← Акыда

Акыда · id 145205

جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى

ناصر الدين الألباني

Полный текст (5 605 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

الناس مع الزمن أو مع الغفلة فقام رجل فأحيا هذه السنة المنصوص عليها في الكتاب والسنة يقال فيه: لقد ابتدع في الإسلام بدعة حسنة؟ كلا ثم كلا، إنما جاء بأمر مشروع مسبقاً وإنما الشيء الجديد في الموضوع أنه أحيا هذه السنة. فإذاً: إذا رجعنا فقط إلى سبب الحديث عرفنا بطلان ذلك التأويل الذي كان من الأسباب القوية على تخصيص عموم قوله ﵌: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» هذا هو السبب الأول الذي يدل دلالة واضحة على بطلان التأويل المذكور. السبب الثاني: إذا وقفنا عند متن الحديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة» وتمام الحديث: «ومن سن في الإسلام سنة سيئة» فسنقول للمتأولين لهذا الحديث على غير تأويله الصحيح: ما هو طريق معرفة السنة الحسنة والسنة السيئة آلعقل أم الشرع؟ إن كان من أهل السنة حقاً فسيكون الجواب: طريق معرفة الحسنة والسيئة إنما هو الشرع فقط ولا مجال للعقل في ذلك إطلاقاً خلافاً للمعتزلة قديماً وحديثاً .. المعتزلة قديماً اسماً ومسمىً والمعتزلة حديثاً مسمىً لا اسماً وهم كثيرون وينطوون تحت أسماء كثيرة وكثيرة جداً يوهمون الجماهير بها أنهم على السنة. إذا كان ما يقوله المعتزلة وهو مما انفصلوا فيه عن أهل الحديث وأهل السنة حقاً ألا وهو قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين .. إذا كان قولهم هذا من جملة ضلالهم الذي حشرهم في فرقة من الفرق المنصوص عليها في حديث: «وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» وخرجوا بذلك عن كونهم من الفرقة الناجية؛ لأنهم اتبعوا عقولهم وأهواءهم وخرجوا عن الجماعة وعن الفرقة الناجية التي تقول: ليس للعقل دخل في التحسين والتقبيح وإنما وظيفته فقط أن

стр. 3572

يفهم الحسن والقبيح فيأتي بالحسن ويدع القبيح. إن أهل الاعتزال انفصلوا على أهل السنة وأهل الحديث حتى من كان من أهل السنة في بعض المسائل قد انجرف مع الاعتزال في بعض مسائلهم، أما في هذه المسألة فقد ضلوا الجماعة أن التحسين والتقبيح العقليين باطل وأن الحسن والسيئ لا سبيل لمعرفته إلا بالشرع، إذا كان هذا أمراً متفقاً عليه بين أهل السنة وحينئذٍ نقول لهؤلاء الذين فسروا الحديث بالتفسير الخطأ: من سن بمعنى: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة سنقول الآن: ندع مناقشتكم في اللفظ .. في التعبير من ابتدع؛ لأنني قلت في بعض المحاضرات في مثل هذا البحث: لو أن عربياً بل أعجمياً مثلي استعرب وقال بمثل تلك المناسبة التي قال الرسول ﵌ تلك الجملة .. لو قال أعجمي قد استعرب: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة لا شك أنه يقال في حقه: لقد غلبت عليه العجمة؛ لأنه ليس هناك بدعة ليسوغ له أن يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة فكيف ينسب إلى النبي ﵌ وهو بحق أفصح من نطق بالضاد .. كيف ينسب إليه بمناسبة قيام ذلك الرجل الأول وإتيانه بالصدقة .. قال ﵇ ما معناه عندهم: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة فأين البدعة في هذه الحادثة؟ عار على الأعجمي المستعرب أن يقول مثل هذا المعنى بمثل هذه المناسبة فكيف ينسب هذا المعنى إلى أفصح من نطق بالضاد ﵌. فنعود لنقول: إذا كان الحسن والقبح لا يعرف إلا بطريق الشرع فحينئذٍ إذا سلموا معنا ولا شك أن الذين ينتمون إلى أهل السنة هم معنا في هذه الجزئية على الأقل، وهي: أن التحسين والتقبيح العقليين باطل وأن التحسين والتقبيح إنما هو بالنقل عن الشرع، حينئذٍ سنقول: كلما جئتم ببدعة وزعمتم بأنها حسنة

стр. 3573

قلنا لكم: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] فإن نهض برهانهم على إثبات ما ادعوه من حسن تلك البدعة سلمنا لهم؛ لا لأنها بدعة داخلة في عموم قوله ﵊: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وإنما لأنه قام الدليل الشرعي على أن ذلك الأمر الذي حسنوه هو أمر مشروع فنحن في هذه الحالة نكون قد اتبعنا النبي ﵌ في دعوته العامة التي كان يشير إليها قبيل قوله: «كل بدعة ضلالة» حيث كان يقول: «وخير الهدى هدى محمد ﵌، وإياكم ومحدثات الأمور» إلى آخر الحديث. كذلك نقول في تمام الحديث: «ومن سنة في الإسلام سنة سيئةً» من عجائب هؤلاء المبتدعة في آخر الزمان أنهم حينما يستحسنون أمراً حادثاً يلجؤون إلى عقلهم وهم بذلك ينقضون أصلهم وهو أن التحسين لله وليس لعباد الله، كذلك على العكس من ذلك: حينما يقولون ببعض المحدثات من الأمور بأنها من البدع ويحذرون الناس منها وبخاصة إذا كان هؤلاء الناس من أهل السنة الذين يحرصون على أن لا يزيدوا على ما جاء به الرسول ﵌ شيئاً .. أن يزيدوا شيئاً على ما جاء به الرسول ﵇ من العبادات. يقول هؤلاء الذين لم يحسنوا فهم هذا الحديث: أنت تقول: إن الزيادة الفلانية مثلاً بدعة، ماذا فيها يا أخي؟ ما هو مثلاً إلا الذكر وإلا الصلاة على النبي ﵌، تركوا أصلهم من القول بأن التحسين والتقبيح لله وأصبحوا معتزلة بحيث أنهم حكموا عقلهم بقولهم: ماذا فيها يا أخي؟ ثم يعودون ليقولوا: يا أخي! هذه الساعة التي تحملها والسيارة التي تركبها هذه أيضاً من البدع فكيف تقر هذا وتنكر ذاك؟ ! هذه غفلة خطيرة وخطيرة جداً، أولاً: عما نحن فيه من بيان معنى الحديث

стр. 3574

الصحيح: «من سن في الإسلام سنة حسنة» دل الإسلام على حسنها «ومن سن في الإسلام سنة سيئة» دل الإسلام على أنها سيئة، فهل مثلاً استعمال الساعة أو السيارة أو كل هذه الوسائل الحديثة اليوم التي أقل ما يقال أنها يمكن استعمالها فيما يباح فضلاً عن أنه يمكن استعمالها فيما يشرع .. هل هذه الوسائل التي حدثت تدخل في عموم قوله ﵊: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار»؟ هذا في الواقع يتطلب منا وقفة قد تطول من أجل دفع هذه الشبهة، وهي أن بعض المحدثات قد تكون من الواجبات على الرغم من كونها محدثات لم تكن من قبل ولكننا لا نقول مع حدوثها بأنها بدعة؛ لأن البدعة مذمومة ذماً عاماً في الحديث الذي ذكرناه في مطلع هذه الكلمة وفي غيره من الأحاديث الصحيحة. فلتمييز ما يشرع مما حدث بعد النبي ﵌ وهو ليس من البدعة بسبيل وبين ما حدث بعده ﵊ وهو كما قال: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» أوجل ذلك في مناسبة أخرى إن شاء الله؛ لأني أرى بعض الأجفان قد بدأ النوم يداعبها؛ ولذلك أقول: فنظرة إلى ميسرة والسلام عليكم. (الهدى والنور /٣٩٠/ ٤٥: .. : .. )

стр. 3575

الاستدلال بقول عمر: نعمت البدعة هي على البدعة الحسنة السائل: أحد ممن يقول بأن هناك بدعة حسنة في الإسلام، يقول إذا ما قلنا بأن هناك بدعة حسنة في الإسلام سوف نقول إن عمر بن الخطاب ﵁ عندما قال نعمت البدعة هي، أنه قد ابتدع في الدين، فكيف نرد عليه جزاك الله خيرأ؟ الشيخ: الرد معلوم، ونسأل الله أن يعلمنا، أولاً يجب أن نلفت النظر هل عمر ابن الخطاب هو يُوْحَى إليه ويُبَلِّغنا الشرع أم هو رسول الله؟ الجواب بالإجماع هو رسول الله، إذا الأمر كذلك فهل نبدأ بتلقي الدين ومنه هذا الموضوع من عمر والا من نبي عمر؟ الجواب أيضاً بداهة من نبي عمر، وها نحن قد فعلنا فتكلمنا في هذه المسألة انطلاقاً من قوله تعالى في الآية السابقة ﴿فمن كان يرجوا﴾ إلى آخره ثم بخطبة الحاجة ثم ثم إلى آخره، فماذا يكون موقف هذا الإنسان الذي قال ما قلت عنه إذا لم نقل بالبدعة الحسنة نكون ماذا خالفنا عمر، فإذا قلنا بالبدعة الحسنة خالفنا الرسول وخالفنا القرآن وخالفنا، أقول أولئك الصحابة، أقول هذا كجواب رقم واحد، وهو من باب لفت النظر أنه ليس من هنا البداية يا أخي بأخذ العلم نبدأ كما أنهينا الكلام آنفاً العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة، ونحن قلنا قال الله قال رسول الله قال الصحابة، فمن لم يقتنع بكل هذه الأدلة، فهذا لن يقتنع بدليل يأتي من طريق صحابي هو عمر أو غير عمر، هذا

стр. 3576

الجواب رقم واحد: الأصل أن نعود للكتاب والسنة وأقوال الصحابة، لكي نكون على سبيل المؤمنين كما ذكرنا آنفاً. لكن الجواب الثاني وهو يعني دقيق وعلمي وإنما لجأت إلى الجواب الأول لأنه مفهوم عند كل مسلم أن عمر كان مشركاً كان من ألد أعداء الإسلام ثم هداه الله بمن بنبيه ﵊، فنحن نهتدي به وليس بعمر، لكن حاشا عمر أن يقول قولاً على خلاف ما قال النبي ﵌ لكن الناس لبعدهم عن العلم كما يسيئون فهم أحاديث الرسول ويقولون الرسول قال كذا، فمن باب أولى أنهم يسيئون فهم قول عمر، والآن ما دام جاء هذا السؤال فلا بد من توضيح الجواب عليه، نحن قلنا آنفاً بأنه لا يجوز لمسلم أن يأتي ببدعة لم يفعلها رسول الله ﵌ ولا الصحابة، ترى هل ما سماه عمر بدعة يصدق عليه ما قلناه نحن آنفاً؟ الجواب لا، ذلك حينما قال عمر ابن الخطاب نعمت البدعة هذه، في ماذا قال؟ قال في صلاة القيام صلاة التراويح، تسمى اليوم بصلاة التراويح، وهي قديماً تعرف بصلاة القيام في رمضان، كما قال ﵇: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه»، الآن نسأل هذا السائل: هل قيام رمضان بدعة في المعنى الذي ذكرناه آنفاً ما الرسول ﵇ جاء بها ولا تقرب إلى الله بها، ولا فعله أصحاب رسول الله ﵌، هيهات هيهات إن هذه العبادة قيام رمضان يكفيكم في فضلها الحديث السابق «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» يضاف إلى ذلك أن النبي ﵌ قام رمضان ثلاث ليال ولا بد هنا من وقفة قصيرة قيام رمضان لا يختلف عن قيام سائر ليالي السنة فكما يشرع قيام ليالي رمضان كذلك يشرع قيام ليالي كل الشهور من شعبان من رجب من جماد ثاني جماد أول إلى آخره بفارق واحد، الفارق الواحد أن قيام رمضان يمتاز على القيام في سائر ليالي السنة بأنه يشرع التجمع فيها كما هو الشأن في

стр. 3577

الفرائض، أما القيام في سائر الأشهر لا يشرع فيها التداعي والتجمع لصلاة القيام جماعة هذا هو الفارق، فإذاً صلاة القيام فعلها الرسول ﵇ في كل أيام وفي كل ليالي السنة وكذلك فعل في رمضان، كان يصلي في بيته كما كان يصلي في كل أشهر السنة، ولكن التشريع لإرادة الله أن يشرع لعباده هذا التكتل في قيام الليل في رمضان فقط ألهم نبيه صلى الله عليه وعلى اله وسلم أن يخرج ويصلي في المسجد خلافاً لعادته في أول رمضان وفي كل الليالي غير رمضان، فلما رآه الصحابة في أول ليلة اقتدوا خلفه، انتشر الخبر ثاني يوم أن الرسول صلى بالأمس الليل جماعة في المسجد فكثر الناس في الليلة الثانية؛ وفي الليلة الثالثة، غص المسجد بالمصلين إذاً هذه ثلاث ليالي سن فيها النبي ﵌ للمسلمين صلاة الجماعة في قيام رمضان، فهل هذه بدعة؟ حاشا ثم اجتمع الناس في الليلة الرابعة فانتظروا وانتظروا ما خرج الرسول ﵇، بعض من لم يتخلق بعد بأخلاق الإسلام لأنه لم يصحب الرسول ﵇ تلك الصحبة المديدة الطويلة المباركة ضاقوا ذرعاً بانتظار الرسول ﵇، ليخرج عليهم فأخذوا من الحصب فأخذوا يرمون بها باب حجرته ﵊ لا شك أن هذا إخلال بالأدب مع الرسول ﵌، ولكنهم عذرهم بعد ما عرفوا الآداب الإسلامية كما ينبغي، فخرج ﵊ مغضباً أما إنه لم يخف علي مكانكم هذا، وإني عمداً فعلت، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ولم يعد الرسول ﵇ خرج بعد ذلك ليصلي بالناس جماعة ثم لم يدرك ﵊ في حياته المباركة رمضان الثاني فقد جاءه الأجل في ربيع الأول، وبويع أبو بكر الصديق وعاش في خلافته سنتين ونصف تقريباً، والناس يصلون في المسجد زرافات ووحدانا وهكذا شطراً من خلافة عمر، وكما تعلمون من حرص عمر ابن

стр. 3578

الخطاب رضي الله تعالى عنه على سياسة الأمة والبحث والتفتيش عن مصالحها خرج يتحسس ليلة فرآهم يصلون هكذا زرافات ووحدانا فقال لو جمعناهم لو جمعناهم على إمام واحد ثم بدا له ذلك فأمر أبي ابن كعب رضي الله تعالى عنه أن يؤم الرجال وأمر رجل آخر أن يؤم النساء، ثم خرج أيضاً كعادته يتتبع الأخبار فرآهم يصلون جماعة واحدة ووراء إمام واحد فَسُرَّ بذلك، وقال تلك الكلمة التي أساء بعض الناس فهمها، وضربوا بها تلك الأساطيل وتلك الأدلة القاطعة في ذم كل بدعة في الدين قال نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل لفهم هذه الجملة الأخيرة ثم نعود إلى الجملة الأولى لا بد من وقفة يسيرة، قال: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل، ماذا يقصد؟ يشير ﵁ أن قيام الليل له وقتان وقت الجواز ووقت الأفضلية، وقت الجواز بعد صلاة العشاء، الأفضلية آخر الليل، آخر الليل يكون الناس نائمين، لذلك قال: والتي ينامون عنها أفضل. بعد هذا التوضيح ماذا يعني عمر ابن الخطاب: «نعمت البدعة هذه»؟ أنا أقول الآن إما أن يعني ما يظن هؤلاء، وأنا أقولها صراحة [هؤلاء] جهلة أولاً جهلة بالأدلة التي قدمناها، وثانياً جهلة باللغة العربية، لأن كلمة بدعة تنقسم إلى قسمين بدعة شرعية، وبدعة لغوية، فالبدعة الشرعية بالتقسيم السابق إن كانت في الدين فكلها سيئة كما سمعتم، وإن كانت في الدنيا فهي تُقَاس بالأدلة العامة، إن كانت مباحة داخل في أدلة إباحة فهي مباحة، في التحريم فهي محرمة، إلى آخره، مثلاً السينمايات هذه بلا شك هذه لغةً بدعة لكنها محرمة لما فيها من المفاسد إلى آخره، لكن مثلاً الخبز الذي نأكله اليوم والأواعي التي يصنع بها هذه الخبز المرقق، وقديماً ضربوا مثلاً للبدعة المباحة «المنخل» لأن المنخل هذا الدقيق الذي يخرج الطحين ونحوه هذا ما كانوا يعرفونه حتى السيدة عائشة قالت

стр. 3579

لما سُئلت كيف كنتم تنخلون الشعير قالت: بالنفخ، وهذه طريقة بدائية موجودة في بعض القرى الفلاحين فهذه يعني بدعة لغةً: هي كلها بدعة، ولكن ليس كل ما يطلق عليه لفظة البدعة لغة تكون محرمة أو تكون ضلالة أو تكون مباحة، لا بد من استعمال الموازين الشرعية فإذا كانت البدعة عبادة في الدين فهي ضلالة، وهذا كان موضوعنا السابق وإذا كان ليس بالدين فيقاس بالأحكام الشرعية، كما ضربنا مثلاً آنفاً مباحة؟ إذاً محرمة لما فيها من مخالفات للشريعة. فالآن هنا ما يمكن لإنسان يفقه من العربية شيئاً خاصة بعد أن عرفنا أن الرسول ﵇ سَنَّ للناس صلاة القيام بعامة في رمضان وغير رمضان فلا يقال إن صلاة القيام في الليل بدعة ثم سن لهم بصورة خاصة التجمع لصلاة جماعة في رمضان، فلا يقال أيضاً هذه بدعة نحن ما نقول أنها بدعة، فعمر الذي عاش مع الرسول ﵇ يتصور أن يسمي هذه العبادة بالبدعة حاشا لله، أنا أقول الكلمة لكن لست الآن في حاجة إليها خشية الاستطراد كثيراً وكثيراً. الشاهد إذاً: إذا كان عمر يستحيل أن يسمي عبادة شرعها الله على لسان نبيه وطبقها هو بداره أن يسميها بدعة، إذاً ما معنى قوله نعمت البدعة هذه؟ هنا الجواب: علمنا أن الرسول ترك هذه الجماعة، وعلمنا أن أبا بكر الصديق في كل خلافته ما كانوا يصلون هذه الجماعة، فإذاً هذا أمر كان أمراً متروكاً فلما أحيا عمر هذه السنة صارت أمراً حادثاً بالنسبة لما قبل ذلك، فسماه بدعة، لأن البدعة باللغة هو الشيء الحادث، ولذلك فمن أسماء الله المضافة إليه بديع السموات، أي أوجدها بعد أن لم تكن، فهكذا البدعة في اللغة هو الأمر الحادث، ولكن ليس كل أمر حادث ضروري أنه يكون بدعة ضلالة، بل وليس كل أمر حادث ضروري أن يكون بدعة محرمة، وإنما كما قلنا تطبق عليها الأحكام

стр. 3580

الشرعية، ما كان بدعة في العبادة فقد أتم الله لنا النعمة كما سمعتم (انقطاع) بدعة في غير عبادة في الدنيا حينئذٍ تقاس بحكم من أحكام الشريعة المعروفة وهي الخمسة فإذاً هذا الذي قال ما نقلت عنه هو أولاً لم يفهم معنى البدعة في اللغة، وثانياً لم يقدر عمر ابن الخطاب في علمه وفي صحبته لنبيه حق قدره، ولذلك تَصَوَّر أن عمر ابتدع في الإسلام بدعة ضلالة، ولذلك ما يجوز بزعمه أن نقول: «كل بدعة ضلالة»، حاشا لله ما ابتدع عمر شيئاً إطلاقاً، وإنما أحيا سنة، وهنا يأتي الحديث السابق الذي ذكرته لكم في الحديث الأول «من سن في الإسلام سنة حسنة» عفواً: «ما رآه المسلمون» هذا الحديث الأول ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وشرحنا لكم أنه ليس حديثاً مرفوعاً للرسول، وبينا لكم معناه لا صلة له بالموضوع «بدعة حسنة» هذا الحديث الثاني، هنا ينطبق على عمر وهو قوله ﵊: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أجورهم شيء» فعمر الآن أحيا سنة حسنة، ومن هنا نقول الاستهزاء بهذا الحديث لضرب تلك الأساطيل من الأدلة القاطعة في ذم كل بدعة في الدين هذا جهل كجهل ذاك الذي نسب إلى عمر أنه ابتدع القيام في صلاة التراويح جماعة، لماذا؟ لأسباب كثيرة وكثيرة جداً ولا أريد أيضاً أن أُطيل، لكن يكفينا الآن الإجمال، قال ﵇: «من سن في الإسلام سنة حسنة» نقف هنا، وفي السطر الثاني من حديث «ومن سن في الإسلام سنة سيئة» نقول الآن ما هو السبيل، ما هو الطريق لمعرفة السنة الحسنة من السنة السيئة؟ هذا سؤال كما يقولون يطرح نفسه الآن، الجواب: لا بد أن يكون على وجه من وجهين اثنين لا ثالث لهما، إما أن يكون العقل هو المرجع في التحسين والتقبيح، وهذا مذهب المعتزلة، كما هو معروف عند أهل السنة، أي هم يقولون بالتحسين والتقبيح العقليين عقلياً، وهذا ضلال وأهل السنة

стр. 3581

يقولون: الحَسَن ما حَسَّنه الله، والقبيح ما قَبَّحه الله. فإذاً من سن في الإسلام سنة حسنة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، نعرفه بالشرع والنتيجة ما حسنه الشرع، فهو حسن وما قبحه الشرع فهو قبيح، فأين الاستدلال بهذا الحديث على إبداع بدعة في الإسلام ما أنزل الله بها من سلطان، تحميل للحديث ما لا يتحمل، ويدلكم على ذلك ولعلي أنهي الكلام -والحديث كما يقال ذو شجون- يدلكم على ذلك دلالة قاطعة إذا ذَكَّرناكم بمناسبة ورود الحديث، ما سبب ورود الحديث «من سن في الإسلام سنة حسنة» جاء في «صحيح مسلم» متن هذا الحديث بالمناسبة الحديث وهو أعني الحديث من رواية جرير ابن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه قال: «كنا جلوساً مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فجاءه أعراب مجتابي النمار متقلدي السيوف عامتهم من مُضَر بل كلهم من مضر، فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وعلى اله وسلم تمعر وجهه -أي تغيرت ملامح وجهه حزناً وأسفاً على ما رأى من مظاهر الفقر على هؤلاء الأعرب من مضر- فوقف الرسول ﵇ في الصحابة خطيباً يحضهم على الصدقة، وقال في جملة ما قال قوله تعالى ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]. ثم قال ﵇: تصدق رجل بدرهمه، بديناره، بصاع بره، بصاع شعيره»، تصدق أي: ليتصدق، هذا من جمال اللغة العربية، يجعل الفعل المضارع مكان الأمر تحقيقاً لهذا الأمر، كأنه صار أمراً واقعاً، تصدق رجل بدرهمه، نعم فما كان من الجماعة الحاضرين إلا أن قام رجل من بينهم وانطلق إلى داره ليعود وقد حمل في طرف ثوبه ما تَيَسَّر له من الصدقة فوضعها أمام الرسول عليه الصلاة

стр. 3582

والسلام، وإذا الحبل جرار كما يقال الناس كل واحد يقوم لبيته ويأتي بما يتيسر له من الصدقة، قال جرير ﵁: فاجتمع أمام النبي ﵌ أكوام كالجبال من الطعام والصدقة، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى اله وسلم تَهَلَّل وجهه كأنه مذهبه. الأول لما رأى فقرهم تمعر وجهه حزناً لما رأى استجابة الصحابة لأمره إياهم بالصدقة ومساعدة هؤلاء ... الفقراء والمساكين تنور وجهه كأنه مذهبه، ما معنى هذه الكلام المذهبة هي الفضة المطلية بالذهب ليبقى لها نور في طلالة، هكذا كانت البُشرى أو البشارة في وجه النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم فرحاً باستجابة أصحاب الرسول ﵇ لأمره إياهم بالصدقة، فقال صلى الله عليه وعلى اله وسلم هنا: «من سن في الإسلام سنة حسنة» إلى آخر الحديث. الآن نحن نسأل أين البدعة في هذه الحادثة، حتى نقول من سن في الإسلام، أي من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، كما يزعمون، هذا إبطال لهذا الحديث لغة ومناسبةً, الصحابة ما فعلوا بدعة، الصحابي الأول ما فعل بدعة وإنما هو ائتمر بأمر النبي بل بأمر رب النبي ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] الله أمرهم بهذه الآية فاستجاب أول من استجاب الصحابي الأول ثم اتبعه الآخرون، فَكُتِب للرجل الأول أجره وأجر من اتبعه، فكيف يجوز يا مسلمين يا مسلمون يا عرب، ما آن لكم أن تنسوا لغتكم من سن في الإسلام سنة حسنة بتفسروها من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، وليس هناك بدعة في هذه الحادثة، إنما هي الصدقة. إذاً معنى الحديث كما نحن نريد أن نطبقه الآن على عمر، عمر أحيا سنة القيام

стр. 3583

في رمضان جماعة، فكُتب له أجر هذا الإحياء، وفعل كل المسلمين الذين يتبعونه إلى أن تقوم الساعة وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، في هذا الحديث، ولأمثاله كقوله ﵇: «من دعا إلى هدى كان له أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أجورهم شيء»، لهذا يقول العلماء أكثر الأنبياء أجراً هو نبينا صلوات الله وسلامه عليه لأنه هو السبب لفضل الله أن يهتدي به الملايين البلايين من البشر الذين جاؤوا من بعده ﵊ إلى أن تقوم الساعة، وليس على وجه الأرض من يقول لا إله إلا الله، إذاً السنة تُعْرَف بالشرع، فما شهد الشرع أنه سنة فهي سنة، ثم ننظر شهد أنها سنة حسنة فهي حسنة، شهد أنها سنة سيئة فهي سيئة، فلا علاقة بهذا الحديث بمعارضة قوله ﵇ كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. (الهدى والنور / ٥٣٨/ ٢٤: ١٧: ٠٠)

стр. 3584

لا بدعة حَسَنة في الإسلام أُذَكِّر الآن بمسألة أخرى ولا أريد أن أطيل فيها حتى نتم الصلاة إن شاء الله معكم ألا وهي أن قول النبي صلى الله عليه، وآله وسلم في هذا الحديث الصحيح وهو مما روى الإمام مسلم في صحيحه: «من سن في الإسلام سنة حسنة»، لا يجوز لمسلم أن يشرح هذا الحديث وأن يفهمه كما نسمعه من بعض الناس ممن لا علم عندهم يقولون: معنى من سن أي من ابتدع، وبذلك يقولون: إن هناك في الإسلام بدعة حسنة، كلا ثم كلا ثم كلا ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] كيف يقال هذه بدعة حسنة، هل هذا غفل عنه الله؟ ﴿وما كان ربك نسياً﴾ هل كتم رسول الله صلى الله عليه، وآله وسلم؟ كلا، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] والحديث هنا طويل وطويل جداً، ولسنا الآن في درس وإنما هي الذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين، وإلا الدرس له مجاله الآخر، فأريد أن أقول: من سن في الإسلام سنة حسنة، المعنى الصحيح من فتح طريقاً إلى أمر مشروع كان هذا الطريق مغلقاً، كان نسياً منسياً بسبب إهمال الناس للسنة المعروفة من كلام الرسول ﵇، وها أنتم أمام أمرين اثنين ذُكّرتم بهما آنفاً الأول كظم التثاؤب .. كظمه إما بالفم وإما باليد، الثاني عدم مسابقة الإمام بآمين، فمن أحيا هذه السنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، أما إحداث بدعة لم تكن في عهد النبي ﵌ ولا في عهد الصحابة وعلى رأسهم الخلفاء الراشدين الأربعة، ولا في عهد الأئمة الأربعة، ولا في القرون الثلاثة

стр. 3585

المشهود لها بالخيرية، فيأتي واحد في القرن الخامس السادس عشر يقول: هذه بدعة حسنة .. ! من الذي حسّنها؟ المُحسِّن هو الله والمُقبِّح هو الله، فلا حسن إلا ما حسّنه الشرع ولا قبيح إلا ما قبّحه الشرع، يضاف إلى هذا الكلام كله حديث عن رسول الله صلى الله عليه، وآله وسلم صحيح، وأثر عن أحد أصحابه أيضاً صحيح، أما الحديث: كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار رواه الإمام النسائي في «سننه» بسند صحيح، أما الأثر وبذلك أنهي هذه التذكرة أو هذه الذكرى .. الأثر عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما الذي كان من أشد وأحرص أصحاب الرسول ﵌ على اتباع سنته قال، وانتبهوا جيداً واحفظوا هذا الأثر فإنه يفتح أمامكم طريقاً من الفقه واسع في مسألة البدعة الحسنة والبدعة السيئة، قال ﵁: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة، وبهذا القدر كفاية، ونسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن يزيدنا علماً وأن يوفقنا للعمل بما علمنا. (الهدى والنور / ٦٩٧/ ٢٨: ٠٧: ٠٠)

стр. 3586

باب منه مداخلة: بالنسبة يا شيخنا البدعة السيئة والبدعة الحسنة، هل هناك بدعة حسنة؟ الشيخ: هل ماذا؟ مداخلة: هل يوجد بدعة حسنة؟ الشيخ: ما أنت. مداخلة: لقول عمر بن الخطاب. الشيخ: أنت أجبت بنفسك في الأمس القريب، لكن ما تَيَسَّر لي أو لك الاستمرار في تفهم الموضوع، أُنسيت المناسبة التي قلت عن نفسي بأني ابتدعت بدعة حسنة. مداخلة: اللي هي ... السلام. الشيخ: هي؟ مداخلة: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته. الشيخ: ومغفرته، زيادة: ومغفرته. فقلت: إن هذه بدعة حسنة ابتدعتها أنا، فربما يعني اسْتُشْكِل هذا القول مني وأنا الذي أدندن دائماً أن البدعة كلها ضلالة اعتماداً على الأحاديث والتي منها قوله ﵌: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في

стр. 3587

النار» لكنني عجبت أن الذي استنكر هذا التعبير تعبيري أنا هو فوراً فسر كلمة عمر: نعمت البدعة هذه، بأن البدعة في قول عمر بدعة لغوية، فما هو وجه الاستنكار إذاً؟ فأنا اتبعت عمر رضي الله تعالى عنه في القول بأن هذه بدعة حسنة، فقولي في زيادة وبركاته في الجواب عن السؤال الكامل في السلام الكامل الذي ينتهي بـ وبركاته. أعتقد بأن هذه فعلاً بدعة أي: حادثة لم تكن من قبل، بدعة لغوية، فكذلك عمر قال: نعمت البدعة هذه بالنسبة لصلاة التراويح، وصلاة التراويح ليست بدعة شرعية، لأن النبي ﵌ صلاها وحض عليها، من أجل ذلك قال العلماء في كلمة عمر بن الخطاب: نعمت البدعة هذه أنه يعني بدعة لغوية, وهكذا قال القائل يومئذ في الجلسة نفسها، فما الفرق بين هذا وهذا؟ ما الفرق بين قول عمر في صلاة التراويح وهي سنة: نعمت البدعة هذه، وبين من اتبع عمر في قوله هذا فقال عن زيادة: ومغفرته بدعة حسنة، ما الفرق؟ كل من صلاة التراويح وزيادة وبركاته سنة ثابتة، وكل من كلمة عمر بن الخطاب في تلك السنة التراويح: نعمة البدعة هذه وقول هذا المعاصر لكم في زيادة: ومغفرته هذه بدعة حسنة كلاهما يلتقي في القول ملتقىً واحداً وكل من القولين ينصب على سنة معروفة. هذا جوابي، فإذا بقي هناك شيء نسمعه إن شاء الله. مداخلة: فمن ... سنة صلاة التراويح كانت أيام الرسول ﵌ فعلها الرسول ﵌ ولكن خوفاً من أن تفرض على المسلمين تركها، وأيضاً السلام لا نسمع الآن المسلمون يقولوا أو نادراً ما نسمع يقولون: ومغفرته، ولكن قالها رسول الله ﵌. إذاً يلتقيان جزاك الله خير. الشيخ: وإياك. هنا عندنا بحث يهم ضيفنا الطارئ اليوم: الأصل في العبادات المنع إلا لنص، والأصل في العادات الإباحة إلا لنص. فقلت: إن الجملة الثانية

стр. 3588

لا حاجة للبحث فيها لأنها معروفة عند جماهير العلماء بالقاعدة الأصولية التي تقول: الأصل في الأشياء الإباحة. أما الشطر الأول من ذاك الكلام: الأصل في العبادات المنع فهذه ليست مشهورة شهرة تلك الجملة. فهذه الجملة: الأصل في العبادات المنع ليست مشهورة عند العلماء، وهي في الواقع عبارة جمعت فأوعت، والأدلة الواردة في ذم البدع كلها تؤيد هذه العبارة وكذلك الآثار السلفية. أما الأحاديث التي تؤيد العبارة فهي معروفة، لكن من الآثار السلفية التي ليست مشهورة ما يروى عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه قال: كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله ﵌ فلا تعبدوها. فلا أي: فلا تتعبدوها. ومن هذا القبيل قول عبد الله بن مسعود: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة، اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة. ونحو قوله الآخر: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، عليكم بالأمر العتيق، عليكم بالأمر العتيق. فتجاوباً مع هذه الآثار يكون جواب ذاك السؤال أنه إذا دخل مسبوق إلى المسجد فوجد الإمام قد صلى، قد سلم وهناك آخرون قد سبقوا فنقول نحن: لا يجوز لهذا الداخل أن يقتدي بأحد أولئك المسبوقين، لماذا؟ لسببين اثنين: الأول: ما سبق بيانه من الأصل العظيم: كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله فلا تعبدوها. السبب الثاني: أنه قد وقع ما يشبه هذا وإن كان يختلف، اثنان سبقا بركعة مثلاً فسلم الإمام فقاما كل منهما يأتي بما سبق، فهل يقتدي أحدهما بالآخر؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأن هذه القصة ثبت مثلها أن النبي ﵌ كان في سفر فخرج لقضاء الحاجة قبل أذان الفجر وبينما قضى حاجته وصب عليه وضوءَه صاحبه

стр. 3589

المغيرة بن شعبة كان أصحابه قد انتظروه ليؤمهم في المسجد، أي: المصلى الذي كان اتخذ للصلاة، فكأنهم استأخروه فصلى بهم إماماً عبد الرحمن بن عوف، فلما جاء الرسول ﵇ ومعه المغيرة أشار أو أراد المغيرة أن يشير لعبد الرحمن بأن الإمام وهو الرسول قد حضر فأشار إليه أن دعهم واقتدى هو والمغيرة بعبد الرحمن بن عوف، ولما سلم قام كل منهما ليقضي ما فاته وهو ركعة، فكان المفروض أن يقتدي المغيرة بالرسول ﵇ بهذه المناسبة لكن ما وقع ذلك، وهذا كله يدخل في أصل وهو: أنه لا يجوز تكرار الجماعة في مسجد له إمام راتب ومؤذن راتب، لا تشرع بل تكره تكرار الجماعة في مسجد له إمام راتب ومؤذن راتب سواء كان هذا التكرار كما ذكرت آنفاً باستئناف إمام جديد وجماعة جديدة، أو الإمام هو المسبوق كما ذكرت في السؤال والمقتدي لم يدرك شيئاً من الصلاة، كل هذه الجماعات لا تشرع وإنما الذي دخل وقد فاتته الجماعة له الخيرة، إما أن يصلي في المسجد وحده ولو دخلوا جماعة، وإما أن يعود إذا كان له عودة إلى أهله فيصلي هناك جماعة. أما في المسجد فلا يشرع جماعة ثانية أبداً. على هذا كان السلف الصالح، ولذلك يقول الإمام الشافعي في كتابه العظيم «الأم» وإذا دخل جماعة المسجد فوجدوا الإمام قد صلى صلوا فرادى، وإذا صلوا جماعة بإمام صحت صلاتهم لكني أكره لهم ذلك لأنه لم يكن من عمل السلف. أما مسجد على قارعة طريق ليس له إمام راتب ومؤذن راتب فيجوز الجماعة الثانية في مثل هذا المسجد تجوز، هكذا يقول الشافعي. ثم يعود للمسألة الأولى فيقول: وقد حفظنا أن جماعة من أصحاب النبي ﵌ فاتتهم الصلاة مع الجماعة فصلوا فرادى، وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا مرة أخرى ولكنهم لم يفعلوا؛

стр. 3590

لأنهم كرهوا أن يجمعوا في مسجد مرتين. هذا كلام الإمام الشافعي، وهذه هي السنة سنة السلف الصالح. ويؤكد ذلك الحديث الذي ذكرناه قريباً: «لقد هممت أن آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم آمر رجالاً فيحطبوا حطباً ثم أخالف إلى أناس يدعون الصلاة مع الجماعة فأحرق عليهم بيوتهم» إلى آخره، هؤلاء المتخلفون عن صلاة الجماعة، قالوا: جماعة هذه؟ لا شك هي الجماعة الأولى. لو كان هناك جماعة ثانية ومشروعة كانوا يقولوا: يا رسول الله! نحن نصلي مع الجماعة والثانية والثالثة، لكن لم يكن في عهد الرسول ﵇ إلا الجماعة الأولى، لذلك صح عن ابن مسعود أنه كان عنده تابعيان من تلامذته فأذن لصلاة الظهر فالظاهر أنهم بينما توضؤوا وتهيؤوا للصلاة وانطلقوا إلى المسجد وإذا الناس خارجون من المسجد، يعني انتهت الصلاة، فعاد بهم إلى داره وصلى بهم جماعة، فلو كان يشرع جماعة ثانية بدل ما يرجع البيت كان يصلي في المسجد لأن المسجد كما لا يخفاكم من قوله ﵇: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» لكن يعرف أنه ما في جماعة ثانية بالمسجد لذلك رجع بهم إلى البيت. هذا هو الجواب عن المسألة وزيادة. مداخلة: هناك احتجاج يحتجون به: «من يتصدق على أخيكم» فما صحة هذا الحديث؟ الشيخ: أما الحديث فصحيح، أما الاستدلال به فغير صحيح. وهذا واضح جداً من وجوه كثيرة، أوضحها: أن يلاحظ المسلم قوله ﵇: «ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه» فالخطاب كان للذين صلوا مع الرسول، والسؤال عن جماعة ما صلوا مع الرسول ولا مع الإمام الذي سنه الرسول وهو الإمام

стр. 3591

الأول، هذا أولاً. ثانياً: إذا دخل جماعة المسجد بعد صلاة الإمام الراتب وتقدمهم أحدهم وصلى بهم إماماً، من هو المتصدق ومن هو المتصدق عليه؟ لا أحد، لا أحد يصح أن يقال: متصدق والآخر متصدق عليه، وبيان هذا أن النبي ﵌ حينما قال هذا الحديث ووجهه لأصحابه الذين صلوا خلفه: هؤلاء أغنياء، يعني معنوياً، لأنهم أولاً صلوا خلف الرسول ﵇. ثانياً: صلوا الجماعة والجماعة بسبع وعشرين درجة، دخل رجل فاتته هاتان الفضيلتان فقال للذين حصلوا الفضيلتين: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه فقام واحد منهم وصلى معه. إذاً هذا هو المتصدق، وذاك الذي فاتته الجماعة فقير فهو المتصدق عليه، فلما يدخلوا جماعة أربعة خمسة مش مهم وأمهم أحدهم ما ينطبق هذا الحديث عليهم، ولذلك فالاستدلال بالحديث على تجويز هذه الجماعة. (الهدى والنور/٧٠٩/ ٣٤: ٣٠: ٠٠) (الهدى والنور/٧٠٩/ ٣٦: ٤٢: ٠٠)

стр. 3592

قول عمر: نعمت البدعة هذه مداخلة: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فضيلة الشيخ! كيف ترد على من يستدل على بدعته بقول عمر بن الخطاب ﵁: نعمت البدعة هذه؟ الشيخ: قول عمر هذا: نعمت البدعة هذه أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، ومناسبته هناك أيضاً تبين [المعنى] كما بينت مناسبة حديث جرير المعنى الصحيح للحديث المرفوع: من سن سنة حسنة، ومن سن سنة سيئة. تعلمون جميعاً إن شاء الله ﵎ أن قيام الليل الأصل فيه أنها من النافلة التي لا يشرع التداعي فيها إلى صلاتها جماعةً وإنما يجوز ذلك أحياناً دون تداعي وهذا له تفصيل آخر؛ ولذلك فلم يكن رسول الله ﵌ يصلي شيئاً من صلاة الليل مع جماعته كما لو كان يصلي الفريضة معهم إلا في آخر رمضان من حياته ﵊ فقد خرج ليلة من الليالي فصلى في المسجد صلاة القيام، فانتبه لصلاته بعض الصحابة الحاضرين فاقتدوا به، ثم شاع هذا الخبر في المدينة فلما خرج النبي ﵌ في الليلة الثانية خرج أيضاً وصلى صلاة القيام مع جماعة من الصحابة هم أكثر من الجماعة الأولى، ثم خرج ﵊ الليلة الثالثة فغص المسجد بالمصلين؛ لأن الخبر شاع أن النبي ﵌ صلى في

стр. 3593

الليلة الثالثة وهي الليلة الثانية صلاة الجماعة مع قيام رمضان أي: صلاة التراويح. فلما كانت الليلة الرابعة وانتظر الناس خروج النبي ﵌، فلما تأخر عن عادته في تلك الليالي الثلاث لم يصبر بعضهم ولعله كان حديث عهد بالإسلام ولم يعرف أي كيف يمكنه أن يُقَدِّر ويُوَقِّر النبي ﵌ فأخذ بعض الحصيات يرمي بها باب الرسول ﵌ ظناً منه لعله نائم فخرج ﵊ عليهم مغضباً وقال: «أما إنه لم يخف علي مكانكم هذا، إني فعلت ذلك عمداً، إني خشيت أن تكتب عليكم فصلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة». وتوفي رسول الله ﵌ كما تعلمون في ربيع الأول ولم يدرك رمضان الآخر. فجاءت خلافة أبي بكر والناس في كل خلافته التي [ضمت] نحو ثلاثين مصر يصلون في المسجد زرافات ووحداناً ليس هناك إمام يجمعهم، إلى أن جاءت خلافة عمر بن الخطاب والناس كذلك، وتعلمون أن من هديه ﵁ أنه كان يتحسس أحوال المسلمين ليس في المسجد فقط بل وفي الأسواق، وذلك من عدله وفضله، فلما رآهم يصلون هكذا متفرقين قال: لو جمعناهم على إمام واحد، ثم عزم على ذلك فأمر أبي بن كعب أن يصلي بالناس إماماً فصلى، فخرج عمر ﵁ كعادته يتفقد المسلمين في المسجد فرآهم خلاف ما كانوا عليه من قبل في أول خلافته في خلافة أبي بكر الصديق رآهم يصلون خلف إمام وبجماعة واحدة فقال ﵁ بهذه المناسبة: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل، يشير بقوله ﵁: والتي ينامون عنها أفضل، إلى أن تأخير صلاة الليل أفضل من التعجيل بها ولكن الأمر كما قال عليه الصلاة

стр. 3594

والسلام: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخرت صلاة العشاء إلى نصف الليل» لأنه هو الأفضل ولكن دفعاً للمشقة كان ﵊ لا يؤخرها، ولما أجمع عمر بن الخطاب أمره على أن يجمع المسلمين في ... إمام واحد كان من مقتضى الحكمة ألا يجعل هذا التجميع آخر الليل؛ لأنه ليس كل الناس يستطيعون ذلك، ولذلك فهو جمع بين التشريع الميسر أو إعادة المسلمين إلى التشريع الميسر وهو في ... مع التنبيه إلى أن التأخير هو الأفضل وقال بهذه المناسبة: نعمت البدعة هذه. فقوله: البدعة، ليس المقصود بها البدعة الشرعية التي عممها الرسول ﵌ وذمها فيما تقدم من الأحاديث وبخاصة القاعدة: «كل بدعة ضلالة» حاشا لعمر أن يعني هذه المعنى، قوله: نعمت البدعة، إنما هو بدعة لغوية وليست البدعة بدعة شرعية هنا فيما ذكرنا أن النبي ﵌ صلى بأصحابه ثلاث ليالي وأنه إنما ترك ذلك خشية أن يتوهم الصحابة لمتابعة الرسول ﵇ في كل أيام رمضان أو تجميع هذا في صيام دفعاً لهذا المحذور، ولما انتقل النبي ﵌ إلى الرفيق الأعلى وانتهت أحكام الشريعة فلم يبق لأحد أن يُغَيِّر أو يُبَدِّل، لذلك فتح الله على قلب أمير المؤمنين فأحيا هذه السنة، فباعتبار ترك الرسول ﵇ لها واستمرار أبي بكر في كل حياته وعمر أيضاً في أول حياته عن هذا ... سمى هذه ... بدعة أي: دليلاً، لكنه ما قبل ذلك لكنها ليست بدعة لغوية يشملها عموم قوله ﵇ لأن النبي سنها. وثانياً كما ذكرنا أنه حديث أخرجه الإمام أبو داود في سننه من حديث حذيفة بن اليمان ﵁، قال: قال النبي ﵌: «من صلى صلاة العشا مع الإمام ثم قام معه حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة» بمجرد صلاته .. صلاة الإنسان مع

стр. 3595

الجماعة والقيام معهم كتب الله له كأنه قام الليل كله، ففي هذا حض من قوله ﵊ بإحياء صلاة التراويح مع الإمام فلا يمكن أن يفسر قول عمر: نعمت البدعة، بأنه يعني البدعة الشرعية كيف وقد فعلها ﵀ وحض عليها رسول الله، فهي سنة فعلية وسنة قولية. (رحلة النور ٢٠ a/٠٠: ٠٧: ٥٧)

стр. 3596

هل في الدين بدعة حسنة ؟ رُوِي عن النبي ﵌ أنه قال: "ما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سَيِّئا فهو عند الله سيء ". قال الإمام: لا أصل له مرفوعا. ثم قال: وإنما ورد موقوفا على ابن مسعود قال: " إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﵌ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد محمد ﵌ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه فما رأى المسلمون .... " إلخ. أخرجه أحمد (رقم ٣٦٠٠) والطيالسي في " مسنده " (ص ٢٣) وأبو سعيد ابن الأعرابي في " معجمه " (٨٤/ ٢) من طريق عاصم عن زر بن حبيش عنه. وهذا إسناد حسن. وروى الحاكم منه الجملة التي أوردنا في الأعلى وزاد في آخره: " وقد رأى الصحابة جميعا أن يستخلفوا أبا بكر ﵁ " وقال: " صحيح الإسناد " ووافقه الذهبي. وقال الحافظ السخاوي: " هو موقوف حسن". قلت: وكذا رواه الخطيب في " الفقيه والمتفقه " (١٠٠/ ٢) من طريق

стр. 3597

المسعودي عن عاصم به إلا أنه قال: " أبي وائل " بدل " زر بن حبيش ". ثم أخرجه من طريق عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله: فذكره. وإسناده صحيح. وقد روي مرفوعا ولكن في إسناده كذاب كما بينته آنفا. وإن من عجائب الدنيا أن يحتج بعض الناس بهذا الحديث على أن في الدين بدعة حسنة، وأن الدليل على حسنها اعتياد المسلمين لها! ولقد صار من الأمر المعهود أن يبادر هؤلاء إلى الاستدلال بهذا الحديث عندما تثار هذه المسألة وخفي عليهم: أ - أن هذا الحديث موقوف فلا يجوز أن يحتج به في معارضة النصوص القاطعة في أن " كل بدعة ضلالة " كما صح عنه ﵌. ب - وعلى افتراض صلاحية الاحتجاج به فإنه لا يعارض تلك النصوص لأمور: الأول: أن المراد به إجماع الصحابة واتفاقهم على أمر، كما يدل عليه السياق، ويؤيده استدلال ابن مسعود به على إجماع الصحابة على انتخاب أبي بكر خليفة، وعليه فاللام في " المسلمون " ليس للاستغراق كما يتوهمون، بل للعهد. الثاني: سلمنا أنه للاستغراق ولكن ليس المراد به قطعا كل فرد من المسلمين، ولوكان جاهلا لا يفقه من العلم شيئا، فلابد إذن من أن يحمل على أهل العلم منهم، وهذا مما لا مفر لهم منه فيما أظن. فإذا صح هذا فمن هم أهل العلم؟ وهل يدخل فيهم المقلدون الذين سدوا على أنفسهم باب الفقه عن الله ورسوله، وزعموا أن باب الاجتهاد قد أغلق؟ كلا ليس هؤلاء منهم وإليك البيان: قال الحافظ ابن عبد البر في " جامع العلم "

стр. 3598

(٢/ ٣٦ - ٣٧): " حد العلم عند العلماء ما استيقنته وتبينته، وكل من استيقن شيئا وتبينه فقد علمه، وعلى هذا من لم يستيقن الشيء، وقال به تقليدا، فلم يعلمه، والتقليد عند جماعة العلماء غير الاتباع، لأن الاتباع هو أن تتبع القائل على ما بان لك من صحة قوله، والتقليد أن تقول بقوله وأنت لا تعرفه ولا وجه القول ولا معناه ". ولهذا قال السيوطي ﵀: " إن المقلد لا يسمى عالما " نقله السندي في حاشية ابن ماجة (١/ ٧) وأقره. وعلى هذا جرى غير واحد من المقلدة أنفسهم بل زاد بعضهم في الإفصاح عن هذه الحقيقة فسمى المقلد جاهلا فقال صاحب " الهداية " تعليقا على قول الحاشية: " ولا تصلح ولاية القاضي حتى ... يكون من أهل الاجتهاد " قال (٥/ ٤٥٦) من " فتح القدير ": " الصحيح أن أهلية الاجتهاد شرط الأولوية، فأما تقليد الجاهل فصحيح عندنا، خلافا للشافعي ". قلت: فتأمل كيف سمى القاضي المقلد جاهلا، فإذا كان هذا شأنهم، وتلك منزلتهم في العلم باعترافهم أفلا تتعجب معي من بعض المعاصرين من هؤلاء المقلدة كيف أنهم يخرجون عن الحدود والقيود التي وضعوها بأيديهم وارتضوها مذهبا لأنفسهم، كيف يحاولون الانفكاك عنها متظاهرين بأنهم من أهل العلم لا يبغون بذلك إلا تأييد ما عليه العامة من البدع والضلالات، فإنهم عند ذلك يصبحون من المجتهدين اجتهادا مطلقا، فيقولون من الأفكار والآراء والتأويلات ما لم يقله أحد من الأئمة المجتهدين، يفعلون ذلك، لا لمعرفة الحق بل لموافقة العامة! وأما فيما يتعلق بالسنة والعمل بها في كل فرع من فروع الشريعة فهنا يجمدون على آراء الأسلاف، ولا يجيزون لأنفسهم مخالفتها إلى

стр. 3599

السنة، ولو كانت هذه السنة صريحة في خلافها، لماذا؟ لأنهم مقلدون! فهلا ظللتم مقلدين أيضا في ترك هذه البدع التي لا يعرفها أسلافكم، فوسعكم ما وسعهم، ولم تحسنوا ما لم يحسنوا، لأن هذا اجتهاد منكم، وقد أغلقتم بابه على أنفسكم؟ ! بل هذا تشريع في الدين لم يأذن به رب العالمين، (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) وإلى هذا يشير الإمام الشافعي رحمة الله عليه بقوله المشهور: " من استحسن فقد شرع ". فليت هؤلاء المقلدة إذ تمسكوا بالتقليد واحتجوا به - وهو ليس بحجة على مخالفيهم - استمروا في تقليدهم، فإنهم لو فعلوا ذلك لكان لهم العذر أو بعض العذر لأنه الذي في وسعهم، وأما أن يردوا الحق الثابت في السنة بدعوى التقليد، وأن ينصروا البدعة بالخروج عن التقليد إلى الاجتهاد المطلق، والقول بما لم يقله أحد من مقلديهم (بفتح اللام)، فهذا سبيل لا أعتقد يقول به أحد من المسلمين. وخلاصة القول: أن حديث ابن مسعود هذا الموقوف لا متمسك به للمبتدعة، كيف وهو ﵁ أشد الصحابة محاربة للبدع والنهي عن اتباعها، وأقواله وقصصه في ذلك معروفة في " سنن الدارمي " و" حلية الأولياء " وغيرهما، وحسبنا الآن منها قوله ﵁: " اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، عليكم بالأمر العتيق ". فعليكم أيها المسلمون بالسنة تهتدوا وتفلحوا. الضعيفة (٢/ ١٧ - ١٩).

стр. 3600

البدعة والمصالح المرسلة

стр. 3601

المصلحة المرسلة والبدعة الملقي: طيب شيخنا نريد منكم التفريق بين المصلحة المرسلة والبدعة على غرار ما وقع عندنا أن أحد طلبة العلم جوز هذه المسيرات والمظاهرات من باب أنها من المصالح المرسلة؛ فما قولكم؟ الشيخ: نحن تكلمنا كثيراً عن المصالح المرسلة أنها تختلف عن البدعة أحياناً، وتلتقي معها أحياناً، أول مفارقة بين المصلحة والبدعة أن المصلحة لا تكون لها علاقة بالتعبديات المحضة، فمن هنا يمكن التمييز الواضح بين البدعة التي تعمها الضلالة، وبين المصلحة التي قد تعمها وقد لا تعمها، هذا أولاً، ثانياً: ليست المصلحة التي هي عن وسيلة حدثت فيظن أنها تحقق مصلحة للمسلمين مجرد كون هذه الوسيلة تحقق هذه المصلحة ليس هذا بالذي يسوغ للمسلمين أن يتشبثوا بها أو أن ينهضوا بها، ما رأيت كلاماً جامعاً مانعاً في هذا المسألة كما رأيت من شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وفي كتابه المعروف: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، فهو يقسم المصلحة تقاسيم معقولة جداً، يقول أولاً إذا كانت المصلحة التي يراد تحقيقها بوسيلة يريد أن يتمسك بها المسلمون ينبغي النظر في هذه الوسيلة كسبب لتحقيق تلك المصلحة، هل هذا السبب كان موجوداً؟ كان قائماً في عهد النبي ﵌ أم لا؟ فإذا هذه نوعان: سبب كان موجوداً، وسبب لم يكن موجوداً، يقول: فإن كان السبب الذي يوصل إلى مصلحة مدعاة هذا السبب كان قائماً في عهد الرسول ﵇ ثم لم يأخذ به ﵌ يكون الأخذ به بدعة؛ لماذا؟ لأن المقتضي للأخذ بهذا السبب

стр. 3602

كان قائماً في عهد الرسول ﵇؛ لأنه يحقق مصلحة، من الذي يُقَدِّر هذه المصلحة، لا شك أن أول من يُقَدِّرها هو الذي نزل عليه الوحي وهو رسول الله ﵌، ويكون تقديره لها يعني إثباتاً أو نفياً هو الصحيح مائة في المائة، أما الناس الآخرون فقد وقد، قد يصيبون وقد يخطئون، فإذا تصورنا سبباً كان قائماً في عهد الرسول ﵇، وهو يحقق مصلحة منطقية عقلية، لكنه ما أخذ بها، فما يجوز الأخذ بها، ويكون الأخذ بها تشريعاً من دون الله ﵎، فيكون ولا شك بدعة ضلالة، يمكن أن نضرب على هذا بعض الأمثلة التي تذكر في كتب الفقه وبخاصة كتب البدعة التي تحذر منها، الأذان مثلاً لصلاة العيدين، فالأذان سبب لإعلام المسلمين بدخول وقت الصلاة، هذه مصلحة، لكننا نجد الرسول ﵇ قد سن للمسلمين الأذان للصلوات الخمس دون بقية الصلوات الأخرى، كالعيدين مثلاً، كصلاة الاستسقاء، كصلاة الكسوف والخسوف، خاصة في الليل والناس نيام، العقل بيحكم أنه لازم يكون هنا أذان؛ لأنه بيحقق مصلحة شرعية وهو تنبيه الناس من نومهم إيقاظهم لتحقيق قوله ﵇: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته؛ فإذا رأيتم ذلك فصلوا وتصدقوا»؛ إذاً لتحقيق هذه العبادة التي أمر بها الرسول ﵇ يقول العقل: نتخذ وسيلة الأذان، بل قد يقول -وهذا وقع مع الأسف بينما الأول لم يقع إلى اليوم-: نتخذ عبارة التي تسمى عند الفقهاء بالتثويب أن يقال: الصلااااااة الصلاااة، -أيضاً- هذا لم يكن حتى في الـ في العيدين كما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر ﵁ أنه لم يكن يؤذن ولا ينادى بشيء لصلاة العيد، إذاً فاتخاذ أذان لصلاة مشروعة بدعوى أنه هذا الأذان يحقق مصلحة يقال: هذا الأذان بدعة، ولو أنه فعلاً بيحقق مصلحة لماذا؟ لأنه هذه السبب المقتضي للأخذ به كان قائماً في عهد الرسول -عليه

стр. 3603

السلام-، ومع ذلك ما تبناه ولا سنه للناس، الآن الآن نأتي بمثال يتعلق بوضع الدولة الإسلامية اليوم إلا من شاء الله، معلوم أنه أكثر الدول لا تتبنى نظام جمع الأموال المفروض في الإسلام، جمع الزكوات مثلاً المواشي والثمار ونحو ذلك، فماذا يفعلون اليوم من شان إقامة الدولة وكيانها والمحافظة عليها؛ يفرضون فرائض ويضربون ضرائب على جماهير الناس، لا شك أن هذه الضرائب التي يفرضونها تحقق مصلحة الأمة، مصلحة الدولة، فهل يجوز الأخذ بها؟ الجواب: نقول: لا؛ لم؟ لأنه هناك ما يقوم مقام هذه الوسيلة المحدثة ما هو مشروع في الإسلام، ولذلك فنعود إلى القسم الثاني؛ قلنا: إنه ابن تيمية يقول: إما أن يكون السبب كان قائماً في عهد الرسول ﵇ ولم يسنه للناس، فلا يجوز الأخذ به، وإما أن يكون حدث المقتضي لهذا السبب الموجد للمصلحة، حينئذٍ يقول ابن تيمية: هنا -أيضاً- ينقسم الأمر إلى قسمين، إما أن يكون السبب الذي دفع المسلمين أن يأخذوا به لتحقيق مصلحة ناشئاً من تقصيرهم في تطبيق الشريعة كالمثال الذي ذكرته آنفاً، فحينئذ -أيضاً- لا يقبل هذا السبب ولو كان يحقق مصلحة؛ لأنه ناتج من تقصير المسلمين في تطبيق أحكام الدين، أما إذا كان ذلك ليس ناشئاً من تقصيرهم وإنما من ظلم بعض الدول أو الحكومات الكافرة مثلاً، حينئذٍ ينظر في الموضوع وتؤخذ بالمصلحة المرسلة في حدود دفع ذلك الذي عرض للمسلمين، ولم يكونوا هم سبباً لذلك، مثلاً مثال ذكره الشيخ الشاطبي في كتابه العظيم الاعتصام، مثلاً: دولة مسلمة هاجمها الكفار، وهو بلا شك أن هذا الهجوم بيتطلب إعداد جيش مسلم لمجابهة عدوان هؤلاء الكفار فنظروا في الخزينة فلم يكن عندهم في تقدير الخبراء ما يكفي لصد اعتداء هؤلاء الكفار، حينئذٍ يجب على الحاكم المسلم أن يفرض نسب معينة من الضرائب على الأغنياء كل بحسبه، لدفع صولة هذه الدولة الكافرة المهاجمة لبلاد

стр. 3604

الإسلام، فإذا زال الشر أزيلت هذه الضرائب؛ لأن هذه معالجة وقتية، فهذا هو القول الفصل في اعتقادي الذي يجمع بين جلب المصلحة ودفع المفسدة في تقرير المصلحة المشروعة، والتي ليست المشروعة، هذا ما عندي والله أعلم. (الهدى والنور/٥١١/ ٤٧: ١٢: ٠٠)

стр. 3605

متى يقال: فلان مبتدع؟ والكلام على الفرق بين البدعة والمصلحة المرسلة مداخلة: على من تُطْلَق البدعة بإيجاز، ومتى يقال لهذا الرجل: إنك مبتدع حتى لا يقع الرجل في الإثم؟ الشيخ: الشطر الثاني من السؤال مهم، أما الشطر الأول: فيعني شيء مقرر البحث فيه والجواب عنه. خلينا نقسم سؤالك إلى قسمين: القسم الأول: ما هو باختصار حتى أجيبك عنه ما هو؟ مداخلة: القسم الأول. الشيخ: القسم الأول من السؤال. مداخلة: القسم الأول: ما هو يعني: على من تطلق؟ الشيخ: لا هذا القسم الثاني. مداخلة: أو متى يقال لهذا الرجل: بأنك مبتدع. الشيخ: أنا فهمت أنه هذا هو القسم الثاني، وإذا كنت أنت تسمعنا للشريط. مداخلة: نرجع الشريط شوية. الشيخ: أنا فهمت من سؤالك فائدة أخرى أنت تسأل عنها، لكن لما طلبت

стр. 3606

منك الإعادة اقتصرت على شطر من السؤال، وأنا هذا فيه خسارة لي، فإن كنت ما عندك أنت ربحك ... فنجيبك على السؤال. لا أنا أريد حسب ما فهمت، يجوز أن يكون واهم، أنه في سؤالك قسمين: القسم الأول: يتكرر البحث والسؤال عنه وهو موضوعنا. القسم الثاني: مهم. مداخلة: متى يقال لصاحب البدعة يا مبتدع؟ الشيخ: طيب. ما هي البدعة هو الذي يتكرر فيه الكلام، أما متى يطلق؟ هذا المهم تفضل؛ لأنه هو أعاد تقريباً بس سمانا خليك مع صاحبنا اللي خسر الشطر الأول من السؤال، نعم. فأنا أقول: بالنسبة ما هي البدعة؟ يعني: تَكَرَّر السؤال والجواب فأوجز الكلام، فأقول: أولاً: البدعة هي: كل أمر أُحدث في الدين يراد به زيادة التقرب إلى الله، كل أمر أحدث في الدين أي: لم يكن من قبل، ويراد به زيادة التقرب إلى الله . أُحدث في الدين هذا قيد بمعنى: لم يكن معروفاً من قبل لا في عهد الرسول ﵇، ولا في عهد السلف الصالح، فإذا كان معروفاً في عهد الرسول ما تكون بدعة، وهنا: يظهر لكم أهمية هذا القيد للرد على المبتدعة الذين يحتجون بقول عمر بن الخطاب: نعمت البدعة هذه صلاة التراويح، مع أن صلاة التراويح كانت في عهد الرسول وهو سنها. إذاً: هذا التعريف أخرج مثل هذه البدعة التي سماها عمر وأطلق عليها أنها بدعة حسنة لماذا؟ لأنها لم تحدث بعد الرسول؛ لأن الرسول فعلها، فإذا لاحظتم

стр. 3607

هذا القيد تفهمون أهميته، البدعة: كل أمر أحدث في الدين أي: لم يكن من قبل. صلاة التراويح كانت وأمر بها الرسول ولسنا في هذا الصدد، أحدث في الدين ولم يكن من قبل. القيد الثاني: يراد به زيادة التقرب إلى الله ، زيادة التقرب على السلف الصالح زيادة على السلف الصالح وعلى محمد ﵌ ومن دونه، ما شاء الله من يكون هذا الذي يريد أن يزيد في التقرب إلى الله بزيادة على ما تقرب به رسول الله والصحابة الذين كانوا معه؟ ! هذا قيد مهم جداً ليقال له: أأنت خير أم أولئك لا هم فإذاً: هم لو كان هذا خيراً لسبقونا إليه. القيد هذا الثاني: يراد به التقرب نحن قلنا: زيادة التقرب بوضع الصورة السابقة. الآن نقول: يراد به التقرب إلى الله، هذا القيد يخرج به أنه إذا حدث أمر وتمسك به بعضهم لكن هو ليس على سبيل التقرب إلى الله، وإنما إما لإزالة ضرر أو لتحقيق مصلحة لا يمكن تحقيقها إلا بمثل هذا الأمر الحادث، هذا لا يكون بدعة لماذا؟ أولاً: لا يراد به زيادة التقرب إلى الله. ثانياً: ليس حاصلاً في الدين، وإنما خارج الدين يعني: في الوسائل، وليس في الغايات. وهنا: نصل إلى قاعدة المصالح المرسلة، تسمعون لابد بهذه الكلمة المصالح المرسلة هذه يكررها كثيراً الإمام الشاطبي في كتابيه العظيمين الموافقات الأول، والكتاب الآخر: الاعتصام.

стр. 3608

ما هي المصالح المرسلة؟ هي أمور تحدث وتُحَقِّق مصلحة شرعية، هذه الأمور الحادثة لم تكن معروفة من قبل، فهي بالنسبة للحد الأول من تعريف البدعة هي: حادثة، لكن لا تدخل في مسمى البدعة لماذا؟ لأنها ليست في الدين. قلنا: كل أمر في البدعة كل أمر حادث أو أُحْدِث في الدين بزيادة التقرب إلى الله . نعود لنبين الفرق بين البدعة وبين المصلحة المرسلة، تكلمنا بما فيه الكفاية في البدعة التي هي ضلالة، وتكون في الدين، ويكون المقصود زيادة التقرب إلى الله، ولا يتقرب إلى الله إلا بما شرع الله. الآن نحن في ماذا؟ في المصالح المرسلة، المصالح المرسلة تختلف عن البدعة الضلالة في أنها لا تكون في الدين، وإنما تكون في الدنيا أي: في الوسائل المتعلقة بأمور دنيوية، لكن هذه الوسائل قد يمكن أن تكون وسيلة خير، ويمكن أن تكون وسيلة شر. ولنضرب الآن مثلاً: هذا المسجل اللطيف الحجم، يمكن أن يسجل فيه كلام الله، يمكن أن يسجل فيه كلام رسول الله ﵌، يمكن أن يسجل فيه فتاوى العلماء وأجوبتهم إلى آخره، هذا كله خير، لكن يمكن أن يسجل فيه الكفر، يمكن أن يسجل فيه الفسق والفجور والأغاني وو ... إلى آخره، هي الوسيلة واحدة ما تغيرت، لكن تغيرت الغاية التي يراد الوصول إليها بواسطة هذه الوسيلة، وقيسوا ما شئتم من الوسائل المحدثة اليوم، وما أكثرها، ومن هنا يظهر أولاً: جهل بعض المسلمين المبتدعين، بل وحماقتهم حينما تقول لهم: يا أخي لا تفعل هذا، هذا لم يكن في عهد الرسول ﵇، ولا في عهد السلف الصالح، فهذه بدعة

стр. 3609

يقول لك: السيارة الذي راكبها أنت هي بدعة، صح؟ مداخلة: نعم. الشيخ: هذه حماقة متناهية، يا أخي هذه السيارة مثل الجهاز إن أخذتها من أجل تسافر إلى أوربا وتقضي شهر العسل هناك زعموا إلى آخره، فهذه وسيلة استعملت في معصية الله، لكن إن استعملتها للحج إلى بيت الله الحرام، والاعتمار أيضاً هناك فهذه وسيلة لطاعة الله . وهذا الكلام الأخير يُذَكِّرني بمسألة قد تسمعون البحث فيها والجواب عنها قد يكون الجواب الذي تسمعونه صواباً أو خطأً، فأنا أذكر لكم الجواب الصحيح سلفاً فأقول: ترى الحج إلى بيت الله الحرام الذي فرض في القرآن معلقاً بالاستطاعة: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. الاستطاعة هنا من إنسان إلى آخر تختلف، كانوا قديماً المغاربة من الأندلس إلى المغرب إلى الجزائر إلى ليبيا إلى آخره يحجون على أقدامهم. مداخلة: الله أكبر. الشيخ: تتحمل الحجة تبعهم سنة أو سنتين. مداخلة: لا إله إلا الله. الشيخ: يبقوا ماشين من إقليم إلى إقليم من منطقة إلى أخرى حتى يدركوا موسم الحج في بيت الله الحرام أي: يمشون مشياً لماذا؟ لأنهم قرؤوا قول الله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. إذاً: إذا كان رَبُّنا أنعم على الإنسان بقوة ونشاط، ويستطيع أن يمشي

стр. 3610

فهذا اسمه مستطيع، أنتم تعرفون مثالاً مصغراً: البدو الرُّحَّل هم ما لهم مأوى ما لهم دار في بلد معين، دائماً بين سفرهم ودوابهم، وقد يكون الدابة تمشي معه، أو هو بيمشي معها، وما يركبها لماذا؟ متعود على السير، وهذا في الحقيقة يعطيه النشاط، قوة أعصاب ونحو ذلك. ثم خلق الله كما قال: مما تركبون من البغال والحمير والإبل إلى آخره، وهذه هي الوسيلة في الزمان القديمة في عهد الرسول ﵇ حينما نزلت هذه الآية، كانوا يحجون إلى بيت الله الحرام على الإبل، وعلى النوق وو إلى آخره. الآن في وسائل جديدة جدت من قبل العربات الذي يسموها هنا في سوريا: بالطنبر، إما دولابين أو أربعة ويسحبها دابة دبل أو فرس أو ما شابه ذلك، ارتقوا شويه طلع ما يسمى بلغة الأجانب: الأطمنبيل يعني: السيارة ثم ترقت هذه السيارة ومسافتها مائة كيلوا متر، فمن قبل أربعين كيلو متر السرعة أو نحو ذلك، ثم هكذا. ثم وصلنا للطائرات السؤال هذا الذي يقال اليوم: الذي يطرح نفسه هل الحج إلى بيت الله الحرام الأفضل على الأرجل، أم على هذه الوسائل الحديثة التي خلقها الله لنا؟ كثير من الناس يتوهمون أن الحج إلى بيت الله الحرام على الأرجل أفضل من الحج على السيارة أو الطيارة أو نحو ذلك. نحن نقول بكل صراحة وبكل اطمئنان: إن الحج إلى بيت الله الحرام الأفضل بالوسيلة التي تتيسر للحاج الذي يشمله عموم قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
следующие страницы →