← Акыда

Акыда · id 145205

جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى

ناصر الدين الألباني

Полный текст (5 605 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

الذي عرفوه، فهم يرتكبون المحارم التي حرمها الله ، فإذاً إيمانهم بأن لا إله إلا الله حقاً فيه زغلٌ حتى بالنسبة لهؤلاء الذين نفترض فيهم أنهم فهموها ليس فقط قالوها، ولكنهم ما جعلوها منهج حياتهم، ولذلك فالأصل أن يبدأ الداعية المسلم بما بدأت به الأنبياء والرسل كلهم أن يعبدوا الله ويجتنبوا الطاغوت، وعبادة الله حينما يريد الداعية أن يتولى شرحها وبيانها سيصطدم مع واقع مرير مع الأسف من نفس الشيوخ فضلاً عمن دونهم؛ لأنهم ما فقهوا بعده شهادة أن لا إله إلا الله. (الهدى والنور /١٣٤/ ٤١: ٣٥: ٠٠)

стр. 3992

نصيحة للدعاة في أسلوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السؤال الثاني: نرجو من فضيلتكم نصيحة الشباب خاصة في بعض مناهج الدعوة إلى الله تعالى؛ لأن الشباب يملكون قوى جبارة ويريدون استفراغ ما يملكون من القوى في سبيل إرضاء الله تعالى لكنهم قد لا يعرفون السبل التي تُبَلِّغهم رضاه ﵎، لقد ظهرت في بلادنا جماعة تسمى بجماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعمل هذه الجماعة: أن تذهب مثلاً إلى حانة فتنهى صاحبها فإن لم ينتهي كسرت كل شيء، ونريد كلمة حول تنظيم العمل الجماعي هذا، وجزاكم الله خيراً. الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فوصيتي لإخواننا الشباب المسلم في كل نواحي البلاد الإسلامية أمران اثنان: أولهما: أن يتوجهوا للتفقه في دين الله ﵎ على ضوء الكتاب والسنة، وأن لا يستعجلوا الأمور قبل أوانها، فقد قيل: من استعجل الأمر قبل أوانه ابتلي بحرمانه، ونحن نشاهد اليوم أن هؤلاء الشباب المتحمسين لا يكادون يتعلمون إلا قليلاً من العلم وإذا بهم يرون أنفسهم قد أصبحوا أهل الحل والعقل، والأمر والنهي، ويترتب من وراء ذلك بسبب ضآلة علمهم أن لا يحسنوا

стр. 3993

القيام ببعض الواجبات الكفائية والتي ليست هي بالواجبات العينية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن المعلوم شرعاً أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون أيضاً بالمعروف وليس بالشيء المنكر، ومن (انقطاع) والنهي عن المنكر أن يترتب وراء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مفسدة كبرى هي أكبر من المصلحة التي يريدون تحقيقها أو المفسدة التي يريدون القضاء عليها، فإذا ترتب من وراء ذلك الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر تلك المفسدة الكبرى فهنا يقول أهل العلم: أنه لا يجوز المبادرة إلى مثل ذاك الأمر بالمعروف وإلى مثل ذاك النهي عن المنكر، فإذا أمروا بالمعروف يجب أن يكون أمرهم بالمعروف، وإذا نهو عن المنكر فيجب أن يكون كذلك نهيهم عن المنكر بالمعروف، والمعروف بلا شك إنما يكون إذا كان موافقاً للكتاب والسنة. ومن المقرر عند أهل العلم أنه إذا دار الأمر بين مفسدتين إحداهما أكبر من الأخرى ارتكبت الصغرى في سبيل دفع الكبرى بها، ومما يستدل على ذلك قصة أمر النبي ﵌ لعائشة أن تصلي الصلاة في الحجر لما رأت النبي ﵌ دخل جوف الكعبة وصلى فيها ركعتين فأرادت هي ﵂ أن تقتدي بنبيها وأن تدخل إلى جوف كعبة ربها فقال لها ﵊: «صلي في الحجر فإنه من البيت وإن قومك لما قصرت بهم النفقة أخرجوا الحجر من البيت، ولولا أن قومك حديثو عهد بالشرك لهدمت الكعبة ولبنيتها على أساس إبراهيم ﵇ ولجعلت لها بابين مع الأرض باباً يدخلون منه وباباً يخرجون منه» فلم يغير رسول الله ﵌ بناء الكعبة على ما تركته عليه أهل الجاهلية وهو قاصر عن البناء الذي كان إبراهيم ﵇ أقام قواعده عليها مع ذلك فقد أعرض الرسول ﵇ عن تجديد بناء الكعبة خشية أن تثور في بعض الناس فتنة تردهم عن كثير من دينهم، وإذا كان الأمر كذلك أي: كان من الواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف شرعاً فأرى أنه يجب على القائمين

стр. 3994

بهذه الفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبخاصة في بعض الدول، بل لا بأس أن نقول: في كل الدول الإسلامية التي لا تسمح لأفراد المسلمين أن يقوموا بهذه الحسبة وبهذا الواجب؛ ولذلك نحن ننصحهم أن يكتفوا من الأمر بالمعروف بما لا يترتب من ورائه ضرر سواء كان هذا الضرر يمس الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أو يمس آخرين ممن يتحمسون لهم أو عليهم. لذلك هذه الصورة التي سمعتها آنفاً وهي في بلادكم وما أعتقد أن بلادكم أصبحت في التعبير العصري اليوم: ديمقراطية بمعنى: أن يسمح فيها أن تصرف كل فرد على ما يرى من حريته والآخرون أيضاً يسمحون لهم بأن يفعلوا ما شاؤوا هذا بلا شك مما لم تصل إليه الدول العربية بل ولا الدول الغربية؛ لأن هذه الصورة فيها اعتداء مباشر على المواقعين والمنتهكين لحرمات الله ﵎؛ ولذلك فنحن ننصح لهؤلاء أن الشباب يكتفوا ما دام الأمر حتى الآن مع الآسف لا يسمح للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يغير المنكر بالمرتبة الأولى التي جعلها الرسول ﵇ أولى المراتب الثلاثة في قوه الصحيح المشهور عنه: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» لا شك أن تغيير المنكر باليد له آثار عظيمة ومفيدة جداً في المجتمع الإسلامي ولكن مع الأسف الشديد إن مجتمعنا اليوم ليس مجتمعاً إسلامياً ما دامت الدول لا تحكم الإسلام فيما يقع بين أفراد المسلمين من مخالفات ومن منازعات. ونحن نعرف في التجربة الواقعة في العصر الحاضر أن مثل هذا التقدم أو مثل هذه الجرأة في تغيير المنكر باليد وبكسر الأشياء المحرمة في مثل هذه البلاد التي نحياها اليوم والتي لا تحكم شرع الله تعود نتيجة ذلك بالنقيض مما يريده أهل الإصلاح أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تكون النتيجة أن هذا الحماس ستنطفئ شعلته بسبب معاكسة الدولة لهؤلاء الشباب المتحمسين بحيث أنهم يضطرونهم في نهاية الأمر إلى أن يقبعوا في دورهم وأن لا يأمروا

стр. 3995

بالمعروف حتى ولو بالكلمة الطيبة؛ لذلك أنصح هؤلاء الشباب في كل البلاد الإسلامية أن يأمروا بالمعروف أمراً لا يترتب من ورائه مفسدة كبرى، هذا ما عندي جواباً عن هذا السؤال. (الهدى والنور /٢٣٢/ ٤٣: ٠١: ٠٠). التخفيف من إلقاء المواعظ السائل: قد جاء في صحيح البخاري أن ابن مسعود ﵁ كان يكره تكثير إلقاء المواعظ , وكان يخرج لأصحابه كل يوم خميس , وكان يعزو هذه الكراهة إلى رسول الله ﵌ , فكيف يمكننا الإقتداء به في إلقاء هذه الدروس في المساجد؟ الشيخ: ما احتج به ابن مسعود هو قوله «كان رسول الله ﵌ يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا» وهذا بسبب أن الدروس عامة , أما إذا كانت الدروس خاصة ويتفق عليها طلاب العلم ولو كان في كل يوم أو في كل ليلة , وذلك لا مانع منه , بل هذا شيء لا بد منه , أما بالنسبة لعامة الناس فإنما هو كما قال ابن مسعود «يتخولهم بالموعظة» أي لا يتابعهم بحيث يملهم وإنما هاه تارة وتارة. (الهدى والنور / ١٣٠/ ٠٥: ٤٠: ٠٠)

стр. 3996

إحياء بعض السنن التي لم يعتد عليها الناس مداخلة: قد يقوم بعض الشباب الصالح بإحياء بعض السنن المهجورة كسنة الاكتحال مثلاً وما شابه ذلك. الشيخ: كسنة ماذا؟ مداخلة: الاكتحال. الشيخ: الاكتحال. مداخلة: فيقوم له بعض الصالحين بحسن نية ويقول: يا أخي! هذا أمر غريب على الناس ولا تنفر الناس ويستشهد بقول النبي ﵌: «لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه» فيقول: أن النبي ﵌ هنا كان يحسب حساب الناس، فأنت إن أحييت هذه السنة قد يكون هناك يعني غرابة على الناس فيردوا هذه السنة ويكفروا بالسنة، فاستشهاداً بهذا الدليل أن النبي ﵌ كان يحسب حساب الناس، كيف الرد عليه؟ الشيخ: ما أعتقد أن هذا الأمر مستقيم بل هو توسع غير محمود؛ لأنه يؤدي إلى إماتة السنن بسبب عدم إحيائها خشية أن يترتب وراء ذلك مفسدة مظنونة. نحن نقول بالنسبة لهذا الاستدلال ومثل أشياء كثيرة تتعلق بالنبي ﵌: فلا ينبغي لنا أن نقيس أنفسنا به ﵊، مثلاً: لقد كان النبي ﵌ يقول تشريعاً للناس عن رب العالمين: «لا صدقة لغني ولا لذي مرة سوي» مقابل هذا جاء عنه ﵌ من حديث أبي سعيد الخدري أن الرجل كان يأتيه ﵊ ويسأله وهو قوي فيعطيه فإذا ما خرج من عنده يقول لأصحابه عليه

стр. 3997

السلام: «إنه خرج بها يتأبطها ناراً» فيقول له بعضهم: فإذاً لم تعطيه يا رسول الله؟ فيكون جوابه ﵊: «يسألونني ويكره الله لي البخل» فمقام النبوة دونه كل مقامات الناس والصالحين، فإذا كان الرسول ﵌ يمتنع عن شيء خشية أن ينال منه ﵌ أو يفعل شيئاً لو لم يفعله قد يقال فيه ما لا ينبغي أن يقال فهذا حكم خاص به ﵊، أما عامة الناس فعلى العكس من ذلك يجب نحن أن نحض المسلمين بعامة وطلبة العلم منهم بخاصة وأهل العلم بصورة أخص على أن لا يبالوا في الناس وأن يحيوا ما أماته الناس من سنن النبي ﵌، لكن في هذه الحالة لتخفيف المحذور الذي قد يترتب بالنسبة لبعض الناس الذين يفاجؤون بإحياء السنة من سنن النبي ﵌ يبين للناس في حدود استطاعة المبين؛ بأنه هذا الأمر سنة حض النبي ﵌ عليها أو أمر بها ونحن نقوم بها إحياءً واكتساباً للأجر المعروف بالنسبة لمن يحي السنة ومن أصح ذلك. مداخلة: تبيين هذا يمهد قبل أن يفعل أم بعد ما يفعل هذه السنة المهجورة؟ الشيخ: لا يوجد مانع أن يقترن ذلك مع السنة، وهذا طبعاً يختلف من شخص إلى آخر، بمعنى: عامة المسلمين لا يكلفون بمثل هذا البيان؛ لأنهم لا يستطيعون، فحسب هؤلاء أن يحيوا هذه السنة، ولكن أنا لا أتصور أن فرداً من أفراد المسلمين من عامتهم يستقل بإحياء سنة إلا ويكون قد سبق إليها من أهل العلم أو من أفراد من طلاب العلم لدفع ذاك المحظور يقوم به ذلك العالم الذي أحيا السنة أو طالب العلم الذي أحيا هذه السنة فحينئذٍ يزول المحظور بمثل هؤلاء العلماء أو طلاب العلم، أما عامة المسلمين فحسبهم أن يقوموا بالسنة هذا الذي أراه في هذه المسألة. (الهدى والنور /٣٣٧/ ٣٣: ٠١: ٠٠)

стр. 3998

الحكمة في الدعوة إلى الله مداخلة: يا شيخ في سؤال، السؤال: الآن بينت أنه لا بد من استعمال الحكمة مع المدعو والصبر عليه، أحياناً الإنسان الداعية يقوم بأمرين: الأمر الأول التنبيه، الشيخ: الأمر الأول؟ الملقي: الأمر الأول: أنه ينبه يبين الحق للناس، مثلاً التحذير من أهل البدع وكذا وكذا إلى آخره، الأمر الثاني: أنه لو صح له بدعياً أتى أول شيء من هذا القبيل يستعمل معه أولاً اللين حتى إذا رآه مكابراً يطبق طريقة أهل السنة من عدم مجالسته إلى آخر، الملاحظ، واللي لاحظناه أن بعض الذين يشذون عن المنهج الصحيح، منذ أن يسمعوا بك أن تحذر لا تراه فكيف الآن التوفيق ما بين القول أن الإنسان لا بد أن يجالسهم وكذا وكذا، وبين أنك تصدع بالحق لبيانه للناس الآخرين. الشيخ: أنا ما فهمت منك أن هناك تناقضاً، الذي يشمس عنك شَمْوسَ البغل لا يقاس عليه الناس الآخرون الذي ينبغي لك أن تصدع لهم بالحق، فما فهمت أن هناك تناقضاً. الملقي: هو يا شيخ الآن احنا الذي لاحظناه أن البعض من أجل الطريق الثانية وهي الحكمة مع المدعو يريدون إسكاتك عن بيان الحق، من أجل أن تهديهم بسهولة، هذا يعني منتشر عند الدعاة الآن. الشيخ: طيب، أنت تذكر معي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ

стр. 3999

أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، فأنا إذا كنت أدعو أولاً إلى دعوة الحق، وثانياً: بالحكمة والموعظة الحسنة، لكن أنت ولا مؤاخذة كمثال تريدني أن لا أستعمل الحكمة وأن أصدع بالحق، فما الذي يضرني أي في نهاية المطاف وباختصار الكلام: مالي وللناس، المهم أن أعرف أنا هل جمعت بين الصدع بالحق والدعوة إلى هذا الحق، بالحكمة والموعظة الحسنة أم لا، فإذا أنا لم أجمع قد أصدع بالحق ولا أستعمل الحكمة، وهنا موجود، وقد أستعمل الحكمة وأتلين بها هذا أضيع الصدع بالحق، فإذاً لا هذا على صواب ولا هذا على صواب، وإنما الصواب أن نجمع بين الدعوة إلى الحق وبين الحكمة والموعظة الحسنة، أما زيد من الناس أو جماعة من الناس يريدون منا باسم الحكمة أن لا نتحدث ولا نصارح بالحق فهذا بلا شك ليس من الحق في شيء، فإذاً نجمع بين الأمرين، ونجاهد أنفسنا على هذا الجمع بين الحقين، حق الدعوة وحق استعمال الحكمة والموعظة الحسنة. مداخلة: يا شيخ. الشيخ: تفضل الملقي: نرى يعني كثيراً من ... المنهج السلفي دائبين في الهجوم على المنهج السلفي وعلى رموز كما يقال. الشيخ: وعلى؟ الملقي: رموزه من أئمة السلف كابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب، الشيخ: إي نعم. الملقي: ودائبون في هذا العلم لا يفترون، ومع دأبهم هذا لا نسمع صيحات ولا ضجيج حول هذا العمل النافر، لكن إذا يعني بلغ السيل الزبى وتصدى لهذا

стр. 4000

التيار الخطير بشأن الرد تأتي الانتقادات، أذكر مثلاً: اعتدى عليكم فلان دافعتم، سمعتم الصيحة، عرفتم هذا في سوريا، صيحات من هذا الأسلوب شديد ولا بد من الحكمة ولا بد الحيلة، والناس تقول أن هذا أعداء شيوعيين وبعثيين وناصريين وو إلى أخره، فنحن نرى هذه الطائفة دائبة لا تفتر، في مؤلفات في تعليقات في كذا وكذا وكذا، فماذا نصنع، هل من الحكمة أنا ما نقدح في شيوخهم أبداً، ونسعى ببيان الحق بدون هذا الأسلوب، أو أيضاً كجزء من الدعوة لا بد أن تتصدى لهذا التيار ونبين ما فيه من غلو ومن عدوان ومن انحراف، يعني هل نجمع بين الأمرين أو نرجح جانب السكوت، ونمضي بدعوتنا هكذا هادئين، ونسكب هذه الموجات ... الماشيين؟ الشيخ: لا ما يكفي هذا؟ لا بد من الجمع بين الدعوة إلى الحق والرد على الذين يبطلون ويحاربون الحق والدعاة إليه، وهذا يعني أمر واضح جداً من كلامنا السابق، فالصدع بالحق واستعمال الحكمة والموعظة. الملقي: أصبح في مفهوم الناس أن هذا ليس من الحكمة. الشيخ: ليس أيش؟ الملقي: ليس من الحكمة، المناقشة. الشيخ: أيضاً رجعنا إلى الناس، ما لنا وللناس، علينا أن نعرف الحق، وأن نتقرب إلى الله بالدعوة إليه، وكلنا يعلم قوله ﵎ في السورة، سورة العصر: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]، فعلينا أن ندعو إلى الحق وأن نصبر على ذلك، وأن لا نكل ولا نمل، مهما تألب الأعداء علينا، وردوا علينا ونسبونا إلى التشدد وإلى ربما الخروج ونحو ذلك، فلا يهمنا إذا كان ربنا يقول لنبيه ﵌: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ

стр. 4001

قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣]، ترى ما نسبتنا نحن الذين نزعم أننا دعاة، ما نسبتنا إلى نبينا ﵇، لا شيء يذكر، فإذا كان الكفار والضلال يتكلمون عادة في الرسل، ومنهم نبينا ﵌، فإذاً نحن يجب أن نهيء أنفسنا أننا سنسمع من الذين ضلوا كلاماً كثيراً، لا بد من أن نهيء أنفسنا، وأن نصبر على دعوتنا لنؤجر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، والله المستعان. الملقي: جزاكم الله خير. الشيخ: وإياكم. الملقي: ... موضوع الرد على الكتب المنحرفة وتتبع الأقوال المنحرفة في بعض الكتب وإن كانت كتب في جملتها مفيدة، يراه كثير من أو بعض من الدعاة المعاصرين أو ما ينتسبون إلى الدعوة في هذا العصر في الجماعات المختلفة يرون أن تتبع هذه الكتب مضيعة للدعوة، وضياع، ويعني والشيخ: انشغال بالقشور ... الملقي: نعم. الشيخ: إي نعم. الملقي: هذا الذي يعني مما يواجهنا حقيقة دائماً حتى من بين بعض إخواننا الذين هم من أهل العقيدة أصلاً، وأثرت فيهم بعض المناهج، فيرون تتبع هذه الكتب والكشف عن مثالبها، وتزييف ما فيها من باطل، يرون أن هذا إضاعة وقت لا فائدة فيه، بل يراه بعضهم من تتبع عورات الناس. الشيخ: الله أكبر، الله المستعان. (الهدى والنور/٣٦٩/ ٤٢: ٣١: ٠٠)

стр. 4002

الحكمة في الدعوة إلى الله قال الإمام: لكن هنا في هذه المناسبة لابد أن نذكر قيداً، لابد أن يقترن مع فكر الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر فكراً وعملاً، ألا وهو أن يكون أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أن يكونَ كلُّ ذلك بالمعروف، أن يكون أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر بالمعروف من أساليب الشريعة، فكلنا يعلم قول ربنا ﵎ في القرآن الكريم: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [١٢٨: النحل]، الحكمةُ هنا أول ما يتبادر إلى ذهننا وذهن غيرنا أيضا هو اللين وترك الشدة والغلظة، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [١٥٩: آل عمران] وهذا أمر ملاحظ في هدي الرسول ﵇، وفي سنته العملية، لقد كان بأمته رؤوفاً رحيماً كما وصفه ربنا ﵎ في القرآن الكريم: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [١٢٨: التوبة]، لقد كان ﵇ كذلك في أسلوب حياته وتعليمه لأمته، ولعل الحاضرين جميعاً كلنا يعرف قصة ذلك الأعرابي الذي يبدو أنه كان حديث عهد بالإسلام وأنه لمّا يتعلم بعد الآداب الإسلامية والأحكام الشرعية، ذلك أنه حاول أن يبول في المسجد النبوي وتعلمون أن المسجد النبوي كان مفروشاً بالحصباء، فلما رأى ذلك منه أصحابه ﵇ همّوا به أن يضربوه، فقال ﵇ لهم: «لا تزرموه» لا أي لا تقطعوا عليه بوله، «إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسّرين» وتركه ﵇ يقضي بوله حتى ارتاح، لكن الرجل بقدر ما سره من لطفه ﵇ به انغاظ من غلظة أصحابه وبدا ذلك من دعائه بعد الصلاة حيث قال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا تشرك معنا أحداً، اللهم ارحمني ومحمداً ولا تشرك معنا أحداً، محمد بيستحق الرحمة

стр. 4003

لأنه رحيم، أما هؤلاء الجفاة الغلاظ القلوب فهؤلاء لا يستحقون الرحمة، اللهم ارحمني ومحمداً ولا تشرك معنا أحداً، فعاد الرسول ﷺ يعلمه يقول له: «لقد حجّرت واسعاً من رحمة الله» حجَرت أي ضيّقت واسعاً من رحمة الله ﵎، فهذا أسلوب من أساليب الرسول ﵇ الهينة اللينة في تأديبه لأصحابه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر. لكن هناك قصة تشبه هذه، وقد لا يعرفها كثيرٌ من الناس، وهي قصة ذلك الصحابي الذي تكلم في الصلاة وحاول من حوله أن يسكتوه بالضرب على أفخاذهم، ألا وهو الذي يُعرف بماذا؟ معاوية بن الحكم السُلمي، هذا معاوية غير معاوية بن أبي سفيان الذي صار فيما بعد خليفة المسلمين، يقول هو نفسه معاوية بن الحكم السلمي: صليت يوماً وراء النبي ﷺ ، وعطس رجلٌ بجانبي، فقلت له: يرحمك الله فنظر إليّ يعني نظرة مسكته، مَنْ حوله، فضاق بهم ذرعاً، ونادى بأعلى صوته: «واثُكل أميّاه» هو يصلي ينادي بأعلى صوته: «واثُكل أميّاه» -أي فقدتني أمي-، يدعو على نفسه، لماذا تنظرون إليّ؟ ما لكم تنظرون إلي؟ فأخذوا ضرباً على أفخاذهم" اسكت الآن ليس وقتاً للكلام، قال -وهنا الشاهد-: "فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة أقبل إليّ، فوالله ما قهرني ولا كهرني ولا ضربني ولا شتمني، وإنما قال لي: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» إلخ الحديث والحديث فيه طول ولو أنه فيه فوائد، لكن ما نطيل عليكم الآن، فالشاهد أن الرجل شعر بأنه أخطأ في الصلاة من نظرات الصحابة إليه، نظرات إنكار في الصلاة، ثم من ضربهم على أفخاذهم تسكيتاً له، فعرف أنه كان مخطئاً، ومثله يتصور ويحدث نفسه: الآن يا ترى بعد الصلاة شو بده يعاقبني الرسول ﵇ على هذا الخطأ الذي ارتكبته؟ ، فيجيب نفسَه بنفسِه، فيقول: فوالله ما قهرني ولا كهرني ولا ضربني ولا شتمني وإنما قال لي هذه الصلاة لا يجوز فيها هذا الكلام، أقول الأمر بالمعروف يجب أن يكون بالمعروف لكن هنا الشيء الذي ينبغي التنبه له

стр. 4004

والتنبيه عليه، لكن أحياناً لابد من استعمال الشدة، ... لأن النبي ﷺ لما أراد الرسول ﷺ أن يعود إلى المدينة بعد أن طاف طواف الوداع علم أن صفيّة قد حاضت، فسأل: «هل طافت طواف الإفاضة؟ » فقالوا: نعم، فقال: «إذا فلتنفر» [وهنا انقطعت مادة الشريط] (الهدى والنور /٢٣٠/ ٠٠: ١٩: ١٠)

стр. 4005

أهمية مراعاة الأسلوب الحسن في الدعوة إلى الله السؤال: يعني الدعوة السلفية في هذا الزمان دعوة حق وهي التي ما ثبت عن النبي ﵌؟ الجواب: نعم، لكن كلمة في هذا الزمان لا محل لها من الإعراب. مداخلة: مسحوبة. الشيخ: مسحوبة. مداخلة: مسحوبة. الشيخ: نعم. السؤال: موضوع الصيام ... قضية الإفطار قبل الأذان المعهود، فهذه قضية نحن مؤمنين فيها ومصدقين أن الإفطار قبل الأذان سنة، حسب رؤية الشمس وغيابها. الشيخ: لا تقل الإفطار قبل الأذان سنة. مداخلة: ما هو بالنسبة للأذان حسب .. الشيخ: أنا أعرف ما قصدك، لكن أقول لك: لا تقل هكذا. مداخلة: طيب، جزاك الله خير.

стр. 4006

الشيخ: لأن القصد في القلب ما هو كل واحد يسمع كلامك يفهم مقامك، نعم. مداخلة: نعم، جزاك الله خير. الشيخ: نعم. السؤال: فنحن يصير عندنا مشاكل في المساجد فبعض الإخوان تطبيقاً لهذه السنة نقعد في المسجد أو في حلقة ويفطروا طبعاً قبل أذان وزارة الأوقاف، وبالتالي حصل بعض المشاكل بين الإخوة والناس، هذا ما حصل حقيقة، فهل هذا الكلام يعني هذه السنة نطبقها ونصر على تطبيقها في المساجد، أم تنصحنا مثلاً أنه يعني مثلاً نفطر في بيوتنا ونذهب إلى المسجد لنصلي معهم، فإذا كان الجواب على هذا السؤال أنه نعم نفطر لماذا ننتظر مع الإمام حتى نصلي معه جماعة ما دام وقت الغروب حان وأفطر قبل الجماعة لماذا ينتظر معهم حتى يصلي معهم الجماعة، سؤالين مع بعض؟ الجواب: يعني أفهم من سؤالك الثاني أنه لا يصلي مع الجماعة. مداخلة: يعني هو أفطر. الجواب: قل لي هذا الفهم صحيح وإلا ما هو صحيح. مداخلة: يعني يصلي قبلهم. الجواب: يعني أي سائل لما يسأل سؤال فيه شيء من الطول ولا أقول أن فيه شيء من الاضطراب، هذا الطول بحاجة إلى اختصار، أولاً بالنسبة لي كمسؤول يوجه إليه السؤال، أريد أن أعرف هل فهمت أنا السؤال وإلا لا. مداخلة: فهمته، سؤالي يعني فهمته المعنى أنك فهمت السؤال. الجواب: لكن أنا ما تأكدت أني فهمت، متى أتأكد لما تقول لي: نعم، هذا

стр. 4007

الذي فهمته هو أنا قصدته. مداخلة: نعم، هذا المقصود. الجواب: هذا الجواب. مداخلة: الله يجزيك خير. الجواب: لا تأتي تعمل لي محاضرة أخرى. مداخلة: الله يجزيك الخير. الجواب: طيب، أنا يا أخي الذي أقوله أنه الحقيقة عندنا معشر المسلمين جميعاً وبخاصة السلفيين عندنا شيئان: الأول: الدعوة، ولنقل الدين، لكن نقول الدعوة لأنه ليس كل من يتدين بدين الإسلام يدعو إلى الإسلام، هناك كثير من الناس حتى من الخواص لا يبالون بالناس ولا يدعون الناس ولا ينصحونهم ولا .. ولا .. إلى آخره، ولذلك أنا أعلل هذه الأخطاء التي نحاول تصحيحها والإعوجاجات التي نحاول تقويمها، ما السبب؟ مع أنه فيه أشياء منها كثيرة متفق عليها لا خلاف فيها، السبب هو أن أهل الدين والعالم به لا يبينوه للناس ولا يدعونهم، تركوهم هكذا سبهللاً. أذكر على سبيل المثال، ما معنى انتشال الأكل والأخذ والإعطاء باليد اليسرى بين الناس، وهذه لا تحتاج إلى جهد، إذا قلنا للناس: قوموا يا ناس صلوا بالليل والناس نيام، والله هذا يريد جهاد الأبطال، لكن خذ باليمين ولا تأخذ بالشمال وأعط باليمين لا تعط بالشمال، كل باليمين لا تأكل بالشمال، هذا سهل إن كان هذا وإلا هذا، ما هو سبب انتشار المخالفين للشريعة؟ سببها عدم نصح الناس لهؤلاء الجهلة، سكوت أهل العلم، هل يعرفوا على الأقل تقليداً إذا فرضنا لا يقرؤوا السنة لا يقرؤوا قول الرسول ﵊: «كُل باليمين واشرب باليمين، ولا تأكل بالشمال ولا تشرب بالشمال، فإن الشيطان يأكل بالشمال

стр. 4008

ويشرب بالشمال»، افرض أنهم ما قرؤوا الحديث، لكن كتب الفقه كلها طافحة بأنه لا يجوز الأكل بالشمال والشرب بالشمال، ما معنى أن المسلمين يعيشون إلى أربعة عشر قرناً من الإسلام والعادات هذه تمشي كأنها في بلاد الكفار. الجهل مسؤولية على أهل العلم، بهذه الحقيقة على الأقل، فالشاهد عندنا الدعوة شيء والأسلوب إلى الدعوة شيء آخر، أنا أريد من كل مسلم أولاً ومن إخواننا السلفيين خاصة ثانياً أن يفرقوا بين الأمرين، لأن الدعوة هي مقصودة بالذات، يعني يجب على كل مسلم أن يعرف كيف يصلي كيف يصوم كيف يفطر كيف .. كيف إلى آخره، لكن لا يجب عليه أن يدعو؛ لأن الدعوة فرض كفاية، أما العلم والتدين به فرض عين، إذا كانت هذه الحقيقة معروفة لدينا فلا يجب أن نهتم بالشيء الثاني الذي هو الأسلوب في الدعوة، قلنا: عندنا دعوة وعندنا أسلوب في الدعوة، أسلوب الدعوة معروف القرآن الكريم صراحة، ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] لكن الدعوة قبل الأسلوب، ولا نستطيع أن نفترض في كل الناس في كل أصحاب الدعوة لا نستطيع نتصور أبداً أنهم بنسبة واحدة في حسن الأسلوب وحسن الدعوة إلى الله ﵎، هذا أمر مستحيل، فيجب أن نصب اهتمامنا على الأمر الأول وهو الدعوة، الأمر الثاني كما يجب على من كان عنده حسن أسلوب في الدعوة أن يتلطف في دعوته للناس إلى دعوته، كذلك ينبغي لهذا الداعية أن يتلطف مع إخوانه الذين يسيئون للأسلوب في الدعوة، واضح أظن الكلام. مداخلة: واضح. الشيخ: نعم، لماذا؟ لأننا يجب أن نفرق بين الدعوة وأسلوبها، الدعوة فرض عين على كل مسلم أن يتبناها لكن ليس فرض عين على كل مسلم أن يكون داعية، ثم لو كان داعية لا نستطيع نتصور أن الأساليب متفقة وأن الأسلوب

стр. 4009

يمكن تعليمه وتلقينه للناس جميعاً هذا لا يمكن، فينبغي أن نتلطف مع عامة الناس في دعوتهم إلى دعوتنا السلفية، ومع إخواننا السلفيين الذين يسيئون الدعوة إلى الدعوة السلفية، أيضاً هذا يجب أن أتلطف به. بعد هذه المقدمة أرجع إلى صلب الموضوع ولعله سؤالك الأول بالنسبة لما ثبت لدينا يقيناً أن الأذان في هذا البلد يؤذن إما قبل الوقت أو بعد الوقت، أنت ذكرت الأذان الذي يؤذن به بعد الوقت بنحو عشر دقائق، والأولى عندي معالجة أمر آخر الذين يؤذنون قبل الوقت بنصف ساعة تقريباً يتراوح في اختلاف الفصول بين ثلث ساعة إلى نصف ساعة ويبطلون صلاة المصلين في كثير من المساجد، حيث يصلون صلاة الفجر قبل الفجر الصادق، المهم الآن يجب أن نفرق بين الدعوة وبين أسلوب الدعوة، يختلف الأمر اختلافاً كثيراً بين إنسان يعيش في مسجد جوه سلفي وبين مسجد آخر جوه خلفي، يجب أن يفرق بين مسجد وآخر، كما أنه يجب أن يفرق بين إعتنائه بالإفطار الشرعي بين أناس وآخرين. أناس مثلاً من إخوانك عندهم مبدأ التمسك بالسنة لا يوجد مانع بل يجب أنك تفطر أمامهم بعد دخول وقت الإفطار لغروب الشمس وقبل الأذان الذي يؤذنون اليوم بناءً على التوقيت الفلكي، أما إذا كنت في جماعة لم يسمعوا بدعوة الكتاب والسنة أو الدعوة السلفية، فهؤلاء ينبغي على الداعية حقاً أن يفكر طويلاً كيف يثير هذه المسألة. أنا أقول لكم شخصياً عن نفسي وبعض إخواننا، في رمضان أنا أرى الشمس تغرب من داري لأنها مرتفعة فأفطر ثم أسمع الأذان فأنزل أصلي مع الجماعة، فأنا أجمع بين فضيلتين: فضيلة التعجيل بالإفطار التي قالها الرسول ﵊ في الحديث المعروف: «لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر»، كما أن هناك حديث آخر يحض على تعجيل أداء صلاة المغرب، «لا تزال أمتي بخير ما

стр. 4010

لم يؤخروا صلاة المغرب إلى اشتباك النجوم»، ولذلك كانت السنة العملية أن النبي ﵌ كان يفطر على تمرات أو على جرعة من ماء ثم يصلي المغرب، فيعجل بالأمرين: جمعاً بين الفضيلتين، فأنا أقول شخصياً نفطر في البيت وأنزل أصلي في المسجد، لكن لا يجوز كتمان هذه السنة كما كان الأمر قبل هذه الأيام الأخيرة، لا أحد عنده خبر إطلاقاً بأن المؤذن يؤذن بعد غروب الشمس بعشر دقائق، لا أحد عنده خبر إطلاقاً أن المؤذنين لصلاة الفجر يؤذنون قبل الوقت بنصف ساعة وأن أكثر المساجد كانت تصلي صلاة الفجر قبل وقتها. فإذا عرف أهل العلم الحكم الشرعي وكتموه كان كتمانهم للعلم مصيبة عليهم في الدنيا والآخرة، الله كما نعلم جميعاً أخذ العهد والميثاق من أهل العلم أن يبينوه للناس ولا يكتمونه، كما هو في القرآن الكريم وكما قال ﵇: «من كتم علماً ألجم يوم القيامة بلجام من نار»، إذاً المسألة تحتاج إلى حكمة، لكن لأمر ما قال ربنا في القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. أنا أضرب لكم مثالاً عن نفسي أفكر أحياناً كيف أعالج أمراً ما حتى لا نكون مستعجلين في معالجة الأمور بغير الحكمة، أقص هذه القصة كمثال لما نحن في صدده من جهة ولأنه فيها أيضاً فائدة من جهة أخرى أو ربما فكاهة، ركبنا ذات يوم مع بعض الشباب القطار في دمشق قاصدين مصيفاً هناك اسمه (مضايا) وعادة القطار كالباص يمشي مسافة ويقف من أجل ينزل ويركب إلى آخره، ركبنا القطار في محطة الحجاز عندنا هناك حتى وصل إلى محطة البرامكة نعرف صاحبنا هناك، هناك وقف القطار من أجل يأخذ ركاب، أحد سكان ذلك المحل، تعرفوا سعيد الأوبري الخياط؟ مداخلة: لا.

стр. 4011

الشيخ: لا تعرفوه، سعيد ركب القطار أنا ذا علم لأني كنت شديد الصلة به أنه في الأمس القريب بنى بأهله تزوج، أما الشباب الذين معي ما عندهم خبر، ما كاد القطار يمشي إلا يأتي إلي أحد الشباب فيساررني يقول لي: الآن صعد قسيس، وهو في الغرفة الفلانية، هزيت له برأسي، فهمته كأنه يقول عليك به، انتقلت إلى الغرفة التي هو فيها، تعرفوا أظن القطار فيه صفين من الكراسي مع طول القطار صف كذا وصف كذا، دخلت أنا فيه ركاب طبعاً أكثرهم مسلمين، السلام عليكم، هو يجلس بتلك الزاوية، أنا تعمدت ألا أجلس تجاهه حتى لا يشعر أني جئت مثيراً له وإنما جلست بعيداً هناك، هذه أول واحدة يعني، لكن جلست أفكر كيف أدخل معه في الموضوع، هذه مسألة تريد مقدمة تكون مناسبة. مداخلة: ليتقبل. الشيخ: نعم، وربنا كما قال في القرآن الكريم، وهذه يجب أن تنطبق في قلوبنا تماماً، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وسرعان ما جاءت المناسبة أو وضعتها وهي دخل هذا الذي اسمه سعيد الأوبري الذي كان تزوج في الأمس القريب، هنا فتح أمامي طريق للدخول مع هذا الإنسان بطريقة غير مباشرة، فقلت له: أسمع شبابنا وبالتالي النصراني، هو قسيس ماروني لبناني، يلبس الطربوش الأسود الطويل إذا كنتم رأيتموه وجبة سوداء، فقلت لصاحبنا هذا سعيد، قلت: أبارك لك، بما كان رسول الله ﵌ يبارك لأصحابه، فأقول لك: بارك الله لك، وبارك عليك وجمع بينكما في خير، ولا أقول لك كما كانت الجاهلية الأولى تقول وكما تقول جاهلية القرن العشرين على صفحات الجرائد والمجلات بالرفاء وبالبنين، لا أقول لك بهذه التهنئة لأن الشارع الحكيم نهانا عنها، ما معنى بالرفاء والبنين، كم وكم من والدين رزقوا من البنين ما فرحوا بهم أولاً ثم كان عاقبة أمرهم سوءاً. أما بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير، فهذا جمع الخير كله،

стр. 4012

ومشيت، أذكر جيداً تسلسلت في الموضوع وحدثت طبعاً عن شيء من عظمة الإسلام وآداب الإسلام التي حرمها الآخرون، منها أن الإسلام عالج صحة المسلمين بالدين، لأنه لا يوجد عندهم أطباء يعرفون دقائق الأمراض ولكن باسم الدين نبههم على أشياء، الآن العلم بعد القرون الطويلة قبل الإسلام وبعد الإسلام اكتشف بعضها الآن من ذلك أن الشارع الحكيم نهى المسلمين أن يشربوا أو يأكلوا من الإناء المثلوم المشغور، فانتهى المسلمون من استعمال هذا الإناء، هذا نهي شرعي لكن فيه معنى طبي، ما بال المسلمون هكذا الشرع انتهى الشرع لو أرادوا يومئذٍ يعرفوا ما هو السر ما هي الحكمة لا أحد يعرف، الآن انكشف السر أن هذا الشعر دقيق هذا بالعين المجردة صعب أن يرى، يزعمون الأطباء اليوم أنه هناك الملايين من الجراثيم، فإذاً قال لهم الدين: لا تستعملوا هذا الإناء، أذكر هذا وأيضاً ذكرته. لما شعرت بأن القسيس امتلأ، امتلأ يريد أن يتكلم، وقلت في نفسي ذلك ما أبغيه، ولكني صمت فعلاً وإذا به ينطلق في الكلام، يقول: ما دام الإسلام هكذا، انظر الفرق، كيف أنا دخلت وكيف هو دخل، لأنه لا يستلهم من رب العالمين، انظر كيف درّجها، قفز القفزة، ماذا قال؟ ما دام هكذا الإسلام، لماذا المسلمين كفروا أتاتورك؟ ما دخل هذا بهذا، لا يوجد اتصال أبداً بين بحثي وبين سؤاله، لماذا كفروا أتاتورك؟ ألأنه فرض على الشعب التركي لبس القبعة الأوروبية، قال: الله أعلم بما في القلوب، صار هو يؤيد العمل هذا، تركته حتى أفضى بكل ما في نفسه .. ما كفروا أتاتورك لكن هو حكم بنفسه على نفسه بكفره حينما رفض شريعة ربه القائل: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وبطبيعة الحال أي مسلم يعترض على شريعة الله فهو لا يكون مسلماً هذا أولاً، ثانياً .. أعني أولاً يعني كفره المسلمون لهذا، ثانياً أتاتورك أنت تقول أن هذه القبعة ما لها تأثير هذا زي عام صار أممي حسب تعبيره، والله أدرى بما في القلب من الإيمان، قلنا له: لا، هذه إسلامية مرفوض هذا الكلام.

стр. 4013

قلت له: من كمال الإسلام أنه وضع مبادئ وقواعد ألزم المسلمين أن يتمسكوا بها في سبيل المحافظة على شخصيتهم المسلمة، فهو الشارع الحكيم كما عالج أمراض القلوب والنفوس المطوية في الأبدان كذلك عالج الظواهر التي يظهر بها المسلمون في أبدانهم وفي منطلقهم في حياتهم. وذكرت له أحاديث مما جاء من النهي عن التشبه بغير المسلمين: «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم»، فقلت له: إن الإسلام أراد بالمسلمين أن يحافظوا على شخصيتهم الظاهرة ولا يندمجوا في شخصيات شعوب أو أمم أخرى، قلت له: لأنك تعلم فيما أظن أن الضعيف يتشبه بالقوي والعكس، ليس القوي يتشبه بالضعيف، فإذا المسلم تشبه بغير المسلم فمعنى ذلك أنه وضع الصغار لنفسه والخضوع لذلك الكافر. فلفتُّ نظره إلى حكمة تتعلق بالظواهر، في كتاب لأحد الأوروبيين قرأته قديماً من ثلاثين أو أربعين سنة، عنوانه عجيب جداً لكن استفدت منه، اسمه «فلسفة الملابس»، الحقيقة أنه استرعى انتباهي مثال ذكره، مع أنه موجود مشاهد، لكن الناس لا ينتبهوا، يقول هذا الرجل في هذا الكتاب: إن الإنسان شديد التأثر إلى درجة بلباسه، يتأثر بلباسه إذا كان لابس ثياب رثة تجده يمشي متمسكن، أما إذا لبس ثياب جديدة ومكوية إلى آخره تجده يمشي وصدره إلى الإمام لسان حاله يقول: يا أرض اشتدي ما أحد عليك قدي، هذا ثابت بالملابس، وهذه أيضاً ظاهرة تروها بين الناس جميعاً والمتأثرين المتغربين المتأوروبيين متأثرين بالثقافة الغربية تجده إذا كان لابس الجاكيت الضيق والبنطلون الأضيق الذي عض على أفخاذه وعدم المؤاخذة على مؤخرته عضاً لا يستطيع أنه يركع فضلاً عن أنه لا يستطيع أن يسجد لأنه سوف يشتط، هذا يرى نفسه لماذا؟ متمدين مثقف، لماذا عمل كذا لأن قدوته الأوروبيين عظماؤه هم

стр. 4014

الأوروبيين. فإذاً قلت لهذا القسيس الماروني: الثياب تؤثر في أصحابها ولذلك نهانا الشارع الحكيم عن أن نتشبه بغيرنا، تكلمنا ما شاء الله ثم رجعت إلى الوتر الحساس، قلت له: إذا كان اللباس ليس له تأثير وإنما الأمر بما في القلب، هل أفهم من كلامك أنك لا تتأثر إذا لبست القلنسوة السوداء ووضعت عمامة بيضاء على فروش أحمر تكون شيخ مسلم، قال: لا ... لا ... لا ... قلت له: ليس هذا يخالف ما قلته آنفاً، العبرة بما في القلب، أنت رجل نصراني مسيحي، فإذا وضعت اللفة والطربوش الأحمر لن تصير شيخ مسلم، قال: لا، نحن رجال دين، لكن صار معه والحمد لله مثلما تقول وأنا في الشام: «كان تحت المطر صار تحت المزراب» أنت مسكته مثلما يقول جماعة عندنا في الشام من خوانيقه، قلت له: هذا هو الفرق بيننا وبينكم، أنت رجل دين أنتم معشر النصارى قسمان رجال دين ورجال لا دين، فما يحرم عليكم يحل على الآخرين، وما يجب لكم لا يجب على الآخرين، أما الإسلام فقد سوى بين الناس جميعاً، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] لا فرق عندنا أبداً بين العالم الصالح التقي الورع وبين الجاهل المسلم، هما عند الله سواء مظهراً ومخبراً كل واحد الله يحاسبه على حسب ما في نفسه وعلى حسب منطلقه في حياته، نحن ما عندنا رجال دين كل مسلم هو رجل دين، ولذلك إن جاز لي أنا أن أضع هذه القلنسوة على رأسي شرعاً جاز لكل مسلم وإن حرم ذلك علي حرم ذلك على كل مسلم. وحسبكم هذا التفاوت بيننا ... وكل إناء بما فيه ينضح مداخلة: جزاك الله خير. الشيخ: هذه قصة أحببت أن أحكيها في تلك المناسبة. مداخلة: تَعَقَّد.

стр. 4015

الشيخ: نعم، تعقد، لكن انظر هذا المعقَّد ذكرني بشيء أو بشيئين، بعد ذلك جرى الحديث بيني وبينه في تثليثهم، يومئذ انظر إلى الشيء الذي أتذكره يومئذ كان الإنجليز دخلوا سوريا بعد الفرنسيين، المهم الإنجليز أتوا بجنود من جنود بعض المستعمرات من جملتهم جنود لبنانيين، كان في القطار جندي بريطاني لبناني، لما كنت أناقش مع المسيحي في التثليث، ماذا قال هذا الجندي المسيحي اللبناني، قال: والله يا أبونا تريد الحق أن كلام الشيخ صحيح، نعم. الشاهد القطار كان ينطلق بنا إلى مضايا تقريباً في خمسين كيلو متر، ما شعرنا بالمسيرة هذه أبداً، لما قاربنا من النزول بعض إخواننا ذكروا لي أن هذه محطتنا نريد ننزل الآن، تعلق الرجل بي وقال لي: لو أنك تمشي معنا إلى بيروت حتى نتمتع بحديثك وكذا إلى آخره، قلت في نفسي: سبحان الله، لو جلست مع شيخ من إخواننا المسلمين كان سينفجر القطار بنا. هذا رجل نصراني يتمنى أن يطول المشوار من أجل نتم معه في حديثه شيء مؤسف المؤسف جداً، نعم؟ هذا يدل على القصد يعني الأسلوب يختلف. مداخلة: نعم، نفس ... الشيخ: الأسلوب يختلف. مداخلة: ... الشيخ: نعم، انظر لا يوجد فرق بين مسيحي ونصراني، نعم. (الهدى والنور /٢٠٤/ ٤١: ٠٠: ٠٠).

стр. 4016

ما هي الأُسس التي ينبغي أن ينطلق منها الداعية إلى الله ؟ السائل: بسم الله، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﵌، سؤالي ما هي المفردات أو الأسس التي ينطلقُ من خلالها الداعية إلى الله تعالى لتوجيه الناس إلى فهم دينهم الصحيح، وأقول على سبيل السؤال والمثال قولهُ جل وعلا: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] فما هو قولكم في هذا السؤال أفيدونا أفادكم الله. الشيخ: الآية من حيث ربطها بالسؤال انقدح في نفسي شيء، لكن أريد التوضيح منك، ماذا قصدت بذكر الآية. السائل: هل ممكن أن تكون كعلامة أو دليل إلى الأسس التي ينطلق من خلالها الداعية. الشيخ: أعد الآية. السائل: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩]. الشيخ: هذا لا شك أنه يعني يمكن اعتبار الآية أنها جمعت الخصال التي لا بد من أن يدندن الداعية حولها في دعوتهِ إلى الله ﵎، أول ذلك وهذا ليس شرطاً أساسياً وإنما هو شرط كمال بخلاف بقية الآية، بعث، هو الذي بعث

стр. 4017

في الأميين رسولاً منهم، فالداعية يحسن أن يكون من نفس القوم ومعروفاً لديهم لاستقامتهِ ونقاوتهِ وصدقهِ وإخلاصهِ في دعوته؛ لأنه إن كان غريباً عنهم فقد لا يثقون به، ومن هنا كان من الحكمة الإلهية أنه ما بعث نبياً إلا في قومهِ، ومن هنا نحن نستطيع أن نأخذ حكمة أو سياسة للداعية أن يكون داعياً في نفس القوم الذي عرف فيهم وليس من الضروري أن يكون مثلاً العرب ينقسمون إلى شعوب كثيرة، وكثيرة جداً، فليس من الضروري أن يكون مثلاً الداعية أردني لكنه يدعو في العراق إلا إذا كان مقيماً هناك وعرفت أخلاقهُ وعرفَ إخلاصهُ، فحينذاك يكون له أسوة بالأنبياء بل بسيد الأنبياء ﵊ الذي بعث في قومهِ، والحكمة ظهرت من ذلك حينما دعاهم إلى التوحيد، دعاهم وأقام الحجة عليهم مثل ما حكاهُ الله في القرآن الكريم بقولهِ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] أي أنهم عاشروا النبي ﵌ أربعين سنة، وما عرفوا فيه إلا الصدق وإلا الأمانة، وكذلك السيدة خديجة ﵂ من أولئك القوم الذي عرفوا أمانتهُ فأرسلتهُ للتجارة في بلاد الشام، فالعرب الذين بعث فيهم الرسول ﵇ بعث فيهم وقد عرفوهُ حقاً بصدقهِ وأمانتهِ فأقيمت الحجة عليهم بمثل هذه الآية: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦]، فينبغي للدعاية أن يدعو في قومهِ وقومهُ لأنه يكون أشد تأثيراً فيهم. هذا أولاً، وقلت هذا ليس شرطاً أساسياً لكن هذا شرط كمال، أما الشروط الأساسية هي التي جاءت فيما بعد في تمام الآية، يعلمهم الكتابة أي يدعوهم إلى كتاب الله ، ولا يدعوهم إلى كتاب غير الكتاب الكريم، لأن أي كتابٍ في الدنيا من الكتب التي ألفت من علماء المسلمين فضلاً عن غيرهم، يوجد فيها ما يوافق الكتاب وما يخالفهُ، أما القرآن فهو كما وصفهُ الله لا يأتيهِ الباطل من بين يديهِ ولا من خلفه، ولذلك فينبغي أن يدعو القومَ إلى كتاب الله، ليس إلى مذهبٍ ولا إلى طريقٍ، ولا إلى حزبٍ ولا إلى أي جماعةٍ أخرى، إلا قال الله ﵎.

стр. 4018

يعلمهُ الكتاب والحكمة، أما الحكمة فهي السنة، وكلما قرنت الحكمة بالقرآن المقصود بها سنة النبي ﵊، وهنا لا بد من التذكير، لأن السنة في عهد النبي ﵌، كانت صنو القرآن، حكم السنة يومئذٍ حكم القرآن وهي كذلك اليوم ولا شك، ولكن مع فارق كبير جداً أن السنةَ يومئذٍ قلت آنفا هي صنو القرآن لأن القرآن ثابتٌ يقيناً، والسنة يومئذٍ كذلك، لأنه لا واسطة بين الرسول وبين أصحابه، فهي أيضاً ثابتة بالنسبة للصحابة يقيناً، لكن الأمر اختلف حينما انتقلت السنة من الجيل الأول أصحاب النبي ﵌ إلى الجيل الثاني، وهكذا دواليك إلى أن وصلت السنة إلينا، في هذه المراحل دخل في السنة مالم يكن منها، وما دخل كان على وجهين اثنين، بعضهُ خطأً بدون قصدٍ، وبعضهُ عن قصدٍ وعمدٍ، وهذا القسم الثاني ينقسم إلى قسمين بعضه أدخله بعض المسلمين إتباعاً لأهوائهم، والبعض الآخر أدخله أعداء الدين لإفساد الدين، ومن هنا جاءت الأحاديث الضعيفة والموضوعة وعلى هذا كان من الواجب على الداعية اليوم ما لم يكن واجباً في ذلك اليوم الأول، فهذا الداعية ينبغي إذا دعا الناس إلى الحكمة أي السنة، يجب أن يتذكر هذه الحقيقة البينة الواضحة التي لا إشكال فيها أن في السنة ما تتبرأ السنة منها، وهذا يتطلب علماً من علوم الإسلام التي أهملها علماء المسلمين فضلاً عن غيرهم ألا وهو علم مصطلح الحديث وتراجم الرجال؛ لأنه بهذين العلمين يستطيع الداعية المسلم أن يدعو إلى الحكمة وإلا دعا إليها وإلى نقيضها لأنه إن لم يميز الصحيح من الضعيف من السنة فقد اختلطت الحكمة بغيرها، ومن هنا يتبين بأن أكثر الدعاة الإسلاميين اليوم هم ليسو في دعوتهم على الصراط المستقيم لأن الصراط المستقيم هو كتاب الله وسنة رسوله وهي الحكمة ذلك لأن جماهيرهم لا يميزون بين صحيح الحديث وضعيفة لذلك تجد الأحاديث الضعيفة والموضوعة والفقه المنحرف عن الكتاب والسنة ماضياً في الدعاة أنفسهم فضلاً عن المدعوين من طرفهم إذاً النبي ﵌ كان يعلمهم الكتاب والحكمة السنة، نحن علينا اليوم واجب أن نتميز

стр. 4019

بالسنة صحيحة من السنة الضعيفة فإذا فعلنا ذلك يكون الغاية من وراء الدعوة إلى الكتاب والحكمة هي لوجه الله لتزكية قلوب هذه الدعاة وليس لينال منهم مركزاً أو ليحظى منهم مالاً، وإنما كما قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]. ويقولون فيما يقولون لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً إنما هي دعوتهم إلى الكتاب والحكمة لتزكية المدعوين ليس إلا على هذا يجب أن تكون دعوة الداعي قائمة إنشاء الله. (الهدى والنور /٥٨١/ ٤٥: ٣٩: ٠٠)

стр. 4020

ما هي الطريقة المُثْلَى للدعوة إلى الله ؟ السؤال: ما هي المواضيع أو الأولويات التي يجب أن يهتم بها ويُقَدِّمها طالب العلم عن غيرها، وما هي الطريقة المثلى للدعوة إلى الله تعالى؟ الشيخ: أظن بعض هذا السؤال سبق، لكنه لعله يبدو شيئاً آخر في الإجابة عن هذا السؤال، فأنا أقول بأن المسلم يجب أن يهتم بما هو أهم كما قيل: العلم إن طلبته كثير والعمر عن تحصيله قصير فقدم الأهم منه فالأهم. يجب أن لا ننصاع لعواطفنا ولرغبات الناس أو الشباب الذين يعيشون من حولنا، وأن نقدم لهم ما يحلو لهم من الأحكام الشرعية، وإنما علينا أن نهتم بما يجب أن نعلمهم به على هدي رسول الله ﵌ الذي أمرنا بالاقتداء به في قوله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فلا يجوز أن نسكت عن الانحراف الذي أصاب العالم الإسلامي منذ قرون طويلة في فهم العقيدة المتعقلة بآية واحدة ألا وهي قوله تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ١ - ٣]، فيجب أن نفهمهم أن الإيمان بالغيب هو أول ركن من أركان الإيمان، وأن هذا الركن أول ما يدخل فيه هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه كما جاء في الحديث المعروف، ولكن لا يكفي الإيمان المجمل، لا بد من التفصيل، الإيمان بالله كما نعلم

стр. 4021

جميعاً يشترك فيه كل أصحاب الديانات سواء كانوا يهوداً أو نصارى ولكن دعوة الإسلام تختلف عنهم تماماً في أنهم يفهمون الإيمان بالله كما قال تعالى في الآية المعروفة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وعلى هذا النهج يجب أن ندعو المسلمين إلى الإيمان في حدود ما جاء في الكتاب والسنة أولاً، وبعيداً عن علم الكلام الذي سيطر على بعض المذاهب الإسلامية كالأشاعرة والماتريدية وإن كان هؤلاء على خير كبير في بعض الجوانب الإيمانية ولكنهم مع الأسف انحرفوا في بعض الجوانب الأخرى عن منهج السلف الصالح، هذا الذي أن يهتم الداعية بدعوة الشباب المسلم إليه. ثم كما قلنا الأهم فالأهم أن يعلموا وأن يعرفوا بالصلاة وما يصلحها وما يفسدها ونحو ذلك، أما الأسلوب في الدعوة فلم يدع ربنا مجالاً لأحد بعد قوله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وهذا بلا شك أول ما يتطلب من الداعية أن يكون رحيماً وأن يكون شفيقاً وأن لا يشتد على المخالفين ولاسيما إذا كانوا معه في أصل الدعوة أي: الكتاب والسنة، ولكنهم انحرفوا بعض الشيء في بعض النواحي فيجب الرفق بهم كما جاء عن النبي ﵌ من قوله في الحديث المعروف عن عائشة، وحسبنا الآن قوله لها: «يا عائشة ما كان الرفق في شيء، وما كان العنف في شيء إلا شانه» لكني أريد أن أذكر هنا بشيء يغفل عنه كثير من الناس، وأعني بهم بعض الدعاة، إن الرفق ولو أنه هو الأصل في الدعوة ولكن ذلك لا يعني أنه لا ينبغي للداعية أن يستعمل الشدة أحياناً يضعها في موضعها المناسب لها، فإن النبي ﵌ الذي خوطب بقوله ﵎: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، ومع ذلك نجد أن النبي ﵌ كان في بعض الأحيان يشتد على بعض المخالفين ولو أن هؤلاء المخالفين ما كانوا يتعمدون الخطأ، ولكن لما كان الخطأ يتعلق بأمر هام بما يتعلق بالإيمان وبخاصة برب الأنام، كان ﵊ يستعمل من الشدة، كلكم يعلم

стр. 4022

ما رواه الإمام أحمد في المسند بالسند الصحيح عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﵌ خطب يوماً في الصحابة فقام رجل ليقول له: «ما شاء الله وشئت يا رسول الله! فقال له ﵇: أجعلتني لله نداً، قل: ما شاء الله وحده» فهذه الشدة إذا وضعت في مكانها فهو من الحكمة، ولذلك فلا ينبغي أن تغتر ونقول إن اللين دائماً يجب أن ينبغي أن يكون سمة المسلم وصفته، لا، هذه هي الصفة الغالبة، لكن أحياناً لا بد من وضع الشدة في مكانها المناسب، وأخيراً آت بمثال من أحاديث الرسول ﵇ وهو قوله: «من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه» هذا التعبير قد لا يستسيغه كثير من الناس، ولكن من كان يؤمن بالله ورسوله حقاً وعرف أن هذا الحديث نطق به الرسول ﵌ حينئذ سيكون هذا الحديث من جملة الأدلة أن الشدة أحياناً في محلها هي عين الحكمة، ما معنى الحديث؟ «من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه» أي من تفاخر بآبائه في الجاهلية الذين كانوا في الشرك وماتوا في الشرك، فهذا أقول له تعض كذا، يعني لعظه هذا هو الهن المكني عنه بهذه العبارة اللطيفة في حديث الرسول، لكن هو يقول لنا: «أعضوه بهن أبيه» هذا شدة بلا شك ولكنها هي الحكمة، هذا الذي أردت أيضاً أن ألحقه بهذا السؤال. (الهدى والنور/٦٢٠/ ٠٣: ٢١: ٠٠)

стр. 4023

كيف نجعل الناس يستجيبون لدعوتنا السؤال: الله يجزيكم الخير شيخنا لقد أعدتم تأصيل العقيدة في هذا البلد ولكن الدعوة أو منهاج الدعوة بين الناس قد يحتاج في بعض الأحيان إلى شيء غير العقيدة، فمثلاً على سبيل المثال عندما نكلم شخص عن الصلاة قد لا يستمع لنا ولا يلقي لنا بالاً، مع العلم بأن الصحابة رضوان الله عليهم في عهد رسول الله ﵌ منهم مثلاً مصعب بن عمير ذهب إلى المدينة فأسلم كل أهل المدينة على يديه وأبو ذر الغفاري مكث مع الرسول ﵌ شهراً واحداً ثم ذهب إلى غفار فأسلم كثير من قومه على يديه، وهو لم يتعلم شيئاً من أمور الدين، نحن المتعلمون أو من نعد أنفسنا متعلمين نتكلم مع الناس ولا يلقون لنا بالاً ولا يضعون أذناً صاغية لنا ماذا نفعل؟ أو على أي منهاج نسير بعد العقيدة حتى نستطيع أن نخرج الناس مما هم فيه، أفيدونا جزاكم الله خير. الجواب: الإسلام ليس عقيدة فقط، الإسلام عقيدة وأحكام، عبادات وأحكام، وسلوك وأخلاق، فقلنا نحن آنفاً ونقول: دائماً إن العلم يبدأ ويسبق العمل ويسبق العقيدة في ذلك قال الله في الآية التي سبق أن ذكرناها ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، نحن الآن ابتلينا بكثير من الفلسفة فنقول: نريد منهاجاً المنهاج موجود في القرآن وفي السنة، ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]. وأنت الآن تقول: ندعو الناس إلى الصلاة فما يستجيبون، أخي هذا سؤال ليس نابعاً من العلم الذي يجب أن نتعلمه لماذا؟ لأننا لسنا مكلفين أن نهدي قلوب الناس إلى الحق الذي ندعو الناس إليه وإنما نحن مكلفون بالدعوة فقط

стр. 4024

فقولك ندعوهم إلى الصلاة ولا يستجيبون، طيب، وما العمل؟ هل نضطرهم؟ قال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦]، فضلاً عن العامة، جاء في مسلم أن النبي ﵌ قال: «عرضت علي الأمم فرأيت سواداً في الأفق فأعجبني كثرته فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء موسى وقومه، ثم نظرت هكذا فرأيت سواداً أعظم قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء أمتك يا محمد! قال: -وهنا الشاهد- ثم عرض علي النبي ومعه الرهط والرهطان والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد» ما معنى هذا الحديث؟ معناه أن الأنبياء التي دعوتهم كلهم حق مع ذلك نسبة الأتباع تختلف كثرة وقلة مع هؤلاء الأنبياء التي دعوتهم دعوة حق لا خلاف بينهم، فإذاً ما وجه الغرابة أنك تقول: ندعو تاركي الصلاة إلى الصلاة فلا يستجيبون، معنى ذلك أن الأرض غير مستعدة لتقبل هذا الخير، هذا المطر من الخير. لكن لا يفوتني أنه جاء في أثناء كلامك أن الصحابي كان ليس معه شيء من العلم، فأظن أن هذه لغوة لسان لأنه ما يخرج ليدعو إلا وقد ملأ الله قلبه علماً وإيماناً لكن لعلك أردت أن تقول ما عنده كثير من العلم مثل حكايتنا يعني. فعلى كل حال المنهج مذكور في الكتاب والسنة، فما علينا نحن إلا أن نسلك سبيل المؤمنين علماً وعملاً وإخلاصا، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]، كنت أردت أن أقول: إن سبب عدم تأثير دعوة بعض الدعاة في المدعوين يعود إلى أمرين اثنين أو على الأقل إلى أحدهما. أما الأمران فهو قلة العلم وقلة الإخلاص في العمل أيضاً، أردت أن أقول هذا ثم تذكرت حديث الرهط والرهطين والرجل والرجلين والنبي وليس معه أحد ما استطعنا أن نقول في النبي أنه كان يدعو بغير علم وأنه كان يدعو بغير إخلاص. إذا سنقول الآن غير ما أردت أن أقوله قبل أن ألقي على مسامعكم هذا

стр. 4025

الحديث، أي داعية يدعو قوماً إلى الحق سواء كانوا مشركين كفار يدعوهم إلى الإسلام وهم لا يستجيبون له أو كانوا مسلمين ولكن مع إسلامهم منحرفين عن كثير أو قليل من الإسلام، هذا الداعية أو ذاك حينما يدعو هؤلاء أو أولئك إما أن يكون في دعوته محقاً ومخلصاً ومع ذلك لم يجد أثر دعوته فالعلة حينئذ في المدعوين وإما أن يكون العلة منه وكما يقال: دود الخل منه فيه. ولا يمنعني شيء من أن أقول: إن كثيراً من الدعاة قد يتوفر فيهم الأمران العلم والإخلاص ومع ذلك لا يجدون الأثر وقد لا يتوفر فيهم العلم والإخلاص أو على الأقل أحدهما فلا يجدون الأثر. إذاً إذا شعر أحدنا بأن دعوته لا تصل إلى قلوب المدعوين فليتهم نفسه هذا خير له من أن يتهم غيره. (الهدى والنور /٧٣٠/ ٢٠: ٤٠: ٠٠)

стр. 4026

كيف يرقي المؤمن نفسه في مجال الدعوة إلى الله ؟ مداخلة: بسم الله الرحمن الرحيم، كيف يرقي المسلم نفسه في مجال الدعوة إلى الله ؟ الشيخ: الحقيقة كان في نفسي آنفًا لما ألقيت تلك الكلمة الوجيزة في العلم النافع والعمل الصالح، أن أتحدث عن شيءٍ يتعلق بالدعوة، فجاء هذا السؤال الآن ليفتح لي الطريق للخوض فيما كنت فكرت فيه ثم لم أفعل. أما كيف يرقي الإنسان نفسه في سبيل الدعوة؟ فذلك بلا شك يحتاج إلى أمرين اثنين فيما يبدو لي: الأمر الأول: أن تظل علاقته مع أهل العلم سواءً من كان منهم حيًا في كتابه أو كان حيًا في دعوته، أعني: أن يكون ذا صلةٍ قصوى بكتب أهل العلم الذين عرفوا باستقامتهم في عقيدتهم، فلا ينقطع عن المراجعة والمطالعة والاستزادة من علمهم؛ لأن ذلك يساعده على أن يترقى وعلى أن ينطلق في دعوته إلى الله ﵎. والشيء الثاني: أن يُكْثر صلته بأهل العلم الأحياء منهم، وبخاصة من كان منهم معروفًا عقيدته الصالحة وأخلاقه الكريمة الطيبة؛ لأننا نعلم أن القدوة الحسنة لها أثرٌ كبيرٌ جدًا في الناس المقتدين بهم، إذا كان الرجل أو العالم أو الشيخ المقتدى به فيه شيءٌ من الانحراف الفكري أو الخلقي، فلا يبعد أن يؤثر

стр. 4027

ذلك الشخص أو الشيخ في الذين يتصلون بهم أو يتلقون العلم عنهم. ومعلوم أن أحاديث كثيرة معروفة عن الرسول ﵇ فيها الحض على مصاحبة الصالحين ومرافقتهم، كمثل قوله ﵊: «لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقيٌ» فوصية الرسول ﵌ في هذا الحديث بأن يصاحب المسلم التقي، ما ذلك إلا لأن عدوى الصالح تسري بالخير إلى المصاحب له. ولذلك جاء في صحيح البخاري عن النبي ﵌ قوله: «مثل الجليس الصالح كمثل بائع المسك إما أن يحذيك - أي: يعطيك - وإما أن تشتري منه، وإما أن تشم منه رائحةً طيبة، ومثل جليس السوء كمثل الحداد إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تشم منه رائحةً كريهة». ولذلك فمن كان يريد الانطلاق والترقي في سبيل الدعوة، فلا بد من أن يحافظ على هذين الأمرين: الأمر الأول: أن يكون كثير الصلة بكتب أهل العلم الماضيين المعروفين بالعلم النافع والعقيدة الصحيحة، وإذا تيسر له أيضًا في مجتمعه الذي يعيش فيه بعض أهل العلم والصلاح، فعليه أيضًا أن يتصل بهم ما أمكنه ذلك، حتى يتأثر بمساراهم ويستفيد من أخلاقهم ومن سلوكهم. هذا الذي يبدو لي جوابًا عن هذا السؤال. (سلسلة الهدى والنور (١٨٨) /٠٠: ٠٨: ٣٥)

стр. 4028

علاج ظاهرة الفتور الإيماني عند الدعاة مداخلة: ما علاج ظاهرة الفتور أو الضعف الإيماني لدى بعض الدعاة؟ الشيخ: هذا في الحقيقة يعود إلى شيءٍ سبق أن أشرت إليه، وهو علة العلل في هذا العصر في كثير من الدعاة، ألا وهو: عدم الإخلاص في الدعوة. هناك ظاهرة تلفت النظر المفكر الذي يحاول أن يتعرف على ما يصيب المسلمين من أدواء، وأن يقدم في حدود ما يعلم وما عنده من علم إلى الدواء، الظاهرة هي: أن كلمة الدعوة أصبحت اليوم مهنة، وأصبحت يتبناها كل من يشعر بنفسه شيئًا من العلم، وهو ليس كما يقال في العير ولا في النفير في العلم. وذلك كما ترون من زاوية أخرى أن كلمة السلفية الآن أصبحت متبناةً من كثيرٍ من المسلمين الذين قد يكون بعضهم على الأقل كان يظهر عداءه الشديد لهذه الدعوة، فلما انتشرت هذه الدعوة، وأخذت مكانها اللائق بها في العالم الإسلامي، فأخذ أكثر الناس من الدعاة ولو لم يكونوا لهم أي صلة في الدعوة السلفية الصحيحة يدعون السلفية، فمن هنا يدخل في هذا المنهج العلمي السلفي من ليس له صلة مطلقًا بهذا المنهج. ولذلك فأنا أعتقد أن السبب: هو فقدان الإخلاص في الدعوة؛ لأني أعتقد كما أشرت آنفًا لعله في السؤال الأول: أن الداعية حقًا يجب أن يكون وثيق الصلة ومستمر الصلة بالعلماء أمواتًا وأحياءً، ذلك لكي ينمي في نفسه الفقه والفهم للعلم، وأسلوب الدعوة إلى هذا العلم الصحيح، وهذا بلا شك يحتاج

стр. 4029

إلى جهود جبارة، وإلى صبر على الدعوة، وهذا لا يستطيعه في الواقع إلا من كان مخلصًا لله كل الإخلاص. فانصراف بعض من ينتمون إلى الدعوة عن القيام بحقها وبواجبها، فهو دليلٌ على أنهم لم يكونوا مخلصين في الدعوة، وإلا لماذا هذا التأخر في ذلك، والانصراف عن مقتضيات الدعوة ولوازمها؟ هذا في اعتقادي هو سبب ما جاء في هذا السؤال. وباختصار هو ... وهذا ليس له علاج إلا اللجوء إلى الله ﵎، وتذكيرهم ممن له قدم راسخة في العلم بهذا الواجب الذي يجب عليهم أن يتمسكوا به وأن يموتوا عليه، وإلا كان عملهم هباءً منثورا. مداخلة: أسأل في نفس السؤال، يا شيخ المقصود: ليس فقط ... عن الدعوة نفسها، عن إيمان الشخص نفسه فيما بينه وبين الله ، بعد أن يكون في بداية التدين أو بداية التوبة، يكون متحمس وكثير الإخلاص لله ومسرع في أداء العبادات، بعد ذلك ... الدنيا أو له تجارة معينة أو مع النساء. الشيخ: هذا لا نستطيع أن نجيب عليه؛ لأن الأسباب كبيرة وهو المثبطات عن الاستمرار في السبيل القويم، وفساد الأجواء التي يعيش فيها هؤلاء الناس، وآنفًا ذكرت قوله ﵇: «مثل الجليس الصالح ومثل جليس السوء» ومما يتعلق في هذا أن المجتمع الفاسد له تأثير كبير جدًا في الأفراد الذين يعيشون فيه، ولذلك جاءت أحاديث كثيرة حض المسلم بأن يكون مع الصالحين كما ذكرنا آنفًا بعض الأحاديث في ذلك، لكن أذكر شيئًا آخر منها. قوله ﵇: «أنا بريءٌ ممن أقام بين ظهراني المشركين» أو كما قال ﵇، وقوله أيضًا في الحديث الآخر: «من جامع المشرك فهو مثله» وأوضح من ذلك تبيانًا لأثر البيئة الفاسدة بالناس المقيمين فيها، الحديث المعروف صحته برواية الشيخين البخاري ومسلم له، ألا وهو قوله ﵊:

стр. 4030

«كان فيمن قبلكم رجلٌ قتل تسعةً وتسعين نفسًا، ثم أراد أن يتوب، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهبٍ، فجاء إليه وقال: أنا قتلت تسعةً وتسعين نفسًا، فهل لي من توبة؟ قال: لا، قتلت تسعةً وتسعين نفسًا ولك توبة؟ لا توبة لك، فقتله وأتم به المائة». ولكنه فيما يبدو من تمام القصة كان مخلصًا في قصده للتوبة، ولذلك فقد استمر يسأل عن أعلم أهل الأرض، حتى دُلَّ على عالم، هو من قبل سأل نفس السؤال لكن الدال كان جاهلًا، فبدل أن يدله على عالم دَلَّه على راهب، والراهب كناية عن عبادته مع جهله، وظهر جهله هذا في جوابه، حيث قال له: لا توبة لك، فقتله. أما في المرة الثانية فقد كان حظه طيبًا، حيث دل على عالم فأتاه وقال له: أنا قتلت مائة نفس، وأريد أن أتوب إلى الله ، فهل لي من توبة؟ قال: ومن يحول بينك وبين التوبة، ولكنك بأرض سوءٍ، هنا الشاهد «ولكنك بأرض سوءٍ» فاخرج منها إلى القرية الفلانية الصالح أهلها. فانطلق يمشي إليها؛ لأنه كان مخلصًا في السؤال، وكان مستسلمًا لجواب العالم، فلما أفهمه العالم بأنك ما شقيت هذه الشقوة حتى قتلت مائة نفسٍ بغير حقٍّ إلا لأنك تعيش في جوٍ موبوءٍ فاسد، فاخرج من هذه البلدة إلى البلدة الصالح أهلها وعينها له. فانطلق يمشي، وفي الطريق جاءه الموت، فتنازعته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، كلٌّ يدعي بأنه من حقه أن يتولى نزع روحه، فأرسل الله إليهم حكمًا، أن قيسوا ما بينه بين مكان الموت .. بينه وبين كلٍّ من القريتين، القرية التي خرج منها والتي خرج قاصدًا إليها، فقاسوا فوجدوه أقرب إلى القرية الصالح أهلها بمقدار ميل الإنسان في مشيته، فتولته ملائكة الرحمة. الشاهد من هذا الحديث: أن ذلك العالم حقًا قد عرف سبب شقاوة هذا الإنسان، وإقدامه على قتل مائة نفس؛ وهو لأنه كان يعيش في جوٍ فاسد، فهذا
следующие страницы →