً، فمع ذلك تلاقي الناس متعصبين لحسن البنا، ما جاء هذا التعصب عن علم أبداً، وإنما عن حزبية عمياء، وأنا قلت من مدة قريبة: ترى كبار الإخوان المسلمين قطعوا العلاقة بينهم وبين الرسول ﵇، وربطوا علاقتهم بحسن البنا، وهذا ظاهر،
стр. 377
لماذا؟ أنا مثلاً هذا الرجل الذي ابتلي بأنه خففوا له لحيته، كانت لحيته جليلة بمن يتشبه؟ بحسن البنا، لا، حسن البنا لحيته أقصر من لحيته الآن، فتجد الإخوان المسمين متدينين منهم، والذين ما يريدون يحلقوا لحاهم يربوا لحية قصيرة، ويحطوا ... صورة طبق الأصل عن حسن البنا، يا جماعة أينكم وأين الرسول الذي هوالقدوة، وهوالذي قال ربنا في القرآن الكريم في حقه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] لذلك الِعلَّة ما يعرفوا حياة الرسول ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُواللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] فلذلك انقطعوا عن الرسول ﵇، بسبب انصرافهم عن دراسة السنة واشتغالهم بالسياسة والاجتماع والاقتصاد والهتافات التي ما تحتها إلا الصياح.
الإخوان المسلمين ... شباب محمد، أبعد وأبعد، اليوم الألعاب الرياضية وكرة القدم وكرة السلة، وما أدري أيش هناك كرات أخرى، يا ليت تكون هذه في سبيل التمسك بالسنة وتقوية البنية لأن الرسول ﵇ يقول: «المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍّ خير»، ليس من الآداب الإسلامية أولاً أن المسلم يتشبه بالكافر، اشرب بيدك اليمين يتشبه بالكافر، ليس من الآداب الإسلامية أنه يكشف عن فخذه، ليس من الآداب الإسلامية أنه يلبس لباس الكشافة اليهودية الأصل، كشاف ما يصير إلا يكون كاشف عن فخذه، ما هذا التقليد، تقليد مصداقاً لقوله ﵇ في خصوص الجهلة من المسلمين: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه».
(الهدى والنور /٥٨/ ٤٧: .. : .. )
стр. 378
هل التصفية والتربية منهج ينبغي أن يتربى
عليه كل العالم الإسلامي أم أغلبه ؟
السائل: الشيخ تعلمون فضيلتكم الآن في الجزائر عندما يخاطب بعض الشباب بالتصفية والتربية وأنه لا بد من اجل استئناف الحياة الإسلامية الحقة، لا بد من الرجوع بالمجتمع إلى العهد الذي كان عليه السلف الصالح، علماء وغير علماء فيعترضون علينا فيقولون لا يشترط أن تكون الكثرة الكاثرة من المجتمع المسلم على هذا المنوال بل يكفي أن يوجد الغالب أو توجد جماعة متكتلة على فهم هذا المنهج ومتفقة عليه ولا يشترط أن يكون جميعاً ... فنعترض عليه فنقول بل لا بد أن نرجع بهم بالجميع أو بالأكثر الأغلبية، فقضية الشيخ التصفية والتربية يعني يصعب أن تكون في الغالبية ...
الشيخ: هو ... صحيحٌ ولكن هذه الكثرة التي يشيرون إليها هل هي تحققت هل حققوها، ... فأنت اقنع بالقليل أخي ترزق بالكثير، اقنع بالقليل، أولاً، اقنع بالقليل من حيث المناقشة والمجادلة، فدول الجماعة ... هذا الإشكال، فهو إشكال صحيح من الناحية الشرعية بلا شك، لأن الله يقول ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] ولكن أكثر الناس لا يعلمون ولكن أكثر الناس لا يشكرون وهكذا، ... صحيح ونستطيع أن نغير العبارة الآن فيقول إنها كلمة حقٍ يريد به باطل، كلمة حق لا يناقشون فيها، لأنه أصحاب الرسول ﵇ الذين هم وضعوا [منهج] المجتمع الإسلامي،
стр. 379
وللدولة الإسلامية، ... لكن رباهم الرسول ﵇ ... وأحسن تربيتهم، وعلمهم أحسن العلم وهكذا، ولكن هؤلاء حينما يقولون لا يشترط أن تكون الأغلبية ساحقة من المسلمين أن يكون على هذا النهج القويم الذي نشرحه نحن وذكرته أنت آنفا، ولذلك فهذه الكلمة لا يقصد للمسلم ... أن نناقش فيها، لأننا سنقول كم عدد المسلمين اليوم على وجه الأرض، بليون ... هل يعني هناك مسلم عالم يقول يجب أن ... منهم الملايين، وهذا لا سبيل إليه، إلا إذا نزل عيسى ﵇، وصارت الأديان كلها ملةً واحدةً، لكن نحنُ ... بالرسول ﵇ حيث ... والتربية كما قلَ، ثم لا نحاول أن نطمع ... كل الناس، أوجل الناس، هذه حقيقة لا يماري فيها أحد ... ، لكن بالنسبة لهؤلائك الذين يقولون هذا ليس بشرط، وإنما يقولون، هو لازم يكون من هؤلاء كثرة طيبة، وليسويكونوا أكثرية، نسألهم ... هل هذه الكثرة، وهذا أمر لا ينكتم أبداً، هل هذه الكثرة التي انتم تتكتلون على أساسها هل حقق فيها هذان الشرطان التصفية والتربية، الجواب كما قلت ... لا، إذاً أين هذا الشرط الذي رضيتم به معنا بالقلة، وليس بالأكثرية، واضح الجواب.
السائل: الحمد لله.
الشيخ: نعم.
السائل: نعم.
(الهدى والنور ٤١٢/ ١١ - ٣٦ - ٠٠)
стр. 380
لا عودة إلى الأخلاق الإسلامية
الحميدة إلا بالتربية
السؤال: مما ساءني يا شيخ أن بعض الإخوة الذين جاؤوا من الكويت قالوا: والله ما شعرنا بلذة صيام رمضان في هذه البلاد البتة، فأظن أنه كان السبب حسب ما وضحوا لنا الشح، والبخل الشديدين الموجودات في طباع أهل البلد هنا، باعتبار هناك في البلاد في الكويت سابقاً، كانت الخيرات تنزل عليهم من ما هب ودب، فما تعليقكم على مثل هذه المسائل، وكيف يستطيع الإنسان أن ينمي روح الإيمان في بلاد فقيرة مثل هذه البلاد؟
الشيخ: هؤلاء الإخوة مخطئون؛ لأنهم يستعملون القياس الذي يسموه الفقهاء بقياس مع الفارق، فهم كانوا يعيشون كما ذكرت في نعيم مقيم، فقاسوا البلد الذي فروا للنزول فيه، وهم يعلمون الفارق الكبير بين هذا البلد وبين بلدهم الذي كانوا ينعمون فيه بشتى النعم، فكلمتهم هذه الحقيقة أنا أراها خطيرة جداً أولاً من ناحيتين:
الناحية الأولى: ما أشرت إليه آنفاً من هذا القياس مع الفارق.
الناحية الأخرى: أنهم إذا لم يجدوا في هذا البلد الظاهرة التي تدل على الكرم، الذي هومن صفاتهم بسبب ما كان عندهم من مال وفير، فلا ينبغي أن يقولوا مثل هذه العبارة، أنهم ما وجدوا بصيامهم الذي هو فرض، ما وجدوا له
стр. 381
تلك اللذة، هلا مثلاً استعاضوا عن الملاحظة التي كانوا يلاحظونها هناك، بأن يشغلوا أنفسهم، وأن يشغلوا من يستطيعون من أهل هذه البلاد بالعبادة، وبخاصة بتلاوة القرآن، هذه التلاوة التي هي من خصائص الصيام في رمضان، ففي ذلك ما يحقق لهم شيء من الشعور بلذة العبادة، ومما يعوض لهم ما فاتهم بسبب الفرق المادي والمالي بين البلدين، فهذا الاندفاع الذي يدفع هؤلاء الإخوة إلى مثل هذا الكلام، فأقل ما يقال فيه إنه كلام غير موزون.
وعلى كل حال إن أصيب مسلم بمصيبة فعليه أن يذكر مثل قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
وفي اعتقادي كل البلاد الإسلامية التي آثرها الله بكثير من النعم والأموال الوفيرة، باعتقادي أنهم ما أحسنوا استعمالها؛ ذلك لأن البذخ والترف والتبذير علامات واضحة في كل هذه البلاد، بل وفي بعض البلاد التي ليست عليها مسحة الغنى والثروة، لكن يوجد فيهم أفراد أغنياء فتجدهم يصرفون هذا المال ونحوه، إما فيما هو محرم، وإما فيما هو مكروه على الأقل، كمثل البنيان والتفنن في رفعه وتشييده والتوسع في تكثير غرفه، والتفنن في تجميل جدرانه ونحو ذلك.
وقد جاءت هناك أحاديث تحذر المسلم من أن يرتفع في بنيان داره بأكثر مما هو بحاجة إليه، كما أنه جاء ما هو أخص من ذلك؛ لأنه لا ينبغي التوسع في استعمال وفي اقتناء الفرش أكثر من اللازم، والإكثار من الستائر وتجميل الجدران بها، كل ذلك مما جاء في السنة، ولعلكم تذكرون معي بعض ما أشرت
стр. 382
إليه من الأحاديث كقوله علية الصلاة والسلام: «فراش لك، وفراش لزوجك، وفراش لضيفك، والرابع للشيطان».
ومن هذه الأحاديث قول النبي ﵌: «إني لم أومر بكسوة الجدران والحجارة» أو كما قال علية الصلاة والسلام، والحديث في صحيح مسلم.
كسوة الجدران اليوم ظاهره منتشرة في كل بيت من بيوت المسلمين الذين توفرت لهم شيء من الثروة، فلا تكاد تدخل بيتاً وقد نصبت فيه الستائر، إلا وتجد الستارة أطول من النافذة ... ؛ لأن الموضة الآن أن تكون الستارة تمس الأرض، والنافذة تكون إلى هنا أو إلى هنا، فبدل من أن تكون الستارة تستر النافذة وتحول بين الأنظار وأن تكتشف ما في الغرفة، وإذا بالستارة تسدل حتى لتكاد تمس الأرض، كل هذا داخل في الإسراف والتبذير، بدل أن توجه هذه الأموال إلى البلاد الفقيرة التي ليس عندها متسع من المال.
ولذلك والكلام في هذا يطول، يجب أن نتذكر دائماً وابداً قول الله ﵎: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].
فنسأل الله أن لا يعاملنا بما نستحق كفاء ذنوبنا، وإنما أن يعاملنا برحمته وبفضله.
السائل: بعض الإخوة قالوا: نحن كنا مخطئين سابقاً، عندما كنا نقول أن أهل هذه البلد بخلاء، فلما عشنا بينهم وجدنا الفقر الذي عندهم فعذرناهم؟
الشيخ: ... جميل هذا هو، هذا هو الواجب، طيب.
مداخلة: ... أن تكون الأخ/ غازي جزاه الله خير ما كان دقيق فيما نقل، لعل الكلام هذا قيل الآن ونحن جايين في الطريق.
стр. 383
الشيخ: مش مهم يعني كلام خطأ أخذ الجواب.
مداخله: في الحقيقة أنا أقول أن اللذة التي نشعر فيها هناك في الكويت في العبادة وفي رمضان، وأنا كإمام مسجد ربع قرن من الزمان هناك، كنا نحيي ليالي رمضان بقراءة القرآن والقيام والسهر والاعتكاف .. إلى آخره، هذا الفرق ما كان الموضوع، يعني هذا كان موضوع عارض الأشياء المادية وكذا، هذا كان شيء عارض، أما الأصل أن فعلاً حتى قبل النكبة، قبل المصيبة هذه ما كنت يعني اعد الأيام عد، يعني لا حتى ارجع، ما أدري الواحد لما كنا نجي هنا كنت اشعر بشيء من الفتور في العبادات، في الدين ما أدري؛ لأن البلد هنا فيها ترف وفيه انفتاح على الملاهي واللعب والدنيا وكذا، يعني كنت أشعر في العبادة والانتماء إليها هناك أكثر من هنا.
هذا الكلام كنت اشعر فيه أنا قبل ما أصبنا به في المدة الأخيرة، فحتى تصح المعلومات يعني.
الشيخ: أي بس هذا كمان له جواب عندي، المسلم يجب أن يكون عبداً لله في السراء والضراء، فإخواننا الكويتيين مع الأسف أصيبوا بتلك الهجمة الشرسة العراقية وشردوا كما شرد الفلسطينيون من قبل، فكان على هؤلاء وهؤلاء جميعاً أن يظلوا عباداً لله مخلصين كما كانوا من قبل، يعني لا ينبغي أن تتغير عبادة المسلم فهو في السراء يعبد الله، وفي الضراء ينكص على عقبيه؛ لأنه معنى ذلك أنه يعبد الله على حرف.
الحقيقة أن المسلمين اليوم مهما كانت أوضاعهم في بلادهم فهم بعيدون قليلاً أو كثيراً عن الحياة الإسلامية التي ينبغي أن يكونوا عليها، نحن نقرأ جميعاً في التاريخ الإسلامي الأول ما ينبغي أن نراه مطبقاً في كل زمان وفي كل الأحوال
стр. 384
مع اليسر أو مع العسر، فمما نقرأ أن المهاجرين الأولين لما هاجروا من مكة إلى المدينة وكان النبي ﵌ آخى بين المهاجرين والأنصار برهة من الزمن، فوقعت هناك كما شهد الله في الآية الكريمة قصص تعبر عنها هذه الآية: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَو كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، من ذلك مثلاً وهذا الذي يهمني من تلك الأمثلة أنها تبين لنا أن كلاً من المهاجرين والأنصار كانوا مؤمنين حقاً، فالمهاجرون فقراء تركوا بلادهم وأموالهم وكل أملاكهم، ونجوا بإيمانهم وأنفسهم، ونزلوا ضيوفاً على الأنصار وهم أهل البلاد، أهل المدينة، أهل الأموال، فكان من السياسة الشرعية أن النبي ﵌ آخى بين هؤلاء وهؤلاء، وقصة عبد الرحمن بن عوف مع أحد الأنصار ولا أذكر اسمه أظن الربيع.
المهم، هذا الأنصاري عنده زوجتان فقال لعبد الرحمن بن عوف: اختر أيهما شئت حتى أطلقها لك، وأراد أن يقاسمه ماله فضلاً أنه يعطيه زوجه، قال - هذا معناه أن الطيور على أشكالها تقع -
قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق، فدله على السوق واشترى عقالاً فباعه، وربح به ربحاً قليلاً، ثم أخذ يتردد على السوق ولم يرضَ أن يعيش عالة على الأنصاري الغني، وبارك الله له في تجارته التي بدأت بعقال بعير حتى تزوج، ورآه الرسول ﵇ وعليه آثار الزواج فقال له: «ما هذا يا عبد الرحمن! تزوجت قال: نعم، قال: بكم، قال: بنواة من الذهب، قال: هل أولمت؟ قال: لا، قال: أولم ولو بشاة».
الشاهد اليوم إذا وقع مثل هذا التفاوت بين غني وفقير؛ لأن كلاً من الفريقين ليس عند حسن الظن الذي يجب أن يكون عليه المؤمن، فالغني يبخل على الفقير ولا يعطيه ما يغنيه فضلاً عن أن يؤثره ويكون به خصاصة، والفقير نفسه إذا
стр. 385
ما يسر الله له غنياً يستحكم فيه ويطمع في ماله، كل من هؤلاء الأغنياء وهؤلاء الفقراء ليسوا كما أراد الله من أن يكونوا إخواناً كما أمرهم الله ﵎، فلذلك نحن ننصح من كان غنياً أن لا ينسى حق الله في ماله، ولا أن ينسى من حوله من الفقراء والمساكين، وفي المقابل ننصح الفقراء أن يكونوا كما قال تعالى ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣].
هذا المعنى مع الأسف أيضاً لا نلمسه اليوم بين الفقراء، فأكثرهم عالة على الناس ويتسلطون على أموالهم، ولا يكتمون حاجتهم وفقرهم كما أراد الله منهم في هذه الآية الكريمة، ونسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين جميعاً أغنيائهم وفقرائهم.
السؤال: شيخنا بارك الله فيك.
ذكرت أنه لا بد أن نكون عباد الله إخواناً، فكيف الوصول إلى هذه المرتبة، وهذه المكانة العظيمة؛ حتى يرحم الغني الفقير، يدعوالفقير للغني، فنصبح مجتمع مثالي إن شاء الله؟
الشيخ: بالتربية، كما نقول دائماً بتعلم الأحكام الشرعية، وحمل الناس على تطبيقها، القضية ليست هي القضية المادية؛ حتى نقول: أسلوبه هكذا، وإنما هو العلم بما أنزل الله، وكما بينه رسول الله النبي ﵌، وأن نربي أنفسنا على هذا الهدى.
(الهدى والنور /٤٤٣/ ٤١: ٠٠: ٠٠)
(الهدى والنور /٤٤٣/ ١٥: ٢٠: ٠٠)
стр. 386
معنى التصفية والتربية وماذا بعدها
السائل: ما معنى التصفية والتربية وماذا بعد هذه المرحلة؟
الشيخ: هذا بحث طويل جدا لا مجال أن يبحث في مثل هذه الأجوبة لكننا لابد أن نقول كلمة موجزة إن المجتمع الإسلامي اليوم مجتمع واسع وعظيم جدا يعد الملايين المملينة وقد اقترن في هذه الأيام في هذا المجتمع ما يسمونه بالصحوة لأن المسلمين كانوا كالنائمين لبعدهم عن تطبيقهم لأحكام الدين ثم صحوا بعد لأي وبعد زمن متأخر إلى وجوب رجوع المسلمين إلى دينهم كما قال النبي ﵌ في بعض الأحاديث: «إذا فعلتم ذلك سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم» والحديث لعلكم تذكرونه وأوله: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم» ومما لا شك فيه مع الأسف الشديد أن المسلمين اليوم أذلاء في كل مكان إلا ما شاء الله وأي ذل أكبر من احتلال أذل الناس لبلاد مقدسة هي فلسطين والمسلمون ينظرون إليهم ويسمعون الانتفاضة في كل يوم يقتل فيها كثير من المسلمين والمسلمون من حولهم ينظرون ويتفرجون لا شك أن هذا من أكبر الذل الذي أصاب المسلمين فما هو الحل؟ لقد اختلفت آراء الجماعة الإسلامية في الوقت الحاضر في تصور الحل ليعود المسلمون إلى مجدهم وعزهم الغابر ويتمكنون من طرد العدو الظالم , والذي نراه ولا نشك في ذلك هو ما ندندن حوله في مثل هذه
стр. 387
المناسبة مما نسميه بالتصفية والتربية لا بد من هذين الركنين الأساسيين لتحقيق الإصلاح المنشود لإعادة المسلمين إلى عزهم القديم وأنا أعني حينما أقول بالتصفية: تصفية الدين مما دخل فيه من كل جوانب الدين , سواء كان الدخيل في العقائد أوفي العبادات أوفي الأخلاق والسلوك أوفي غير ذلك من جوانب الدين الكثيرة ومن ذلك ما هوالأصل الثاني من
الشريعة الإسلامية ألا وهي السنة فقد دخل فيها كما تعلمون كثير من الأحاديث التي لا صلة لها بنبينا ﵊ بل هي مفتراة عليه لا بد من إجراء مثل هذه التصفية العامة وذلك يتطلب قيام ألوف لا أقول مئات فضلا عن عشرات العلماء بل ألوف العلماء في كل البلاد الإسلامية أن يقوم كل منهم بواجب تخصصه بتصفية الإسلام مما دخل فيه هذا يصفي العقيدة من أدرانها ومن الشركيات التي دخلت فيها ومن الانحرافات التي سلطت باسم التأويل عليها ونحوذلك وذاك يقوم بتصفية كتب التفسير مما فيها من الأحاديث الضعيفة والموضوعة والإسرائيليات المكذوبة التي لا يليق بالمسلم أن يرويها وما أكثرها والثالث يقوم بكذا وكذا إلى آخره حتى يعود الإسلام بهذه الجهود المباركة المتكاتفة إلى نقائه الأول هذا لابد منه.
ثم الشيء الثاني الذي أعنيه بكلمة التربية ينبغي أن يقترن مع هذه التصفية تربية المسلمين على هذا الإسلام المصفى أنا أقول آسفا ومصرحا هناك صيحة وهناك صحوة علمية ولكن ليس هناك إصلاح أخلاقي وتقويم لسلوك المسلمين حتى طلاب العلم منهم فضلا عن غيرهم حتى الذين ينتمون إلى السنة وإلى العمل بالحديث، فنجد شكاوى كثيرة من كثير من أفرادهم، من ذلك مثلا أن بعضهم لا ينهض لصلاة الفجر كسلا ولا مبالاة كذلك قد لا يهتم بعضهم بإقامة الصلاة مع الجماعة وهومسلم يصوم ويصلي ولكنه لا يهتم
стр. 388
بتحقيق هذه العبادة مع جماعة المسلمين هذا مثال قريب ومشاهد مع الأسف بين كثير من المسلمين , كذلك نجد في بعضهم انحرافا سلوكيا أخلاقيا منها أن بعض الدعاة منهم فضلا عن غيرهم ينطلقون في دعوتهم على القاعدة الكافرة التي تقول: (الغاية تبرر الوسيلة) فتجد بعضنا نحن فضلا عن أولئك يرى أن يكذب لمصلحة فأنا مثلا يرن جرس التلفون يقول عندي سؤال.
من أنت؟ يقول: طالب علم. سبحان الله! ألا يدري أن هذا المجيب بأن كل سائل خاصة حينما يسأل السائل الذي هوأنا , أن الذي سألني هوطالب علم، هذا يشبه تماما ما جاء في الحديث الصحيح وهذا هوالتربية على الأحاديث الصحيحة , كما في صحيح مسلم أن رجلا طرق الباب على النبي ﵌ فقال: (من) - يسأله الرسول ﵇: الطارق من - فقال: «أنا» إيش أنا؟ ما عرف نفسه بالنبي وهو يسأله ليعرفه , فما كان منه ﵇ إلا أن أنكر عليه هذه اللفظة وهي قوله «أنا» بأن كررها ﵇ مؤنباً له فقال: «أنا, أنا» إيش أنا , أنا؟ فحينما نسأل من أنت؟ يقول: طالب علم , يا أخي معروف أنك طالب لكن من أنت؟ يُسَمِّي نفسه ويُسمِّي نفسه بغير اسمه لماذا له غرض الله أعلم ما هو في نفسه فيسمي نفسه باسم لا يعرف به هذا كله داخل في فساد أخلاق المسلمين اليوم وهذه الأمور كثيرة وكثيرة جدا لا يمكن إحصاؤها وما أحسن ما يروى عن شوقي مصر أنه قال:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
كيف لا ورسولنا صلوات الله وسلامه عليه يقول: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» وإن تعجب فعجب أن بعض الجماعات الإسلامية من منهجهم أن لا يهتموا بهذه التربية الأخلاقية ويقولون هذا زمانه حينما تقوم الدولة المسلمة
стр. 389
أما الآن فيجب أن نوجد في المسلمين فقط شيئا واحدا وهي اليقظة السياسية ولكي يهتموا لإقامة الدولة المسلمة , بعد ذلك تأتي تربية النفوس على الأخلاق والآداب , يأتي موضوع إثارة الحجاب وأنه فرض على النساء وتحريم التبرج منهن ونحوذلك , هذا صار نظاما مخالفا للإسلام فنقول لابد لتقوم قائمة المسلمين ويعود إليهم مجدهم القديم من الرجوع إلى الدين كما قال ﵇ في الحديث السابق , وهنا نقول حينما قال ﵇: «حتى ترجعوا إلى دينكم» وهذه نقطة حساسة جدا لا ينتبه لها أكثر الدعاة الإسلاميين اليوم هم يومنون أن هذه حقيقة أنه لا نجاة للمسلمين من هذا الوضع الذليل الذي هم فيه إلا بالرجوع إلى الدين لكنهم يغفلون أويتغافلون عن حقيقة الدين هذا الدين من أوصافه قوله ﵎: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ من صفات هذا الدين أنه تم وذلك يستلزم سد باب الإبتداع في الدين إلى الآن تجد ناس من هم أكثر الأمة الإسلامية خاصة وعامة يعتقدون أنه لا مانع من إحداث بدع يسمونها بدعة حسنة وهذا مثال , والأمثلة تكثر وتكثر جدا حينما قال ﵇: «حتى ترجعوا إلى دينكم» إنما يعني الدين الذي أتم الله نعمته علينا بإكماله فأين الجهد ليرجع المسلمون إلى دينهم المصفى من كل دخيل كما ذكرتُ آنفا ثم أين التربية التي يجب أن تقترن مع هذه التصفية هما أساسان ونتيجتان هامتان جدا جدا لا سبيل لنهضة إسلامية حقيقية إلا على
أساسهما.
(فتاوى جدة- أهل الحديث والأثر (١٧) /٠١: ٥٨: ٢٦)
стр. 390
بركة التصفية
قال الإمام: ومن الجدير بالذكر أخيراً أن أقول: إنه وبعد مضي السنوات الطويلة على دعوتنا إلى وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة، وإلى مبدأ (التصفية) بصورة خاصة، تصفية الإسلام من البدع والمنكرات والأحاديث الضعيفة والموضوعة؛ التي حجبت نور الإسلام بعض الوقت، وبددتْ جهود المسلمين في سُبُل عاقت مسيرتهم وتقدمهم، وجلِ الله القائل: " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون "، والتي كان من وسائل تحقيق تلك الدعوة نشر " السلسلتين ": " الصحيحة " و" الضعيفة "؛ نجد أننا بدأنا نلمس انتشار الوعي بين عامة المسلمين، فضلاً عن خاصتهم، وذلك ببزوغ نزعة التحري والتثبت فيما إذا كان الحديث الذي يسمعونه أويقرؤونه صحيحاً أم ضعيفاً، وما ذلك في ظني إلا بدايات إثمار البذور والغراس التي بذرناها وغرسناها منذ نحو نصف قرن من الزمان، ولازلنا- بحمد الله وفضله- مستمرين على هذا، مؤكدين دوماً وجوبَ الأخذ بما صح عن رسول الله ﵌، وترك كل ما هو غير صحيح؛ مع لزوم معرفته خشية اعتباره ديناً، فإن معرفة الصحيح من الضعيف سِكَّتان متوازيتان على خط واحد، لا تلتقيان؛ نعرف الصحيح ونلتزمه وندعو إليه، ونعرف الضعيف فنحذره ونحذّر منه، ولله درّ حذيفة ﵁ حيث قال:
كان الناس يسألون رسول الله ﵌ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة
следующие страницы →