← Акыда

Акыда · id 145205

جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى

ناصر الدين الألباني

Полный текст (5 605 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

لا بدعة حسنة في الإسلام الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن خير الهدى هدى محمد صلى الله وعليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. أريد أن أذكر بأدب إسلامي، وتعليم من تعاليم الرسول الكريم صلى الله وعليه وآله وسلم وهو من التعاليم التي يجهلها كثير من الناس، وقل من ينبه عليها من الخواص، فإني ألاحظ في كثير من الأحيان يكون القادم شخصاً، ويستقبله المستقبلون له في مبادرتهم إياه بالسلام، وهذا خلاف التعليم الذي أشرت إليه آنفاً، كما أن الأمر أحياناً: يكون في صورة أخرى مخالفة لهذا التعليم، وهو أن يتقدم رجل إلى راكب في السيارة ليسلم عليه فيبادره الراكب بالسلام،

стр. 3537

هذا أيضاً: خلف؛ لأن الرسول ﵇ يقول: «يسلم الماشي على القاعد، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير». فهذا أدب يجب أن نرعاه، فنحن مثلاً: قادمون إلى هنا نحن علينا أن نلقي السلام، وعلى المستقبلين أن يستقبلونا مع السلام أي: مع رد السلام، هذا تنظيم من الرسول الكريم لكيف يكون إلقاء السلام. من القليل على الكثير، ومن الصغير على الكبير، ومن القليل على الكثير، ومن الماشي على القاعد، فهذه أمور في الحقيقة: يجب أن نتنبه لها، وأن نحيي العمل بها؛ لنحظى بذلك بالأجر الذي لا يكاد يحصى المستنبط من قوله ﵇: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أجورهم شيء». وبهذه المناسبة والشيء بالشيء يذكر كما يقال: لابد من إلفات النظر إلى المعنى الصحيح لهذا الحديث الصحيح: «من سن في الإسلام سنة حسنة»؛ لأن كثيراً من الناس يسيئون فهمه، ثم يبنون على هذا الفهم السيئ الخاطئ علالي وقصور هي على شفا جرف هار، يبنون على الفهم السيئ والخاطئ، أو الخطأ على الأقل لهذا الحديث باباً من الابتداع في الدين لا سبيل لهم إلى غلقه إلا بنبذ الفهم السيئ لهذا الحديث حيث: أنهم يفسرون قوله ﵇: «من سن في الإسلام سنة حسنة» بقولهم: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، ومن هنا ينطلقون فيحسنون المئات بل الألوف من البدع ظناً منهم أنها من البدع الحسنة التي أرادها الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم بهذا الحديث الصحيح، وليس الأمر كذلك. وإذا كان الأمر كما يقال: وبضدها تتبين الأشياء.

стр. 3538

فما هو ضد هذا الفهم الخاطئ ألا وهو تفسيرهم لقوله ﵇: «من سن في الإسلام سنة حسنة» أي: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، هذا خطأ، فما الذي هو الصواب الذي نرد به هذا الخطأ، ونرد ما بني عليه من تفريعات المئات من البدع بل الألوف كما قلنا آنفاً؟ الجواب: من سن لغة أي: فتح طريقاً لا أكثر، «من سن في الإسلام سنة حسنة» أي: فتح طريقاً في الإسلام أي في الدين أي: في العبادة تؤدي إلى سنة حسنة، «من سن في الإسلام سنة حسنة» أي: فتح طريقاً إلى سنة حسنة، وهذا معناه: أن هذه السنة لم تحدث من جديد، وإنما هي مشروعة من قديم جاء بها الرسول ﵇ الذي نزل عليه القرآن الكريم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. يقول الإمام مالك إمام دار الهجرة ﵀: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمداً صلى الله وعليه وآله وسلم خان الرسالة، اقرؤوا قول الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. قال مالك تعليقاً على هذه الآية وكلامه السابق: فما لم يكن يومئذ ديناً أي: يوم نزول هذه الآية اليوم فما لم يكن يومئذ ديناً لا يكون اليوم ديناً، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. إذاً: قوله ﵇: «من سن في الإسلام سنة حسنة» لا يعني سنة استحسنها الناس على اختلاف مذاهبهم، ومشاربهم وغايتهم أهواؤهم وو .. إلى آخره، لا وإنما سنة معروفة حسنها في الإسلام، وعلى العكس من ذلك في تمام الحديث.

стр. 3539

«ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أوزارهم شيء». ما هو السبيل لمعرفة السنة الحسنة ومعرفة السنة السيئة حتى يكون للمسلم موقفين متباينين من السنة الحسنة، ومن السنة السيئة؟ الموقف اللائق بالنسبة للسنة الحسنة: أن يفتح طريقاً أغلقه الناس أمامها، فلا يكاد أكثر الناس يصلون إليها، بسبب أو أكثر، وأكبر سبب هو الجهل بالإسلام، فالناس لا يكادون يعرفون من الإسلام إلا اسمه، وكذلك بالنسبة للموقف الثاني بالنسبة للسنة السيئة، يضع باباً يغلقه أمام الناس الذين يتهافتون على الوقوع تهافت الفراش على النار في السنة السيئة، ما هو السبيل لمعرفة السنة الحسنة والسنة السيئة أهو عقولنا أهي أهواؤنا؟ أهي عادتنا؟ لا ليس شيء من ذلك إنما هو الإسلام الذي سمعتم آنفاً قول رب العالمين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. ثم أوضح نبينا صلوات الله وسلامه عليه ذلك بأحاديث كثيرة منها: قوله ﵇: «ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به، وما تركت شيئاً يباعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا ونهيتكم عنه». إذاً: ذاك هو الطريق الحسن، وهذا هو الطريق السيئ فليس لنا أي تفكير وأي اجتهاد وأي استنباط لمعرفة الطريق الحسن من الطريق السيئ ليس لنا فقط إلا أن ننطلق إلى السنة الحسنة وإلا أن ننصرف عن السنة السيئة. فاستدلال أولئك الناس بهذا الحديث على استحسان البدع أبعد ما يكون عن الصواب، ويؤكد ذلك: لكم أمور كثيرة من أهمها: أن تعرفوا سبب ورود هذا الحديث؛ لأن علماء التفسير ﵏ يقولون: إذا عرف سبب نزول الآية

стр. 3540

عرف نصف معناها والنصف الآخر يفهم من اللغة العربية وأساليبها، اقتباساً من هذه الجملة التفسيرية أقول: إذا عرف سبب ورود الحديث عرف نصف معناه، والباقي يفهم من اللغة، ما سبب ورود هذا الحديث بأي مناسبة قال ﵇: «من سن في الإسلام سنة حسنة» أقال ذلك في سنة كما فسرناها معروفة في الإسلام مشهورة في القرآن، وفي أحاديث الرسول ﵇؟ أم قال ذلك في رأي في عمل ابتدعه إنسان من عند نفسه دون إذن من ربه أو نبيه فقال: «من سن في الإسلام سنة حسنة» ليس هذا وإنما هو الأمر الأول وهو كما جاء في صحيح مسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: «كنا جلوساً مع النبي ﵌ فجاءه أعراب مجتابي النمار متقلدي السيوف». روى الإمام مسلم في «صحيحه» من حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: «كنا جلوساً مع النبي ﵌ فجاءه أعراب مجتابي النمار متقلدي السيوف، عامتهم من مضر بل كلهم من مضر، فلما رآهم رسول الله ﵌ تمعر وجهه» أي: تغيرت ملامح وجهه ﵇ شفقة وحسناً على هؤلاء الأقوام الأعراب لشدة فقرهم الدال عليه حالهم ولباسهم مجتابي النمار، النمار جمع: نمرة وهو الثوب مثل البطانية من فقرهم فاتحين طرف البطانية دائرة طاقة وهم منزلينه على أكتافهم، هذه العباءة تبعهم، هذا من فقرهم، فقام رسول الله ﵌ لما رآهم في هذه الحالة يخطب في الصحابة وكان مما خطبهم به قوله ﵊: «﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] ثم قال ﵇: تصدق رجل بدرهمه بديناره بصاع بره بصاع شعيره». تصدق: فعل ماض المقصود به: ليتصدق أحدكم بما تيسر له، فما كاد رسول

стр. 3541

الله ﵌ أن يتم خطبته حتى قام رجل من الجالسين ينطلق ليعود وهو يحمل في طرف ثوبه ما تيسر له من طعام، أو دراهم ووضعها أمام الرسول ﵊ فلما رأى أصحابه الآخرون ما فعل صاحبهم هذا قام كل منهم ليعود أيضاً: بما تيسر له من طعام ودراهم ودنانير، وجمعت هذه أمام الرسول ﵇ قال جرير: فاجتمع أمام النبي ﵌ أكوام كأمثال الجبال طبعاً: مقصود الجبال: يعني: أكوام ضخمة فلما رأى ذلك رسول الله ﵌ تهلل وجهه كأنه مذهبة يعني: أسارير وجهه الأولى التي دلت على حزنه وأسفه على هؤلاء تصورت تماماً حينما رأى أصحابه ﵇ يستجيبون لخطبته ولدعوته إياهم على أن يتصدقوا على إخوانهم فصار وجهه يقول جرير وهو العربي الفصيح: كأنه مذهبة، ما هي المذهبة؟ هي الفضة المطلي بالذهب أي: يتلألأ الرسول ﵇ تحول نوراً فرحاً وسروراً وحضوراً بتجمع هذه الصدقات من أصحابه ﵇. هنا قال ﵌: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أجورهم شيء» أي: إن ذاك الرجل الأول كتب الله له أجر صدقته قلت أو كثرت، ثم كتب الله له أجر المتصدقين من بعده؛ لأنه هو الذي فتح لهم هذه الطريق طريق الإتيان بالصدقة. الآن نقول لهؤلاء الذين يفسرون الحديث بذاك التفسير الخاطئ: من ابتدع، أين البدعة في هذه الحادثة؟ لا يوجد هنا إلا الصدقة، والصدقة كانت من قبل مشروعة ولو لم تكن من قبل مشروعة فقد صارت حينئذ مشروعة حينما تلا الرسول ﵇ الآية السابقة، أنفقوا مما رزقناكم، هذا لو فرض أن الآية نزلت آنياً، وهي كانت من قبل معروفة.

стр. 3542

إذاً: من الخطأ الفاحش أن نفسر قول الرسول ﵇ بما يتنافى مع السياق والسباق، فالسباق أن الناس تصدقوا بعد أن حضهم الرسول ﵇ على الصدقة، وتبعوا الرجل الأول فقال النبي ﵌ حضاً لغيره على أن يكون أسوة لغيره في فتح الطريق إلى ما هو مشروع مسبوق في الشريعة كهذه الصدقة: «من سن في الإسلام سنة حسنة ... » إلى آخره. وأنا حينما أتطرق لمثل هذا الموضوع أقول: يستحي مثلي أنا وأنا الرجل الأعجمي الألباني لو أن هناك مثل هذه المناسبة مناسبة صدقة والإتيان بأمر مشروع، فأقول: «من سن في الإسلام سنة حسنة» بمعنى: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، أُعَيَّرُ أنا مع أني أعجمي وألباني لكن عندي قليل طلب للغة العربية، أعير فيما إذا قلت بمناسبة صدقة مشروعة: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، سيقال لي: أن أين البدعة هذه التي تطبق قولك هذا على هذه؟ إذا فسر من سن في الإسلام بمعنى: من ابتدع عار على مثلنا نحن الأعاجم أن نفسر مثل هذا التفسير العجيب الغريب، فكيف يصدر مثله من العرب الأقحاح الأصيلين في العربية تعجب في ذلك كأن الأهواء تعمل عملها في الناس شر من الجهل الذي يجهل اللغة العربية. فإذاً: من سن في الإسلام سنة حسنة يعني: سنة مشروعة كان الطريق إليها مغلقاً مهملاً لا ينتبهون الناس لهذه السنة، فقام رجل ودعا الناس إلى هذه السنة المشروعة ليس البدعة التي لم تكن معروفة من قبل، وسنها هو من عند نفسه، وهذا الحديث تماماً يشبه حديثاً آخر لا يحتمل مطلقاً مثل هذا التأويل الخاطئ وهو قوله ﵇: «من دعا إلى هدى» ما قال هنا سنة، ولا يمكن تفسير الهدى هنا بالبدعة إطلاقاً بوجه من الوجوه، «كان له أجره وأجر من عمل به إلى

стр. 3543

يوم القيامة» بنفس فهم الحديث في السابق، هذا ولا نريد أن نطيل عليكم؛ لأني أرى صاحب الدار قائماً، لكن لابد من ختم البحث هذا ولو بملاحظة أخيرة وهي: في الحقيقة نستطيع أن نقول: إنها ملاحظة جدلية بمعنى: لا نقصد بالجدل هو المراء المنهي عنه، وإنما نقصد تحقيق أثر ثابت عن علي بن أبي طالب في صحيح البخاري قال: «كلموا الناس على قدر عقولهم أتريدون أن يكذب الله ورسوله». أنا في كثير من الأحيان أفترض أن هذا الإنسان ما اقتنع بهذا الكلام السابق إطلاقاً، فلابد من أن أتنزل معه، وأنا أقول له: أنت ما اقتنعت بأن هنا السنة هي السنة المشروعة أصالة وابتداءً. نفترض أن المقصود بها: البدعة، لكن نحن متفقون جميعاً أن البدعة التي يعنيها الحبيب بزعمك هنا موصوفة بأنها بدعة حسنة، وهناك بأنها بدعة سيئة، فما هو السبيل لتمييز البدعة الحسنة من البدعة السيئة؟ إن قلت: السبيل هو الشرع إذاً: رجعنا إلى الشرع سواءً بالطريق الأول الذي نحن نؤمن به، «من سن في الإسلام سنة» يعني: شريعة مشروعة من قبل، أو بالمعنى الذي أنت تريده يعني: أمر بالعبادة أحدثناها، لكن لا يسعك إلا أن تثبت لنا من الشرع أنها هذه البدعة التي تريد أن تتعبد الله بها هي حسنة، إذاً: الحسن والقبح إنما مصدره الشرع، إذا جئتنا بدليل من الشرع على حسن هذه البدعة نحن قلنا حيا هلاً وأهلاً وسهلاً وحينئذ لا أن نكون قد أحدثنا شيئاً في الإسلام إنما أيضاً ماذا؟ اتبعنا الشرع الذي به استدللنا على حسن هذا الأمر الحادث، وإن قال: لا كما يقولون مع الأسف بعض الجهلة يقال له: لا تفعل يا أخي بدعة هذه، يقول: هذه ما كان في زمن الرسول هذه بدعة انظر يا أخي يقول لك: انظر يا أخي معنى هذا: حكم

стр. 3544

عقله حينئذ ننبهه بأنه خرج من صف أهل السنة والجماعة، وأدخل نفسه في صف فرقة من فرق الضلالة ألا وهي المعتزلة أولئك الذين يقولون بما يعرف عند العلماء بالتحسين والتقبيح العقليين. المعتزلة يقولون: هذا حسن عقلاً، فجاء الشرع مع العقل، وهذا قبيح عقلاً فجاء الشرع مع العقل، ليس الشرع هو الذي يحسن ويقبح عند المعتزلة، أما أهل السنة والجماعة فهم يقولون: ما حسنه الشارع فهو حسن، وما قبحه الشارع فهو قبيح، لكن العقل السليم في كثير من الأحيان يفهم حسن ما حسنه الشرع، وقبح ما قبحه الشرع، لكن ليس هذا بالأمر المضطرد، وهنا لابد من الاستدلال بالشرع، كما قال : ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وبهذا القدر كفاية تعليقاً على هذا الحديث، وبيان أنه لا مستند لأهل البدع على هذا الحديث في تحسين بدعهم والحمد لله رب العالمين. مداخلة: جزاك الله خير. الشيخ: وإياك. (الهدى والنور /٢٠٨/ ٣٩: ٠٠: ٠٠). (الهدى والنور /٢٠٨/ ٤٠: ٠٤: ٠٠).

стр. 3545

خطورة الابتداع وبيان أنه لا بدعة حسنة في الإسلام مداخلة: يقول من المعلوم أن العبادات في الإسلام لا تثبت إلا بنص من كتاب الله أو سنة رسول الله ﵌ فلا يجوز إحداث ذكر ولا عبادة فعلية إلا بدليل من كتاب الله وسنة رسوله، فما هو حكم ما يفعله بعض المؤذنين عند صلاة الجمعة بعد الأذان الأول حين يقوم المؤذن بقراءة سورة الإخلاص مرتين أو ثلاثاً حتى ينبه الناس كما يقول هو للصلاة وإقامتها أو للخطبة، ما هو حكم هذا الفعل؟ الشيخ: مما لا شك فيه ولا ريب يتردد فيه أن مثل هذا الأمر هو كما أشار إليه الرسول ﵇ في بعض الأحاديث من محدثات الأمور، لا شك أن الأمر إنما كان في عهد النبي صلى الله عليه، وآله وسلم في يوم الجمعة وفي كل الصلوات الخمس في سائر أيام الأسبوع لم يكن هناك سوى الأذان والإقامة، لم يكن هناك شيء يتقدم إلى الأذان أو يتأخر عن الأذان، كما أنه لم يكن هناك شيء يتقدم الإقامة أو يتأخر عن الإقامة من المؤذن والمقيم، وإذ الأمر كذلك فيجب أن نستحضر ما كان نبينا صلوات الله وسلامه عليه يخطب في الصحابة كل جمعة يبتدئ خطبة الجمعة بقوله: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده

стр. 3546

ورسوله، فيقول في خطبة الجمعة: أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه، وآله وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، زاد في حديث أو في رواية للنسائي: وكل ضلالة في النار، فإذا كان حقاً وهو كذلك بحق خير الهدى هدى محمد صلى الله عليه، وآله وسلم فلا يجوز لمسلم مؤمن بالله ورسوله حقاً أن يتقدم بين يديه فيما جاءنا من شرع عن ربه بزيادة أو نقص فالأمر كما تقول العامة في بعض البلاد الزائد أخو الناقص .. الزائد أخو الناقص؛ فهل الرجل الذي يصلي الفجر مثلاً ثلاثاً أو أربعاً كالذي يصلي المغرب أربعاً أو اثنتين؟ لا فرق بين الأمرين؛ لأن كلاً منهما خلاف ما جاء به الرسول صلوات الله وسلامه عليه .. لا يقال هنا كما يقال من كثير من الغافلين أو الجاهلين يا أخي هذا في الفرض، يعني يوافق فوراً أنه لا يجوز أن نصلي الفجر ثلاثاً أو أربعاً ويوافق فوراً أنه لا يجوز أن نصلي المغرب أربعاً أو اثنتين، والجواب عندهم زعموا هذا فرض، نقول طيب الحمد لله أننا اتفقنا في الفرض، تعال ننزل إلى ما ليس بفرض .. إلى السنة، هل يجوز لك أن تصلي سنة الفجر ثلاثاً أو أربعاً؟ هنا المسكين يبهت لأنه من الغافلين، وإذا استيقظ مع ذلك بعد رأي وزمن طويل نقول له جزاك الله خير، إذا انتبه أنه لا يجوز أيضاً الزيادة حتى في هذه النافلة حينئذ نشكره على هذا الانتباه وننقله إلى بيت القصيد كما يقال وإلى موضع الخلاف .. إذاً ما الفرق بين الأذان الذي تقدم بين يديه زيادة أو تأتي بزيادة في آخره؟ هذا لو سلمنا جدلاً أن الأذان سنة فقط والقول الصحيح أن الأذان واجب وليس بسنة فقط، بمعنى أن الإنسان يخيّر بين أن يفعل فيثاب، وبين أن يترك فلا يعاقب! لا ليس الأمر كذلك، وإنما الأذان كالإقامة كل منهما أمر واجب لا يجوز تركه وبخاصة في المساجد، فقد كان من شعار المسلمين .. كان الأذان من شعار المسلمين إلى درجة أن النبي صلى الله عليه، وآله وسلم كان إذا

стр. 3547

خرج غازياً داعياً إلى الله ومر بقرية مصبحاً أمر أصحابه أن يتوقفوا وأن يصغوا إذا سمعوا أذاناً مضى في سبيله، وإذا لم يسمع أذاناً هاجم القرية، أي اعتبرها قرية غير مسلمة؛ فهذا دليل عظيم عملي أكبر دليل على أن الأذان هو من شعائر الإسلام ولا يجوز التهاون به، فإذا فرضنا أن هذا الأذان سنة! فقد اتفقنا مع هذا المخالف أنه لا فرق بين كونه شيء سنة وبين كونه فرضاً أو واجباً أنه لا يجوز الزيادة فيه ولا النقص منه، فإذاً كيف استجزتم الزيادة على الأذان قبله وبعده وربما أشياء أخرى مما جاء ذكره في السؤال قراءة قل هو الله أحد ثلاث مرات، وما يسمى بلغة الفقهاء الترقية بين يدي الخطيب إذا صعد على المنبر يوم الجمعة كل هذا وذاك لا أصل له في السنة، فيا ليت شعري من كان يؤمن بقوله ﵇ السابق ذكراً: خير الهدى هدى محمد، هل يتصور .. هل يتصور منه أن يزيد على هديه ﵇؟ أنا أخشى على هؤلاء أن يأتيهم اليقين الموت وهم غير مسلمين لماذا؟ لأني لا أتصور مؤمناً يؤمن برسوله حقاً وأنه بلّغ الرسالة وأدى الأمانة لا شطط فيها ولا نقص ولا زيادة ثم هو يتجرأ على مقام الرسول ﵇ وعلى هديه فيزيد ما شاء على هديه ﵇ ويكون جوابه مع الأسف الشديد شو فيها يا أخي! هذا غافل والغافل يجب أن ينبه، لكن أنا أخشى ما أخشى أن تستمر في الغفلة إلى يوم الوفاة، وحينئذ يُخشى أن يموت على غير الإيمان، لماذا؟ لأنني أفهم أن هذا الإنسان ما دخل قوله ﵇: خير الهدى هدى محمد إلى شغاف قلبه كما يقال، وإلا لكان هذا وحده رادعاً له عن أن يتجرأ على مقام النبوة فيزيد فيما جاء به الرسول ﵇ بزعم أن هذا خير وهناك حديث آخر يقول الرسول ﵇ مؤكداً لحديثه الأول: ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم .. ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، سؤال: نبينا كذلك وإلا

стр. 3548

خير من ذلك، وإلا دون ذلك؟ لا شك أنه خير من ذلك، ويؤكد لكم هذا حديثه الآخر وهو قوله ﵇: ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به، وما تركت شيئاً يبعّدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا ونهيتكم عنه، هذا الحديث والذي قبله والذي قبله وكل أحاديث الرسول ﵇ هي في الحقيقة تبيين وتفصيل للآية الكريمة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وقد فهم عظمة هذه الآية الكريمة بعض السالفين الأولين أحدهم كان يهودياً، ثم من الله عليه بالإسلام ألا وهو كعب الأحبار حينما جاء إلى عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا أمير المؤمنين آية في كتاب الله لو علينا معشر يهود نزلت لاتخذنا يوم نزولها عيداً .. قال عمر: ما هي؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] إلى آخر الآية قال عمر: أنا من أعرف الناس بها لقد نزلت يوم جمعة، هذا عيد ورسول الله ﵌ في عرفة هذا عيد، فإذاً هي نزلت في عيد في عيد؛ فلا تطمع في أكثر من ذلك كأنه يقول لذاك الرجل، قلت: عرف عظمة هذه الآية بعض السالفين أحدهم هذا الذي كان يهودياً ثم أسلم أقول أنا من عندي كان يهودياً ثم أسلم لأن في بعض الروايات أنه كعب الأحبار الحديث في الصحيح أن رجلاً من اليهود قال: لو علينا معشر يهود .. إلى آخره. ومن السالفين أحد أئمة المسلمين المشهورين المتبعين ألا وهو الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة كان ﵁ يقول، له كلمة كما يقال تكتب بماء الذهب وهي: من ابتدع بدعة يراها حسنة فقد زعم أن رسول الله ﵌ خان الرسالة اقرؤوا قول الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] ثم أتبعه ببعض الكلمات هي بيانات لمضامين هذا النص القرآني الكريم، فيقول: فما لم يكن يومئذ ديناً لا يكون اليوم

стр. 3549

ديناً ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] خلاص ما بقى فيه شيء جديد، فما لم يكن يومئذ ديناً لا يكون اليوم ديناً، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، من هي آخر هذه الأمة؟ نحن هنا بلا شك، فنريد الصلاح ونريد الإصلاح وكثير .. وكثير ممن يدّعون الإصلاح ويريدون إقامة الدولة المسلمة على وجه الأرض لا يدندنون حول هذه الكلمة المالكية المدنية لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، بماذا صلُح به أولها؟ أبالابتداع أم بالاتباع؟ لا شك أن الجواب عند الجميع، حتى الذين يقولون بالبدع الحسنة لا يستطيعون أن يقولوا إلا بقولنا ما صلح أمر هذه الأمة في أول شأنها إلا باتباعهم لنبيها صلوات الله وسلامه عليه إذاً فليكون معنا دعوة وسلوكاً، كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، كل: من ألفاظ الشمول والعموم عند علماء الأصول، كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار؛ هذا على وزن كل مسكر خمر وكل خمر حرام، كلكم يدخل الجنة يخاطب المسلمين، وليؤكد أن الأصل في هذه الكلمة العموم أو الشمول يقول ﵇ في هذا الحديث الأخير (انقطاع في الصوت) تعجب أصحابه قالوا: ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى، إذاً كل مسلم يدخل الجنة لا استثناء، كل مسكر خمر لا استثناء، كل بدعة ضلالة لا استثناء أبداً .. فمن الضلالة أن يقول المسلم وبخاصة إذا كان أوتي شيئاً من العلم والفقه لا صدماً ضرباً للحديث في الصدر، الحديث يقول كل بدعة ضلالة هو يقول: لا ليس كل بدعة ضلالة، البدعة تنقسم إلى خمسة أقسام، ثم يفصلونها كما ربما قرأ بعضكم ذلك التفصيل في بعض الكتب كيف هذا؟ هذا هو الانحراف عمّا كان عليه الرسول ﵇ ولكني لا أريد أن أكون متجنياً ومعتدياً فإني أعلم أن بعض أهل العلم والفضل ديناً وحديثاً وقعوا في هذا الخطأ حينما قسّموا البدعة إلى خمسة أقسام، ومنهم الإمام النووي ﵏؛ هذا

стр. 3550

التقسيم لديهم الحقيقة يجب أن يكون طلاب العلم على بيّنة من هذا التقسيم أنه تقسيم لغوي وليس تقسيماً شرعياً، تقسيم البدعة إلى خمسة أقسام كتقسيمها إلى بدعة حسنة وسيئة، لكن هذا التقسيم ليس تقسيماً شرعياً باصطلاحهم إنما هو تقسيم لغوي يقصدون بذلك أن هناك أموراً حدثت من بعد النبي ﵌ ومع ذلك لا تعتبر ضلالة وإنما هي بدعة حسنة، وهذه البدعة الحسنة قد تكون واجبة وقد تكون سنة، وقد وقد .. ، إلى آخره، أريد من هذا التنبيه والتذكير إلى أنهم حينما يقسمون البدعة إلى خمسة أقسام لا يعنون البدعة الشرعية، وإنما البدعة اللغوية، أي الأمر الذي حدث هو لن ينقبل هذا التقسيم من حيث أدلة الشرع، فما قام الدليل الشرعي على حسنه فهو حسن، وما لم يقم الدليل الشرعي على حسنه فهو ضلالة. لعل ضرب الأمثلة هي التي توضح مثل هذه القضية .. كلنا يعلم أن عمر بن الخطاب ﵁ أخرج اليهود من خيبر، لا شك أن هذا الإخراج كان بعد وفاة الرسول بزمان لأنه كان في خلافة عمر بن الخطاب فهذا الإخراج من حيث التعبير اللغوي بدعة، يعني شيء حدث لم يكن من قبل، لكن هل هو بدعة ضلالة؟ الجواب لا لم؟ لأن عمر ﵁ إنما نفّذ بهذا الإخراج أمراً وشرطاً نبوياً كان ﵇ قد وضعه لليهود حينما شاطرهم على خيبر شطر ما يستثمر منه للرسول، والشطر الآخر لليهود فأقرهم في خيبر قال ﵇ لهم: ما شئنا، ليس إلى الأبد .. فرأى عمر بن الخطاب أن يخرجهم تنفيذاً لهذه المشيئة مشيئة الأمة، هذا بدعة لغة لكن ما دام قام الدليل الشرعي على جوازه فليس بدعة، مثال آخر ولعله أوضح وأهم .. لقد بدأ أبو بكر وثنى عمر وثلث عثمان بجمع القرآن في الصحف، بعد أن كان مفرقاً والقصة معروفة في الصحيح وفي غيره هذا أمر لم يكن في عهد الرسول ﵇ فهو أمر حادث فيمكن أن

стр. 3551

نقول إن هذا بدعة في اللغة العربية، ولكنه أمر واجب قام الدليل الشرعي على هذا العمل من باب أولاً قاعدة فقهية ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب، هل يمكن حفظ الدين والإسلام إلا بحفظ كلام رب العالمين؟ هذا لا بد منه، ثانياً هناك عندنا نص في القرآن الكريم: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١ - ٢] ذلك الكتاب .. أين الكتاب؟ هو هذا الذي أشار إليه رب العالمين، وكان سابقاً في اللوح المحفوظ ومقرراً في التشريع بأنه يجب أن يكون كتاباً مثله؛ فحينما نسمع ضرب مثال على البدعة الواجبة لهذا أو لذاك، أو بهذا أو بذاك ضرب مثال بجمع القرآن بيقولوا هذه بدعة يجب أن نتأول كلامه لأن الأصل في كلام العلماء أن يُحمل على المحمل الحسن، فيجب أن نتأول كلامهم بأنه بدعة بمعنى أمر حدث، لكن هذا الذي حدث ما حدث هذا اعتباطاً وعلى قول العامة شو فيها يا أخي! لا إنما هذا بدليل موجب لمثل هذا .. الجمع ولذاك الإخراج الذي فعله عمر بن الخطاب ﵁، وعلى ذلك فقيسوا كل البدع التي حدثت وستحدث إن قام الدليل الشرعي على جوازها أو وجوبها فهذه ليست بدعة شرعية؛ لأن البدعة الشرعية صفتها ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما البدعة اللغوية فهي تقبل هذا التقسيم باعتبار الأدلة الشرعية فما دل على الوجوب فواجب، ما دل على الجواز فهو جائز، إلى غير ذلك من تلك المراتب المعروفة، مثلاً بعض الجهلة لما نقول له: هذه يا أخي بدعة، والرسول يقول: كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وإياكم ومحدثات الأمور .. إلى آخر الحديث يقول لك .. يا أخي هذه السيارة التي أنت تركبها هذه بدعة؟ سبحان الله هذه سيارة من الأمور المباحة التي تدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] وهذا مما لا نعلم كما حدثت أشياء كنا لا نعلم ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] بلا شك هذا الشاي وهذه الكأس بخصرها ورقبتها و

стр. 3552

و .. ، إلى آخره، لم يكن في ذلك الزمن فهذا الشرب شو حكمه بدعة؟ لا نقول بدعة صحيح عندما نريد أن ندقق كان هذا في زمن الرسول؟ ما كان في زمن الرسول، إذاً هذه بدعة .. نعم بدعة لغة قال تعالى في حقه: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ﴾ [البقرة: ١١٧] يعني موجدهما بعد أن لم يكونا موجودتين، فهو المبتدع، وهو الموجد، فهو المحدِث .. ، إلى آخره فهذه بدعة لغة لكن لماذا ندخلها في مسمى لفظة البدعة التي أطلق الرسول عليها قوله: كل بدعة ضلالة، هكذا فإذا قامت الأدلة الشرعية على وجوب بدعة نقول بوجوبها لا لأنها حدثت وإنما لأنها وجبت، وكذلك إذا قام الدليل على جواز شيء لا نقول هذا جائز لأنها حدثت! لا هي جائزة ولو لم تحدث لأنها داخلة في النصوص الشرعية، وهكذا وفي ذلك نقول ختاماً أيضاً لهذا الموضوع .. إذا جاءت لفظة البدعة في لغة الشرع فيجب أن نفسّرها بعرف الشرع، فالبدعة حيثما جاءت في أحاديث الرسول ﵇ فهي مضمونة أولاً والمقصود بها الابتداع في الدين ثانياً، وإذا جاءت في ألفاظ العلماء فتفسّر حسب المقام كما ذكرنا لكم من تقسيم بعض العلماء للبدعة إلى خمس أقسام نقول هذا تقسيم للبدعة اللغوية، أما البدعة الشرعية فهي مذمومة على الإطلاق؛ ولهذا قال عبد الله بن عمر بن الخطاب وبهذا الأثر الصحيح أختم الجواب عن ذاك السؤال .. قال ﵁: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة .. كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة، هذا بدهي أنه يفسر البدعة في هذا الحديث بالبدعة الشرعية فكأنه يتكلم عن رأينا بأوجز عبارة .. كل بدعة أي شرعية ضلالة وإن رآها الناس حسنة. غيره. (الهدى والنور / ٢١٥/ ٣٠: ٠٠: ٠٠)

стр. 3553

قول ابن عمر: من ابتدع بدعة فرآها حسنة قول ابن عمر ﵁: من ابتدع بدعة فرآها حسنة، .... موقوف عليه وإلا عن النبي؟ الشيخ: على ابن عمر .. مداخلة: وقول مالك: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة. الشيخ: موقوف عليه أثر. مداخلة: شو قوله، قول مالك. الشيخ: من ابتدع في الاسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً ﵌ خان الرسالة، اقرؤا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] فما لم يكن يومئذ ديناً لا يكون اليوم ديناً، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. مداخلة: وقول ابن عمر في البدعة؟ الشيخ: كل بدعة ضلالة ولو رآها الناس حسنة. (الهدى والنور / ٢١٦/ ٥١: ١٧: ٠٠)

стр. 3554

لا بدعة حسنة في الإسلام السؤال: بمناسبة ذكركم حديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة» عندما ننكر على بعض الناس شيئاً من الأفعال المبتدعة كالذكر باسم الله المفرد الله الله، أو كالذكر بالجهر، أو كالخلوة والشيء التابع لهذا أن هذا بدعة يقولون: هذه سنة حسنة. الحديث المذكور يجب أن نعرف سبب وروده، علماء التفسير يقولون كلمة جميلة جداً: معرفة أسباب النزول تساعد الباحث أو طالب العلم على فهم نصف معنى الآية، والنصف الثاني من اللغة العربية وأساليبها، أنا اقتبست من علماء التفسير قاعدة ربطتها بعلم الحديث الشريف، وهي: معرفة سبب ورود الحديث يساعد على فهم نصف معناه، ومعرفة النصف الثاني باللغة العربية وأساليبها. إذاً: ينبغي أن نتساءل: هذا الحديث الصحيح: «من سن في الإسلام سنة حسنة ... » إلخ له سبب ورود؟ الجواب: نعم، وحينئذٍ إذا ربطنا سبب الورود بالحديث الذي قيل بمناسبته وجدت بوناً شاسعاً جداً بين فهم الحديث ذاك الفهم المنحرف وهو فهم الخلف، وبين المراد من الحديث إذا ما نظرنا إلى سبب ورود الحديث، جاء في صحيح مسلم كالآتي بسنده الصحيح عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁، قال: كنا جلوساً عند النبي ﵌، فجاءه أعراب مجتابي النمار متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فلما رآهم رسول الله ﵌ تمعر وجهه، أي: تغيرت ملامح وجهه ﵇ حزناً على فقرهم.

стр. 3555

(مجتابي النمار) ما معناها؟ نريد نفسرها باللغة المعروفة اليوم، بطانية أو ... من النصف منزلينه على اكتافهم، هذا هو لباسهم، مش هيك جلابية قميص رداء جاكيت، لا، جماعة فقراء. المهم فمظاهر الفقر المدقع ظاهر عليهم، لذلك قال جرير: فتمعر وجه النبي ﵌، فوقف في الصحابة خطيباً، وقرأ آية في القرآن الكريم: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]، ثم قال ﵇: تصدق رجل بديناره بدرهمه بصاع بره، بصاع شعيره، فقام رجل من أصحاب الرسول وانطلق إلى داره ليعود وهو حامل في طرف ثوبه ما تيسر له من طعام، يعني: قمح شعير تمر الذي هو من طعامه يومئذٍ ووضعه أمام الرسول ﵇، فلما رأى بقية الأصحاب ما فعل صاحبهم انطلق كل منهم ليعود أيضاً بما تيسر له من صدقة، قال جرير: فاجتمع أمام الرسول ﵊ من الطعام والدراهم والدنانير كأمثال الجبال، يعني: أكوام، فتنور وجه النبي ﵌ كأنه مذهبة، ما معنى مذهبة؟ أي: كالفضة المطلية بالذهب، تلألأ جمالاً ونوراً وفرحاً وسروراً، ثم قال ﵊: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من علم بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أوزارهم شيء. الآن الذين يخالفون السلف في تفسيرهم لهذا الحديث بأن المقصود من سن في الإسلام سنة حسنة، أي: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، لأنهم يحتجون بهذا الحديث على تسويغ كل البدع على وجه الأرض بحجة أن هذه سنة حسنة، إذاً: معنى الحديث عندهم: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، نقول لهم الآن:

стр. 3556

اربطوا بين هذا المعنى وبين الحادثة، أين البدعة في الحادثة، لا يوجد والحمد لله في هذه الحادثة سوى السنة المعروفة في الكتاب والسنة، من قبل وإلى تلك اللحظة، من قبل جاءت آيات بفرضية الزكاة وبفرضية تطهير النفوس بالزكاة من قبل، وفي تلك اللحظة كما سمعتم خطب النبي ﵌ فيهم قال: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ ... ﴾ [المنافقون: ١٠] .. إلخ، فإذاً: ما فعله الرجل ليس بدعة في الإسلام، وإنما هو تنفيذ لنص القرآن، زد على ذلك أن الرسول حضهم على الصدقة، تصدق رجل بديناره بدرهمه بصاع بره بصاع شعيره (( ... انقطاع ... )) ولا أتبرأ من نسبي، لأنه لا يجوز لمسلم أن يتبرأ من نسبه، يعني: أنا ألباني، يعني بعبارة أخرى: أعجمي يا أستاذ، فأنا لا أقول: أنا عربي، أنا ألباني أعجمي الأصل، تعلمت اللغة العربية بفضل الله ورحمته من كتاب الله وسنة نبيه، لكن أنا الأعجمي أستحي أن أقول بمناسبة مثل هذه الصدقة التي جرت فأطبق عليها أن أقول: من سن في الإسلام سنة حسنة يعني: من ابتدع في الإسلام بدعة، أعوذ بالله، ما الذي جاء بهذا الكلام، يعني: أنا لا أقول بمثل هذه المناسبة: هذه بدعة حسنة، من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة بارك الله فيكم ابتدعتم في الإسلام بدعة حسنة، كيف هذا يقال والرسول خطب فيهم بالقرآن، وخطب فيهم بالسنة، يحثهم على الصدقة، ما علاقة الصدقة هذه بما تزعمون أنها بدعة، لأن الرسول بهذه المناسبة قال: من سن في الإسلام سنة حسنة. إذاً: ليس المقصود بمن سَنَّ أي من ابتدع، أبداً، وإنما المقصود معنى جميل جداً، وهو من فتح طريقاً إلى أمر مسنون مشروع كتلك الصدقة، واتبع هذه السنة الطيبة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، كذلك من أساء في الإسلام وابتدع بدعة لأول مرة واتبعه في هذه الضلالة أو في تلك المعصية من اتبعه

стр. 3557

فعليهم أوزار هؤلاء إلى يوم القيامة، لذلك جاء في صحيح البخاري أن ولد آدم القاتل لأخيه يحمل وزر كل القتلى الذين يقتلون ظلماً وبغياً إلى يوم القيامة، لأنه كان كما قال ﵇: أول من سن القتل، فهذا معناه. وشيء آخر ولعله يكون أخيراً: قال ﵇: (من سن في الإسلام سنة حسنة ومن سن في الإسلام سنة سيئة، ما هو طريق معرفة السنة الحسنة ومعرفة السنة السيئة العقل أم الشرع؟ لا شك أنه الشرع، إذاً: نحن نقول: من سن في الإسلام سنة حسنة شهد الشرع بأنها حسنة وعمل بها فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة حكم الشرع بأنها سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، من مثلاً فتح خمارة في بلاد المسلمين وربما جعل هذه الخمارة تجاه بيت من بيوت الله في المسجد، هذا سن سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لكن من فتح مدرسة انظروا الآن، وهذا من انحرافات بعض الناس الذين يستدلون بهذا الحديث أنه يعني البدعة، من فتح مدرسة يتعلم فيها المسلمون علوم الشرع هذه ما تسمى بدعة، هذه تسمى سنة حسنة، لماذا؟ لأن النبي ﵌ أولاً حض على العلم، وحض على الاجتماع على العلم، وفتح باب الاجتماع في حدود ما كان متيسراً في ذلك الزمان، تارة في المسجد بالنسبة للرجال، وتارة في بعض البيوت بالنسبة للنساء كما جاء أن بعض النساء قالوا: قالت أنه يا رسول الله! ذهب الرجال بما عندك من العلم فاجعل لنا يوماً، فجعل لهم يوماً، لكن هذا اليوم ما كان فيه هناك دار متيسرة نسميها مدرسة نسميها دار القرآن، نسميها دار الفرقان .. إلخ، ثم لم تكن الحاجة هناك تستعدي هذا التوسع الموجود بسبب اتساع رقعة العالم الإسلامي، فهذه ليست من البدعة في شيء، وإنما هي سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وهذا الحديث في الواقع له ذيول كثيرة وكبيرة جداً، لأنه

стр. 3558

بعضهم يحتجوا بقول عمر بن الخطاب: نعمت البدعة هذه، وبعضهم يحتجوا بقول ابن مسعود: ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وكل هذا من سوء الفهم؛ لأن صلاة التراويح سنة وليست بدعة، والجواب عن عمر أنه أراد اللغة بدعة لغوية، لأنه كانت متروكة ما بين خلافة أبو بكر ويوم أحيا عمر هذه السنة، كذلك ابن مسعود ﵁ لما قال: ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، المسلمون إما أن يكون أل هنا وهذه من اللغة العربية، إما أن يكون المسلمون للاستغراق والشمول، وإما أن يكون أل للعهد والاختصاص أي: علماء المسلمين، وليس ما رآه المسلمون أي جهلتهم أي في آخر الزمان، لا، إنما المقصود به خاصة المسلمين، نقول: على الرأس والعين، ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن. ومن الدليل على ذلك تمام الحديث، أي: أوله، لأن ابن مسعود قال هذا الحديث بمناسبة وفاة الرسول ﵇ واختيار أصحابه الكرام من بعده خليفة عليهم أبا بكر الصديق، فقال: إن المسلمين اجتمعوا على اختيار أبي بكر الصديق خليفة عليهم، إن الله أرسل نبيه ﵌ رسولاً وجعل له وزراء وأنصاراً، فما رآه المسلمون أي: هؤلاء الوزراء والأنصار، يعني: المهاجرون والأنصار، فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، أين ما رآه المسلمون المهاجرون والأنصار والسلف أول السلف، وما يراه بعض الخلف، بعض الخلف حتى لو فرضناهم أنهم على شيء من العلم، ولكن شتان كما قيل: فأين الثريا من الثرى، وأين معاوية من علي ﵄، لكن أين هما بالنسبة في العلم، فعلي أعلم بكثير من معاوية، لكن جمعهم الإسلام، جمعهم الصحبة، جمعهم العلم، لكن ذاك أوسع باعاً من معاوية بكثير وكثير جداً، ولذلك فإذا قال بعض المسلمين للبدعة حسنة فهؤلاء لا يعتد بقولهم لأنهم يخالفون أولاً آية في القرآن الكريم،

стр. 3559

هذه الآية والله أكاد أتفطر حزناً على المسلمين الذين لم يقدروا أولاً قدرها، بينما حبر من أحبار اليهود عرف قدر هذه الآية الكريمة، ألا وهي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] جاء رجل من أحبار اليهود إلى عمر، قال: يا عمر! آية في كتاب الله لو علينا معشر يهود نزلت لاتخذنا يوم نزولها عيداً، قال له: ما هي؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... ﴾ [المائدة: ٣] إلخ الآية، هو ما جاء في الحديث يقول له: أبشر، لكن كأنه يقول له: أبشر، لقد نزلت هذه الآية في يوم عيدين يوم جمعة ورسول الله على عرفة، نزلت هذه الآية ورسول الله في عرفة ويوم جمعة، فهي عيد فعلاً، فهل عرف المسلمون قدر هذه الآية الكريمة؟ لا والله. إذا كان ربنا يمتن علينا بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] يجب أن نقول: الحمد لله الذي ربنا أكمل لنا الدين ولم يدع لنا مجالاً أن نتوسع في الدين، مع أن الدين عبادة يعني، ولذلك جاء عن إمام المدينة إمام دار الهجرة الإمام مالك قال في فهمه لهذه الآية وتقديره لها حق قدرها ماذا قال؟ ليت المسلمين ينتبهون لكلمة فقط هذا الإمام إذاً لاهتدوا رشداً، قال: من ابتدع في الإسلام بدعة، ليس بدعاً، بدعة واحدة، من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً ﵌ خان الرسالة، لماذا؟ قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] قال مالك في تمام الكلمة التي كما كان يقال قديماً: تكتب بماء الذهب، قال في تمامها: فما لم يكن يومئذٍ ديناً لا يكون اليوم ديناً أبداً، تمام الكلمة الجوهرية هذه؟ ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. إذاً: علينا أن نرجع إلى الآية السابقة، ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا

стр. 3560

السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] من اتباع السبل اتباع البدع، وما معنى اتباع البدع؟ أعتقد أن كل مسلم يعتقد اعتقادي، لا يختلف معي الاختلاف السابق إن شاء الله ألا وهو: أن الله قد شرع للمسلمين من العبادات المفروضة والواجبة والمسنونة والمستحبة والمندوبة ما لا يستطيع أعبد الناس ولو كان داود ﵇ حياً الذي قال عنه الرسول ﵇: داود أعبد البشر، أو أعبد البشر داود عليه لسلام، لو كان حياً لما استطاع أن يأتي بكل هذه العبادات التي شرعها الرسول ﵇ بتمامها، فإذاً: إذا كان الأمر كذلك لماذا الابتداع في الدين، وأعني الدين، أما الدنيا توسعوا فيها ما شئتم، لأن النبي ﵌ ما جاء ليعلمنا الدنيا، بل قد قال صراحة: أنتم أعلم بأمور دنياكم، هو جاء ليعلمنا الدين، فلذلك إذا كان هذا هو الواقع الذي أعتقد أنه لا أحد يخالفني في هذا أن كل العبادات التي جاء بها الرسول ﵇ على اختلاف مراتبها لا يستطيع أعبد الناس أن يقوم بها، فماذا نقول عن كل أفراد المسلمين اليوم بدأً من عندي ونزولاً إلى آخر مسلم، هل هناك أحد يستطيع أن يقوم بهذه العبادات؟ الجواب: لا. إذاً: ماذا سيكون عاقبة التعبد إلى الله ببدعة من البدع؟ يكون عاقبة ذلك أنك كلما تمسكت ببدعة ضيعت سنة، لأنك أنت هذه العبادات الكثيرة المشروعة أنت تنوء بها، ولا تستطيع أن تنهض بها، فكيف تأتي بحمل ثاني على ظهرك؟ ! مثلاً: إنسان في أيام البرد الشديد يلبس على بدنه قميص وفوق منه جاكيت، وفوق الجاكيت بالطو فوق البالطو عباية وإلى آخره حتى لا يكاد يستطيع أن يمشي كما يمشي الناس .. إلخ، فهذا أيضاً يحمل نفسه ثياباً أخرى فيقع باركاً على الركب، هذا شأن من يحمل نفسه من البدع ما لم يشرعه الله ، وهناك سنن وعبادات قد أهملها، وأنا أضرب لكم مثلاً بسيطاً جداً وأرجو أن

стр. 3561

تتحملوني، لأن هذا المثل هو صغير لكن هو عند الله كبير، ومن جهة أخرى هو يوضح لنا كلمة وردت إلينا عن بعض السلف لا يفهمها الناس وهي: ما أحدثت بدعة إلا وأميتت سنة. عامة الناس ما يفهمون هذا الأثر، ولو أنهم فهموه حق فهمه لآمنوا بفهم الحديث على الوجه الصحيح: من سن في الإسلام سنة حسنة، فأنا أضرب لكم مثال: يدخل أحدنا على صاحبه وهو يتوضأ فيقول له: زمزم، فيها شيء هذه إذا قلنا له: لا تقول زمزم أيش فيها يا أخي أنا أدعي له، انتبه ماذا فيها، أنت واجبك أن تتنبه وأن تقوم بالواجب ديناً وهو قوله ﵇: حق المسلم على المسلم خمس: إذا لقيته فسلم عليه، ما سلمت عليه، لماذا؟ قامت البدعة مقام السنة، وهذا والله ما هو سنة هذا واجب، إلقاء السلام على أخيك المسلم هذا واجب، دعاء السلام طاح ما الذي طيح به ورماه أرضاً؟ مداخلة: زمزم حلت محلها؟ الشيخ: نعم، زمزم حلت محلها. مداخلة: ... يجمع بينهما. الشيخ: طيب، لكن انظر هذا الجواب هو للتخلص من الحجة، يا جماعة نحن نعالج الواقع، الواقع اليوم أنه ما أحد يقول له: السلام عليكم زمزم. مداخلة: ... الشيخ: أي نعم، ما أحد يقول هكذا، لأن ربنا يريد يقيم حجته على عباده، ما أحدثت بدعة إلا وأميتت سنة، نحن نجمع بين الثنتين، طيب، إذا جمعت بين الثنتين عندنا جواب ثاني نحن، تكون جمعت بين الطيب والخبيث، لكن الضلال الأكبر أنكم اختصمتم على الخبيث وتركتم الطيب، قد يقول قائل: ما فيها يا أخي، هكذا يقولون: هذا دعاء، ما معنى مزمزم، يعني: إن شاء الله ربنا يوضئك

стр. 3562

وتحج وتعتمر وتشرب من ماء زمزم، وتتوضأ منها، صحيح هذا هو المعنى، أنا أقول خلينا نقول: معارضة، أنا أعارضهم إذا كان يجوز أن أدعو لمن أراه يتوضأ زمزم أنا أقول لهم: كوثر، ما رأيك؟ الكوثر أهم، لماذا أهم؟ لأنه قد يحج لكن يقول له العربي القديم: وما حججت ولكن حجت الإبل، حج هو. الشيخ: لكن لما تدعي له بالكوثر يعني: تشرب من ماء الكوثر، الكوثر كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] ماء في الجنة يجري ويصب في حوض الرسول ﵇ المبشر به، الذي من صفاته أنه من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً، فإذا قلنا لهم: زمزم أهم من هذه، لماذا ماسكين تلك وتاركين هذه، لأن القضية قضية واحدة، أول من ابتدع الشيء مشي وهات يدك وامشي الناس ما يفكروا، هكذا اتباع الناس للبدع، لكن حاشا لله أنا لا أقول لهم كوثر ولا أقول زمزم، وإنما إذا لقيت أخي المسلم أبادره بالسلام، لكن أقول له أحياناً زمزم، وأقول أحياناً كوثر. فأنا أقول أحياناً لماذا؟ إعمالاً لمبدأ الدعاء للأخ المسلم بالخير، لكن لا أتجادل لأنه يكون شَرَعْنا للناس سنة والتزموها وكان من نتائج التزامها إضاعة الواجب، وإخواننا يعرفوا أحياناً نصلي ونطلع ونلتقي، قد أقول لأحدهم وهو يستغرب: تقبل الله، يعرف أن هذه بدعة، لكن أنا أقول له: ما فيه مانع ندعي لك أحياناً ربنا يتقبل دعاء، أما المسلم كمان هذه تسلم على تلك كما يقولون تماماً، اثنين دخلوا المسجد واحد من هذا الباب والثاني من هذا الباب، وصلوا صلاة الجمعة، أو صلاة من الصلوات الخمس، وبعدين التقوا إما في المسجد أو خارج المسجد: تقبل الله، أين السلام؟ راح السلام، ما أحدثت بدعة إلا وأميتت سنة. (الهدى والنور /٢٩٤/ ٤٧: ٠٠: ٠٠)

стр. 3563

لا بدعة حسنة في الإسلام خطر في خاطرة وطالما نبهت على مثلها وهو أنه ينبغي أن يجلسوا بعضهم قريباً من بعض وأن يتضاموا. فسبق أحد إخواننا الحاضرين ملاحظاً هذه السنة الطيبة فجاء بالفراش وتقدم به فبدأ الناس يتبعونه في هذه السنة الطيبة، فتذكرت بهذه المناسبة الحديث الصحيح الذي يسيء فهمه جماهير الناس وبخاصة في هذا الزمان، فخطر في بالي وألقي في نفسي أن أُذَكِّر بشيء من هذا المعنى الذي تضمنه الحديث والذي رأيناه الآن واقعاً وملموساً لمس اليد، أعني بالحديث هو قوله ﵊: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أوزارهم شيء». فلا بد أنكم سمعتم كثيراً من الناس يستشهدون بهذا الحديث على أنه يوجد في الإسلام بدعة حسنة طالما يلجؤون إلى مثل هذا الاستدلال. البدعة الحسنة منصوص زعموا في هذا الحديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة» فنقول نحن قاطعين جازمين: أن هذا الفهم فهم أعجمي باطل، لا يلتقي مع المعنى الصحيح من هذا الحديث أولاً، ثم مع المناسبة التي ذكر الرسول ﵇ الحديث فيها ثانياً. وأذكر أنني في هذا المكان أو في غرفة أخرى كنت طرقت هذا الموضوع

стр. 3564

قديماً، ولكن لا بأس من الإعادة فكما يقال: في الإعادة فائدة، وأتصور أن هناك بعض إخواننا ممن لم يتح لهم في تلك الجلسة القديمة أن يسمعوا مثل هذه الكلمة. فأقول: الحديث المذكور أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه قال: «كنا جلوساً مع النبي ﵌ فجاءه أعراب مجتابي النمار متقلدي السيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر، فلما رآهم رسول الله ﵌ تمعر وجهه» أي: تغيرت ملامح وجهه ﵇ أسىً وحزناً على فقر هؤلاء الأعراب. «فقام ﵊ في أصحابه خطيباً ثم قال: تصدق رجل بدرهمه، بديناره، بصاع بره، بصاع شعيره، ثم تلا قوله ﵎: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]». بعد أن أنهى الرسول ﵇ خطبته هذه انطلق رجل من الحاضرين إلى داره ليعود إلى المجلس فيضع بين يدي الرسول ﵇ ما تيسر له من الصدقة، فلما رأى بقية أصحاب النبي ﵌ ما فعل صاحبهم هذا الأول قام كل منهم أيضاً ينطلق ليعود بما تيسر له من الصدقة، فاجتمع أمام النبي ﵌ من الصدقات كأمثال الجبال هكذا، أي: أكوام. فلما رأى رسول الله ﵌ ذلك تنور وجهه كأنه مذهبة، تنور وجهه كأنه مذهبة أي: كأنه فضة مطلية بالذهب، تلألأ. ثم قال هذا الحديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» الحديث. فأنتم ترون معي بأن النبي ﵌ تلفظ بهذا الحديث الشريف بمناسبة قيام

стр. 3565

الرجل الأول ورجوعه بالصدقة، فلم يكن هناك في المجلس أمر محدث، لم يكن معروفاً عند أصحاب النبي ﵌ وإنما كان بدعة محدثة، لم يكن شيء من ذلك إطلاقاً وإنما كل ما حدث هو أن الرجل الأول فتح الطريق للآخرين بالصدقة المشروعة من قبل وفي تلك اللحظة ذكرهم الرسول ﵇ بالآية السابقة وبقوله وبحثه إياهم بقوله: «تصدق رجل بدرهمه، بديناره، بصاع بره، بصاع شعيره». فإذاً: تفسير هذا الحديث: «من سن في الإسلام» بمعنى: من ابتدع في الإسلام، هذا تفسير خاطئ لا يجوز نسبته إلى النبي ﵌، لأنه لا يلتقي أبداً مع ما وقع في ذلك المجلس من قيام الرجل ورجوعه بالصدقة قبل الآخرين ثم اتباع الآخرين له على تلك الصدقات التي كانت سبباً لكشف الغمة عن أولئك الأعراب، وكان ذلك سبباً مفرحاً للرسول ﵇ حتى تهلل وجهه كأنه مذهبة. فإذاً معنى بإيجاز والبحث يتحمل التطويل جداً جداً، معنى: «من سن في الإسلام سنة حسنة» أي: من فتح طريقاً إلى سنة مشروعة، إلى أمر مشروع «فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» هذا هو معنى الحديث، وليس معناه أن يبتدع الإنسان إحداث عبادة لم تكن معروفة من يوم قال الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. ليس معنى: «من سن» من ابتدع، وإنما من فتح طريقاً إلى سنة معروفة، وعلى العكس الشطر الثاني من الحديث: من فتح طريقاً إلى سنة شريرة، إلى سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.

стр. 3566

فالسنة الحسنة لا تُعْرَف إلا بطريق الشرع، والسنة السيئة لا تُعْرَف إلا بطريق الشرع، فمن فتح طريقاً للسنة الحسنة كان له أجرها وأجر من اتبعه عليها إلى يوم القيامة. ومن فتح طريقاً إلى سنة سيئة معروف سيئتها في الشرع فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، من أجل هذا وغيره قال إمام دار الهجرة - وبكلمتي أختم هذه الكلمة -: من ابتدع في الإسلام بدعة أي واحدة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً ﵌ خان الرسالة، اقرؤوا قول الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] قال مالك: فما لم يكن يومئذ ديناً لا يكون اليوم ديناً، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها .. (الهدى والنور / ٣١٥/ ٥٢: ٢١: ٠٠)

стр. 3567

لا بدعة حسنة في الإسلام الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. موضوعي في هذا الصباح المبارك إن شاء الله يدور حول مسألة طالما اختلفت أنظار العلماء المتأخرين منهم بخاصة في جملة من خطبة الحاجة التي

стр. 3568

سمعتموها آنفاً، وكان نبينا صلوات الله وسلامه عليه يفتتح بها خطبه كلها وبخاصة منها خطبة الجمعة، وأعني بذلك من هذه الخطبة: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» فإن كثيراً من العلماء المتأخرين ذهبوا إلى تقسيم البدعة إلى خمسة أقسام وهم بذلك يضطرون إلى أن يقولوا: إن قوله ﵌: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» من العام المخصوص، ومعنى هذا الكلام: أنه ليس الأمر على هذا الإطلاق والشمول لكون كل بدعة ضلالة بل بعد أن تأولوا هذه الجملة على أنها من العام المخصوص تصبح عبارتها على العكس من صريح دلالتها تماماً، أي: ليس كل بدعة ضلالة. ومع ما في هذا التأويل من إخراج الكلام عن دلالته الظاهرة فينبغي علينا أن نعرف شبهة هؤلاء العلماء من المتأخرين الذي تأولوا قول النبي ﵌: «كل بدعة ضلالة» بما سمعتم. إن الكلام حول الشبهات التي يميل إليها ويجنح إليها أولئك الناس كثيرة لكني أريد أن أُخَصِّص هذه الجلسة بحديث صحيح يتكئون عليه فيما يذهبون إليه مما ذكرته آنفاً وخلاصة ذلك: أن في الإسلام بدعة حسنة، ومن أقوى أدلتهم وروداً وليس دلالة إنما هو الحديث الصحيح المشهور: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أوزارهم شيء». هذا الحديث هو كما قلت آنفاً: من أقوى أدلتهم من حيث الرواية، وحينما أقول: من حيث الرواية فإنما أعني ما أقول وأقصد ما أقول؛ ذلك لأن هذا الحديث حينما نتأمل في سبب وروده أولاً، وفي التحقيق في معناه ثانياً ينقلب

стр. 3569

الحديث حجة عليهم من حيث دلالته. أول ذلك: أن نتذكر سبب قول النبي ﵌، أو أن نتذكر المناسبة التي فيها قال ﵊ هذا الحديث الصحيح، والحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه والإمام أحمد في مسنده وغيرهما من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه، قال: «كنا جلوساً مع النبي ﵌ فجاءه أعراب مجتابي النمار .. متقلدي السيوف .. عامتهم من مضر بل كلهم من مضر» قال جرير: فلما رآهم رسول الله ﵌ تمعر وجهه، أي: تغيرت معالم وجهه أسفاً وحزناً على ما رأى عليهم من آثار الفقر فما كان منه ﵊ إلا أن خطبهم فوعظهم وأمرهم بأن يتصدق أصحابه على هؤلاء الطارقين للمدينة من فقراء الأعراب من مضر، فقرأ في جملة ما قرأ ﵊: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]، وقال ﵌ في خطبته: «تصدق رجل بدرهمه .. بديناره .. بصاع بره .. بصاع شعيره» فقام رجل أول من قام من الحاضرين استجابة منه لموعظة النبي ﵌ فذهب إلى داره ليعود بما تيسر له من صدقة ووضع ذلك بين يدي النبي ﵌، فلما رأى سائر أصحابه ما فعل هذا اقتدوا به وانطلقوا أيضاً ليعود كل منهم بما تيسر من الصدقة، قال جرير: فاجتمع أمام النبي ﵌ من الصدقات كالجبال، أي: الأكوام، فلما رأى ذلك رسول الله ﵌ تَنَوَّر وجهه كأنه مذهبة على خلاف ما كانت حال النبي ﵌ حينما جاؤوا الأعراب فهناك تمعر وجهه .. تغيرت ملامح وجهه حزناً، أما هنا فتنور وجهه ﵇ فرحاً يشبه ذلك جرير بقوله: كأنه مذهبة، أي: كأنه فضة مطلية بالذهب تلألأ، فما رأى ذلك رسول الله ﵌ قال الحديث السابق: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص

стр. 3570

من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أوزارهم شيء». فإذا رجعنا إلى سبب قوله ﵇ لهذا الحديث أو سبب وروده وتأملنا فيه لم نجد هناك شيئاً حدث من العبادات أو الطاعات لم تكن معروفة من قبل .. لم نجد هناك سوى الصدقة حيث أن النبي ﵌ ذكرهم بالآية المذكورة بما يجب عليهم من الصدقة وأتبعها بكلام من عنده ﵇ حضاً ولو على الصدقة القليلة كما جاء في الحديث الصحيح: «تصدقوا ولو بشق تمرة». فموضوع الحديث كما ترون هو حول الصدقة فإذا رجعنا وفسرنا الحديث فصلاً له عن سبب وروده فقلنا كما يقول أولئك المتأخرون: «من سن في الإسلام سنة حسنة» أي: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة إن فسرنا حديثه ﵇ هذا بهذا التفسير تباين التفسير مع الواقع؛ لأن الواقع ليس فيه بدعة تذكر مطلقاً، كل ما فيه هو حضه ﵊ على الصدقة وتجاوب الصحابة معه على الإتيان بها، كل ما في الأمر أن رجلاً واحداً منهم تقدم البقية بالإتيان بالصدقة فتبعه الآخرون، فمن أجل أن هذا الرجل الأول هو الذي قام قبل كل آخر وجاء بالصدقة فتنشط الآخرون لهذه الصدقة وتبعوه على ذلك فقال ﵊: «من سن في الإسلام سنة حسنة» أي: يكون معنى الحديث على خلاف المعنى الخلفي المبتدع الداخل أيضاً في عموم قوله ﵇: «كل بدعة ضلالة» يكون قولهم: «من سن في الإسلام سنة حسنة» أي: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة أيضاً هذا التفسير هو مبتدع في الإسلام لماذا؟ لأن المعنى الصحيح لهذا الحديث: من سن لغة: من فتح طريقاً .. من سن في الإسلام سنة حسنة ... وهل فتح الطريق إلى أمر مشروع بالكتاب وبالسنة أماته

стр. 3571

الناس مع الزمن أو مع الغفلة فقام رجل فأحيا هذه السنة المنصوص عليها في الكتاب والسنة يقال فيه: لقد ابتدع في الإسلام بدعة حسنة؟ كلا ثم كلا، إنما جاء بأمر مشروع مسبقاً وإنما الشيء الجديد في الموضوع أنه أحيا هذه السنة. فإذاً: إذا رجعنا فقط إلى سبب الحديث عرفنا بطلان ذلك التأويل الذي كان من الأسباب القوية على تخصيص عموم قوله ﵌: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» هذا هو السبب الأول الذي يدل دلالة واضحة على بطلان التأويل المذكور. السبب الثاني: إذا وقفنا عند متن الحديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة» وتمام الحديث: «ومن سن في الإسلام سنة سيئة» فسنقول للمتأولين لهذا الحديث على غير تأويله الصحيح: ما هو طريق معرفة السنة الحسنة والسنة السيئة آلعقل أم الشرع؟ إن كان من أهل السنة حقاً فسيكون الجواب: طريق معرفة الحسنة والسيئة إنما هو الشرع فقط ولا مجال للعقل في ذلك إطلاقاً خلافاً للمعتزلة قديماً وحديثاً .. المعتزلة قديماً اسماً ومسمىً والمعتزلة حديثاً مسمىً لا اسماً وهم كثيرون وينطوون تحت أسماء كثيرة وكثيرة جداً يوهمون الجماهير بها أنهم على السنة. إذا كان ما يقوله المعتزلة وهو مما انفصلوا فيه عن أهل الحديث وأهل السنة حقاً ألا وهو قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين .. إذا كان قولهم هذا من جملة ضلالهم الذي حشرهم في فرقة من الفرق المنصوص عليها في حديث: «وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» وخرجوا بذلك عن كونهم من الفرقة الناجية؛ لأنهم اتبعوا عقولهم وأهواءهم وخرجوا عن الجماعة وعن الفرقة الناجية التي تقول: ليس للعقل دخل في التحسين والتقبيح وإنما وظيفته فقط أن

стр. 3572

يفهم الحسن والقبيح فيأتي بالحسن ويدع القبيح. إن أهل الاعتزال انفصلوا على أهل السنة وأهل الحديث حتى من كان من أهل السنة في بعض المسائل قد انجرف مع الاعتزال في بعض مسائلهم، أما في هذه المسألة فقد ضلوا الجماعة أن التحسين والتقبيح العقليين باطل وأن الحسن والسيئ لا سبيل لمعرفته إلا بالشرع، إذا كان هذا أمراً متفقاً عليه بين أهل السنة وحينئذٍ نقول لهؤلاء الذين فسروا الحديث بالتفسير الخطأ: من سن بمعنى: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة سنقول الآن: ندع مناقشتكم في اللفظ .. في التعبير من ابتدع؛ لأنني قلت في بعض المحاضرات في مثل هذا البحث: لو أن عربياً بل أعجمياً مثلي استعرب وقال بمثل تلك المناسبة التي قال الرسول ﵌ تلك الجملة .. لو قال أعجمي قد استعرب: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة لا شك أنه يقال في حقه: لقد غلبت عليه العجمة؛ لأنه ليس هناك بدعة ليسوغ له أن يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة فكيف ينسب إلى النبي ﵌ وهو بحق أفصح من نطق بالضاد .. كيف ينسب إليه بمناسبة قيام ذلك الرجل الأول وإتيانه بالصدقة .. قال ﵇ ما معناه عندهم: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة فأين البدعة في هذه الحادثة؟ عار على الأعجمي المستعرب أن يقول مثل هذا المعنى بمثل هذه المناسبة فكيف ينسب هذا المعنى إلى أفصح من نطق بالضاد ﵌. فنعود لنقول: إذا كان الحسن والقبح لا يعرف إلا بطريق الشرع فحينئذٍ إذا سلموا معنا ولا شك أن الذين ينتمون إلى أهل السنة هم معنا في هذه الجزئية على الأقل، وهي: أن التحسين والتقبيح العقليين باطل وأن التحسين والتقبيح إنما هو بالنقل عن الشرع، حينئذٍ سنقول: كلما جئتم ببدعة وزعمتم بأنها حسنة

стр. 3573

قلنا لكم: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] فإن نهض برهانهم على إثبات ما ادعوه من حسن تلك البدعة سلمنا لهم؛ لا لأنها بدعة داخلة في عموم قوله ﵊: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وإنما لأنه قام الدليل الشرعي على أن ذلك الأمر الذي حسنوه هو أمر مشروع فنحن في هذه الحالة نكون قد اتبعنا النبي ﵌ في دعوته العامة التي كان يشير إليها قبيل قوله: «كل بدعة ضلالة» حيث كان يقول: «وخير الهدى هدى محمد ﵌، وإياكم ومحدثات الأمور» إلى آخر الحديث. كذلك نقول في تمام الحديث: «ومن سنة في الإسلام سنة سيئةً» من عجائب هؤلاء المبتدعة في آخر الزمان أنهم حينما يستحسنون أمراً حادثاً يلجؤون إلى عقلهم وهم بذلك ينقضون أصلهم وهو أن التحسين لله وليس لعباد الله، كذلك على العكس من ذلك: حينما يقولون ببعض المحدثات من الأمور بأنها من البدع ويحذرون الناس منها وبخاصة إذا كان هؤلاء الناس من أهل السنة الذين يحرصون على أن لا يزيدوا على ما جاء به الرسول ﵌ شيئاً .. أن يزيدوا شيئاً على ما جاء به الرسول ﵇ من العبادات. يقول هؤلاء الذين لم يحسنوا فهم هذا الحديث: أنت تقول: إن الزيادة الفلانية مثلاً بدعة، ماذا فيها يا أخي؟ ما هو مثلاً إلا الذكر وإلا الصلاة على النبي ﵌، تركوا أصلهم من القول بأن التحسين والتقبيح لله وأصبحوا معتزلة بحيث أنهم حكموا عقلهم بقولهم: ماذا فيها يا أخي؟ ثم يعودون ليقولوا: يا أخي! هذه الساعة التي تحملها والسيارة التي تركبها هذه أيضاً من البدع فكيف تقر هذا وتنكر ذاك؟ ! هذه غفلة خطيرة وخطيرة جداً، أولاً: عما نحن فيه من بيان معنى الحديث

стр. 3574

الصحيح: «من سن في الإسلام سنة حسنة» دل الإسلام على حسنها «ومن سن في الإسلام سنة سيئة» دل الإسلام على أنها سيئة، فهل مثلاً استعمال الساعة أو السيارة أو كل هذه الوسائل الحديثة اليوم التي أقل ما يقال أنها يمكن استعمالها فيما يباح فضلاً عن أنه يمكن استعمالها فيما يشرع .. هل هذه الوسائل التي حدثت تدخل في عموم قوله ﵊: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار»؟ هذا في الواقع يتطلب منا وقفة قد تطول من أجل دفع هذه الشبهة، وهي أن بعض المحدثات قد تكون من الواجبات على الرغم من كونها محدثات لم تكن من قبل ولكننا لا نقول مع حدوثها بأنها بدعة؛ لأن البدعة مذمومة ذماً عاماً في الحديث الذي ذكرناه في مطلع هذه الكلمة وفي غيره من الأحاديث الصحيحة. فلتمييز ما يشرع مما حدث بعد النبي ﵌ وهو ليس من البدعة بسبيل وبين ما حدث بعده ﵊ وهو كما قال: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» أوجل ذلك في مناسبة أخرى إن شاء الله؛ لأني أرى بعض الأجفان قد بدأ النوم يداعبها؛ ولذلك أقول: فنظرة إلى ميسرة والسلام عليكم. (الهدى والنور /٣٩٠/ ٤٥: .. : .. )

стр. 3575

الاستدلال بقول عمر: نعمت البدعة هي على البدعة الحسنة السائل: أحد ممن يقول بأن هناك بدعة حسنة في الإسلام، يقول إذا ما قلنا بأن هناك بدعة حسنة في الإسلام سوف نقول إن عمر بن الخطاب ﵁ عندما قال نعمت البدعة هي، أنه قد ابتدع في الدين، فكيف نرد عليه جزاك الله خيرأ؟ الشيخ: الرد معلوم، ونسأل الله أن يعلمنا، أولاً يجب أن نلفت النظر هل عمر ابن الخطاب هو يُوْحَى إليه ويُبَلِّغنا الشرع أم هو رسول الله؟ الجواب بالإجماع هو رسول الله، إذا الأمر كذلك فهل نبدأ بتلقي الدين ومنه هذا الموضوع من عمر والا من نبي عمر؟ الجواب أيضاً بداهة من نبي عمر، وها نحن قد فعلنا فتكلمنا في هذه المسألة انطلاقاً من قوله تعالى في الآية السابقة ﴿فمن كان يرجوا﴾ إلى آخره ثم بخطبة الحاجة ثم ثم إلى آخره، فماذا يكون موقف هذا الإنسان الذي قال ما قلت عنه إذا لم نقل بالبدعة الحسنة نكون ماذا خالفنا عمر، فإذا قلنا بالبدعة الحسنة خالفنا الرسول وخالفنا القرآن وخالفنا، أقول أولئك الصحابة، أقول هذا كجواب رقم واحد، وهو من باب لفت النظر أنه ليس من هنا البداية يا أخي بأخذ العلم نبدأ كما أنهينا الكلام آنفاً العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة، ونحن قلنا قال الله قال رسول الله قال الصحابة، فمن لم يقتنع بكل هذه الأدلة، فهذا لن يقتنع بدليل يأتي من طريق صحابي هو عمر أو غير عمر، هذا
следующие страницы →