Полный текст (5 605 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.
стр. 4061
أذكر شيخنا جزاكم الله خيراً عندما قدم بعض إخوان لنا من الجزائر، وجلسنا معهم وتحدثنا لهم وذكرناهم وبينا لهم المخاطر التي تنتظرهم إن هم خالطوا الأمور السياسية فإنهم سوف يلاقون عقبات كثيرة، ومع ذلك مضوا في هذا الطريق وفوجئت اليوم .. اليوم فوجئت وأنا أسمع نبأ هالني والله جداً، منذ أن قامت الفتنة في الجزائر بعد أن أبطل المجلس النيابي الذي فازت فيه جبهة الإنقاذ حتى اليوم كان عدد القتلى عشرة آلاف قتيل.
مداخلة: من الطرفين .. من الفريقين.
المقدم: من الفريقين، طبعاً كلهم مسلمون والحمد لله إلا القليل.
الشيخ: نعم.
المقدم: فلنتصور هذه الثمرة، ولعل الكثيرين من أولئك الذين يفلسفون الوقوف بالتحدي والقوة والشدة في وجه الأنظمة لعلهم يقولون إن هؤلاء شهداء، هكذا يمنون أنفسهم بأن يكونوا شهداء، وأنا لا أدري كيف تفسر الشهادة إذا كان وقودها هؤلاء العشرات أو هؤلاء الألوف الكثيرة في فتنة لا يدرى لها مدخل ولا يدرى لها مخرج، ونحن نقول هنا لإخواننا نذكرهم أيضاً في الجزائر وفي غير الجزائر أن يتقوا الله في دماء المسلمين وفي أعراضهم وفي أنفسهم، وأن يسموا الأشياء بمسمياتها أو بأسمائها الحقيقية، وألا يخرجوا عن الخط الشرعي الذي رسمه الله ﵎ في مثل قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢].
كلمة أخيرة شيخنا يعني بعد هذا كله نصيحة قصيرة موجزة لإخواننا المسلمين بعامة في كل أرجاء الأرض مشارقها ومغاربها، وما رؤيتكم المستقبلية لهذا الإسلام? وهل سيكون إن شاء الله نصر للإسلام يجريه الله على أيدي عباد المخلصين، ومتى سيكون إن شاء الله?
стр. 4062
الشيخ: نصيحتي لإخواننا المسلمين في سائر أقطار الدنيا هو العلم النافع والعمل الصالح .. العلم النافع لا يكون إلا مأخوذاً من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﵌، وهي السنة الصحيحة الثابتة عنه، ثم هذا العلم لا يفيد المسلمين إلا إذا كما أشرنا آنفاً في بعض كلماتنا المتقدمة .. إلا إذا كان مقروناً بالعمل الصالح، ومما لا شك فيه ولا ريب فيه أن العمل ينقسم إلى قسمين: قسم يتعلق بذات الإنسان وبمن يلوذ به وممن له صولة ودولة عليه وأمر عليه، فهذا النوع من العمل الذي لا يعذر فيه المسلم إذا ما قصر في القيام به لأنه لا عذر له إطلاقاً، فليس للحاكم وليس للدولة سلطة عليه في حدود سلطته الخاصة به وبأهله، ولذلك فنحن ننصح بالعلم النافع والعمل الصالح، وأن يعمل المسلم بكل ما يستطيع أن يعمله، ويحاول أن يوسع دائرة عمله إلى الآخرين الذين قد يكونون بعيدين عنه، لكنه باستطاعته أن يصلهم بعلمه وبتوجيههم وهكذا، فالمسلمون اليوم فيما أفهمه وفيما ألمسه من واقع العالم الإسلامي اليوم وبخاصة في هذه السيطرة التي تسمى بماذا الحكم .. ?
مداخلة: نظام الأمن العالمي.
الشيخ: الأمن العالمي الجديد باعتقادي أن الآية المعروفة الآن وقتها ومحلها ألا وهي قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] ما نفكر نحن الآن تفكيراً عملياً مباشراً لتغيير حكم الحكام، إنما نفكر بتغيير عملي مباشر لحكمنا نحن على أنفسنا وعلى أهالينا، ولا شك ولا ريب أبداً أن المسلمين حينما يلتزمون هذا الخط فسيكون من آثار ذلك قيام المجتمع الإسلامي، وهنا أنا أعجب من أناس يفكرون بإقامة الدولة المسلمة دون أن يحققوا تلك الحكمة التي رويت عن بعض الدعاة الإسلاميين، ولكن أتباع هذا الداعي خالفوه في تلك الحكمة التي تقول: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم على أرضكم، فما لم يقم المسلمون دولة الإسلام في
стр. 4063
قلوبهم في بيوتهم في حكوماتهم الخاصة بهم والتي لا يتدخل فيها لا الحاكم الكافر المعلن كفره ولا الحاكم الفاسق المنحرف عن كثير من أحكام دينه، ليس لهذا ولا لذاك علاقة بحكم الإنسان على نفسه وعلى ذويه، يوم ينطلق المسلمون في تطبيق هذه الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] يكون المسلمون قد سلكوا وأخذوا برأس الصراط المستقيم، وأن ذلك سيحقق لهم أولاً مجتمعاً إسلامياً وبالتالي على مثل هذا المجتمع ستقوم الدولة المسلمة وأرجو أن يكون ذلك قريباً، وأنا على الرغم مما نرى مما يحمل الإنسان بطبيعته على التشاؤم فأنا غير متشائم، أنا متفائل جداً؛ لأن طبيعة السنن الإلهية الكونية الطبيعية إذا صح هذا التعبير كما قيل اشتدي أزمة تنفرجي ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: ١١٠] بالإضافة إلى هذا أقولها صراحة كما قلتها مراراً وتكراراً اليهود الذين هم سبب هذا
الذل الذي أصاب المسلمين اليوم ليس لهم قرار في هذه البلاد وهي فلسطين، ذلك لأن من الأحاديث الصحيحة أن عيسى ﵊ حينما يخرج للدجال من المشرق يكون في صحبته سبعون ألف من اليهود عليهم الطيالسة، في صحبة الدجال الأكبر فيمر على البلاد الإسلامية ولا يبقى بلد إلا ويطأه هذا الدجال الأكبر، إلا مكة والمدينة وإلا بيت المقدس حيث يكون في بيت المقدس عيسى ﵊، والمؤمنون حوله، فحينما يأتي الدجال وعيسى في بيت المقدس؛ إذاً ليس هناك يهود .. يهود في الخارج ولذلك سوف لا يبقى هؤلاء اليهود مهما تجبروا ومهما غلوا في اعتدادهم لقوتهم المادية والله من ورائهم محيط، وسوف يأتي يوم عما قريب تتحقق تلك الأكذوبة التي كان يتستر من ورائها بعض الدعاة من العرب العلمانيين الذين يقولون نحن نريد أن نرمي اليهود في البحر، هؤلاء لا يستطيعون أن يخرجوا اليهود من بلد واحد، وإنما الذين سيخرجونهم هم الذين وعد الله بنصرهم الآية التي تقول: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ
стр. 4064
وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١].
مداخلة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ [النور: ٥٥].
الشيخ: هذا هو، فهؤلاء الذين يقومون بمثل هذه الأوامر الشرعية أو الذين سيطردون اليهود من فلسطين، وسيلجؤون إلى الدجال الأكبر وهو الدجال الأعور ويأتون في صحبته لمحاصرة عيسى ﵇ وهو في بيت المقدس فيخرج إلى الدجال ويقتله، تجري المعركة المنبأ بها في الحديث الصحيح في صحيح مسلم هناك يتكلم الشجر والحجر إلا شجر الغرغد، ويقول: ورائي يا مسلم ورائي يهودي فاقتله، إذاً هؤلاء المسلمون هم الذين سيحققون رمي اليهود في البحر أو على الأقل إخراجهم مما احتلوا من البلاد الإسلامية.
لكني في نهاية هذه الكلمة ولعلها خاتمة هذا المجلس إن شاء الله، أذكر بالسنة الإلهية الكونية ألا وهي قوله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] لذلك أنا أقول مع الأسف الشديد المسلمون اليوم على وضعهم الحاضر ليس هؤلاء الذين يخرجون اليهود، وإنما هو جيل لعله هذا الجيل الناشئ الذي يتحدث عنه بأنهم يعيشون الآن في صحوة، لكن أنا في اعتقادي أنه في أول الصحوة؛ لأنها صحوة فكرية علمية لما تقترن بعد معها صحوة تربوية أخلاقية، هؤلاء يمكن بعد زمن إن شاء الله لعله لا يكون طويلاً هم الذين سيضطرون اليهود إلى أن يخرجوا من بلاد المسلمين وأن يطاح بهم بعيداً وبعيداً جداً عن بلاد الإسلام، إذاً علينا أن نذكر بهذه الآية الكريمة أنفسنا وغيرنا من إخواننا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] إذاً أنا أستبشر خيراً وعسى أن يكون قريباً.
المقدم: الأحاديث الدالة على ذلك كثيرة شيخنا: إن الله زوى لي الأرض فرأيت ما زوي لي منها، ورأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي ليبلغ ما زوي لي منها.
стр. 4065
أقول شيخنا جزاك الله خيراً وأحسن إليك على هذا الذي فتح الله به عليكم، وأجراه على لسانكم من الحق والعلم والبيان الواضح المستنير، الذي نرجو الله ﵎ أن يكون سبباً في هداية الكثيرين ورجوع الغاوين، وردة المحبين إلى الحق لا إلى زيادة في الشر لا قدر الله، ونسأل الله ﵎ أن يمد في عمركم وأن يبارك في عملكم، وأن يجزيكم عنا وعن المسلمين وعن الإسلام خير الجزاء، وأن يجعلكم دائماً طوداً شامخاً وعلماً عالياً وطريقاً منيراً إلى الحق الواصل إلى رضوان الله، وأسأل الله أن يفيد المسلمين الذين يسمعون هذا الكلام في مشارق الأرض ومغاربها، وأن يجمعنا على قدم المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، وأن يجعلنا هداة مهتدين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.
مداخلة: وجزاكم الله خير يا شيخ
(الهدى والنور /٨١٠/ ٠٣: ٠١: ٠١)
(الهدى والنور /٨١٠/ ٠٥: ١٣: ٠١)
стр. 4066
الدعوة عن طريق إرضاء المدعوين
بعادات اعتادوها
الشيخ: خير الهدى هدى محمد ﵌، رسول الله لم يدع قومه إلى الإسلام بطريق إرضائهم ببعض العادات التي اعتادوها، وإنما دعاهم إلى التوحيد مباشرة، ومن الخطأ الفاحش جداً أن يبدأ الداعية بالتوافه من الأمور، بل وبالمستحبات من الأمور، بل ومن فرائض من الأمور، وهو يعلم أن هؤلاء المدعوين هم أبعد ما يكون عن فهمهم لقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، فنحن نعتقد أو ندعي أن النبي ﵌ هو أسوتنا وهو قدوتنا في كل شيء، فينبغي أن تقتدي به ﵊ دعوة وأسلوباً في الدعوة، ولا ينبغي أن نأتي بأسلوب نحن من عندنا لنرضي الناس الذين حولنا، مثلاً: الرسول ﵌ لم يدع في أول دعوته لم يدع لصالح الفقراء والمساكين الأغنياء بأن يعطوا من أموالهم للفقراء مع أنهم كانوا مستبدين بأموالهم ومبذرين فيها، وكان هناك فقراء ومساكين، فلم يهتم الرسول ﵇ بجمع قلوب الناس والفقراء والمساكين، وهم عادة هم الأكثرون لكي يجلب القلوب إليه، وإنما دعاهم جميعاً فقراء وأغنياء، أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت، فهذا الأسلوب الذي أشرت إليه ونحوه، هذا ليس من أسلوب الأنبياء والرسل، نحن نعلم جميعاً أن كل الرسل كانت أول كلمة تصدر منهم لأقوامهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] .. ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] .. وهكذا.
لذلك فالشباب المسلم اليوم يدع طريقة الأنبياء والرسل في الدعوة، ويخترع أسلوباً من عنده، وهذا لا يليق بالداعية أبداً.
(الهدى والنور / ٩٣/ ٥٨: ٢٧: .. )
стр. 4067
المداراة والمداهنة
في الدعوة إلى الله
مداخلة: يسأل السائل: ما الفرق بين المداراة والمداهنة؟ وما هو الحكم الشرعي لكل منهما؟
الشيخ: الفرق معروف ومعلوم لدى العلماء. المداهنة: أن تخالف الدين في سبيل المداراة، والمداراة ليس فيها مخالفة في الدين، وإنما هو التلطف بالكلام أولاً، ثم تحاشي مصادمة الظالم ومواجهته إذا كان يترتب من وراء ذلك مفسدة. فهذا هو الفرق بين المداهنة والمداراة.
المداهنة تتطلب مخالفة الشريعة، وهذا لا يجوز. المداراة وإنما هو أن يضع كل شيء في محله دون مخالفة للشريعة. مثلاً: مشهور على ألسنة الناس وكثيراً ما يسألونني عنه، يقولون: إن الرسول قال: «إنا لنبش في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم».
فنجيب بأن هذا لا يصح نسبته إلى النبي ﵌، وإنما يروى نحوه عن بعض الصحابة لعله أبو الدرداء، ولكن قريب منه ما رواه الإمام البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂: «أن رجلاً استأذن على النبي ﵌ فقال ﵊: ائذنوا له، بئس أخو العشيرة هو».
دخل الرجل وجلس عند النبي ﵌ وهش إليه وبش، فلما خرج وكانت السيدة عائشة ﵂ الكيسة الذكية المؤمنة تراقب أول القصة وآخرها، لما خرجت قالت: «يا رسول الله، لما استأذن في الدخول قلت: ائذنوا له بئس أخو
стр. 4068
العشيرة هو، فلما دخل هششت إليه وبششت، قال: يا عائشة! إن شر الناس عند الله ﵎ يوم القيامة من يتقيهم الناس مخافة شرهم».
يقول شراح الحديث: إن هذا الرجل كان منافقاً وكان رئيس قبيلة وتحت رياسته ضعفاء المؤمنين، فلو أن الرسول ﵌ نبذه وما تلطف معه فربما عادت قسوته قسوة له أو منه على ضعفاء المؤمنين والمسلمين الذين هم من قومه، فكانت هذه سياسة من الرسول ﵇ ومداراة له ولم يكن مداهنة لأنه لم يقل ﵇ كلاماً يخالف فيه الشريعة. فهذا هو الفرق بين المداهنة وبين المداراة. نعم.
(الهدى والنور / ٣١٣/ ١٠: ٥٥: ٠٠)
стр. 4069
ترك بعض المسائل الفرعية
في سبيل الدعوة
مداخلة: طيب يا فضيلة الشيخ، هل يجوز ترك بعض المسائل الفرعية في سبيل الدعوة؟
الشيخ: هذه مشكلة العصر الحاضر قضية الدعوة.
مداخلة: نعم أنا جالس في بيئة متعصبة للأحناف فأنا ما أستطيع أدعو إذا أظهرت لبعض الفرعيات التي يخالفها الأحناف في تلك المسائل، فإذا تركت هذه الأشياء بالإمكان ..
الشيخ: يا ابني أنا فهمت عليك لكن بقي عليك أن تفهم علي.
مداخلة: هذا هو المطلوب.
الشيخ: إلى ماذا دعوت الحنفية من الأمور التي لا يجوز التساهل فيها؟
مداخلة: ... بالتوحيد، كذلك ...
الشيخ: يطعنون توحيدك؟
مداخلة: هم في الأصول كذلك فيه خلاف بيننا.
الشيخ: دعك الآن والأصول خلينا على التوحيد، يقبلون توحيدك؟
مداخلة: إذا تركت المسائل المخالف فيها في الفروع لعلهم يقبلون مني.
الشيخ: ويجوز يعني ترك شيء مما يتعلق بأصل الأصول ألا وهو التوحيد؟
стр. 4070
مداخلة: أنا لا أقصد ترك الأصول إنما أقصد فروع بعض المسائل.
الشيخ: أنت لا تقصد أنا أسألك هل دعوتهم للتوحيد؟
مداخلة: لا ندعهم للتوحيد.
الشيخ: نعم، وكلما يجب للتوحيد ومنه مثلاً أن لله صفة العلو وإلا هذا من المؤجل؟
مداخلة: يثبتون صفة العلو.
الشيخ: نعم؟
مداخلة: يثبتون.
الشيخ: الأحناف؟
مداخلة: ...
الشيخ: الأحناف ماتريدية.
مداخلة: أي نعم.
الشيخ: والماتريدية ما يثبتون صفة العلو، هم كالأشاعرة.
مداخلة: بعضهم يقول في كل مكان لكن بعضهم.
الشيخ: .... نتكلم أنا أتكلم عن البعض، نحن نعرف أنا الذي أمامكم أصله حنفي.
مداخلة: أعرفكم يا شيخ.
الشيخ: المهم كمذهب الماتريدية والأشاعرة لا يثبتون العلو.
مداخلة: ... هكذا.
الشيخ: لا يجوز مداهنتهم في هذا ولابد من دعوتهم.
(الهدى والنور/٤٠٦/ ٢٦: ٢٠: ٠١)
стр. 4071
الأخذ بالقول المرجوح
لمصلحة الدعوة
مداخلة: فقهي في السياسة الشرعية ممكن، يقول السائل هذا السؤال من عندي إذا عرضت لنا أو عرضت لنا قضية فقهية فيها رأيين، فيها رأي عند الفقهاء فراجح ومرجوح، وإذا ما أخذنا بالقول الراجح فيها تسببنا أو تسببنا في فتنة أو مشكلة أو تفرقة بين المسلمين، فهل يجوز لنا أن نأخذ بالقول المرجوح لمصلحة وحدة المسلمين؟
الشيخ: هذه هي السياسة إذاً.
مداخلة: هذه السياسة غير الشرعية.
الشيخ: أي نعم.
المسألة الحقيقة مهمة جداً، أنا سمعت أنه الجبهة أو النهضة ما أدري الأسماء ما حفظتها جيداً فيها ملايين، أليس صحيحاً هذا؟ !
مداخلة: ...
الشيخ: كم ألف عالم فيهم؟
السائل: ما في علم.
الشيخ: كم مائة عالم؟ ، طيب من يقودهم يا جماعه هؤلاء؟
السائل: شيوخ قليلين.
стр. 4072
الشيخ: هل يستطيع هؤلاء الشيوخ أن يقودوا ملايين؟
السائل: طبعاً لا.
الشيخ: هل يمكنهم أن يعلموا ملايين؟
السائل: أبداً.
الشيخ: إذاً: أنتم تعيشون في الأوهام، ومن ذلك هذا السؤال الذي أنت تطرحه الآن، حينما يكون في هؤلاء الملايين من المسلمين علماء يستطيعون أن يديروا دفة هؤلاء المحكومين من أهل العلم، حينما يوجد فيهم المئات ولا أقول الألوف، ليس هناك بحاجة أن يطرح مثل هذا السؤال راجح ومرجوح، هل يجوز لنا أن نأخذ بالقول المرجوح ونترك القول الراجح؟
هذا الفقيه هو الذي يجيب عن هذا، وأنا أضرب لكم مثلاً من واقع حياتنا مع الأحزاب، أنا قلت مرة لأحد أفراد حزب التحرير، يا جماعة أنتم تريدون أن تقيموا الدولة المسلمة، وأنتم لا تدرسون الشريعة من أصولها وقواعدها، وأنتم تحتجون في كتبكم ببعض الأحاديث غير الصحيحة.
أخي نحن نستعين بأمثالكم، هذا الجواب هو أول الهزيمة؛ لأنه حينما يكون هناك حزب يعتمد على غيره، معناها حزب في قوته مش مكتمل.
مداخلة: ...
الشيخ: بالعكس كان هذا الرجل قال لي: ليش أنتم تضيعوا وقتكم بالكتب الصفراء، كيف الله اكبر.
الشاهد بارك الله فيكم نحن في الوقت الذي نحن مسرورون بالحركة الإسلامية في الجزائر التي شملت فعلاً ملايين، لكن أنا أخشي أن تصاب الحركة بشيء من الوكسة بسبب الاستعجال في تحقيق الأهداف التي لا يمكن تحقيقها إلا بالعلم والعمل الصالح، ومن ذلك التأني، من تأنى نال ما تمنى، فإذا أنت
стр. 4073
كنت تعترف بهذه الحقيقة هي من جانب تسر ومن ناحية تزعج، أن هناك ملايين من المسلمين ينضمون إلى هذه الكتلة والى هذه الجماعة، لكن هؤلاء أليسوا بحاجه إلى أطباء بدن، لا شك أن عندكم أطباء بدن بالمئات بل بالألوف، طيب أليسوا بحاجة إلى أطباء كما يقولون في العصر الحاضر للروح، هذا أولى وأحوج وأحوج، هل هؤلاء موجودون بتلك النسبة؟
الجواب: لا.
إذاً: بارك الله فيكم كيف تتصورون، أنا قلت أيضاً لهؤلاء .. لحزب التحرير، افرضوا أنكم ما بين عشيه وضحاها أقمتم علم الدولة الإسلامية، يعني بانقلاب من الانقلابات، لكن الشعب ما عنده استعداد لأن يحكم بما أنزل الله، يمكن أنتوا وجماعتكم ... قرار رقم واحد اثنين ممنوع مثلاً دخول السينمائيات، ممنوع خروج النساء متبرجات إلى آخره، ستجد أن بعض نسائكم أول من يخالف هذه النظم وهذه القوانين الإسلامية لماذا؟
الجواب: لأن الشعب لم يربى على ذلك، ومن يربي الشعب؟ هم العلماء، وهل كل نوع من أنواع العلماء أم هم العلماء أولاً العارفون بالكتاب والسنة، وثانياً العاملون بالكتاب والسنة وليس العلماء الذي يسميهم الإمام الغزالي ﵀ بعلماء الرسوم، والآن العلماء الموجودون في الدول الإسلامية أكثرهم علماء رسوم، ماذا يريد الحاكم يعطوه القرار والموافقة.
لذلك فأنا اعتقد أن الجهاد الأكبر الآن هو هذه الملايين المملينة أن تخرج العشرات من العلماء المسلمين هناك؛ حتى يتولوا توجيه الملايين إلى تعريفهم بدينهم وتربيتهم على هذا الإسلام، أما الوصول للحكم فكل طائفة تحاول أن تصل إلى الحكم، ثم تستعمل القوة في تنفيذ قراراتها وقوانينها، سواءً كانت حقاً أو باطلاً، الإسلام ليس كذلك.
شقرة: هو شيخنا بارك الله فيك وفي الإخوان يبدو أن الإخوان في الجزائر هم
стр. 4074
يشبهون إلى حد كبير في أمر من الأمور أو في معظم الأمور جماعة التبليغ في جهة التي هي عدم وجود العلماء، جماعة التبليغ جماعة كثيرة جداً هم يعدون أيضاً بالملايين أذا أردنا أن نقول عن جماعة التبليغ في العالم يعدون بالملايين فعلاً، لكن ما عندهم علماء لا يوجد عندهم علماء، الفرق بين إخواننا في الجزائر وبين جماعات التبليغ، أن إخواننا في الجزائر ملتزمون بالعمل بالكتاب والسنة وفيهم الدعاة، ولكن هؤلاء الدعاة الذي حركوا هذه الملايين ينقصهم العلم الذي ينبغي أن يكون فيه العلماء مثلما تفضل شيخنا وقال الأطباء الذين يقدمون لهؤلاء الدعاة يقدمون العلاج اللازم الذين يحملونه، عندما يخرجون لدعوة هؤلاء بالألوف أو الملايين الموجودة، في مسألة أخرى ينبغي أن تنتبهوا لها يا إخوان أنه أحياناً يأتيكم من الخارج، تستضيفونهم عندكم وقد يغركم كلامه أو شكله أو صورته أو حديثه أو دعواه، لأنه كثير من الذين يأتون إلى الجزائر أو هنا ربما يدعون دعوى باطله ويلبسون أنفسهم ثياباً ليست لهم على الإطلاق، ثياب لا تصلح لهم ولا يصلحون لها أبداً، فهؤلاء الحقيقة ربما يدخلون بعض الأفكار لبعض الإخوان الموجودين في الجزائر، فيؤثرون فيهم تأثير مباشر ويتركون آثاراً يحدثون بها فيما بعد فتنة في داخل الصفوف في الإخوان هناك، ولذلك هؤلاء يحذرون أشد الحذر، ولا يلتفت لهم، والذي أرجوه طبعاً لو كان الأخ علي جزاه الله خير الأخ علي الحاج لو أنه عندما جاء إلى هنا، يعني مكث عندنا أياماً وليالي نتشاور معه في بعض الموضوعات، لكان ربما يعني أخذ بعض الأشياء التي تفيد الدعوة هناك في الجزائر، يعني مثلاً خليني أقول لكم شيء: الأخ علي جاء إلى هنا وجلس مع بعض الناس الذين لا يمتون إلى الدعوة الإسلامية الصحيحة بصلة على الإطلاق ولا يعرفون من الكتاب والسنة إلا اسميهما فقط، أما العمل بالكتاب
والسنة فأمر هذا شيء بعيد عنهم، فربما لقي بعضهم، وهؤلاء يتحدثون عن موضوع الجهاد في وسط الجماهير الغفيرة ويدعونهم إلى الجهاد في سبيل الله إلى غير ذلك.
стр. 4075
الأخ علي بالحاج نحن حريصون كل الحرص وبحبنا له في الله، وبرغبتنا أن يستقيم الأمر في الجزائر على نحو ما نرجو من الله أن يكون، لو أنه التقى الشيخ وجلسنا معه بعض الوقت وتحدثنا، لكان ربما أفاد بعض الأشياء التي منعت أو حالت دون مجيئكم أنتم، يعني لا مؤاخذة، الذي أريد أن أقوله الآن مجيئكم كان ارتجالاً، لم يكن مؤسساً على أساس من النظر الدقيق؛ لأن النظر الدقيق يقتضي أن نعرف الأحوال التي حملتنا أو حفزتنا على المجيء من الجزائر إلى هنا.
الآن هذه مسألة يجب أن تكون موضع تجربة ونظر في حياتكم أنتم، وتنقلونها أيضاً للأخ علي، يعني تنقلون نقلاً أميناً وتعرفونه حقيقة ما رأيتم وربما لم يرَ شيئاً مما رأيتم.
الشيخ: على كل حال أنا أذكرك بأن الشيخ علي وعدنا بأن يعود إلينا، ما أدري أنت كنت حاضراً ولا بعد ما ذهبت أليس كذلك؟
مداخلة: ....
الشيخ: وعدنا بأن يعود إلينا؛ لأنه مع الأسف ما أتيحت لنا فرصة جلوس طويل، ونتباحث مع بعضنا البعض في كثير من المسائل التي يحتجها مثل هذه الكتلة المباركة من إخواننا السلفيين جزائريين.
مداخلة: شيخنا لا باس أيضاً حتى لو دعا الأمر إذا استطعنا أن نذهب إلى الجزائر ونلقى إخواننا هناك، هذا يكون فيه خير إن شاء الله.
الشيخ: بلا شك لكن كما يقولون عندنا في الشام: ما بقى في الكرم إلا الحطب.
(الهدى والنور /٤٤٠/ ٣٦: ٣٧: ٠٠)
стр. 4076
ترك السنن لتأليف الناس
مداخلة: أقول: يا شيخ إذا كان تطبيق سنة معينة ربما يحدث فتنة، تطبيق سنة ربما يحدث فتنة نتيجة لجهل الناس، أو لأي سبب آخر، فماذا نقدم تطبيق السنة أم لا نطبقها لتجنب الفتنة؟
الجواب: إذا أنا وقفت عند سؤالك فقط في حدود سؤالك أجيبك بما تطمئن إليه نفسك ولكن أخشى سوء التطبيق، فأقول: تترك السنة في هذه الحالة، لكن أين هذا المجتمع الذي أنت تتحدث عنه؟ اضرب لي مثلاً يعني أي سنة تخشى إذا أعلنت أو نشرت أنه يخشى أن نثير أن فتنة؟
مداخلة: أنا قلت سنة مثلاً تحدث فتنة لنتيجة لجهل الناس أو سبب آخر مثلاً: سنة في المسجد أو مثلاً صلاة مثلاً صلاة ركعتين قبل الجمعة، أو أي سنة من هذه الناس جهلتها، تجهلها أو تركتها للجهل، فإن كان تطبيق هذه السنة سيحدث فتنة، أنه مثلاً واحد قدم يصلي قدام بين السواري تقول له: رجع الناس إلى وراء وحسيت أنه أنا الناس طبقوا السنة لكن صار أناس قدام يصيحوا، فهل أطبق السنة أم أترك السنة لتجنب الفتنة؟ وهناك أمثلة كثيرة جداً، لي إخوة ذهبوا يطبقون السنة، لكن تطبيقهم السنة أحدث للفتنة، يعني ممكن أنه يخلي المسلمين يحقدون عليه عوام؛ لكي هو يطبق السنة؟
الشيخ: جميل هلا أنا أعطيتك الجواب رضيت به؟
مداخلة: أنا رضيت به.
الشيخ: طيب، خلينا نمشي خطوة ثانية حتى ما يكون جوابنا يعني عاقبته سلبية محاربة السنة، نقول:
стр. 4077
أليس من الواجب إحياء السنة؟
مداخلة: بلى.
الشيخ: كيف تحيي السنة بين العلماء أم الجهلاء؟
مداخلة: السنة أولاً تكون بين العلماء وتنتقل.
الشيخ: الله يهديك الله يهديك، هلا حفظت سؤالي ما أظنك.
مداخلة: كيف تحفظ السنة؟
الشيخ: كيف تحيي السنة أبين العلماء أم الجهال؟ قل أنت بين العلماء أو بين الجهال؟
مداخلة: بين العلماء كلهم، بين الجهلاء يا شيخ، السؤال هذا هو.
الشيخ: تأنى تأنى افهم افهم السؤال، هل فهمت السؤال؟
مداخلة: فهمته فهماً معيناً.
الشيخ: لماذا قلت معيناً أنا أعينه والا أنت.
مداخلة: هل السنة .... أنا أرى علماء لكن هل كل العلماء يطبقون السنة، في علماء لا يطبق السنة.
الشيخ: يا أخي هذا ما هو جواب سؤالي الله يهديك.
مداخلة: أنا أقصد أنه تطبيق.
الشيخ: أنا المتكلم ليس أنت، ماذا تقصد فلماذا أقصد.
مداخلة: ماذا تقصد.
مداخلة: يا شيخنا فهمه إياها خله يستفيد من أسئلة أخرى.
стр. 4078
الشيخ: أقصد: إحياء السنة ما معنى إحياء السنة؟ يعني: سنة أميتت يعني الناس ما يعرفونها صح طيب، سؤالي: السنة تحيا بين العلماء الذين يعرفونها أم الجهلة الذين أماتوها؟
مداخلة: طبعاً بين الجهلة.
الشيخ: نعم اسمع الآن عرفت يُحيى بين الجهلة صح، والمثال كان في أول الدرس صح؟ مسابقة الإمام بآمين الأصل هذه مخالفة في كل المساجد الآن ما هي الفتنة الذي أنت تخاف أن تثير فيها القضية هذه، أنا أحيي السنة وأنا أعلم والله أعلم في الدنيا كلها لا أحد يتكلم بهذا الحديث، مع أنه حديث في البخاري ومسلم لا أحد يتكلم لماذا؟ لأنهم ماسكين مبدأك أنت، أنه نخشى أن نثير فتنة، أي فتنة تثار فيما نحن إذا علمنا الناس السنة بالتي هي أحسن، الفتنة تثار بسبب سوء الأسلوب في الدعوة.
فشتان بين سؤالك وبين الواقع الذي كان ينبغي أن يقوم عليه سؤالك، الدعوة إلى السنة يؤجر عليها، لو مات قتيلاً مات شهيداً الذي يحيي السنة، لكن ينبغي أن يحييها بالتي هي أحسن كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥].
أنا أعتقد أنه كان هناك سنن أميتت في العالم الإسلامي إلا قليلاً جداً جداً، منها: سنة تسوية الصفوف بين السواري، هذه في هذه البلاد كانت ما يعرفون عنها شيئاً.
المنبر الطويل الذي كان يقطع الصفوف بنيت مساجد من مئات السنين الآن بدأت تبنى المنابر على طريقة حديثة، وإن كنا لا نقرها، لكن تأثروا بالدعوة إلى أنه هذه المنابر القديمة تقطع الصفوف، الآن لا يكاد يبنى مسجد بفضل الله، ويقطع فيه ولو صف واحد بسبب ماذا؟ المنبر.
فإذاً: إحياء السنة تحتاج إلى جهاد، وتحتاج إلى أسلوب حسن حينئذ من
стр. 4079
سيصير الفتنة مع ذلك إذا فرضنا أن الداعية أسلوبه حسن وهو عالم بالسنة فإذا غلب على ظنه أنه يحدث من وراء ذلك فتنة فنقول: دع هذه السنة، ولكن ليس دعها إلى أن تموت، وإنما مهد لها، مهد لها، إذاً: سؤالك الجواب كما سمعت، ولكن ليس معنى ذلك استغلال هذا الجواب أن تظل البدعة تمشي والسنن تموت؛ لأنه نخشى من إحيائها الفتنة! ! ليس هذا هو الأصل.
الأصل: أن إحياء السنة هو سنة يثاب من أحياها بكل من اتبعها، من أحيا سنة قد أميتت من بعدي هذا حديث إسناده فيه ضعف، لكن معناه صحيح؛ لأنه جاء بلفظ: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أجورهم شيء ... » إلى آخر الحديث.
(الهدى والنور /٦٣١/ ٢٧: ٣٧: ٠٠)
стр. 4080
الدعوة وقاعدة الغاية
تُبَرِّر الوسيلة
مداخلة: كثيراً ما نسمعكم في أشرطتكم تنكرون قاعدة: الغاية تبرر الوسيلة، وتبينون أنها قاعدة كافرة، لكن قد جاء في السنة حديث كأنه يدل على مشروعية هذه القاعدة أو على الأقل في بعض الحالات وهو قوله ﵌: «ليس الكذاب بالذي يصلح بين الناس فيقول خيراً أو ينمي خيراً» والحديث في صحيح الجامع، فكيف نفهم هذا الحديث فجزاكم الله خيراً.
الشيخ: هذا الحديث لا يتعدى ما تضمنه من الفقه، ولا يؤيد القاعدة الصهيونية، الغاية تبرر الوسيلة، يعني: مهما كان الوسيلة مخالفة للشرع؛ لأن الذين وضعوا هذه القاعدة لم يضعوها مراعين مثل هذا الحديث، فالآن نحن نقف معك عند هذا الحديث: هل يبيح الحديث للمسلم أن يكذب متى ما بدت له مصلحة في كذبه؟
مداخلة: يبيح له فقط.
الشيخ: ... سين جيم، كما سألتَ وأجيبُ، عليك أنت أيضاً أن تجيب إذا سألت.
مداخلة: لا يبح الكذب.
الشيخ: فإذاً: أين القاعدة وأين الحديث؟
مداخلة: لكن الكذب محرم شرعاً.
стр. 4081
الشيخ: أنا أعرف بارك الله فيك، أنت لا تقل: الآن النور مُنَار لأننا نرى النور، الكذب محرم، لماذا تعود إلى الحديث، أنا أقول: هذا الكذب المحرم هل يستحل بالقاعدة التي أنت زعمت أنها مؤيدة بهذا الحديث أم لا؟
مداخلة: لا.
الشيخ: بالقاعدة ليس بالحديث، القاعدة: الغاية تبرر الوسيلة، ألا تؤيد الكذب عند كل مصلحة؟
مداخلة: نعم، تؤيد.
الشيخ: الحديث يؤيد ذلك؟
مداخلة: لا.
الشيخ: فاختلفا إذاً بارك الله فيك.
(الهدى والنور/٧٧٦/ ٢٨: ١٤: ٠٠)
стр. 4082
مدى صحة تقسيم السنن إلى مألوف
وغير مألوف لغرض مراعاة مصلحة
الدعوة في الدعوة لكل نوع
يقول السائل: قَسَّم بعض الدعاة السنة إلى قسمين: سنة مألوفة لدى الناس، وسنة غير مألوفة، ومن ثَمَّ دعا الشباب الذين يحثون الناس على اتباع السنة أن يراعوا مصلحة الدعوة المفسدة وعدم تنفير الناس، فما رأيكم في هذا التقسيم، وما هو ضابط المصلحة والمفسدة عند تطبيق السنة ودعوة الناس إليها.
الشيخ: أقول: وبعد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
في ظني أن هذا التقسيم إن كان صدر من أحد من الدعاة الإسلاميين فهو أقل ما يقال فيه إنه تقسيم مبتدع، وحينما أقول: إنه تقسيم مبتدع، ينبغي علي أن أشير إلى أن البدعة عند العلماء قسمان: قسم متفق على أنه بدعة ضلالة، وهي البدعة التي تخالف السنة، سواء كانت هذه السنة سنة قولية أو كانت سنة فعلية، فأي حادث أو بدعة خالفت السنة النبوية فهي باتفاق العلماء هي بدعة ضلالة، والقسم الآخر هو الذي اختلف فيه العلماء: إذا كانت البدعة لا تخالف سنة صريحة كما قلنا في القسم الأول، فهنا للعلماء قولان معروفان: الأول: وهو الصحيح الذي لا ريب فيه عند أهل العلم والتحقيق، هو ما جاء في قوله عليه
стр. 4083
الصلاة والسلام الصريح الصحيح: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار»، والقول الآخر، وهو مرجوح يعلم من قولنا السابق: ألا وهو الذي يقوم بتقسيم البدعة إلى خمسة أقسام، هذا التقسيم أقول بلسان عربي مبين: هو أيضاً بدعة كذاك التقسيم الذي قلت إنه تقسيم مبتدع، ولكن هذا التقسيم أحدث في الابتداع من التقسيم القديم؛ تقسيم البدعة إلى خمسة يقول به كثير من العلماء المعروفين، ولهم اجتهادهم على خطئهم؛ أما تقسيم السنة إلى سنة ..
مداخلة: مألوفة ..
الشيخ: وغير مألوفة، هذا التقسيم من بدع هذا الزمان، فأقول: ما كان كذلك فلا شك أن اتفاق العلماء على أن كل محدثة وكل بدعة تخالف ما كان عليه الرسول ﵇ فهي بدعة ضلالة، حتى الذين يقسمون البدعة إلى خمسة أقسام فهذا قولهم، الذين يقولون باستحباب بعض المحدثات وبعض الأمور الحادثات يشترطون أن تدخل هذه البدعة في بعض النصوص العامة بشرط ألا تعارض نصاً نبوياً سواء كان من قوله ﵇ أو من فعله، فهذه السنة التي سموها بغير مألوفة، هذا مخالف لسنن كثيرة وكثيرة جداً، أول ذلك أن هناك حديثاً صحيحاً نذكره وبذكرنا إياه كما يقولون نرمي عصفورين بحجر واحد، أول ذلك نضرب البدعة القديمة وهي تقسيم البدعة إلى خمسة أقسام؛ ذلك لأن هؤلاء الذين يقولون بتقسيم البدعة إلى خمسة أقسام يحتجون بالحديث التالي، وهو أيضاً نرد به على هذه البدعة أو على هؤلاء القائلين بالبدعة الحديثة، وهي السنة غير المألوفة، أعني بذاك الحديث ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه قال: «كنا مع النبي ﵌ جالسين حوله لما جاءه أعراب مجتابي النمار متقلدي السيوف عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فلما رآهم رسول الله ﵌ تمعر وجهه -أي: تغير ملامح وجهه ﵇ حزناً على ما رأى فيهم من فقر مدقع- فخطب النبي ﵌ في
стр. 4084
أصحابه، ووعظهم وذكرهم وكان من ذلك أن قال لهم: قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]، ثم قال ﵇ حديثاً من قوله: تصدق رجل بدرهمه، بديناره، بصاع بره، بصاع شعيره، فما كان من أحد الجالسين الذين تأثروا بموعظته ﵌ إلا أن
انطلق مسرعاً إلى داره ليعود يحمل في طرف ثوبه ما تيسر له من الصدقة من طعام ومن دراهم أو دنانير، فوضعها أمام النبي ﵌، فلما رأى بقية الصحابة ما فعل صاحبهم، قام أيضاً كل منهم ليعود حاملاً ما تيسر له من الصدقات، يقول الراوي جرير رضي الله تعالى عنه: فاجتمع أمام النبي ﵌ كأمثال الجبال من الصدقات، فتنور وجهه ﵇ كأنه مذهبة على خلاف الوضع الأول حيث تمعر وجهه ﵇ حزناً على فقرهم، ولكنه ﵌ حينما رأى أصحابه قد استجابوا لله وللرسول حينما دعاهم لما يحييهم كان ذلك مدعاة لأن تتغير ملامح وجه النبي ﵌ فرحاً وحبوراً وسروراً باستجابتهم لموعظته وتصدقهم على هؤلاء الفقراء من العرب، فقال ﵊ بهذه المناسبة، وهنا الشاهد: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أجرهم شيئاً، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أوزارهم شيئاً»، انتهى الحديث، وهو كما قلنا في صحيح مسلم.
الشيخ: الشاهد من هذا الحديث أن النبي ﵌ يحض في هذا الحديث على إحياء سنة أماتها الناس لسبب أو آخر من هذه الأسباب الغفلة، من هذه الأسباب الجهل، من هذه الأسباب تكالب الناس على الدنيا، فيقوم مسلم فيحيي سنة ويحيي عبادة من العبادات التي صارت مهملة متروكة، فيحييها ويستن الناس به فيها، فيكتب له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أجورهم شيئاً.
стр. 4085
هذا الحديث صريح الدلالة في هذا المجال، وهناك حديث آخر أصرح دلالة ولكن واجبنا العلمي والأمانة العلمية تقتضينا أن نذكر هذا الحديث لصراحته في الدلالة أكثر من السابق مع التنبيه على ضعف إسناده، أما نصه فهو: «من أحيا سنة أميتت من بعدي فله أجرها وأجر من عمل بها .. » إلى آخر الحديث.
كالحديث السابق تماماً، لكنه صريح الدلالة كما تسمعون، ذاك يقول: «من سن سنة حسنة .. » هذا يحتاج إلى شيء من الفقه العلم، فلا جرم أن هذا الحديث الصحيح كان سبباً بسبب أن ران على قلوب كثير من العلماء فضلاً عن طلاب العلم، فضلاً عن عامة الناس أن فهموا من هذا الحديث أن هناك في الإسلام بدعة حسنة، بينما ليس من الحديث الأول الصحيح، بينما ليس في هذا الحديث الصحيح أنه يجوز للمسلم أن يحدث في دين الله بدعة لا أصل لها، لا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله، ولا في ما كان عليه سلفنا الصالح ﵃، ليس فيه شيء من هذا ولكن بعض الناس استدلوا به على أن هناك بدعة حسنة، ذلك لأن النبي ﵌ قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة» ففسروا من سن بمعنى من ابتدع.
إذاً: يوجد في الإسلام على زعم هؤلاء المتأولين للحديث بغير تأويله الصحيح، يوجد في الإسلام بدعة حسنة كما أنه يوجد بدعة سيئة، لذلك ينقمون علينا نحن معشر أتباع السلف إن شاء الله حينما نقول: «كل بدعة ضلالة».
ويا للعجب! لو أن قولنا هذا كان صادراً منا اجتهاداً واقتباساً واستنباطاً ربما كان لهم وجه من العذر، أما وقلنا هذا إنما هو قول نبينا صلوات الله وسلامه عليه الذي كان يكرره بمناسبات شتى مختلفة متنوعة ترسيخاً لهذه القاعدة في أذهان الأمة حتى لا تضل بعده ﵇ وتشقى فتفسر هذا الحديث الذي وضع هذه القاعدة الكلية بخلاف دلالتها الصريحة، وقد وقع هذا المحظور مع الأسف الشديد مع حرص الرسول ﵊ على تكرار هذه الجملة
стр. 4086
المباركة، كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار في مناسبات شتى أهمها أنها من خطبة الحاجة، أنها فقرة من خطبة الحاجة التي كان رسول الله ﵌ يعلمها أصحابه وكان يكرر ﵊ هذه الخطبة بين يدي خطبة الجمعة، وأنتم تسمعون مع الأسف أقول القليل من الخطباء الذين يفتتحون خطبة الجمعة وغير خطبة الجمعة بخطبة الحاجة أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
في كل خطبة جمعة كان رسول الله ﵌ يكررها ويكرر فيها هذه القاعدة العظيمة الجليلة، كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، كذلك كان في مناسبات أخرى وأخرى كحديث العرباض بن سارية الذي يقول ﵁: «وعظنا رسول الله ﵌ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! أوصنا، أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن ولي عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».
إلى هنا ينتهي حديث العرباض بخلاف حديث خطبة الحاجة، ففيها تلك الزيادة: «وكل ضلالة في النار».
إذاً: الأمر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه العظيم حقاً «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم»، قال راداً على الذين يقسمون البدعة إلى خمسة أقسام، قال: هذا لا يمكن؛ لأن النبي ﵌ لو كان يريد من هذه الجملة: «كل بدعة ضلالة» تخصيصها لكان خصصها يوماً ما، إذ يكرر هذه الجملة على مسامع الناس، ثم هو يطلقها هكذا دائماً وأبداً ولا يأتي ولو بإشارة ولو بتلميح أن هذا من العام المخصوص كما يقول الفقهاء في بعض
стр. 4087
النصوص، على العكس من ذلك أجراها هكذا مطلقة لكي تبقى هكذا قاعدة مستمرة إلى يوم القيامة، هذه القاعدة: «كل بدعة ضلالة» تشبه تماماً قاعدة أخرى لا يمكن أن يدخلها تخصيص ما إطلاقاً ألا وهو قوله عليه الصلاة السلام: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام»، هل يستطيع مسلم أن يقول: لا، ليس كل مسكر خمر، وليس كل خمر حرام؟ كلا ثم كلا.
إذاً: رسول الله ﵌ حينما كرر هذه الجملة معنى ذلك أنه سد الطريق على من يحاول تأويلها وتخصيصها ببعض التأويلات كما سمعتم في حديث جرير بن عبد الله، حيث قال ﵊: «من سن» ففسروا «من سن» بمن ابتدع، وأنا قلت ولا أزال أقول إن هذا التفسير لو جاء به أعجمي مثلي أنا ألباني، مهما تعلم اللغة العربية فالأمر كما يقال: العرق دساس، فلو أنا أعجمي مثلي فسر قوله ﵇: «من سن في الإسلام سنة حسنة» بما فسره بعض العلماء، أي: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، لكان ذلك منه خطئأً فاحشاً، ولكان فعلاً يثبت بذلك أنه أعجمي لما يتعرب بعد؛ لأننا إذا قلنا معنى قوله ﵇: «من سن في الإسلام» أي: من ابتدع.
قد عرفتم آنفاً من سياقي بمناسبة هذا الحديث الشريف أن النبي ﵌ قال هذا الحديث بمناسبة الحض على الصدقة، ولم يكن هناك في المجلس أية بدعة إطلاقاً، فإذا قلنا معنى الحديث كما زعموا: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة.
نسألهم: أين البدعة في ذلك المجلس، حتى قال الرسول ﵌ بمناسبتها من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، ليس في المجلس ما يمكن أن يقال إنه بدعة.
إذاً: ما كان في المجلس؟ كان الصدقة، بعد أن حضهم الرسول ﵌ بالآية وببعض أحاديثه على التصدق على هؤلاء الأعراب قام أولهم فجاء بما تيسر، ثم تبعه الآخرون فجاؤوا بما تيسر لهم، فقال ﵊: «من سن في الإسلام سنة حسنة».
стр. 4088
إذاً: خطأ فاحش جداً أن نفسر «من سن» هنا، بمعنى: من ابتدع؛ لأن هذا التفسير لا يطابق الواقع، ورسول الله ﵌ الذي هو بحق أفصح من نطق بالضاد وأيضاً أهتبلها فرصة، فأذكر بأن هذه الجملة أنا أفصح من نطق بالضاد، حديث باطل رواية، ولكن صحيح دراية؛ لأنه هو العربي الصميم الذي أنزل الله على قلبه القرآن بلسان عربي مبين، فهو حقاً أفصح من نطق بالضاد، ولكن ما صح أن النبي ﵌ تكلم بهذا الحديث: «أنا أفصح من نطق بالضاد»، لكنه حقاً هو أفصح من نطق بالضاد.
كيف يليق بأفصح الناس أن يقول لا مناسبة هناك، لم تقع في المجلس بدعة، فيقول: من ابتدع في الإسلام بدعة .. هذا كلام ... تفسير مرفوض تماماً.
ثم نقول شيئاً آخر من باب تنبيه إخواننا طلاب العلم والسامعين جميعاً أننا إذا قلنا جدلاً أن معنى الحديث كما زعموا وهو باطل يقيناً، لكن سنزداد بياناً لبطلانه بهذا التأويل، فنقول: إذا كان معنا حديث: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، ومن ابتدع في الإسلام بدعة سيئة، ما هو الميزان وما هو الضابط وما هي القاعدة لمعرفة البدعة الحسنة من البدعة السيئة؟ أهو العقل أم النقل؟
فإن كان قولهم وكان جوابهم إنما هو العقل خرجوا من كونهم كما يقولون من أهل السنة والجماعة، وألحقوا أنفسهم بأهل الاعتزال والضلال الذين يقولون بما يعرف عند العلماء بالتحسين والتقبيح العقليين.
المعتزلة من ضلالاتهم التي خالفوا فيها جماهير علماء المسلمين أنهم يقولون بما سمعتم، بالتحسين والتقبيح العقليين.
معنى هذا يزعمون فيقولون: ما حسنه العقل فهو الحسن عند الله، وما استقبحه العقل فهو القبيح عند الله، سبحانه وتعالى عما يشركون ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، ما يحكم عقله بأنه حسن فينبغي أن يكون حسناً، وما يحكم عقلهم بأنه قبيح فينبغي أن يكون قبيحاً، لذلك
стр. 4089
اتفقت المذاهب كلها ليس فقط مذهب أهل السنة على بطلان ما عليه المعتزلة من قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين، لكن الواقع مع الأسف أن كثيراً من المنتمين إلى أهل السنة والجماعة لسان حالهم يعبر عن أنهم في بواطنهم مع المعتزلة، أي: أنهم يحسنون ويقبحون بعقولهم وهذا واضح جداً حينما تناقش أحد الأساتذة أو أحد الدكاترة أو أحد المشايخ المتعصبين المتمذهبين، تقول لهم: الشيء الفلاني بدعة؟ يقول لك: يا أخي ماذا بها؟ فيها ذكر الله، فيها الصلاة على رسول الله، أنتم تنهون عن ذكر الله وعن الصلاة على رسول الله ﵌.
حكم عقله، ما سلم عقله لله ورسوله كما قال : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، فهم ردوه إلى عقولهم.
هذا اعتزال ضمني هم يتبرؤون من الاعتزال ويضللون المعتزلة، وقد يشتط بعضهم فيكفرونهم، مع ذلك فهم يلتقون معهم في كثير من الأحكام الفرعية حينما يحكمون عقولهم، فالآن نحن في هذا الحديث وهو: «من سن في الإسلام» إذا سلمنا جدلاً أن معنى: «من سن» أي: من ابتدع.
حسناً: هل البدعة على هوانا أم على شرعنا؟ من الذي يحسن، من الذي يقبح؟ هو الشرع.
حينئذ سنقول: يا أخي إذا ادعيت أن هذا الحادث سنة حسنة فالحسنة إنما تعرف بالنص الشرعي، فنقول: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١].
ولن يجدوا مطلقاً دليلاً على استحسان بدعة ليس لها أصل في السنة.
بعد هذا التعليق لبيان أن هذا الحديث لا يمكن الاستدلال به على ما يناقض القاعدة السابقة: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار»، إنما المقصود بالحديث كما ذكرت آنفاً هو حض المسلمين على إحياء عبادات وسنن سواء كانت مستحبة أو كانت مؤكدة فضلاً عما إذا كانت من الفرائض، ففي هذا الحديث حض بالغ على
стр. 4090
إحياء ما أهمله الناس وما تركوه لسبب من الأسباب التي سبقت الإشارة إليها وغيرها؛ ليكون له أجرها وأجر من اتبعه على هذا الإحياء إلى يوم القيامة.
ذكرت الحديث الآخر وكما قلت لأرمي به عصفورين بحجر واحد، أولاً أنه في تفسير المراد من هذا الحديث الصحيح، «من أحيا سنة أميتت من بعدي فله أجرها .. » إلى آخرها.
وثانياً لأذكركم أنكم إذا رأيتم مثل هذا الحديث في بعض الكتاب وسترونه ولا شك؛ لأنه في أحد الكتب الستة وهو بالذات سنن الترمذي، فهذا الحديث رواه الترمذي لكن في إسناده رجل اسمه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني وهو رجل متهم بالكذب، فروى الحديث ربما رواه بالمعنى الذي تبادر له انطلاقاً من الحديث الصحيح، فقال: «من أحيا سنة أميتت من بعدي .. » لكن هذا المعنى الصريح هنا في هذا الحديث الضعيف السند قد جاء في الحديث الصحيح ما يغنينا عنه وهذا من حججنا على هذا التفسير أو على هذا التقسيم المبتدع للسنة، سنة مألوفة وسنة غير مألوفة، أنا لأول مرة أسمع بهذا، عندك علم بهذا التقسيم؟
مداخلة: هذا علم جديد.
الشيخ: الله أكبر.
الحديث الذي أشير إليه الآن، يقول الرسول ﵊: «إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء، قالوا: يا رسول الله! من هم؟ قال: هم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي من بعدي».
إذاً: في هذا الحديث حض المسلمين أن يكونوا من الغرباء، ومن صفة هؤلاء الغرباء أنهم يصلحون ما أفسد الناس من سنة النبي ﵌.
مداخلة: ... من هذه الجملة وهذه العبارة موجودة وسمعناها من بعضهم لكن
стр. 4091
بلفظ آخر وهو: بدعة معروفة خير من سنة مجهولة.
الشيخ: أي نعم هذا صحيح مع الأسف.
إذاً: لا هم سلف يعني، لكنهم من الخلف.
مداخلة: أي نعم، فتذكرت الآن ..
الشيخ: سنة مألوفة وسنة غير مألوفة.
فإذاً: رسول الله ﵌ كما حض المسلمين في الحديث الأول الصحيح أن يحيوا السنة حتى يكتب لهم أجرها وأجر من عمل بها، كذلك حض هنا المسلمين بعامة أن يكونوا من الغرباء ومن صفة هؤلاء الغرباء أنهم يصلحون ما أفسد الناس من سنتي من بعدي.
إلى هنا ينتهي جوابي فيما يحضرني الآن عن هذا التقسيم الذي لا أصل له.
مداخلة: سمعتك تقول إلى هنا انتهى الجواب ..
الشيخ: أي نعم، لكن ليس معناه انتهى كلامي، هناك فرق.
مما لا إشكال فيه أننا لو انطلقنا من هذا التقسيم البدعي فلا شك أن الأمر سيستمر إلى سكون، وإلى انهيار حتى تموت السنن كلها وتحيا البدع وتقوم مقامها، ولا يوجد عالم في الدنيا أبداً حتى لو كان من الخلف يمكن أن يقول بمثل هذا القول، تقسيم السنة إلى هذين القسمين ...
التقسيم هذا مبتدع مخالف لتلك الأصول الصريحة التي تحض المسلمين جميعاً وتحض الغرباء الذي لهم طوبى وحسن مآب، طوبى كما قال ﵊ في الحديث الصحيح: «شجرة في الجنة يمشي الراكب المسرع تحت ظلها مائة عام لا يقطعها».
هذه الشجرة لهؤلاء الغرباء، وصفة الغرباء أنهم يصلحون ما أفسد الناس من
стр. 4092
سنتي بعدي.
فإذاً: ليس هذا التقسيم فقط هو بدعة مخالفة لعموم قوله ﵇: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» بل وهذه البدعة أو هذا التقسيم بدعة مخالف لكل أقوال علماء المسلمين حينما قالوا: كل بدعة تخالف السنة فهي بدعة ضلالة، وإن كانوا يقولوا أن هناك بدعة حسنة؛ لأنهم قالوا بالبدعة الحسنة بشرط أن لا تخالف سنة، فكيف وقد خالفوا سنن كثيرة هاهنا، ولو أن الإنسان تفرغ لتتبع النصوص لوجد أشياء وأشياء كثيرة جداً.
وإلى هنا ينتهي الكلام جواباً عن ذلك السؤال.
مداخلة: يبقى ... في آخر السؤال يا شيخنا ...
الشيخ: تفضل.
مداخلة: وهي مراعاة المصلحة والمفسدة وما هو ضابط المراعاة.
الشيخ: لا شك أن هذه القاعدة كقاعدة علمية لا إشكال إطلاقاً في صحتها، أي: دفع المفسدة قبل جلب المصلحة، دفع المفسدة قبل جلب المصلحة، هذه قاعدة لا إشكال فيها، ولكن أنا ألاحظ على بعض المعاصرين اليوم الذين يجعلون هذه القاعدة تكأة لهم وعماداً لهم في حض الناس على عدم الاهتمام بالسنن المنفية المهملة المتروكة بزعم دفع المفسدة.
يا عجبا! بديل أن ينصحوا جماهير الناس وأن يقولوا لهم أيها الناس إذا سمعتم من بعض الناس سنة وجاؤوكم بحديث عن رسول الله ﵌ تأييداً لهذه السنة سواء كانت من قوله ﵌ أو من فعله، فحذار أن يتسرع أحدكم ويبادر بالإنكار على هؤلاء الذين يأتون بهذه السنة؛ لأن لهم أجرها وأجر من عمل بها إلى آخر الحديث، بديل أن ينصحوا المخالفين للسنة والمحاربين لها يعودون بالنصيحة على هؤلاء الذين يحيون السنة بدعوى دفع المفسدة قبل جلب
стр. 4093
المصلحة.
سبحان الله! هلا قلتم هذا الكلام لأولئك الذين يفسدون في الأرض ويفسدون السنة ولا يصلحون، هؤلاء أولى بأن توجه إليهم هذه النصيحة، وليس إلى أنصار السنة وأتباع السنة ومحيي السنة.
أما الضابط لهذه القاعدة المسلمة فهي مثلاً إذا كان يترتب من وراء العمل بسنة الآن نقول حقيقة عند ناس لا علم لهم مطلقاً بالسنة، لا علم لهم مطلقاً بالسنة وترتب من وراء إحياء هذه السنة هكذا فجأة وطفرة واحدة نضربها كما يقولون عندنا في الشام علاوية، ترتب من ورائها سفك الدماء لا شك أن هذه مفسدة لا تساوي مصلحة العمل بهذه السنة؛ لأن هذه السنة تحتاج إلى توطئة وإلى تمهيد رويداً رويداً حتى قبل كل شيء يسمع الناس أن هناك سنة مثلاً، نضرب مثلاً رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، هذا في بلاد الأعاجم في كثير منها كبلاد الأتراك والألبان واليوغسلاف لا يعرفون رفع اليدين إلا عند تكبيرة الإحرام، فإذا فجأهم رجل برفع اليدين عند الركوع، رفع .. لا شك أنه ستقع مفسدة، ولكن عليه أن يمهد لإحياء هذه السنة بإحياء العلم بالسنة، بتذكيرهم بالأحاديث الواردة في حض المسلمين على التمسك بالسنة والتحذير عن البدعة والآثار الواردة عن السلف الصالح، ويمضي على ذلك أياماً حتى يرى بأن الناس قد تهيؤوا لقبول سنة من السنن المتروكة والمهجورة.
فهذا هو الضابط تقريباً، والدليل على ذلك أن النبي ﵌ لما دخل مكة فاتحاً منصوراً مأزوراً، ودخل وصلى ركعتين في جوف الكعبة شكراً لله على هذا الفتح الكبير وخرج أرادت زوجه عائشة رضي الله تعالى عنها أن تفعل فعل نبيها، وأن تصلي ركعتين في جوف الكعبة، وأنتم تعلمون مع الأسف حتى الآن باب الكعبة هو على الوضع الذي كان في زمن الجاهلية مرتفع لا يمكن الصعود إلى جوف الكعبة إلا بسلم، وهذا السلم مع الأسف لا يوضع إلا .. لا أقول لخاصة الناس،
стр. 4094
ربما يصح أن أقول لبعض أكابر مجرميها.
مداخلة: لخاصة أكابر مجرميها.
الشيخ: لخاصة أكابر مجرميها، وهكذا كان الأمر في عهد الرسول ﵇، فقال لها تيسيراً له في الاقتداء منها برسول الله ﵌: «صلي في الحجر» كلكم يعلم الحجر المسور بهذا القوس من الجدار.
«فإنه من الكعبة، ولولا أن قومك -هنا الشاهد- حديثو عهد بالشرك لهدمت الكعبة ولبنيتها على أساس إبراهيم ﵇، ولجعلت لها بابين مع الأرض» مع الأرض وليس سلم كأي مسجد تدخل من هذا الباب وتخرج من هذا الباب، هذا هو الذي بني على اليسر.
«ولجعلت بها بابين مع الأرض، باباً يدخلون منه وباباً يخرجون منه»، ما فعل الرسول ﵇ ذلك، وإلى اليوم مع الأسف لم يقم هذا الإصلاح، كأن المسلمين تمسكوا بتركه ﵇ بهذا الإصلاح، وهنا لا بد لي من تقسيم ليس كذاك التقسيم، إنه تقسيم علمي دقيق، وذكرني بهذا التقسيم هو هذا الحديث.
السنة تنقسم إلى قسمين: سنة فعلية، وسنة تركية.
إذا قرأتم هذا التقسيم في بعض الكتب الغير مُشَكّلة ومضبوطة تقرؤوها سنة فعلية وسنة تُركية، لا سنة فعلية، وسنة تَركية، سنة فعلية أي: سنة فعلها الرسول ﵌ فالأمر بحقنا أن نقتدي به ﵇.
وسنة تَركية: أي تركها الرسول ﵇ لم يفعلها، فالسنة في حقنا تركها.
هذا التقسيم ليس كذاك التقسيم، هذا إنه لحق مثلما أنكم تنطقون، والأمثلة كثيرة جداً، ولجهل جماهير الخلف لهذا التقسيم العادل الصحيح وقعوا في الابتداع في الدين بالعشرات، المئات، الألوف من البدع، وهم مع الأسف يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
стр. 4095
كلنا يعلم أن من السنة الأذان للصلوات الخمس، بل أقول هذا من الواجب، لكن هناك خلاف بين الفقهاء هل الأذان سنة أم واجب، منهم ومنهم، وفيهم من قال إنه شعيرة من شعائر الإسلام، وأنه لا يجوز إهماله ولا بد من القيام به، وتوسط بين القول بأنه سنة مؤكدة وبين أنه واجب.
فهب أن الأذان للصلوات الخمس سنة، لكن هناك صلوات أخرى، فهل يشرع لها الأذان، مثلاً صلاة الاستسقاء، صلاة العيدين، صلاة الكسوف والخسوف، لا يشرع لهذه الصلوات الأذان، ما هو الحجة، كثير من جهلة بتلك القاعدة العظيمة، كل بدعة ضلالة، إذا قلت له يا أخي هذه بدعة ما فعلها الرسول ﵌، ما فعلها الصحابة، يقول لك: يا أخي هل لديك نهي عنها؟ يريد نهياً خاصاً عن هذه المحدثة، نقول نحن أولاً: ليس من الضروري أن يكون هناك نهي عن كل جزئية وأن يكون هناك أمر بكل جزئية، هناك قواعد عامة، وقاعدتنا هنا: كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
فإذاً: هناك نهي، لكن فهمه من فهمه، علمه من علمه، وجهله من جهله.
الخلاصة أن هذه الصلوات التي ذكرناها أخيراً من غير الصلوات الخمس لماذا لا نؤذن لها؟ لأن الرسول ﵌ لم يؤذن لها.
إذاً: ما تركه الرسول ﵌ فسنة بحقنا أن نتركه، ما فعله الرسول ﵌ فسنة بحقنا أن نفعله.
الآن نعود إلى قصة الكعبة، قال ﵇: «ولولا أن قومك حديثو عهد بالشرك لهدمت الكعبة .. » إلى آخره.
مع الأسف الشديد استمرت الكعبة على ما تركه الرسول ﵇ أو تركها عليهم كأنهم طبقوا هذه القاعدة أن الرسول ترك هذا، فإذاً نحن نتركها، لكن الرسول ﵌، انظروا الآن معي الفقه ودقة الفقه للنصوص.
стр. 4096
الرسول ﵌ ترك لعلة كانت يومئذ، قال: «لولا أن قومك حديثو عهد بالشرك» طيب يا أخي وبعد مائة سنة ومائتين سنة، الحمد لله، الإسلام انتشر ولم يبق هناك قوم بل أقوام هم حديثو عهد بالشرك.
إذاً: كان من الواجب على بعض الولاة والحكام المسلمين أن يقوموا بإصلاح ما أفسده المشركون، وتركه الرسول ﵇ لعلة وهذه العلة زالت، ومن القواعد الأصولية أن الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً، فإذا زالت العلة زال المعلول.
إذاً: زال المشركون وطهر الله الجزيرة العربية من الشرك وعهده، فكان ينبغي على بعض حكام المسلمين أن يعيدوا الكعبة إلى أساس إبراهيم ﵇ كما قال رسول الله ﵌.
لقد شاء الله بحكمته أن يقوم أحد المصلحين من الصحابة وأبناء الصحابة يوم قدر له أن يكون حاكماً في الحجاز، ألا وهو عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما، تعلمون مع الأسف الخلاف الذي نشب بين الأمويين وبين عبد الله بن الزبير من حيث أنه بويع عبد الله بن الزبير بالخلافة في الحجاز، وكانت الخلافة يومئذ انتقلت إلى معاوية ثم إلى بعض أولاده وبني أمية، عبد الله بن الزبير كما تعلمون جميعاً أمه أسماء، وأسماء هي أخت عائشة، وكلتاهما ابنتا أبي بكر الصديق، فإذاً: عائشة هي خالة عبد الله بن الزبير، عائشة هي صاحبة القصة التي سمعتموها آنفاً: «ولولا أن قومك حديثو عهد بالشرك .. » إلى آخره، فاهتبلها فرصة عبد الله بن الزبير وأعاد الكعبة على أساس إبراهيم ﵇، لكن لحكمة يريدها الله ويعلمها الله قتل عبد الله بن الزبير، وصلب مع الأسف هناك في مكة واستتب الأمر للأمويين، وكان يومئذ الخليفة هو عبد الملك بن مروان، ومن مصائب الدنيا ومفاتنها ومفاتن الولايات والكراسي، أن هذا الرجل عبد الملك بن مروان كان من علماء المسلمين قبل أن يتولى الخلافة، فلما تولى الخلافة انقلب شخصاً آخر، ومن ذلك أنه حينما قتل عبد الله بن الزبير واستتب
стр. 4097
الأمر لعبد الملك أمر بإعادة بناء الكعبة إلى ما كانت عليه في عهد الجاهلية، وذات يوم وهو في عرشه في ملكه جاءت قصة عبد الله بن الزبير وتجنيده لبناء الكعبة على أساس إبراهيم ﵇، كأنه ينقم عليه، فأحد أهل العلم ممن لا تأخذهم بالله لومة لائم، قال: يا أمير المؤمنين! إنني سمعت عبد الله بن الزبير يقول: حدثتني عائشة عن رسول الله ﵌، وذكر هذا الحديث ..
قال عبد الملك آسفاً كما يقولون: بعد خراب البصرة، لا خراب الكعبة أهم من خراب البصرة، قال: لو أنني كنت على علم بهذا الحديث لتركت الكعبة على بناء عبد الله بن الزبير.
فأنا أقول مع الأسف الشديد بعد أن أعاد عبد الملك الكعبة إلى عهدها في الجاهلية لم يقم هناك حاكم مسلم ليعيد الكعبة على أساس إبراهيم ﵇، ويبطل هذه العادة التي يخصص بها بعض الناس ممن لا يستحقون أن يدخلوا المسجد الحرام فضلاً عن أن يدخلوا في جوف الكعبة، أن يجعلوا للكعبة بابين بعد أن يوسعوا دائرتها، ويدخلوا الناس من باب ويصلي فيها من شاء ويخرج من باب آخر، هذا أصل من أصول نستطيع أن نقول تنظيم السير، خاصة في مثل هذه الأماكن المزدحمة، لكن مع الأسف أكثر الحكام هم مقلدون ولا يحرصون على إحياء السنن وإماتة البدع، وأنا أعتقد أن الأمر في هذا الزمان هو أيسر وأحسن زمن ممكن أن يقوم فيه حاكم مسلم بالإصلاح؛ لأن التمهيد الآن بواسطة الدعايات والإذاعات في التلفاز وغير التلفاز .. إلى آخره، ممكن غزو العالم الإسلامي بالأفكار الصحيحة وتهيئته لإصلاح جديد لا يفاجأ به العالم هكذا مفاجأة فتقوم ثورة، هذا ممكن جداً وميسر لو كان هناك من يهتم بالإصلاح.
الخلاصة أن السنة التي تركها الرسول ﵌ نحن علينا أن نتركها لأننا لسنا أفقه منه ولا أبعد منه وكذلك أصحابه ﵇ والسلف الصالح الذين قال فيهم الرسول ﵇: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم».
(الهدى والنور /٦١٠/ ٣٨: ٠٠: ٠٠)
стр. 4098
من يقول بترك السنة لأجل
الاشتغال بالدعوة
مداخلة: ويقول أيضًا: ما قولكم فيمن يقول بترك السنة لأجل الاشتغال بالدعوة؟
الشيخ: والله في هذه المسألة نظر كبير؛ لأني أرى من فتنة العصر الحاضر أن كل واحد منا صار عنده شيء من الحماس ولو كبير وقليل من العلم يعتبر نفسه داعية ويسوغ له من نفسه أمورًا كان هو أحوج إلى فعلها لتركه إياها؛ ولذلك فأنا أقول: إن تركها اتباعًا لمذهب ذلك الأعرابي أو النجدي الذي سأل النبي ﵌ عما فرض الله عليه من الصلوات، فأجابه ﵊ بأن الله فرض خمس صلوات في كل يوم وليلة، وتمام الحديث معروف، لكن في كل فريضة كان يذكرها الرسول، كان يسأل ذلك السائل: هل علي غيرهن؟ كان الجواب منه ﵇: لا، إلا أن تتطوع، قال: والله يا رسول الله لا أزيد عليهن ولا أنقص، فكان جواب النبي ﵌ أن قال: أفلح الرجل إن صدق .. دخل الجنة إن صدق.
فإذا أراد أحد هؤلاء المسلمين اليوم أن يكون مذهبهم بهذا المذهب أنه لا يؤدي إلا الفرائض، فلا نستطيع له أن نقول: قد أسأت ولكننا نقول له: أفلحت إن صدقت، أما أن نعلل تركه للسنة؛ لأنه مشغول في الدعوة وهو ليس من أهل الدعوة بل هو من أهل الدعوة ...
(رحلة النور ٣١ b/٠٠: ١٥: ٢٤)
стр. 4099
هل دخول البنات الجامعات
من مصلحة الدعوة ؟
مداخلة: يقول: عندنا في أكثر البلاد العربية من يقول: من مصلحة الدعوة دخول البنت في الجامعة مع أن الجامعة مختلطة وذلك لتدعو إلى الله بنات جنسها، فما رأيك يا شيخ مع أننا إذا لم نقم بذلك نُمَكِّن للشيوعيين وغيرهم.
الشيخ: هذا التسويغ لدخول البنات في الجامعات المختلطة هو من باب معالجة الأمر بالداء الوبيل، أي: على مذهب أبي نواس: وداوني بالتي كانت هي الداء، ما أدري كيف يتصور بعض إخواننا المسلمين أنه يمكن الوصول إلى تحقيق المجتمع الإسلامي ويمكن محاربة الشيوعيين وغيرهم كالبعثيين بمخالفة الشريعة، أنا أعجب والله من مثل هذا التصور، أننا نجوز ارتكاب المعصية التي لا ندري عاقبة أمرها بالنسبة لهذه الفتاة المسلمة لتصبح فيما بعد داعية إلى الإسلام زعموا! من الذي يضمن لنا أن من حام حول الحمى لا يوشك أن يقع فيه، ورسول الله ﵌ في الحديث الصحيح يقول: «ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» إن هؤلاء الذين يسوغون ارتكاب مخالفات شرعية بزعم تحقيقات مصالح دينية هم لم يفقهوا ما ذكرنا آنفًا من الأخذ بالوسيلة التي ليس هي محرمة في ذاتها.
وقد ذكرنا أنها ولو كانت وسيلة غير محرمة لذاتها، لكن ما دام أن الشرع لم يشرعها مع وجود المقتضي لها، قلنا: لا يجوز لنا أن نتبناها؛ لأنها تحقق مصلحة مرسلة، فكيف نقول: يجوز تبني وسيلة هي معصية لتحقيق غاية مشروعة، هذا قلب للحقائق الشرعية، وهي مذهب أبي نواس تمامًا: وداوني بالتي كانت هي الداء.
стр. 4100
لا يجوز أبدًا للمسلم أن يخاطر بزوجته أو بأخته، أو بابنته أن يدخلها الجامعة المختلطة لتتعلم، ماذا تتعلم في هذه الجامعة أو تلك؟ أكثر ما تتعلمه ليس لها علاقة الدعوة التي يزعمونها؛ لأنها تتعلم علومًا يمكن بالنسبة للذكور الشباب ما هي بالأمور الواجبة لإخراجه داعية إسلاميًا، فما بالنا بالنسبة للنساء؟ !
أقول: وأنا أضرب لكم مثلًا حساسًا: نحن بحاجة في كل المجتمعات الإسلامية إلى طبيبات مسلمات من أجل ألا نعرض نساءنا للفحص من الرجال، هذه بلا شك ضرورة ملحة، وكيف يمكن تحصيل ذلك إلا بتعريض بناتنا للاختلاط الأشد في دراستها للطب؛ لأن هناك تمارين طبية قد يلتقي رأس الفتاة مع رأس أستاذها، نفسها مع نفسه إن لم نقل خدها مع خده .. كيف نستطيع أن نوجد هذه الطبيبات المسلمات؟ لا بد هنا من كبش الفداء .. من يكون كبش الفداء؟ أولئك الذين يفتون بهذه الفتاوى، فنحن نقول: صحيح أنه يجب أن يكون هناك طبيبات، وهذا ما يقبل جدلًا إطلاقًا، ولكن أنا أرفع من أن أسمح لزوجتي أو أختي أو ابنتي أن تخالط الرجال تلك المخالطة الخطيرة لكي تخرج طبيبة، أنا أخشى ما أخشى أن تقع هذه أو تلك في مشكلة جنسية فتذهب الفكرة من أصلها ألا وهي أن تخرج طبيبة.
ولذلك فأنا أتصور أن لكل ساقطة في الحي لاقطة، لكل رأي مهما كان شاذًا من يتبناه، فإذا وجد ناس يرون جواز هذه الاختلاط فليكونوا في أشخاص نسائهم وأخواتهم وبناتهم كبش الفداء، ثم يأتي دور نسائنا نحن فيتعلمن ممن كن كبش الفداء، ولذلك فلا أجوز أبدًا للمسلم أن يخاطر بعرضه؛ لأنكم سمعتم قوله ﵇ آنفًا: «ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» ومن لا يؤمن بهذا الحديث، أو يؤمن به ويتأوله أي: يعطل معناه بشتى الحيل فعليه هو أن يتبنى نتائج مخاطرته هذه، أما نحن فنسأل الله أن يبعدنا عن أن نرجع بأنفسنا أو بنسائنا هذه المآزق الضيقة.
следующие страницы →