← Акыда

Акыда · id 145205

جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى

ناصر الدين الألباني

Полный текст (5 605 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

كيف يرقي المؤمن نفسه في مجال الدعوة إلى الله ؟ مداخلة: بسم الله الرحمن الرحيم، كيف يرقي المسلم نفسه في مجال الدعوة إلى الله ؟ الشيخ: الحقيقة كان في نفسي آنفًا لما ألقيت تلك الكلمة الوجيزة في العلم النافع والعمل الصالح، أن أتحدث عن شيءٍ يتعلق بالدعوة، فجاء هذا السؤال الآن ليفتح لي الطريق للخوض فيما كنت فكرت فيه ثم لم أفعل. أما كيف يرقي الإنسان نفسه في سبيل الدعوة؟ فذلك بلا شك يحتاج إلى أمرين اثنين فيما يبدو لي: الأمر الأول: أن تظل علاقته مع أهل العلم سواءً من كان منهم حيًا في كتابه أو كان حيًا في دعوته، أعني: أن يكون ذا صلةٍ قصوى بكتب أهل العلم الذين عرفوا باستقامتهم في عقيدتهم، فلا ينقطع عن المراجعة والمطالعة والاستزادة من علمهم؛ لأن ذلك يساعده على أن يترقى وعلى أن ينطلق في دعوته إلى الله ﵎. والشيء الثاني: أن يُكْثر صلته بأهل العلم الأحياء منهم، وبخاصة من كان منهم معروفًا عقيدته الصالحة وأخلاقه الكريمة الطيبة؛ لأننا نعلم أن القدوة الحسنة لها أثرٌ كبيرٌ جدًا في الناس المقتدين بهم، إذا كان الرجل أو العالم أو الشيخ المقتدى به فيه شيءٌ من الانحراف الفكري أو الخلقي، فلا يبعد أن يؤثر

стр. 4027

ذلك الشخص أو الشيخ في الذين يتصلون بهم أو يتلقون العلم عنهم. ومعلوم أن أحاديث كثيرة معروفة عن الرسول ﵇ فيها الحض على مصاحبة الصالحين ومرافقتهم، كمثل قوله ﵊: «لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقيٌ» فوصية الرسول ﵌ في هذا الحديث بأن يصاحب المسلم التقي، ما ذلك إلا لأن عدوى الصالح تسري بالخير إلى المصاحب له. ولذلك جاء في صحيح البخاري عن النبي ﵌ قوله: «مثل الجليس الصالح كمثل بائع المسك إما أن يحذيك - أي: يعطيك - وإما أن تشتري منه، وإما أن تشم منه رائحةً طيبة، ومثل جليس السوء كمثل الحداد إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تشم منه رائحةً كريهة». ولذلك فمن كان يريد الانطلاق والترقي في سبيل الدعوة، فلا بد من أن يحافظ على هذين الأمرين: الأمر الأول: أن يكون كثير الصلة بكتب أهل العلم الماضيين المعروفين بالعلم النافع والعقيدة الصحيحة، وإذا تيسر له أيضًا في مجتمعه الذي يعيش فيه بعض أهل العلم والصلاح، فعليه أيضًا أن يتصل بهم ما أمكنه ذلك، حتى يتأثر بمساراهم ويستفيد من أخلاقهم ومن سلوكهم. هذا الذي يبدو لي جوابًا عن هذا السؤال. (سلسلة الهدى والنور (١٨٨) /٠٠: ٠٨: ٣٥)

стр. 4028

علاج ظاهرة الفتور الإيماني عند الدعاة مداخلة: ما علاج ظاهرة الفتور أو الضعف الإيماني لدى بعض الدعاة؟ الشيخ: هذا في الحقيقة يعود إلى شيءٍ سبق أن أشرت إليه، وهو علة العلل في هذا العصر في كثير من الدعاة، ألا وهو: عدم الإخلاص في الدعوة. هناك ظاهرة تلفت النظر المفكر الذي يحاول أن يتعرف على ما يصيب المسلمين من أدواء، وأن يقدم في حدود ما يعلم وما عنده من علم إلى الدواء، الظاهرة هي: أن كلمة الدعوة أصبحت اليوم مهنة، وأصبحت يتبناها كل من يشعر بنفسه شيئًا من العلم، وهو ليس كما يقال في العير ولا في النفير في العلم. وذلك كما ترون من زاوية أخرى أن كلمة السلفية الآن أصبحت متبناةً من كثيرٍ من المسلمين الذين قد يكون بعضهم على الأقل كان يظهر عداءه الشديد لهذه الدعوة، فلما انتشرت هذه الدعوة، وأخذت مكانها اللائق بها في العالم الإسلامي، فأخذ أكثر الناس من الدعاة ولو لم يكونوا لهم أي صلة في الدعوة السلفية الصحيحة يدعون السلفية، فمن هنا يدخل في هذا المنهج العلمي السلفي من ليس له صلة مطلقًا بهذا المنهج. ولذلك فأنا أعتقد أن السبب: هو فقدان الإخلاص في الدعوة؛ لأني أعتقد كما أشرت آنفًا لعله في السؤال الأول: أن الداعية حقًا يجب أن يكون وثيق الصلة ومستمر الصلة بالعلماء أمواتًا وأحياءً، ذلك لكي ينمي في نفسه الفقه والفهم للعلم، وأسلوب الدعوة إلى هذا العلم الصحيح، وهذا بلا شك يحتاج

стр. 4029

إلى جهود جبارة، وإلى صبر على الدعوة، وهذا لا يستطيعه في الواقع إلا من كان مخلصًا لله كل الإخلاص. فانصراف بعض من ينتمون إلى الدعوة عن القيام بحقها وبواجبها، فهو دليلٌ على أنهم لم يكونوا مخلصين في الدعوة، وإلا لماذا هذا التأخر في ذلك، والانصراف عن مقتضيات الدعوة ولوازمها؟ هذا في اعتقادي هو سبب ما جاء في هذا السؤال. وباختصار هو ... وهذا ليس له علاج إلا اللجوء إلى الله ﵎، وتذكيرهم ممن له قدم راسخة في العلم بهذا الواجب الذي يجب عليهم أن يتمسكوا به وأن يموتوا عليه، وإلا كان عملهم هباءً منثورا. مداخلة: أسأل في نفس السؤال، يا شيخ المقصود: ليس فقط ... عن الدعوة نفسها، عن إيمان الشخص نفسه فيما بينه وبين الله ، بعد أن يكون في بداية التدين أو بداية التوبة، يكون متحمس وكثير الإخلاص لله ومسرع في أداء العبادات، بعد ذلك ... الدنيا أو له تجارة معينة أو مع النساء. الشيخ: هذا لا نستطيع أن نجيب عليه؛ لأن الأسباب كبيرة وهو المثبطات عن الاستمرار في السبيل القويم، وفساد الأجواء التي يعيش فيها هؤلاء الناس، وآنفًا ذكرت قوله ﵇: «مثل الجليس الصالح ومثل جليس السوء» ومما يتعلق في هذا أن المجتمع الفاسد له تأثير كبير جدًا في الأفراد الذين يعيشون فيه، ولذلك جاءت أحاديث كثيرة حض المسلم بأن يكون مع الصالحين كما ذكرنا آنفًا بعض الأحاديث في ذلك، لكن أذكر شيئًا آخر منها. قوله ﵇: «أنا بريءٌ ممن أقام بين ظهراني المشركين» أو كما قال ﵇، وقوله أيضًا في الحديث الآخر: «من جامع المشرك فهو مثله» وأوضح من ذلك تبيانًا لأثر البيئة الفاسدة بالناس المقيمين فيها، الحديث المعروف صحته برواية الشيخين البخاري ومسلم له، ألا وهو قوله ﵊:

стр. 4030

«كان فيمن قبلكم رجلٌ قتل تسعةً وتسعين نفسًا، ثم أراد أن يتوب، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهبٍ، فجاء إليه وقال: أنا قتلت تسعةً وتسعين نفسًا، فهل لي من توبة؟ قال: لا، قتلت تسعةً وتسعين نفسًا ولك توبة؟ لا توبة لك، فقتله وأتم به المائة». ولكنه فيما يبدو من تمام القصة كان مخلصًا في قصده للتوبة، ولذلك فقد استمر يسأل عن أعلم أهل الأرض، حتى دُلَّ على عالم، هو من قبل سأل نفس السؤال لكن الدال كان جاهلًا، فبدل أن يدله على عالم دَلَّه على راهب، والراهب كناية عن عبادته مع جهله، وظهر جهله هذا في جوابه، حيث قال له: لا توبة لك، فقتله. أما في المرة الثانية فقد كان حظه طيبًا، حيث دل على عالم فأتاه وقال له: أنا قتلت مائة نفس، وأريد أن أتوب إلى الله ، فهل لي من توبة؟ قال: ومن يحول بينك وبين التوبة، ولكنك بأرض سوءٍ، هنا الشاهد «ولكنك بأرض سوءٍ» فاخرج منها إلى القرية الفلانية الصالح أهلها. فانطلق يمشي إليها؛ لأنه كان مخلصًا في السؤال، وكان مستسلمًا لجواب العالم، فلما أفهمه العالم بأنك ما شقيت هذه الشقوة حتى قتلت مائة نفسٍ بغير حقٍّ إلا لأنك تعيش في جوٍ موبوءٍ فاسد، فاخرج من هذه البلدة إلى البلدة الصالح أهلها وعينها له. فانطلق يمشي، وفي الطريق جاءه الموت، فتنازعته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، كلٌّ يدعي بأنه من حقه أن يتولى نزع روحه، فأرسل الله إليهم حكمًا، أن قيسوا ما بينه بين مكان الموت .. بينه وبين كلٍّ من القريتين، القرية التي خرج منها والتي خرج قاصدًا إليها، فقاسوا فوجدوه أقرب إلى القرية الصالح أهلها بمقدار ميل الإنسان في مشيته، فتولته ملائكة الرحمة. الشاهد من هذا الحديث: أن ذلك العالم حقًا قد عرف سبب شقاوة هذا الإنسان، وإقدامه على قتل مائة نفس؛ وهو لأنه كان يعيش في جوٍ فاسد، فهذا

стр. 4031

الحديث وما سبق ذكره يدل على أن المسلم يجب أن يحيط نفسه ببيئةٍ صالحة وبرفقاء صالحين، وأن يبتعد عن رفقاء السوء وعن البيئة الفاسدة حتى لا يتأثر بها، فهذا هو السبب في انحراف بعض الناس سواءً كانوا من الدعاة أو من عامتهم. (سلسلة الهدى والنور (١٨٨) /٠٠: ١٣: ٢٧) التصدر للدعوة من غير المؤهلين الشيخ: أنا أعتقد أن [مشكلة] العصر الحاضر الآن انخراط من لا يصلح للدعوة بالدعوة، ولم نكتف بهذا فقلنا: فهناك ... أيضاً، وأنه لا يعرف من الإسلام إلا الشيء القليل وأصبحت هذه اللفظة سواء كانت متعلقة بالذكور أو بالإناث فتنة؛ لأن الإنسان إذا عاش بمعنى قائم في ذهنه تأثر بهذا المعنى على مدى الحياة حتى ليذكرني ذلك بنكتة كنت قرأتها في بعض كتب الأدب عن أشعب ... أراد أن يبعد الأطفال في الطريق ... فقال لهم: انظروا إلى هذا القصر فهناك ... فركض الأطفال ورأى كذبه، فركض هو معهم فقيل له: كيف تركض معهم وأنت كذبت عليهم، قال: لعله صحيح! فهو كذلك يتوهم بعض الناس الذين يسمون أنفسهم بالدعاة فضلاً عن اللاتي يسمين أنفسهن بالداعيات. صحيح أن في ... يستحقون هذا الاسم فيتورطون ويتورطن أيضاً ويتكلمون في الإسلام بغير علم، فلماذا التضليل؟ ترك بعض الأحكام الشرعية مثل .... أنا لا أستطيع أن أنكر بأن لهذا الكلام أصلاً، لكن من الذي يستطيع أن يطبقه .. أهؤلاء الدعاة الذين يصح أن يقال إنهم اسم على غير مسمى، أم العالم المتمكن أولاً في علمه وثانياً في دينه الذي يربطه بتقوى ربه فلا يرائي ... وإنما فعلاً هو يريد أن يحقق مسألة الدعوة، وهذه المصلحة إذا قدر تحقق ... فوضعت في مكانها المناسب فأهل الحديث هم أولى الناس بها، ولا أقول أهل الفقه بل أهل الحديث؛ لأنهم هم في الحقيقة أهل الفقه، وأنا لا أستطيع أن أتصور فقيهاً

стр. 4032

غير محدث وإن كنت أستطيع أن أتصور محدثاً غير فقيه، أما فقيه غير محدث فهذا يكاد يكون معدوماً، فأهل الحديث هم أدرى بهذه القاعدة ولكن يجب أن تُوْضَع في موضعها؛ وذلك مما لا يستطيعه إلا أهل العلم. من أبواب الإمام البخاري في صحيحه باب معناه إن لم يكن لفظه قوله: باب: ما كل حديث تحدث به العامة، ثم روى تحت هذا الباب حديث معاذ بن جبل ﵁ الذي فيه أنه كان رديف النبي ﵌ فقال: «يا معاذ! قال: لبيك يا رسول الله! ثلاث مرات، ثم قال ﵇: أتدري ما حق الله على عباده، وما حق العباد على الله؟ حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن من مات منهم يشهد أن لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه حرم الله بدنه على النار» قال راوي الحديث عن معاذ: فما حدث معاذ بهذا الحديث إلا عند الوفاة تأثماً، فهذا المراد مصلحة الدعوة لكن أين مثل معاذ في العلم والفهم والصلاح والتقوى؟ ! وجرى على هذا السمع غير معاذ أيضاً فهناك في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه لما حضرته الوفاة قال: «لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩] إلى آخر الآية سمعت رسول الله ﵌ يقول: من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة». كذلك روى مسلم نحو هذا الحديث وهذا المعنى الموقوف عن عبادة بن الصامت، فمن هنا ينبغي على الداعية حقاً أن يراعي موقف الناس وأن يلاحظ أنه ليس كل حكم وكل حديث يروى فقد يقعون في مشكلة لم يدندن الحديث حولها وإنما أراد إثبات عقيدة صحيحة فإذا أساء فهمها فحينئذٍ إما أن يحدث الناس بهذا الحديث مع ... التفصيل وإما أن يصرف النظر عن التحديث به. هذا ما هو عندي في الظاهر جواباً عن ذاك السؤال. (رحلة النور ١٤ b/٠٠: ١٦: ٣١)

стр. 4033

ضابط المتصدر للوعظ والتعليم مداخلة: ... ما هو الضابط المتصدر للوعظ والتعليم؟ الشروط يعني .. الشيخ: لا شك أنه ينبغي أن يكون عالمًا على الأقل بما يعظ فيه الناس، وألا يكون حاكيًا؛ لأننا نعرف بعض الوعاظ ولهم تأثير طيب في الجماهير ولكنهم لا علم عندهم، فإذا خرجوا عن الموضوع الذي اعتادوا على إلقائه ... بأشياء غير صحيحة، وفهمها الناس عنه أنها من الشريعة. (فتاوى جدة- أهل الحديث والأثر (٣) /٠٠: ٥٢: ٠٤).

стр. 4034

على الدعاة ألاَّ يحدثوا بأحاديث الترغيب والترهيب إلا مع بيان المراد منها قال رسول الله ﵌ لأبي هريرة: (اذهب بنعليِّ هاتَين؛ فمَن لقِيتَ من وراءِ هذا الحائط يشهدُ أن لا إله إلا الله مُستَيقِناً بها قلبُه؛ فَبَشِّره بالجنّةِ). أخرجه مسلم. قال الإمام: وفي الحديث توجيه سديد للدعاة أن لا يحدثوا بأحاديث الترغيب والترهيب، إلا مع بيان المراد منها بالتفصيل؛ خشية أن يساء فهمها، فيتكلوا، فيبين مثلاً: أن الشهادة لله بالوحدانية يجب أن تفهم جيداً، بحيث تمنع قائلها من عبادة غير الله بأي نوع من أنواع العبادات المعروفة. وأن من شهد بها وقَصَّر بالقيام ببعض الأحكام الشرعية، أو ارتكب بعض المعاصي؛ فذلك لا يعني أنه لا يستحق أن يعذب عليها؛ إلا أن يغفر الله له. "الصحيحة" (٧/ ٣/١٧٠٩).

стр. 4035

كيفية إنكار المنكرات السؤال: فضيلة الشيخ! قوله ﵌: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده .. » الحديث، قال بعضهم: التغيير باليد لولي الأمر أو لمن له سلطة. وقال آخر: والتغيير بالقول للعالم، والتغيير بالقلب لعامة الناس. وقال آخر: بل كل مرحلة من هذه المراحل الثلاث يشترك فيها الولي والعالم والعامة. فما قول الشيخ في ذلك؟ الشيخ: لا شك أن القول الأول عاطل باطل، والقول الصحيح أن هذا الحديث يعم كل المسلمين لا فرق بين حاكم ومحكوم وبين عالم ومتعلم وجاهل؛ لأن النبي ﵌ أولاً جاء بلفظ (من) وهي من صيغ الشمول. «من رأى منكم» ومنكم أيضاً من صيغ الشمول، أي: أنتم معشر المسلمين. ثم قسم هؤلاء المخاطبين بالخطاب العام الشامل لجميع المسلمين، فقسمهم إلى ثلاثة مراتب، من كان يستطيع إنكار المنكر بيده، فهذا هو الواجب، ولا فرق في ذلك بين حاكم ومحكوم، ومن كان لا يستطيع ينزل درجة، فينكر المنكر بلسانه، ومن كان لا يستطيع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان. والحقيقة أن عجبي لا يكاد ينتهي من أناس يستغفلون الناس ويوهمونهم بأن هذا الحديث يخاطب ثلاث طبقات: الحكام والعلماء وعامة الناس. وهم يعلمون يقيناً أن هناك أمور تقع في دار أحد الناس وهو ليس بالحاكم، ولا هو بالعالم، ويرى منكراً فيغيره بيده، وإن لم يستطع أن يغيره بيده فبلسانه، فما

стр. 4036

فائدة هذا التقسيم العاطل الباطل والواقع يكذبه من كل المسلمين؟ ! لكنهم هم في الواقع يلجأون إلى مثل هذا التقسيم من باب معالجة منكر بمنكر آخر، يعني: على مذهب أبي نواس: وداوني بالتي كانت هي الداء. ما هو المنكر الذي يريدون أن يعالجوه به، أن كثيراً من عامة الناس تأخذهم العزة الإسلامية والغيرة الإسلامية حينما يرون منكراً فيغيرونه بيدهم، وهم ليسوا حكاماً؛ فيترتب من وراء هذا التغيير منكر أكبر، وهذا بلا شك لا يجوز، لكن عدم جوازه ليس لأن هؤلاء الذين غيروا المنكر هم ليسوا حكاماً، وإنما لأن هذا التغيير يترتب منه مفسدة أكبر من المصلحة، أي: لو أن المغير كان هو الحاكم نفسه، ورأى أنه يترتب من وراء تغييره لهذا المنكر منكر أكبر، لَما جاز له أن يغيره، وهو الحاكم، وهو الذي زعموا أنه مخاطب فقط، بقوله: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده». والدليل على ذلك لما الرسول ﵇ دخل جوف الكعبة وصلى ركعتين -كما جاء في الصحيحين- ثم خرج فأرادت السيدة عائشة أن تجهد نفسها وأن تتكبد مشقة الصعود إلى جوف الكعبة؛ لأن الباب كما هو الآن كان عالياً ومرتفعاً، فقال ﵇ لها: صل في الحجر؛ فإنه من الكعبة أو من البيت، وإن قومك لما بنوا الكعبة قصرت بهم النفقة، ولولا أن قومك حديثوا عهد بالشرك لهدمت الكعبة، ولبنيتها على أساس إبراهيم ﵇، أي: أدخلت الحجر في الكعبة، ولجعلت لها بابين مع الأرض، باب يدخلون منه، وباب يخرجون منه. فإذاً: هذا هو الحاكم الأعلى بعد الله على وجه الأرض هو رسول الله ﵌، ورأى المنكر، أي: نصف الكعبة أو ربعها خارج الكعبة، فما غَيَّرَ، لماذا؟ بَيَّن السبب: «لولا أن قومك حديثو عهد بالشرك .. » إلى آخره. إذاً: هؤلاء الذين يُحَرِّفون الكلم من بعد مواضعه ويُفَسِّرون الحديث بغير

стр. 4037

دلالته، فيقولون: «من رأى منكم منكراً» المراد به الحكام، هم أولاً يخالفون ما ذكرناه آنفاً، أن كثيراً من الأحكام سيغيرها من ليس حاكماً، وهذا أمر مجمع عليه بين المسلمين كما ضربنا مثلاً رب البيت، وعلى العكس من ذلك. قالوا هذا التأويل لمنع هؤلاء الناس الغيورين على الإسلام أن يباشروا تغيير المنكر بأيديهم، فكان عليهم أن يقولوا: تغيير المنكر ليس منكراً؛ لأنهم ليسوا حكاماً؛ وإنما لأنهم يغيرون المنكر بوسيلة يترتب من ورائها مفسدة أكبر من المصلحة، لكنهم أرادوا في الحقيقة أن ينوطوا الإصلاح، ولو شئت الإفساد بيد الحكام، أن يقولوا بأن تغيير المنكر هذا إصلاح، وهذا الإصلاح لا يكون إلا من الحكام، وهم يعلمون أن حكام الزمان اليوم مع الأسف الشديد لا يحكمون بما أنزل الله. فإذاً: هم بهذا التأويل يريدون أن يعطلوا الأحكام الشرعية، وماذا عليهم لو أجروا الحديث كما هو مفهوم لدى كل عربي: (من) من صيغ الشمول. (من رأى منكم) من صيغ الشمول. واستطاع أن يغير باليد بدون مفسدة أكبر، فليفعل، فإذا لم يستطع: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ينزل للمرتبة الثانية، وإن لم يستطع حتى بالكلام، فالمرتبة الثالثة. ماذا عليهم لوما أجروا الحديث على هذا الإطلاق والشمول والعموم، لكنهم يقولون للناس والجمهور أن من كان منكم آمراً بالمعروف، فليكن أمره بالمعروف، مش يأتي بمنكر في سبيل الأمر بالمعروف، ويكون حينئذ المفسدة أكبر من المصلحة التي كان يرجوها بالأمر بالمعروف. فهذا هو جواب هذا السؤال، وقد وضح أن الرأي الثاني الذي يقول بعموم الحديث وشموله هو الرأي الراجح، وأن الرأي الأول باطل ولكن الرأي الثاني الذي هو الراجح يقيد بملاحظة الحكمة في تنفيذ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. (الهدى والنور/٢٤٥/ ١١: ٣٠: ٠٠)

стр. 4038

أسلوب إنكار المنكر السؤال: في طواف العمرة حصل نهي عن منكر، وهو -أي: المنكر- تمسيح وتقبيل المقام، ولكن هذا النهي كان بشدة ورفع صوته وفيه ضرب، فهل يعتبر حج هذا حجاً مبروراً، مع العلم أن السائل تاب إلى الله، وينتظر الجواب بشغف؟ حصل ضرب في النهي عن المنكر، تطور الأمر حتى حصل ضرب. الجواب: لكن الذي ضرب هو الحاج أو هو المضروب؟ مداخلة: يعني هم الاثنين في أثناء الطواف. الشيخ: حاجين يعني؟ مداخلة: نعم. في أثناء الطواف بالعمرة فأنكر واحد على الآخر، فلم يستجب فضربه. الجواب: طبعاً هذا لا يتماشى أبداً مع قوله ﵇، بل مع الآية: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]؛ لأن أولاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا ينبغي أن يكون بقسوة أو بشدة، وبخاصة مع أن أكثر الناس لا يعلمون، فهؤلاء ينبغي أن نعتبرهم مرضى، وأنهم بحاجة إلى معالجة برفق وحنان ورحمة، وليس بالقسوة والشدة، هذا كمبدأ عام، فما بالنا وفي الحج أولاً، وفي المسجد الحرام ثانياً، لا شك أن فعله هذا ليس من الحج المبرور في شيء. نعم. (الهدى والنور /٣٨٦/ ٠٥: ٣٣: ٠٠)

стр. 4039

تغيير المنكر بالقلب الملقي: بالنسبة لتغيير المنكر لتغيير المنكر بالقلب، كيف يساهم تغيير المنكر في القلب. الشيخ: كيف يساهم أيش؟ الملقي: كيف يساهم إنكار المنكر في القلب في تغيير المنكر؟ الشيخ: كيف يساهم؟ الملقي: نعم، هو يعتبر من مراتب تغيير المنكر. الشيخ: نعم هو المرتبة الأخيرة. الملقي: نعم، فكيف هذا يعني يكون له أثر في تغيير المنكر، وهو في القلب. الشيخ: أنا ذكرت آنفاً أن الإنسان في بعض الأحيان يصل إلى الموت، موت شعوره بأن هذا منكر، فإذا مات هذا الشعور ما أنكر المنكر بقلبه، وإذا أنكره بقلبه حيي قلبه ظل حياً، يعني الآن أنا أذكرك بأمر واقع مع الأسف الشديد، هؤلاء الناس الذين يمرون ببعض الشوارع فيرون صوراً خليعة جداً، وقد تكون هذه الصورة أمام بيت من بيوت الله ، سينمايات مثلاً، هل أنت تشعر معي أنه كثير من الناس الذين يمرون ويرون هذه الأشياء لا يشعرون بإنكار لها إطلاقاً في قلوبهم أم لا، طيب، وبالعكس ألا تظن -أيضاً- في ناس آخرين حينما يرون هذه الصور الخليعة مثلاً وبخاصة أمام بيت من بيوت الله يقولون على الأقل بلسان الحال: اللهم إن هذا منكر لا نرضى به، ألا تجد هذا

стр. 4040

يختلف عن ذاك. الملقي: نعم. مداخلة: ... هو نفسه. الشيخ: لا هو هههه ... الجواب. مداخلة: ... أخونا يسأل يعني، ماذا يرى، ... ما يراه. الشيخ: ههه، طيب، هو هذا، ههه؛ فإذاً هذا الثاني غير المنكر بقلبه، أما الأول فما غير، فهذا هو الذي في خطر الخروج من الملة، هذا الذي لا ينكر المنكر ولو بقلبه، وربما يخطر في بالي الآن شيء هو جواب ما، أدق عما سألت عنه، تغيير المنكر بالنسبة إليك فقط، تغيير المنكر بالنسبة إليك حينما رأيت هذا المنكر وأنكرته بقلبك فهذا إنكار صالح بالنسبة لك، أما بالنسبة للذي لم يشعر شعورك ولا أحس بإحساسك فلا شك هنا لا يوجد إنكار للمنكر، لعله هذا أوضح لك مما ذكرته آنفاً، وإن كان المثال أو المثالين السابقين الحقيقة هو المقصود بإنكار المنكر، أن لا يموت قلب المسلم، فيمر على المنكر يمر على المعروف لا يميز بين منكر وبين معروف، هذا هو الإنكار المقصود بالقلب، إلا إذا كان عندك شيء آخر فنسمعه -إن شاء الله-. الملقي: وإن كان يلزم الهجر والبغض -أيضاً-. الشيخ: كيف؟ الملقي: هل من لوزام إنكار المنكر بالقلب الهجر والبغض. الشيخ: هو هذا، طبعاً، اللهم إن هذا منكر لا نرضى به. يعني الأمر كما يقرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه هناك للقلب عمل، يعني المستقر في أفهام كثير من الناس أنه العمل هو عمل الجوارح فقط أي الجوارح الظاهرة، لكن الحقيقة أن الحقيقة أن القلب -أيضاً- له عمل، ولذلك فالإيمان مقره

стр. 4041

القلب، هذا الإيمان في القلب يزيد وينقص، إذا في هناك حركة تشبه تماماً الحركة المادية في القلب، لو سكت القلب مات صاحبه، كذلك تماماً من الناحية المعنوية الإيمانية، هذا القلب فيه عمل وفيه حركة مستمرة إما خيراً وإما شراً، فكلما فعل المسلم عملاً صالحاً كلما نما هذا الإيمان في قلبه، فالقلب -أيضاً- له عمل، فمن جملة أعماله هو الإنكار بهذا القلب، هذا يقوي الإيمان -أيضاً-، ولكنه قال ﵇: «أضعف الإيمان»، لكن: حنانيك بعض الشهر أهون من بعض. مداخلة: ولعل شيخنا ما يكون من علامات الساعة في آخر الزمن ربما يضفي وضوحاً أو توضيحاً لهذه المسألة. الشيخ: أي نعم. مداخلة: أن الرجل يمر بالرجل وهو يزني على قارعة الطريق. الشيخ: الله أكبر. مداخلة: فيقول: لو تواريت، واريت نفسك. الشيخ: أي والله. مداخلة: أي نعم. الشيخ: يعني هذا في الحديث: «خيرهم من يقول: لو تواريت» خيرهم، الله أكبر. نعم. (الهدى والنور /٦٧٢/ ٥٤: ٣٨: ٠٠)

стр. 4042

الدعوة والتغيير بالقوة شقرة: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل لله ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد. فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. في هذا المجلس المبارك حيث نلتقي شيخنا وأستاذنا الشيخ محمد ناصر الدين الألباني الذي عودنا على كثير من هذه المجالس العلمية التي يتبوأ فيها علم الكتاب والسنة فيها مبوأ صدق ورغبة في العمل إليه، ولطالما اشتاقت نفوسنا إلى كثير من القضايا التي تدور في واقعنا الحياتي، ونتأملها فيما مضى في غابر القرون تسعى بدبيبها حاثة نفسها أن تصل هذا الحاضر الذي نعيشه بها على ما كان فيها من فساد وضلال، وتؤز الأحداث في حاضرنا إلى أن تمشي بأرجل قوية إلى المستقبل لعلها تجد أيضاً أناس يحتضنونها كما احتضنها في هذا الحاضر أناس كثيرون، وكما كان لها في الماضي أنصار كثيرون. أقول طالما تاقت نفوسنا إلى عرض مثل هذه القضايا التي ولا نقول ذلك مجاملة لشيخنا حفظه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيراً، بل هي الحقيقة التي لا مرية فيها، فإنه وحده الذي يستطيع أن يجيب على هذه الحوادث التي تقع في حاضرنا سواء ما كان منها متعلقاً بالشؤون الاقتصادية أم بشؤون التربية

стр. 4043

والتعليم، أم بالشؤون العامة الأخرى التي تهم المسلمين بعامة، ونحن إذ نحمد الله تعالى على وجوده بيننا، لنحمده مرة أخرى أنه يمكننا بين الفينة والفينة أن نأخذ عنه ما قدر الله له وما أفاء عليه من هذا العلم الذي انتشر في أقطار الأرض كلها، لذلك ونحن الآن ومن غد وبعد غد ولا ندري إلى أي مدى تبقى هذه الأحداث متتابعة، وهذه القضايا يأخذ بعضها برقاب بعض، والناس حائرون من حولها فمن قائل: سوف تنتهي بذاتها والزمن كفيل بإزالتها، ومن قائل: إن التغيير لا بد له من يد مغيرة قوية قادرة على التغيير، ومن قائل: إننا بالصبر والمصابرة وأخذ الأمور بالحكمة واللين وتوجيه الناس الوجهة الصحيحة الصائبة بالحق والهدى والعدل إن هذا كفيل بتغيير هذه الحوادث وإزالتها، ولو طال الزمن ولو بذل الجهد الكبير، ومن هذه القضايا والحوادث نستطيع أن نقول إننا والحمد لله رب العالمين، ومن فضله الذي امتن علينا أننا والحمد لله قد نجونا منها وذلك بنأينا عنها بعلم أفدناه من الكتاب والسنة على يد شيخنا جزاه الله عنا، ولا أريد هنا أن أقدم للسامعين الشيخ ناصر الدين الألباني فهو غني عن التعريف، ولعل التعريف بالمعرف لا ينبغي أن يكون لما أعلم من نفسي أنني لا أغلو في الشيخ بأي وصف وصفته يعرف مني أنني أصدقه فيما أقوله فيه، ويعرف الناس مني ذلك، ولكنني أقول إن القضايا الكبيرة العظيمة تحتاج إلى رجل كبير عظيم ولا أحسب إلا أن شيخنا هو ذلك الذي يجب أن يقول قولة فصل في أية قضية من هذه القضايا، وفي أي أمر من الأمور وفي أية حادثة من الحوادث. ولا بد أن أقول أيضاً إن الأحداث لو وقفت عند واحدة أو اثنتين أو ثلاث لهان الخطب، ولكنها آخذ بعضها برقاب بعض، وكل حادثة كأنها تقول للتي سبقتها أنا ظهير من ورائك، أنا كفيل بأن أدفع الشر الذي يراد بك أن تزولي من أمامي الإصلاح، بل إنني كفيل وظهير أن تبقي دائماً أمام الإصلاح عقبة كؤوداً لا تتحركين ولا تزولين.

стр. 4044

والأحداث التي تقع في عالمنا اليوم لا أقول العالم كله بل في عالمنا الإسلامي بخاصة أحداث لا نستطيع أن نصفها إلا بأنها سوداء قاتمة، وبأنها مظلمة ظالمة، وبأنها صعبة عسيرة، وبأنها من الصعب جداً أن يفكر الإنسان في زحزحتها إلا أن يقول اللهم عونك الذي لا ينقطع عن الضعفاء والمستضعفين في الأرض، وأنه لا ملجأ منك إلا إليك. فنسأل الله أن يجعل ملجأنا إليه وحده سبحانه، وأن يكون ظهير هذه الطائفة المصلحة الصالحة التي قال فيها النبي ﵊: طوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي. والسؤال الذي نوجهه لشيخنا بمناسبة الأحداث التي تجري في بعض البلاد العربية، والتي تميزت بالعنف والشدة ولا أريد أن أسمي بلداً بعينه فما من بلد أو فما يكاد بلد من بلاد المسلمين يخلو من هذه الأحداث التي استبيحت فيها الدماء، والتي انتهبت فيها الأموال، والتي شاع بها الفزع وكثر فيها الرعب واختفى الأمن، وضاع الرخاء، وصار كل واحد من المسلمين يبحث عن ذاته في خضم هذه الأحداث يميناً وشمالاً وأماماً وخلفاً، ومن تحت رجليه ومن فوق رأسه ينتظر في كل لحظة من اللحظات أن يصيبه من شواظ فتنة جديدة، أو شظية من حادثة رهيبة، أو سوء ينتظره أو لا ينتظره يأتيه على غفلة، فنريد أن نوجه لشيخنا الشيخ محمد ناصر الدين الألباني سؤالاً وهو وإن كان طويلاً لكن طول نفسه جزاه الله خيراً، وطول باعه في العلم سوف يأتيان على طول هذا السؤال بلا ملل ولا ضجر، بل إن الجياد من الجياد كلما طال المسير بها كانت أسرع وأقوى وأجلد وأصبر لبلوغ الغاية البعيدة. السؤال شيخنا حفظك الله: التبس الأمر على المسلمين في هذه الأيام ولا أقول علينا نحن من نحن على منهج الكتاب والسنة؛ لأن الله يعطي أصحاب هذا المنهج بصيرة واعية وفكرة سديدة، ورأياً يحميه من الوقوع في

стр. 4045

الخطأ الذي تقع فيه الجماعات الإسلاميات الأخرى، والواقع المشهود شاهد على ذلك، فأقول التبس الأمر على المسلمين بعامة، وبوجود الجماعات الإسلامية التي تدعي كل جماعة منها أنها على حق، وكلها تتفق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن كل جماعة تنهج منهجاً يختلف عن الأخرى، وأبرز ما يظهر على الساحة منهجان اثنان، أما الأول فهو داع إلى التغيير بقوة السلاح والعنف بحجة أن الأنظمة الحاكمة اليوم أنظمة كفر، وأما المنهاج الآخر فهو داع إلى التغيير بالحكمة والموعظة الحسنة، والصبر والمصابرة، ولا شك أن ما يصبح على المسلمين في كل فجر يوم جديد وما لا يغيب مع غروب الشمس، بل تتكاثر يوماً بعد يوم يجعل الأمة أو يجعلنا نحن على الأقل ومن هو على مثل ما نحن عليه يفكر تفكيراً يقرب أحياناً ويبعد أحياناً أخرى إلى أين يمكن أن تصل الأمة وهي على مثل هذا الحال? فقد فسد تفكيرها .. تفكيرها العلمي، وتفكيرها الاقتصادي، وتفكيرها السياسي، وتفكيرها العسكري، ولا أدل على ذلك من هذه الفرقة الطارئة فينا بين ظهرانينا، فكل فريق من المسلمين يعادي الفريق الآخر، وكل حزب ينشد الخير لنفسه ويحجبه عن الآخرين، وأصبح لكل بلد من بلاد المسلمين تفكير يختلف عن تفكير البلد الآخر، وله نظام يسوده يختلف في شكله ومضمونه عن شكل النظام الآخر وتفكيره ومضمونه، فأين الطريق، وأين نحن الآن? وكيف نحدد الاتجاه الذي نسلكه إزاء هذه الفتن المتكاثرة والتي يظهر منها بين الآونة والأخرى بعض المظاهر أو الظواهر التي تنبئ عن حقيقة لا تستطيع العقول أن تتصور ما يمكن لو تحركت هذه الحقائق لا قدر الله وتفجرت على أرض المسلمين، فماذا سيحدث? يحدث في بلاد المسلمين الاقتتال بالسلاح، ويحدث في بلاد المسلمين الاحتراب للعلم باسم العلم وباسم الفقه، ويحدث في بلاد المسلمين أن يكون هناك خصومات تلتقي فيها الأيدي والأذرع على أمور يتعجلونها ولهم فيها أناة لو انتظروا حتى يأتي حينها، ونترك المجال لشيخنا ليحدثنا كيف ينبغي أن يكون الأمر بالمعروف

стр. 4046

والنهي عن المنكر في مثل هذا الواقع الذي يعيشه المسلمون، وجزاه الله خيراً. الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد. فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله تعالى عليه، وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وبعد. فليس يخفى على كل مسلم أن الإسلام إنما يقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطالما تكررت الآيات الكريمة في كلام الله آمرة أن تكون هناك أمة وجماعة تقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا أمر لا خلاف فيه بين المسلمين قاطبة، وإنما قد يكون هناك خلاف في تطبيق هذا الأمر الواجب، وهنا لا بد من الوقوف قليلاً. إن كثيراً من المسلمين الذين أوتوا حظاً ولو قليلاً من العلم يظنون أن مجرد المعرفة بأمر، وأنه يجب تغييره ليبادرون إلى تغييره دون أن يفكروا بعاقبة ذلك التغيير، فالذي ينبغي أن يلاحظه القائمون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على اختلاف مناهجهم ودعواتهم كما جاء الإشارة إلى ذلك في كلام الأستاذ السائل، فنحن نذكر هنا بحقيقة علمية ينبغي ألا يكون فيها خلاف أيضاً ألا وهي: أنه إذا كان من المعلوم شرعاً أن العلم يسبق العمل وأن العلم ينبغي أن يقترن به العمل، وإلا كان هذا العلم وباء على صاحبه، إذا كان هذا معروفاً لدى كافة طلاب العلم فضلاً عن العلماء، ولكن ينبغي أن يكون قائماً في أذهانهم غير غائب عن بالهم أنه في كثير من الأحيان تقتضي مصلحة الدعوة ومصلحة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تأجيل العمل عن العلم .. تقتضي مصلحة الأمر

стр. 4047

بالمعروف والنهي عن المنكر تأجيل قرن العمل بالعلم، وإن كان الأصل كما ذكرت آنفاً أن يتبع العلم العمل، لكن هذا ليس قاعدة مضطردة، ففي بعض الأحيان قد توجب المصلحة الشرعية تأجيل العمل وتأخيره عن العلم، ومن أوضح الأمثلة الثابتة في السنة كشاهد على هذا الذي نقوله: إنما هو حديث السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها الذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما: أن النبي ﵌ لما نصره الله على أعدائه المشركين وفتح عليه الفتح العظيم ألا وهو فتح مكة ودخلها منصوراً، وقضي على الشرك وأهله، دخل جوف الكعبة وصلى فيه ركعتين شكراً لله ﵎ على ما أنعم عليه من الفتح العظيم، فأرادت السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها أن تستن بزوجها وبنبيها ﵌، وأن تدخل الكعبة لتصلي كما صلى النبي ﵌، فقال ﵊ لها: صلي في الحجر فإنه من الكعبة، وإن قومك لما قصرت بهم النفقة أخرجوا الحجر عن الكعبة ولولا .. وهنا الشاهد، قال ﵇: ولولا أن قومك حديثو عهد بالشرك لهدمت الكعبة، ولبنيتها على أساس إبراهيم ﵊، ولجعلت لها بابين مع الأرض: باباً يدخلون منه، وباباً يخرجون منه .. فأبقى ﵊ الكعبة على ما بناه عليه المشركون في الجاهلية ولم يعده سيرته الأولى على قواعد إبراهيم ﵊ خشية أن يترتب من وراء هذا الإصلاح .. الإصلاح الواجب وهو إعادة الكعبة على قواعد إبراهيم ﵇، لم يفعل ذلك وهو من حيث قدرته وتمكنه وبخاصة بعد أن فتح الله له مكة كان قادراً على ذلك من الناحية الحربية أو القوة المادية، لكنه امتنع من تنفيذ ذلك الذي هو كان قادراً عليه .. منعه من ذلك أنه نظر إلى عاقبة هذا الأمر فخشي ﵊ أن يكون إعادته لبناء الكعبة على أساس إبراهيم ﵇ مثار فتنة لبعض الضعفاء من المؤمنين الذين كانوا حديث عهد بالإسلام .. من هذا الحديث يأخذ علماء المسلمين قولهم المعروف وقد روي حديثاً عن النبي ﵌ ولكنه من حيث إسناده لا يصح إلا أنه حكمة مستنبطة من هذا الحديث

стр. 4048

وأمثاله، ألا وهو قولهم: من كان آمراً بالمعروف فليكن أمره بالمعروف. ولا يكون الأمر بالمعروف معروفاً إلا إذا كانت المصلحة من الأمر بالمعروف راجحة على المفسدة، من هنا نحن نقول: إن قيام بعض الأفراد أو بعض الجماعات ببعض الأوامر التي تدخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قيامهم بهذا وأمثاله لا يلاحظ فيه هذه القاعدة التي ذكرتها آنفاً، والمستنبطة من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها من كان آمراً بالمعروف فليكن أمره بالمعروف، أقول هذه حكمة يقولها الفقهاء مستنبطين لها من حديث عائشة، وقد روي حديثاً مرفوعاً عن النبي ﵌ لكنه لا يصح، وحسبنا أن نقول إنها حكمة تبناها العلماء من هذا الحديث العظيم الذي نطق به النبي الكريم في عز قوته، مع ذلك لم يبادر إلى تغيير بناء الكعبة هذا البناء الذي أقامه مشركون في الجاهلية، فلم يغير شيئاً من ذلك خشية المفسدة الكبرى على المصلحة، من هنا قلت ما قلت آنفاً .. أنه لا ينبغي لبعض الأفراد أو الجماعات أن يتقدموا إلى تغيير بعض الأمور سواء أمراً بالمعروف أو نهياً عن منكر إذا كان يترتب من وراء ذلك مفسدة أكبر من المصلحة المرجوة، نحن نسمع في كثير من البلاد الإسلامية أن بعض الجماعات تقول بمثل هذا الذي نحن ندندن حوله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن بطريقة غير حكيمة، وربنا حينما ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قرن ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، فنرى أن كثيراً من الشباب أو الجماعات الإسلامية حين يقومون بمثل هذا التغيير تكون مفاسد التغيير أكثر من الصلاح الذي يرجونه من وراء ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما نريد أن نذكر مثلاً البلاد الإسلامية كلها اليوم تعيش في غمرة الإعراض عن هذه الحكمة، من أجل هذا نحن ندندن دائماً وأبداً وننصح الجماعة الإسلامية في كل بلد أن يستنوا بسنة النبي ﵌ في الإصلاح، حيث أنه ﵊ لم يبدأ الدعوة إلى الإسلام وإلى الإيمان والتوحيد بالقوة، وإنما باللسان والحجة والبينة، من أجل ذلك قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ

стр. 4049

بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] فرسولنا صلوات الله وسلامه عليه الذي بدأ الدعوة هكذا حينما قوي ساعده واشتد عوده قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله، فإذاً القوة استعمالها لها وقتها، أما الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة فهي مستمرة قائمة في كل مكان وفي كل زمان، لهذا نحن ننكر بشدة استعمال بعض الجماعات أو الأفراد القوة ولما تقم قائمة الدعوة في أي بلد إسلامي في الحدود التي أمر الله بها وهي أن تكون هناك حكومة رشيدة هي التي تقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تكون الحكومة هكذا في اعتقادنا جازمين بما نقول إلا إذا كان أمرها كما قال ربنا ﵎: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] ولا يكون الشورى إلا باستشارة أهل العلم والرأي في كل علم وبخاصة ما كان متعلقاً من العلوم بالأحكام الشرعية، فهذا المجلس من مجلس الشورى هو الذي يتبنى متى يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر? الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أراده الله ، وليس الفرد الذي لا يتمكن بطبيعة الضعف البشري أن يحيط علماً بواقع الأمة أو الجماعة التي يريد هو أن يقوم فيه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبذلك فما نسمعه ما بين آونة وأخرى من قيام بعض الناس بالتكسير أو بالتحطيم لبعض الأمور المنكرة شرعاً وهم بعد لما يؤسسوا لهذه الدعوة أسسها، ولما يضعوا لها قواعدها فهؤلاء في اعتقادي يصدق عليهم الحكمة التي تكلم بها بعضهم ألا وهي: من استعجل الشيء قبل أوانه ابتلي بحرمانه. ونحن نقرأ بهذه المناسبة أقوالاً لبعض أئمة السنة والفقه، هناك بلا شك من الأمور المستنكرة شرعاً اليوم انتشار آلات المعازف والطرب، قال كثير من علماء المسلمين القدامى، وأخص بالذكر منهم إمام السنة أحمد بن حنبل قال:

стр. 4050

أنه ينبغي تكسيرها وقيد ذلك إذا استطاع ذلك ولم يترتب من وراء ذلك مفسدة .. على هذه القاعدة ينبغي أن ينطلق المسلمون في وقت قيام دولتهم .. في وقت قيام دولتهم المسلمة لأن هذه الدولة هي التي ستسمح بنظامها وبمنهجها لأهل العلم وأهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يغيروا كل ما ينبغي تغييره، أما أن يقوم فرد أو أفراد أو جماعة أو جماعات بالتغيير والحاكم المسيطر الذي يملك التغيير بالقوة، ثم لا يفعل .. ! فما نرى هذا من الحكمة أن نستعلي على هؤلاء؛ لأن السلطة والقوة عليهم والمفسدة تكون أكبر وأعظم جداً من هذه المصلحة التي يبتغيها هذا الذي يغير الأمر على وفق الشريعة، لكنه قد استعجل الأمر كما قلنا، وحينذاك يبتلى بخلاف ما قد رمى إليه. خلاصة القول في هذا المجال هو الأصل أولاً الآية المذكورة ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] ولا شك أن من أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، ثم الحديث حديث عائشة رضي الله تعالى عنها الذي بين لنا أنه لا يجب تغيير كل منكر أو تحقيق كل معروف إلا إذا لم يخش من وراء ذلك مفسدة كبرى. هذا ما يحضرني جواباً عن هذا السؤال، ونسأل الله أن يلهم المسلمين حكاماً ومحكومين أن يلتزموا كتاب الله وسنة رسول الله ﵌، وأن يعودوا إلى ما كان عليه السلف الصالح من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالتي هي أحسن. المقدم: جزاك الله خيراً وأحسن إليك شيخنا، هناك برزت استفسارات وأسئلة من أثناء الكلام الذي فتح الله به عليكم جواباً عن ذلك السؤال، فبعض الناس ربما يتذرعون بالقاعدة القائلة إنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإذا كان البيان قولاً فلا بد أن يكون عملاً، وإذا الأمر كذلك فإنه لا يجوز للمسلم الذي يرى المنكر أن يسكت عنه ولو كان عاجزاً عن إزالته؛ لأنه يؤجر على

стр. 4051

البيان .. بيان وجه الحق في هذا المنكر وإن أصابه ما أصابه من الشر والضر، فماذا في الجواب عن ذلك? الشيخ: أقول أن النبي ﵌ حينما أمر المسلمين أن يأمروا بالمعروف فقد جعل الأمر على ثلاثة مراتب، ذلك قوله ﵊ الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان، هذا الحديث في الواقع له علاقة بالشخص الآمر من جهة وبالمجتمع الذي هو يحياه من جهة أخرى، أما علاقة الحديث بالشخص الآمر ذلك لأن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر يختلفون اختلافاً شديداً من حيث قوة إيمانهم، فمنهم القوي الذي لا تأخذه في الله لومة لائم، فهو يغير المنكر ولو ترتب من وراء ذلك هلاك نفسه، وعلى هذا جاء الحديث ألا وهو قوله ﵇: أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر، لكن والأمر مشاهد ومعروف في كل التاريخ الإسلامي سواء الذي جاء به محمد ﵇ أو ما كان عليه الأنبياء والرسل الكرام من قبل فالناس في ذلك متفاوتون أشد التفاوت، طبيعة الإنسان تختلف من ضعف وقوة، ولذلك الشارع الحكيم الذي أوحى إلى نبيه الكريم بمثل هذا الحديث لاحظ تفاوت الناس في إيمانهم فجعل المرتبة العليا في الأمر بالمعروف هو التغيير باليد، من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، يعني نزل منزلة أخرى وهي التغيير بلسانه وبكلامه، وقد يصل الضعف بإنسان ما أنه لا يستطع أن يغير لا بيده ولا بلسانه حين ذاك فأقل درجات التغيير هو أن يغير بقلبه، وأن يقول بلسان حاله وقد يقول ذلك بلسان قاله: اللهم إن هذا منكر لا نرضى به، هذا فيما يتعلق بالشخص، وقد يتعلق بالمجتمع كما شرحت آنفاً إنسان قوي وليس هناك أقوى أحد بعد رسول الله ﵌، وكما ألمحت بل صرحت آنفاً بأن النبي ﵌ حينما فتح الله على يديه مكة المكرمة كان في منتهى القوة من حيث أنه يتمكن من التغيير، لكنه

стр. 4052

لاحظ أن المجتمع الذي هو فيه ﵇ لا يساعده على تغيير المنكر، إذاً قوله ﵇: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده هذه المراتب لا تتعلق فقط بالشخص كما قلنا آنفاً بل أحياناً تتعلق بالمجتمع ولو كان الشخص قوياً في المرتبة العليا من الأمر بالمعروف وهو التغيير باليد، ذلك كان هو رسول الله ﵌ حينما فتح مكة لكنه ما غيره، هل كان ذلك عجزاً منه? حاشاه، ولكنه رأى أن التغيير باليد هنا قد يسبب فتنة ومفسدة كبرى، لذلك اكتفى بالتغيير باللسان حيث أشار إلى أن هذه الكعبة ينبغي أن يعاد بنيانها على قواعد إبراهيم ﵇ لولا أن القوم هم حديث عهد بالشرك. لذلك بارك الله فيكم أنا أقول بأن هؤلاء الذين يقولون بأن المسلم مأمور بالتغيير .. ! هذا كلام صحيح في الجملة وليس صحيحاً في التفصيل، التفصيل هو كما ذكرت آنفاً تارة يتعلق بالشخص وقد يكون عاجزاً، هو بإمكانه من حيث المجتمع .. بإمكانه أن يغير لكنه ضعيف فيكتفي بالتغيير باللسان، لكنه أشد ضعفاً من ذلك فيكتفي بالتغيير بالقلب وهذا أدنى درجات الإيمان كما جاء ذلك مصرحاً في بعض الأحاديث الصحيحة، ومنها هذا الحديث نفسه وليس وراء ذلك ذرة من إيمان، أو كما قال ﵊. لعلي أجبت عن هذا السؤال إن شاء الله. المقدم: جزاك الله خيراً. الشيخ: وإياك. المقدم: والله يا شيخ أنا ما من مجلس نجلسه يوماً أو ساعة معك إلا ويجري الله الحكمة على لسانك، فنفيد والله الذي لا يحلف إلا به .. نفيد الشيء الكثير الكثير فهنيئاً لك علمك، وهنيئاً لنا سماعه والعمل به إن شاء الله، لقد والله وضعت قاعدة ما التفت إليها في ظني عالم من قبلك فجزاك الله خيراً.

стр. 4053

شيخنا من الأمور التي لفتت لا أقول نظري وإنما سمعي وأنت تتحدث قلت: يقول علماء المسلمين، هذه الكلمة ذكرتني بأمرين: أما الأمر الأول فتعظيمك العلماء وتقديرك إياهم، وحرصك على الإفادة منهم، والاعتراف بفضلهم وقدرهم في حياتهم وبعد مماتهم، هذه الأولى .. أما الثانية فما يقوله أولئك المفترون الهالكون عندما يذكرون الشيخ ناصر وهو شوكة في حلوق الكثيرين من أعداء هذه الأمة غير المنصفين، أما أعداء هذه الأمة المنصفون فإنك لست شوكة في حلوقهم إنما أنت قلم يجري على قراطيسهم اعترافاً بفضل علمك عليهم، فجزاك الله خيراً وبارك الله فيك. الشيخ: وإياك. المقدم: شيخنا أيضاً هناك مسألة ذكرت في الحديث الذي أوردتموه وهو حديث إعادة قوله ﵌: لولا أن قومك حديثي عهد لأعدت البيت على قواعد إبراهيم ﵇، ثم لما أمرها أن تصلي في الحجر، السؤال الحقيقة الذي أريد أن أسأله ولربما يكون معلوماً الجواب عند الكثيرين ولكن نريد شيئاً من البيان والتفصيل، هذا السؤال هو: كأنما يلمح أو الحديث يكاد يصرح بأن القواعد كأنما كانت متوارثة جيلاً عن جيل منذ زمن إبراهيم ﵇، هذا الشطر الأول من السؤال، وأما الشطر الثاني فكأني ألمح أيضاً من الحديث أن بناء البيت والذي بناه أو أقام قواعده إبراهيم وإسماعيل ﵉، كأنما كان تحديد قواعده وحياً من الوحي، فنريد شيئاً من البيان والتفصيل حول هذا السؤال ذي الشطرين، بارك الله فيكم. الشيخ: أما بالنسبة لكون القواعد التي كانت الكعبة قد بنيت عليها من إبراهيم ﵇ أنها كانت معروفة فهو كذلك، وكان قد ألقي في نفسي وأنا أتحدث عن حديث عائشة هذا أن أستطرد قليلاً لنتحدث بأن الكعبة قد بنيت فيما بعد على قواعد إبراهيم ﵇، لكني خشيت من أن يكون هذا الاستطراد غير

стр. 4054

مناسب بالنسبة للجواب قد صرفت النظر عنه، والآن أقول إن الكعبة قد كتب الله لها أن يعود بنيانها ولو زمناً قليلاً على قواعد إبراهيم ﵊ ذلك في زمن خروج عبد الله بن الزبير على الخليفة الأموي أظنه عبد الملك. مداخلة: نعم. الشيخ: نعم، ودعوة الناس لمبايعته خليفة وهو في مكة ففي حالة كونه هناك قد نصب نفسه خليفة للمسلمين هدم طرفاً من الكعبة وكشف عن قواعد إبراهيم ﵇، وتوصف وصفاً لا يحضرني الآن؛ لأنه وصف هندسي مادي كيف كانت الحجارة، مطبقة أو راكبة بعضها على بعض? فعبد الله بن الزبير ﵁ وعن أبيه أيضاً قد أعاد بناء الكعبة على أساس إبراهيم ﵇؛ وذلك لأنه كان قد تلقى الأمر عن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، وأنتم تعلمون أن عبد الله بن الزبير هو يكون ابن أخت السيدة عائشة أسماء رضي الله تعالى عنها، ولكن مع الأسف الشديد تدخلت السياسة والأحقاد التي كانت تجري يومئذ بين بعض الحكام حينما قدر الله لحكمة أرادها أن يقتل عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه وأن يستقر الأمر والخلافة لعبد الملك بن مروان فأمر بهدم الكعبة التي جددها عبد الله بن الزبير وإعادتها إلى ما كانت عليه في زمن الجاهلية، بل في زمن الرسول ﵇ الذي تمنى أن يعيدها على أساس إبراهيم لكنه خشي من الفتنة، فأقر البنيان الجاهلي للكعبة كما كان، فعبد الملك بن مروان أعاد الكعبة إلى ما كانت عليه في العهد الأول، ثم من المؤسف أنه ندم وليت أنه ما فعل ما يندم عليه، حيث روى الإمام مسلم في صحيحه أنه كان هناك مجلس بين يدي عبد الملك بن مروان فجرى موضوع الكعبة وما فعله عبد الله بن الزبير من إعادتها على قواعد إبراهيم ﵇، وبطبيعة الحال أنكر ذلك عبد الملك على عبد الله بن الزبير، فكان أحد الحاضرين ممن سمع الحديث عن

стр. 4055

ما أذكر الآن الواسطة إنما هو غير عبد الله بن الزبير عن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها أنها هي التي حدثت عبد الله بن الزبير بقواعد إبراهيم ﵇، وأن عبد الله بن الزبير ما فعل إلا ما تلقاه عن الرسول ﵊ من طريق خالته عائشة، هنا ندم عبد الملك وقال: لو علمت ذلك من قبل لما فعلت ما فعلت. مداخلة: ... بعد مندم. الشيخ: ولات حين مندم، لذلك فالأسس هذه والقواعد معروفة .. معروفة، أما بقي الشطر .. المقدم: شيخنا تعقيباً على ما جرى بين عبد الملك بن مروان. الشيخ: والحارث. المقدم: الحارث بن عبد الله، في الحقيقة على قرب العهد الذي كان بينهم وبين زمن النبوة لم يكن هناك فارق بعيد في الزمن كونهم كلهم في القرن الأول. الشيخ: نعم. المقدم: ولكن مع هذا يتبين لنا أن معرفة الروايات والسنن والآثار معرفة المتأخرين عن المتقدمين على القرب والبعد سواء، يعني أقصد في النسيان والترك فمنهم من ينسى ومنهم من يترك ما يعرف، ومنهم من لم يعرف أصلاً فإذاً أقول: القرب والبعد سواء في هذا الأمر وأعني بذلك أن المعرفة أو أن العلم يعتمد على معرفة الآثار والسنن التي ثبتت نسبتها إلى رسول الله ﵌، فتصور عبد الملك بن مروان عندما أنكر على نفسه فيما بعد حيث قال: لو كنت أعلم ما أعلم لتركت وما تحملت، فإذاً هنا يتبين لنا أن عبد الملك في ندامته ما كان يعلم ما جاء عن رسول الله ﵌، أو ما روى عبد الله بن الزبير عن عائشة ﵂، وهذه حجة لنا تمضي بنا إلى الطريق اللاحق إلى يوم القيامة أننا والحمد لله إن

стр. 4056

نسينا أو أخطأنا فنحن والحمد لله في عصمة من أمرنا، نعم. الشيخ: ... المقدم: هذه وهذا. الشيخ: الله أكبر. المقدم: نعم، أقول في عصمة من أمرنا يعني نحمي أنفسنا بهذه القاعدة، نحن نتكلم عن العهد الأول ومع ذلك العهد الأول ما أنكر أحد عن أحد وإنما اعترف عبد الملك أخيراً بأن الأمر كان عليه لا له، الأمر الثاني شيخنا أن استقرار البدعة سبحان الله العظيم .. استقرار البدعة وطول دوامها في الناس يجعلها سنة ماضية كما هو معروف، ولذلك عبد الملك بن مروان لو تريث أو دعا الناس على الأقل أن ينظروا في الأمر، أو لو أنه أفشى في الناس سؤالاً وقال: من منكم يعلم أن عبد الله بن الزبير كان على حق فيما فعل? فربما كان أجابه الكثيرون غير حتى الحارث بن عبد الإله، لذلك أقول إن طول مكث الناس على البدعة يجعلهم يتسرعون أيضاً في تغيير السنة وإزالتها، وهذا الذي كان وغفر الله لعبد الملك بن مروان وغفر الله لعبد الله بن الزبير، وألحقنا إن شاء الله بالصالحين دائماً. شيخنا ذكرتم كلمة الإمام أحمد أنه كان يرى تكسير آلات المعازف والطرب وغير ذلك، ولكن على ألا تحصل المفسدة، الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وهو الصابر المحتسب الذي أحيا سنة رسول الله ﵌ بصبره على الأذى، وقصته في خلق القرآن قصة لا تنسى على الدهر، هذا الرجل القوي يضع هذه القاعدة بنفسه أيضاً ويتحدث عنها، فما بالك بنا في هذه الأيام التي لا يقوى الواحد منا في كثير من الأحيان على أن يصبر أمام فتنة صغيرة وصغيرة جداً. الشيخ: ﵀. المقدم: فرحم الله الإمام أحمد بن حنبل.

стр. 4057

الشيخ: إمام السنة بالحق. المقدم: ثم الثاني يا شيخنا لفت نظري في نظرتكم أو في هذه القاعدة التي أظهرتموها جلية جديدة أن الفرد الواحد إذا أراد أن ينكر المنكر ويجد في نفسه القوة لا يجوز له استعمال هذه القوة إلا بعد أن ينظر في واقع أمر الجماعة، هذه واحدة .. أما الثانية وهي المهمة أننا لو استقرأنا تاريخ الإسلام من أوله إلى آخره لوجدنا الذين وقفوا هذا الموقف الذي يدل عليه حديث النبي ﵌ سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله، هذا قلة قليلة بالقياس إلى جماهير الأمة. الشيخ: أقل من القليل. المقدم: أقل من القليل جداً، ولذلك عندما نستشهد مثلاً بسعيد بن جبير أو بفلان وفلان من هؤلاء الذين مضوا في هذا التاريخ الحقيقة نحن نذكر الإمام أحمد ﵀، أول من نذكر نذكر الإمام أحمد، ومع ذلك قال هذه الكلمة العظيمة التي يحذر كأنما يحذر الأمة فيها من الوقوع في هذه الأخطاء التي نسمعها كثيراً في مثل هذه الأيام، شيخنا بقي هناك جزء من السؤال أيضاً أرجو وإن كان الجواب عنه تكرر أو وقع فيما سبق في كثير من المجالس العلمي التي شهدناها معكم أو عندكم بارك الله فيكم، نحن ذكرنا منهجين اثنين عند هؤلاء الجماعات الإسلامية .. منهجين كل منهم أو كل واحد منهما يقول صاحبها ويدعي بأنه هو صاحب الحق في هذا، وأنه لا يتغير من الأمر شيء إلا إذا طبق المنهج الذي يعتقده، قلنا بأن هناك فلنسمهم متشددين .. نقول الذين يقولون بوجوب التغيير بالقوة مهما كانت النتائج، ولا دليل على ذلك مما وقع في بعض بلاد المسلمين الآن من إقدام بعض الشباب المتحمسين، ولا ندري ما وراء ذلك أيضاً من إقدامهم على إزالة بعض القبور القديمة، التي يدعي الناس بأنها قبور صالحين أو كذا والله أعلم ما قدموا.

стр. 4058

الشيخ: المقصود ببناء القبور. المقدم: أقصد البناء نعم ولست أقصد نفس القبور نعم، وإنما أقصد البناء الذي شيد على القبور في بعض بلاد المسلمين أقدموا على إزالتها بالقوة، ولا شك أنه نتج عن ذلك مفسدة عظيمة من إهدار الدم واستباحة الأنفس .. ، إلى غير ذلك من المفاسد العظيمة، فنتيجة التشدد التي وقع فيها هؤلاء قادت أمثال هؤلاء إلى أن يقعوا في مثل هذه المخاطر العظيمة والآثار الرهيبة التي أودت بأرواح بعض الناس، الفريق الثاني الذي يقول أو أصحاب المنهج الثاني يقولون لا بد من التدرج في العمل الإصلاحي، البدء بتفقيه الناس وتعليمهم، والبدء بتصويب العقيدة وتصفيتها، وتربية الأجيال تربية إسلامية على وفق الأحكام الشرعية والفروع الدينية التي نزل بها الوحي الأمين على قلب الرسول ﵌، فنحن نريد أيضاً كلمة فاصلة في هذا الأمر حتى يتبين وجه الحق لا أقول مرة أخرى وإنما لغيرنا فنحن والحمد لله نعرف وجه الحق فيها ولكن بياناً وتوضيحاً لمن يجهل هذا الأمر، وجزاكم الله خيراً. الشيخ: لا أظن عندي شيء زيادة على ما تقدم إلا أن كثيراً ممن يدعون الإصلاح ويتفقون معنا على أنه لا ينبغي الاستعجال بالأمر وبالتغيير للمنكر بالقوة وبالشدة، لا أعتقد أن كثيراً من هؤلاء الذين يدعون الإصلاح بالتي هي أحسن هم يسلكون طريق الإصلاح؛ لأنكم تعلمون والحمد لله أن سلوك طريق الإصلاح يتطلب علماً، ويتطلب علماً من نوع خاص لا يعرفه اليوم جماهير علماء المسلمين فضلاً عن طلاب العلم، فضلاً عن من يدعون أنهم من الدعاة الإسلاميين، ويبتغون الإصلاح بالمسلمين وأن يعودوا بالمسلمين إلى ما كان عليه السلف الصالح، أعتقد أن كثيراً من هؤلاء الذين يدعون الإصلاح، وقد يسمون بهذا الاسم نفسه هم ما سلكوا طريق الإصلاح؛ لأن طريق الإصلاح هو الرجوع إلى الكتاب والسنة، والسنة الصحيحة كما تعلمون، وذلك من باب

стр. 4059

التطبيق لمثل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] هم قد يتفقون معنا في أن طريق الإصلاح والدعوة بالتي هي أحسن كما ذكرنا، ولكنه يصدق على الكثير منهم قول الشاعر: ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس نحن نقول بأن الإسلام كما قال ابن القيم ﵀: قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فقيه إلى آخر الأبيات، الشاهد أن هؤلاء الدعاة للإصلاح ما نبهوا العالم الإسلامي ولا فهموهم ودلوهم على السنة في مثل مسألة القبور مثلاً لكن إذا ما فوجئوا بأن بعض الشباب أو بعض الجماعات اشتطوا وتسرعوا فغيروا وأنكروا المنكر باليد صاحوا بأن هذه شدة، ولكن ما هو اللين? اللين أن تبينوا للناس أن هذا منكر، فإذا ما أنكر هذا المنكر ولو بالشدة هان الأمر؛ لأن الناس يكونون على بينة وعلى ذكر من أن هذا التغيير ليس هو من باب عدم الاحترام للأموات ومن باب الاستهانة بالأموات خاصة إذا كانوا من الصالحين أو الأولياء، وقد يكون هناك قبور بعض الأنبياء كما يقال في بعض البلاد إلى آخره، حينما يكون الشعب قد هُيء لتقبل هذا التغيير ولو كان بشدة سابقة لأوانها يكون وقت هذا التغيير خفيفاً جداً، لكن هم لا يسعون لتنبيه الناس وإيقاظهم وتبيين السنة التي غفل جماهير الناس عنها بيد أنهم في غفلتهم ساهون، فإذا ما اشتط بعضهم بتغيير هذا المنكر وهو منكر فعلاً لكن بالقوة بشدة، اشتد عليهم الأمر مضاعفاً أولاً من الناحية العلمية لأنه ما عندهم علم أن هذا منكر ينبغي تغييره، وثانياً أن هذا تغيير فعلاً اقترن معه شدة، ولذلك أنا أقول لإخواننا من باب أن نذكر به أنفسنا أنه يا إخواننا دعوتنا هي في حقيقة أمرها هي ثقيلة على الناس خاصة أولئك الناس الذين

стр. 4060

أشرت إليهم، اعتادوا على البدع وعلى إهمال السنن، ولذلك فحينما ندعو الناس الذين ماتت السنن بين ظهرانيهم وأحييت البدع من بينهم دعوتنا تكون ثقيلة عليهم؛ لأنها حق ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] فيكفيهم ثقلاً ثقل طبيعة الدعوة، فلا ينبغي لنا أن نقرن إلى هذه الدعوة التي هي حق والحق ثقيل على النفوس ثقلاً آخر هو غير مشروع وهو الشدة في إنكار المنكر في غير محله، إنكار المحل أقول في غير محله وإلا لا أريد أن أقول إن الشدة ليست مشروعة دائماً وأبداً .. ! لا، إنما هو كما قلنا بالحكمة ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] ما هي الحكمة? يقول العلماء: أن تضع الشيء في محله، هذه هي الحكمة، فإذا كان المكان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتطلب ليناً فهي الحكمة، وإذا كان الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر يتطلب شدة فاستعمال اللين في محل الشدة هنا هي ضد الحكمة، فالذي أريد أن أقوله إنما ندعو إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة مع البيان ومع النصح للمسلمين، وننكر استعمال الشدة في غير محلها، لكن الطوائف الأخرى أو الجماعات الأخرى لا يهتمون بإعادة المسلمين إلى ما كان عليه المسلمون الأولون من حيث أنهم يفهمون الإسلام إسلاماً مصفى، هكذا ينبغي أن تكون دعوتنا إن شاء الله. المقدم: جزاكم الله خير، شيخنا أنا أستنبط أو أكاد أن أقول لقد صرحتم بما لا يدع مجالاً للشك أن الذي يلتزم هذه القواعد المنهجية الأصلية التي أوضحتموها في هذا الحديث العظيم الطيب هو الذي نستطيع أن نقول إنه على منهج السلف الصالح كتاباً وسنة وفقهاً على وفق ما فهمه السلف الصالح رضوان الله عليهم، ومن كان على غير هذا المنهج فهو ليس وإن ادعى فهو ليس بذاك، لذلك أريد أن أقول هنا إن منهج أو إن هذه الدعوة بهذه القواعد الأصولية وهذه المناهج أو هذه الكليات التي أحطتم بها في مثل هذا الحديث، يجب أن تكون هي المعتمدة في التصور الحقيق لمن كان على مثل هذا المنهج، ومن هنا

стр. 4061

أذكر شيخنا جزاكم الله خيراً عندما قدم بعض إخوان لنا من الجزائر، وجلسنا معهم وتحدثنا لهم وذكرناهم وبينا لهم المخاطر التي تنتظرهم إن هم خالطوا الأمور السياسية فإنهم سوف يلاقون عقبات كثيرة، ومع ذلك مضوا في هذا الطريق وفوجئت اليوم .. اليوم فوجئت وأنا أسمع نبأ هالني والله جداً، منذ أن قامت الفتنة في الجزائر بعد أن أبطل المجلس النيابي الذي فازت فيه جبهة الإنقاذ حتى اليوم كان عدد القتلى عشرة آلاف قتيل. مداخلة: من الطرفين .. من الفريقين. المقدم: من الفريقين، طبعاً كلهم مسلمون والحمد لله إلا القليل. الشيخ: نعم. المقدم: فلنتصور هذه الثمرة، ولعل الكثيرين من أولئك الذين يفلسفون الوقوف بالتحدي والقوة والشدة في وجه الأنظمة لعلهم يقولون إن هؤلاء شهداء، هكذا يمنون أنفسهم بأن يكونوا شهداء، وأنا لا أدري كيف تفسر الشهادة إذا كان وقودها هؤلاء العشرات أو هؤلاء الألوف الكثيرة في فتنة لا يدرى لها مدخل ولا يدرى لها مخرج، ونحن نقول هنا لإخواننا نذكرهم أيضاً في الجزائر وفي غير الجزائر أن يتقوا الله في دماء المسلمين وفي أعراضهم وفي أنفسهم، وأن يسموا الأشياء بمسمياتها أو بأسمائها الحقيقية، وألا يخرجوا عن الخط الشرعي الذي رسمه الله ﵎ في مثل قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢]. كلمة أخيرة شيخنا يعني بعد هذا كله نصيحة قصيرة موجزة لإخواننا المسلمين بعامة في كل أرجاء الأرض مشارقها ومغاربها، وما رؤيتكم المستقبلية لهذا الإسلام? وهل سيكون إن شاء الله نصر للإسلام يجريه الله على أيدي عباد المخلصين، ومتى سيكون إن شاء الله?

стр. 4062

الشيخ: نصيحتي لإخواننا المسلمين في سائر أقطار الدنيا هو العلم النافع والعمل الصالح .. العلم النافع لا يكون إلا مأخوذاً من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﵌، وهي السنة الصحيحة الثابتة عنه، ثم هذا العلم لا يفيد المسلمين إلا إذا كما أشرنا آنفاً في بعض كلماتنا المتقدمة .. إلا إذا كان مقروناً بالعمل الصالح، ومما لا شك فيه ولا ريب فيه أن العمل ينقسم إلى قسمين: قسم يتعلق بذات الإنسان وبمن يلوذ به وممن له صولة ودولة عليه وأمر عليه، فهذا النوع من العمل الذي لا يعذر فيه المسلم إذا ما قصر في القيام به لأنه لا عذر له إطلاقاً، فليس للحاكم وليس للدولة سلطة عليه في حدود سلطته الخاصة به وبأهله، ولذلك فنحن ننصح بالعلم النافع والعمل الصالح، وأن يعمل المسلم بكل ما يستطيع أن يعمله، ويحاول أن يوسع دائرة عمله إلى الآخرين الذين قد يكونون بعيدين عنه، لكنه باستطاعته أن يصلهم بعلمه وبتوجيههم وهكذا، فالمسلمون اليوم فيما أفهمه وفيما ألمسه من واقع العالم الإسلامي اليوم وبخاصة في هذه السيطرة التي تسمى بماذا الحكم .. ? مداخلة: نظام الأمن العالمي. الشيخ: الأمن العالمي الجديد باعتقادي أن الآية المعروفة الآن وقتها ومحلها ألا وهي قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] ما نفكر نحن الآن تفكيراً عملياً مباشراً لتغيير حكم الحكام، إنما نفكر بتغيير عملي مباشر لحكمنا نحن على أنفسنا وعلى أهالينا، ولا شك ولا ريب أبداً أن المسلمين حينما يلتزمون هذا الخط فسيكون من آثار ذلك قيام المجتمع الإسلامي، وهنا أنا أعجب من أناس يفكرون بإقامة الدولة المسلمة دون أن يحققوا تلك الحكمة التي رويت عن بعض الدعاة الإسلاميين، ولكن أتباع هذا الداعي خالفوه في تلك الحكمة التي تقول: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم على أرضكم، فما لم يقم المسلمون دولة الإسلام في

стр. 4063

قلوبهم في بيوتهم في حكوماتهم الخاصة بهم والتي لا يتدخل فيها لا الحاكم الكافر المعلن كفره ولا الحاكم الفاسق المنحرف عن كثير من أحكام دينه، ليس لهذا ولا لذاك علاقة بحكم الإنسان على نفسه وعلى ذويه، يوم ينطلق المسلمون في تطبيق هذه الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] يكون المسلمون قد سلكوا وأخذوا برأس الصراط المستقيم، وأن ذلك سيحقق لهم أولاً مجتمعاً إسلامياً وبالتالي على مثل هذا المجتمع ستقوم الدولة المسلمة وأرجو أن يكون ذلك قريباً، وأنا على الرغم مما نرى مما يحمل الإنسان بطبيعته على التشاؤم فأنا غير متشائم، أنا متفائل جداً؛ لأن طبيعة السنن الإلهية الكونية الطبيعية إذا صح هذا التعبير كما قيل اشتدي أزمة تنفرجي ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: ١١٠] بالإضافة إلى هذا أقولها صراحة كما قلتها مراراً وتكراراً اليهود الذين هم سبب هذا الذل الذي أصاب المسلمين اليوم ليس لهم قرار في هذه البلاد وهي فلسطين، ذلك لأن من الأحاديث الصحيحة أن عيسى ﵊ حينما يخرج للدجال من المشرق يكون في صحبته سبعون ألف من اليهود عليهم الطيالسة، في صحبة الدجال الأكبر فيمر على البلاد الإسلامية ولا يبقى بلد إلا ويطأه هذا الدجال الأكبر، إلا مكة والمدينة وإلا بيت المقدس حيث يكون في بيت المقدس عيسى ﵊، والمؤمنون حوله، فحينما يأتي الدجال وعيسى في بيت المقدس؛ إذاً ليس هناك يهود .. يهود في الخارج ولذلك سوف لا يبقى هؤلاء اليهود مهما تجبروا ومهما غلوا في اعتدادهم لقوتهم المادية والله من ورائهم محيط، وسوف يأتي يوم عما قريب تتحقق تلك الأكذوبة التي كان يتستر من ورائها بعض الدعاة من العرب العلمانيين الذين يقولون نحن نريد أن نرمي اليهود في البحر، هؤلاء لا يستطيعون أن يخرجوا اليهود من بلد واحد، وإنما الذين سيخرجونهم هم الذين وعد الله بنصرهم الآية التي تقول: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ

стр. 4064

وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١]. مداخلة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ [النور: ٥٥]. الشيخ: هذا هو، فهؤلاء الذين يقومون بمثل هذه الأوامر الشرعية أو الذين سيطردون اليهود من فلسطين، وسيلجؤون إلى الدجال الأكبر وهو الدجال الأعور ويأتون في صحبته لمحاصرة عيسى ﵇ وهو في بيت المقدس فيخرج إلى الدجال ويقتله، تجري المعركة المنبأ بها في الحديث الصحيح في صحيح مسلم هناك يتكلم الشجر والحجر إلا شجر الغرغد، ويقول: ورائي يا مسلم ورائي يهودي فاقتله، إذاً هؤلاء المسلمون هم الذين سيحققون رمي اليهود في البحر أو على الأقل إخراجهم مما احتلوا من البلاد الإسلامية. لكني في نهاية هذه الكلمة ولعلها خاتمة هذا المجلس إن شاء الله، أذكر بالسنة الإلهية الكونية ألا وهي قوله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] لذلك أنا أقول مع الأسف الشديد المسلمون اليوم على وضعهم الحاضر ليس هؤلاء الذين يخرجون اليهود، وإنما هو جيل لعله هذا الجيل الناشئ الذي يتحدث عنه بأنهم يعيشون الآن في صحوة، لكن أنا في اعتقادي أنه في أول الصحوة؛ لأنها صحوة فكرية علمية لما تقترن بعد معها صحوة تربوية أخلاقية، هؤلاء يمكن بعد زمن إن شاء الله لعله لا يكون طويلاً هم الذين سيضطرون اليهود إلى أن يخرجوا من بلاد المسلمين وأن يطاح بهم بعيداً وبعيداً جداً عن بلاد الإسلام، إذاً علينا أن نذكر بهذه الآية الكريمة أنفسنا وغيرنا من إخواننا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] إذاً أنا أستبشر خيراً وعسى أن يكون قريباً. المقدم: الأحاديث الدالة على ذلك كثيرة شيخنا: إن الله زوى لي الأرض فرأيت ما زوي لي منها، ورأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي ليبلغ ما زوي لي منها.

стр. 4065

أقول شيخنا جزاك الله خيراً وأحسن إليك على هذا الذي فتح الله به عليكم، وأجراه على لسانكم من الحق والعلم والبيان الواضح المستنير، الذي نرجو الله ﵎ أن يكون سبباً في هداية الكثيرين ورجوع الغاوين، وردة المحبين إلى الحق لا إلى زيادة في الشر لا قدر الله، ونسأل الله ﵎ أن يمد في عمركم وأن يبارك في عملكم، وأن يجزيكم عنا وعن المسلمين وعن الإسلام خير الجزاء، وأن يجعلكم دائماً طوداً شامخاً وعلماً عالياً وطريقاً منيراً إلى الحق الواصل إلى رضوان الله، وأسأل الله أن يفيد المسلمين الذين يسمعون هذا الكلام في مشارق الأرض ومغاربها، وأن يجمعنا على قدم المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، وأن يجعلنا هداة مهتدين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم. مداخلة: وجزاكم الله خير يا شيخ (الهدى والنور /٨١٠/ ٠٣: ٠١: ٠١) (الهدى والنور /٨١٠/ ٠٥: ١٣: ٠١)
следующие страницы →