Полный текст (5 605 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.
стр. 3501
دراية، فإذا قيل لهم: لم ترد رؤية المؤمنين لربهم في السنة فقط حتى تشككوا فيها بفلسفة حديث الآحاد لا يؤخذ منها عقيدة، إن هذه العقيدة قد جاءت أيضاً في القرآن الكريم المتواتر روايته عن رسول الله ﵌ يقيناً.
لجؤوا إلى فلسفة أخرى قولهم: لا تثبت العقيدة إلا بدليل قطعي الثبوت أي رواية، قطعي الدلالة أي دراية، فإذا كان هناك آية في القرآن الكريم وهي ثابتة باليقين كما قلنا آنفاً، لعبوا بها وصرفوا دلالتها الصريحة وقالوا: هذه ثابت بالقطع لكن دلالتها ظنية، فلا تثبت بها عقيدة.
هكذا فعلوا في آيتين اثنتين وردتا في القرآن الكريم متعلقتين بهذه العقيدة الطيبة، الآية الأولى قوله ﵎: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
هذه آية صريحة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ وهي وجوه المؤمنين قطعاً.
﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.
قالوا: هذه ليست قطعية الدلالة؛ لأنه يمكن تأويلها، وتأويلها عندهم، اسمعوا الآن كيف يكون اللعب بالنصوص القطعية الدلالة بفلسفة ظنية الدلالة.
قالوا: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أي: إلى نعيم ربها ناظرة، عطلوا دلالة الآية.
ربنا يقول: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فزادوا من عندهم كلمة مضاف ومضاف إليه، فقالوا: إلى نعيم ربها ناظرة.
عطلوا دلالة الآية، وبالأولى والأولى أن يعطلوا دلالة الآية الأخرى وهي قوله ﵎: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
﴿الْحُسْنَى﴾ الجنة.
стр. 3502
﴿وَزِيَادَةٌ﴾ رؤية المؤمنين في الجنة.
جاء في هذا حديث صحيح في صحيح مسلم بسنده الصحيح عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﵌: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ قال: «الجنة، ﴿وَزِيَادَةٌ﴾: رؤية الله»، رفضوا هذا التفسير، قالوا: هذا حديث آحاد.
هذه الفلسفة معول هدام للسنة الصحيحة التي تلقتها الأمة بالقبول بهذه الفلسفة التي أصلها من المعتزلة، والشيعة أيضاً على هذا الاعتزال في هذه العقيدة، أي: عقيدة أن العقيدة لا تؤخذ من حديث الآحاد، فردوا لا أقول عشرات الأحاديث بل مئات الأحاديث الصحيحة، هدموها ورموها أرضاً بهذه الفلسفة الدخيلة في الإسلام، وهي: العقيدة لا تثبت إلا بنص قطعي الثبوت قطعي الدلالة.
هل كانت هذه العقيدة عليها سلفنا الصالح؟ وهنا الشاهد.
سلفنا الصالح من المقطوع لدى كل عالم درس سيرة النبي ﵌ وما تعلق بها من تاريخ سلفنا الصالح ﵃، من منكم لا يعلم أن النبي ﵌ أرسل أفراداً من أصحابه يدعون إلى الله والمدعوون هم المشركون الذين عاشوا في الجاهلية كفاراً يعبدون الأصنام، كانوا بعيدين عن دعوة الرسول ﵇ أولاً في مكة، وآخراً وأخيراً في المدينة، فلكي تنتشر الدعوة بوعد الله في القرآن الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣].
تطبيقاً في حدود ما يمكنه ﵊ يومئذ من الوسائل كان يرسل أفراداً من أصحابه ﵇ دعاة، من منكم لا يذكر أنه أرسل علياً إلى اليمن، أرسل أبا موسى الأشعري إلى اليمن، أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن، هؤلاء
стр. 3503
أفراد، فماذا كانوا يدعون المشركين إلى ماذا؟
هل كانوا يدعونهم ابتداءً إلى بعض السنن وبعض الأمور المستحبة أم كانوا يدعونهم إلى أن يعبدوا الله ويجتنبوا الطاغوت، أس الإسلام هو لا إله إلا الله والكفر بما سواه.
إذاً: هذه رأس العقائد كلها، فكان يدعو إليها أفراد من الصحابة، فمن أين جاءت هذه الفلسفة؟
العقيدة لا تثبت إلا برواية التواتر.
هذا أمر يخالف سيرة السلف الصالح في عهد الرسول ﵌، ثم فيما بعده ﵌ من القرون المشهود لها بالخيرية.
لذلك فالذين تفرقوا شيعاً وكانوا أحزاباً قديماً وحديثاً هم يلتقون معنا في أن الإسلام كتاب وسنة، لكنهم يفترقون عنا ونفترق عنهم في أننا ندعو إلى اتباع السلف الصالح، في فهمهم لهذين المرجعين: الكتاب والسنة.
إذا قلت لأحد هؤلاء المخالفين للكتاب والسنة والمثال الأول قد أوردته عليكم آنفاً، وهو المثال القديم، وسأورد لكم المثال الجديد.
إذا قيل لهم: ألا تتبعون الكتاب والسنة؟ فماذا تظنهم قائلون؟ هل ينكرون أم يقرون؟ يقرون.
لو قلتم لهم: هل تتبعون السلف الصالح الصحابة والتابعين؟ قالوا لكم: لا، هم رجال ونحن رجال.
فهذا هو الفاصل بيننا وبينهم، هذا فراق بيني وبينك.
أما المثال الجديد الذي لم يمض عليه إلا أقل من قرن من الزمان، لا بد أن
стр. 3504
الكثير من الحاضرين سمعوا ممن يعرفون بالقاديانيين وهم يأبون هذه النسبة تضليلاً للناس ويُسَمُّون أنفسهم بالأحمديين، وهذا له بحث طويل لبيان هذا التدليس منهم.
المهم هؤلاء القاديانيون يشهدون معنا بكل ما نشهد من الإيمان بالملائكة وما بعده، وبالإسلام الأركان الخمسة، فهم يُصَلُّون ويَحُجُّون ويزكون ويصومون .. إلى آخره، لكنهم يقولون بأن هناك أنبياء بعد محمد ﵌ وليس كما نعتقد نحن كما قال الله في القرآن الكريم: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
وكما قال ﵊ في أحاديث كثيرة ومن أصحها وأشهرها قوله لعلي ﵁ لما خلفه خليفة من بعده في المدينة ويمم شطر تبوك، قال: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي».
كيف هؤلاء يشاركوننا في كل شروط الإيمان والإسلام ومع ذلك فهم يعتقدون بمجيء أنبياء بعد رسول الله ﵌، هذا كقاعدة.
ثم يعتقدون بأن أحدهم جاء فعلاً من الهند ومن قرية اسمها قاديان وإليها ننسبهم نحن، فنقول عنهم قاديانيون، هؤلاء يشاركوننا في كل هذه العقائدة، يفارقوننا باعتقادهم بمجيء أنبياء في المستقبل وأن أحدهم جاء منذ نحو ستين سنة تقريباً، وكان يُسَمَّى بميرزا غلام أحمد القادياني، وهذا ترجمته إلى اللغة العربية خادم أحمد، أي نبينا محمد ﵇، فمن مكرهم ودهائهم سحبوا هذه الإضافة خادم أحمد، فقالوا اسمه أحمد، وهذا كما أشرت آنفاً له بحث طويل.
الشاهد: كيف هؤلاء يعتقدون بمجيء أنبياء وأن أحدهم جاء وهم يؤمنون
стр. 3505
بالآية السابقة: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، ولا ينكرون حديث علي.
يقولون: أنتم لا تفهمون القرآن، أنتم معشر العرب الذين توارثتم تفسير الآية السابقة سلفاً عن خلف ما تفهمون الآية، الذي فهمها هو الذي أوحي إليه مجدداً وهو ميرزا غلام أحمد القادياني.
فما معنى الآية إذاً: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]؟
أي: ولكن رسول الله وزينة النبيين. قالوا: كما أن الخاتم زينة الإصبع، فرسول الله زينة الأنبياء، فليس معنى الآية كما تظنون أنتم أنه آخر الأنبياء.
فإذا قدم إليهم الحديث السابق ومثله كثير وكثير جداً، أيضاً حرفوا الحديث كما حرفوا الآية، وقالوا: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي» أي: معي، أما أنا بعدما أرتفع إلى الرفيق الأعلى فيأتي نبي بعدي.
فمعنى الحديث: «لا نبي بعدي» أي: معي.
وهكذا يتأولون النصوص على طريقة سلفهم من المعتزلة والخوارج ونحوهم.
إذاً: بارك الله فيكم، هنا بيت القصيد لا يكفي أن نقول الأصلان القرآن والسنة هم مرجعنا فقط؛ لأن كل الفرق الضالة يقولون هذه القولة، ويدينون بهذين الأصلين، ولكنهم إذا قيل لهم كما قلت لكم آنفاً، هل أنتم تتبعون السلف بدءاً من الصحابة إلى القرن الثاني إلى الثالث، قالوا: لا، نحن رجال وهم رجال.
فدعوتنا يجب أن تفهموا جيداً وهذا بيت القصيد من هذه الكلمة التي سنحت في خاطرتي حينما سمعت ضجتكم بآمين قبل تأميني أنا، وأنا إمامكم، وإذا بكم
стр. 3506
قلبتم صرت أنا مقتدياً بكم وأنتم إمامي، هذا خلف وهذا مخالفة للسنة، سببها الغفلة عن الحديث، لكن السبب الأكبر عدم وجود من يبلغ السنة إلى عامة المسلمين حتى تشيع بينهم السنة وتصبح كالأمر المعتاد بين المسلمين.
كدت أن أنهي سانحتي أو ملاحظتي هذه، ثم سنح في بالي أيضاً مثال كيف كانت السنة تمشي بين عامة المسلمين يعرفونها كما يعرفون الصلاة ونحو ذلك من الأحكام، لا يختلف الأمي من القارئ، لا يختلف في ذلك المرأة عن الرجل، كلهم في فهمهم للإسلام سواء، لماذا؟ لأن العلم كان ينتشر على حد قوله ﵇: «فليبلغ الشاهد الغائب» كان الرسول ﵌ ما يحضر مجلسه عامة أصحابه، كيف وهناك في بعض الأحاديث الصحيحة أن رجلاً من الصحابة كأبي هريرة يقول لرجل من كبار الصحابة كعمر، أنت شغلك الصفق في الأسواق عن أن تسمع حديث رسول الله، فما بالنا نقول عن عامة الصحابة ما كانوا يحضرون مجلس الرسول عليه الصلاة السلام، هذا في الرجال فضلاً عن النساء، فضلاً عن الإماء الجواري الذين كن يقمن بوظيفة خدمة أسيادهن وسيداتهن، مع ذلك كان العلم في العقيدة منتشراً في عامة الصحابة نساء ورجالاً، ما عدا الاختلاف في حضور العلم والذكر بين يدي رسول الله ﵌، كانوا في العقيدة سواء فضلاً عن ما دون ذلك.
كنت أردت آنفاً أن أنهي الكلمة السابقة، ثم خطر في بالي حديث الجارية، فتحمست لرواية هذا الحديث لسببين اثنين، أولاً: أن له علاقة بما كنت أنا في صدده، أنتم الآن سمعتم الحديث السابق، فعليكم أولاً أن تطبقوه، وأن لا تصلوا في مسجد تسمعون الإمام يؤمن فتسبقونه، لا، وإنما تنتظرون حينما يبدأ هو بالتأمين تبدؤون أنتم بالتأمين.
стр. 3507
لا أريد منكم هذا فقط، بل وأن تبلغوا ذلك، ليبلغ الشاهد الغائب كما قال ﵇: «بلغوا عني ولو آية» والشيء بالشيء يذكر، «بلغوا عني ولو آية» لا يعني آية من القرآن؛ لأن معنى الآية في اللغة العربية هي الجملة الكاملة، ولما كانت الآيات الكريمة هي جمل كاملة اصطلح على هذا الإطلاق الآية، الآية حينما تطلق إنما يراد بها الآية الكريمة، أما هنا في الحديث: «بلغوا عني ولو آية» أي: ولو جملة كاملة من حديث رسول الله ﵌.
وقد سمعتم آنفاً ومهما كان أحدكم ضعيف الحفظ نسياً مثلي، فسوف يحفظ إن شاء الله هذا الحديث الذي تلوته على مسامعكم أكثر من مرة: «إذا أمن الإمام فأمنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه».
إذاً: بلغوا الناس هذا الحديث حتى يصبح الناس كما أصبحت تلك الجارية، جارية ترعى الغنم، كيف عرفت العقيدة الصحيحة المتعلقة بذات الله ﵎، والتي يجهلها حتى اليوم كبار المشائخ والدكاترة، أما الجارية راعية الغنم فقد عرفت العقيدة الصحيحة، ما هو السبب؟
السبب أن هؤلاء الأصحاب الكرام الذين كانوا يحضرون حلقات الذكر بين يدي النبي ﵊، كانوا إذا انصرفوا إلى بيوتهم، إلى أهاليهم، إلى ذراريهم، إلى خدمهم، نقلوا الذكر الذي سمعوه من رسول الله ﵌، هكذا هذه الجارية تلقت العقيدة الصحيحة ليس مباشرة من رسول الله؛ لأنها خادمة ترعى الغنم، وإنما سيدها يلقنها وقد يكون سيدها أيضاً لم يحضر مباشرة في مجلس الرسول ﵇، لكن نقل إليه من جاره من صحابه .. إلى آخره.
ما هو حديث الجارية؟ وما موقف كثير من المشائخ المسلمين اليوم من هذه العقيدة؟
стр. 3508
اسمعوا الحديث وطبقوه على واقعكم اليوم، فستجدون هذا الواقع مخالفاً لعقيدة الجارية، هذه العقيدة المطابقة للكتاب والسنة.
أرجو أن أنهي هذا الكلام بهذا الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث سيد الجارية واسمه معاوية بن الحكم السلمي، قال: صليت خلف النبي ﵌ يوماً، فعطس رجل بجانبي فقلت له: يرحمك الله، فنظروا إلي هكذا يسكتونه، لكني قال ما سكت، وإنما قلت، وهو يصلي ويقول لمن عطس: يرحمك الله، هذا يدل أنه كان حديث عهد بالإسلام، فلما قال لمن عطس بجانبه يرحمك الله، نظروا إليه هكذا بأطراف أعينهم مسكتين له، لكنه ما سكت بل ازداد تضجراً وصاح بأعلى صوته وهو يصلي: قال واثكل أمياه! مالكم تنظرون إلي؟ هو ما يظن أنه أساء عملاً في الصلاة. مالكم تنظرون إلي؟ فأخذوا ضرباً على أفخاذهم يسكتونه، قال: فلما قضى رسول الله ﵌ الصلاة أقبل إلي ..
تصوروا الآن مثل هذه القصة تقع من بعض المصلين ثم يقبل الإمام إليه، ماذا يتصور أنه سيفعل به، لا بد أن ينهره على الأقل إن لم يبادره بالضرب، هكذا تصور معاوية بن الحكم السلمي، لكن والحمد لله خاب تصوره؛ لأنه عبر عن ذلك بقوله بلسان عربي مبين: فوالله! ما قهرني ولا كهرني ولا ضربني ولا شتمني.
كأن يقول له مثلاً: حيوان، ما تفهم .. جاهل من هذه الكلمات التي نسمعها من بعض المشائخ أو أئمة المساجد فيما إذا أخطأ معهم أحد المصلين.
وإنما قال لي ﵊: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس».
مخاطبة في الصلاة.
стр. 3509
«إنما هي تسبيح وتحميد وتكبير وقراءة قرآن».
لما وجد معاوية بن الحكم السلمي وأُذَكِّركم هذا غير معاوية بن أبي سفيان الأموي، لما وجد هذا اللطف وكل شيء من معدنه الطبيعي من رسول الله ﵌ تفتح قلبه ليسأل نبيه ﵌ عما يشعر أنه بحاجة ليسأله، فقال: يا رسول الله! إن منا أقواماً يتطيرون -أي: يتشاءمون ببعض الأشياء- وهذا من جاهلية القرن العشرين، ليس في الكفار والمشركين وإنما في المسلمين أيضاً، يتطيرون من أشياء كثيرة وكثيرة جداً، وأظن أنكم تعلمون بعض الأمثلة.
إن منا أقوام يتطيرون، قال: «فلا يصدنكم».
انظروا لم يقل لهم: لا تتطيروا، وإنما قال لهم: «لا يصدنكم» أي: إذا تطيرتهم فامضوا فيما كنتم أنتم ماضون فيه ولا ترتدوا على أعقابكم لسبب طيرة عرضت عليكم.
كلمة التطير اشتقت من الطير، كان الجاهلي إذا عزم على السفر وخرج فأول طير يراه يطير، طير حيوان يخاف من الإنسان، فإما أن يطير يميناً أو يساراً، فإن طار هذا الحيوان يميناً هذا الإنسان الذي هو أحوم مني يتفائل، فإن طار يساراً يتشاءم، ويرتد إلى داره ولا يسافر.
قال إن منا أقواماً يتطيرون، «قال فلا يصدنكم» حيوان هذا كيف يعرف الخير في المستقبل أم الشر، امض فيما خرجت إليه.
قال إن منا أقواماً يأتون الكهان، قال: «فلا تأتوهم».
قال: إن منا أقواماً يخطون، أي: الضرب بالرمل، قال: «قد كان نبي من الأنبياء، فمن وافق خَطُّه خَطَّه فذاك».
стр. 3510
هذا كما يقول العلماء تعليق بالمحال، يقول ﵊ جواباً عن ذاك السؤال: قد كان نبي من الأنبياء قبلي معجزة له يخط بالرمل، فيطلع على بعض المغيبات بواسطة الرمل، فمن وافق خطه من هؤلاء الكهان والمنجمين خط ذلك النبي الكريم فذاك أي المصيب، وهيهات أن يوافق خط الدجال خط النبي الصادق الأمين.
الآن يأتي الشاهد، قال: يا رسول الله! عندي جارية ترعى غنماً لي في أحد، عند جبل أحد في المدينة، فسطا الذئب يوماً على غنمي، وأنا بشر أغضب كما يغضب البشر فصككتها صكة، وعلي عتق رقبة، فقال ﵇ له: ائت بها، فلما جاءت إليه قال لها رسول الله ﵌ وهنا الشاهد: «أين الله؟ قالت: في السماء. قال لها: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فالتفت إلى سيدها وقال له: اعتقها فإنها مؤمنة».
شهد النبي ﵌ لهذه الجارية التي كانت ترعى الغنم لسيدها ومن غفلتها وضعفها سطا الذئب على غنمها الأمر الذي أغضب سيدها فصكها، وصفعها تلك الصفعة على خذها، فامتحنها الرسول ﵇ بهذين السؤالين: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال لسيدها: اعتقها.
أي: إذا أعتقتها فقد وفيت بنذرك؛ فإنها مؤمنة.
الآن اسألوا الناس ليس عامة الناس، فإنكم تسمعون عامة الناس في مجالسهم يقولون: الله موجود في كل الوجود، الله موجود في كل مكان.
إذاً: الجارية التي كانت ترعى الغنم هي أفقه منهم.
ليت الأمر وقف أفقه من هؤلاء العامة الذين يتكلمون بهذه الجاهلية في مجالسهم، لو أنت سألت الدكاترة إلا من شاء الله وقليل ما هم، أين الله؟ قال
стр. 3511
لك: لا يجوز يا أخي هذا السؤال. الله في كل مكان. أو يقول لك: الله موجود في كل الوجود، أو يقول: ليس لله مكان.
هذه كله خلاف القرآن والسنة، والجارية التي نطقت حقاً إنما نطقت بآية من آيات الله الكثيرة بمعناها: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ* أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦ - ١٧].
إذاً: الجارية عرفت العقيدة الصحيحة فما بالنا نحن اليوم ما نعرف هذه العقيدة الصحيحة، الأمر يعود إلى شيئين اثنين، الشيء الأول الجهل بالسنة الصحيحة، والشيء الثاني أن الجماهير غفلت عن الأصل الثالث وهو على ما كان عليه السلف الصالح، وعلى ما كان السلف الصالح في الجواب عن سؤال أين الله، الجارية أجابت وأقرها الرسول ﵇ وعلى هذا كان سلفنا الصالح كما قال الإمام عبد الله بن المبارك من كبار شيوخ إمام السنة أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه وعن من جاهد في سبيل الله عن العقيدة والسنة، قال عبد الله بن المبارك ﵀: الله ﵎ فوق عرشه بذاته ..
ليس في كل مكان كما يقول الجهلة.
الله ﵎ فوق عرشه بذاته، بائن من خلقه ..
ليس كما يقول الصوفية: الله مخالط للكون، وما الله في التمثال إلا كثلجة بها الماء، هذه عقيدة الصوفية القائلون بوحدة الوجود.
الله ﵎ فوق عرشه بذاته بائن من خلفه وهو معهم بعلمه.
فعلمه في كل مكان، أما الله فكما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
стр. 3512
اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، والآيات كثيرة، وبهذا القدر كفاية، فقد استطردت كثيراً لكن أرجو أن أكون قد أوضحت عن دعوتنا وعن الفرق بين دعوتنا ودعوة الآخرين الذين يشاركوننا، أما الذين لا يشاركوننا فلا نتحدث عنهم، الذين يشاركوننا في الدعوة إلى الكتاب والسنة، فنحن نختلف عنهم وهم يختلفون عنا أننا لا نرضى أن نفهم الكتاب والسنة إلا على ما كان عليه السلف الصالح وبذلك ننجو من أن ننحرف يميناً ويساراً كما ينحرف كثير ممن أيضاً ينتمون إلى الكتاب والسنة ..
تحدثتم جزاكم الله خير عن المعادين للسنة، وها أنا سأضرب لكم بعض الأمثلة وأسألكم الأسئلة إن شاء الله رب العالمين.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: يقول المدعو زاهد الكوثري وأنا ألقبه دائماً بالبائد، تعليقاً على الحديث الصحيح الذي رواه مسلم ﵀ ورواه البيهقي وغيرهم: «خلق الله التربة يوم السبت». قال: واتفق الناس على أن السبت لم يقع فيه خلق، وأن ابتداء الخلق يوم الأحد كما ذكره الحافظ عبد القادر القرشي في الجامع من طبقاته مؤاخذاً لمسلم في تخريجه .. إلى آخره.
ثم نقل الإمام البيهقي يقول في آية: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، عن الأستاذ أبو بكر بن فورك، ... إن كان صحيح هذا ..
الشيخ: نعم.
مداخلة: قال: ولكن يريد معنى قول الله : ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ أي: من فوقها، ووضع أيضاً علامة ٢ على هذه الكلمة، وقال: وهذا إخراج للآية على ظاهرها من غير داع، فليكن من في السماء هو خاسف سدوم بأمر الله سبحانه.
стр. 3513
الشيخ: يعني الملائكة.
مداخلة: نعم، وأبو بكر بن فورك على جلالة قدره في علم أصول الدين كثيراً ما يطيش سهمه في هذا التأويل، هذا واحد.
ثانياً: الذي لم يبد إلى الآن وهو الضال الموجود حالياً في مصر محمد الغزالي يقول: كثيراً من المحدثين لا يعرفون الفقه، ويضرب على هؤلاء الذين لا يعرفون الفقه بفضيلتكم، يقول: محمد ناصر الدين الألباني مثلاً الذي يصحح حديث: «لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر، ولولا بني إسرائيل لم يخنث اللحم».
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: يزعم سد الله فاه بأنك ليس عندك فقه؛ لأنك صححت هذا الحديث، ويقول: لو وجدت علة في حديث مثلاً: «لا يقتل مسلم بكافر»، قال لوجدت علة قادحة في هذا الحديث، ماذا أفعل، سألوه الذين يناظرونه، ما هي هذه العلة؟ قال: لو قتل عربي مسلم مهندساً أمريكياً أو يهودياً فماذا أفعل؟ هل أطبق هذا الحديث، يعتبر هذه علة.
الشيخ: لا يطبق؛ لأنه أمريكي.
مداخلة: أجرى لقاء في مجلة الشرق الأوسط العدد ١٧٣ يوم ١٨ أكتوبر ١٩٨٩ م يقول: أفهم من ذلك أنك تحب النكتة وتضحك منها، قال: نعم أحب النكتة وأضحك لها من كل قلبي، فقال له المحرر هل تحفظ نكتة أو أكثر فتذكرها لنا؟ قال: هناك نكتة أعجبتني جداً عن إخواننا المتدينين المشتددين تقول: رؤي أحد المتدينين المتشددين وفي يده قفاز ملاكمة، فقيل له: ما هذا؟ فقال: أسوي بين الصفوف. يقول المحرر استغرقنا معه في الضحك ويستأنف فضيلته الحديث وهو يضحك، جاءني رجل ..
стр. 3514
الشيخ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩].
مداخلة: نعم، سأكمل لك يا شيخ.
الشيخ: نعم.
مداخلة: جاءني رجل ورأى مجموعة من العصي المعلقة هذه، يعني هو يحتفظ بعصي على جدار بيته، وأنا أحب الضحك من إخواننا المتشددين في الدين، فقال هذا الرجل: ما هذه العصي يا شيخ؟ فقلت له: هذه هي وسائل الإيضاح أخذتها من بعض إخواننا المتشددين وهم يعلمون بها الناس الإسلام.
سؤالي: البائد والضلالي الحالي ما حكمهما في الإسلام وهما يستهزئان بالسنة ويردناها لعقلهما ولسفاهتهما، ومع ذلك يقولون عن أهل السنة أنهم هم الضالون، فجزاكم الله خيراً سؤالي، ما حكمهما في الإسلام، الكوثري والغزالي، ما هو حكمهما في الإسلام.
وسؤالي الثاني أنه في هذه المناظرة في جريدة المسلمين أكثر من قول أن أبا حنيفة ﵀ كان يأخذ القياس ويقدمه على حديث الآحاد، ويقول أن مالكاً كان يقدم عمل أهل المدينة أيضاً على حديث الآحاد، فنريد جواباً على هذين السؤالين جزاكم الله كل خير؟ ؟
الشيخ: بارك الله فيك، أنت مبين رجل جوعان، وأجوبتك هذه تحتاج إلى سهرة خاصة.
مداخلة: هذا الذي نريده.
الشيخ: أولاً أنا أقول: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
стр. 3515
وأرجو من إخواننا الحاضرين جميعاً وبخاصة من كان منهم طالباً للعلم أن لا يؤخذ بالعاطفة، وأن لا ينساق معها بحيث أنها تهوي به في واد سحيق خلاف ما يريد من التمسك بالكتاب والسنة، فالكتاب والسنة فيها العدل والحكمة، والآية التي ابتدأت جوابي بها أولاً، هي التي تناسب المقام الذي أنا في صدد الكلام فيه والجواب عن بعض تلك الأسئلة التي جاءت فيما سمعنا من كلام هذا الذي ابتلي المسلمون به اليوم المسمى بمحمد الغزالي، أقول: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ولكي نكون مع هذا الآية وليس عليها وليس مخالفين لها، أريد أن تفرقوا معي بين من ينكر السنة جملة وتفصيلاً، وبين من ينكر أطرافاً منها أو أفراداً منها، الذي ينكر السنة جملة وتفصيلاً فهو كافر لا يؤمن بالله ورسوله، وإن زعم بأنه يؤمن بالله ورسوله ﵌، فإنما يكون منافقاً يقول بلسانه ما ليس في قلبه، لكن ليس كذلك من أنكر أحاديث قلت أو كثرت من السنة، ولكنه في واقع أمره أنه يؤمن بالكثير الطيب منها، فهذا في اعتقادي جازماً لا يجوز تكفيره وحسبنا أننا نحكم بضلاله؛ لأن الذي ينكر أولاً حديثاً من أحاديث الرسول ﵌ إن كان من أهل العلم بالحديث وانتبهوا جيداً حتى تكونوا فقهاء حقاً، ولو في مسألة واحدة كهذه المسألة، لو أنكر رجل حديثاً ما، وقال هذا حديث غير صحيح، ضعيف أو موضوع، وكان إنكاره قائماً على قواعد علماء الحديث، فهذا أولاً لا يجوز تكفيره بل لا يجوز تضليله، بل يجب علينا أن نُؤَجِّره وأن نُثَيْبه خيراً؛ لأنه مجتهد وتعلمون قوله ﵇: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد»، هذا حكم من أنكر حديثاً وهو هذا الحديث في واقع أمره صحيح، لكن المُنْكِر لم تتبين له صحته بناءً على قواعد علماء الحديث، فهذا مأجور غير مأزور.
مرتبة أخرى: زيد من الناس أنكر حديثاً وهو ليس من أهل الحديث، بل ولا
стр. 3516
من أهل الفقه والعلم، إنما هو من عامة الناس، كيف أنكر الحديث؟ سأل شيخاً يظنه عالماً ما رأي الشيخ في هذا الحديث؟ قال له لا هذا حديث باطل، هذا حديث موضوع، فاعتقد هذا الرجل العامي ما سمعه من ذاك الشيخ فهذا ليس آثماً، يعود البحث على الشيخ فتطبق عليه المراحل الثلاثة، فأيها صدقت فيه، أي إن كان ينكر السنة جملة وتفصيلاً فهو في الجملة أنكر هذا الحديث لهذا السائل، أو يؤمن كأصل بالسنة ولكنه أنكر حديثاً ليس من طريقة علماء الحديث، وإنما من طريقة الهوى فهذا ضال كما ذكرنا آنفاً أو أنكر هذا الحديث بناء على اجتهاد علمي منه فقد عرفتم، هذه المراتب لا بد من أن تكون راسخة في أذهاننا وعلى استعراضها دائماً يجب أن نحكم على الكوثري وعلى الغزالي والذين ينحون منحاهم في إنكار الأحاديث.
أنا أُفَرِّق جداً بين الكوثري وبين الغزالي، الكوثري حقيقة وهذا أقوله انطلاقاً من الآية السابقة: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ هذا الشيخ زايد الكوثري كان في زمانه أخشى أن أقول أعلم أهل الأرض بالحديث خاصة بالمصطلح والرجال، قد لا يكون له سعة اطلاع على متون الأحاديث وطرق الأحاديث والحكم على كل حديث بالصحة والضعف الذي يقتضيه أفقه العلمي الواسع، واطلاعه المديد الطويل بسبب إقامته في عاصمة الإسلام يومئذ، ألا وهي اسطانبول التي فيها من كتب الحديث المخطوطة ما لم يخطر على بال بشر، هذا الرجل إن لم أقل إنه كان أعلم زمانه بهذا التحديد، فهو لا شك من أعلم أهل زمانه، ولكنه أضله الله على علم، أي: إنه لم يستفد من علمه بالحديث ورجاله وكتبه؛ لأنه غلبت عليه آفتان اثنتان: الآفة الأولى هي العصبية المذهبية، والآفة الأخرى هي الشعوبية، أي: ضد العربية، أي: العرب أنفسهم، فمن هنا أوتي الرجل ولذلك تجد منه انحرافاً خطيراً جداً
стр. 3517
جداً في العقيدة وفي السنة في الأحاديث أما الغزالي فليس في العير ولا في النفير كما يقال، لا يعرف شيئاً من علم الحديث، الحديث عنده هواه، الحديث عنده عقله، وليت عقله كان عقل إنسان وصل في الدرجة العليا من الكمال، وليس ذلك إلا لإنسان واحد هو محمد رسول الله ﵌، فإذا سمعتم طعناً من هذا الرجل في حديث من أحاديث الرسول ﵊ كالحديث الذي تلي علينا وعلى مسامعنا آنفاً، حديث لولا بني إسرائيل ولولا حواء، اتهم الذي صحح هذا الحديث وسمى الألباني بأنه لا فقه عنده.
أنا أقول أولاً: ليته اتهم الألباني؛ فإنه رجل أعجمي لعل أصله أصلي أنا أعجمي أيضاً، فلو أنه اتهمني أنا وحدي بقلة الفقه لهان الأمر، رجل إنسان من المسلمين، لكن أنا ما صححت هذا الحديث وحدي، هذا الحديث مروي في الصحيح، مروي أظن الآن إما في البخاري أو في مسلم.
مداخلة: في البخاري.
الشيخ: هذا هو، وأنا أتحفظ الآن، فهو مروي في الصحيح، فإذاً: هو لا يطعن في الألباني بل يطعن في البخاري الذي هو سلف الألباني، ويطعن في الأمة التي تلقت هذا الحديث بالقبول ولم يرفض الحديث هذا إلا من كان مثله في منهجه اللاعقلي ولا أقول العقلي؛ لأن هؤلاء الذين ينكرون الحديث بعقولهم لا عقول عندهم سليمة، لذلك فالرجل في الواقع أنا أعتبره داعية ضلال، لكن ليس عندي من الجرأة العلمية ما يمكنني أو يساعدني على الحكم عليه بالتكفير؛ لأن أصعب شيء بالنسبة للعالم المسلم هو أن يكفر مسلماً يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولا ينكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة.
ولذلك فرقت بين من ينكر السنة وهؤلاء موجودون اليوم، وهم الذين يسمون
стр. 3518
أنفسهم بالقرآنيين وهؤلاء نبعوا من باكستان، منبع مدعي النبوة الذي ذكرته لكم آنفاً، ثم سرت عدواهم إلى مصر، ثم انتقل بعض عدواهم إلى سوريا، والتقيت مع بعضهم وناقشتهم وجادلتهم، هؤلاء ينكرون السنة، وإذا أنكر منكر السنة فلا فرق بينه وبين نصراني أو يهودي أو بهائي أو لاديني فكل هؤلاء يفسرون القرآن حسب أهوائهم؛ لذلك فمن أنكر السنة كأصل فهو كافر، أما من أنكر أجزاء من السنة فهو التفصيل السابق الذي ذكرته يجب أن تستحضروه، والآن آتي بتفصيل موجز جداً: من كان يعتقد في حديث أن الرسول ﵌ قاله ولو كان حديثاً واحداً، ومع ذلك هو يقول هذا الحديث لم يدخل في عقلي، وأنا لا أؤمن به فهذا كافر؛ لأنه جمع بين نقيضين من ناحية اعتقد أن الرسول تكلم بهذا الحديث، ومن ناحية أخرى قال ما دخل في عقله فهو ينكره.
أما إنسان آخر كهذا الغزالي أنا لا أستطيع أن أقول أن الإنسان الأول هو الغزالي يقول الرسول ﵌ قال هذا الحديث وأنا لا أؤمن به، ما ظهر منه فيما علمنا شيء من هذا، أما هو فيشك في صحة هذا الحديث الذي رواه البخاري ويغمز من قناة أحد الرواة ولو بكلمة يا أخي البخاري معصوم؟ الألباني معصوم؟ شيوخ السلف معصومين؟ الجواب: لا، لا، هو ينكر الحديث غير معتقد أن الرسول قاله ومن هنا ينجو من التكفير الذي يجوز للعالم المسلم أن يوجهه إلى مسلم مثل هذا الغزالي، لكنه يضلل؛ الحقيقة أن هؤلاء الذين يذكرون اليوم في زمرة الدعاة إلى الإسلام ونحمد الله أنهم لا يحشرون في زمرة الدعاة إلى الكتاب والسنة وإنما إلى الإسلام، أما هذا الإسلام هو شيعي هو خارجي، هو إباضي هو كذا، كله إسلام فهم يدعون إلى الإسلام، لكن هل هو إسلام حقيقة، هل هو إسلام سلفي، هل هو إسلام خلفي، هل هو إسلام بريطاني، هل هو إسلام أمريكي، إسلام.
стр. 3519
إذاً: ليس مُهِمَّاً أن يكون المسلم داعية إلى الإسلام ولنقل إلى إسلام، وإنما المهم يدعو إلى الكتاب والسنة، وليس أيضاً من المهم أن يدعو إلى الكتاب والسنة، وإنما المهم أن يدعو إلى الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح.
إذاً: نحن نُفَرِّق بين رجلين اثنين أحدهما ينكر حديثاً ويعتقد في قرارة قلبه أن الرسول قاله، ثم هو لا يؤمن به فهو كاليهود يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فهو كافر، ورجل آخر لا يعتقد أن الرسول ﵌ قاله، عنده شك بسبب أو آخر أن هذا الحديث الذي صححه زيد وبكر وعمرو من علماء الحديث وهموا في تصحيحه، فهو ينكر على الذين صححوا وليس على النبي ﵌ الذي قاله، فقلت آنفاً: هذا ضال وليس بكافر كالأول، وسبب ضلاله أن هذا الرجل وأمثاله ينكرون على بعض إخواننا وأنا معهم انتبهوا، الذين يتسرعون وهم من عامة المسلمين، فيقول: أنا أفهم من الحديث الفلاني كذا، هو ليس عالماً وليس طالب علم، لكن يقول أنا أفهم هكذا يا أخي، وأنا اجتهدت هكذا، طيب أنت لست من أهل الاجتهاد، وابتلي الغزالي بأمثال هؤلاء فسحب الجهلة على الآخرين من النابغين في العلم والمتفقهين في الكتاب والسنة وفقه السلف الصالح، فاتهمهم بأنهم لا فقه عندهم.
هذا الغزالي وأمثاله ينكر على هؤلاء؛ لأنه يوجب عليهم ما نحن نوجبه عليهم انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
هذا الغزالي وأمثاله وقعوا فيما ينكرون على غيرهم، الغزالي أمي في علم الحديث، كذاك الأمي في علم الفقه، فما ينكره الغزالي على الأمي الذي يدعي الفقه في آية أو في حديث هو يرد عليه أيضاً حينما يصحح ويضعف وهو أمي في علم الحديث، إذاً: هو خالف قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا
стр. 3520
تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، هو وكل من كان عنده ذرة من علم وفقه يعترف ويشهد بحقيقة لا مجال لإنكارها، أن العلوم على أنواعها وأشكالها سواء كانت علوماً في الشرع أو في الأدب أو في اللغة أو في التاريخ، كل هذه العلوم مرجعها إلى أهل الاختصاص، فلا يجوز مثلاً بجاهل بالطب أن يتطبب، ولا يجوز بجاهل في الفقه أن يتفقه، ولا يجوز بالتالي لجاهل بالحديث أن يتحدث تصحيحاً وتضعيفاً، هذا الذي وقع فيه الغزالي نحوه أنكره على غيره، فهو وقع فيما ينكره على العامة وهو من الخاصة، وذنب الخاصة أشد عند الله من ذنب العامة؛ لهذا أقول: الغزالي لا شك أنه يعيش في ضلال مبين؛ لأنه كما قال تعالى في حق المشركين: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، أي: هو جحد ما يقرره أن العلوم اختصاصات وما لهؤلاء الجهلة يتعالون ويتسلطون على الكتاب والسنة وهم لا يفقهون شيئاً، هذا الذي أنكره على العامة وقع هو في مثل ما وقع العامة الذين ينكر عليهم؛ لأنه لا يعرف، وقد يجادل بعضهم في ذلك فأُذَكِّركم بالمثل الواقع الذي لا يستطيع هو أن ينكره، أنا قبل أن أعرفه بواسطة من كان من عارفي بل ومن أصحابي، وكان الله أنقذه من الطريقة الشاذلية ومن التعصب بالمذهب الحنفي وهو الشيخ زهري النجار، هذا الرجل أرسل إلي من مصر وكان عندنا في سوريا، كان حنفياً متعصباً وطرقياً شاذلياً، فهداه الله إلى السنة ثم سافر إلى مصر ودخل الأزهر وأخذ الشهادة، كتب إلي بأن الشيخ الغزالي عنده كتاب اسمه فقه السيرة، فهو طلب مني أن تتطوع لتخريج أحاديث
كتابي، وكنت يومئذ على شيء من الفراغ والنشاط أكثر من نشاط الشيخوخة كما ترون فوافقت، وكتب مقدمة لعلكم اطلعتم عليها، فهو لماذا كلفني أن أخرج كتابه؛ لأنه ليس من أهل الحديث.
فإذاً: لماذا هو يتسلط على علم الحديث تصحيحاً وتضعيفاً وقد أفصح عن
стр. 3521
منهجه في نفس المقدمة التي قرضني فيها ومنهجي وعلمي بالحديث، قال هو ينظر في الحديث فإن كان معناه صحيحاً ولو كان سنده ضعيفاً، وضرب على ذلك مثلاً حديثاً كنت أنا ضعفته قال: هذا معناه صحيح، ولذلك كون سنده صحيح فأنا أصححه، وأنكر حديثاً صحيحاً وهو إغارة الرسول ﵌ على بني قريظة، قال هذا وإن كان سنده صحيح .. إلى آخره، المهم لو كان هو من أهل الحديث لما تواضع وكلف غيره أن يخرج أحاديث كتابي.
إذاً: هو ليس من أهل الحديث، فأين القاعدة التي يتبجح بها وينكر على عامة المسلمين الذين يخالفونها، أصبح الأمر هوىً، فالحديث الذي يعجبه يصححه، والذي لا يعجبه يضعفه، فنسأل الله أن يحفظنا من الهوى، وأن نتبع الهوى فيضلنا عن سواء الصراط، وقد جاء عن الرسول ﵇: «ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه».
فنسأل الله أن يحفظنا ولعل في هذا القدر كفاية، فالساعة الحادية عشر والربع تقريباً.
مداخلة: بقية السؤال.
الشيخ: وهو؟
مداخلة: زعمه بأن مالكاً كان يقدم عمل أهل المدينة أيضاً على حديث الآحاد، وأبا حنيفة يقدم القياس على أحاديث الآحاد.
الشيخ: والله آسف أن هذا أمر واقع، لكن هذا ليس على منهج الغزالي؛ لأن الإمام مالك عاش في المدينة حيث كان فيها جماهير الصحابة الذين ورثوا علم الرسول ﵌ ونشروه بين الأمة كما ضربنا على ذلك مثلاً بقصة الجارية وهو كان من أتباع التابعين ﵀، فقد روى كثيراً من الأحاديث من طريق نافع عن ابن
стр. 3522
عمر، فهو كان يعلم بأن عمل أهل المدينة كانوا على الهدي النبوي، فإذا جاءه حديث عن رسول الله ﵌ ولو بسند صحيح فهو يقدم عمل أهل المدينة؛ لأنه قائم عنده على السنة، وليس قدم هواه على الحديث، فليس له متمسك فيما يؤيد به انحرافه عن السنة.
مداخلة: الآية: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: ٨]، في هذه الآية نذكر محاسن الرجل بعض محاسنه، ولا نقول أنه داعية ضلالة على الإطلاق كما ذكرتم آنفاً.
الشيخ: كيف قلت داعية ضلالة؟
مداخلة: قبل قليل، الغزالي هو داعية ضلالة.
الشيخ: فيما كنا نتحدث به.
مداخلة: أعلم هذا.
الشيخ: طبعاً ...
مداخلة: وقد يفهم شيخنا ...
الشيخ: لا يا أخي، ...
مداخلة: أنا فهمت والله.
الشيخ: طيب هذا السياق بين السباق، لما قلنا هو يدعو إلى الإسلام ..
مداخلة: .. الغزالي ... قال: قديماً كان رجل عام أحبب أنه ...
الشيخ: ما أعتقد هذا.
مداخلة: أحسن الله إليك، ما رأيك في كتبه.
стр. 3523
الشيخ: كتبه أكثرها فيها أشياء من الانحرافات ..
مداخلة: هل ترى أنه يبث ما يجد في عقله في هذه الكتب يعني.
الشيخ: لا، فيه انحرافات كثيرة. تفضل.
(الهدى والنور /٦٣٠/ ٠٢: ٠٢: ٠٠)
(الهدى والنور /٦٣١/ ٥١: ٠٠: ٠٠)
(الهدى والنور /٦٣١/ ٠١: ٢٩: ٠٠)
стр. 3524
لا بدعة حسنة في الإسلام
стр. 3525
خطورة الابتداع وبيان أنه
لا بدعة حسنة في الإسلام
الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
لقد كان من هدي نبينا صلوات الله وسلامه عليه أن يفتتح كلامه وموعظته وخطبه بهذه الخطبة الموجزة البليغة التي سمعتموها وتسمعونها منا عادة، وفيها كما تعلمون هذه القاعدة العظيمة، خير الهدى هدى محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
نقول في هذه الخطبة المباركة، هذه القاعدة الهامة من قواعد الشريعة، ويتجلى أهميتها عند من يتفقه في كتاب الله وبخاصة في مثل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
فإن الله يمتن في هذه الآية الكريمة على عباده أنه أكمل لهم الدين،
стр. 3526
وأتم عليهم النعمة، وكثير من الناس لا يتنبهون لهذه النعمة العظيمة، ولعظمتها امتن الله ﵎ على عباده بها، وذلك لغفلتهم عن أهمية كمال الشريعة، هذا الكمال الذي يغني الناس عن أن يتعبوا أنفسهم ما بين يوم وآخر أو أسبوع وآخر، أو شهر أو سنة وأخرى، أو قرن وآخر، أن يفكروا وأن يشغلوا أذهانهم بما يقربهم، بأن يتعرفوا على ما يقربهم إلى الله زلفى، أتمم الله عليهم النعمة بأن أتمم لهم دينهم بهذه النكتة التي تنبأ لها بعض أحبار اليهود في زمن عمر بن الخطاب ﵁ حين جاء إليه ليقول له: يا أمير المؤمنين، آية في كتاب الله، لو علينا معشر اليهود نزلت، لاتخذنا يوم نزولها عيداً، قال: ما هي؟ فذكر الآية السابقة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. قال له عمر: لقد نزلت في يوم عيد، كأنه يقول: أبشر، فقد اتخذ المسلمون يوم نزول هذه الآية عيداً.
ذلك بأنها نزلت ورسول الله ﵌ في عرفة وفي يوم جمعة، ويوم الجمعة يوم عيد المسلمين الأسبوعي، يتكرر ليس في كل سنة، بل وفي كل أسبوع مرة، لماذا قال هذا الحبر اليهودي، إن هذه الآية لو نزلت عليهم لاتخذوا يوم نزولها عيداً، لما فيها من تفضل الله على عباده بأن أتم لهم الشريعة، وأكملها فأغناهم عن الاجتهادات الشخصية التي قد يتفننون بها ويتوسعون فيها، ليتقربوا بذلك إلى الله زلفى، وقد يضلون؛ لأننا نعلم جميعاً أن المجتهد معرض للخطأ، وإن كان مأجوراً على خطئه إذا ما أفرغ جهده لمعرفة الصواب الذي أمره الله به، كما قال ﵇ في الحديث الصحيح في البخاري وغيره: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر واحد».
فتمام الشريعة إذاً يغنيهم عن مثل هذه الاجتهادات التي يراد بها توسيع دائرة
стр. 3527
التقرب إلى الله ، فقد سدت وأغلقت وأتمت هذه الدائرة، فلم يبق للناس حاجة إلى أن يجتهدوا فيما يقربهم إلى الله ؛ لأن الله قد أتم النعمة بذلك، ولهذا قال ﵊: «ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به، وما تركت شيئاً يبعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا ونهيتكم عنه»، لذلك جاء عن بعض السلف وهو بالضبط حذيفة بن اليمان أنه قال: كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله ﵌ فلا تعبدوها، أي: فلا تتعبدوا بها.
وقد تلقى هذا المعنى الخلف الأول عن السلف الأول في عبارات متنوعة من أهمها قول مالك ﵀: من ابتدع بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً ﵌ خان الرسالة، اقرءوا قول الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. قال ذلك، فما لم يكن يومئذ ديناً، لا يكون اليوم ديناً، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
هذه الكلمة من إمام دار الهجرة ﵀ هي بحق كما كانوا يقولون قديما: تكتب بماء الذهب؛ لأنها وضحت لنا المقصود من هذه الآية التي تمنى ذلك اليهودي أنها لو نزلت عليهم لاتخذوها عيداً، والمسلمون والحمد لله اتخذوها أيضاً عيداً، كما سمعتم من عمر بن الخطاب ﵁ أنها نزلت يوم الجمعة ورسول الله ﵌ على عرفة.
فهو يقول على صيغة التنكير الذي يفيد الشمول: من ابتدع بدعة واحدة يراها حسنة، فقد زعم أن محمداً ﵌ خان الرسالة.
من هنا ينبغي على كل مسلم عرف هذه الحقيقة وهذه المنة التي امتن الله بها على عباده بإكماله دينه ألَّا يتجرأ على مقام الشريعة، فيستحسن ما شاء له عادته
стр. 3528
أو هواه، أو أي شيء آخر من البدع ومحدثات الأمور بحجة، وهذه الحجة حجة داحضة طالما نسمعها من كثير من الناس وقد يكون فيهم من ينسب إلى العلم إذا ما أُنكر عليه بدعة لم تكن من هدي الرسول ﵇، ولم تكن في عهد السلف الصالح، يكون الجواب: شوف يا أخي؟ ! يغفلون جميعاً هؤلاء الناس عن الآية السابقة؟ وتفسير الإمام مالك لها، بقوله: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، فقد زعم أن محمداً ﵌ خان الرسالة، فهؤلاء الذين يقولون حينما تقيم الحجة عليهم بأن هذا الذي تفعله، يبادرونك بقولهم: شو فيها؟ الجواب: فيها نسبة الجهل، إلى الشارع الحكيم، وهو الله ﵎ الذي أنزل هذه الآية، أو فيها نسبة كتمان العلم إلى محمد ﵌، الذي أمر بتبليغ كل ما أوحي إليه مما يتعلق بشرع الله ، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
(الهدى والنور /٦١/ ٣٤: .. : .. )
السؤال: عندما نبين لبعض الناس مثل هذا الكلام الذي تفضلت به جزاك الله خيراً، يقول: يستشهد بحديث عن الرسول ﵌: «من سن في الإسلام سنة حسنة .. » فحبذا لو توضح لنا، كيف نرد عليه الرد الصحيح السليم؟
الشيخ: الحقيقة أن هذا السؤال بالنسبة لكثير من الناس مهم جداً، ذلك لأن له علاقة قوية بما أشرت في تضاعيف كلامي السابق أنه ليس لنا أن نستحسن، فقد يقول قائل: كيف هذا، وقد قال ﵊ في الحديث الصحيح: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، دون أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أوزارهم شيء».
стр. 3529
فجواباً على ذلك أقول: لقد تعلمنا من كتب علماء التفسير أن من الطرق التي يتمكن بها طالب العلم من فهم الآية فهماً سليماً وصحيحاً أن يتعرف على سبب نزولها، إذا كان لها سبب نزول؛ فإن ذلك يساعد مساعدة قوية للوصول إلى الفهم الصحيح لها بعد أن يستعمل مع التعرف على سبب النزول، استعمال الآداب العربية التي تساعد على فهم الكلام العربي، وبخاصة كلام رب العالمين ﵎.
تعلمنا هذا منهم، فاقتبست أنا فائدة، فقلت كما قالوا هم فيما عُرِف في أسباب نزول الآية إنها مساعدة كبيرة لفهم الآية فهماً صحيحاً، اقتبست من ذلك فقلت: كذلك مما يساعد على فهم الحديث النبوي فهماً صحيحاً، أن تتعرف على سبب ورود الحديث، هناك في القرآن سبب النزول، أما في الحديث فسبب الورود، أي: أن نعرف المناسبة التي قال الرسول ﵇ الحديث فيها، وستعلمون جيداً أهمية هذه القاعدة، أن نعرف سبب ورود الحديث، فسيتبين لكم، كم الفرق بين من عرف سبب الورود، ومن غفل عن هذا السبب ولم يعرفه.
هذا الحديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة .. » مما رواه الإمام مسلم في صحيحه من رواية جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: «كنا جلوساً عند النبي ﵌، فجاءه أعراب مجتابي النمار، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فلما رآهم رسول الله ﵌ تَمَعَّر وجهه .. ».
تمعر وجهه: يعني تَغَيَّرت ملامح وجهه إلى ما يدل على حزنه ﵇ حينما رأى علامات الفقر على هؤلاء الناس الذين قدموا على النبي ﵌.
«فقام في الصحابة خطيباً، وقرأ قول الله ﵎: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ
стр. 3530
فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]، ثم وعظهم وكان من وعظه إياهم أن قال لهم: تصدق رجل بدرهمه، بديناره، بصاع بره، بصاع شعيره.
تصدق: فعل ماض كما يقول علماء النحو، لكنه بمعنى الأمر، أي: ليتصدق.
(تصدق رجل) أي: ليتصدق الرجل منكم بما يتسير له من الصدقات من نقود، دراهم أو دنانير، من طعام، قمح أو شعير، تمر .. أو نحو ذلك.
فتحرك أول من تحرك رجل من الذين سمعوا خطبة النبي ﵌ وذهب سريعاً إلى داره ليعود وقد حمل بطرف ثوبه ما تيسر له من الصدقات، فوضعها أمام الرسول ﵇، فقام الآخرون، وذهب أيضاً كل منهم ليعود بما تيسر له من صدقات، فاجتمع أمام النبي ﵌ من الصدقات كأكوام الجبال، أكوام، فلما رأى ذلك رسول الله ﵌ تنور وجهه كأنه مذهبة، والمذهبة هي الفضة المطلية بالذهب، فيتلألأ جمالاً، هكذا يشبه راوي الحديث وهو جرير بن عبد الله البجلي، كيف اختلفت انطباعات الرسول ﵇ أخيراً على انطباعاته الأولى.
يقول في الأول: تمعر وجهه ﵊، يقول أخيراً عنه: تنور وجهه ﵊ كأنه مذهبة، وهذا التغير والتنور سبب واضح؛ لأنه فرح رسول الله ﵌ باستجابة أصحابه لأمره إياهم بالصدقة، فسعوا على أولئك الأعراب الذين جاؤوا إليه ﵇ في حالة فقر مدقع.
تَنَوَّر وجهه ﵇ وكأنه مذهبة، ثم قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة .. » إلى آخر الحديث.
انظروا الآن: كم يخطئ هؤلاء الناس الذين يستدلون بهذا الحديث على بدعهم التي استحسنوها بمجرد عقولهم إن لم نقل اتباعاً منهم لأهوائهم، أين
стр. 3531
للبدعة مكان في هذه الحادثة التي سمعتموها منقولة عن صحيح الإمام مسلم، لا تجدون هنا شيئاً يمكن أن يذكر أو أن يوصف ببدعة إطلاقاً، إنما هو الصدقة، والصدقة كانت مشروعة قبل أن يخطب النبي ﵌ في الصحابة حاثاً لهم على الصدقة؛ لأنكم سمعتم أن من خطبته ﵇ في هذه الحادثة أن تلا عليهم الآية الكريمة: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [المنافقون: ١٠] .. إلى آخرها.
فإذاً: ليس هناك ما يمكن أن يدخل في باب البدعة الحسنة زعموا؛ لأن الصدقة مشروعة بنص القرآن الكريم والسنة وإجماع الأمة.
إذاً: حينما يفسرون قوله ﵇: «من سن في الإسلام سنة حسنة .. » بقولهم: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، اصطدم هذا التفسير وليس الحديث، اصطدم هذا التفسير بالواقع، لأن الواقع لا يوجد فيه ما يمكن أن يسمى بدعة إطلاقاً، أما إذا فسر بالمعنى العربي، سن بمعنى: فتح طريقاً، فهذا واضح جداً؛ لأن ذلك الرجل الأول هو الذي فتح الطريق بين يدي الصحابة الآخرين، حينما ذهب ليرجع بما تيسر له من الصدقة، فاتبعه الآخرون على ذلك، فكان هو قد سن له الصدقة، في ذلك المجلس، أما الذي حسنها والذي شرعها، وجعلها للناس ديناً ليس هو، ولا الرسول ﵇، وإنما هو رب العالمين؛ لأن النبي ﵌ ليس له من التشريع شيء، إنما هو كما قال تعالى مخاطباً إياه، الآية ... (حصل هنا انقطاع صوتي)
ولذلك من الخطأ الفاحش جداً، الخطأ اللفظي ما نقرؤه في الجرائد وبعض المجلات وبعض المحاضرات، قال المشرع .. من هو المشرع؟ يعني المقنن، لا يقصدون بذلك رب العالمين، وهنا نذكر قول ربنا : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، فالله هو وحده
стр. 3532
المشرع، والشاهد أن ذاك الصحابي الأول لم يكن له شيء في هذه الحادثة سوى أنه فتح الطريق، ذكر الآخرين بأن عليهم أن يستجيبوا لما حضهم الرسول ﵇ من الصدقة، فكان له أجر هذه الصدقة، وأجر الصدقات الأخرى التي تصدق بها الذين ساروا مسيرته، واقتدوا به ﵃ جميعاً.
هذا فيما يتعلق بمعرفة سبب ورود الحديث، وأننا إذا عرفنا هذا السبب، حينئذ ضربنا بتأويلهم للحديث بمعنى: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، ضربنا بهذا التفسير عرض الحائط، وقلنا لهم: هاتوا، وين البدعة في هذه الحادثة؟
ولذلك قلت مرة أو أكثر من مرة: إذا لم يكن في الحادثة كما سمعتم حادث حدث يمكن أن لا يكون شرعاً معروفاً من قبل، وإنما هو شيء حسن استحسنه أحد الحاضرين، فيكون بدعة، قلنا حينئذ: لا يتخذ قوله ﵇: «من سن في الإسلام سنة حسنة .. » هو قد قالها بمناسبة الصدقة مع التفسير الذي يقوله بعض الخلف: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة.
كنت أقول، وأكرر ذلك أحياناً: لا يمكن لرجل عربي، بل لا يمكن لرجل أعجمي مثلي أنا ألباني، أن يقول: من سن في الإسلام سنة حسنة، بمعنى من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، بمناسبة الصدقة، هذا رجل عربي مستعرب، أصله عجمي، عار عليه أن يقول مثل هذا الكلام: من سن في الإسلام سنة حسنة بمعنى: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، بمناسبة الحادثة التي لم يقع فيها إلا الصدقة، فكيف ينسب هذا المعنى الأعجمي الذي يرفضه حتى الأعجمي المستعرب، كيف ينسب هذا المعنى إلى أفصح من نطق بالضاد، هذا خطأ فادح جداً، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
هذا شيء نستفيده فقط من معرفتنا لسبب الحديث، وكما قلت لكم آنفاً علماء
стр. 3533
التفسير يقولون: معرفة سبب نزول الآية يساعد على معرفة معناها، والباقي من اللغة العربية وآدابها، كذلك معرفة سبب ورود الحديث يساعد على معرفة الحديث، ثم الباقي من الآداب العربية ولغتها.
أقول شيء آخر بغض النظر عن هذا الأمر الأول، وهو سبب ورود الحديث، الحديث يقول: «من سن في الإسلام سنة حسنة .. » ثم في الفقرة الثانية: «من سن في الإسلام سنة سيئة .. » نسأل هؤلاء الناس الذين يتجرؤون على مقام الشارع الحكيم الذي امتن علينا بالآية التي بدأنا الكلام حولها: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فيحسنون ويطلقون من الدين ما أغلق بابه وختمت النوافل وكل المقربات إلى الله كما ذكرنا في الحديث السابق.
نقول لهؤلاء: ما هو سبيل معرفة السنة الحسنة، ومعرفة السنة السيئة، آلعقل، أم الشرع؟
هذا سؤال مهم جداً، وهو في اعتقادي إن كانوا منصفين مبتغين طالبين للحق، سيقولون أحد شيئين، وحينذاك يتبين ما في نفوس هؤلاء أو قلوب هؤلاء من علم أو جهل.
السنة الحسنة والسنة السيئة، معرفة ذلك أهو طريقه النقل أم طريق العقل؟ فإن قالوا طريق النقل: قلنا لهم أصبتم، فلنقف هاهنا لنبحث.
وإن قالوا طريق العقل خرجوا عن أهل السنة والجماعة، وألحقوا ببعض الفرق الضالة التي منها المعتزلة، الذين يظن كثيراً من الناس أنها فرقة مضت وانقضت وانقرضت، والواقع أن هذه الفرقة لا تزال آثارها منبثة في جماهير الناس حتى من أهل السنة زعموا، لأن منهج أولئك منهج هؤلاء، منهج هؤلاء في تحكيمهم لعقولهم، هو منهج أولئك تماماً، قلت لكم آنفاً في أثناء الكلام عن
стр. 3534
هذا الموضوع الهام، إذا أنكر على بعضهم بدعة من هذه البدع، سيقول لك: شو فيها يا أخي، أترون هذا حكم النقل، أم حكم العقل؟
أما أنا فأقول: لا العقل ولا النقل، وإنما حكم أهوائهم وعاداتهم، فإذا أصابوا في الجواب وقالوا: لا، معرفة السنة الحسنة والسنة السيئة مرجعنا في ذلك إلى الشرع، إلى النقل.
إذاً: قفوا معنا هاهنا، إذا قلنا هذا الأمر هو من السنة الحسنة، إذا اتفقنا على أن معرفة ذلك يكون بالنقل، فهات النقل الذي يدل على أن هذا الشيء الذي أنت تستحسنه، جاء به النقل وليس العقل، وهنا تنقطع المجادلة مع هؤلاء؛ لأن مصيرهم سيكون إما الخضوع للحق حينما يعجزون عن الإتيان بالنقل الذي يحسن بدعتهم، وإما أن يكابروا وأن يجادلوا بالباطل، حينئذ نقول لهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
إذاً: التحسين هنا للشيء واستقباحه، فإنما يكون بالرجوع للنقل، وإذا رجعنا إلى النقل استرحنا جميعاً، وارتفع الخلاف، أنا أضرب لكم مثلاً بسيطاً جداً، غير المسألة التي طرحناها سابقاً، وقدمنا لها هذه الكلمة.
المصافحة التي يفعلها الناس بعد الصلاة، نكون أنا والشيخ داخلين المسجد، تلاقينا وتصافحنا وتحادثنا وكل شيء فعلناه، صلينا، تقبل الله .. تقبل الله .. ما هذا؟ بدعة حسنة، طيب شو الدليل أن هذه بدعة حسنة، سوف لا يقول لك إن الرسول كان يفعل هذا؛ لأنه يعرف أن هذه بدعة، وسوف لا يقول إن الرسول ﵇ أمر بذلك؛ لأنه لا سبيل إلى التعرف على مثل هذا الأمر.
إذاً: حجتهم كحجة الأولين، كما قال تعالى: ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٧٤].
стр. 3535
فهذا جواب السؤال السابق أن حديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة .. » إلى آخره، لا يدلل على أن في الإسلام بدعة حسنة، وإنما في الإسلام سنة حسنة، ومعرفة السنة الحسنة هو من طريق السنة وليس من طريق العقل أو العادة أو الهوى.
(الهدى والنور /٦١/ ٤٩: ٢١: .. )
стр. 3536
لا بدعة حسنة في الإسلام
الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] أما بعد:
فإن خير الهدى هدى محمد صلى الله وعليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
أريد أن أذكر بأدب إسلامي، وتعليم من تعاليم الرسول الكريم صلى الله وعليه وآله وسلم وهو من التعاليم التي يجهلها كثير من الناس، وقل من ينبه عليها من الخواص، فإني ألاحظ في كثير من الأحيان يكون القادم شخصاً، ويستقبله المستقبلون له في مبادرتهم إياه بالسلام، وهذا خلاف التعليم الذي أشرت إليه آنفاً، كما أن الأمر أحياناً: يكون في صورة أخرى مخالفة لهذا التعليم، وهو أن يتقدم رجل إلى راكب في السيارة ليسلم عليه فيبادره الراكب بالسلام،
стр. 3537
هذا أيضاً: خلف؛ لأن الرسول ﵇ يقول: «يسلم الماشي على القاعد، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير».
فهذا أدب يجب أن نرعاه، فنحن مثلاً: قادمون إلى هنا نحن علينا أن نلقي السلام، وعلى المستقبلين أن يستقبلونا مع السلام أي: مع رد السلام، هذا تنظيم من الرسول الكريم لكيف يكون إلقاء السلام.
من القليل على الكثير، ومن الصغير على الكبير، ومن القليل على الكثير، ومن الماشي على القاعد، فهذه أمور في الحقيقة: يجب أن نتنبه لها، وأن نحيي العمل بها؛ لنحظى بذلك بالأجر الذي لا يكاد يحصى المستنبط من قوله ﵇: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أجورهم شيء».
وبهذه المناسبة والشيء بالشيء يذكر كما يقال: لابد من إلفات النظر إلى المعنى الصحيح لهذا الحديث الصحيح: «من سن في الإسلام سنة حسنة»؛ لأن كثيراً من الناس يسيئون فهمه، ثم يبنون على هذا الفهم السيئ الخاطئ علالي وقصور هي على شفا جرف هار، يبنون على الفهم السيئ والخاطئ، أو الخطأ على الأقل لهذا الحديث باباً من الابتداع في الدين لا سبيل لهم إلى غلقه إلا بنبذ الفهم السيئ لهذا الحديث حيث: أنهم يفسرون قوله ﵇: «من سن في الإسلام سنة حسنة» بقولهم: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، ومن هنا ينطلقون فيحسنون المئات بل الألوف من البدع ظناً منهم أنها من البدع الحسنة التي أرادها الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم بهذا الحديث الصحيح، وليس الأمر كذلك.
وإذا كان الأمر كما يقال: وبضدها تتبين الأشياء.
стр. 3538
فما هو ضد هذا الفهم الخاطئ ألا وهو تفسيرهم لقوله ﵇: «من سن في الإسلام سنة حسنة» أي: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، هذا خطأ، فما الذي هو الصواب الذي نرد به هذا الخطأ، ونرد ما بني عليه من تفريعات المئات من البدع بل الألوف كما قلنا آنفاً؟
الجواب: من سن لغة أي: فتح طريقاً لا أكثر، «من سن في الإسلام سنة حسنة» أي: فتح طريقاً في الإسلام أي في الدين أي: في العبادة تؤدي إلى سنة حسنة، «من سن في الإسلام سنة حسنة» أي: فتح طريقاً إلى سنة حسنة، وهذا معناه: أن هذه السنة لم تحدث من جديد، وإنما هي مشروعة من قديم جاء بها الرسول ﵇ الذي نزل عليه القرآن الكريم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
يقول الإمام مالك إمام دار الهجرة ﵀: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمداً صلى الله وعليه وآله وسلم خان الرسالة، اقرؤوا قول الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
قال مالك تعليقاً على هذه الآية وكلامه السابق: فما لم يكن يومئذ ديناً أي: يوم نزول هذه الآية اليوم فما لم يكن يومئذ ديناً لا يكون اليوم ديناً، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
إذاً: قوله ﵇: «من سن في الإسلام سنة حسنة» لا يعني سنة استحسنها الناس على اختلاف مذاهبهم، ومشاربهم وغايتهم أهواؤهم وو .. إلى آخره، لا وإنما سنة معروفة حسنها في الإسلام، وعلى العكس من ذلك في تمام الحديث.
стр. 3539
«ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أوزارهم شيء».
ما هو السبيل لمعرفة السنة الحسنة ومعرفة السنة السيئة حتى يكون للمسلم موقفين متباينين من السنة الحسنة، ومن السنة السيئة؟
الموقف اللائق بالنسبة للسنة الحسنة: أن يفتح طريقاً أغلقه الناس أمامها، فلا يكاد أكثر الناس يصلون إليها، بسبب أو أكثر، وأكبر سبب هو الجهل بالإسلام، فالناس لا يكادون يعرفون من الإسلام إلا اسمه، وكذلك بالنسبة للموقف الثاني بالنسبة للسنة السيئة، يضع باباً يغلقه أمام الناس الذين يتهافتون على الوقوع تهافت الفراش على النار في السنة السيئة، ما هو السبيل لمعرفة السنة الحسنة والسنة السيئة أهو عقولنا أهي أهواؤنا؟ أهي عادتنا؟ لا ليس شيء من ذلك إنما هو الإسلام الذي سمعتم آنفاً قول رب العالمين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣].
ثم أوضح نبينا صلوات الله وسلامه عليه ذلك بأحاديث كثيرة منها: قوله ﵇: «ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به، وما تركت شيئاً يباعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا ونهيتكم عنه».
إذاً: ذاك هو الطريق الحسن، وهذا هو الطريق السيئ فليس لنا أي تفكير وأي اجتهاد وأي استنباط لمعرفة الطريق الحسن من الطريق السيئ ليس لنا فقط إلا أن ننطلق إلى السنة الحسنة وإلا أن ننصرف عن السنة السيئة.
فاستدلال أولئك الناس بهذا الحديث على استحسان البدع أبعد ما يكون عن الصواب، ويؤكد ذلك: لكم أمور كثيرة من أهمها: أن تعرفوا سبب ورود هذا الحديث؛ لأن علماء التفسير ﵏ يقولون: إذا عرف سبب نزول الآية
стр. 3540
عرف نصف معناها والنصف الآخر يفهم من اللغة العربية وأساليبها، اقتباساً من هذه الجملة التفسيرية أقول: إذا عرف سبب ورود الحديث عرف نصف معناه، والباقي يفهم من اللغة، ما سبب ورود هذا الحديث بأي مناسبة قال ﵇: «من سن في الإسلام سنة حسنة» أقال ذلك في سنة كما فسرناها معروفة في الإسلام مشهورة في القرآن، وفي أحاديث الرسول ﵇؟ أم قال ذلك في رأي في عمل ابتدعه إنسان من عند نفسه دون إذن من ربه أو نبيه فقال: «من سن في الإسلام سنة حسنة» ليس هذا وإنما هو الأمر الأول وهو كما جاء في صحيح مسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: «كنا جلوساً مع النبي ﵌ فجاءه أعراب مجتابي النمار متقلدي السيوف».
روى الإمام مسلم في «صحيحه» من حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: «كنا جلوساً مع النبي ﵌ فجاءه أعراب مجتابي النمار متقلدي السيوف، عامتهم من مضر بل كلهم من مضر، فلما رآهم رسول الله ﵌ تمعر وجهه» أي: تغيرت ملامح وجهه ﵇ شفقة وحسناً على هؤلاء الأقوام الأعراب لشدة فقرهم الدال عليه حالهم ولباسهم مجتابي النمار، النمار جمع: نمرة وهو الثوب مثل البطانية من فقرهم فاتحين طرف البطانية دائرة طاقة وهم منزلينه على أكتافهم، هذه العباءة تبعهم، هذا من فقرهم، فقام رسول الله ﵌ لما رآهم في هذه الحالة يخطب في الصحابة وكان مما خطبهم به قوله ﵊: «﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] ثم قال ﵇: تصدق رجل بدرهمه بديناره بصاع بره بصاع شعيره».
تصدق: فعل ماض المقصود به: ليتصدق أحدكم بما تيسر له، فما كاد رسول
следующие страницы →